← Тараджим

Тараджим · id 6656

سيرة عمر بن عبد العزيز

ابن عبد الحكم الفقيه

Полный текст (129 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وَآله سَنَد الْمُؤلف قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم حَدثنِي أبي عبد الله بن عبد الحكم قَالَ حَدثنِي مَالك بن أنس وَاللَّيْث بن سعد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الله بن لَهِيعَة وَبكر بن مُضر وَسليمَان بن يزِيد الكعبي وَعبد الله بن وهب وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ومُوسَى بن صَالح وَغَيرهم من أهل الْعلم مِمَّن لم أسم بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكتاب من أَمر عمر بن عبد الْعَزِيز على مَا سميت ورسمت وفسرت وكل وَاحِد مِنْهُم قد أَخْبرنِي بطَائفَة فَجمعت ذَلِك كُله حِكَايَة عمر بن الْخطاب مَعَ الْهِلَالِيَّة وتزويج ابْنه اياها فَكَانَ مِمَّا ذكر من ذَلِك أَن عمر بن الْخطاب ﵁ نهى فِي خِلَافَته عَن مذق اللَّبن بِالْمَاءِ فَخرج ذَات لَيْلَة فِي حَوَاشِي الْمَدِينَة فَإِذا بإمرأة تَقول لإبنة لَهَا أَلا تمذقين لبنك فقد أَصبَحت فَقَالَت الْجَارِيَة كَيفَ أمذق وَقد نهى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن المذق فَقَالَت قد مذق النَّاس فامذقي فَمَا يدْرِي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَت إِن كَانَ عمر لَا يعلم فإله عمر يعلم مَا كنت لأفعله وَقد نهى عَنهُ فَوَقَعت مقالتها من عمر فَلَمَّا أصبح دَعَا عَاصِمًا ابْنه فَقَالَ يَا بني اذْهَبْ إِلَى مَوضِع كَذَا وَكَذَا فاسأل عَن الْجَارِيَة ووصفها لَهُ فَذهب عَاصِم فَإِذا هِيَ جَارِيَة من بني هِلَال فَقَالَ

стр. 2

لَهُ عمر اذْهَبْ يَا بني فَتَزَوجهَا فَمَا أحراها أَن تَأتي بِفَارِس يسود الْعَرَب فَتَزَوجهَا عَاصِم بن عمر فَولدت لَهُ أم عَاصِم بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب فَتَزَوجهَا عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم فَأَتَت بعمر بن عبد الْعَزِيز وَأَخْبرنِي اللَّيْث بن سعد أَنه كَانَ يُقَال الفراسة فراسة الْعَزِيز فِي يُوسُف النَّبِي ﵇ حِين قَالَ ﴿ائْتُونِي بِهِ أستخلصه لنَفْسي فَلَمَّا كَلمه قَالَ إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين﴾ وفراسة عمر بن الْخطاب فِي الْهِلَالِيَّة حِين قَالَ لوَلَده تزَوجهَا وَالله ليوشكن أَن تَأتي بِفَارِس يسود الْعَرَب فَأَتَت بعمر بن عبد الْعَزِيز وَأَخْبرنِي من أرْضى عَن اللَّيْث أَنه قَالَ وفراسة سُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي عمر بن عبد العزيزحيث قَالَ وَالله لأعقدن عقدا لَيْسَ للشَّيْطَان فِيهِ نصيب فعقد لعمر بن عبد الْعَزِيز واستيقظ عمرمن نَومه فَمسح النّوم عَن وَجهه وفرك عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُول من هَذَا الَّذِي من ولد عمر يُسمى عمر يسير بسيرة عمر يُرَدِّدهَا مَرَّات خُلَاصَة سيرة عمر بن عبد الْعَزِيز قبل الْخلَافَة وَولد عمر بن عبد الْعَزِيز بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا شب وعقل وَهُوَ غُلَام بعد صَغِير كَانَ يَأْتِي عبد الله بن عمر كثيرا لمَكَان أمه مِنْهُ ثمَّ يرجع إِلَى أمه فَيَقُول يَا أمه أَنا أحب

стр. 3

أَن أكون مثل خَالِي يُرِيد عبد الله بن عمر فتؤفف بِهِ ثمَّ تَقول لَهُ اغرب أَنْت تكون مثل خَالك تكَرر عَلَيْهِ ذَلِك غير مرّة فَلَمَّا كبر سَار أَبوهُ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان إِلَى مصر أَمِيرا عَلَيْهَا ثمَّ كتب إِلَى زَوجته أم عَاصِم أَن تقدم عَلَيْهِ وَتقدم بِوَلَدِهَا فَأَتَت عَمها عبد الله بن عمر فأعلمته بِكِتَاب زَوجهَا عبد الْعَزِيز إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا يَا ابْنة أخي هُوَ زَوجك فالحقي بِهِ فَلَمَّا أَرَادَت الْخُرُوج قَالَ لَهَا خَلْفي هَذَا الْغُلَام عندنَا يُرِيد عمر فَإِنَّهُ أشبهكم بِنَا أهل الْبَيْت فخلفته عِنْده وَلم تخَالفه فَلَمَّا قدمت على عبد الْعَزِيز اعْترض وَلَده فَإِذا هُوَ لَا يرى عمر قَالَ لَهَا وَأَيْنَ عمر فَأَخْبَرته خبر عبد الله وَمَا سَأَلَهَا من تخليفه عِنْده لشبهه بهم فسر بذلك عبد الْعَزِيز وَكتب إِلَى أَخِيه عبد الْملك بن مَرْوَان يُخبرهُ بذلك فَكتب عبد الْملك أَن يجْرِي عَلَيْهِ ألف دِينَار فِي كل شهر ثمَّ قدم عمر على أَبِيه بعد ذَلِك مُسلما عَلَيْهِ فَأَقَامَ عِنْده مَا شَاءَ الله ثمَّ إِنَّه ركب ذَات يَوْم حمارا فَسقط عَنهُ فشج فَبلغ ذَلِك الْأَصْبَغ بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ غُلَاما فَضَحِك لسقوطه فَبلغ سُقُوطه وَضحك الْأَصْبَغ مِنْهُ عبد الْعَزِيز فاغتاظ على الْأَصْبَغ وَقَالَ لَهُ يسْقط أَخُوك فيشج فتضحك سُرُورًا مِنْك بماأصابه قَالَ لَيْسَ ذَلِك كَذَلِك أَيهَا الْأَمِير لم يضحكني شماتة بِهِ وَلَا سرُور بسقوطه وَلَكِنِّي كنت أرى العلامات من أشج بني أُميَّة مجتمعة فِيهِ إِلَّا الشَّجَّة فَلَمَّا سقط وشج سرني ذَلِك لتكامل العلامات فِيهِ فأضحكني وَهُوَ وَالله أشج بني أُميَّة فَسكت عَنهُ عبد الْعَزِيز وَقَالَ مَا يَنْبَغِي لمن كَانَ يُرْجَى لما يُرْجَى أَن يكون تأديبه إِلَّا بِالْمَدِينَةِ فَبَعثه إِلَى الْمَدِينَة قَالَ ثمَّ ولي عمر على الْمَدِينَة فَسَار بِأَحْسَن سيرة وَكَانَ مَعَ ذَلِك يعصف رِيحه ويرخي شعره ويسبل إزَاره ويتبختر فِي مشيته وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يغمص عَلَيْهِ فِي بطن وَلَا فرج وَلَا حكم

стр. 4

قدوم رجل على عمر بن عبد الْعَزِيز لتعزيته ونصحه قَالَ وأتى رجل إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز حِين هلك سُلَيْمَان فَقَالَ لَهُ ارْض بِقَضَاء الله وَسلم لأَمره وارج مَا عِنْده فَإِن عِنْد الله الْخَيْر الدَّائِم والعوض من المصائب انْظُر إِلَى الَّذِي كنت تخشاه على سُلَيْمَان فاخشه على نَفسك ثمَّ قَامَ الرجل فَقَالَ عمر عَليّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ عمر لأي شَيْء قلت لي هَذَا قَالَ الرجل إِن أمنتني حدثتك قَالَ أَنْت آمن قَالَ رَأَيْتُك بِالْمَدِينَةِ تذيل إزارك وترخي شعرك وتعصف رِيحك فَكنت أعجب كَيفَ يدعك الله فِي سكان أرضه فَلَمَّا جَاءَت حالتك هَذِه رَأَيْت عَليّ من الْحق تعزيتك وَأَدَاء حَقك فَقَالَ لَهُ عمر يَا أخي إِن كنت مُقيما مَعنا بأرضنا فتعاهدنا وَإِن خرجت فَفِي حفظ الله المشية العمرية وإفراط عمر قبل الْخلَافَة فِي النَّعيم قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز من أعظم أموي ترفها وتملكا غذي بِالْملكِ وَنَشَأ فِيهِ لَا يعرف إِلَّا وَهُوَ تعصف رِيحه فتوجد رَائِحَته فِي الْمَكَان الَّذِي يمر فِيهِ وَيَمْشي مشْيَة تسمى العمرية فَكَانَ الْجَوَارِي يتعلمنها من حسنها وتبختره فِيهَا وَإنَّهُ ترك كل شَيْء كَانَ فِيهِ لما اسْتخْلف غير مشيته فَإِنَّهُ لم يسْتَطع تَركهَا فَرُبمَا قَالَ لمزاحم ذَكرنِي إِذا رَأَيْتنِي أَمْشِي فيذكره فيخلطها ثمَّ لَا يَسْتَطِيع إِلَّا إِيَّاهَا فَيرجع إِلَيْهَا وَكَانَ يسبل إزَاره حَتَّى رُبمَا دخلت نَعله فِيهِ فيتحامل عَلَيْهِ فيشقه وَلَا يخلعها وَيسْقط أحد شقي رِدَائه عَن مَنْكِبه فَلَا يرفعهُ وتنقطع نَعله فَلَا يعرج

стр. 5

عَلَيْهَا وَرُبمَا لحقه بهَا الْمَمْلُوك فيعنفه ويطبع بِخَاتمِهِ فتتسخ الطينة من العنبر فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى ولي الْخلَافَة فزهد فِي الدُّنْيَا ورفضها اعتذار عمر الى سعيد بن الْمسيب قَالَ وَأرْسل عمر بن عبد الْعَزِيز فِي ولَايَته على الْمَدِينَة رَسُولا إِلَى سعيد بن الْمسيب يسْأَله عَن مَسْأَلَة وَكَانَ سعيد لَا يَأْتِي أَمِيرا وَلَا خَليفَة فَأَخْطَأَ الرَّسُول فَقَالَ هَل الْأَمِير يَدْعُوك فَأخذ نَعْلَيْه وَقَامَ إِلَيْهِ (من وقته) فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ عزمت عَلَيْك يَا أَبَا مُحَمَّد إِلَّا رجعت إِلَى مجلسك حَتَّى يَسْأَلك رَسُولنَا عَن حاجتنا فَإنَّا لم نزسله ليدعوك وَلكنه أَخطَأ إِنَّمَا أرسلناه ليسألك وَلم ير سعيد أَنه يَسعهُ التَّخَلُّف عَنهُ تنحي عمر فِي الْمَسْجِد مرضاة لِابْنِ الْمسيب قَالَ وَخرج عمر بن عبد الْعَزِيز ذَات لَيْلَة إِلَى الْمَسْجِد فَقَامَ ليُصَلِّي وَكَانَ حسن الصَّوْت فصلى قَرِيبا من سعيد بن الْمسيب فَقَالَ سعيد لغلامه برد يَا برد نح عَن هَذَا القارىء فقد آذَانا بِصَوْتِهِ وَتَمَادَى عمر فِي صلَاته فَعَاد سعيد لبرد فَقَالَ يَا برد وَيحك ألم أقل لَك نح هَذَا القارىء عَنَّا فَقَالَ برد لَيْسَ الْمَسْجِد لنا فَسمع ذَلِك عمر فَأخذ نَعْلَيْه وَتَنَحَّى إِلَى نَاحيَة من الْمَسْجِد خُرُوج عمر مَعَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك قَالَ وَخرج عمر بن عبد الْعَزِيز مَعَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك إِلَى مخرج من مخارجه لم يكن عمر قدم فِيهِ ثقلا فَبلغ الْمنزل وَصَارَ كل رجل إِلَى مضربه الَّذِي قدمه وَصَارَ سُلَيْمَان إِلَى حجرَة ثمَّ فقد عمر فَقَالَ اطلبوه فَمَا أرَاهُ قدم شَيْئا فَطلب فَوجدَ تَحت شَجَرَة باكيا فَأخْبر بذلك سُلَيْمَان فَدَعَاهُ فَقَالَ مَا يبكيك يَا أَبَا

