وهذا النوع كالأصل بالنسبة للأبحاث التاريخية في رواة الحديث، لأنها مبنية على ما يثبته التاريخ من المواقيت في حياة الراوي.
وقد احتل التاريخ عند أهل الحديث مكانة هامة جدا لمعرفة اتصال الأسانيد وانقطاعها، وفي الكشف عن أحوال الرواة وفضح الكذابين.
قال سفيان الثوري: "لما استعمل الرواة الكذب استعلمنا لهم التاريخ".
وقال حفص بن غياث: "إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين". يعني احسبوا سنه وسن من كتب عنه.
قال عفير بن معدان الكلاعي: "قدم علينا عمر بن موسى حفص، فاجتمعا إليه في المسجد، فجعل يقول: حدثنا شيخكم الصالح، فلما أكثر قلت له: من شيخنا هذا الصالح؟ سمه لنا نعرفه. قال فقال: خالد بن معدان. قلت له: في أي سنة لقيته؟ قال لقيته سنة ثمان ومائة. قلت فأين لقيته؟ قال لقيته في غزاة أرمينية، قال: فقلت: اتق الله يا شيخ ولا تكذب! مات خالد بن معدان سنة أربع ومائة، وأنت تزعم أنك لقيته بعد موته بأربع سنين! " (١).
وقال الحاكم: لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي وحدث عن عبد بن حميد سألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين. فقلت لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.! !
وزعم أبو خالدج السقاء في سنة تسع ومائتين أنه سمع أنس بن مالك ورأى عبد الله بن عمرز فقال أبو نعيم "ابن كم يزعم أنه؟ قالوا:
стр. 142
"ابن خمس وعشرين ومائة سنة" فقال أبو نعيم: "على زعمه مات ابن عمر قبل أن يولد بخمس سنين" (١).
ولذلك أوجب العلماء على طالب الحديث تقديم الاهتمام بالتاريخ، ومعرفة وفيات الشيوخ لأنه من أهم علوم الحديث. ولا سيما ما يتصل بالنبي ﷺ وأكابر أصحابه وأئمة علماء الدين فلا يجوز أن يغفل عنها مسلم فضلا عن طالب العلم، فإن من ارتبط بفكرة تعلق قلبه بداعيتها ورجالها الذين جاهدوا في سبيلها والمسلم أحق بذلك (٢).
ومن أعظم المؤلفات في تاريخ الرواة:
١ - "التاريخ الكبير"، للإمام البخاري. تكلم فيه بإيجاز عن الراوي، وذكر شيوخه وتلامذته، وتعرض أحيانا للجرح والتعديل، وسكت في الأكثر عن بيان ذلك. طبع في ثمانية أجزاء.
٢ - "التاريخ"، لابن أبي خيثمة، كتاب كبير، قال فيه ابن الصلاح: "وما أغزر فوائده".
٣ - مشاهير علماء الأمصار"، لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تكلم فيه عن كل راو بإيجاز شديد في سطرين أو ثلاثة، وذكر تاريخ وفاته. والكتاب مطبوع في جزأين.
стр. 143
٢ - طبقات الرواة:
الطبقة في اللغة: القوم المتشابهون في صفة من الصفات.
وفي اصطلاح المحدثين: القوم المتعاصرون إذا تشابهوا في السن وفي الإسناد "أي الأخذ عن المشايخ" فهي بمعنى كلمة "جيل" مع ملاحظة الاشتراك في الأساتذة.
وربما اكتفوا بالاشتراك في التلقي. وهو غالبا ملازم للاشتراك في السن (١).
والباحث الناظر في هذا الفن يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات. ومن أخذوا عنه، ومن أخذ عنهم (٢).
ويختلف اعتبار الراوي من أي طبقة هو باختلاف الجهة والأمر الذي نصنفه على أساسه، وعند هذا فرب شخصين يكونان من طبقة واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها.
فأنس بن مالك الأنصاري وغيره من أصاغر الصحابة دون أبي بكر ونحوه من أكابر الصحابة بطبقات، إذا نظرنا إلى تفاوتهم في السبق إلى
стр. 144
الإسلام. لكنه يعد معهم من طبقة واحدة هي عموم الصحابة إذا نظرنا إلى اشتراكهم في أصل صفة الصحبة، وعلى هذا فالصحابة بأسرهم طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين طبقة ثالثة، وأتباع أتباع التابعين طبقة رابعة، وأتباع أتباع أتباع التابعين طبقة خامسة.
