← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6658

منهج النقد في علوم الحديث

نور الدين عتر

Полный текст (503 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم سكنى القرى والمدائن حدث فيما بينهم الانتساب إلى الأوطان، كما كانت العجم تنتسب. والمقرر في العرف في هذا أن من كان من قرية فله الانتساب إليها بعينها، وإلى مدينتها إن شاء أو إقليمها. ومن كان من بلدة ثم انتقل منها إلى غيرها فله الانتساب إلى أيهما شاء. والأحسن أن يذكرهما، فيقول مثلا الشامي ثم العراقي. وهذا العلم تترتب عليه فوائد مهمة، منها: معرفة شيخ الراوي، فربما اشتبه بغيره فإذا عرفنا بلده تعين بَلَدِيُّه غالبا. وهذا مهم جليل، فضلا عن تعيين شخص الراوي أيضا وتمييزه عمن يشابهه في الاسم. وقد يتعين به المهمل، ويظهر الراوي المدلس، ويعلم تلاقي الرواة (١). وقد يتبين به ما وقع من ضعف في حديث الراوي، مثل معمر بن راشد الإمام: قال يعقوب بن شيبة: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب لأن كتبه لم تكن معه" (٢). ٩ - الأسماء المفردة والكنى والألقاب: كثيرا ما نجد الاسم يطلق على أكثر من شخص، مثل: علي، وسعد، وكذلك الكنية واللقب.

стр. 177

أما هذا النوع فقد خص المحدثون به الأسماء والكنى والألقاب التي لا يوجد في الرواة من يحملها إلا واحد فقط، وهو نوع مليح عزيز. لكن الحاكم فيه على خطر من الخطأ والانتقاض، فإنه حصر في باب واسع شدسد الانتشار. وهذا أمثلة لهذا النوع: صُدَيّ بن عجلان هو أبو أمامة الصحابي، شَكَل بن حميد صحابي، شَمْغُون بن زيد أبو ريحانة صحابي، سَفينة لقب مولى رسول الله ﷺ . أوسط بن عمرو البجلي، أبو السليل البصرين أو العشراء الدارمي تابعيون. ومن المسائل الطريفة: رجل لا يوجد مثل أسماء آبائه فمن هو؟ هذا هو: "مسدد بن مسرهد بن مسربل". وفائدة حصر هذه الأسماء أنه بمجرد ذكرها نعرف الراوي المقصود، لعدم من يشاركه في اسمه أو كنيته أو لقبه، وضبط ما تدعو إليه الحاجة مخافة التصحيف والتحريف. ومن أشهر المصنفات فيه كتاب "الأسماء المفردة" للإمام أحمد بن هارون البرديجي.

стр. 178

١٠ - المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب ونحوها: وهو ما يتفق لفظا وخطًّا، أي أن يكون الاسم الواحد قد أطلق على أكثر من راو، فهم متفقون في اسمهم مفترقون في شخصهم، وهو فن مهم جدا، لا غنى عن معرفته للأمن من اللبس، فربما يظن الأشخاص شخصا واحدا، وربما يكون أحد المتفقين ثقة والآخر ضعيفا، فيضعف ما هو صحيح، أو يصحح ما هو ضعيف. وقد ذكر له أبو عمرو بن الصلاح أقساما، نذكر منها: القسم الأول: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم. مثاله: أنس بن مالك، عشرة. روى منهم الحديث خمسة: الأول خادم النبي ﷺ ، والثاني كعبي قُشَيري روى حديثا واحدا، والثالث والد الإمام مالك، والرابع حمصي، والخامس كوفي. القسم الثاني: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم: مثاله: أحمد بن جعفر بن حمدان، أربعة: القطيعي راوية المسند والبصري، والدينوري، والطرسوسي. القسم الثالث: ما اتفق في الكنية والنسبة معا: مثاله: أبو عمران الجوني، اثنان: أحدهما عبد الملك بن حبيب التابعي، الثاني اسمه موسى بن سهل، بصري، سكن بغداد.

стр. 179

القسم الرابع: المشترك المتفق في النسبة خاصة: ومن أمثلته: "الآملي"و"الآملي". الأول إلى آمل طبرستان، والثاني إلى آمل جيحون. قال أبو سعد السمعاني: "أكثر أهل العلم من أهل طبرستان من آمل". وأكثر من ينسب إليها يعرف بالطبري. وشهر بالنسبة إلى آمل جيحون عبد الله بن حماد الآملي شيخ البخاري (١). "السروي" و"السروي" الأول منسوب إلى بلدة "سارية" من طبرستان، منهم محمد بن صالح السروي الطبري، ومحمد بن حفص السروي. الثاني: منسوب إلى مدينة بأردبيل يقال لها "سرو"، منها نصر السروي الأردبيلي (٢). ثم إن ما يوجد من المتفق والمفترق غير مقرون ببيان فالمراد به قد يدرك بالنظر في رواياته فكثيرا ما يأتي في بعضها، وقد يدرك بالنظر في حال الراوي والمروي عنه. وقد زلق بسبب الاتفاق بين الرواة في الاسم أو غير واحد من الأكابر، ولم يزل الاشتراك من أسباب الغلط في كل علم. وللخطيب فيه كتاب "المتفق والمفترق" وهو كتاب نفيس. وصنف الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المتوفى سنة (٥٠٧) هجرية كتابا في القسم الأخير فقط سماه "الأنساب المتفقة"، نبه فيه على فوائد مهمة. وصنف أبو الحسن محمد بن حيوية في قسم من هذا النوع سماه "من وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة" مثل أم أيوب الأنصارية زوج أبي أيوب، أم معقل الأسدية زوج أبي معقل (٣).

стр. 180

١١ - المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب وما يلتحق بها: وهو ما تتفق في الخط صورته، وتختلف في النطق والتلفظ صيغته. وهو منتشر لا ضابط في أكثره يعول عليه، وإنما يضبط بالحفظ تفصيلا. والضبط في الأسماء التي أمكن ضبطها من هذا النوع على قسمين نذكرهما مع الإيضاح بالمثال: القسم الأول: الضبط على العموم أي ضبط الاسم بالنسبة لكافة الرواة الذين يسمون به من غير اختصاص بكتاب معين. من ذلك: "حزام" بالزاي والحاء المكسورة في قريش، "حرام" بالراء وفتح الحاء في الأنصار (١). أبو عبيدة: كله بضم العين. قال الدارقطني: لا نعلم أحدا يكنى أبا عبيدة بالفتح. الأذرعي: بالذال المعجمة، إسحاق بن إبراهيم الأذرعي، والأدرعي بالدال المهملة جماعة ينسبون إلى الأدرع وهو أبو جعفر محمد بن عبيد الله من أشراف آل البيت قتل أسدا أدرع فسمي به (٢).