стр. 6

حَفْص قَالَ أبكاني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي ذكرت يَوْم الْقِيَامَة من قدم شَيْئا وجده وَلم أقدم شَيْئا فَلم أجد شَيْئا تبرؤ عمر من الْكَذِب وتجهزه لفراق سُلَيْمَان قَالَ وَخرج عمر بن عبد الْعَزِيز مَعَ سُلَيْمَان يُرِيد الصائفة فَالتقى غلمانه وغلمان سُلَيْمَان على المَاء فَاقْتَتلُوا فَضرب غلْمَان عمر غلْمَان سُلَيْمَان فشكوا ذَلِك إِلَى سُلَيْمَان فَأرْسل إِلَى عمر فَقَالَ لَهُ ضرب غلمانك غلماني قَالَ مَا علمت فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان كذبت قَالَ مَا كذبت مذ شددت عَليّ إزَارِي وَعلمت أَن الْكَذِب يضر أَهله وَإِن فِي الأَرْض عَن مجلسك هَذَا لسعة فتجهز يُرِيد مصر فَبلغ ذَلِك سُلَيْمَان فشق عَلَيْهِ فَدخلت فِيمَا بَينهمَا عمَّة لَهما فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَان قولي لَهُ يدْخل عَليّ وَلَا يعاتبني فَدخل عَلَيْهِ عمر فَاعْتَذر إِلَيْهِ سُلَيْمَان وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا حَفْص مَا اغتممت بِأَمْر وَلَا أكربني أَمر إِلَّا خطرت فِيهِ على بالي فَأَقَامَ تخلص عمر من تَعْزِيَة الْوَلِيد بالحجاج قَالَ وَلما أَتَى نعي الْحجَّاج بن يُوسُف وَدخل النَّاس على الْوَلِيد يعزونه وَلم يعزه عمر فَوجدَ الْوَلِيد من ذَلِك وَقَالَ مَا مَنعك يَا عمر أَن تعزيني بالحجاج كَمَا عزاني النَّاس فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الْحجَّاج منا أهل الْبَيْت فَنحْن نعزى بِهِ وَلَا نعزي قَالَ صدقت وَكَانَ عمر يَقُول مَا أحب أَن لي بلوذان الْكَلَام كَذَا وَكَذَا

стр. 7

قَول عمر عِنْد موت الْحجَّاج قَالَ وَلما بلغ عمر وَفَاة الْحجَّاج قَالَ رغم أنفي لله أَن قطع مُدَّة الْحجَّاج استعفاؤه الْخَلِيفَة من ممر الْحجَّاج عَلَيْهِ قَالَ وَكَانَ الْحجَّاج قد ولي الْمَوْسِم فَكتب عمر إِلَى الْخَلِيفَة يستعفيه أَن يمر عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ فَكتب إِلَى الْحجَّاج إِن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَيّ يستعفيني من ممرك عَلَيْهِ فَلَا عَلَيْك أَن لَا تمر بِمن كرهك فَتنحّى عَن الْمَدِينَة إعظامه مَسْجِد الرَّسُول قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِذْ كَانَ واليا على الْمَدِينَة إِذا بَات على ظهر الْمَسْجِد مَسْجِد رَسُول الله ﷺ لم تقربه امْرَأَة إعظاما لمَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَتْوَى عمر فِيمَن سبّ الْخُلَفَاء قَالَ وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز أرسل إِلَيّ الْوَلِيد بن عبد الْملك فِي الظهيرة فِي سَاعَة لم يكن يُرْسل إِلَيّ فِي مثلهَا فَوَجَدته فِي قيطون صَغِير لَهُ بَابَانِ بَاب يدْخل مِنْهُ وَبَاب خلف ظَهره ينحرف مِنْهُ إِلَى أَهله قَالَ فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ قاطب بَين عَيْنَيْهِ فَقَالَ لي اجْلِسْ هَا هُنَا فأجلسني بَين يَدَيْهِ مجْلِس الْخصم وَلَيْسَ عِنْده إِلَّا خَالِد بن الريان قَائِما بِسَيْفِهِ فَقَالَ كَيفَ ترى فِيمَن سبّ الْخُلَفَاء أَتَرَى أَن يقتل قَالَ فَسكت فَانْتَهرنِي وَقَالَ مَالك لَا تَتَكَلَّم فَسكت فَعَاد لمثلهَا فَقلت أفتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا وَلكنه سبّ الْخُلَفَاء قلت فَإِنِّي أرى أَن ينكل بِهِ بِمَا انتهك من حُرْمَة الْخُلَفَاء قَالَ فَرفع الْوَلِيد رَأسه الى ابْن الريان وَقَالَ مَا أَظُنهُ

стр. 8

إِلَّا أَن يَقُول لَهُ اضْرِب عُنُقه فَقَالَ إِنَّه فيهم لتائه ثمَّ حول وركيه فَدخل على أَهله فَقَالَ لي ابْن الريان بِيَدِهِ انْصَرف وَكَانَ ابْن الريان لعمر حَافِظًا قَالَ فَانْصَرَفت وَمَا تهب ريح من ورائي إِلَّا وَأَنا أَظن أَنه رَسُول يردني إِلَيْهِ عزل ابْن الريان وَدُعَاء عمر عَلَيْهِ فَلَمَّا ولي عمر بن عبد الْعَزِيز الْخلَافَة عزل خَالِد بن الريان عَن مَوْضِعه الَّذِي كَانَ يكون عَلَيْهِ وَكَانَ حرسيا مَعَ الْوَلِيد بن عبد الْملك وَقَالَ إِنِّي أذكر بأوه وتيهه ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد وَضعته لَك فَلَا ترفعه فَمَا رُؤِيَ شرِيف قد خمد ذكره حَتَّى لَا يذكر مَا خمد ذكر خَالِد بن الريان حَتَّى إِن كَانَ الرجل ليقول لَيْت شعري مَا فعل خَالِد أَحَي هُوَ أم ميت وَإنَّهُ لفي قَرْيَة صَغِيرَة مَا يدرى أَحَي هُوَ أم ميت قَول عمر لِسُلَيْمَان فِي الرَّعْد والبرق قَالَ وَخرج سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَمَعَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْحَج فَأَصَابَهُمْ مطر شَدِيد ورعد وبرق فَقَالَ سُلَيْمَان هَل رَأَيْت مثل هَذَا يَا أَبَا حَفْص فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا فِي حِين رَحمته فَكيف بِهِ فِي حِين غَضَبه استنقاذ عمر المحذومين وَقد أَمر سُلَيْمَان بتحريقهم قَالَ وَحج سُلَيْمَان وَمَعَهُ عمر فَبَيْنَمَا هُوَ يسير ذَات لَيْلَة على رَاحِلَته قرب مَكَّة وَقد نعس إِذْ صَاح بِهِ المجذمون وضربوا بأجراسهم فَاسْتَيْقَظَ سُلَيْمَان فَزعًا وَقد بشع بهم وأفزعوه فَأمر بتحريقهم بالنَّار فَرجع الْمَأْمُور مَا يدْرِي مَا يصنع

стр. 9

بهم حَتَّى لَقِي عمر بن عبد العزبز فَقَالَ يَا أَبَا حَفْص حدث أَمر عَظِيم من أَمِير الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ أَنه مر بهؤلاءالجذمى وَهُوَ نَائِم على رَاحِلَته فراعه من نَومه صِيَاحهمْ وَضرب أجراسهم فَغَضب وَأمر بتحريقهم فَقَالَ لَهُ عمر لَا تعجل حَتَّى ألحقهُ فَلحقه فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل رَأَيْت مثل هَؤُلَاءِ المبتلين فنسأل الله الْعَافِيَة فَلَو أمرت بإخراجهم قَالَ لَهُ أصبت فَأمر بإخراجهم فَرجع عمر وَرَاءه فَقَالَ للْمَأْمُور قد أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ بإخراجهم طلب عمر مِيرَاث بعض أخواته وَمَا كَانَ بَينه وَبَين أَيُّوب بن سُلَيْمَان قَالَ وكلم عمر بن عبد الْعَزِيز سُلَيْمَان بن عبد الْملك فِي مِيرَاث بعض بَنَات عبد الْعَزِيز من بني عبد الْملك فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك إِن عبد الْملك كتب فِي ذَلِك كتابا مَنعهنَّ ذَلِك فَتَركه يَسِيرا ثمَّ رَاجعه فَظن سُلَيْمَان أَنه اتهمه فِيمَا ذكر من رَأْي عبد الْملك فِي ذَلِك الْأَمر فَقَالَ سُلَيْمَان لغلامه ائْتِنِي بِكِتَاب عبد الْملك فَقَالَ لَهُ عمر أَبَا الْمُصحف دَعَوْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أَيُّوب بن سُلَيْمَان ليوشكن أحدكُم أَن يتَكَلَّم الْكَلَام تضرب فِيهِ عُنُقه فَقَالَ لَهُ عمر إِذا أفْضى الْأَمر اليك فَالَّذِي دخل على الْمُسلمين أعظم مِمَّا تذكر فزجر سُلَيْمَان أَيُّوب فَقَالَ عمر إِن كَانَ جهل فَمَا حلمنا عَنهُ قَول عمر حِين خرج من الْمَدِينَة قَالَ وَلما خرج عمر بن عبد الْعَزِيز من الْمَدِينَة الْتفت إِلَيْهَا وَبكى وَقَالَ يَا

стр. 10

مُزَاحم أنخشى أَن نَكُون مِمَّن نفت الْمَدِينَة مَا قَالَه عمر لمزاحم حِين تطير قَالَ وَلما خرج عمر بن عبد الْعَزِيز من الْمَدِينَة نظرت فَإِذا الْقَمَر فِي الدبران فَكرِهت أَن أَقُول ذَلِك لَهُ فَقلت أَلا تنظر إِلَى الْقَمَر مَا أحسن استواءه فِي هَذِه اللَّيْلَة فَنظر عمر فَإِذا هُوَ بالدبران فَقَالَ كَأَنَّك أردْت أَن تعلمني أَن الْقَمَر بالدبران يَا مُزَاحم إِنَّا لَا نخرج بشمس وَلَا بقمر وَلَكنَّا نخرج بِاللَّه الْوَاحِد القهار بِشَارَة الْخضر لعمر بالخلافة قَالَ وَخرج ذَات لَيْلَة على مركب لَهُ يسير وَحده وَتَبعهُ مُزَاحم فَتقدم عمر وَتَأَخر مُزَاحم فَنظر مُزَاحم فَإِذا هُوَ بِرَجُل يُسَايِر عمر وَعَهده بِهِ وَحده وَقد وضع الرجل يَده على عاتق عمر قَالَ مُزَاحم فَقلت فِي نَفسِي من هَذَا إِن هَذَا لذُو دَالَّة عَلَيْهِ فحركت للحوق بِهِ فَأَدْرَكته فَإِذا هُوَ وَحده لَا أرى مَعَه أحدا غَيره فَقلت لَهُ رَأَيْت مَعَك رجلا آنِفا قد وضع يَده على عاتقك وَهُوَ يسايرك فَقلت فِي نَفسِي من هَذَا إِن هَذَا لذُو دَالَّة عَلَيْهِ فلحقتكما فَلم أر أحدا غَيْرك فَقَالَ عمر أوقد رَأَيْته يَا مُزَاحم قَالَ نعم قَالَ إِنِّي لأحسبك رجلا صَالحا ذَلِك يَا مُزَاحم الْخضر أعلمني أَنِّي سألي هَذَا الْأَمر وأعان عَلَيْهِ