وهذه الطبقات الخمس هي طبقات الرواة حتى نهاية القرن الثالث، وهو نهاية عصر الرواية.
وقد قسمها الحافظ ابن حجر بحسب تقارب رجالها في الإسناد، أو تشابههم في الشيوخ والمعاصرة إلى اثنتي عشرة طبقة، ثم بين الزمن التقريبي لأفراد كل طبقة، في كتابه تقريب التهذيب (١).
ومعرفة الطبقات لها أهمية كبيرة، إذ يتوصل بها إلى التمييز بين الرواة المتشابهين، والأمن من التداهل بينهم كالمتفقين في الاسم، والكنية، كما يتوصل به إلى الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على المراد من العنعنة "أي قول الراوي: عن فلان" أهي على سبيل الاتصال، أم الانقطاع.
ولأهمية هذا الفن عني به المحدثون وصنفوا فيه الكتب الكثيرة. طبع منها كتابان:
أ- "الطبقات الكبرى" للإمام الحافظ محمد بن سعد.
وهو كتاب حفيل غزير الفوائد فاق سائر كتب الطبقات شهرة، ومؤلفه حافظ ثقة، غير أنه كثر الرواية فيه عن الضعفاء، منهم محمد بن عمر الواقدي شيخه، ويذكره باسمه واسم أبيه: "محمد بن عمر"،
стр. 145
دون أن ينسبه. ومنهم شيخه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فقد أكثر عنهما في كتابه.
ب- "الطبقات" للإمام خليفة بن خياط.
وهو كتاب نافع مفيد مختصر جدا، يقع في جزأين، طبع بدمشق.
٣ - التابعون:
المختار في تعريف التابعي عندنا ما قاله الحاكم (١) وهو: "من شافه (٢) أصحاب رسول الله ﷺ " أي مع كونه مؤمنا.
ولهذا العلم فائدة عظيمة فإنه إذا "غفل الإنسان عن هذا العلم لم يفرق بين الصحابة والتابعين، ثم لم يفرق أيا بين التابعين وأتباع التابعين".
стр. 146
وجعل الحاكم التابعين خمس عشرة طبقة، ذكر منها ثلاث طبقات فقط، في مقدمتها: الذين لحقوا العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، مثل قيس بن أبي حازم، سمع العشرة وروى عنهم، وليس في التابعين أحد روى عن العشرة سواه.
وآخر طبقات التابعين من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة ... وهؤلاء آخر الصحابة موتا ﵃.
ومن هذه الطبقة الإمام أبو حنيفة على الأصح، لأنه لقي من الصحابة عبد الله بن أنيس، وعبد الله بن جزء الزبيدي، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعائشة بنت عجرد، وروى عنهم.
ويمكن تقسيم التابعين إلى ثلاث طبقات شاعت في كتب العلم، وهي: طبقة كبار التابعين، وهم الذين رووا عن كبار الصحابة، وهؤلاء يقع حديثهم موقع حديث متأخري الصحابة، اكثر ما يوجد عند تابعي. وطبقة متوسطي التابعين، وهم الذين أدركوا هؤلاء الأئمة وأمثالهم ورووا عن الصحابة وعن التابعين. وطبقة صغار التابعين وهم الذين حدثوا عن صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم فأدركهم في حال صغر سنهم وكبر سن الصحابة الذين كانوا صغارا في عهد رسول الله ﷺ (١).
وأول التابعين موتا أبو زيد معمر بن يزيد، قتل سنة ثلاثين وآخرهم موتا خلف بن خليفة، مات سنة ثمانين ومائة.
ومن التابعين: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية في حياة
стр. 147
رسول الله ﷺ وأسلموا، ولا صحبة لهم. وعدهم بعض العلماء من الصحابة.
ذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا، منهم سويد بن غفلة " (٨٠) هـ"، وعمرو بن ميمون الأودي " (٧٤) " وأبوعثمان النهدي عبد الرحمن بن مل وهو من المعمرين توفي سنة " (٩٥) "، جمع منهم البرهان الحلبي في تأليف خاص (١) فزاد على خمسين ومائة، وعني الحافظ ابن حجر يإيرادهم في كتابه الاصابة.
