Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كَعْب فَإِن سلم إِلَيْهِ حوانيته فَذَلِك وَإِن لم يفعل فائتني بِرَأْسِهِ فَخرج بعض من سمع ذَلِك مِمَّن يعنيه أَمر روح بن الْوَلِيد فَذكر لَهُ الَّذِي أَمر عمر فَخلع فُؤَاده وَخرج إِلَيْهِ كَعْب وَقد سل من السَّيْف شبْرًا فَقَالَ لَهُ قُم فَخَل لَهُ حوانيته قَالَ نعم نعم فخلى لَهُ حوانيته
ارجاع عمر مزرعته فِي خَيْبَر إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي عهد الرَّسُول
قَالَ وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز نظر فِي مزارعه فخرق سجلاتها حَتَّى بقيت مزرعتا خَيْبَر والسويداء فَسَأَلَ عَن خَيْبَر من أَيْن كَانَت لِأَبِيهِ قيل لَهُ كَانَت فِي نحل رَسُول الله ﷺ فَتَركهَا رَسُول الله ﷺ فَيْئا للْمُسلمين ثمَّ صَارَت إِلَى مَرْوَان فَأَعْطَاهَا مَرْوَان أَبَاك ثمَّ أعطاكها أَبوك فخرق عمر سجلها وَقَالَ أتركها حَيْثُ تَركهَا رَسُول الله ﷺ
وَضعه حلي زَوجته فِي بَيت المَال
قَالَ وَقَالَ عمر لزوجته فَاطِمَة بنت عبد الْملك قد علمت حَال هَذَا الْجَوْهَر لحليها وَمَا صنع فِيهِ أَبوك وَمن أَيْن أَصَابَهُ فَهَل لَك أَن أجعله فِي تَابُوت ثمَّ أطبع عَلَيْهِ وأجعله فِي أقْصَى بَيت مَال الْمُسلمين وَأنْفق مَا دونه فَإِن خلصت إِلَيْهِ أنفقته وَأَن مت قبل ذَلِك فلعمري ليردنه إِلَيْك قَالَت لَهُ افْعَل مَا شِئْت فَفعل ذَلِك فَمَاتَ ﵀ وَلم يصل إِلَيْهِ فَرد ذَلِك عَلَيْهَا أَخُوهَا يزِيد بن عبد الْملك فامتنعت من أَخذه وَقَالَت مَا كنت لأتركه ثمَّ آخذه فَقَسمهُ يزِيد بَين نِسَائِهِ وَنسَاء بنيه
стр. 37
عجز عمر عَن نَفَقَة الْحَج وشوقه إِلَى الْجنَّة
قَالَ وَقَالَ عمر بن عبيد الْعَزِيز لمزاحم مَوْلَاهُ إِنِّي قد اشْتهيت الْحَج فَهَل عنْدك شَيْء قَالَ بضعَة شهر دِينَارا قَالَ وَمَا تقع مني ثمَّ مكث قَلِيلا ثمَّ قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تجهز فقد جَاءَنَا مَال سَبْعَة عشر ألف دِينَار من بعض مَال بني مَرْوَان قَالَ اجْعَلْهَا فِي بَيت المَال فَإِن تكن حَلَالا فقد أَخذنَا مِنْهَا مَا يكفينا وَإِن تكن حَرَامًا فكفانا ماأصبنا مِنْهَا فَلَمَّا رأى عمر ثقل ذَلِك عَليّ قَالَ وَيحك يَا مُزَاحم لَا يكثرن عَلَيْك شَيْء صَنعته لله فَإِن لي نفسا تواقة لم تتق إِلَى منزلَة فنالتها إِلَّا تاقت إِلَى مَا هِيَ أرفع مِنْهَا حَتَّى بلغت الْيَوْم الْمنزلَة الَّتِي لَيْسَ بعْدهَا منزلَة وَإِنَّهَا الْيَوْم قد تاقت الى الْجنَّة
جرْأَة النَّاس بالتظلم لَهُ من أهل بَيته وإدالتهم مِنْهُم
قَالَ وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مظْلمَة دخلت عَليّ قَالَ عمر وَمن بك قَالَ فَلَا وَالله مَا اسْتَطَاعَ أَن يَقُول فلَان لبَعض أَهله مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَقَالَ فلَان بن فلَان عمد إِلَى مَال لي بِكَذَا وَكَذَا فَأَخذه فَقَالَ يَا غُلَام ائْتِنِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَكتب الى عَامله إِن فلَانا ذكر لي كَذَا وَكَذَا فَإِن كَانَ الَّذِي ذكر لي على مَا ذكر فَلَا تراجعني فِيهِ واردده عَلَيْهِ ثمَّ ضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى وَقَالَ ﴿إِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْمُبين﴾
حَدِيث عمر مَعَ عمته وَعرضه عَلَيْهَا عطاءه
قَالَ وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز أَتَت عمَّة لَهُ إِلَى فَاطِمَة امْرَأَته فَقَالَ إِنِّي أُرِيد كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَت لَهَا اجلسي حَتَّى يفرغ فَجَلَست فَإِذا بِغُلَام قد أَتَى فَأخذ
стр. 38
سِرَاجًا فَقَالَت لَهَا فَاطِمَة إِن كنت تريدينه فَالْآن إِذا كَانَ فِي حوائج الْعَامَّة كتب على الشمع وَإِذا صَار إِلَى حَاجَة نَفسه دَعَا بسراجه فَقَامَتْ فَدخلت عَلَيْهِ فَإِذا بَين يَدَيْهِ اقراص وَشَيْء من ملح وزيت وَهُوَ يتعشى فَقَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتيت بحاجة لي ثمَّ رَأَيْت أَن أبدأ بك قبل حَاجَتي قَالَ وَمَا ذَاك يَا عمَّة وَقَالَت لَو اتَّخذت لَك طَعَاما أَلين من هَذَا قَالَ لَيْسَ عِنْدِي يَا عمَّة وَلَو كَانَ عِنْدِي لفَعَلت قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ عمك عبد الْملك يجْرِي عَليّ كذاوكذا ثمَّ كَانَ أَخُوك الْوَلِيد فزادني ثمَّ وليت أَنْت فقطعته عني قَالَ يَا عمَّة إِن عمي عبد الْملك وَأخي الْوَلِيد وَأخي سُلَيْمَان كَانُوا يعطونك من مَال الْمُسلمين وَلَيْسَ ذَاك المَال لي فأعطيكه وَلَكِنِّي أُعْطِيك مَالِي إِن شِئْت قَالَت وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ عطائي مِائَتَا دِينَار فَهَل لَك قَالَت وَمَا يبلغ مني عطاؤك قَالَ فَلَيْسَ أملك غَيره يَا عمَّة قَالَت فَانْصَرَفت عَنهُ
عزم عمر على تَعْلِيم الرّعية وَحَملهمْ على الشَّرِيعَة
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ان لِلْإِسْلَامِ حدودا وَشَرَائِع وسننا فَمن عمل بهَا اسْتكْمل الْإِيمَان وَمن لم يعْمل بهَا لم يستكمل الْإِيمَان فَإِن أعش أعلمكموها وأحملكم عَلَيْهَا وَإِن مت فَمَا أَنا على صحبتكم بحريص
جَوَاب عمر الى وَالِي الْمَدِينَة بشأن الشمع
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم وَكَانَ وَالِي الْمَدِينَة أما بعد فقد قَرَأت كتابك إِلَى سُلَيْمَان تذكر فِيهِ أَنه كَانَ يقطع لمن كَانَ قبلك من أُمَرَاء الْمَدِينَة من الشمع كذاوكذا يستضيئون بِهِ فِي مخرجهم فابتليت بجوابك فِيهِ ولعمري لقد عهدتك يَا ابْن ام حزم وَأَنت تخرج من بَيْتك فِي اللَّيْلَة
стр. 39
الشَّاتِيَة الْمظْلمَة بِغَيْر مِصْبَاح ولعمري أَنْت يَوْمئِذٍ خير مِنْك الْيَوْم وَلَقَد كَانَ فِي فتائل أهلك مَا يُغْنِيك وَالسَّلَام
جَوَابه إِلَيْهِ بشأن الْقَرَاطِيس
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا أما بعد فقد قَرَأت كتابك إِلَى سُلَيْمَان تذكر أَنه قد كَانَ يجْرِي على من كَانَ قبلك من أُمَرَاء الْمَدِينَة من الْقَرَاطِيس لحوائج الْمُسلمين كذاوكذا فابتليت بجوابك فِيهِ فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فأرق الْقَلَم واجمع الْخط واجمع الْحَوَائِج الْكَثِيرَة فِي الصَّحِيفَة الْوَاحِدَة فَإِنَّهُ لَا حَاجَة للْمُسلمين فِي فضل قَول أضرّ بِبَيْت مَا لَهُم وَالسَّلَام عَلَيْك
جَوَابه إِلَى عَامله على الْبَصْرَة وَقد سَأَلَهُ الاذن لَهُ فِي تَعْذِيب الْعمَّال على خياناتهم
وَكتب إِلَى عدي بن أَرْطَأَة وَكَانَ عَاملا على الْبَصْرَة أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر أَن قبلك عمالا قد ظَهرت خيانتهم وتسألني أَن آذن لَك فِي عَذَابهمْ كَأَنَّك ترى أَنِّي لَك جنَّة من دون الله فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فَإِن قَامَت عَلَيْهِم بَيِّنَة فخذهم بذلك وَإِلَّا فأحلفهم دبر صَلَاة الْعَصْر بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَا اختانوا من مَال الْمُسلمين شَيْئا فَإِن حلفوا فَخَل سبيلهم فَإِنَّمَا هُوَ مَال الْمُسلمين وَلَيْسَ للشحيح مِنْهُم إِلَّا جهد أَيْمَانهم ولعمري لِأَن يلْقوا الله بخياناتهم أحب إِلَيّ من أَن ألْقى الله بدمائهم وَالسَّلَام
جَوَابه عُرْوَة بن مُحَمَّد بشأن الصَّدقَات
وَكتب إِلَى عُرْوَة بن مُحَمَّد أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر أَن من كَانَ قبلك من الْعمَّال قد وضعُوا على أهل الْيمن صَدَقَاتهمْ وظائف إِن افتقروا لم ينقصوا وَإِن
стр. 40
استغنوا زيد عَلَيْهِم وتؤامرني فِي ذَلِك ولعمري إِن هَذَا للجور حق الْجور فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فخذهم بِمَا ترى عَلَيْهِم من الْحق ثمَّ قسم ذَلِك على فقرائهم واقعد على طَرِيق الْحَاج قوما ترضاهم وترضى دينهم وأماناتهم يقوون الضَّعِيف ويغنون الْفَقِير فوَاللَّه لَو لم يأتني من قبلك إِلَّا كف لرأيته من الله قسما عَظِيما وَالسَّلَام
عمر وفرتونة السَّوْدَاء وَمَا كتبه اليها وَإِلَى عَامله على مصر بشأنها
قَالَ وَكَانَ بريد عمر بن عبد الْعَزِيز لَا يُعْطِيهِ أحد من النَّاس إِذا خرج كتابا إِلَّا حمله فَخرج بريد من مصر فَدفعت إِلَيْهِ فرتونة السَّوْدَاء مولاة ذِي أصبح كتابا تذكر فِيهِ أَن لَهَا حَائِطا قَصِيرا وَأَنه يقتحم عَلَيْهَا مِنْهُ فيسرق دجاجها فَكتب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى فرتونة السوداءمولاة ذِي أصبح بَلغنِي كتابك وَمَا ذكرت من قصر حائطك وَأَنه يدْخل عَلَيْك مِنْهُ فيسرق دجاجك فقد كتبت لَك كتابا إِلَى أَيُّوب بن شُرَحْبِيل وَكَانَ أَيُّوب عَامله على صَلَاة مصر وحربها آمره أَن يَبْنِي لَك ذَلِك حَتَّى يحصنه لَك مِمَّا تَخَافِينَ إِن شَاءَ الله وَالسَّلَام