стр. 11

مُوَافقَة صَلَاة عمر صَلَاة النَّبِي قَالَ وَلما قدم أنس بن مَالك خَادِم النَّبِي ﷺ من الْعرَاق إِلَى الْمَدِينَة كَانَت تعجبه صَلَاة عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ عمر أميرها فصلى أنس خَلفه فَقَالَ مَا صليت خلف إِمَام بعد رَسُول الله ﷺ أشبه صَلَاة بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ من إمامكم هَذَا وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود ويخفف الْقعُود وَالْقِيَام اسْتِخْلَاف عمر وكراهيته ذَلِك وحيلة رَجَاء فِي إبرام الْبيعَة وَكَانَ لِسُلَيْمَان بن عبد الْملك ابْن يُقَال لَهُ أَيُّوب بن سُلَيْمَان فعقد لَهُ ولَايَة الْعَهْد من بعده ثمَّ إِن أَيُّوب توفّي قبل سُلَيْمَان وَلم يبْق لِسُلَيْمَان ولد إِلَّا صَغِير فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة أَرَادَ أَن يسْتَخْلف فحضره عمر بن عبد الْعَزِيز ورجاء بن حَيْوَة فَقَالَ لرجاء اعْرِض عَليّ وَلَدي فِي القمص والأردية فعرضهم عَلَيْهِ فَإِذا هم صغَار لَا يحْتَملُونَ مَا لبسوا من القمص والأردية يسحبونها سحبا فَنظر إِلَيْهِم وَقَالَ يَا رَجَاء (إِن بني صبية صغَار ... أَفْلح من كَانَ لَهُ كبار) فَقَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز ياأمير الْمُؤمنِينَ يَقُول الله ﵎ ﴿قد أَفْلح من تزكّى وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ ثمَّ قَالَ يَا رَجَاء اعْرِض عَليّ بني فِي السيوف فقلدهم السيوف ثمَّ عرضهمْ عَلَيْهِ فَإِذا هم صغَار لَا يحملونها يجرونها جرا فَنظر إِلَيْهِم وَقَالَ (إِن بني صبية صيفيون ... أَفْلح من كَانَ لَهُ ربعيون)

стр. 12

فَقَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول الله ﵎ ﴿قد أَفْلح من تزكّى وَذكر اسْم ربه فصلى﴾ فَلَمَّا لم ير فِي وَلَده مَا يُرِيد حدث نَفسه بِولَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز لما كَانَ يعرف من حَاله فَشَاور رَجَاء فِيمَن يعْقد لَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ رَجَاء بعمر وسدد لَهُ رَأْيه فِيهِ فَوَافَقَ ذَلِك رَأْي سُلَيْمَان وَقَالَ لأعقدن عقدا لَا يكون للشَّيْطَان فِيهِ نصيب فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ وَجَعه عهد عهدا لم يطلع عَلَيْهِ أحدا إِلَّا رَجَاء بن حَيْوَة الْكِنْدِيّ اسْتخْلف فِيهِ عمر بن عبد الْعَزِيز وَيزِيد بن عبد الْملك من بعد عمر فَدخل سعيد ابْن خَالِد مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَبَعض أهل بَيته يعودون سُلَيْمَان فَرَأَوْا بِهِ الْمَوْت فَمشى عمر بن عبد الْعَزِيز وَسَعِيد بن خَالِد ورجاء بن حَيْوَة وتخلف عمر كَأَنَّهُ يعالج نَعْلَيْه حَتَّى أدْركهُ رَجَاء فَقَالَ لَهُ يَا رَجَاء إِنِّي أرى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الْمَوْت وَلَا أَحْسبهُ إِلَّا سيعهد وَأَنا أناشدك الله إِن ذَكرنِي بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا صددته عني وَإِن لم يذكرنِي أَن لَا تذكرني لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك فَقَالَ رَجَاء لعمر لقد ذهب ظَنك مذهبا مَا كنت أحسبك تذهبه أتظن بني عبد الْملك يدخلونك فِي أُمُورهم وَقد كَانَ سُلَيْمَان فرغ من ذَلِك وَلكنه أَرَادَ إخفاءه عَن عمر فَلَمَّا ولي هِشَام بن عبد الْملك ذكر لَهُ فعل رَجَاء بن حَيْوَة فَقَالَ أوليس بِصَاحِب عمر بن عبد الْعَزِيز يَوْم وَافقه ثمَّ أصبح وَقد اسْتخْلف فَذكر لرجاء فَقَالَ رَجَاء أَولا أخْبركُم عَن ذَلِك الْموقف إِن عمر نشدني الله أَن لَا أذكرهُ فِي شَيْء من أَمر الْخلَافَة وَإِن كَانَ سُلَيْمَان ذكره أَن أصده

стр. 13

عَنهُ فَعجب هِشَام من قَول رَجَاء وَقَالَ وَمَا أَحسب عمر خطا خطْوَة قطّ إِلَّا وَله فِيهَا نِيَّة فَلَمَّا حضر سُلَيْمَان وَاشْتَدَّ مَا بِهِ أَمر بالبيعة لمن كَانَ فِي كِتَابه مِمَّن عهد إِلَيْهِ فَبَايع النَّاس وَلَا يعلمُونَ من فِي كِتَابه ثمَّ قضى الله على سُلَيْمَان بِالْمَوْتِ فَلَمَّا مَاتَ كتمه رَجَاء بن حَيْوَة ثمَّ خرج إِلَى النَّاس فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَأْمُركُمْ بتجديد الْبيعَة لمن كَانَ عهد إِلَيْهِ وَقد أصبح بِحَمْد الله صَالحا فَقَالُوا أوصلنا إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ لنَنْظُر إِلَيْهِ وننفذ لأَمره فَدخل فَأمر بِهِ فأسند بالوسائد وَأقَام عِنْده خَادِمًا وَأمر بِالنَّاسِ فأدخلوا عَلَيْهِ فيقفون عِنْد الْبَاب فيسلمون من بعيد يرَوْنَ شخصه فَيرد الْخَادِم عَنهُ رد الْمَرِيض وهم ينظرُونَ إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَأْمُركُمْ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تبايعوا لمن عهد إِلَيْهِ وتسمعوا لَهُ وتطيعوا فَخَرجُوا إِلَى الْمَسْجِد وَالنَّاس مجتمعون وُجُوه بني مَرْوَان وَبني أُميَّة وأشراف النَّاس فَبَايعُوا حَتَّى إِذا رَضِي رَجَاء من ذَلِك نظر فَإِذا هُوَ لَا يرى عمر فَخرج يلتمسه فِي الْمَسْجِد حَتَّى رَآهُ قاصيا فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته قُم إِلَى الْمِنْبَر فَقَالَ أنْشدك الله يَا رَجَاء فَقَالَ رَجَاء أناشدك الله أَن يضطرب بِالنَّاسِ حَبل فقد لَقِي سُلَيْمَان ربه وَقضى الله عَلَيْهِ الْمَوْت فَقَامَ عمر حَتَّى جلس على الْمِنْبَر فنعى للنَّاس سُلَيْمَان وَفتح الْكتاب فَإِذا فِيهِ اسْتِخْلَاف عمر وَيزِيد بن عبد الْملك من بعد عمر فَلَمَّا قَرَأَ ذكر عمر جثا هِشَام بن عبد الْملك على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ هاه فسل رجل من أهل الشَّام سَيْفه وَقَالَ تَقول لأمر قد قَضَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ هاه فَلَمَّا قَرَأَ ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك من بعد عمر قَالَ هِشَام سمعنَا وأطعنا فَسمع النَّاس وأطاعوا وَقَامُوا فَبَايعُوا لعمر

стр. 14

بِشَارَة الرُّؤْيَا بخلافة عمر وَكَانَ رجل قد رأى فِي مَنَامه كَأَن قَائِلا من السَّمَاء ينظر إِلَيْهِ يَقُول أَتَاكُم الْعدْل واللين وَإِظْهَار الْعَمَل الصَّالح فِي الْمُصَلِّين فَقَالَ لَهُ الرجل من هُوَ يَرْحَمك الله فَنزل إِلَى الأَرْض وَكتب بِيَدِهِ عمر فاستخلف عمر فِي يَوْم تِلْكَ اللَّيْلَة أول مَا بَدَأَ بِهِ عمر حِين ولي الْخلَافَة ثمَّ أَخذ فِي جهاز سُلَيْمَان فَخرج بِهِ فحانت الْمغرب قبل أَن يصلى عَلَيْهِ فصلى عمر الْمغرب ثمَّ صلى عَلَيْهِ ثمَّ حمل سُلَيْمَان من قصره إِلَى قَبره فَلَمَّا دفن سُلَيْمَان دَعَا عمر بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَكتب ثَلَاثَة كتب لم يَسعهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله أَن يؤخرها فأمضاها من فوره فَأخذ النَّاس فِي كِتَابه إِيَّاهَا هُنَالك فِي همزه يَقُولُونَ مَا هَذِه العجلة أما كَانَ يصبر إِلَى أَن يرجع إِلَى منزله هَذَا حب السُّلْطَان هَذَا الَّذِي يكره مَا دخل فِيهِ وَلم يكن بعمر عجلة وَلَا محبَّة لما صَار إِلَيْهِ وَلكنه حاسب نَفسه وَرَأى أَن تَأْخِير ذَلِك لَا يَسعهُ أمره مسلمة بالقفول من الْقُسْطَنْطِينِيَّة كتب بقفل مسلمة بن عبد الْملك من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقد كَانَ سُلَيْمَان أغزاه إِيَّاهَا برا وبحرا وأشفى على فتحهَا ثمَّ خدع عَنْهَا حَتَّى أحرزوا طعامهم وحوائجهم ثمَّ أغلقوها دونه بعد الإشفاء عَلَيْهَا فَبلغ ذَلِك سُلَيْمَان فَغَضب مِمَّا فعل بِهِ فَحلف أَن لَا

стр. 15

يقفله مِنْهَا مَا دَامَ حَيا فَاشْتَدَّ عَلَيْهِم الْمقَام وجاعوا حَتَّى أكلُوا الدَّوَابّ من الْجهد والجوع حَتَّى يتَنَحَّى الرجل عَن دَابَّته فتقطع بِالسُّيُوفِ فَبلغ رَأس الدَّابَّة كَذَا وَكَذَا درهما ولج سُلَيْمَان فِي أَمرهم فَكَانَ ذَلِك يغم عمر فَلَمَّا ولي رأى أَنه لَا يَسعهُ فِيمَا بَينه وَبَين الله أَن يَلِي شَيْئا من أُمُور الْمُسلمين ثمَّ يُؤَخر قفلهم سَاعَة فَذَلِك الَّذِي حمله على تَعْجِيل الْكتاب عَزله أُسَامَة عَن مصر وحبسه إِيَّاه وَكتب بعزل أُسَامَة بن زيد التنوخي وَكَانَ على خراج مصر وَأمر بِهِ أَن يحبس فِي كل جند سنة ويقيد وَيحل عَن الْقَيْد عِنْد كل صَلَاة ثمَّ يرد فِي الْقَيْد وَكَانَ غاشما ظلوما معتديا فِي الْعُقُوبَات بِغَيْر مَا أنزل الله يقطع الْأَيْدِي فِي خلاف مَا يُؤمر بِهِ ويشق أَجْوَاف الدَّوَابّ فَيدْخل فِيهَا القطاع ويطرحهم للتماسيح فحبس بِمصْر سنة ثمَّ نقل إِلَى أَرض فلسطين فحبس بهَا سنة ثمَّ مَاتَ عمر ﵀ وَولي يزِيد بن عبد الْملك فَرد أُسَامَة على مصر عَزله يزِيد بن أبي مُسلم عَن إفريقية وَكتب بعزل يزِيد بن أبي مُسلم عَن إفريقية وَكَانَ عَامل سوء يظْهر التأله والنفاذ لكل مَا أَمر بِهِ السُّلْطَان مِمَّا جلّ أَو صغر من السِّيرَة بالجور والمخالفة للحق وَكَانَ فِي هَذَا يكثر الذّكر وَالتَّسْبِيح وَيَأْمُر بالقوم فيكونون بَين يَدَيْهِ يُعَذبُونَ وَهُوَ يَقُول سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله شدّ يَا غُلَام مَوضِع كذاوكذا لبَعض مَوَاضِع الْعَذَاب وَهُوَ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر شدّ يَا غُلَام مَوضِع كذاوكذا فَكَانَت حَالَته تِلْكَ شَرّ الْحَالَات فَكتب بعزله فَهَذَا سَبَب الثَّلَاثَة الَّتِي عجل بهَا انصراف عمر عَن مظَاهر الْخلَافَة وإقباله على إحْيَاء الْكتاب وَالسّنة قَالَ وَلما دفن سُلَيْمَان وَقَامَ عمر بن عبد الْعَزِيز فقربت إِلَيْهِ المراكب فَقَالَ مَا هَذِه فَقَالُوا مراكب لم تركب قطّ يركبهَا الْخَلِيفَة أول مَا يَلِي فَتَركهَا وَخرج يلْتَمس بغلته وَقَالَ يَا مُزَاحم ضم هَذَا إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين ونصبت لَهُ سرادقات وَحجر لم يجلس فِيهَا أحد قطّ كَانَت تضرب للخلفاء أول مَا يلون فَقَالَ مَا هَذِه فَقَالُوا سرادقات وَحجر لم يجلس فِيهَا أحد قطّ يجلس فِيهَا الْخَلِيفَة أول مَا يَلِي قَالَ يَا مُزَاحم ضم هَذِه إِلَى أَمْوَال الْمُسلمين ثمَّ ركب بغلته وَانْصَرف إِلَى الْفرش والوطاء الَّذِي لم يجلس عَلَيْهِ أحد يفرش للخلفاء أول مَا يلون فَجعل يدْفع ذَلِك بِرجلِهِ حَتَّى يُفْضِي إِلَى الْحَصِير ثمَّ قَالَ يَا مُزَاحم ضم هَذَا لأموال الْمُسلمين وَبَات عِيَال سُلَيْمَان يفرغون الدهان وَالطّيب من هَذِه القارورة إِلَى هَذِه القارورة وَيلبسُونَ مَا لم يلبس من الثِّيَاب حَتَّى تتكسر وَكَانَ الخليقة إِذا مَاتَ فَمَا لبس من الثِّيَاب أَو مس من الطّيب كَانَ لوَلَده وَمَا لم يلبس من الثِّيَاب وَمَا لم يمس من الطّيب فَهُوَ للخليفة بعده فَلَمَّا أصبح عمر قَالَ لَهُ أهل سُلَيْمَان هَذَا لَك وَهَذَا لنا قَالَ وَمَا هَذَا وَمَا هَذَا قَالُوا هَذَا مِمَّا لبس الْخَلِيفَة من الثِّيَاب وَمَسّ من الطّيب فَهُوَ لوَلَده وَمَا لم يمس وَلم يلبس فَهُوَ للخليفة بعده وَهُوَ لَك قَالَ عمر مَا هَذَا لي وَلَا لِسُلَيْمَان وَلَا لكم وَلَكِن يَا مُزَاحم ضم هَذَا كُله إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين فَفعل فتوامر الوزراء فِيمَا بَينهم فَقَالُوا أما المراكب والسرادقات وَالْحجر والشوار والوطاء فَلَيْسَ فِيهِ رَجَاء بعد أَن كَانَ مِنْهُ فِيهِ مَا قد علمْتُم وَبقيت خصْلَة