فضل التابعين:
وقد خلف التابعون أصحاب النبي ﷺ في حمل العلم، وقاموا بالدعوة من بعدهم، فكان لهم الفضل من بعدهم وقد ورد الثناء عليهم في القرآن: قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
وذكرهم النبي ﷺ فيما أخرجه مسلم (٢) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
واختلفوا في أفضل التابعين من الرجال ففضل أهل كل مصر إمامهم من التابعين. واختار كثير من العلماء سعيد بن المسيب.
وقيل: أويس القرني. قال العراقي (٣) إنه "الصحيح بل الصواب ... لما روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب قال
стр. 148
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خير التابعين رجل يقال له أويس ... ".
وسيدات النساء من التابعين: حفصة بنت سيرين "بعد (١٠٠) "، وعمرة بنت عبد الرحمن "قبل (١٠٠) "، وأم الدرداء الصغرى " (٨١) ".
وهذه الطبقة لها الفضل في نشر العلم في الأمصار ففي مكة رويت الفتيا في الفقه والحديث عن عطاء بن أبي رباح " (١١٤) " وطاوس بن كيسان " (١٠٦) ". وفي المدينة عن جماعة من أكابر التابعين هم "الفقهاء السبعة" من أهل المدينة، وهم: سعيد بن المسيب " (٩٠) "، والقاسم بن محمد " (١٠٦) "، وعروة بن الزبير " (٩٤) "، وخارجة بن زيد " (١٠٠) "، وأبو سلمة بن عبد الرحمن " (٩٤) "، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة " (٩٤) "، وسليمان بن يسار "بعد المائة". فهؤلاء هم الذين أطلق عليهم: "الفقهاء السبعة" عند الأكثر من علماء الحجاز.
وفي الكوفة حمل الناس العلم عن علقمة بن قيس النخعي "توفي بعد سنة (٦٠) "، ومسروق بن الأجدع الهمداني " (٦٢) ". وفي البصرة عن الحسن البصري " (١١٠) " ومحمد بن سيرين " (١١٠) "، وفي الشام عن أبي إدريس الخولاني " (٨٠) " وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي "بعد (٨٠) "، وبمصر عن يزيد بن أبي حبيب " (١٢٨) " وبكير بن عبد الله الأشج " (١٢٠) " (١).
أخطاء في هذه الطبقة:
وقعت في طبقة التابعين أخطاء نذكر نبذا منها تنبيها لطالب العلم:
стр. 149
آ- قال الحاكم (١): "طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحمد منهم من الصحابة، منهم إبراهيم بن سويد النخعي، وبكير بن أبي السميط، وثابت بن عجلان".
ب- وقال أيضا: "طبقة عدادهم عند الناس في اتباع التابعين وقد لقوا الصحابة. منهم: أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، لقي أنس بن مالك وأبا أمامة بن سهل. وهشام بن عروة وقد أدخل على عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله".
جـ- قال ابن الصلاح: "قوم عدوا من التابعين وهم من الصحابة، ومن أعجب ذلك عد الحاكم أبي عبد الله: النعمان وسويدا ابني مقرن المزني من التابعين، (٢) وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة (٣) ".
٤ - أتباع التابعين:
ويمكن استخراج تعريفهم مما سبق فيقال:
"تابع التابعي هو من شافه التابعي مؤمنا بالنبي ﷺ " (٤).
стр. 150
قال الحاكم في أهمية هذا النوع وضرب الأمثلة له:
"فإن غلط من لا يعرفهم يعظم أن يعدهم من الطبقة الرابعة، أو لا يميز فيجعل بعضهم من التابعين ... وقد ذكرهم رسول الله ﷺ ... فهذه صفة اتباع التابعين إذ جعلهم النبي ﷺ خير الناس بعد الصحابة والتابعين المنتخبين، وهم الطبقة الثالثة بعد النبي ﷺ ، وفيهم جماعة من أئمة المسلمين، وفقهاء الأمصار، مثل مالك بن أنس الأصبحي، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وسفيان بن سعيد الثوري وشعبة بن الحجاج العتكي، وابن جريج.
ثم فيهم أيضا جماعة من تلامذة هؤلاء الذين ذكرناهم، مثل: يحيى بن سعيد القطان وقد أدرك أصحاب أنس، وعبد الله بن لمبارك، وقد أدرك جماعة من التابعين، ومحمد بن الحسن الشيباني ممن روى الموطأ عن مالك، وقد أدرك جماعة من التابعين".