стр. 181

عيسى بي أبي عيسى الحناط، بالحاء المهملة والنون، نسبة إلى بيع الحنطة. والخباط بالمعجمة مع الموحدة نسبة إلى بيع الخبط الذي تأكله الإبل، والخياط بالخاء المعجمة مع الياء نسبة إلى الخياطة، كلها جائزة في هذا الرجل، لأنه باشر هذه الحرف الثلاث، وأولها أشهر (١). القسم الثاني: الضبط على الخصوص أي ضبط ما كان من هذا النوع في كتاب معين أو كتابين، كضبط ما في الصحيحين مع ذلك، أو فيهما مع الموطأ، أو في أحد هذه الثلاثة. وقد خص ضبط ألفاظها وشرحها، وضبط رواتها القاضي عياض بكتاب سماه "مشارق الأنوار على صحاح الآثار". ومن أمثلة ما جاء فيه قوله: "فيها- أي الكتب الثلاثة المذكورة- بريد بن عبد الله بن أبي بردة: بضم الباء وفتح الراء بعدها ياء التصغير لا غير، ومحمد بن عرعرة بن البرند هذا بكسر الباء والراء وبعدها نون ساكنة، وعلي بن هاشم بن البريد هذا بفتح الباء وكسر الراء بعدها ياء باثنتين تحتها ساكنة. وما عدا هؤلاء الثلاثة فيها "يزيد" بياء باثنتين تحتها، بعدها زاي" (٢). "حصين: كله بالضم والصاد المهملة، إلا أبا حصين عثمان بن عاصم فبالفتح، وأبا ساسان حضين بن المنذر فبالضم والضاد المعجمة، وحضير والد أسيد بن حضير أحد النقباء ليلة العقبة" (٣). وغير ذلك من أمثلة القسمين كثير توسع فيها ابن الصلاح وذكر جملة مهمة لو رحل فيها طالب العلم لما كان كثيرا".

стр. 182

وفائدة هذا النوع منع وقوع الوهم في اسم الراوي، أو خلطه بغيره، ومن لم يعرفه كثر عثاره ولم يعدم مخجلا. وقد صنفت في هذا الفن كتب كثيرة جدا (١). نذكر منها هذه الكتب المطبوعة الهامة: ١ - "الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب"، لابن ماكولا علي بن هبة الله المتوفى سنة (٤٧٥) هـ ويبلغ بتمامه ثمانية أجزاء، قال في مطلعه (٢): "آثرت أن أعمل في هذا الفن كتابا جامعا لما في كتبهم وما شذ عنها، وأسقط ما لا يقع الإشكال فيه مما ذكروه، وأذكر ما وهم فيه أحدهم على الصحة". ٢ - المشتبه" للإمام الذهبي جمع فيه كتاب ابن ماكولا والكتب التي استدركت عليه وغيرها وقال (٣): "العمدة في مختصري هذا على ضبط القلم .. فأتقن يا أخي نسختك، واعتمد على الشكل والنقط، وإلا لم تصنع شيئا". ٣ - "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، للحافظ ابن حجر، وهو أحسن الكتب حيث إنه مضبوط ضبطا مبينا بالكتابة، كما أنه استدرك ما فات الذهبي رحمهما الله.

стр. 183

١٢ - المتشابه: هذا النوع يتركب من النوعين السابقين، وهو: أن يتفق اسم شخصين أو كنيتهما التي عرفا بها، ويوجد في نسبهما أو نسبتهما الاختلاف والائتلاف الذي عرفناه، أو على العكس من هذا، بأن يختلف ويأتلف اسماؤهما، ويتفق نسبتهما أو نسبهما اسما أو كنية. ويلتحق بالمؤتلف، والمختلف فيه ما يتقارب ويشتبه، وإن كان مختلفا في بعض حروفه في صورة الخط. فمن أمثلة الأول: موسى بن علي بفتح العين، يطلق على جماعة، وموسى بن علي -بضم العين وفتح اللام- ابن رباح اللخمي، عرف بضم العين في اسم أبيه. ومنه: محمد بن عبد الله المخرمي. ومحمد بن عبد الله المخرمي. ومنه: أبو عمرو الشيباني، وأبو عمرو السيباني. ومما يتقارب ويشتبه مع الاختلاف في الصورة: ثور بن يزيد الكلاعي، وثور بن يزيد الديلي. ومن أمثلة القسم الثاني: الذي هو العكس: عمرو بن زرارة، وعمر بن زرارة. حين الأسدي، وحنان الأسدي. وقد صنف فيه الخطيب كتابا سماه "تلخيص المتشابه في الرسم" هو من أحسن كتبه.

стр. 184

١٣ - المشتبه المقلوب: ونوضحه لك بأنه: أن يكون اسم أحد الراويين مثل اسم أبي الآخر خطًا ولفظًا واسم الآخر مثل اسم أبي الأول، فينقلب على بعض المحدثين. مثاله: يزيد بن الأسود، والأسود بن يزيد، وكذلك الوليد بن مسلم ومسلم بن الوليد. وقد انقلب هذا الثاني على البخاري في تاريخه إذ ذكره فيه فقال: "الوليد بن مسلم" ونبه على هذا الوهم الإمام ابن أبي حاتم الرازي (١). وللخطيب في هذا النوع كتاب سماه "رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب" (٢). نتيجة الفصل: من هذه الدراسة لأنواع الحديث المبينة لشخص الراوي نخلص إلى نتيجة جوهرية، هي شمول أبحاثه كل ما يتوصل به إلى معرفة شخص الراوي وتحديده من جميع النواحي الزمانية، والمكانية، والأسمية.

стр. 185

ففي الناحية الزمنية درس المحدثون موقع الراوي من الأجيال السابقة واللاحقة، ومن جيله الذي عاش فيه، "المدبج ورواية الأقران". وتعمقوا حتى عرفوا موقعه في الرواية من أسرته في فنون الأخوة، والآباء، والأبناء. وفي الناحية المكانية عنوا بأوطان الرواة، وتنقلاتهم، وتبينوا ما قد يطرأ منها على الراوي مما يؤثر في حديثه. وفي أسماء الرواة شملوا كل ما يتصل بها حيث عنوا بإزالة الإبهام وتعيين أسماء الرواة وآبائهم وكناهم وألقابهم وأنسابهم، وضبطوا ذلك بغاية الدقة، وبينوا ما هو ظاهره من الأنساب وما ليس على ظاهره. ثم قاموا بجهود عظيمة في مقابلة أسماء الرواة وكناهم وألقابهم وأنسابهم لتمييز ما يتشابه منها عن بعضه ودرسوها من جميع أوجه التشابه: من التماثل كتابة ونطقا "المتفق والمفترق"، أو كتابة لا نطقا "المؤتلف والمختلف"، أو ما يقع فيه الأمران طردا أو عكسا "المتشابه"، ثم "المتشابه المقلوب". وهكذا أتوا على كل أوجه البحث، وتوصلوا إلى نتائج هامة فيما يقبل من حديث الراوي وما يرفض وما يتصل من سنده وما ينقطع، وميزوا كل راو عما سواه تمييزا بالغا دقيقا ليوضع تحت منظار الجرح والتعديل، وينزل في موضعه المناسب.