стр. 16

انصراف عمر عَن مظَاهر الْخلَافَة وإقباله على إحْيَاء الْكتاب وَالسّنة قَالَ وَلما دفن سُلَيْمَان وَقَامَ عمر بن عبد الْعَزِيز فقربت إِلَيْهِ المراكب فَقَالَ مَا هَذِه فَقَالُوا مراكب لم تركب قطّ يركبهَا الْخَلِيفَة أول مَا يَلِي فَتَركهَا وَخرج يلْتَمس بغلته وَقَالَ يَا مُزَاحم ضم هَذَا إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين ونصبت لَهُ سرادقات وَحجر لم يجلس فِيهَا أحد قطّ كَانَت تضرب للخلفاء أول مَا يلون فَقَالَ مَا هَذِه فَقَالُوا سرادقات وَحجر لم يجلس فِيهَا أحد قطّ يجلس فِيهَا الْخَلِيفَة أول مَا يَلِي قَالَ يَا مُزَاحم ضم هَذِه إِلَى أَمْوَال الْمُسلمين ثمَّ ركب بغلته وَانْصَرف إِلَى الْفرش والوطاء الَّذِي لم يجلس عَلَيْهِ أحد قطّ يفرش للخلفاء أول مَا يلون فَجعل يدْفع ذَلِك بِرجلِهِ حَتَّى يُفْضِي إِلَى الْحَصِير ثمَّ قَالَ يَا مُزَاحم ضم هَذَا لأموال الْمُسلمين وَبَات عِيَال سُلَيْمَان يفرغون الأدهان وَالطّيب من هَذِه القارورة إِلَى هَذِه القارورة وَيلبسُونَ مَا لم يلبس من الثِّيَاب حَتَّى تتكسر وَكَانَ الْخَلِيفَة إِذا مَاتَ فَمَا لبس من الثِّيَاب أَو مس من الطّيب كَانَ لوَلَده وَمَا لم يلبس من الثِّيَاب وَمَا لم يمس من الطّيب فَهُوَ للخليفة بعده فَلَمَّا أصبح عمر قَالَ لَهُ أهل سُلَيْمَان هَذَا لَك وَهَذَا لنا قَالَ وَمَا هَذَا وَمَا هَذَا قَالُوا هَذَا مِمَّا لبس الْخَلِيفَة من الثِّيَاب وَمَسّ من الطّيب فَهُوَ لوَلَده وَمَا لم يمس وَلم يلبس فَهُوَ للخليفة بعده وَهُوَ لَك قَالَ عمر مَا هَذَا لي وَلَا لِسُلَيْمَان وَلَا لكم وَلَكِن يَا مُزَاحم ضم هَذَا كُله إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين فَفعل فتوامر الوزراء فِيمَا بَينهم فَقَالُوا أما المراكب والسرادقات وَالْحجر والشوار والوطاء فَلَيْسَ فِيهِ رَجَاء بعد أَن كَانَ مِنْهُ فِيهِ مَا قد علمْتُم وَبقيت خصْلَة

стр. 17

هِيَ الْجَوَارِي نعرضهن عَلَيْهِ فَعَسَى أَن يكون مَا تُرِيدُونَ فِيهِنَّ فَإِن كَانَ وَإِلَّا فَلَا طمع لكم عِنْده فَأتي بالجواري فعرضن عَلَيْهِ كأمثال الدمى فَلَمَّا نظر إلَيْهِنَّ جعل يسألهن وَاحِدَة وَاحِدَة من أَنْت وَلمن كنت وَمن بعث بك فتخبره الْجَارِيَة بأصلها وَلمن كَانَت وَكَيف أخذت فيأمر بردهن إِلَى أهليهن ويحملن إِلَى بلادهن حَتَّى فرغ مِنْهُنَّ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك أيسوا مِنْهُ وَعَلمُوا أَنه سيحمل النَّاس على الْحق واحتجب عَن النَّاس ثَلَاثًا لَا يدْخل عَلَيْهِ أحد ووجوه بني مَرْوَان وَبني أُميَّة وأشراف الْجنُود وَالْعرب والقواد بِبَابِهِ ينظرُونَ مَا يخرج عَلَيْهِم مِنْهُ فَجَلَسَ للنَّاس بعد ثَلَاث وَحَملهمْ على شَرِيعَة من الْحق فعرفوها فَرد الْمَظَالِم وَأَحْيَا الْكتاب وَالسّنة وَسَار بِالْعَدْلِ ورفض الدُّنْيَا وزهد فِيهَا وتجرد لإحياء أَمر الله عزوجل فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى قَبضه الله عزوجل فرحمه الله نَهْيه عَن الْقيام لَهُ وَمَا شَرطه فِي صحبته قَالَ وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز قَامَ النَّاس بَين يَدَيْهِ فَقَالَ يَا معشر النَّاس إِن تقوموا نقم وَإِن تقعدوا نقعد فَإِنَّمَا يقوم النَّاس لرب الْعَالمين إِن الله فرض فَرَائض وَسن سننا من أَخذ بهَا لحق وَمن تَركهَا محق وَمن أَرَادَ أَن يصحبنا فليصحبنا بِخمْس يُوصل إِلَيْنَا حَاجَة من لَا تصل إِلَيْنَا حَاجته ويدلنا من الْعدْل إِلَى مَا لَا نهتدي إِلَيْهِ وَيكون عونا لنا على الْحق وَيُؤَدِّي الْأَمَانَة إِلَيْنَا وَإِلَى النَّاس وَلَا يغتب عندنَا أحدا وَمن لم يفعل فَهُوَ فِي حرج من صحبتنا وَالدُّخُول علينا

стр. 18

ابتداؤه بِالسَّلَامِ قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يتَقَدَّم إِلَى الحرس إِذا خرج عَلَيْهِم أَن لَا يقومُوا إِلَيْهِ وَيَقُول لَهُم لَا تبتدئوني بِالسَّلَامِ إِنَّمَا السَّلَام علينا وَلكم عزم عمر فِي الإعتصام بِالْكتاب وَالسّنة وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز سنّ رَسُول الله ﷺ وولاة الْأَمر من بعده سننا الْأَخْذ بهَا اعتصام بِكِتَاب الله وَقُوَّة على دين الله وَلَيْسَ لأحد تبديلها وَلَا تغييرها وَلَا النّظر فِي أَمر خالفها من اهْتَدَى بهَا فَهُوَ مهتد وَمن استنصر بهَا فَهُوَ مَنْصُور وَمن تَركهَا وَاتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ ولاه الله مَا تولى وأصلاه جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا قَالَ عبد الله بن عبد الحكم فَسمِعت مَالِكًا يَقُول وأعجبني عزم عمر فِي ذَلِك خطْبَة عمر فِي أَنه منفذ لله قَالَ وخطب عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّه لَيْسَ بعد نَبِيكُم نَبِي وَلَيْسَ بعد الْكتاب الَّذِي أنزل عَلَيْكُم كتاب فَمَا أحل الله على لِسَان نبيه فَهُوَ حَلَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَا حرم الله على لِسَان نبيه فَهُوَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَلا إِنِّي لست بقاض وَإِنَّمَا أَنا منفذ لله وَلست بِمُبْتَدعٍ وَلَكِنِّي مُتبع أَلا إِنَّه لَيْسَ لأحد أَن يطاع فِي مَعْصِيّة الله لست بِخَيْرِكُمْ وَإِنَّمَا أَنا رجل مِنْكُم أَلا وَإِنِّي أثقلكم حملا يَا أَيهَا النَّاس إِن أفضل الْعِبَادَة أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم لي وَلكم

стр. 19

خطبَته فِي التَّقْوَى قَالَ وخطب عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بتقوى الله فَإِن تقوى الله خلف من كل شَيْء وَلَا خلف من التَّقْوَى أَيهَا النَّاس إِنَّه قد كَانَ قبلي وُلَاة تجترون مَوَدَّتهمْ بِأَن تدفعوا بذلك ظلمهم عَنْكُم يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي لست بخازن وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَضَع حَيْثُ أمرت أَلا وَلَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم لي وَلكم خطبَته فِي الْبَعْث وَقَالَ وخطب عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس بعد أَن جمعهم فَقَالَ إِنِّي لم أجمعكم لأمر أحدثته وَلَكِنِّي نظرت فِي أَمر معادكم وَمَا أَنْتُم إِلَيْهِ صائرون فَوجدت الْمُصدق بِهِ أَحمَق والمكذب بِهِ هَالكا ثمَّ نزل خطبَته فِي إِبَاحَة دُخُول المظلومين عَلَيْهِ بِغَيْر إِذن قَالَ وخطب عمر بن عبد الْعَزِيز الغرباء فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس الحقوا ببلادكم فَإِنِّي أنساكم عِنْدِي وأذكركم ببلادكم أَلا وَإِنِّي قد اسْتعْملت عَلَيْكُم رجَالًا لَا أَقُول هم خياركم وَلَكنهُمْ خير مِمَّن هُوَ شَرّ مِنْهُم أَلا فَمن ظلمه إِمَامه مظْلمَة فَلَا إِذن لَهُ عَليّ وَمن لَا فَلَا أرينه أَلا وَإِنِّي منعت نَفسِي وَأهل بَيْتِي هَذَا المَال

стр. 20

فَإِن ضننت بِهِ عَنْكُم إِنِّي إِذن لضنين وَالله لَوْلَا أَن أنعش سنة أَو أَسِير بِحَق مَا أَحْبَبْت أَن أعيش فواقا خطبَته فِي الْوَعْظ وتسميته الإِمَام الظَّالِم عَاصِيا قَالَ وخطب عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس فَقَالَ أما بعد أَيهَا النَّاس فَلَا يطولن عَلَيْكُم الأمد وَلَا يبعدن عَلَيْكُم يَوْم الْقِيَامَة فَإِن من زافت بِهِ منيته فقد قَامَت قِيَامَته لَا يستعتب من سيئ وَلَا يزِيد فِي حسن ألالا سَلامَة لامرئ فِي خلاف السّنة ولاطاعة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الله أَلا وَإِنَّكُمْ تَعدونَ الهارب من ظلم إِمَامه عَاصِيا أَلا وَإِن أولاهما بالمعصية الإِمَام الظَّالِم أَلا وَإِنِّي أعالج امرا لَا يعين عَلَيْهِ إِلَّا الله قد فني عَلَيْهِ الْكَبِير وَكبر عَلَيْهِ الصَّغِير وفصح عَلَيْهِ الأعجمي وَهَاجَر عَلَيْهِ الْأَعرَابِي حَتَّى حسبوه دينا لَا يرَوْنَ الْحق غَيره ثمَّ قَالَ إِنَّه لحبيب إِلَيّ أَن أوفر أَمْوَالكُم وَأَعْرَاضكُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه خطبَته فِي التَّذْكِير بِالْمَوْتِ وحرصه على كِفَايَة رَعيته قَالَ وخطب عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس بخناصرة فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّكُم لم تخلقوا عَبَثا وَلم تتركوا سدى وَإِنَّكُمْ لكم معاد ينزل الله ﵎ للْحكم فِيهِ والفصل بَيْنكُم فخاب وخسر من خرج من رَحْمَة الله الَّتِي وسعت كل شَيْء وَحرم الْجنَّة الَّتِي عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أَلا ترَوْنَ أَنكُمْ فِي أسلاب الهالكين وسيخلفها