وَكتب إِلَى أَيُّوب بن شُرَحْبِيل من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى ابْن شُرَحْبِيل أما بعد فَإِن فرتونة مولاة ذِي أصبح كتبت إِلَيّ تذكر قصر حائطها وَأَنه يسرق مِنْهُ دجاجها وتسأل تحصينه لَهَا فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فاركب أَنْت بِنَفْسِك إِلَيْهِ حَتَّى تحصنه لَهَا فَلَمَّا جَاءَ الْكتاب إِلَى أَيُّوب ركب بِبدنِهِ حَتَّى أَتَى الجيزة يسْأَل عَن
стр. 41
فرتونة حَتَّى وَقع عَلَيْهَا وَإِذا هِيَ سَوْدَاء مسكينة فأعلمها بِمَا كتب بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهَا وحصنه لَهَا
نعي عمر فِي مَسْجِد الْبَصْرَة
قَالَ وَكَانَ رَسُول عمر يقدم الْبَصْرَة فَإِذا سمع بِهِ تَلقاهُ النَّاس فَلَيْسَ يقدم إِلَّا بِزِيَادَة فِي عَطاء أَو قسم أَو خير يَأْمر بِهِ أَو شَرّ ينْهَى عَنهُ فَلَا يزَال النَّاس يشيعونه حَتَّى يدْخل الْمَسْجِد فَيقْرَأ ذَلِك الْكتاب حَتَّى قدم بريد نعيه فَلَقِيَهُ النَّاس كَمَا يلقونه فَإِذا هُوَ باك يخبر بِمَوْتِهِ فبكا النَّاس لبكائه لعَظيم مَا نزل بهم ولعظيم مصيبتهم حَتَّى دخل الْمَسْجِد يقْرَأ نعيه
نهي عمر عَن غرس الشّجر على شاطئ النّيل
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى عَامله بِمصْر أَن لَا يغْرس على شاطئ النّيل شَجَرَة فَإِن ذَلِك يضر بالنواتي فِي جر اللبان
قَضَاؤُهُ الدّين عَن الغارمين من بَيت الممال
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز على أبي بكر بن حزم إِن كل من هلك وَعَلِيهِ دين لم يكن دينه فِي خرقه فَاقْض عَنهُ دينه من بَيت مَال الْمُسلمين
أمره بتقوية أهل الذِّمَّة
وَكتب إِلَى زيد بن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن الْخطاب وَكَانَ على الْكُوفَة كتبت تذكر أَنه قد اجْتمعت عنْدك أَمْوَال بعد أعطية الْجند فأعط مِنْهُم من كَانَ عَلَيْهِ دين فِي
стр. 42
غير فَسَاد أَو تزوج فَلم يقدر على نقد وَالسَّلَام ثمَّ كتب إِلَيْهِ زيد إِنَّه قد بَقِي عندنَا بعد ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن قو أهل الذِّمَّة فَإنَّا لَا نريدهم لسنة وَلَا لِسنتَيْنِ
رَأْيه فِي الزلزلة وَأمره النَّاس بِالصَّدَقَةِ وَالدُّعَاء
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى أهل الْأَمْصَار إِن هَذِه الرجفة شَيْء يُعَاتب الله بِهِ الْعباد وَقد كنت كتبت إِلَى أهل بلد كذاوكذا أَن يخرجُوا يَوْم كذاو كَذَا فَمن اسْتَطَاعَ أَن يتَصَدَّق فيلفعل فَإِن الله يَقُول ﴿قد أَفْلح من تزكّى﴾ وَقَالَ قُولُوا كَمَا قَالَ أبوكم آدم ﴿رَبنَا ظلمنَا أَنْفُسنَا وَإِن لم تغْفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ نوح ﴿وَإِلَّا تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ وَقُولُوا كَمَا قَالَ مُوسَى ﴿رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي﴾
أمره النَّاس بِحَمْد الله
قَالَ وَكتب إِلَيْهِ عدي بن أَرْطَأَة إِنَّه قد أصَاب النَّاس من الْخَيْر خير حَتَّى لقد خشيت أَن يبطروا قَالَ فَكتب إِلَيْهِ عمر إِن الله ﵎ حِين أَدخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار رَضِي من أهل الْجنَّة بِأَن ﴿وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده﴾ فَمر من قبلك أَن يحْمَدُوا الله
стр. 43
كِتَابه الى وهب بن مُنَبّه وَقد فقد دَنَانِير من بَيت المَال
قَالَ وَكتب وهب بن مُنَبّه إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز إِنِّي فقدت من بَيت مَال الْيمن دَنَانِير فَكتب إِلَيْهِ عمر أما بعد فَإِنِّي لست أتهم دينك وَلَا أمانتك وَلَكِنِّي أتهم تضييعك وتفريطك وَإِنَّمَا أَنا حجيج الْمُسلمين فِي مَالهم وَإِنَّمَا لأشحهم فاحلف لَهُم وَالسَّلَام
إغناؤه النَّاس حَتَّى لم يجد عَامله فِي إفريقية من يَأْخُذ مِنْهُ الصَّدَقَة
قَالَ يحيى بن سعيد بَعَثَنِي عمر بن عبد الْعَزِيز على صدقَات إفريقية فاقتضيتها وَطلبت فُقَرَاء نعطيها لَهُم فَلم نجد بهَا فَقِيرا وَلم نجد من يَأْخُذهَا مني قد أغْنى عمر بن عبد الْعَزِيز النَّاس فاشتريت بهَا رقابا فأعتقتهم وولاؤهم للْمُسلمين
كتاب عمر فِي صفة مَا كَانَ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ وَمَا صَارُوا إِلَيْهِ وَبَيَان سياسته لَهُم
وَلما ولي عمر بن عبد الْعَزِيز كتب أما بعد فَإِنِّي أوصيكم بتقوى الله وَلُزُوم كِتَابه والاقتداء بِسنة نبيه ﷺ وهديه فَإِن الله قد بَين لكم مَا تأتون وَمَا تَتَّقُون وأعذر إِلَيْكُم فِي الْوَصِيَّة وَأخذ عَلَيْكُم الْحجَّة حِين أنزل عَلَيْكُم كِتَابه الحفيظ الَّذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ قَالَ ﴿وبالحق أَنزَلْنَاهُ وبالحق نزل وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا مبشرا وَنَذِيرا﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب فصلناه على علم هدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ فأقيموا فَرَائِضه وَاتبعُوا سنَنه وَاعْمَلُوا بمحكمه واصبروا أَنفسكُم عَلَيْهِ وآمنوا بمتشابهه فَإِن الله علمكُم مِنْهُ مَا علمكُم وأولكم يَوْمئِذٍ أقل النَّاس شَوْكَة وأوهنه قُوَّة وأشده فرقة
стр. 44
وأحقره عِنْد من سواهُم من النَّاس محقرة لَيْسَ لَهُم من الله حَظّ فِي الْهدى يرجعُونَ بِهِ إِلَيْهِ مَعَ أَن الدُّنْيَا ومواضع أموالها وعددها وجماعتها ونكايتها فِي غَيرهم حَتَّى أَرَادَ الله إكرامهم بكتابه وَنبيه بعث إِلَيْهِم مُحَمَّدًا ﷺ عبد الله وَرَسُوله بِالْحَقِّ بشيرا يبشر بالخيرالذي لَا خير مثله وينذر الشَّرّ الَّذِي لَا شَرّ مثله وأخره الله لذَلِك فِي الْقُرُون وَسَماهُ على لِسَان من شَاءَ من أنبيائه الَّذين سبقوا وَأخذ عَلَيْهِم مِيثَاق جَمَاعَتهمْ قَالَ ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه قَالَ أأقررتم وأخذتم على ذَلِكُم إصري قَالُوا أقررنا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنا مَعكُمْ من الشَّاهِدين﴾ فَأخر الله ذَلِك لمُحَمد ﷺ حِين بَعثه رَحْمَة للْعَالمين ﴿وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا﴾ وَأحكم الله فِي كِتَابه مَا رَضِي من الْأُمُور فَمَا جعل من ذَلِك حَلَالا فَهُوَ حَلَال إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَا جعل من ذَلِك حَرَامًا فَهُوَ حرَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَعلمه سنته ففهمها وَعمل بهَا بَين ظَهْري أمته فصلى الصَّلَوَات لوَقْتهَا كَمَا أمره الله وَعلم مواقيتها الَّتِي وَقتهَا الله لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس إِلَى غسق اللَّيْل وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا﴾ ودلوك الشَّمْس ميلها بعد نصف النَّهَار فَلَمَّا نعت الله فِي هَذِه الْآيَة وَقت صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب ثمَّ قَالَ
стр. 45
فِي آيَة أُخْرَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لِيَسْتَأْذِنكُم الَّذين ملكت أَيْمَانكُم وَالَّذين لم يبلغُوا الْحلم مِنْكُم ثَلَاث مَرَّات من قبل صَلَاة الْفجْر وَحين تضعون ثيابكم من الظهيرة وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ وَصَلَاة الْعشَاء صَلَاة الْعَتَمَة فَهَذِهِ الصَّلَوَات قد جمعهَا الْقُرْآن وَبَينهَا مُحَمَّد ﷺ ثمَّ فرض رَسُول الله ﷺ الزَّكَاة على أَمر الله فِي الْعين والحرث والماشية وَبَين مَوَاضِع ذَلِك فَقَالَ ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾ حَتَّى استقامت سنتها فِي الْأَخْذ حِين تُؤْخَذ وَفِي الْقِسْمَة حِين تقسم فَعمل بهَا الْمُسلمُونَ فِي جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى علموها أَو كل ذِي عقل مِنْهُم ثمَّ غزا رَسُول الله ﷺ بِنَفسِهِ غير مرّة وأغزى الجيوش والسرايا يقسم إِذا كَانَ حَاضرا وَيَأْمُر من تولى أَمر جيوشه وسراياه بِالَّذِي أَمر الله بِهِ من قسم مَا أَفَاء الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم فَإِن الله ﵎ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل إِن كُنْتُم آمنتم بِاللَّه وَمَا أنزلنَا على عَبدنَا يَوْم الْفرْقَان يَوْم التقى الْجَمْعَانِ وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ثمَّ أمره الله فِي الْحَج بِمَا أمره فَقَالَ ﴿وَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ يأتوك رجَالًا وعَلى كل ضامر يَأْتِين من كل فج عميق ليشهدوا مَنَافِع لَهُم ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام فَكُلُوا مِنْهَا وأطعموا البائس الْفَقِير ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ ثمَّ أَفَاء الله على رَسُوله مُحَمَّد ﷺ أَمْوَال قرى لم يوجف عَلَيْهَا خيل وَلَا ركاب فَقَالَ فِيهَا لتَكون سنة فِيمَا يفتح الله من الْقرى بعْدهَا ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب وَلَكِن الله يُسَلط رسله على من يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير﴾