стр. 186

الباب الثالث: في علوم رواية الحديث معنى الرواية عند المحدثين: حمل الحيث ونقله وإسناده إلى من عزي إليه بصيغة من صيغ الأداء (١). وقواعد هذا الباب تبحث في المنهج العلمي للرواية في أخذ الراوي للحديث الذي سماه العلماء "التحمل". ثم في تبليغه الذي أطلقوا عليه: "الأداء". وما ينبغي أن يكون عليه حال التحمل والأداء من الأدب، والإخلاص، والتحري، والاتقان، وذلك يتصل بعلوم الرواة بسبب قوي. كما أن لهذه العلوم أهمية بالغة في أصول الحديث، لأنها تلقي لنا الضوء على المنهجية الدقيقة التي اتبعها علماء الإسلام في تلقي الحديث وتبليغه، والروح الإيمانية العظيمة التي دفعتهم لبذل أقصى الجهود لحفظ الحديث ونشره، بغاية الأمانة والحيطة التي يريدها العلم. ١ - معنى "حمله ونقله" أي تلقيه ثم تبليغه، فمن لم يبلغ شيئا لا يكون راويا، وقولنا: "وإسناده إلى من عزي إليه". أني نسبته إلى قائله، فلو تحدث بالحديث ولم ينسبه إلى قائله لم يكن ذلك رواية. المنهج الحديث: قسم الرواية: (٢٩).

стр. 187

ويشتمل الباب على خمسة أنواع من علوم الحديث هي: ١ - آداب طالب الحديث. ٢ - آداب المحدث. ٣ - كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه. ٤ - صفة رواية الحديث وشرط أدائه. ٥ - كتابة الحديث وكيفية ضبطة. وفي الباب فروع كثيرة عديدة، سنسلك في عرضها طريق الاختصار والاقتصار على ما يتعلق بالمقصود. ١ - آداب طالب الحديث: وهي آداب كل طالب علم تبين له كيف ينهج في تحصيل العلم لكن عين بها المحدثون وخصوا بها طالب الحديث لأهمية شأن علمه وإليك تلخيصها فيما يلي: ١ - الإخلاص لله تعالى: وهو أول ما يجب عليه، فليجعل اشتغاله بالتحصيل خالصا لابتغاء مرضاة الله تعالى ولما أعده من جزيل الأجر. ففي الحديث المتواتر عنه ﷺ قال: "نضر الله امرًأ سمع مقالتي فبلغها" (١)

стр. 188

وقال سفيان الثوري ﵁: "ما أعلم عملا هو أفضل من طلب الحديث لم أراد الله به". وليحذر طالب العلم، وطالب الحديث خاصة من أن يتخذه وصلة إلى شيء من الأغراض الدنيوية، وقد صح في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال في أول الناس يقضي يوم القيامة عليه: " ... ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى كب في النار". أخرجه مسلم (١). وفي الحديث عنه ﷺ قال: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة". يعني ريحها. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (٢). وقال حماد بن سلمة -وكان من الأبدال ﵁: "من طلب الحديث لغير الله مكر به". قال ابن الصلاح: "ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه ما روينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدان وكانا عبدين صالحين: فقال له: "بأي نية أكتب الحديث؟ "

стр. 189

فقال: "ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ " قال: "نعم" قال: "فرسول الله ﷺ رأس الصالحين". وليسأل الله تعالى التيسير والتأييد، والتوفيق، والتسديد، وليأخذ بالأخلاق الزكية، والآداب المرضية، كما قال أبو عاصم النبيل: "من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس". ٢ - الجد في الأخذ عن العلماء: فإنه يجب على طالب الحديث أن يشمر عن ساق جده واجتهاده في التلقي عن المشهورين بالعلم والدين والورع، ولو كانوا في غير معهده العلمي، وقد كان طلبة العلم يرحلون من أجل ذلك على الرغم من وعورة الطرق وصعوبة المركب، حتى قالوا في طلب الحديث الذي لا يرحل: "لا تأنس منه رشدا". ٣ - العمل بالعلم: وقد ضرب القرآن لمن لم يعمل بعلمه أسوأ المثل، وجعله عبرة إلى الأبد في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وقال وكيع بن الجراح شيخ الإمام الشافعي: "إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به". ٤ - احترام الأساتذة وتوقيرهم: يجب على الطالب أن يوقر شيوخه وأساتذته، ومن يتلقى عنه فذلك من إجلال الحديث والعلم، وأن يحفظ أستاذه شاهدا وغائبا، ولا يطلبن عثرته، وليكن ذلك كله لله.

стр. 190

ولا يكن ممن يمنعه الخجل أو يحجبه الكبر عن طلب العلم والسؤال، فقد قال مجاهد ﵁: "لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر". حتى لو كانت الفائدة عند من هو دونه، فقد قال وكيع بن الجراح: "لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله، وعمن هو دونه". ٥ - بذل الفائدة لزملائه الطلاب: وذلك من أول فائدة طلب الحديث والعلم، ومن كتم عن إخواته شيئا من الفوائد لينفرد بها عنهم كان جديرا بأن لا ينتفع به كما ذكر العلماء. وقال مالك ﵁ "من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضا". ٦ - اتباع منهج علمي متدرج في طلب الحديث: وهذا أمر في غاية الأهمية كثيرا ما ساء لنا عنه طلبة العلم، وقد لخصنا للراغب في ذلك أصول هذا المنهج مما يتعلق بدراسة المراجع: فأهم كتب الحديث رواية: ما صنف في عصر التدوين، وهي المراجع الأصلية لرواية الحديث، وعلى رأسها الموطأ للإمام مالك، فإنه أيسر لاختصاره، وقصر أسانيده، وحسن انتقاء أحاديثه، والصحيحان، ثم يعتني بسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ضبطا لمشكلها وفهما لخفي معانيها. ومن المسانيد بعد ذلك: المسند للإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يعلى الموصلي، فقد قيل: "المسانيد كالأنهار ومسد أبي يعلى كالبحر". ثم يعتني بالكتب الجامعة التي تجمع أحاديث عدة كتب، وبمراجع التخريج التي صنفت لتخريج أحاديث كتاب معين.

стр. 191

وسنفصل الكلام عليها، وعلى أنواع المصنفات في الحديث النبوي، في النوع التالي إن شاء الله تعالى. وليعتن بالشروح الحديثية، وأهمها "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر، و"المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج" للإمام النووي. وكتاب "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير، فإنه يعتني بالإيضاح التام لمفردات الأحاديث، ولغة النبوة، حتى كأنه شرح مختصر لكل الحديث النبوي. وأهم ما يحرص عليه طالب العلم أنه كلما مر به حديث لا يعرفه بحث عنه ودرسه، وكذا إذا مر به اسم أو كلمة مشكلة أو مسألة في العلم بحث عنها ودرسها، وأودع ذلك سويداء قلبه، فإنه يجتمع له بذلك علم كثير في سهولة ويسر. ٧ - العناية بمصطلح الحديث: فإنه لا غنى بطالب الحديث عنه مهما أكثر من حفظ الحديث ورواياته، لأنه يستفيد منه بدونه، لأن فن علوم الحديث يفصح عن أصول الحديث، وفروعه، ويشرح مصطلحات أهله ومقاصدهم ومهماتهم، ينقص المحدث بالجهل به نقصانا فاحشا، ويتعطل بحرمانه منه استكمال الفائدة من تراث السنة العظيم.