стр. 21

بعدكم الْبَاقُونَ حَتَّى ترد إِلَى خير الْوَارِثين فِي كل يَوْم تشيعون غاديا إِلَى الله ورائحا قد قضى نحبه وانقضى أَجله ثمَّ تغيبونه فِي صدع من الأَرْض غير موسد وَلَا ممهد قد فَارق الأحباب وخلع الأسلاب وواجه الْحساب وَسكن التُّرَاب مرتهنا بِعَمَلِهِ غَنِيا عَمَّا ترك فَقِيرا إِلَى مَا قدم ثمَّ قَالَ وَايْم الله إِنِّي لأقول لكم هَذِه الْمقَالة وَمَا أعلم عِنْد أحد مِنْكُم من الذُّنُوب أَكثر مِمَّا أعلم عِنْدِي فأستغفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ وَمَا أحد مِنْكُم تبلغني حَاجته إِلَّا حرصت أَن أَسد من حَاجته مَا قدرت عَلَيْهِ وَمَا أحد لَا يَسعهُ مَا عِنْدِي إِلَّا وددت أَنه بُدِئَ بِي وبلحمتي الَّذين يلونني حَتَّى يَسْتَوِي عيشنا وعيشكم وَايْم الله لَو أردْت غير هَذَا من رخاء أَو غضارة عَيْش لَكَانَ اللِّسَان بِهِ مني ذلولا وَلكنه مضى من الله كتاب نَاطِق أَمرنِي فِيهِ بِطَاعَتِهِ ونهاني فِيهِ عَن مَعْصِيَته ثمَّ رفع طرف ثَوْبه وَوَضعه على وَجهه فَبكى وَبكى من كَانَ حوله ثمَّ قَالَ نسْأَل الله التَّوْفِيق وَالْهدى وَالْعَمَل بِمَا يحب ويرضى زهد عمر وَطَعَامه قَالَ وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز زهد فِي الدُّنْيَا ورفض مَا كَانَ فِيهِ وَترك أَن يخْدم وَترك ألوان الطَّعَام فَكَانَ إِذا صنع لَهُ طَعَامه هيئ على شَيْء وغطي حَتَّى إِذا دخل اجتذبه فَأكل تَعْجِيل عمر فِي قَضَاء الْحُقُوق قَالَ وَجَاءَت إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز امْرَأَة من أهل الْكُوفَة فَقَالَت يَا أَمِير

стр. 22

الْمُؤمنِينَ مَا أصبت أَنا وَلَا بَنَاتِي مِمَّا قسم أَمِير الْمُؤمنِينَ قَلِيلا وَلَا كثيرا قَالَ وَمن بك قَالَت العرفاء والمناكب قَالَ ارجعي إِلَيّ حَتَّى العشية فأكتب لَك ثمَّ قَالَ مَه فلعلي لَا أبلغ العشاءادخلي على فَاطِمَة بنت عبد الْملك يَعْنِي زَوجته فَبينا هِيَ عِنْد فَاطِمَة إِذْ قَامَ عمر فسكب وضُوءًا لنَفسِهِ فَقَالَت الْمَرْأَة لفاطمة بنت عبد الْملك أَلا تأخذين عَلَيْك ثِيَابك من هَذَا الرجل يرى رَأسك مكشوفا قَالَت لَهَا أما تعرفين هَذَا هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يسْكب لنَفسِهِ وضُوءًا قَالَت الْمَرْأَة ثمَّ دَعَاني وَكتب لي كتابا تواضع عمر وإصلاحه السراج قَالَ وَكَانَ عِنْده قوم ذَات لَيْلَة فِي بعض مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَغشيَ سراجه فَقَامَ إِلَيْهِ فأصلحه فَقيل لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَلا نكفيك قَالَ وَمَا ضرني قُمْت وَأَنا عمر بن عبد الْعَزِيز وَرجعت وَأَنا عمر بن عبد الْعَزِيز تقتير عمر على نَفسه وتوسيعه على الْعمَّال وَكَانَ عمر قد طلق نَفسه عَن الْفَيْء فَلم يرْزق مِنْهُ شَيْئا إِلَّا عطاءه مَعَ الْمُسلمين فَدخل عَلَيْهِ ابْن أبي زَكَرِيَّا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي أُرِيد أَن أُكَلِّمك بِشَيْء قَالَ قل قَالَ قد بَلغنِي أَنَّك ترزق الْعَامِل من عمالك ثَلَاث مائَة دِينَار قَالَ

стр. 23

نعم قَالَ وَلم ذَلِك قَالَ أردْت أَن أغنيهم عَن الْخِيَانَة قَالَ فَأَنت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أولى بذلك قَالَ فَأخْرج ذراعه وَقَالَ يَا ابْن أبي زَكَرِيَّا إِن هَذَا نبت من الْفَيْء وَلست معيدا إِلَيْهِ مِنْهُ شَيْئا أبدا ورعه عَن شم مسك الْفَيْء قَالَ وَأتي عمر بن عبد الْعَزِيز من الْفَيْء ذَات يَوْم بعنبرة وَعِنْده لَيْث بن أبي رقية كَاتبه فَأَخذهَا بِيَدِهِ فمسحها ثمَّ أَمر بهَا فَرفعت حَتَّى تبَاع قَالَ ثمَّ إِنَّه أَمر يَده على أَنفه فَوجدَ رِيحهَا فَدَعَا بِوضُوء فَتَوَضَّأ قَالَ فَقلت لَهُ مَا هَذَا الَّذِي أصبت مِنْهَا حَتَّى تتوضأ قَالَ عجبا لَك يَا لَيْث وَهل ينْتَفع مِنْهَا إِلَّا بِالَّذِي وجدت أتؤكل أَو تشرب قَالَ وَأتي عمر بن عبد الْعَزِيز يَوْمًا بمسك من الْفَيْء فَوضع بَين يَدَيْهِ فَوجدَ رِيحه فَوضع يَده على أَنفه وَقَالَ أخروه حَتَّى لم يجد لَهُ ريحًا ورعه عَن تسخين المَاء على مطبخ الْعَامَّة وتعويضه مِنْهُ قَالَ وَكَانَ لَهُ غُلَام يَأْتِيهِ بقمقم من مَاء مسخن يتوضأمنه فَقَالَ للغلام يَوْمًا أتذهب بِهَذَا القمقم إِلَى مطبخ الْمُسلمين فتجعله عِنْده حَتَّى يسخن ثمَّ تَأتي بِهِ قَالَ نعم أصلحك الله قَالَ أفسدته علينا قَالَ فَأمر مزاحما أَن يغلي ذَلِك القمقم ثمَّ ينظر مَا يدْخل فِيهِ من الْحَطب ثمَّ يحْسب تِلْكَ الْأَيَّام الَّتِي كَانَ يغليه فِيهَا فَيَجْعَلهُ حطبا فِي المطبخ قَالَ وأصابته جَنَابَة فِي لَيْلَة بَارِدَة فأسخن لَهُ مَاء فَأتي بِهِ فَقَالَ أَيْن سخنته قَالَ على مطبخ الْعَامَّة قَالَ فنحه قَالَ فناداه رجل وَخَافَ عَلَيْهِ إِن اغْتسل بِالْمَاءِ الْبَارِد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أنْشدك الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي نَفسك فَإِن كَانَ لَا بُد فَعوضهُ قيمَة ثمَّ أدخلهُ بَيت مَال الْمُسلمين فَفعل ذَلِك عمر ﵁ خُرُوج عمر من مَاله ورده من مَال الْمُسلمين قَالَ وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز مَا من شَيْء إلاوقد رَددته فِي مَال الْمُسلمين

стр. 24

إلاالعين الَّتِي بالسويداء فَإِنِّي عَمَدت إِلَى أَرض براح لَيْسَ فِيهَا لأحد من الْمُسلمين ضَرْبَة سَوط فعملتها من صلب عطائي الَّذِي يجمع لي مَعَ جمَاعَة الْمُسلمين فَجَاءَتْهُ غَلَّتهَا مِائَتَا دِينَار وجراب فِيهِ تمر صيحاني وتمر عَجْوَة فَقَالَ هَات اصبب للْقَوْم من هَذِه الْعَجْوَة فَهِيَ أبرد وَأَصَح قَالَ وَسمع النِّسَاء بِمَال قد قدم عَلَيْهِ فأرسلن إِلَيْهِ بِابْن لَهُ غُلَام ليعطيه من ذَلِك المَال فَلَمَّا جَاءَ الْغُلَام قَالَ احفنوا لَهُ من ذَلِك التَّمْر فحفنوا لَهُ من ذَلِك فَخرج الْغُلَام فَرحا حت لما انْتهى إِلَى النِّسَاء فرأين التَّمْر ضربن الْغُلَام ثمَّ قُلْنَ لَهُ اذْهَبْ فانثره بَين يَدَيْهِ فَأقبل الْغُلَام فنثره بَين يَدَيْهِ وأهوى بيدَيْهِ إِلَى الذَّهَب فَقَالَ عمر للوليد بن هِشَام من آل أبي معيط أمسك يَدَيْهِ يَا وليد فَأمْسك يَدَيْهِ الْوَلِيد ودعا عمر بِدُعَاء لَهُ كثير وَكَانَ من دُعَائِهِ اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ بغض إِلَى هَذَا الْغُلَام هَذَا الذَّهَب كَمَا حببتها إِلَى فلَان ابْن فلَان أرسل يَدَيْهِ يَا وليد فارتعشت يَدَاهُ فَمَا مس مِنْهَا دِينَارا وَانْصَرف فَقَالَ لَهُ رجل لقد اسْتُجِيبَ لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ قَالَ عمر أخرجُوا زَكَاة هَذِه المائتي دِينَار فَقَالَ الرَّسُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد أَخذ خرص هَذَا الْحَائِط قَالَ يَا بني لَيْسَ هَذَا من عَمَلك قَالَ فأخرجوا خَمْسَة دَنَانِير ثمَّ قَالَ دلوني على رجل أعمى لَيْسَ لَهُ قَائِد قَالَ بَيْنَمَا الْقَوْم يتذاكرون إِذْ قَالَ عمر لقد وَقعت عَلَيْهِ وَقد ذكرته وَهُوَ الشَّيْخ الْجَزرِي الْأَعْمَى يَأْتِي فِي اللَّيْلَة الْمظْلمَة الماطرة يتكمه لَيْسَ لَهُ قَائِد أخرجُوا لَهُ ثمن قَائِد لَا كَبِير يَقْهَرهُ وَلَا صَغِير يضعف عَنهُ قَالَ فأخرجوا لَهُ مِنْهَا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا قَالَ ثمَّ دَعَا عمر بِالَّذِي يقوم على نَفَقَة أَهله فَقَالَ لَهُ خُذ هَذِه الذَّهَب فأنفقها على عيالنا إِلَى أَن يخرج لي عطائي مَعَ

стр. 25

الْمُسلمين أَو يقْضِي الله قبل ذَلِك عمر وَغُلَامه قَالَ وَكَانَ لَهُ غُلَام وبرذون يغل عَلَيْهِ فَسَأَلَ الْغُلَام عَن حَاله فَقَالَ النَّاس كلهم بِخَير إِلَّا أَنا وَأَنت وَهَذَا البرذون قَالَ اذْهَبْ فَأَنت حر خَوفه من الله وسئلت فَاطِمَة بنت عبد الْملك زَوْجَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَن عبَادَة عمر فَقَالَت وَالله مَا كَانَ بِأَكْثَرَ النَّاس صَلَاة وَلَا أَكْثَرهم صياما وَلَكِن وَالله مَا رَأَيْت أحدا أخوف لله من عمر لقد كَانَ يذكر الله فِي فرَاشه فينتفض انتفاض العصفور من شدَّة الْخَوْف حَتَّى نقُول ليصبحن النَّاس وَلَا خَليفَة لَهُم خَوفه من النَّار قَالَ وَقَرَأَ عمر بن عبد الْعَزِيز بِالنَّاسِ ذَات لَيْلَة ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ فَلَمَّا بلغ ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى﴾ خنقته الْعبْرَة فَلم يسْتَطع أَن ينفذها فَرجع حَتَّى إِذا بلغَهَا خنقته الْعبْرَة فَلم يسْتَطع أَن ينفذها فَتَركهَا وقرأسورة غَيرهَا تذكير عمر زَوجته ليَالِي النَّعيم بدابق قَالَ وَمر عمر بن عبد الْعَزِيز ذَات يَوْم بفاطمة زَوجته فَضرب على كتفها وَقَالَ يَا فَاطِمَة لنَحْنُ ليَالِي دابق أنعم منا الْيَوْم فَقَالَت وَالله مَا كنت على ذَلِك أقدر مِنْك