ومن مصادر معرفة رجال التابعين وتابعيهم الكتب المصنفة على الطبقات، مثل: طبقات ابن سعد، وطبقات خليفة بن خياط، والثقات للذهبي، وتذكرة الحفاظ للذهبي أيضا.
стр. 151
٥ - الإخوة والأخوات:
وهو علم عزيز من معارف أهل الحديث المفردة بالتصنيف.
ومن فائدته فيما نرى أنه قد يشتهر أحد الأخوة بالرواية فلا يظن الباحث إذا وجد الرواية عن بعض إخوته أنها وهم.
فمن أمثلة الأخوين من الصحابة: عبد الله بن مسعود، وعتبة بن مسعود، هما أخوان. زيد بن ثابت ويزيد بن ثابت، أخوان.
ومن التابعين: عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة، وأخوه أرقمن كلاهما من أصحاب ابن مسعود.
ثلاثة إخوة: علي، وعقيل، وجعفر، بنو أبي طالب، إخوة ثلاثة من الصحابة ومن أهل البيت (١). سهل وعباد وعثمان بنو حنيف إخوة ثلاثة من الصحابة، عمرو بن شعيب، وعمر، وشعيبن بنو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو إخوة ثلاثة من التابعين.
وأكثر ما ذكروا من الأخوة تسعة، على ما أفاد السيوطي.
وقد صنف في هذا النوع جماعة من الحفاظ، منهم: علي بن المديني، ومسلم وأبو داود والنسائي، وغيرهم.
стр. 152
٦ - المدبح ورواية الأقران بعضهم عن بعض:
الأقران هم الرواة المتقاربون في السن والإسناد، واكتفى بعضهم بالتقارب في الإسناد فقط.
وقد ذكروا قسمين لرواية القرين عن القرين:
الأول: المدبج، وهو أن يروي القرينان كل واحد منهما عن الآخر، مثل: أبي هريرة وعائشة، روى كل منهما عن الآخر، والزهري وعمر بن عبد العزيز، ومالك والأوزاعي.
القسم الثاني: غير المدبج، وهو أن يروي أحد القرينين عن الآخر ولا يروي الآخر عنه، مثاله رواية سليمان التيمي عن مسعر، وهما قرينان، ولا نعلم لمسعر رواية عن التيمي.
ومن فائدة هذا النوع ألا يتوهم الناظر أن ذكر أحد المتقارنين وقع في السند خطأ، وألا يفهم أن "عن" خطأ، وأن صوابها واو العطف التي تدل على أنهما اشتركا في رواية الحديث عن الراوي الذي ذكر في الإسناد قبلهما.
وقد صنف الدارقطني في المدبج كتابا، وهو أول من سماه به، وصنف الحافظ أبو الشيخ في رواية الأقران.
стр. 153
٧ - الأكابر الرواة عن الأصاغر:
قد يروي الكبير القدر أو السن، أو الكبير فيهما معا عمن دونه، كما قيل: "لا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه".
ومن الفائدة فيه ألا يتوهم انقلاب السند، أو يتوهم أن الراوي دون المروي عنه، نظرا إلى ان الأغلب كون المروي عنه أكبر من الراوي، وقد روي عن عائشة ﵂ قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم" (١).
وقد ذكروا مما يندرد تحت هذا النوع رواية الصحابي عن التابعي، كرواية العبادلة وغيرهم من الصحابة عن كعب الأحبار بعض ما كان يحدث به من أخبار السابقين.
وهذا قد استند إليه بعض الملاحدة فزعم -تبعا للمستشرقين- أن الصحابة سمعوا من كعب الأحبار أشياء ونسبوها إلى النبي ﷺ ، وهذه دعوى فاجرة، قامت على تحريف كلام العلماء، فإن العلماء لم يقولوا أبدا إن الصحابة نسبوا ذلك إلى النبي ﷺ ، ولا وقع ذلك من الصحابة، وإنما نبهوا إلى هذا النزول في السند دفعا للتوهم.
стр. 154
ومن ذلك قولهم في عبد الله عمرو "أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس عن النبي". ونسب الطاعن ذلك إلى فتح الباري ١: (١٦٦).