стр. 192

٢ - آداب المحدث: وهي آداب يحتاج إليها كل من يتصدر مجالس العلم، أو يتصدى للتدريس، نبه عليها المحدثون وحضوا عليها من يتصدى للتحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلمن نلخصها فيما يلي: ١ - الإخلاص وتصحيح النية: والإخلاص روح الأعمال، ولبها، أمر به جميع الأنبياء، وبعثوا بالدعوة إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. وعالم الحديث ينبغي أن يكون أبعد الناس عن الرياء وحب الدنيا، ليفوز بنفحات النبوة من حديث رسول الله ﷺ . ٢ - التحلي بالفضائل: فإن علوم الشريعة علوم شريفة تناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وتقتضي استقامة الأمر والسلوك. وعلم الحديث من أولى هذه العلوم بذلك، فجدير بالمحثد أن يفوق غيره في ذلك كما كان سلفه من علماء الحديث. ليكون جديرا بالنسب، كما قال القائل: أهل الحديث هم آل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا ٣ - مراعاة الأهلية للتحديث: معنى مراعاة الأهلية أن لا يجلس للتحديث إلا إذا كان أهلا لذلك، سواء كان في سن مبكرة أو متأخرة.

стр. 193

وقد أنشد بعض البغداديين: إن الحداثة لا تقصر ... بالفتى المرزوق ذهنا لكن تذكي قلبه ... فيفوق أكبر منه سنا وضابط ذلك ما قاله ابن الصلاح: "إنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كان" (١). فإذا ما توفر فيه ذلك فليحرص على إفادة علم الحديث ونشره ما وسعه ذلك. ٤ - التقاعد متى خاف الغلط: وهذا موضوع طريف جدا، يدل على انتظام الأمور في ظل الحضارة الإسلامية، إذ سبق العلماء إلى تحديد ما تسميه قوانين الموظفين "سن التقاعد". وبالنظر لما امتن الله به المحدثين من طول العمر فقد جعلوا سن التقاعد هو الثمانين لأن الغالب على من بلغ هذا السن اختلال الجسم والذكر، وضعف الحال، وتغير الفهم. وإلا فإنه ينبغي للعالم الإمساك عن التحديث وعن عقد دروس العلم متى خالف التخليط ولو كان دون هذه السن (٢). ٥ - توقير من هو أولى منه: وهذا من أخلاق العلماء الكملة، إذ يحذرون التقدم على من هو أولى منهم لكبر السن، أو فضل في العلم.

стр. 194

"وكان إبراهيم النخعي والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء" كما ينبغي للعالم إذا التمس منه ما يعلمه عند غيره أعلى منه أو أرجع أن يعلم الطالب به، ويرشده إليه، فإن الدين النصحية. ٦ - توقير الحديث والتأهب لمجلس التحديث: فإن الحديث كلام رسول الله ﷺ ، فينبغي أن يكون في نفس المحدث استشعار توقيره، وذلك بأن يتأهب للمجلس من حيث الثياب والطهارة، وينبغي أن يعني بأسلوب الألقاء فإنه أمر ضروري، ومن الواجب أن يراجع المحدث أو المدرس المادة العلمية، ويعد في نفسه طريقة أداء كل قسم، وينوع الأسلوب، فتارة يخبرهم، وتارة يلقي عليهم المسألة سؤالا، وهكذا ليشوقهم ويشركهم في المجلس. وينبغي له مع أهل مجلسه العلمي ما قال حبيب بن أبي ثابت "إن من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعا". وليعمد للوسائل والأساليب المفهمة الموضحة التي تساعد على رسوخ الكلام في الذهن، على نحو ما سبق أن ذكرناه (١) م سنة النبي ﷺ في تحديث أصحابه الكرام ﵃. ٧ - الاشتغال بالتصنيف والانتاج العلمي: لمن توفرت فيه الأهلية لذلك، فإنه يفتح له من مغاليق العلم، ويوسع أمامه من مجاله ما لم يكن بحسبانه، كما أن كل عصر له شأن خاص يحتاج إلى تجديد في الأسلوب وفي الموضوعات والأفكار، بحسب ما يتطلبه حال الناس من الناحية الفكرية والأخلاقية والعلمية ... وقد حجر واسعا من قال: "ما ترك الأول للآخر". ومن تأمل ومارس قال: كم ترك الأول للآخر! .

стр. 195

وينبغي لم يتصدى للتصنيف: أن يخلط في عمله فائدة جديدة، إما باشتغال مصنفه على ابتكار فكرة أو نظرية جديدة، توصل إليها باجتهاده، أو حسن ترتيب وتنسيق. أو حل لمشكل وإيضاح لغامض، أو تجديد أسلوب يقدم به المادة العلمية في ثوب يناسب عصره. كذلك ينبغي له أن لا يتعرض للتصنيف فيما لا يحسن من الفنون، اغترارا بعدم اكتشاف الناس لأمره، أو طلبا للسمعة بكثرة المؤلفات وتنوعها، ومن فعل ذلك تقع له السقطات، وتكثر منه الهنات. وحسن التصنيف أمنية عظيمة، وموهبة إلهية، نرجو الله أن يتفضل بها علينا، ويجعل عملنا في ذلك خالصا لوجهه الكريم، مقبولا عنده، نافعا لعباده.

стр. 196

الفصل الأول: أنواع المصنفات في الحديث النبوي وقد نوع المحدثون التصانيف، وتفننوا فيها، مما يجعل تصانيفهم بتنوعها هذا ملبية للمطالب التي يتطلع إليها العلماء والباحثون في المراجع. وأهم أنواع التصنيف الأنواع الآتية (١): أولا: الكتب المصنفة على الأبواب ووقع في كتب المتقدمين إطلاق "الأصناف" عليها. وطريقة هذا التصنيف: أن تجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد

стр. 197

إلى بعضها البعض، تحت عنوان عام يجمعها، مثل "كتاب الصلاة"، "كتاب الزكاة"، "كتاب البيوع" .. ثم توزع الأحاديث على الأبواب، يضم كل باب حديثا أو أحاديث في مسألة جزئية، ويوضع لهذا الباب عنوان يدل على الموضوع، مثل "باب مفتاح الصلاة الطهور"، ويسمي المحدثون العنوان "ترجمة". وفائدة هذا النوع من الكتب سهولة الرجوع إليه، حيث إنه أول ما يتبادر لطالب العلم، والباحث عن الحديث أن يرجع إليه. وذلك لأنه إن كان يريد الاطلاع على أحاديث في مسألة معينة، فإن موضوع هذه الأحاديث يحتم عليه الرجوع للأبواب. وإن كان يريد البحث عن حديث رآه ليخرجه مصادر السنة فموضوع الحديث يحدد له الباب الذي يبحث فيه عن الحديث المطلوب. لكن الإفادة والمنفعة من هذه الكتب المبوبة تحتاج إلى ذوق علمي، يهدي الطالب إلى تحديد موضوع الحديث، وإلى خبرة بأسلوب الأئمة في ترجمة أبواب كتبهم، فإنهم ربما يخرجون الحديث في غير الباب المتوقع، يقصدون من ذلك بيان دلالة الحديث على مسألة أخرى. وهذا كثير في صحيح الإمام البخاري، حتى عد من خصائص كتابه، واشتهر قولهم: "فقه البخاري في تراجمه". وللتصنيف على الأبواب طرق متعددة نذكر منها ما يلي: أ- الجوامع: الجامع في اصطلاح المحدثين: هو كتاب الحديث المرتب على الأبواب الذي يوجد فيه أحاديث في جميع موضوعات الدين وأبوابه، وعددها ثمانية أبواب رئيسية هي:

стр. 198

العقائد، الأحكام، السير، الآداب، التفسير، الفتن، أشراط الساعة، المناقب (١). وكتب الجوامع كثيرة، أشهرها هذه الثلاثة: ١ - الجامع الصحيح للإمام البخاري. ٢ - الجامع الصحيح للإمام مسلم، وقد درسناهما في مصادر الحديث الصحيح، فانظر دراستهما هناك (٢). ٣ - الجامع للإمام الترمذي، المشتهر بـ "سنن الترمذي"، سمي سننا لاعتنائه بأحاديث الأحكام. ب- السنن: كتب السنن هي الكتب التي تجمع أحاديث الأحكام المرفوعة مرتبة على أبواب الفقه (٣). وأشهر كتب السنن: سنن أبي داود، وسنن الترمذي -وهو جامع الترمذي كما ذكرنا -وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه. وقد درسناها تفصيلا في مصادر الحديث الحسن، فانظرها هناك لزاما (٤). ويطلق على هذه السنن: السنن الأربعة. وإذا قالوا: الثلاثة فمرادهم هذه ما عدا ابن ماجه.

стр. 199

وإذا قالوا الخمسة: فمرادهم السنن الأربعة ومسند أحمد. وإذا قالوا الستة: فمرادهم الصحيحان والسنن الأربعة. ويرمزون لها في كتب التخريج وكتب الرجال بهذه الرموز: خ: للبخاري، م: للإمام مسلم، د: لأبي داود، ت: للترمذي، س: للنسائي، هـ: لابن ماجه، ع: للستة، عه للسنن الأربعة. جـ- المصنفات: وهي كتب مرتبة على الأبواب لكنها تشتمل على الحديث الموقوف والحديث المقطوع، بالإضافة إلى الحديث المرفوع. ومن أشهر المصنفات: مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني "٢١١" ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة "٢٣٥". د- المستدركات: وأشهرها المستدرك للحاكم النيسابوري. هـ- المستخرجات: وأشهرها الكتب المخرجة على الصحيحين أو أحدهما. وقد زدنا هذين النوعين دراسة في مصادر الحديث الصحيح. ثانيا- الكتب المرتبة على أسماء الصحابة: وهي كتب تجمع الأحاديث التي يرويها كل صحابي في موضع خاص يحمل اسم راويها الصحابي. وهذه الطريقة مفيدة لمعرفة عدد مرويات الصحابي عن النبي ﷺ وطبيعتها، وتسهيل اختبارها، فضلا عن كونها إحدى الطرق المفيدة في استخراج الحديث، بمعرفة الصحابي الذي يرويه، وما يتبع ذلك من سهولة درسه.

стр. 200

أ- المسانيد: والمسند هو الكتاب الذي تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة ﵃، بحيث يوافق حروف الهجاء، أو يوافق السوابق الإسلامية، أو شرافة النسب. والمسانيد كثيرة جدا أشهرها وأعلاها المسند للإمام أحمد بن حنبل، ثم مسند أبي يعلى الموصلي، وسنأتي على درسهما في مصادر الحديث الحسن. ب- الأطراف: الأطراف جمع طرف، وطرف الحديث: الجزء الدال على الحديث، أو العبارة الدالة عليه، مثل حديث الأعمال بالنيات، وحديث الخازن الأمين، وحديث سؤال جبريل. وكتب الأطراف: كتب يقتصر مؤلفوها على ذكر طرف الحديث الدال عليه، ثم ذكر أسانيده في المراجع التي ترويه بإسنادها، وبعضهم يذكر الإسناد كاملا، وبعضهم يقتصر على جزء من الإسناد. لكنها لا تذكر متن الحديث كاملا، كما أنها لا تلتزم أن يكون الطرف المذكور من نص الحديث حرفيا. ولهذه الطريقة من الفوائد سوى ما ذكرناه: ١ - تسهيل معرفة أسانيد الحديث، لاجتماعها في موضع واحد. ٢ - معرفة من أخرج الحديث من أصحاب المصادر الأصول، والباب الذي أخرجوه فيه، فهي نوع من الفهارس متعدد الفوائد.

стр. 201

ومن أشهر كتب الأطراف هذان الكتابان: ١ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للحافظ الإمام أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ. جمع فيه أطراف الكتب الستة، وبعض ملحقاتها، وهذه الملحقات هي: ١ - مقدمة صحيح مسلم، ٢ - المراسيل لأبي داود السجستاني، ٣ - العلل الصغير للترمذي، ٤ - الشمائل للترمذي، ٥ - عمل اليوم والليلة للنسائي. ورمز لكل من هذه الكتب، وكل كتاب من الكتب السنتة برمز خاص، أوضحه في مقدمة كتابه. تقارب الرموز السابقة مع زيادة رموز الملحقات. والكتاب يرتب تراجم أسماء الصحابة بحسب ترتيب الألف ياء، لذلك وقع في أوله مسند: أبيض بن حمال. ويطبع الكتاب الآن في الهند، وقد نجز قسم كبير منه وليت القائمين على إخراجه علقوا عليه بالعزو إلى أرقام صفحات الحديث في المراجع، إذا لسهل الانتفاع بالكتاب جدا، وأصبح فهرسا فريدا للمصادر ولتم تحقيق الكتاب على الشكل الأكمل. ٢ - ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث: تصنيف الشيخ عبد الغني النابلسي "المتوفى سنة ١١٤٣ هـ". جمع فيه أطراف الكتب السنة والموطأ، على طريقة ترتيب تحفة الأشراف وكأنه مختصر منه، لكنه امتاز بالتفنن في التصنيف حيث لاحظ التنوع في تراجم أسماء الصحابة، فقسم الكتاب بحسب ذلك إلى سبعة.

стр. 202

أبواب. والكتاب مطبوع في أربعة أجزاء، ونلاحظ على إخراجه الطباعي ما لاحظناه على تحفة الأشراف. ثالثا: المعاجم المعجم في اصطلاح المحدثين: كتاب تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، والغالب عليها اتباع الترتيب على حروف الهجاء، فيبدأ المؤلف المعجم بالأحاديث التي يرويها عن شيخه أبان، ثم إبراهيم، وهكذا. وأشهر مصنفات هذا النوع: المعاجم الثلاثة للمحدث الحافظ الكبير أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني "المتوفى سنة ٣٦٠ هـ": وهي: المعجم الصغير والمعجم الأوسط، وكلاهما مرتب على أسماء شيوخه. والمعجم الكبير: وهو على مسانيد الصحابة، مرتبة على حروف المعجم. والمعجم الكبير هذا مرجع حافل، هو أكبر المعاجم، حتى صار لشهرته إذا أطلق قولهم "المعجم"، أو أخرجه الطبراني كان المراد هو المعجم الكبير. رابعا: الكتب المرتبة على أوائل الأحاديث وهي كتب مرتبة على حروف المعجم، بحسب أول كلمة من الحديث، تبدأ بالهمزة، ثم بالباء، وهكذا .... وهذه الطريقة سهلة جدا للمراجعة، لكن لا بد لها من معرفة الكلمة الأولى من الحديث بلفظها، معرفة أكيدة، وإلا ذهب الجهد في البحث عن الحديث هنا دون جدوى.