стр. 46
وَقَالَ ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ ثمَّ سمي فِي هَؤُلَاءِ الْآيَات الَّذِي للْمُسلمين فَلَيْسَ لأحد مِنْهُم قسم إِلَّا وَهُوَ فِي هَذِه الْآيَات فَقَالَ ﴿للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرين الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ وَأهل هَذِه الْآيَة من خرج من بِلَاده مُهَاجرا إِلَى الْمَدِينَة وَلَيْسَ فيهم الْأَنْصَار ثمَّ قَالَ ﴿وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم يحبونَ من هَاجر إِلَيْهِم وَلَا يَجدونَ فِي صُدُورهمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾ وَأهل هَذِه الْآيَة من كَانَ بِالْمَدِينَةِ من الْأَنْصَار فَإِن هِجْرَة رَسُول الله ﷺ كَانَت إِلَيْهِم ثمَّ قَالَ فِي الْآيَة الثَّالِثَة وَهِي الَّتِي جمعت حَظّ من بَقِي من الْمُسلمين بعد هذَيْن الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلين فِي الْإِسْلَام وَقسم المَال ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾ فهم جمَاعَة من بَقِي من أهل الْإِسْلَام وَمن هُوَ دَاخل فِيهِ بعد الْهِجْرَة الأولى حَتَّى تَنْقَضِي الدُّنْيَا فَفِي الَّذِي علمكُم الله من كِتَابه وَالَّذِي سنّ رَسُول الله ﷺ من السّنَن الَّتِي لم تدع شَيْئا من دينكُمْ وَلَا دنياكم نعْمَة عَظِيمَة وَحقّ وَاجِب فِي شكر الله كَمَا هدَاكُمْ وعلمكم مَا لم تَكُونُوا تعلمُونَ فَلَيْسَ لأحد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أَمر وَلَا رَأْي إِلَّا إِنْفَاذه والمجاهدة عَلَيْهِ وَأما مَا حدث من الْأُمُور الَّتِي تبتلى الْأَئِمَّة بهَا مِمَّا لم يحكمه
стр. 47
الْقُرْآن وَلَا سنة النَّبِي ﷺ فَإِن وَالِي أَمر الْمُسلمين وَإِمَام عامتهم لَا يقدم فِيهَا بَين يَدَيْهِ وَلَا يقْضى فِيهَا دونه وعَلى من دونه رفع ذَلِك إِلَيْهِ وَالتَّسْلِيم لما قضى
وَقد أَحْبَبْت فِي كتابي هَذَا أَن تعرفوا الْحَال الَّتِي كُنْتُم عَلَيْهَا قبل نزُول كتاب الله وَسنة نبيه من الضَّلَالَة والعمى وضنك الْمَعيشَة وَالَّذِي أبدلكم الله من الْكَرَامَة والنصر والعافية وَالْجَمَاعَة وسلب لكم مِمَّا كَانَ فِي يَد غَيْركُمْ مِمَّا لم تَكُونُوا لتسلبوه بقوتكم لَو وكلكم إِلَى أَنفسكُم كَانَ قد شَرط ذَلِك للْمُؤْمِنين وَأَعْطَاهُمْ إِيَّاه إِذْ شَرط عَلَيْهِم شَرطه فقد وفاكم الله مَا شَرط لكم وَهُوَ آخذكم بِمَا اشْترط عَلَيْكُم قَالَ ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا وَمن كفر بعد ذَلِك فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ فقد أنْجز الله لكم وعده فأنجزوا دين الله فِي رِقَابكُمْ أَن يكفر كَافِر بِنِعْمَة الله أَو ينسى بلاءه فيجد على الله هينا وَيطول خلوده فِيمَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ ثمَّ إِنِّي أَحْبَبْت أَن يعلم من كَانَ جَاهِلا من أَمْرِي وَالَّذِي انا عَلَيْهِ مِمَّا لم أكن أُرِيد بِهِ الْمنطق فِي يومي هَذَا حَتَّى رَأَيْت أَن الْمنطق بِبَعْضِه هُوَ أقرب إِلَى الصّلاح فِي عَاجل الْأَمر وآجله للَّذي قد أفْضى إِلَيّ من الْأَمر وَأَنا أعلم من كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَمَا سلف عَلَيْهِ أَمر الْأَئِمَّة بَين يَدي علما من الله علمنيه من لم يكن لَهُ شغل عَنهُ وَقد كَانَ شغلي وَالَّذِي كتب الله أَن ابتلى بِهِ عَاملا مِنْهُ بِمَا علمت أَو قاصرا مِنْهُ على مَا قصرت فَمَا كَانَ من خير عَلمته فبتعليم الله ودلالته وَإِلَى الله أَرغب فِي بركته وَمَا كَانَ عِنْدِي من غير ذَلِك من دَاء الذُّنُوب
стр. 48
فاسأل الله الْعَظِيم تجاوزه عني بمغفرته فلعمري مَا ازددت علما بِالْولَايَةِ إِلَّا ازددت لَهَا مَخَافَة وَمِنْهَا وجلا وَلها إعظاما حَتَّى قدر الله لي مِنْهَا وَقدر عَليّ مَا قدر فَأَنا أَشد مَا كنت لَهَا استثقالا ثمَّ أحسن الله حميد أعواني وعاقبتي وعاقبة من ولاني أمره فَأصْلح أَمرهم وَجمع كلمتهم وَبسط عَليّ من نعمه وَعَلَيْهِم مَا لم يكن دعائي وَلَا دعاؤهم ليبلغه عِنْد الله بِهِ ثوابي وَعِنْده بِهِ جزائي من صَلَاح عامتهم وَأَدَاء حُقُوقهم إِلَيْهِم وَالْعَفو عَن ذِي الذَّنب مِنْهُم
وَقد أَعْطَانِي من ذَلِك وَله الْحَمد فِي عَاجل الدُّنْيَا وَجَمَاعَة من الشمل وَصَلَاح ذَات الْبَين وسعة فِي الرزق وَنصر على الْأَعْدَاء وكفاية حَسَنَة حَتَّى أغْنى لأهل كل ذِي جَانب من الْمُسلمين جانبهم ووسع عَلَيْهِم الرزق وَلَا يرى أهل كل نَاحيَة إِلَّا أَنهم أفضل قسما مِمَّا بسط الله بهم من رزقه ونعمه من أهل النَّاحِيَة الْأُخْرَى فَإِن تعرفوا نعْمَة الله عَلَيْكُم وتشكروا فَضله فأحرص بِي على ذَلِك وأحبب بِهِ إِلَيّ قد يعلم الله كَيفَ دعائي بذلك وَكَيف حرصي عَلَيْهِ عَلَانيَة وَإِن يجهل ذَلِك جَاهِل أَو يقصر عَنهُ رَأْيه فَإِن الَّذِي حرصت عَلَيْهِ أَن أحملكم عَلَيْهِ من كتاب الله وَسنة نبيه مُحَمَّد ﷺ هُوَ حجتي فِي الدُّنْيَا وبغيتي فِيمَا بعد الْمَوْت وَلَا تلبسوا ذَلِك بِغَيْرِهِ. . وَإِيَّاكُم أَن يتشبه فِي أَنفسكُم مَا حملتكم عَلَيْهِ من كتاب الله وَسنة نبيه وَأما مَا سوى ذَلِك من الْأُمُور الَّتِي من رَأْي النَّاس فَإِنِّي لعمري لَوْلَا أَن أعمل ذَلِك فِيكُم مَا وليت أَمركُم وَإِن تعملوا بِهِ مَا نفست الَّذِي أَنا فِيهِ من الدُّنْيَا على أبْغض النَّاس رجل
стр. 49
وَاحِد إِذا حجزه الله على ديني أَن يفتنني وَلَا كنت ارى الْمنزل الَّذِي أَتَى بِهِ لمن عَسى أَن يعْمل بِغَيْر كتاب الله وَسنة نبيه غِبْطَة وَلَا كَرَامَة وَلَا رفْعَة وَلَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَمن كَانَ سَائِلًا عَن الَّذِي فِي نَفسِي وَعَن بغيتي فِي أَمر أمة مُحَمَّد ﷺ فَإِن الَّذِي فِي نَفسِي وبغيتي مِنْهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين أَن تتبعوا كتاب الله وَسنة نبيه وَأَن تجتنبوا مَا مَالَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاء والزيغ الْبعيد وَمن عمل بِغَيْرِهِمَا فَلَا كَرَامَة وَلَا رفْعَة لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى وليعلم من عَسى أَن يذكر لَهُ ذَلِك أَن لعمري أَن تَمُوت نَفسِي أول نفس أحب إِلَيّ من أَن أحملهم على غير اتِّبَاع كتاب رَبهم وَسنة نَبِيّهم الَّتِي عَاشَ عَلَيْهَا من عَاشَ وتوفاه الله عَلَيْهَا حِين توفاه إِلَّا أَن يَأْتِي عَليّ من ذَلِك أَمر وَأَنا حَرِيص على اتِّبَاعه وَإِن أَهْون النَّاس عَليّ تلفا وحزنا لمن عَسى أَن يُرِيد خلاف شَيْء من تِلْكَ السّنة وَذَلِكَ الْأَمر الَّذِي رفعنَا وَنحن بِمَنْزِلَة الوضيعة وَأَكْرمنَا وَنحن بِمَنْزِلَة الهوان وأعزنا وَنحن بِمَنْزِلَة الذل معَاذ الله من أَن نستبدل بذلك غَيره ومعاذ الله من أَن نتقي أحدا فَإِذا تكلمتم فِي مجالسكم أَو ناجى الرجل أَخَاهُ فليذكر هَذَا الْأَمر الَّذِي حضضتكم عَلَيْهِ من إحْيَاء كتاب الله وَسنة نبيه وَترك مَا خَالف ذَلِك فَإِنَّهُ لَيْسَ بعد الْحق إِلَّا الْبَاطِل وَلَا بعد الْبَصَر إِلَّا الْعَمى وليحذر قوم الضَّلَالَة بعد الْهدى والعمى بعد الْبَصَر فَإِنَّهُ قَالَ لقوم صَالح ﴿وَأما ثَمُود فهديناهم فاستحبوا الْعَمى على الْهدى فَأَخَذتهم صَاعِقَة الْعَذَاب الْهون بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ اتبعُوا مَا تؤمرون بِهِ وَاجْتَنبُوا مَا تنهون عَنهُ وَلَا يعرض أحدكُم بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لي فِي دنياكم وَالْحَمْد لله رَغْبَة لَا فِي مَا فِي يَدي مِنْهَا وَلَا مَا فِي أَيْدِيكُم وَلَيْسَ عِنْدِي مَعَ ذَلِك
стр. 50
صَبر على انتقاص شَيْء من كتاب الله وَسنة نبيه ﵇ وَلَا اسْتِبْقَاء لمن خَالف وَالْحَمْد لله وَلَا نعْمَة عين ولعمري إِن من يعْمل ذَلِك مِنْكُم لحقيق أَن يظنّ بامرئ لَا حَاجَة لَهُ فِي دنياكم وَلَا صَبر لَهُ على زيغكم عَن دينكُمْ ولجاجتكم فِيمَا لَا خير لكم فِيهِ أَنه جرأ على هراقة دم من انْتقصَ كتاب الله أَو زاغ عَن دينه وَسنة نبيه مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ
هَذَا نَحْو من الَّذِي قبلي قد بَينته لكم ولعمري لتخلصن جماعتكم أَيهَا الْجند وخياركم مِمَّا يكره من الْأُمُور ولتتبعن أحسن مَا توعظون بِهِ إِن شَاءَ الله أسأَل الله برحمته وسعة فَضله أَن يزِيد الْمُهْتَدي هدى وَأَن يُرَاجع بالمسيء التَّوْبَة فِي عَافِيَة مِنْهُ وَأَن يحكم على من أَرَادَ خلاف كِتَابه وَسنة نبيه ﵇ بِحكم يغلب بِهِ فِي خاصته ويعجله لَهُ فَإِنَّهُ على ذَلِك قَادر وَأَنا إِلَيْهِ فِيهِ رَاغِب وَيحسن عَاقِبَة الْعَامَّة وَلَا يعذبنا بذنب الْمُسِيء وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله
كِتَابه بالحث على إقَام الصَّلَاة لوَقْتهَا وإيتاء الزَّكَاة وتعاهد شرائع الاسلام نشر الْعلم
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أُمَرَاء الأجناد أما بعد فَإِن عرى الدّين وقوام الْإِسْلَام الْإِيمَان بِاللَّه وإقام الصَّلَاة لوَقْتهَا وإيتاء الزَّكَاة وحافظ على أَوْقَات الصَّلَوَات فَإِن وَقتهَا الهجيرة بِالظّهْرِ وَصَلَاة الْعَصْر وَالشَّمْس بَيْضَاء نقية لم يدخلهَا صفرَة وَصَلَاة الْمغرب لفطر الصَّائِم وَلَا تصلين الْعشَاء حَتَّى يذهب شفق الْأُفق وَهُوَ الْبيَاض فَإِذا ذهب فصلها فِيمَا بَين ثلث اللَّيْل وَمَا عجلتها بعد ذهَاب بَيَاض الْأُفق فَهُوَ أحسن وأصوب فَإِن من تَمامهَا وإصابة وَقتهَا إنتظار مَا وصفت لَك فِي كتابي هَذَا مِنْهَا ثمَّ صل صَلَاة الْفجْر بِغَلَس وحافظ على ذَلِك فَإِن الْمُحَافظَة عَلَيْهَا حق واصبر نَفسك على ذَلِك واجتنب
стр. 51
الأشغال عِنْد حُضُور الصَّلَوَات واكتب بذلك الى عمالك بِالْمَدَائِنِ والقرى حَيْثُ مَا كَانُوا ف ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ و ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَلذكر الله أكبر﴾ فَإِنَّهُ من يضيع الصَّلَاة فَهُوَ لما سواهَا من شرائع الْإِسْلَام أَشد تضييعا ثمَّ أَكثر تعاهد شرائع الْإِسْلَام وَمر أهل الْعلم وَالْفِقْه من جندك فلينشروا مَا علمهمْ الله من ذَلِك وليتحدثوا بِهِ فِي مجَالِسهمْ وَالسَّلَام عَلَيْكُم
كِتَابه إِلَى أُمَرَاء الأجناد يوصيهم بضروب من الْخَيْر
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر بن عبد الْعَزِيز أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أَمِير الأجناد أما بعد فَإِنَّهُ من بلي بالسلطان تحضره مكاره كَثِيرَة وبلايا عِظَام إِن أغبته يَوْمًا فَهِيَ حريَّة أَن تحضره فِي الْيَوْم الآخر وَإنَّهُ لَيْسَ أحد بأشغل عَن نَفسه وَلَا أَكثر تعرضا لزيغ من ولي السُّلْطَان إِلَّا مَا عافى الله ورحم فَاتق الله مَا اسْتَطَعْت وَاذْكُر مَنْزِلك الَّذِي أَنْت بِهِ وَالَّذِي حملت فقاتل هَوَاك كَمَا تقَاتل عَدوك واصبر نَفسك عِنْدَمَا كرهت ابْتِغَاء مَا عِنْد الله من حسن ثَوَابه الَّذِي وعد المتقون فِيمَا بعد الْمَوْت وَالَّذِي وَعدكُم على التَّقْوَى وَالصَّبْر من النجَاة فِي عَاجل الْأَمر وآجله فَإِذا حضرك الْخصم الْجَاهِل الْخرق مِمَّن قدر الله أَن يوليك أمره وَأَن تبتلى بِهِ فَرَأَيْت مِنْهُ سوء رعة وَسُوء سيرة فِي الْحق عَلَيْهِ والحظ لَهُ فسدده مَا اسْتَطَعْت وبصره وارفق بِهِ وَعلمه فَإِن اهْتَدَى وَأبْصر وَعلم كَانَت نعْمَة من الله وفضلا وَإِن هُوَ لم يبصر وَلم يعلم كَانَت حجَّة اتَّخذت بهَا عَلَيْهِ فَإِن رَأَيْت أَنه أَتَى ذَنبا اسْتحلَّ فِيهِ عُقُوبَة فَلَا تعاقبه بغضب من نَفسك عَلَيْهِ وَلَكِن عاقبه وَأَنت تتحرى
стр. 52
الْحق فِي قدر ذَنبه بَالغا مَا بلغ وَإِن لم يبلغ ذَلِك إِلَّا قدر جلدَة وَاحِدَة تجلده إِيَّاهَا وَإِن كَانَ ذَنبه فَوق ذَلِك وَرَأَيْت عَلَيْهِ من الْعقُوبَة فِي ذَلِك قتلا فَمَا دونه فارجعه إِلَى السجْن وَلَا يسرعن بك إِلَى عُقُوبَته حُضُور من يحضرك فَإِنَّهُ لعمري رُبمَا عاقب الإِمَام لمحضر جُلَسَائِهِ ولتأديب أهل بَلَده ولتغامزهم بِهِ وَمَا من إِمَام لَهُ جلساء إِلَّا سَيكون ذَلِك فيهم وَمَا من قوم يسمعُونَ بِقَضَاء إِمَام إِلَّا سيختلفون فِيهِ على أهوائهم إِلَّا من رحم الله فَإِن من رحم الله لَا يَخْتَلِفُونَ فِي قَضَاء فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾ وَإِن استجهلت فَتثبت وَإِذا نظر إِلَيْك من حولك مَا أَنْت فَاعل بِسَيْفِهِ من رعيتك إِن سفه وَأَخْطَأ حَظه فاعمد فِي ذَلِك للَّذي ترى أَنه أبر وَأتقى وَخير لَك غَدا فِيمَا بعد الْمَوْت وَلَا يطربك نظرهم إِلَيْك وَلَا حَدِيثهمْ عَنْك فَإِنَّهُ لَا يبْقى فِي أنفسهم حَدِيث أحبوه وَلَا كرهوه إِلَّا قَلِيلا إِلَّا أبدوه فاغتنم كل يَوْم أخرجك الله فِيهِ سالما وكل لَيْلَة مَضَت عَلَيْك وَأَنت فِيهَا كَذَلِك وَأكْثر دُعَاء الله بالعافية لنَفسك وَلمن ولاك الله أمره فَإِن لَك فِي صَلَاحهمْ مَا لَيْسَ لأحد مِنْهُم وَإِن عَلَيْك فِي فَسَاد الرجل الْوَاحِد فَمَا فَوق ذَلِك مَا لَيْسَ على أحد مِنْهُم وَلَا تبتغ مِنْهُم جَزَاء خير أحسنته إِلَيْهِم وَلَا تسديد سددتهم وَلَا تطلب بِعَمَل صَالح عملته فيهم جَزَاء وَلَا ثَوابًا وَلَا مِدْحَة وَلَا حظوة وَليكن ذَلِك لمن لَا يُعْطي الْخَيْر وَلَا يصرف السوء غَيره ثمَّ تعاهد صَاحب بابك وَصَاحب حرسك وعاملك الْمُقِيم عنْدك وَالَّذين تبْعَث فَلَا يعْملُونَ فِي شَيْء مِمَّا تَحت يَديك بغشم وَلَا بظُلْم وَأكْثر الْمَسْأَلَة عَنْهُم فَمن كَانَ مِنْهُم محسنا نَفعه ذَلِك وَمن كَانَ مِنْهُم مسيئا استبدلت بِهِ من هُوَ خير مِنْهُ نسْأَل الله رَبنَا برحمته وَقدرته على خلقه أَن يغْفر لنا ذنوبنا وَأَن ييسر لنا أمورنا وَأَن يشْرَح لنا صدورنا بِالْبرِّ وَالتَّقوى وَالْعَمَل فِيمَا يحب ويرضى وَأَن يعصمنا من المكاره كلهَا وَأَن يجعلنا من الَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَاد وَمن الْمُتَّقِينَ الَّذين لَهُم الْعَاقِبَة وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله
стр. 53
كِتَابه إِلَى الْخَوَارِج
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْعِصَابَة الَّذين خَرجُوا أما بعد فَإِنِّي أدعوكم إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه ﷺ فَإِن الله ﵎ يَقُول ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ وَقَالَ ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ وَإِنِّي أذكركم الله فِي دمائكم أَن تَفعلُوا فعل كبرائكم ﴿كَالَّذِين خَرجُوا من دِيَارهمْ بطرا ورئاء النَّاس ويصدون عَن سَبِيل الله وَالله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ فَبِأَي ذَنْب تخرجُونَ من دينكُمْ فتستحلون الدَّم الْحَرَام وتصيبون المَال الْحَرَام فَلَو كَانَت ذنُوب أبي بكر وَعمر رضوَان الله عَنْهُمَا مخرجة رعيتهما من دينهم فقد كَانَ لأبي بكر وَعمر ذنُوب قد كَانَت آباؤكم فِي جَمَاعَتهمْ فَلم يخرجُوا فِيهَا بشوكتكم على الْجنُود وَإِنَّمَا عدتكم بضعَة وَأَرْبَعُونَ رجلا أقسم بِاللَّه لَو كُنْتُم أبكاري من أَوْلَادِي ورغبتم عَمَّا فرشنا للعامة فِيمَا ولينا لدفقت دماءكم أَبْتَغِي بذلك وَجه الله وَالدَّار الْآخِرَة فَإِنَّهُ يَقُول ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ فَهَذَا النصح إِن أَحْبَبْتُم وَإِن تستغشوني فقديما مَا استغش الناصحون وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
стр. 54
عهد عمر إِلَى مَنْصُور بن غَالب حِين بَعثه على قتال أهل الْحَرْب
وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز هَذَا مَا عهد بِهِ عبد الله عمر أَمِير االمؤمنين إِلَى مَنْصُور بن غَالب حِين بَعثه على قتال أهل الْحَرْب وحربه من استعرض من أهل الصُّلْح أمره فِي ذَلِك بتقوى الله على كل حَال نزل بِهِ من أَمر الله فَإِن تقوى الله أفضل الْعدة وأبلغ المكيدة وَأقوى الْقُوَّة وَأمره أَن لَا يكون من شَيْء من عدوه أَشد احتراسا مِنْهُ لنَفسِهِ وَمن مَعَه من معاصي الله فَإِن الذُّنُوب أخوف عِنْدِي على النَّاس من مكيدة عدوهم وَإِنَّمَا نعادي عدونا وننصر عَلَيْهِم بمعصيتهم وَلَوْلَا ذَلِك لم تكن لنا قُوَّة بهم لِأَن عددنا لَيْسَ كعددهم وَلَا عدتنا كعدتهم فَلَو استوينا نَحن وهم فِي الْمعْصِيَة كَانُوا أفضل منا فِي الْقُوَّة وَالْعدَد فَإِن لَا ننصر عَلَيْهِم بحقنا لَا نغلبهم بقوتنا وَلَا تَكُونُوا لعداوة أحد من النَّاس أحذر مِنْكُم لذنوبكم وَلَا تَكُونُوا بِالْقُدْرَةِ لكم أَشد تعاهدا مِنْكُم لذنوبكم وأعلموا أَن مَعكُمْ من الله حفظَة عَلَيْكُم يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ فِي مسيركم ومنزلكم فاستحيوا مِنْهُم وأحسنوا صحابتهم وَلَا تؤذوهم بمعاصي الله وَأَنْتُم زعمتم فِي سَبِيل الله وَلَا تَقولُوا إِن عدونا شَرّ منا فَلَنْ يسلطوا علينا وَإِن أَذْنَبْنَا فَرب قوم قد سلط عَلَيْهِم شَرّ مِنْهُم بِذُنُوبِهِمْ فاسألوا
стр. 55
الله العون على أَنفسكُم كَمَا تسألونه النَّصْر على عَدوكُمْ أسأَل الله ذَلِك لنا وَلكم