وهذا خيانة وخداع، حيث دس الطاعن في كلام الحافظ كلمة ليست فيه، وهي "عن النبي" فزادها كذبا، ونسبها للحافظ ابن حجر بهتانا ... ! ! (١).
ومن رواية الأكابر عن الأصاغر نوع طريف هو رواية صحابي عن تابعي عن صحابي، وإن كان نادرا (٢) مثل حديث السائب بن يزيد الصحابي عن عبد الرحمن بن عبد القاري التابعي عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل". رواه مسلم في صحيحه (٣).
ومنه أيضا رواية التابعي عن تابع التباعي، كرواية الزهري ويحيى ابن سعيد الأنصاري عن مالك.
ومن مقاصد الأئمة في الرواية عمن دونهم التنويه بذكرهم، ولفت الناس للأخذ عنهم (٤).
стр. 155
٨ - السابق واللاحق:
وهو أن يشترك في الرواية عن الراوي راويان: أحدهما متقدم الوفاة، والآخر متأخر في الوفاة، بينهما أمد بعيد.
ومن فوائد ذلك تقرير حلاوة الإسناد في القلوب، ورفع توهم الخطأ في الإسناد.
وهذا إنما يقع عند رواية الأكابر عن الأصاغر ثم بعد زمن يسمع من المروي عنه الصغير راو متأخر.
ومن أمثلته أن الزهري روى عن تلميذه الإمام مالك بن أنس، وقد توفي الزهري سنة ١٢٤. وممن روى عن مالك أحمد بن إسماعيل السهمي، وهو من أهل الصدق، مات سنة ٢٥٩. فبين وفاتي الزهري والسهمي خمس وثلاثون ومائة سنة "١٣٥".
وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا اسماه "السابق واللاحق".
стр. 156
٩ - رواية الآباء عن الأبناء:
وفائدة هذا النوع أمن الخطأ الذي ينشأ عن توهم الابن أبا، أو توهم انقلاب السند.
ومن أمثلته في الصحابة أن العباس بن عبد المطلب روى عن ابنه الفضل بن عباس ﵄ "أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين بالمزدلفة" (١).
وفي التابعين رواية وائل عن ابنه بكر بن وائل ثمانية أحاديث، منها وائل عن بكر عن الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ أولم على صفية بسويق وتمر" (٢).
ومن بعدهم رواية أبي عمر حفص بن عمر الدوري المقرئ عن ابنه أبي جعفر محمد بن حفص ستة عشر حديثا، أو نحو ذلك. وهذا أكثر ما روينا لأب عن ابنه.
وقد صنف الخطيب البغدادي في هذا النوع كتابا قيما، نقل م نه المؤلفون أمثلة كثيرة.
стр. 157
١٠ - رواية الأبناء عن الآباء:
رواية الأبناء عن الآباء قسمان:
أولهما: رواية الابن عن أبيه فقط، وذلك كثير جدا.
ومن الأمثلة المشهورة لذلك رواية أبي العشراء عن أبيه سألت رسول الله ﷺ أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ... (١).
أبو العشراء لم يأت في الأسانيد إلا مكنيا، ووالده لم يسم في شيء من طرق الحديث، والأشهر أن أبا العشراء هو أسامة بن مالك ابن قهطم، بكسر القاف.
الثاني: رواية الابن عن أبيه عن جده، وهي كثيرة أيضا، لكن دون كثرة الأول. ورواية الرجل عن أبيه عن جده مما يفخر به بحق، ويغبط عليه الراوي، يقول أبو القاسم منصور بن محمد العلوي: "الإسناد بعضه عوال وبعضه معال، وقول الرجل: حدثني أبي عن جدي من المعالي". أي المكارم التي يعتز بها.
وهذا أربعة أسانيد مشتهرة من هذا القسم (٢):
стр. 158
١ - عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه عن جدهز يروى بهذا السند نسخة كبيرة حسنة الحديث، أكثرها فقهيات جياد في المسند للإمام أحمد بن حنبل وفي السنن الأربعة.
وهذه السلسلة قد اشتجر فيها الخلاف بين المحدثين، وطعن فيها بعضهم بعدم الاتصال.
والمختار الذي جرى عليه أكثر المحدثين هو الاحتجاج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صح السند إليه، قال البخاري:
"رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين. قال البخاري: من الناس بعدهم! ! " (١).