стр. 26

الْيَوْم فَأَدْبَرَ عَنْهَا وَله حنين وَهُوَ يَقُول يَا فَاطِمَة إِنِّي أَخَاف النَّار يَا فَاطِمَة ﴿إِنِّي أَخَاف إِن عصيت رَبِّي عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ لِبَاس عمر قبل الْخلَافَة وَبعدهَا قَالَ وَأَتَاهُ رجل فَأمره أَن يَشْتَرِي لَهُ كسَاء بِثمَانِيَة دَرَاهِم فَاشْتَرَاهُ لَهُ فَأَتَاهُ بِهِ فَوضع يَده عَلَيْهِ وَقَالَ ماألينه وَأَعْجَبهُ فَضَحِك الرجل الَّذِي اشْتَرَاهُ فَقَالَ لَهُ عمر إِنِّي لأحسبك أَحمَق أتضحك من غير شَيْء قَالَ مَا ذَاك بِي وَلَكِنَّك أَمرتنِي قبل ولايتك أَن أَشْتَرِي لَك مطرف خَز فاشتريت لَك مطرفا بثمان مائَة دِرْهَم فَوضعت يدك عَلَيْهِ فَقلت مَا أخشنه وَأَنت الْيَوْم تستلين كسَاء بِثمَانِيَة دَرَاهِم فعجبت من ذَلِك وأضحكني فَقَالَ عمر مَا أَحسب رجلا يبْتَاع كسَاء بثمانمائة دِرْهَم يخَاف الله عزوجل عري عمر إِذا غسل قَمِيصه قَالَ وَأَبْطَأ عمر يَوْمًا عَن الْجُمُعَة قَلِيلا فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا انتظرت قَمِيصِي غسلته أَن يجِف قَالَ وَدخل مسلمة بن عبد الْملك على عمر بن عبد الْعَزِيز فِي مَرضه وَعَلِيهِ قَمِيص وسخ فَقَالَ لفاطمة زَوْجَة عمر وَهِي أُخْت مسلمة بن عبد الْملك أَلا تغسلون قَمِيصه قَالَت وَالله مَا لَهُ غَيره وَإِن غسلناه بَقِي لَا قَمِيص لَهُ مَا يَقُوله عمر اذا اراد انْصَرف من بِحَضْرَتِهِ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِذا أَرَادَ أَن يُقيم النَّاس الَّذين عِنْده فِي الدَّار وبدت لَهُ حَاجَة يَخْلُو بهَا قَالَ نعم إِذا شِئْتُم رحمكم الله وَلَيْسَ يَأْمر أحدا يُقيم النَّاس

стр. 27

دَعوته مسلمة الى الطَّعَام وتلطفه بعظته وَكَانَ مسلمة بن عبد الْملك من أشرف أموي وأعظمه تملكا وأسرفه فِي الطَّعَام فَبلغ عمر بن عبد الْعَزِيز سرفه فِي طَعَامه فَأمره أَن يبكر عَلَيْهِ وَأمر عمر بن عبد الْعَزِيز بطبيخ ثريد عدس وبألوان من لحم فَلَمَّا غَدا عَلَيْهِ مسلمة أَقَامَ عِنْده حَتَّى تَعَالَى النَّهَار وَوجد الْجُوع فَقَامَ ليذْهب فحسبه عمر وَقَالَ لَهُ اجْلِسْ ثمَّ أَقَامَ حَتَّى انتصف النَّهَار ثمَّ قَامَ فَقَالَ لَهُ عمر اجْلِسْ حَتَّى إِذا بلغ من مسلمة الْجُوع فِيمَا يرى عمر دَعَا بطعامه فقربت ثريدة العدس فَأقبل عَلَيْهَا مسلمة فَأكل أكل مجهود قد بلغ مِنْهُ الْجُوع فَلم يأل حَتَّى تملأ فَأمر عمر أَن يرفع ودعا لَهُ بِطَعَام طيب فَقَالَ كل قَالَ قد شبعت مَا فِي فضل قَالَ لَهُ فَكيف بالسرف فِي الطَّعَام والتقحم فِي النَّار وَهَذَا يَجْزِي عَنهُ وَأَرَادَ عمر ﵀ عظته وتأديبه فقصر بعد ذَلِك مسلمة عَمَّا كَانَ يكون عَلَيْهِ اكْتِفَاء عمر بِمَا كَانَ عِنْده قَالَ وَلم يحدث عمر بن عبد الْعَزِيز مُنْذُ ولي دَابَّة وَلَا امْرَأَة وَلَا جَارِيَة حَتَّى لحق بِاللَّه تَركه الضحك قَالَ وَلم ير عمر مفترا ضَاحِكا مُنْذُ ولي الْخلَافَة حَتَّى لَقِي الله

стр. 28

اعتزاله النِّسَاء قَالَ وَقَالَت فَاطِمَة زَوجته مَا اغْتسل من جَنَابَة مُنْذُ ولي حَتَّى لَقِي الله غير ثَلَاث مَرَّات وَيُقَال مَا اغْتسل من جَنَابَة حَتَّى مَاتَ جَوَاب عمر حِين سُئِلَ عَن حَاله قَالَ وَقَالَ رجل لعمر بن عبد الْعَزِيز كَيفَ أَصبَحت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَصبَحت بطينا بطيئا متلوثا فِي الْخَطَايَا أَتَمَنَّى على الله الاماني ندمه على إِعْطَاء بني أُميَّة قَالَ وَاجْتمعت بَنو أُميَّة فَكَلَّمُوا رجلا أَن يكلمهُ فِي صلَة أرحامهم والعطف عَلَيْهِم وَكَانَ قد أَمر لَهُم بِعشْرَة آلَاف دِينَار فَلم تقع مِنْهُم فَدخل عَلَيْهِ الرجل فَكَلمهُ وأعلمه بمقالتهم فَقَالَ أجل وَالله لقد قسمتهَا فيهم وَقد نَدِمت عَلَيْهَا أَن لَا أكون منعتهم إِيَّاهَا وقسمتها فَكَانَت كَافِيَة أَرْبَعَة آلَاف بَيت من الْمُسلمين فَخرج إِلَيْهِم الرجل وأعلمهم بمقالته وَقَالَ لَا تلوموا إِلَّا أَنفسكُم يَا معشر بني أُميَّة عمدتم إِلَى صَاحبكُم فزوجتموه بنت ابْن عمر فجاءتكم بعمر ملفوفا فِي ثِيَابه فَلَا تلوموا إِلَّا أَنفسكُم أعوان عمر قَالَ وَكَانَ الله قد أَعَانَهُ من أَهله بسهل أَخِيه وَعبد الْملك ابْنه ومزاحم مَوْلَاهُ فَكَانُوا أعوانا لَهُ على الْحق وَقُوَّة لَهُ على مَا هُوَ فِيهِ فَاجْتمع نفر من بني أُميَّة إِلَى عبد الْملك بن عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالُوا لَهُ إِن أَبَاك قطع أرحامنا وانتزع مَا فِي أَيْدِينَا

стр. 29

وَعَابَ على سلفنا وَإِنَّا وَالله لَا نصبر لَهُ على ذَلِك فَقل لَهُ يكف عَمَّا نكره فَفعل ذَلِك عبد الْملك وَدخل عَلَيْهِ فَأخْبرهُ بذلك فَكَأَن عمر وجد فِي نَفسه مِمَّا قَالَ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ امْضِ لما تُرِيدُ فوَاللَّه لَوَدِدْت أَنه قد غلت بِي وَبِك الْقُدُور فِي الله فَقَالَ لَهُ جَزَاك الله خيرا من ولد ثمَّ قَالَ الْحَمد لله الَّذِي شدّ ظَهْري بسهل أخي وَعبد الْملك ومزاحم قدوم مولى ابْن عَيَّاش وَأَصْحَابه على عمر واباحته لَهُم بَيت المَال قَالَ وَقدم عَلَيْهِ زِيَاد مولى ابْن عَيَّاش وَأَصْحَاب لَهُ فَأتى الْبَاب وَبِه جمَاعَة من النَّاس فَأذن لَهُ دونهم فَدخل عَلَيْهِ فنسي أَن يسلم عَلَيْهِ بالخلافة ثمَّ ذكر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ عمر وَالْأولَى لم تضرني ثمَّ نزل عمر عَن مَوضِع كَانَ عَلَيْهِ إِلَى الأَرْض وَقَالَ إِنِّي أعظم أَن أكون فِي مَوضِع أعلو فِيهِ على زِيَاد فَلَمَّا قضى زِيَاد مَا يُرِيد خرج فَأمر عمر خَازِن بَيت المَال أَن يَفْتَحهُ لزياد وَمن مَعَه يَأْخُذُونَ مِنْهُ حَاجتهم فَنظر إِلَيْهِ خَازِن بَيت المَال فاقتحمته عينه عَن أَن يكون يفتح لمثله بَيت المَال ويسلط عَلَيْهِ وَهُوَ بِهِ غير عَارِف فَفعل الخازن مَا أَمر بِهِ فَدخل زِيَاد فَأخذ لنَفسِهِ ولأصحابه بضعا وَثَمَانِينَ درهما أَو بضعا وَتِسْعين درهما فَلَمَّا رأى ذَلِك الخازن قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم بِمن يُسَلط على بَيت المَال جَوَاب عمر من ناداه يَا خَليفَة الله فِي الأَرْض قَالَ وناداه رجل فَقَالَ يَا خَليفَة الله فِي الأَرْض فَقَالَ لَهُ عمر مَه إِنِّي لما

стр. 30

ولدت اخْتَار لي أَهلِي اسْما فسموني عمر فَلَو ناديتني يَا عمر أَجَبْتُك فَلَمَّا كَبرت اخْتَرْت لنَفْسي الكنى فكنيت بِأبي حَفْص فَلَو ناديتني يَا أَبَا حَفْص أَجَبْتُك فَلَمَّا وليتموني أُمُوركُم سميتموني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَو ناديتني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَجَبْتُك وَأما خَليفَة الله فِي الأَرْض فلست كَذَلِك وَلَكِن خلفاء الله فِي الأَرْض دَاوُد النَّبِي ﵇ وَشبهه قَالَ الله ﵎ ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض﴾ حِكَايَة الرطب وَحمله على دَوَاب الْبَرِيد واتت عمر بن عبد الْعَزِيز سلتا رطب من الْأُرْدُن فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا رطب بعث بِهِ أَمِير الْأُرْدُن قَالَ علام جِيءَ بِهِ قَالُوا على دَوَاب الْبَرِيد قَالَ فَمَا جعلني الله أَحَق بدواب الْبَرِيد من الْمُسلمين أخرجوهما فبيعوهما وَاجْعَلُوا ثمنهما فِي علف دَوَاب الْبَرِيد فغمزني ابْن أَخِيه فَقَالَ لي اذْهَبْ فَإِذا قامتا على ثمن فخذهما عَليّ قَالَ فأخرجتا الى السُّوق فبلغتا أَرْبَعَة عشر درهما فأخذتهما فَجئْت بهما الى ابْن أَخِيه فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذِهِ الْوَاحِدَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَحبس لنَفسِهِ وَاحِدَة قَالَ فَأَتَيْته بهَا فَقَالَ مَا هَذَا قلت اشتراهما فلَان ابْن أَخِيك فَبعث إِلَيْك بِهَذِهِ وَحبس لنَفسِهِ الْأُخْرَى قَالَ الْآن طَابَ لي أكله دُخُول ابْن كَعْب على عمر وسماعه مِنْهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ دخلت على عمر بن عبد الْعَزِيز لما اسْتخْلف وَقد