وَأمره أَن يرفق بِمن مَعَه فِي سفرهم وَلَا يجشمهم مسيرًا يتعبهم فِيهِ وَلَا يقصر بهم عَن منزل يرفق بهم حَتَّى يلْقوا عدوهم وَالسّفر لم ينقص قوتهم فَإِنَّمَا يَسِيرُونَ إِلَى عَدو مُقيم جَام الأهبة والكراع فَإِن لَا يرفقوا بِأَنْفسِهِم وكراعهم فِي مَسِيرهمْ يكن لعدوهم فضل فِي الْقُوَّة عَلَيْهِم بإقامتهم فِي جمام الْأَنْفس والكراع وَالله الْمُسْتَعَان
وَأمره أَن يُقيم وَمن مَعَه فِي كل جُمُعَة يَوْمًا وَلَيْلَة يكون لَهُم رَاحَة يجمون فِيهَا أنفسهم وكراعهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم
وَأمره أَن ينحي منزله عَن قرى الصُّلْح فَلَا يدخلهَا أحد من أَصْحَابه لسوقهم وجماعتهم إِلَّا من يَثِق بِدِينِهِ وأمانته على نَفسه وَلَا يُصِيبُوا مِنْهَا ظلما وَلَا يتزودوا مِنْهَا إِثْمًا وَلَا يؤذوا أحدا من أَهلهَا بِشَيْء إِلَّا بِحَق فَإِن لَهُم حُرْمَة وَذمَّة ابتليتم بِالْوَفَاءِ بهَا كَمَا ابتلوا بِالصبرِ عَلَيْهَا فَمَا صَبَرُوا لكم ففوا لَهُم وَلَا تستنصروا على أهل أَرض الْحَرْب بظُلْم أهل أَرض الصُّلْح فلعمري لقد أعطيتم مِمَّا يحل مِنْهُم مَا يغنيكم عَنْهُم فَلم أترك لكم خللا فِي الْعدة وَلَا رقة فِي الْقُوَّة فتظاهرت واكتفت لكم الْعدَد وانتخبت لكم الْجند وأغنيتكم بِأَرْض الشّرك عَن أَرض الصُّلْح وَبسطت
стр. 56
لَك أفضل مَا بسطت لغاز فَلم أجعَل لَك عِلّة فِي التقوية وَبِاللَّهِ الثِّقَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأمره أَن تكون عيونه من الْعَرَب وَمِمَّنْ يطمئن إِلَى نصيحته وَصدقه من أهل الأَرْض فَإِن الكذوب لَا ينفع خَبره وَإِن صدق فِي بعضه وَإِن الغاش عين عَلَيْك وَلَيْسَ بِعَين لَك وَالسَّلَام عَلَيْك
كِتَابه إِلَى الْعمَّال وعده الْولَايَة بلَاء
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْعمَّال أما بعد فَإِن من بلي من أَمر السُّلْطَان بِشَيْء فقد ابْتُلِيَ فِي الدُّنْيَا بلية عَظِيمَة مَعَ مَا ابْتُلِيَ بِهِ فِي خَاصَّة نَفسه فنسأل الله عافيته وَحسن معونته وَأي بلَاء أَشد من بلَاء يبسط للمرء فِيهِ لِسَانه وَفعله فَإِن مَال فِيهِ إِلَى كل هوى أَو سخطَة كَانَ فِيهِ وكف إِلَّا أَن يعْفُو الله وَيغْفر فَإِنَّمَا وجدت وَالِي السُّلْطَان عبدا مَمْلُوكا ولي ضَيْعَة عَلَيْهِ الإجتهاد فِي إصلاحها أجره إِحْسَان إِن أحْسنه وإحسان عمل بِهِ فيهم على ملكه الَّذِي خلقه لما شَاءَ أَن يخلقه لَهُ فَأنْزل بِتِلْكَ الْمنزلَة فِي أَمرك واصبر على مَا كرهت
стр. 57
واصبر على مَا أَحْبَبْت وقف نَفسك فِي كل سر وَعَلَانِيَة عِنْد الَّذِي ترجو بِهِ النجَاة عِنْد ذَلِك حَتَّى تفارق الَّذِي أَنْت فِيهِ فَإِن ذَلِك لَعَلَّه أَن يكون إِلَى قريب وَأَنت محسن ومأجور وتذكر مَا سلف مِنْك من عَمَلك فِيمَا سلف مِمَّا لَا تحب فأصلحه قبل أَن يتَوَلَّى صَلَاحه غَيْرك وَلَا يكبر عَلَيْك فِي ذَلِك قَول النَّاس إِذا علم الله أَنَّك تجْعَل ذَلِك لَهُ فَإِنَّهُ سيكفيك المؤونة فِي عَاجل الْأَمر مَعَ مَا يدّخر لَك من الْخَيْر فِيمَا عِنْده وَكن لمن ولاك الله أمره ناصحا فِيمَا بَعثك إِلَيْهِ من أُمُورهم فِي دينهم وأعراضهم واستركل مَا اسْتَطَعْت من عَوْرَاتهمْ إِلَّا شَيْئا أبداه الله لَا يصلح لَك ستره واملك نَفسك عَنْهُم إِذا هويت وَإِذا غضِبت حَتَّى يكون ذَلِك فِيمَا اسْتَطَعْت مستويا حسنا وَإِذا سَبَقَك أَمر أَو سلف مِنْك هوى أَو غضب فراجع أَمرك فقد رَأَيْت حَقًا أَن أكتب إِلَيْك بِالَّذِي كتبت بِهِ مِمَّا اسْتَطَعْت ونستعين بِاللَّه ونسأله أَن يصلح لنا عَملنَا وَيَكْفِينَا مؤونة مَا نَحن فِيهِ ومؤونة مَا نرْجِع إِلَيْهِ فِيمَا بعد الْمَوْت بِأَحْسَن كِفَايَة وَالسَّلَام
كِتَابه إِلَى الْخَوَارِج أَيْضا
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى هَذِه الْعِصَابَة أما بعد أوصيكم بتقوى الله فَإِنَّهُ ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه إِن الله بَالغ أمره قد جعل الله لكل شَيْء قدرا﴾ أما بعد فقد بَلغنِي كتابكُمْ وَالَّذِي كتبتم فِيهِ إِلَى يحيى بن يحيى
стр. 58
وَسليمَان بن دَاوُد وقدوم صاحبيكم وَالَّذِي أَتَى إِلَيْهِمَا وَإِن الله ﵎ يَقُول ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله الْكَذِب وَهُوَ يدعى إِلَى الْإِسْلَام وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقَالَ ﴿ادْع إِلَى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ وَقَالَ ﴿فَلَا تهنوا وَتَدعُوا إِلَى السّلم وَأَنْتُم الأعلون وَالله مَعكُمْ وَلنْ يتركم أَعمالكُم﴾ وَإِنِّي أدعوكم إِلَى الله وَإِلَى الْإِسْلَام وَإِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِن شَاءَ الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وأدعوكم أَن تدعوا مَا كَانَت تهراق عَلَيْهِ الدِّمَاء قبل يومكم هَذَا فِي غير قُوَّة وَلَا تشنيع وأذكركم بِاللَّه أَن تشبهوا علينا كتاب الله وَسنة نبيه وَنحن ندعوكم إِلَيْهِمَا هَذِه نصيحة منا نصحنا لكم فِيهَا فَإِن تقبلوها فَذَلِك بغيتنا وَإِن تردوها على من جَاءَ بهَا فقديما مَا استغش الناصحون ثمَّ لم نر ذَلِك وضع شَيْئا من حق الله وَقد قَالَ العَبْد الصَّالح لِقَوْمِهِ ﴿وَإِن توَلّوا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم كَبِير﴾ وَقَالَ الله ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾
كِتَابه إِلَى أمراه الأجناد فِي النَّهْي عَن الصَّلَاة على الْخُلَفَاء والأمراء وَالْأَمر بِالدُّعَاءِ للْمُسلمين عَامَّة
وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أُمَرَاء الأجناد أما بعد فَإِن النَّاس مَا اتبعُوا كتاب الله نفعهم فِي دينهم ومعايشهم فِي الدُّنْيَا ومرجعهم إِلَى الله فِيمَا بعد الْمَوْت وَإِن الله أَمر فِي كِتَابه بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ فَقَالَ ﴿أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾
стр. 59
) صلوَات الله على مُحَمَّد رَسُول الله وَالسَّلَام عَلَيْهِ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ثمَّ قَالَ لنَبيه مُحَمَّد ﷺ ﴿واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ فقد جمع الله ﵎ فِي كِتَابه أَن أَمر بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ وعَلى الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَإِن رجَالًا من الْقصاص قد أَحْدَثُوا صَلَاة على خلفائهم وامرائهم عدل مَا يصلونَ على النَّبِي وعَلى الْمُؤْمِنَات فَإِذا أَتَاك كتابي هَذَا فَمر قصاصكم فليصلوا على النَّبِي ﷺ وَليكن فِيهِ إطناب دُعَائِهِمْ وصلاتهم ثمَّ ليصلوا على الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وليستنصروا الله ولتكن مسألتهم عَامَّة للْمُسلمين وليدعوا مَا سوى ذَلِك فنسأل الله التَّوْفِيق فِي الْأُمُور كلهَا والرشاد وَالصَّوَاب وَالْهدى فِيمَا يحب ويرضى وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَالسَّلَام عَلَيْك
كِتَابه إِلَى الْعمَّال فِي رد الْمَظَالِم
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْعمَّال أما بعد فَإِنِّي كنت كتبت إِلَيْكُم برد الْمَظَالِم ثمَّ كتبت إِلَيْكُم أَن تحبسوها ثمَّ كتبت إِلَيْكُم بردهَا فاطلعت من بعض أَهلهَا على خيانات وشهود زور حَتَّى قبضت أَمْوَالًا قد كنت رَددتهَا ثمَّ رَأَيْت أَن أردهَا على سوء ظن بِأَهْلِهَا أحب إِلَيّ من أَن أحبسها حَتَّى ينجلي الْأَمر من غَد على مَا ينجلي عَنهُ فَإِذا جَاءَك كتابي هَذَا فارددها على أَهلهَا وَالسَّلَام عَلَيْك
كِتَابه إِلَى الْعمَّال أَيْضا بالحث على اتِّبَاع مَا أَمر الله بِهِ وَاجْتنَاب مَا نهى عَنهُ
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْعمَّال أما
стр. 60
بعد فَإِن هَذَا الْأَمر الَّذِي ولاني الله لَو كنت إِنَّمَا أَصبَحت ورغبتي فِيهِ مطعم أَو ملبس أَو مركب أَو اتِّخَاذ أَزوَاج أَو اعْتِقَاد أَمْوَال لَكُنْت قد بلغ الله بِي من ذَلِك قبل مَا ولاني من أفضل مَا بلغ بعباده وَلَكِن أَصبَحت لَهُ خَائفًا أعلم أَن فِيهِ أمرا عَظِيما وحسابا شَدِيدا وَمَسْأَلَة لَطِيفَة عِنْد مجاهدة الْخُصُوم بَين يَدي الله إِلَّا مَا عافى الله ورحم وَدفع وَإِنِّي آمُرك فِيمَا وليتك من عَمَلي وأفضيت إِلَيْك من أَمْرِي بتقوى الله وَأَدَاء الْأَمَانَة وَاتِّبَاع مَا أَمر الله بِهِ وَاجْتنَاب مَا نهى الله عَنهُ وَقلة الإلتفاف إِلَى شَيْء خَالف ذَلِك ليَكُون الَّذِي آمُرك بِهِ فِي سيرتك وَالنَّظَر فِي نَفسك وَفِي عَمَلك وَمَا تُفْضِي بِهِ إِلَى رَبك وَمَا تعْمل بِهِ فِيمَا بَيْنك وَبَين الرّعية قبلك وَأَنت تعلم علما يَقِينا أَنه لَيست نجاة وَلَا حرز إِلَّا أَن تنزل بذلك الْمنزل من طَاعَة الله ودع أَن ترصد شَيْئا ليَوْم ترجوه أَو تخافه سوى مَا ترجوه غَدا من الله وَتخَاف مِنْهُ فَإنَّك قد رَأَيْت عبرا فِي نَفسك وعبرا مَا مثلهَا وعظ مثلنَا وَكفى وَمثلهَا أَصَابَك إِلَى حظك من الله وَالسَّلَام