стр. 203

وهذه المصنفات لها طريقتان: أ- كتب "مجامع": تجمع أحاديث كتب حديثية متعددة مما نذكره في النوع التالي. ب- كتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة: أي الأحاديث التي تتداولها ألسنة العامة، وهي نوع من الحديث المشهور الآتي (١)، عني العلماء بجمعها في كتب خاصة لبيان حالها، ونذكر من أشهر هذه الكتب وأهمها كتابين: ١ - "المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة": للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي "المتوفى سنة (٩٠٢) هـ". وهو كتاب جامع لكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، مما ليس في غيره وتبلغ عدة أحاديثه /١٣٥٦/ حديثا. عني فيه مؤلفه بفن الصناعة الحديثية فأتى فيه بفوائد ليست في غيره، مع الدقة والإتقان، فشفى وكفى في بيان حال الأحاديث، ومن مصطلحاته في هذا الكتاب قوله في الحديث "لا أصل له" أي ليس له سند، وليس في كتاب من كتب الحديث، وقوله "لا أعرفه" فيما عرض له التوقف خشية أن يكون له أصل، لم يقف عليه. وهاتان العبارتان من المحدث الحافظ من علامات الوضع. ٢ - "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس" للعلامة المحدث: إسماعيل بن محمد العجلوني " (١١٦٢) هـ". جمع فيه أحاديث كتاب السخاوي مع تخليص كلامه، وزاد أحاديث كثيرة جدا حتى نيف عدد أحاديثه على /٣٢٥٠/ حديثا، كما

стр. 204

زاد فوائد في الصناعة الحديثية على غاية الأهمية، وبهذا أصبح أكبر كتاب في هذ الفن، وأكثره جمعا للأحاديث المشتهرة على الألسنة. ويلحق بهذا النوع من المصنفات: ما وضعه العصريون من مفاتيح لكتب حديثية، أو فهارس ألحقوها بكتاب من هذه الكتب على ترتيب حروف المعجم. ومن هذه المفاتيح: مفتاح الصحيحين للتوقادي. ومن الفهارس: فهارس صحيح مسلم، وفهارس سنن ابن ماجه، التي وضعها محمد فؤاد عبد الباقي ﵀ وأجزل مثوبته. خامسا: المصنفات الجامعة "المجامع": وهي كتب تجمع أحاديث عدة كتب من مصادر الحديث، وهي مرتبة على طريقتين: الطريقة الأولى: التصنيف على الأبواب، وأهم مراجعها: ١ - "جامع الأصول من أحاديث الرسول": لابن الأثير المبارك ابن محمد الجزري "٦٠٦ هـ". جمع فيه أحاديث الصحيحين، والموطأ، والسنن الثلاثة، وجردها من الأسانيد، وأردفها بكلام موجز على غريب الألفاظ، لكنه أغفل بيان درجة أحاديث السنن، حتى أنه لم يذكر كلام الترمذي على أحاديثه، فأعوز القارئ البحث عن هذا الجانب، وقد ذيلت طبعة الكتاب بتخريج مفصل للأحاديث يعزو كل حديث إلى الكتب مع بيان الباب والجزء والصحيفة، فسهل بعض فائدته بذلك. ٢ - "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال" للشيخ المحدث علي بن حسم المتقي الهندي "٩٧٥ هـ" وهو أجمع كتب هذا الفن، جمع أحاديث كتب كثيرة، بلغت/ ٩٣/ كتابا في إحصائنا، فجاء كتابا حافلا لا مثيل له في الجمع، إلا أنه أغفل بيان حال الأحاديث، كما

стр. 205

لحظنا عليه إعوازا في التحريج حتى إنه ربما عزى الحديث لمرجع من المراجع البعيدة عن التناول وعن الاعتماد، وهو موجود في الصحاح، بل في أصحها. الطريقة الثانية: ترتيب الأحاديث على أول كلمة فيها حسب ترتيب حروف المعجم، وأهم المراجع فيها: ١ - "الجامع الكبير" أو"جامع الجوامع" للإمام الحافظ جلال الدين السيوطي "٩١١ هـ" وهو أصل كتاب كنز العمال الذي عرفناك به. ٢ - "الجامع الصغير لأحاديث البشير النذير" للإمام السيوطي أيضا، اقتضبه من الجامع الكبير، وحذف منه التكرار وزاد فيه أحاديث فبلغ عدد أحاديثه "١٠٠٣١" عشرة آلاف وواحدا وثلاثين حديثا، وقد نال الحظوة عند العلماء وكثرت حوله الشروح. ولكن بعض الرموز هنا تخالف الرموز في الجامع الكبير فالرمز "ق" في الجامع الصغير لم اتفق عليه الشيخان، وفي الجامع الكبير لما أخرجه البيهقي، فلتنتبه، وليكن أول اهتمام طالب الحديث دراسة مقدمة كل مصنف حديثي لمعرفة رموز الكتاب وطريقته وأهدافه. سادسا: مصنفات الزوائد: وهي مصنفات تجمع الأحاديث الزائدة في بعض الحديث على أحاديث كتب أخرى، دون الأحاديث المشتركة بين المجموعتين. وقد أكثر العلماء من تصنيف الزوائد، ونذكر منها هذين الكتابين الجليلين: ١ - "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي "٨٠٧ هـ" جمع فيه ما زاد على الكتب السنة من ستة

стр. 206

مراجع مهمة، وهي: مسند أحمد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند البزار، والمعاجم الثلاثة للطبراني. وعني ببيان حال الأحاديث صحة وضعفا، واتصالا وانقطاعا وأفاد غاية الفائدة غير أن طبعته تحتاج إلى تحقيق وضبطا أكثر مما هي عليه بكثير. ٢ - "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية": للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام العلم " (٨٥٢) هـ". جمع فيه الزوائد على الكتب الستة من ثمانية مسانيد: "وهي لأبي داود الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبي بكر بن أبي شيبةن وعبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة. وأضاف زيادات من مسند أبي يعلى، ومسند إسحاق بن راهويه، ليست في مجمع الزوائد (١). وقد طبع بتحقيق متقن للمحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي فسح الله في مدته، لكنه اعتمد على نسخة مجردة من الأسانيد، وسيعيده المحقق على نسخة مسندة، ولا يخفى ما فيها من الأهمية والفائدة. سابعا: كتب التخريج وهي كتب تؤلف لتخريج أحاديث كتاب معين، ونعرف بأهمها فيما يلي: ١ - "نصب الراية لأحاديث الهداية": تأليف الإمام الحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي " (٧٦٢) هـ"، خرج فيه أحاديث كتاب الهداية في الفقه الحنفي لمؤلفه علي بن أبي بكر المرغيناني، من كبار فقهاء الحنفية المتوفى سنة " (٥٩٣) هـ".