стр. 31

نحل جِسْمه وَنفى شعره وَتغَير لَونه وَكَانَ عهدنا بِهِ بِالْمَدِينَةِ أَمِيرا علينا حسن الْجِسْم ممتلئ الْبضْعَة فَجعلت أنظر اليه نظرا لَا أكاد أصرف بَصرِي عَنهُ فَقَالَ يَا ابْن كَعْب مَا لَك تنظر إِلَيّ نظرا مَا كنت تنظره إِلَيّ قبل قَالَ فَقلت لعجبي قَالَ ومماذا عجبك فَقلت لما نحل من جسمك وَنفى من شعرك وَتغَير من لونك قَالَ وَكَيف لَو رَأَيْتنِي بعد ثَلَاث فِي قَبْرِي حِين تقع عَيْنَايَ على وجنتي ويسيل منخري وفمي دودا وصديدا لَكُنْت لي أَشد نكرَة مِنْك الْيَوْم أعد عَليّ حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أفضل الْمجَالِس مَا اسْتقْبل بِهِ الْقبْلَة وأنما تتجالسون بالأمانة لَا تصلوا خلف النَّائِم وَلَا الْمُحدث واقتلوا الْحَيَّة وَالْعَقْرَب وَإِن كُنْتُم فِي صَلَاتكُمْ وَلَا تستروا الْجدر بالثياب أَلا وَمن نظر مِنْكُم فِي كتاب أَخِيه بِغَيْر إِذْنه فَإِنَّمَا ينظر فِي النَّار أَلا أنبئكم بشراركم قَالُوا بلَى يَا رَسُول الله قَالَ من نزل وَحده وَمنع رفده وَجلد عَبده أَلا أنبئكم بشر من ذَلِك من لَا يقيل عَثْرَة وَلَا يقبل معذرة وَلَا يغْفر ذَنبا أَلا أنبئكم بشر من ذَلِك من يبغض النَّاس ويبغضونه أَلا أنبئكم بشر من ذَلِك من لَا يُرْجَى خَيره وَلَا يُؤمن شَره إِن عِيسَى بن مَرْيَم قَامَ فِي قومه فَقَالَ يَا بني إِسْرَائِيل لَا تتكلموا بالحكمة عِنْد الْجُهَّال فتظلموها وَلَا تمنعوها أَهلهَا فتظلموهم وَلَا تجاوروا ظَالِما فَيبْطل فَضلكُمْ عِنْد

стр. 32

ربكُم إِنَّمَا الْأُمُور ثَلَاثَة فَأمر بَين رشده فَاتَّبعُوهُ وَأمر بَين غيه فَاجْتَنبُوهُ وَأمر اخْتلف فِيهِ فَردُّوهُ إِلَى الله نَهْيه عَن ركض الْفرس قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يُنْهِي عَن ركض الْفرس فِي غير حق معونته ذَوي العاهات قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِذا كثر عِنْده أرقاء الْخمس فرقه بَين كل مقعدين وَبَين كل زمنين غُلَاما يَخْدُمهُمَا وَلكُل أعمى غُلَاما يَقُودهُ رفضه أَن يفضل بِطَعَام قَالَ وَنزل عمر ديرا فمرت بِهِ أطباق فَقَالَ مَا هَذِه قيل لَهُ صَاحب الدَّيْر يطعم النَّاس فَجَاءَهُ بطبق فِيهِ فستق ولوز فَقَالَ عمر تِلْكَ الأطباق مثل هَذَا قَالَ لَا قَالَ خُذ طَعَامك طَعَام بَنَات عمر قَالَ وَكَانَ عمر يُصَلِّي الْعَتَمَة ثمَّ يدْخل على بَنَاته فَيسلم عَلَيْهِنَّ فَدخل عَلَيْهِنَّ ذَات لَيْلَة فَلَمَّا أحسسنه وضعن أَيْدِيهنَّ على أفواههن ثمَّ تبادرن الْبَاب فَقَالَ للحاضنة مَا شأنهن قَالَت إِنَّه لم يكن عِنْدهن شَيْء يتعيشنه إِلَّا عدس وبصل فكرهن أَن تشم ذَلِك من أفواههن فَبكى عمر ثمَّ قَالَ لَهُنَّ يَا بَنَاتِي مَا ينفعكن أَن تعشين الألوان ويمر بأبيكن إِلَى النَّار قَالَ فبكين حَتَّى علت أصواتهن ثمَّ انْصَرف

стр. 33

كَانَ عمر لَا يُؤَخر عمل الْيَوْم للغد قَالَ وَقَالَ بعض إخْوَة عمر لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو ركبت فتروحت قَالَ فَمن يَجْزِي عني عمل ذَلِك الْيَوْم قَالَ تجزيه من الْغَد قَالَ فدحني عمل يَوْم وَاحِد فَكيف إِذا اجْتمع عَليّ عمل يَوْمَيْنِ قيل فَإِن سُلَيْمَان قد كَانَ يركب وينتعش وَيجْزِي عمله قَالَ عمر وَلَا يَوْم وَاحِد من الدُّنْيَا مَا أجزاه سُلَيْمَان رد عمر الْمَظَالِم وَمَا كَانَ بَينه وَبَين عَنْبَسَة بن سعيد وَكَانَ سُلَيْمَان أَمر لَهُ بصلَة فَمَاتَ قبل قبضهَا قَالَ وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز رد الْمَظَالِم والقطائع وَكَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك قد أَمر لعنبسة بن سعيد بن الْعَاصِ بِعشْرين ألف دِينَار فدارت فِي الدَّوَاوِين حَتَّى انْتَهَت إِلَى ديوَان الْخَتْم فَلم يبْق إِلَّا قبضهَا فَتوفي سُلَيْمَان قبل أَن يقبضهَا وَكَانَ عَنْبَسَة صديقا لعمر بن عبد الْعَزِيز فغدا عَنْبَسَة يُرِيد كَلَام عمر فِيمَا أَمر لَهُ بِهِ سُلَيْمَان فَوجدَ بني أُميَّة حضورا بِبَاب عمر يُرِيدُونَ الْإِذْن عَلَيْهِ ليكلموه فِي أُمُورهم فَلَمَّا رَأَوْا عَنْبَسَة قَالُوا نَنْظُر مَا يصنع بِهِ قبل أَن نكلمه فَقَالُوا لَهُ أعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ مَكَاننَا وَأَعْلَمنَا مَا يصنع بك فِي أمورك فَدخل عَنْبَسَة على عمر فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ سُلَيْمَان قد كَانَ أَمر لي بِعشْرين ألف دِينَار حَتَّى انْتَهَت إِلَى ديوَان الْخَتْم وَلم يبْق إِلَّا قبضهَا فَتوفي على ذَلِك وأمير الْمُؤمنِينَ أولى باستتمام الصنيعة عِنْدِي وَمَا بيني وَبَينه أعظم مِمَّا كَانَ بيني وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ سُلَيْمَان قَالَ لَهُ عمر كم ذَلِك قَالَ عشرُون ألف دينارقال عمر عشرُون ألف دينارتغني أَرْبَعَة آلَاف بَيت من الْمُسلمين وأدفعها إِلَى رجل وَاحِد وَالله مَا لي إِلَى ذَلِك من سَبِيل قَالَ فرميت بِالْكتاب الَّذِي فِيهِ الصَّك فَقَالَ لي عمر لَا عَلَيْك أَن يكون مَعَك فَلَعَلَّهُ أَن يَأْتِيك

стр. 34

من هُوَ أجرأ على هَذَا المَال مني فيأمر لَك بهَا قَالَ عَنْبَسَة فَأَخَذته تبركا بِرَأْيهِ وَقلت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا بَال جبل الورس وَكَانَ جبل الورس قطيعة لعمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ عمر ذَكرتني الطعْن وَكنت نَاسِيا يَا غُلَام هَلُمَّ ذَلِك القفص فَأتي بقفص من جريد فِيهِ قطائع من بني عبد الْعَزِيز فَقَالَ يَا غُلَام اقْرَأ عَليّ فَكلما قَرَأَ قطيعة قَالَ شقها حَتَّى لم يبْق فِي القفص شَيْء إِلَّا شقَّه قَالَ عَنْبَسَة فَخرجت إِلَى بني أُميَّة وهم وقُوف بِالْبَابِ فأعلمتهم مَا كَانَ من ذَلِك فَقَالُوا لَيْسَ بعد هَذَا شَيْء ارْجع إِلَيْهِ فَاسْأَلْهُ أَن يَأْذَن لنا أَن نلحق بالبلدان فَرَجَعت إِلَيْهِ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن قَوْمك بِالْبَابِ يَسْأَلُونَك أَن تجْرِي عَلَيْهِم مَا كَانَ قبلك يجْرِي عَلَيْهِم فَقَالَ عمر وَالله مَا هَذَا المَال لي وَمَا لي إِلَى ذَلِك من سَبِيل قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فيسألونك أَن تَأذن لَهُم يضْربُونَ فِي الْبلدَانِ قَالَ مَا شَاءُوا ذَلِك لَهُم وَقد أَذِنت لَهُم قَالَ قلت وَأَنا أَيْضا قَالَ وَأَنت أَيْضا قد أَذِنت لَك وَلَكِنِّي أرى لَك أَن تقيم فَإنَّك رجل كثير النَّقْد وَأَنا أبيع تَرِكَة سُلَيْمَان فلعلك أَن تشتري مِنْهَا مَا يكون لَك فِي ربحه عوض مِمَّا فاتك قَالَ فأقمت تبركا بِرَأْيهِ فابتعت من تَرِكَة سُلَيْمَان بِمِائَة ألف فَخرجت بهَا إِلَى الْعرَاق فبعتها بِمِائَتي ألف وحبست الصَّك فَلَمَّا توفّي عمر وَولي يزِيد بن عبد الْملك أَتَيْته بِكِتَاب سُلَيْمَان فأنفذ لي مَا كَانَ فِيهِ عمر وَجَارِيَة لزوجته وَنظر عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى جَارِيَة زَوجته فَاطِمَة بنت عبد الْملك فَكَأَنَّهَا أَعْجَبته فَقَالَت لَهُ فَاطِمَة أَرَاهَا قد أعجبتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ عمر إِنَّهَا لعرضة لذَلِك قَالَ فَأمرت فَاطِمَة بإصلاحها وتهيئتها حَتَّى إِذا رضيت من ذَلِك بعثت بهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا لمن كنت قَالَت وهبني عبد الْملك لفاطمة قَالَ فَلِمَنْ كنت قبل عبد الْملك قَالَت كنت لقوم بِالْبَصْرَةِ فَأخذ عاملها أَمْوَالهم فَكنت فِيمَا أَخذه

стр. 35

فَبعث بِي إِلَى عبد الْملك فوهبني لفاطمة فَدَعَا بالبريد فَكتب إِلَى عَامل الْبَصْرَة فَأمره بردهَا إِلَى أَهلهَا عذر عمر فِي تَأْخِير بعض الْأُمُور قَالَ لما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ لَهُ ابْنه عبد الْملك إِنِّي لأرَاك يَا أبتاه قد أخرت أمورا كَثِيرَة كنت أحسبك لَو وليت سَاعَة من النَّهَار عجلتها ولوددت أَنَّك قد فعلت ذَلِك وَلَو فارت بِي وَبِك الْقُدُور قَالَ لَهُ عمر أَي بني إِنَّك على حسن قسم الله لَك وفيك بعض رَأْي أهل الحداثة وَالله مَا أَسْتَطِيع أَن أخرج لَهُم شَيْئا من الدّين إِلَّا وَمَعَهُ طرف من الدُّنْيَا أستلين بِهِ قُلُوبهم خوفًا أَن ينخرق عَليّ مِنْهُم مَا لَا طَاقَة لي بِهِ استخلاص عمر حوانيت بحمص من ابْن الْوَلِيد وردهَا على أَصْحَابهَا قَالَ وَكَانَ للوليد بن عبد الْملك ابْن يُقَال لَهُ روح وَكَانَ نَشأ فِي الْبَادِيَة فَكَأَنَّهُ أَعْرَابِي فَأتى نَاس من الْمُسلمين إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز يُخَاصِمُونَ روحا فِي حوانيت حمص وَكَانَت لَهُم أقطعه إِيَّاهَا أَبوهُ الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقَالَ لَهُ عمر أردد عَلَيْهِم حوانيتهم قَالَ لَهُ روح هَذَا معي بسجل الْوَلِيد قَالَ وَمَا يُغني عَنْك سجل الْوَلِيد والحوانيت حوانيتهم قد قَامَت لَهُم الْبَيِّنَة عَلَيْهَا خل لَهُم حوانيتهم فَقَامَ روح والحمصي منصرفين فتوعد روح الْحِمصِي فَرجع الْحِمصِي إِلَى عمر فَقَالَ هُوَ وَالله متوعدني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ عمر لكعب بن حَامِد وَهُوَ على حرسه اخْرُج إِلَى روح يَا