شَيْء من موَالِي القانون الأساسية فِي عهد عمر بن عبد الْعَزِيز
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْعمَّال أما بعد فَإِن الله بعث مُحَمَّدًا ﷺ ﴿بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾
стр. 61
) وَإِن دين الله الَّذِي بعث بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ كِتَابه الَّذِي أنزل عَلَيْهِ أَن يطاع الله فِيهِ وَيتبع أمره ويجتنب مَا نهى عَنهُ وتقام حُدُوده وَيعْمل بِفَرَائِضِهِ وَيحل حَلَاله وَيحرم حرَامه ويعترف بِحقِّهِ وَيحكم مَا أنزل فِيهِ فَمن اتبع هدى الله اهْتَدَى وَمن صد عَنهُ ﴿فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ وَإِن من طَاعَة الله الَّتِي أنزل فِي كِتَابه أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى الْإِسْلَام كَافَّة وَأَن يفتح لأهل الْإِسْلَام بَاب الْهِجْرَة وَأَن تُوضَع الصَّدقَات والأخماس على قَضَاء الله وفرائضه وَأَن يَبْتَغِي النَّاس بِأَمْوَالِهِمْ فِي الْبر وَالْبَحْر لَا يمْنَعُونَ وَلَا يحبسون
الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام وَحكم الذميين وَالَّذين أَسْلمُوا مِنْهُم
وَأما الْإِسْلَام فَإِن الله بعث مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى النَّاس كَافَّة فَقَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا﴾ وَقَالَ الله ﵎ فِيمَا يامر بِهِ الْمُؤمنِينَ من شَأْن الْمُشْركين ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فإخوانكم فِي الدّين﴾ فَهَذَا قَضَاؤُهُ وَحكمه فاتباعه لله طَاعَة وَتَركه مَعْصِيّة لله فَادع إِلَى الْإِسْلَام وَأمر بِهِ فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ﴿وَمن أحسن قولا مِمَّن دَعَا إِلَى الله وَعمل صَالحا وَقَالَ إِنَّنِي من الْمُسلمين﴾ فَمن أسلم من نَصْرَانِيّ أَو يَهُودِيّ أَو مَجُوسِيّ من أهل الْجِزْيَة الْيَوْم فخالط عَم الْمُسلمين فِي
стр. 62
دَارهم وَفَارق دَاره الَّتِي كَانَ بهَا فَإِن لَهُ مَا للْمُسلمين وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم وَعَلَيْهِم أَن يخالطوه وَأَن يواسوه غير أَن أرضه وداره إِنَّمَا هِيَ من فَيْء الله على الْمُسلمين عَامَّة وَلَو كَانُوا أَسْلمُوا عَلَيْهَا قبل أَن يفتح الله للْمُسلمين كَانَت لَهُم وَلكنهَا فَيْء الله على الْمُسلمين عَامَّة وَأما من كَانَ الْيَوْم مُحَاربًا فَليدع إِلَى الْإِسْلَام قبل أَن يُقَاتل فَإِن اسْلَمْ فَلهُ مَا للْمُسلمين وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم وَله مَا أسلم عَلَيْهِ من أهل وَمَال وَإِن كَانَ من أهل الْكتاب فَأعْطى الْجِزْيَة وَأمْسك بيدَيْهِ فَإنَّا نقبل ذَلِك مِنْهُ
الْهِجْرَة
وأماالهجرة فَإنَّا نفتحها لمن هَاجر من أَعْرَابِي فَبَاعَ مَاشِيَته وانتقل من دَار أعرابيته إِلَى دَار الْهِجْرَة وَإِلَى قتال عدونا فَمن فعل ذَلِك فَلهُ أُسْوَة الْمُهَاجِرين فِيمَا أَفَاء الله عَلَيْهِم وَإِن الله نعت الْمُؤمنِينَ عِنْد ذكره الْفَيْء فَجعله للْفُقَرَاء والمهاجرين ﴿وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم﴾ وَالَّذين جَاءُوا من بعدهمْ ثمَّ قَالَ ﴿وَآخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم﴾ وَقد كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يجاهدون على غير عَطاء وَلَا رزق يجْرِي عَلَيْهِم فيوسع الله عَلَيْهِم ويعظم الْفَتْح لَهُم وَلمن تأسى بهم وَعمل بِصَالح سنتهمْ مِمَّن يحبونَ من إخْوَانهمْ ليوجبن الله لَهُ الْأجر فِي الاخرة وليعظمن لَهُ الْفَتْح فِي الدُّنْيَا
الصَّدقَات
وَأما الصَّدقَات فَإِن الله ﵎ فَرضهَا وسمى أَهلهَا حِين طعن فِيهَا أنَاس وبلغوا فِيهَا تُهْمَة نَبِيّهم فَقَالَ ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ فَقَالَ الله ﵎ عِنْد ذَلِك ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم﴾
стр. 63
) فَبين رَسُول الله ﷺ صَدَقَة الْأَمْوَال الْحَرْث والمواشي وَالذَّهَب وَالْوَرق فتؤخذ الصَّدقَات كَمَا بَين رَسُول الله ﷺ وَفرض لَا يظْلمُونَ وَلَا يتَعَدَّى عَلَيْهِم وَلَا يحابى بهَا قريب وَلَا يمْنَعهَا أَهلهَا ثمَّ تجْعَل إِلَى مرضيين من أهل الْإِسْلَام فيجعلونها حَيْثُ أَمرهم الله يحملهم الإِمَام من ذَلِك على مَا حمل وينزه نَفسه من ذَلِك من أَمر قدأكثر فِيهَا على الْأَئِمَّة
الْأَخْمَاس
وَأما الْخمس فَإِن من مضى من الْأَئِمَّة اخْتلفُوا فِي مَوْضِعه فطعن فِي ذَلِك طَاعن من النَّاس وَأكْثر فِيهِ وَوضع مَوَاضِع شَتَّى فَنَظَرْنَا فَإِذا هُوَ على سِهَام الْفَيْء فِي كتاب الله لم يُخَالف وَاحِدَة من الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَى فَإِذا عمر بن الْخطاب ﵀ قد قضى فِي الْفَيْء قَضَاء قد رَضِي بِهِ الْمُسلمُونَ فرض للنَّاس أعطية وأرزاقا جَارِيَة لَهُم وَرَأى أَن لن يبلغ بِتِلْكَ الْأَبْوَاب مَا جمع من ذَلِك وَرَأى أَن فِيهِ للْيَتِيم والمسكين وَابْن السَّبِيل فَرَأى أَن يلْحق الْخمس بالفيء وَأَن يوضع موَاضعه الَّتِي سمى الله وَفرض وَلم يفعل ذَلِك إِلَّا ليتنزه مِنْهُ وخيفة التَّوَهُّم فِيهِ فاقتدوا بِإِمَام عَادل فَإِن الْآيَتَيْنِ متفقتان آيَة الْفَيْء وَآيَة الْخمس فَإِن الله قَالَ ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى فَللَّه وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل﴾ وَكَذَلِكَ فرض الله الْخمس فنرى أَن يجمعا جَمِيعًا فيجعلا فَيْئا للْمُسلمين وَلَا يستأثر عَلَيْهِم وَلَا يكون ﴿دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم﴾
стр. 64
الْحمى
ونرى أَن الْحمى يُبَاح للْمُسلمين عَامَّة وَقد كَانَت تحمى فتجعل فِيهَا نعم الصَّدقَات فَيكون فِي ذَلِك قُوَّة ونفع لأهل فَرَائض الصَّدقَات وَأدْخل فِيهَا وَطعن فِيهَا طَاعن من النَّاس فنرى فِي ترك حماها والتنزه عَنْهَا خيرا إِذا كَانَ ذَلِك من أمرهَا وَإِنَّمَا الإِمَام فِيهَا كَرجل من الْمُسلمين إِنَّمَا هُوَ الْغَيْث ينزله الله لِعِبَادِهِ فهم فِيهِ سَوَاء
الْخمر والنبيذ
ثمَّ إِن الطلاء لَا خير فِيهِ للْمُسلمين إِنَّمَا هُوَ الْخمر يكنى باسم الطلاء قد جعل الله عَنهُ مندوحة وأشربة كَثِيرَة طيبَة وَقد علمت أَن نَاسا يَقُولُونَ قد أحله عمر ﵁ وشربه نَاس مِمَّن مضى من خيارنا وَإِن عمر إِنَّمَا أُتِي مِنْهُ بشراب طبخ حَتَّى خثر فَقَالَ حِين أُتِي بِهِ أطلاء هَذَا يَعْنِي بِهِ طلاء الْإِبِل فَلَمَّا ذاقه قَالَ لَا بَأْس بِهَذَا فَأدْخل النَّاس فِيهِ بعد عمر أما من شَرّ بِهِ من صالحيكم فَإِنَّهُم شربوه قبل أَن يتَّخذ مُسكرا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ حرَام كل مُسكر على كل مُؤمن فَلَا أرى أَن يتَّخذ الْفَاجِر الباردلسه ونرى أَن يتنزه الْمُسلمُونَ عَنهُ عَامَّة وَأَن يحرموه فَإِنَّهُ من أجمع الْأَبْوَاب للخطايا وأخوفها عِنْدِي أَن تصيب الْمُسلمين مِنْهُ جَائِحَة تعمهم
طَرِيق الْبر وَالْبَحْر
وَأما الْبَحْر فَإنَّا نرى سَبيله سَبِيل الْبر قَالَ ﴿الله الَّذِي سخر لكم الْبَحْر لتجري الْفلك فِيهِ بأَمْره ولتبتغوا من فَضله﴾
стр. 65
) فَأذن فِيهِ أَن يتجر فِيهِ من شَاءَ وَأرى أَن لَا نحول بَين أحد من النَّاس وَبَينه فَإِن الْبر وَالْبَحْر لله جَمِيعًا سخرهما لِعِبَادِهِ يَبْتَغُونَ فيهمَا من فَضله فَكيف نحول بَين عباد الله وَبَين مَعَايشهمْ
تَوْحِيد الْمِكْيَال وَالْمِيزَان
ثمَّ إِن الْمِكْيَال وَالْمِيزَان نرى فيهمَا أمورا علم من يَأْتِيهَا أَنَّهَا ظلم إِنَّه لَيْسَ فِي الْمِكْيَال زيغ إِلَّا من تطفيف وَلَا فِي الْمِيزَان فضل إِلَّا من بخس فنرى أَن تَمام مكيال الأَرْض وميزانها أَن يكون وَاحِدًا فِي جَمِيع الأَرْض كلهَا
العشور
وَأما العشور فنرى أَن تُوضَع إِلَّا عَن أهل الْحَرْث فَإِن أهل الْحَرْث يؤخذون بذلك وَإِنَّمَا أهل الْجِزْيَة ثَلَاثَة نفر صَاحب أَرض يُعْطي جزيته مِنْهَا وصانع يخرج جزيته من كَسبه وتاجر يتَصَرَّف بِمَالِه يُعْطي جزيته من ذَلِك وَإِنَّمَا سنتهمْ وَاحِدَة فَأَما الْمُسلمُونَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِم صدقَات أَمْوَالهم إِذا أدوها فِي بَيت المَال كتبت لَهُم بهَا الْبَرَاءَة فَلَيْسَ عَلَيْهِم فِي عَامهمْ ذَلِك فِي أَمْوَالهم تباعة
المكس