стр. 207

وهو كتاب حافل بإيراد الروايات غزير في فوائده الحديثية، يتكلم على كل حديث من كتاب الهداية، ثم يتبعه بما يؤيده من الروايات والأحاديث الأخرى، ثم يعقد بحثا للأحاديث التي يستدل بها مخالفو الحنفية، ويتكلم على الجميع بغاية الإحاطة والإفادة، والانصاف والموضوعية، مما يدل على تبحر الزيلعي في علم الحديث وعمق نظره، حتى كان من بعده عالة عليه مقتديا به. ٢ - "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" تأليف الحافظ الكبير الإمام عبد الرحيم بن الحسين العراقي "٨٠٦ هـ" شيخ الحافظ ابن حجر ومخجره، وواحد زمانه في علم الحديث. خرج كتابه هذا أحاديث كتاب هام شائع بين المسلمين هو كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وذلك بأن يذكر طرف الحديث من أحاديث الإحياء ثم يبين من أخرجه، وصحابيه الذي رواه، ويتكلم عليه تصحيحا أو تحسينا أو تضعيفا. وهو مطبوع مع كتاب الإحياء، وهذا الكتاب هو مختصر من تخريج كبير واسع صنفه على أحاديث الإحياء، لم يعثر عليه، وقد ضمن الزبيدي في شرحه للإحياء هذا التخريج الكبير. ٣ - "التخليص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" للحافظ ابن حجر. خرج فيه أحاديث الشرح الكبير للرافعي الذي شرح به كتاب الوجير في الفقه الشافعي للإمام الغزالي، ولخص في تخريجه هذا كتبا عدة صنفت قبله في تخريج أحاديث الشرح الكبيرن وأفاد كذلك من نصب الراية للزيلعي، فجاء كتابه حافلا جامعا لما تفرق في غيره من

стр. 208

الفوائد، وطريقته فيه أن يورد طرفا من الحديث الوارد في الشرح الكبير ثم يخرجه من المصادر ويذكر طرقه ورواياته ويتكلم عليه تفصيلا جرحا وتعديلا، وصحة وضعفا، ثم يذكر ما ورد من أحاديث في معنى الحديث باستيفاء، وهكذا حتى صار مرجعا في أحاديث الأحكام لا يستغنى عنه. ثامنا: الأجزاءك الجزء: في اصطلاح المحدثين: هو تأليف يجمع الأحاديث المروية عن رجل واحد سواء كان ذلك الرجل من طبقة الصحابة أو من بعدهم: كجزء حديث أبي بكر -وجزء حديث مالك .. كما أنه يطلق الجزء على التأليف الذي يدرس أسانيد الحديث الواحد ويتكلم عليه مثل: "اختيار الأولى في حديث اختصام الملأ الأعلى" للحافظ ابن رجب. كما أن الأجزاء الحديثية قد توضع في بعض الموضوعات الجزئية مثل جزء القراءة خلف الإمام للبخاري. والرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي. وقد يجمع في الجزء أحاديث انتخبها المؤلف لما وقع لها في نفسهن كالعشاريات، والعشرينات، والأربعينات، والخمسينات، والثمانيات. ويتفاوت حجم الأجزاء من بضع أوراق إلى العشرات، والغالب أن تكون صغيرة، وتمتاز بأنها تبرز علم الأئمة، لما أن إفراد الموضوع الجزئي بالبحث يتطلب استقصاءا وعمقا. تاسعا: المشيخات وهي كتب يجمع فيها المحدثون أسماء شيوخهم، وما تلقوه عليهم

стр. 209

من الكتب أو الأحاديث مع إسنادهم إلى مؤلفي الكتب التي تلقوها. ولهم فيها مسالك عديدة في ترتيبها، ومنها ما يسمى فهرسا أو ثبتا، ومن أشهرها برنامج الرعيني المسمى "الإيراد لنبذة المستفاد من الرواية والإسناد"، و"فهرست الإمام أبي بكر محمد بن خير"، وكلاهما نفيس، مطبوع. عاشرا: العلل وهي الكتب التي يجمع فيها الأحاديث المعلةن مع بيان عللها، والتصنيف على العلل يأتي في الذروة من أعمال المحدثين، لما يحتاج إليه من الجهد الحثيث والصبر الطويل في تتبع الأسانيد، وإمعان النظر، وتكراره فيها لاستنباط خفي أمرها الذي يستره الطلاء الظاهري الموهم للصحة (١). هذا وقد عني العلماء بآداب الطالب والمحدث فتكلموا عنها في الكتب التي صنفوها في رواية الحديث، وأفردها الخطيب البغدادي بتأليف جيد سماه "الجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع". ٣ - كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه: أهلية التحمل: اختلفت عبارات العلماء في أهلية التحمل، ونستطيع أن نخلص ما قالوه بمعيار جامع ترجع إليه كل أقوالهم فنقول:

стр. 210

ركن أهلية التحمل عند الجمهور هو التمييز الذي يعقل به الناقل بما يسمعه ويضبطه. وقد ضبط ذلك كثير من المحدثين في حده الأدنى بالسن وهو خمس سنين، ونسبه القاضي عياض (١) إلى أهل الحديث. قال ابن الصلاح: "التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعدا: "سمع"، ولمن لم يبلغ خمسا: "حضر" أو"أحضر". وهذا يفهمك معنى ما تجده على الكتب الخطية في تسجيل سماعاتها على العلماء وبيان أسماء السامعين، فيقولون: سمع هذا الكتاب فلان وفلان وحضر فلان. إلا أن التحقيق في هذا والتدقيق هو ما ذكرناه أولا من أن المعيار هو التمييز، وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الصحيح المعول عليه. أما التقييد بخمس سنين فلا ينافيه، قال القاضي عياض (٢): "ولعلهم إنما رأوا هذا السن أقل ما يحصل به الضبط وعقل ما يسمع وحفظه. وإلا فمرجوع ذلك العادة، ورب بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئا فوق هذا السن، ونبيل الجبلة ذكي القريحة، يعقل دون هذا السن". ويتفرع على هذا صحة سماع الكافر والفاسق بحيث يقبل منه بعد الإسلام والتوبة النصوح ما كان قد تحمله حال الكفر أو الفسق،