стр. 36

كَعْب فَإِن سلم إِلَيْهِ حوانيته فَذَلِك وَإِن لم يفعل فائتني بِرَأْسِهِ فَخرج بعض من سمع ذَلِك مِمَّن يعنيه أَمر روح بن الْوَلِيد فَذكر لَهُ الَّذِي أَمر عمر فَخلع فُؤَاده وَخرج إِلَيْهِ كَعْب وَقد سل من السَّيْف شبْرًا فَقَالَ لَهُ قُم فَخَل لَهُ حوانيته قَالَ نعم نعم فخلى لَهُ حوانيته ارجاع عمر مزرعته فِي خَيْبَر إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عهد الرَّسُول قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز نظر فِي مزارعه فخرق سجلاتها حَتَّى بقيت مزرعتا خَيْبَر والسويداء فَسَأَلَ عَن خَيْبَر من أَيْن كَانَت لِأَبِيهِ قيل لَهُ كَانَت فِي نحل رَسُول الله ﷺ فَتَركهَا رَسُول الله ﷺ فَيْئا للْمُسلمين ثمَّ صَارَت إِلَى مَرْوَان فَأَعْطَاهَا مَرْوَان أَبَاك ثمَّ أعطاكها أَبوك فخرق عمر سجلها وَقَالَ أتركها حَيْثُ تَركهَا رَسُول الله ﷺ وَضعه حلي زَوجته فِي بَيت المَال قَالَ وَقَالَ عمر لزوجته فَاطِمَة بنت عبد الْملك قد علمت حَال هَذَا الْجَوْهَر لحليها وَمَا صنع فِيهِ أَبوك وَمن أَيْن أَصَابَهُ فَهَل لَك أَن أجعله فِي تَابُوت ثمَّ أطبع عَلَيْهِ وأجعله فِي أقْصَى بَيت مَال الْمُسلمين وَأنْفق مَا دونه فَإِن خلصت إِلَيْهِ أنفقته وَأَن مت قبل ذَلِك فلعمري ليردنه إِلَيْك قَالَت لَهُ افْعَل مَا شِئْت فَفعل ذَلِك فَمَاتَ ﵀ وَلم يصل إِلَيْهِ فَرد ذَلِك عَلَيْهَا أَخُوهَا يزِيد بن عبد الْملك فامتنعت من أَخذه وَقَالَت مَا كنت لأتركه ثمَّ آخذه فَقَسمهُ يزِيد بَين نِسَائِهِ وَنسَاء بنيه

стр. 37

عجز عمر عَن نَفَقَة الْحَج وشوقه إِلَى الْجنَّة قَالَ وَقَالَ عمر بن عبيد الْعَزِيز لمزاحم مَوْلَاهُ إِنِّي قد اشْتهيت الْحَج فَهَل عنْدك شَيْء قَالَ بضعَة شهر دِينَارا قَالَ وَمَا تقع مني ثمَّ مكث قَلِيلا ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تجهز فقد جَاءَنَا مَال سَبْعَة عشر ألف دِينَار من بعض مَال بني مَرْوَان قَالَ اجْعَلْهَا فِي بَيت المَال فَإِن تكن حَلَالا فقد أَخذنَا مِنْهَا مَا يكفينا وَإِن تكن حَرَامًا فكفانا ماأصبنا مِنْهَا فَلَمَّا رأى عمر ثقل ذَلِك عَليّ قَالَ وَيحك يَا مُزَاحم لَا يكثرن عَلَيْك شَيْء صَنعته لله فَإِن لي نفسا تواقة لم تتق إِلَى منزلَة فنالتها إِلَّا تاقت إِلَى مَا هِيَ أرفع مِنْهَا حَتَّى بلغت الْيَوْم الْمنزلَة الَّتِي لَيْسَ بعْدهَا منزلَة وَإِنَّهَا الْيَوْم قد تاقت الى الْجنَّة جرْأَة النَّاس بالتظلم لَهُ من أهل بَيته وإدالتهم مِنْهُم قَالَ وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مظْلمَة دخلت عَليّ قَالَ عمر وَمن بك قَالَ فَلَا وَالله مَا اسْتَطَاعَ أَن يَقُول فلَان لبَعض أَهله مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ فلَان بن فلَان عمد إِلَى مَال لي بِكَذَا وَكَذَا فَأَخذه فَقَالَ يَا غُلَام ائْتِنِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَكتب الى عَامله إِن فلَانا ذكر لي كَذَا وَكَذَا فَإِن كَانَ الَّذِي ذكر لي على مَا ذكر فَلَا تراجعني فِيهِ واردده عَلَيْهِ ثمَّ ضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى وَقَالَ ﴿إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾ حَدِيث عمر مَعَ عمته وَعرضه عَلَيْهَا عطاءه قَالَ وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز أَتَت عمَّة لَهُ إِلَى فَاطِمَة امْرَأَته فَقَالَ إِنِّي أُرِيد كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَت لَهَا اجلسي حَتَّى يفرغ فَجَلَست فَإِذا بِغُلَام قد أَتَى فَأخذ

стр. 38

سِرَاجًا فَقَالَت لَهَا فَاطِمَة إِن كنت تريدينه فَالْآن إِذا كَانَ فِي حوائج الْعَامَّة كتب على الشمع وَإِذا صَار إِلَى حَاجَة نَفسه دَعَا بسراجه فَقَامَتْ فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا بَين يَدَيْهِ اقراص وَشَيْء من ملح وزيت وَهُوَ يتعشى فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتيت بحاجة لي ثمَّ رَأَيْت أَن أبدأ بك قبل حَاجَتي قَالَ وَمَا ذَاك يَا عمَّة وَقَالَت لَو اتَّخذت لَك طَعَاما أَلين من هَذَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي يَا عمَّة وَلَو كَانَ عِنْدِي لفَعَلت قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ عمك عبد الْملك يجْرِي عَليّ كذاوكذا ثمَّ كَانَ أَخُوك الْوَلِيد فزادني ثمَّ وليت أَنْت فقطعته عني قَالَ يَا عمَّة إِن عمي عبد الْملك وَأخي الْوَلِيد وَأخي سُلَيْمَان كَانُوا يعطونك من مَال الْمُسلمين وَلَيْسَ ذَاك المَال لي فأعطيكه وَلَكِنِّي أُعْطِيك مَالِي إِن شِئْت قَالَت وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ عطائي مِائَتَا دِينَار فَهَل لَك قَالَت وَمَا يبلغ مني عطاؤك قَالَ فَلَيْسَ أملك غَيره يَا عمَّة قَالَت فَانْصَرَفت عَنهُ عزم عمر على تَعْلِيم الرّعية وَحَملهمْ على الشَّرِيعَة وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ان لِلْإِسْلَامِ حدودا وَشَرَائِع وسننا فَمن عمل بهَا اسْتكْمل الْإِيمَان وَمن لم يعْمل بهَا لم يستكمل الْإِيمَان فَإِن أعش أعلمكموها وأحملكم عَلَيْهَا وَإِن مت فَمَا أَنا على صحبتكم بحريص جَوَاب عمر الى وَالِي الْمَدِينَة بشأن الشمع قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم وَكَانَ وَالِي الْمَدِينَة أما بعد فقد قَرَأت كتابك إِلَى سُلَيْمَان تذكر فِيهِ أَنه كَانَ يقطع لمن كَانَ قبلك من أُمَرَاء الْمَدِينَة من الشمع كذاوكذا يستضيئون بِهِ فِي مخرجهم فابتليت بجوابك فِيهِ ولعمري لقد عهدتك يَا ابْن ام حزم وَأَنت تخرج من بَيْتك فِي اللَّيْلَة

стр. 39

الشَّاتِيَة الْمظْلمَة بِغَيْر مِصْبَاح ولعمري أَنْت يَوْمئِذٍ خير مِنْك الْيَوْم وَلَقَد كَانَ فِي فتائل أهلك مَا يُغْنِيك وَالسَّلَام جَوَابه إِلَيْهِ بشأن الْقَرَاطِيس وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا أما بعد فقد قَرَأت كتابك إِلَى سُلَيْمَان تذكر أَنه قد كَانَ يجْرِي على من كَانَ قبلك من أُمَرَاء الْمَدِينَة من الْقَرَاطِيس لحوائج الْمُسلمين كذاوكذا فابتليت بجوابك فِيهِ فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فأرق الْقَلَم واجمع الْخط واجمع الْحَوَائِج الْكَثِيرَة فِي الصَّحِيفَة الْوَاحِدَة فَإِنَّهُ لَا حَاجَة للْمُسلمين فِي فضل قَول أضرّ بِبَيْت مَا لَهُم وَالسَّلَام عَلَيْك جَوَابه إِلَى عَامله على الْبَصْرَة وَقد سَأَلَهُ الاذن لَهُ فِي تَعْذِيب الْعمَّال على خياناتهم وَكتب إِلَى عدي بن أَرْطَأَة وَكَانَ عَاملا على الْبَصْرَة أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر أَن قبلك عمالا قد ظَهرت خيانتهم وتسألني أَن آذن لَك فِي عَذَابهمْ كَأَنَّك ترى أَنِّي لَك جنَّة من دون الله فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فَإِن قَامَت عَلَيْهِم بَيِّنَة فخذهم بذلك وَإِلَّا فأحلفهم دبر صَلَاة الْعَصْر بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا اختانوا من مَال الْمُسلمين شَيْئا فَإِن حلفوا فَخَل سبيلهم فَإِنَّمَا هُوَ مَال الْمُسلمين وَلَيْسَ للشحيح مِنْهُم إِلَّا جهد أَيْمَانهم ولعمري لِأَن يلْقوا الله بخياناتهم أحب إِلَيّ من أَن ألْقى الله بدمائهم وَالسَّلَام جَوَابه عُرْوَة بن مُحَمَّد بشأن الصَّدقَات وَكتب إِلَى عُرْوَة بن مُحَمَّد أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر أَن من كَانَ قبلك من الْعمَّال قد وضعُوا على أهل الْيمن صَدَقَاتهمْ وظائف إِن افتقروا لم ينقصوا وَإِن

стр. 40

استغنوا زيد عَلَيْهِم وتؤامرني فِي ذَلِك ولعمري إِن هَذَا للجور حق الْجور فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فخذهم بِمَا ترى عَلَيْهِم من الْحق ثمَّ قسم ذَلِك على فقرائهم واقعد على طَرِيق الْحَاج قوما ترضاهم وترضى دينهم وأماناتهم يقوون الضَّعِيف ويغنون الْفَقِير فوَاللَّه لَو لم يأتني من قبلك إِلَّا كف لرأيته من الله قسما عَظِيما وَالسَّلَام عمر وفرتونة السَّوْدَاء وَمَا كتبه اليها وَإِلَى عَامله على مصر بشأنها قَالَ وَكَانَ بريد عمر بن عبد الْعَزِيز لَا يُعْطِيهِ أحد من النَّاس إِذا خرج كتابا إِلَّا حمله فَخرج بريد من مصر فَدفعت إِلَيْهِ فرتونة السَّوْدَاء مولاة ذِي أصبح كتابا تذكر فِيهِ أَن لَهَا حَائِطا قَصِيرا وَأَنه يقتحم عَلَيْهَا مِنْهُ فيسرق دجاجها فَكتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فرتونة السوداءمولاة ذِي أصبح بَلغنِي كتابك وَمَا ذكرت من قصر حائطك وَأَنه يدْخل عَلَيْك مِنْهُ فيسرق دجاجك فقد كتبت لَك كتابا إِلَى أَيُّوب بن شُرَحْبِيل وَكَانَ أَيُّوب عَامله على صَلَاة مصر وحربها آمره أَن يَبْنِي لَك ذَلِك حَتَّى يحصنه لَك مِمَّا تَخَافِينَ إِن شَاءَ الله وَالسَّلَام وَكتب إِلَى أَيُّوب بن شُرَحْبِيل من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى ابْن شُرَحْبِيل أما بعد فَإِن فرتونة مولاة ذِي أصبح كتبت إِلَيّ تذكر قصر حائطها وَأَنه يسرق مِنْهُ دجاجها وتسأل تحصينه لَهَا فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فاركب أَنْت بِنَفْسِك إِلَيْهِ حَتَّى تحصنه لَهَا فَلَمَّا جَاءَ الْكتاب إِلَى أَيُّوب ركب بِبدنِهِ حَتَّى أَتَى الجيزة يسْأَل عَن
следующие страницы →