وَأما المكس فَإِنَّهُ البخس الَّذِي نهى الله عَنهُ فَقَالَ ﴿وَلَا تبخسوا النَّاس أشياءهم وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ غير أَنهم كنوه باسم آخر
تِجَارَة الإِمَام والعمال
ونرى أَن لَا يتجر إِمَام وَلَا يحل لعامل تِجَارَة فِي سُلْطَانه الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَإِن الْأَمِير مَتى يتجر يستأثر وَيصب أمورا فِيهَا عنت وَإِن حرص على أَن لَا يفعل
стр. 66
بيع عمَارَة الأَرْض
ونرى أَن لَا يُبَاع عمَارَة الأَرْض فَإِنَّمَا يَشْتَرِي المُشْتَرِي لنَفسِهِ وَيقطع لنَفسِهِ فَإِنَّمَا يُصِيب من ذَلِك خراب الأَرْض وظلم أَهلهَا وَأما من كَانَ من عرب أهل الأَرْض فِي غير أرضه وجزيته جَارِيَة عَلَيْهِ فِي أرضه فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا ذَلِك وعامل أرضه أولى بتبعته
ترك السخرة
ونرى أَن تُوضَع السخر عَن أهل الأَرْض فَإِن غايتها أُمُور يدْخل فِيهَا الظُّلم
أرزاق الْعَامَّة
ونرى أَن ترد الْمزَارِع لما جعلت لَهُ فَإِنَّمَا جعلت لأرزاق الْمُسلمين عَامَّة فَإِن أَمر الْعَامَّة هُوَ أفضل للنفع وَأعظم للبركة
الْمَوَارِيث
ثمَّ إِن مَوَارِيث أهل الأَرْض إِنَّمَا هِيَ لأوليائهم أَو لأهل أَرضهم الَّذين يخرجُون الْخراج فنرى أَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُم شَيْء إِلَّا أَن يكون عَاملا فيبعثه الإِمَام فِي عمله بِالَّذِي يرى عَلَيْهِ من الْحق وَالسَّلَام عَلَيْك
كِتَابه إِلَى أَيُّوب ابْن شرحيبل وَأهل مصر فِي النَّهْي عَن الْخمر والنبيذ
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز من عبد الله عمر بن عبد الْعَزِيز أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أَيُّوب بن شُرَحْبِيل وَأهل مصر من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات وَالْمُسْلِمين وَالْمُسلمَات سَلام عَلَيْكُم أما بعد فَإِنِّي أَحْمد إِلَيْكُم الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أما بعد فَإِن الله أنزل فِي
стр. 67
الْخمر ثَلَاث آيَات فِي ثَلَاث سور من الْقُرْآن فشربه النَّاس فِي الْأَوليين وَحرمت عَلَيْهِم فِي الثَّالِثَة وَأحكم تَحْرِيمهَا فَقَالَ الله ﵎ فِي الأولى وَقَوله الْحق ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قل فيهمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ فَشربهَا النَّاس على ذَلِك لما ذكر من مَنْفَعَتهَا ثمَّ أنزل الله فِي الثَّانِيَة فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا﴾ فَشربهَا النَّاس عِنْد غير الصَّلَاة وتجنبوا السكر عِنْد حُضُور الصَّلَاة ثمَّ أنزل الله فِي الْآيَة الثَّالِثَة فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول واحذروا فَإِن توليتم فاعلموا أَنما على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ ثمَّ إِنَّه قد كَانَ من أَمر هَذَا الشَّرَاب أَمر ساءت فِيهِ رعة كثير من النَّاس وجمعوا مِمَّا يغشون بِهِ مِمَّا حرم الله فِيهِ حَرَامًا كثيرا نهوا عَنهُ عِنْد سفه أحلامهم وَذَهَاب عُقُولهمْ حَتَّى اسْتحلَّ فِي ذَلِك الدَّم الْحَرَام وَأكل المَال الْحَرَام والفرج الْحَرَام وَقد أصبح كل من يُصِيب من ذَلِك الشَّرَاب إِنَّمَا علتهم فِيهِ يَقُولَن الطلاء لَا بَأْس علينا فِي شربه ولعمري إِن مَا قرب إِلَى الْخمر فِي مطعم أَو مشرب أَو غير ذَلِك
стр. 68
ليتقى وَمَا يشرب اولئك شرابهم الَّذِي يسْتَحلُّونَ إِلَّا من تَحت أَيدي النَّصَارَى الَّذين يهون عَلَيْهِم زيغ الْمُسلمين فِي دينهم ودخولهم فِيمَا لَا يحل لَهُم مَعَ الَّذِي يجمع نفاق سلعهم ويسارة المؤونة عَلَيْهِم وَمَا لأحد من الْمُسلمين عذر أَن يشرب مَا أشبه مَا لَا خير فِيهِ من الشَّرَاب فَإِن الله جعل عَنهُ غنى وسعة من المَاء الْفُرَات وَمن الْأَشْرِبَة الَّتِي لَيْسَ فِي الْأَنْفس مِنْهَا حَاجَة من الْعَسَل وَاللَّبن والسويق والنبيذ من الزَّبِيب وَالتَّمْر غير أَن من نبذ نبيذا من عسل أَو زبيب أَو تمر فَلَا ينبذه إِلَّا فِي الأسقية الَّتِي لَا زفت فِيهَا فَإِنَّهُ فد بلغنَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه نهى عَن شرب مَا جعل فِي الجرار والدباء والظروف المقيرة وَقد علم من شرب الطلاء أَنه يعْمل فِي الظروف المزفتة من القلال والزقاق لِأَنَّهُ لَا يصلح إِلَّا ذَلِك أَنه يسكره وَقد ذكر لنا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ كل مُسكر حرَام فاستغنوا بِمَا أحل الله لكم عَمَّا حرم عَلَيْكُم وَشبه بالحرام فَإِنَّهُ لَيْسَ من الْأَشْرِبَة شَيْء يُشبههُ غير هَذَا الشَّرَاب الْوَاحِد فَإنَّا من نجده يشرب مِنْهُ شَيْئا بعد تقدمنا إِلَيْهِ فِيهِ نوجعه عُقُوبَة فِي مَاله وَنَفسه ونجعله نكالا لغيره وَمن يستخف بذلك منا فَإِن الله أَشد عُقُوبَة وَأَشد بَأْسا وَأَشد وتنكيلا وَقد أردْت بِالَّذِي نهيت عَنهُ من شرب الْخمر وَمَا ضارع إِلَيْهِ من الطلاء وَمَا جعل فِي الدُّبَّاء والجرار والظروف المزفتة اتِّخَاذ الْحجَّة عَلَيْكُم الْيَوْم وَفِيمَا بعد الْيَوْم فَإِنَّهُ من يطع يكن خيرا لَهُ وَمن يُخَالف مَا نهي عَنهُ نعاقبه فِي الْعَلَانِيَة وَيَكْفِينَا الله مَا أسر إِنَّه على كل شَيْء رَقِيب وَالله على كل شَيْء شَهِيد أسأَل الله أَن يغنينا وَإِيَّاكُم بِمَا أحل عَمَّا حرم وَأَن يزِيد من كَانَ فِينَا مهتديا هدى ورشدا وَأَن يُرَاجع
стр. 69
بالمسيء التَّوْبَة فِي عَافِيَة وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
كتاب عمر إِلَى الضَّحَّاك فِي أخوة الْإِسْلَام وَنَهْيه عَن الْحلف
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الضَّحَّاك بن عبد الرَّحْمَن أما بعد فَإِن الله جعل الْإِسْلَام الَّذِي رَضِي بِهِ لنَفسِهِ وَمن كرم عَلَيْهِ من خلقه لَا يقبل الله دينا غَيره كرمه بِمَا أنزل من كِتَابه الَّذِي فرق بِهِ بَين الْإِسْلَام وَبَين سواهُ فَقَالَ ﴿قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذْنِهِ ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَقَالَ ﴿وبالحق أَنزَلْنَاهُ وبالحق نزل وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا مبشرا وَنَذِيرا﴾ فَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ حِين بَعثه وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب حِين أنزلهُ وَأَنْتُم معشر الْعَرَب فِيمَا قد علمْتُم من الضَّلَالَة والجهالة والجهد وضنك الْعَيْش وتفرق الدَّار والفتن بَيْنكُم عَامَّة وَالنَّاس لكم حاقرون مستأثرون عَلَيْكُم بِالدّينِ وَلَيْسَ من ضلالتهم من شَيْء إِلَّا وَأَنْتُم على مثله من عَاشَ مِنْكُم عَاشَ فِيمَا ذكرت من الْجَهْل والضلالة وَمن مَاتَ مِنْكُم مَاتَ إِلَى النَّار حَتَّى أَخذ الله بنواصيكم عَمَّا كُنْتُم فِيهِ من عبَادَة الْأَوْثَان والتقاطع والتدابر وَسُوء ذَات الْبَين فَأنْكر منكركم وَكذب مكذبكم وَنَبِي الله ﵇ يَدْعُو إِلَى كتاب الله والى الْإِسْلَام ثمَّ أسلم مَعَه قَلِيل مستضعفون فِي الأَرْض يخَافُونَ أَن يتخطفهم النَّاس فآواهم وأيدهم بنصره ورزقهم الله من أذن لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَالدُّنْيَا مَقْبُوضَة عَنهُ وَالله منجز لرَسُوله موعوده الَّذِي لَيْسَ لَهُ خلف فيراه من يرَاهُ بَعيدا إِلَّا قَلِيلا من الْمُؤمنِينَ فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾
стр. 70
) وَقَالَ فِي بعض مَا يعده وَالْمُسْلِمين أَن قَالَ ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لَا يشركُونَ بِي شَيْئا﴾ فأنجز الله لنَبيه ﵇ وَأهل الْإِسْلَام موعودهم الَّذِي وعدهم فَلم يعطكم الله يَا أهل الْإِسْلَام مَا أَعْطَاكُم من ذَلِك إِلَّا بِهَذَا الَّذِي تفلجون بِهِ على خصمكم وَبِه تقومون شُهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ لكم نجاة غَيره وَلَا حجَّة وَلَا حرز وَلَا مَنْعَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا أَعْطَاكُم الله مِنْهُ أحسن يَوْم وعدتموه فارجوا ثَوَاب الله فِيمَا بعد الْمَوْت فَإِن الله قَالَ ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ وَإِنِّي أحذركم هَذَا الْقُرْآن وتباعته فَإِن تباعته وشروطه قد أَصَابَكُم مِنْهَا أيتها الْأمة وقائع من هراقة دِمَاء وخراب ديار وتفرق جماعات فانظروا مَا زجركم الله عَنهُ فِي كِتَابه فازدجروا عَنهُ فَإِن أَحَق مَا خيف وَعِيد الله بقول أَو بِعَمَل أَو غير ذَلِك فَإِن كَانَ بقول فِي أَمر الله فَنعما لَهُ وَإِن كَانَ بقول فِي غير ذَلِك فَإِنَّمَا يُفْضِي إِلَى سَبِيل هلكه ثمَّ إِن مَا هاجني على كتابي هَذَا أَمر ذكر لي عَن رجال من أهل الْبَادِيَة وَرِجَال أمروا حَدِيثا ظَاهر جفاؤهم قَلِيل علمهمْ بِأَمْر الله اغتروا فِيهِ بِاللَّه غرَّة عَظِيمَة ونسوا فِيهِ بلاءه نِسْيَانا عَظِيما وغيروا فِيهِ نعمه تغييرا لم يكن يصلح لَهُم أَن يبلغوه وَذكر لي أَن رجَالًا من أُولَئِكَ يتحاربون إِلَى مُضر وَإِلَى الْيمن يَزْعمُونَ أَنهم ولَايَة على من سواهُم وَسُبْحَان الله وَبِحَمْدِهِ مَا أبعدهم من شكر نعْمَة الله وأقربهم من كل مهلكة ومذلة وَصغر قَاتلهم الله أَيَّة منزلَة نزلُوا وَمن أَي أَمَان خَرجُوا أَو بِأَيّ أَمر لصقوا وَلَكِن قد عرفت أَن الشقي بنيته يشقى وَأَن النَّار لم