стр. 211

وهذه كتب السنة والسيرة فيها كثير من سماعات الصحابة لأقوال النبي ﷺ ومشاهداتهم لأحواله قبل أني يسلموا. أما الكمال والدرجة العليا للسماع فمداره على التأهل للضبط الفقهي والانتفاع بالعلم، وذلك يحتاج لسن كبير يشغله بتحصيل القرآن ومبادئ العلوم. قال أبو عبد الله الزبيري: "يستحب كتب الحديث في العشرين، لأنها مجتمع العقل، وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض" (١). وقال سفيان الثوري وغيره: "كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة" (٢). وهذا لا يمنع أن يبكر بالسماع للكتب، وأخذ الإسناد بها منذ الصغر بظهور التمييز وبزوغه، كما نبه على ذلك أئمة العلمن قال الخطيب: "ولهذا بكروا بالأطفال في السماع من الشيوخ الذين علا إسنادهم" (٣). وقد ذكروا من الروايات حول صنيع الأمة في هذا الأمر ما يدل دلالة عظيمة على عنايتهم بتحصيل العلم وتنافسهم فيه ذلك التنافس والتسابق الذي يثير المواهب ويكون العبقريات في البراعم الرطبة؛ الأطفال. هذا الخطيب البغدادي يروي في كفايته (٤) عن أحمد بن حنبل قال في سفيان بن عيينة: "أخرجه أبوه مكة وهو صغير فسمع من الناس عمرو بن دينار وابن أبي نجيح في الفقه، ليس تضمه إلى أحد

стр. 212

إلا وجدته مقدما" اهـ. وكان في أذن سفيان آنئذ قرط من ذهب لصغره. وهذا الأعمش يقال له: هؤلاء الغلمان حولك؟ ! فقال: "اسكت، هؤلاء يحفظون عليك أمر دينك" (١). ويقول القاضي عبد الله بن محمد الأصبهاني: "حفظت القرآن ولي خمس سنين، وحملت إلى أبي بكر المقري لأسمع ولي أربع سنين، فقال بعض الحاضرين: لا تسمعوا فيما قرئ فإنه صغير. فقال لي ابن المقري: اقبرأ سورة الكافرون فقرأتها، فقال: "اقرأ سورة التكوير" فقرأتها. فقال لي غيره: "اقرأ سورة المرسلات" فقرأتها ولم أغلط فيها. فقال ابن المقري: "سمعوا له والعهدة علي" (٢). وهذا من أطرف ما يسمع في حفظ الصغير ونبوغه في كل الأمم، وإنه لدليل قاطع يثبت ما كانت عليه تلك المجتمعات الإسلامية من التنافس في تحصيل العلم سيما علوم الشريعة وعلى رأسها القرآن والحديث. حتى إن ذلك ليعتبر عندهم من الضرورة بالمنزلة التي تفوق كل شيء. وهكذا على قبس من علوم الشريعة، وعلي هدي من نبراسها انطلقوا في شتى ميادين العلم، فسبقوا أمم الأرض، وكانوا رواد الحضارة: فابن رشد الحفيد إمام في الفلسفة والعلوم وفي الفقه والاجتهاد، وابن النفيس علامة مخترع في البصريات، وفقيه شافعي معتبر، ذكره السبكي في طبقات الشافعية، وهكذا غيرهم كثير، تحدثنا أخبارهم بالنبأ اليقين عن النهضة العلمية الشاملة في ظل الحضارة الإسلامية.

стр. 213

الفصل الثاني: طرق أخذ الحديث وتحمله حصر العلماء طرق الأخذ للحديث وتلقيه عن الرواة بثماني طرق، توسعوا في دراستها وبيان أحكامها، نخلص لك أصولها فيما يلي: ١ - السماع: وهو الوسيلة التي تلقى الحديث بواسطتها رعيل المحدثين الأوائل عن النبي ﷺ . ثم رووه بها للناس أيضا. فلا غرو أن يعتبر أعلى مراتب التلقي للحديث، و"أرفع درجات أنواع الرواية عند الأكثرين" (١) من المحدثين وغيرهم. والعمدة في هذا القسم على سماع لفظ الشيخ. وذلك قد يكون بمجرد سرده للحديث، وقد يكون إملاء، سواء كان من حفظه أو بالقراءة من كتابه. فكل ذلك سماع عند المحدثين. ٢ - العرض: سلك المحدثون هذا الطريق بعد أن انتشر التدوين، وأصبحت كتابة الحديث أمرا شائعا. ومعنى العرض عندهم: القراءة على الشيخ من حفظ القارئ، أو من كتاب بين يديه. وهو طريق صحيحة في تلقي الحديث، والرواية به سائغة بالإجماع. لكن اختلفوا هل هو مثل السماع في المرتبة أو دونه أو فوقه. ويمكن أن نوفق فنقول برجحان العرض فيما إذا كان الطالب ممن يستطيع إدراك الخطأ فيما يقرأ والشيخ حافظ غاية الحفظ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فالسماع أرجح.

стр. 214

وقد وجدنا -بعد تقريرنا لذلك- الحافظ ابن عبد البر (١) أخرج عن مالك أنه سئل: "أفيعرض عليك الرجل أحب إليك أو تحدثه؟ " قال: "بل يعرض إذا كان يثبت في قراءته، فربما غلط الذي يحدث أو ينسى". وهذا يفيد أنه إذا لم يبلغ هذه المرتبة لا يفضل على السماع. ٣ - الإجازة: والإجازة هي إذان المحدث للطالب أن يروي عنه حديثا أو كتابا أو كتبا من غير أن يسمع ذلك منه أو يقرأه عليه، كأن يقول له: أجزتك أو أجزت لك أن تروي عني صحيح البخاري، أو كتاب الإيمان من صحيح مسلم. فيروي عنه بموجب ذلك من غير أن يسمعه منه أو يقرأه عليه. وقد أجاز الرواية بها جمهور العلماء، من أهل الحديث وغيرهم (٢). وقد وجد المصنفون في هذا الفن غموضا في الاستدلال لجواز الإجازة (٣)، لكنا نوضحه لك فنقول: إن العلماء اعتمدوا على الإجازة بعدما دون الحديث وكتب في الصحف وجمع في التصانيف، ونقلت تلك التصانيف والصحف عن أصحابها بالسند الموثوق الذي ينتهي بقراءة النسخة على المؤلف أو مقابلتها بنسخته، فأصبح من العسير على العالم كلما أتاه طالب من طلاب الحديث أن يقرأ الكتاب، فلجئوا إلى الإجازة. فالإجازة فيها إخبار على سبيل الإجمال بهذا الكتاب أو الكتب

стр. 215

أنه من روايته. فتنزل منزلة إخباره بكل الكتاب نظرا لوجود النسخ، فإن دولة الوراقين قد قامت بنشر الكتب بمثل ما تفعله المطابع الآن. ولهذا لا يجوز لمن حمل بالإجازة أن يروي بها إلا بعد أن يصحح نسخته على نسخة المؤلف، أو على نسخة صحيحة مقابلة على نسخة المؤلف، أو نحو ذلك مما نسخ وصحح على النسخ المقابلة المصححة. وقد ذكروا للإجازة أنواعا كثيرة، اعتنى القاضي عياض بها في الإلماع، وتقصاها بما لم يسبق إليه، وذكر لها ستة أنواع، ثم جاء ابن الصلاح ولخص كلامه وزاد عليها نوعا وادا فبلغت سبعة أنواع (١)، وأعلاها: أن يجيز الشيخ لشخص معين كتابا معينا أو كتبا معينة حال كونهما عالمين بهذا الكتاب. وهذا النوع يتحقق فيه معنى الأخبار الذي شرحناه كاملا قويا عاليا. لذلك قال العلماء: "إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالما بما يجيز: والمجاز له من أهل العلم، لأنه توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها" (٢).
следующие страницы →