стр. 71
تخلق بَاطِلا أولم يسمعوا إِلَى قَول الله فِي كِتَابه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَة فأصلحوا بَين أخويكم وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَوله ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ وَقد ذكر لي مَعَ ذَلِك أَن رجَالًا يتداعون إِلَى الْحلف وَقد نهى رَسُول الله ﷺ عَن الْحلف وَقَالَ لَا حلف فِي الْإِسْلَام قَالَ وَمَا كَانَ من حلف فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة فَكَانَ يَرْجُو أحد من الْفَرِيقَيْنِ حفظ حلفه الْفَاجِر الآثم الَّذِي فِيهِ مَعْصِيّة الله ومعصية رَسُوله وَقد ترك الْإِسْلَام حِين انخلع مِنْهُ وَأَنا أحذر كل من سمع كتابي هَذَا وَمن بلغه أَن يتَّخذ غير الْإِسْلَام حصنا أَو دون الله وَدون رَسُوله وَدون الْمُؤمنِينَ وليجة تحذيرا بعد تحذير وأذكرهم تذكير بعد تذكير وَأشْهد عَلَيْهِم الَّذِي هُوَ آخذ بناصية كل دَابَّة وَالَّذِي هُوَ أقرب إِلَى ان أحدا من النَّاس يُحَرك شَيْئا ليؤخذ لَهُ بِهِ أَو ليدفع عَنهُ أحرص وَالله الْمُسْتَعَان على مذلته من كَانَ رجلا أَو عشيرة أَو قَبيلَة أَو أَكثر من ذَلِك فَادع إِلَى نصيحتي وَمَا تقدّمت إِلَيْكُم بِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الرشد لَيْسَ لَهُ خَفَاء ثمَّ ليَكُون أهل الْبر وَأهل الْإِيمَان عونا بألسنتهم وَإِن كثيرا من النَّاس لَا يعلمُونَ نسْأَل الله أَن يخلف فِيمَا بَيْننَا بِخَير خلَافَة فِي ديننَا وألفتنا وَذَات بَيْننَا وَالسَّلَام
كِتَابه فِي النَّهْي عَن النِّيَاحَة وَالْأَمر بِالصبرِ
قَالَ وَكتب عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِنَّهُ ذكر لي أَن نسَاء من أهل السَّفه والجفاء يخْرجن إِلَى الْأَسْوَاق عِنْد موت الْمَيِّت ناشرات رؤوسهن يَنحن نياحة أهل الْجَاهِلِيَّة ولعمري مَا رخص للنِّسَاء فِي وضع خمرهن مذ أمرن أَن يضربن بِهن على
стр. 72
جُيُوبهنَّ فانه عَن هَذِه النِّيَاحَة نهيا شَدِيدا وَتقدم إِلَى صَاحب شرطكم فَلَا يقرن نوحًا فِي دَار وَلَا طَرِيق فَإِن الله قد أَمر الْمُؤمنِينَ عِنْد مصائبهم بِخَير الْأَمريْنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقَالَ ﴿الَّذين إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون أُولَئِكَ عَلَيْهِم صلوَات من رَبهم وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هم المهتدون﴾
موعظة يزِيد الرقاشِي عمر بن عبد الْعَزِيز
قَالَ وَدخل يزِيد الرقاشِي على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ عظني يَا يزِيد فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ بَين آدم وَبَيْنك مِمَّن ولدك أَب حَيّ قَالَ زِدْنِي قَالَ يَا أَمِير الؤمنين أَنْت أول خَليفَة يَمُوت قَالَ زِدْنِي قَالَ لَيْسَ بَين الْجنَّة وَالنَّار منزلَة
بكاء عمر من الموعظة حَتَّى طفئ الكانون من دُمُوعه
قَالَ وَدخل عَلَيْهِ رجل وَبَين يَدَيْهِ كانون فِيهِ نَار فَقَالَ عظني قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ينفعك من دخل الْجنَّة إِذا دخلت أَنْت النَّار وَمَا يَضرك من دخل النَّار إِذا دخلت انت الْجنَّة قَالَ فَبكى عمر حَتَّى طفئ الكانون الَّذِي كَانَ بَين يَدَيْهِ من دُمُوعه
موعظة الْحسن الْبَصْرِيّ لعمر
وَكتب الْحسن بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَكَأَن الدُّنْيَا لم تكن وَكَأن الْآخِرَة لم تزل وَكَأن مَا هُوَ كَائِن قد كَانَ وَالسَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
стр. 73
موعظة أُخْرَى لَهُ
وَكتب الْحسن أَيْضا إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِن الْأَهْوَال العظائم والمفظعات من الأموركلها أمامك لم تقطع مِنْهَا شَيْئا بعد وَلَا بُد وَالله من مُعَاينَة ذَلِك ومشاهدته فإمَّا بالسلامة وَإِمَّا بالعطب وَالسَّلَام
خطْبَة ابْن الاهتم فِي عمر بن عبد الْعَزِيز
وَدخل خَالِد بن صَفْوَان بن الْأَهْتَم على عمر بن عبد الْعَزِيز فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتُحِبُّ أَن تطرأ قَالَ لَا قَالَ أفتحب أَن توعظ قَالَ نعم قَالَ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَإِن الله بجلاله خلق الْخلق غَنِيا عَن طاعتهم آمنا لمعصيتهم وَالنَّاس فِي الْمنَازل والرأي مُخْتَلفُونَ وَالْعرب بشر تِلْكَ الْمنَازل أهل دبر وَأهل وثن وَأهل حجر فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن يبْعَث فيهم رَسُوله وَأَرَادَ أَن ينشر فيهم رَحمته بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ مُحَمَّد ﷺ فَلم يمنعهُم ذَلِك من أَن جرحوه فِي جِسْمه ولقبوه فِي اسْمه وأخرجوه من دَاره مَعَه من الله بَيِّنَة لَا يتَقَدَّم إِلَّا بأَمْره وَلَا يخرج إِلَّا بِإِذْنِهِ ويمده بملائكته ويخبره بِالْغَيْبِ المكتوم من أمره وَضمن لَهُ ظفر عَاقِبَة الْأُمُور وَقد
стр. 74
اضطروه إِلَى بطن غَار اخْتَبَأَ فِيهِ وَأخذ حَبل الذِّمَّة من الأملاء فَلَمَّا أَمر بالعزم وَحمل على الْجِهَاد انبسط لأمر الله وَمضى على الَّذِي أَمر بِهِ من تَبْلِيغ الرسَالَة وَإِظْهَار الْحق ومجاهدة الْعَدو فَقَبضهُ الله على سنته ﷺ
ثمَّ قَامَ من بعده أَبُو بكر فارتدت عَلَيْهِ الْعَرَب أَو من ارْتَدَّ مِنْهُم وعرضوا على أَن يقيموا الصَّلَاة وَلَا يؤتوا الزَّكَاة فَأبى أَن يقبل مِنْهُم إِلَّا مَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يقبل مِنْهُم فِي حَيَاته فَانْتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيرَان فِي شعلها وَركب بِحَق الله أكتاف أهل الْبَاطِل فَمَا برح يخرق أعراضهم ويسقي الأَرْض من دِمَائِهِمْ حَتَّى أدخلهم فِي الْبَاب الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ الْأَمر على أبي بكر ﵁ وَقد كَانَ نَالَ من فيئهم شَيْئا وَهِي لقوح يرتضح من لَبنهَا وَبكر يرتوي عَلَيْهِ وحبشية أرضعت ابْنه فَلَمَّا حضرت وَفَاته رأى أَن الَّذِي نَالَ من ذَلِك فِي حَيَاته غُصَّة فِي حلقه وَثقل على كَاهِله فأداه إِلَى ابْن الْخطاب ﵁ فَقَبضهُ الله على سنة صَاحبه
ثمَّ قَامَ من بعده عمر بن الْخطاب ﵁ فمصر الْأَمْصَار وخلط الشدَّة باللين وحسر عَن ذِرَاعَيْهِ وشمر عَن سَاقيه وَأعد للأمور أقرنها فَأَصَابَهُ قين للْمُغِيرَة بن شُعْبَة يُقَال لَهُ فَيْرُوز يكنى بِأبي لؤلؤة فَأمر ابْن عَبَّاس يُنَادي فِي النَّاس فَقَالَ هَل تعلمُونَ قاتلي فَقَالُوا قَتلك أَبُو لؤلؤة غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَاسْتهلَّ عمر بِحَمْد الله أَن لَا يكون أَصَابَهُ ذُو حق فِي الْفَيْء إِنَّمَا اسْتحلَّ ذَلِك مِنْهُ لما أَخذ من
стр. 75
حَقه من غير مؤامرته ثمَّ نظر فِي دينه فَلم يرض فِي ذَلِك بكفالة وَلَده حَتَّى كسر فِي ذَلِك رباعه وَأدّى ذَلِك إِلَى بَيت مَال الْمُسلمين
ثمَّ أَنْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بَين يَدي الدُّنْيَا وَلدتك مُلُوكهَا وغدتك كلأها وألقمتك ثديها وَأَنت بت فِيهَا تلتمسها من مظانها حَتَّى إِذا أفضت إِلَيْك أخطارك مِنْهَا قذرتها وحقرتها وألقيتها حَيْثُ أَلْقَاهَا الله إِلَّا مَا تزودت مِنْهَا فَالْحَمْد لله الَّذِي جلا بك حوبتنا وكشف بك كربتنا وَصدق بك قَوْلنَا عَلَيْك فَامْضِ وَلَا تلْتَفت فَإِنَّهُ لَا يذل على الْحق شَيْء وَلَا يعز على الْبَاطِل شَيْء أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله الْعَظِيم لي وَلكم
نبذة من أدعية عمر
وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاء اللَّهُمَّ رضني بِقَضَائِك وَبَارك لي فِي قدرتك حَتَّى لَا أحب تَعْجِيل مَا أخرت وَلَا تَأْخِير مَا عجلت وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول مَا برح بِي هَذَا الدُّعَاء حَتَّى لقد أَصبَحت وَمَالِي فِي شَيْء من الْأُمُور هوى إِلَّا فِي مَوَاضِع الْقَضَاء
وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِذا دخل الْكَعْبَة قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّك وعدت الْأمان دخال
следующие страницы →