٢ - بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده. روي بهذا السند نسخة كبيرة حسنة في مسند الإمام أحمد، وبعض حديثه في السنن الأربعة، وروى له البخاري معلقا لأنه ليس على شرطه.
٣ - طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي عن أبيه عن جده، وطلحة ثقة فاضل، وجده عمرو بن كعب يقال فيه: كعب بن عمرون وهو صحابي عند الجمهور، لكن أباه مصرفا مجهول، روى له أبو داود.
٤ - كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عبد الله عن جده عمرو. روى له الترمذي خمسة أحاديث حكم لها بالحسن
стр. 159
لتعضدها بالرواية من طرق أخرى، لكن كثيرا ضعفه الأكثرون، ومنهم من تركه ورماه، ومشاه الباقون (١).
ورواية الأبناء عن آبائهم مما يحتاج لمعرفته، فإن المشاهد في الكثير من الأحيان أن لا يذكر اسم الأب أو الجد في السند، ويخشى أن يخفى على الناظر فيه.
وفي بعضها ما يحتاج إلى التبيه على حقيقته:
كما في نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإن الضمير في جده يرجع إلى أبيه شعيب، أي أن السلسلة هكذا عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده أي جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو، وقد قيل إن شعيبا لم يسمع من جده، لكن التحقيق أنه سمع منه، وإن هذا السند حجة.
وكرواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، فإنه لم يسمع أباه (٢).
وقد صنف العلماء في هذا النوع لتحقيق مثل هذا الغرض كتبا كثيرة، كابن أبي خيثمة، وأبي نصر الوائلي السجزي، ثم الحافظ العلائين وكتابه أجمع مصنف في ذلك. نقل عنه العلماء أشياء كثيرة.
стр. 160
المبحث الثاني: في علوم أسماء الرواة
ويشمل هذا المبحث الأنواع الآتية من علوم الحديث:
١ - المبهمات
٢ - معرفة من ذكر بأسماء متعددة
٣ - الأسماء والكنى
٤ - الألقاب
٥ - المنسوبون إلى غير آبائهم
٦ - النسب التي على خلاف ظاهرها
٧ - المالي من الرواة والعلماء
٨ - أوطان الرواة وبلدانهم
٩ - الأسماء المفردة والكنى
١٠ - المتفق والمفترق
١١ - المؤتلف والمختلف
١٢ - المتشابه "يتركب من النوعين قبله"
وسنتكلم عنها بإيجاز واحدا فواحدا.
стр. 161
١ - المبهمات:
أي معرفة اسم من أغفل ذكر اسمه في الحديث من الرجال والنساء.
ويعرف ذلك بوروده مسمى في بعض الروايات، وبتنصيص أهل السير على كثير منهم، وبغير ذلك، وكثير منهم لم يوقف على أسمائهم. وقد قسمه ابن الصلاح أقساما بحسب نوع الإبهام، ذكر منها:
١ - ما قيل فيه "رجل" أو"امرأة"، وهو من أبهمها.
٢ - ما أبهم بأن قيل "ابن أو ابنة فلان" أو"ابن الفلاني".
٣ - عم فلان أو عمته.
٤ - زوج فلانة، أو زوجة فلان (١).
٥ - وأرى أن نقسم الإبهام بحسب موضعه إلى قسمين:
١ - الإبهام في السند.
٢ - الإبهام في المتن.
стр. 162
قال ابن كثير: "وأهم ما فيه ما رفع إبهاما في إسناد، كما إذا ورد في سند: عن فلان بن فلان، أو عن أبيه، أو عن عمه، أو أمه، فوردت تسمية هذا المبهم من طريق أخرى، فإذا هو ثقة أو ضعيف أو ممن ينظر في أمره، فهذا أنفع ما في هذا".
ومن فوائد رفع الإبهام في المتن (١): تعيين من نسبت إليه فضيلة أو ضدها، أو أن يكون الحديث واردا بسببه وقد عارضه حديث آخر، فيعرف التاريخ إن عرف زمن إسلامه، فيتبين الناسخ من المنسوخ.
وهذه أمثلة حيوية لهذا النوع:
روى أبو داود (٢) قال: حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن منصور عن ربعي بن حراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبا تظهره إلا عذبت به". أخت حذيفة بن اليمان اسمها فاطمة، وقيل خولة. وامرأة ربعي لم تعرفز مما يضعف الحديث (٣).
وأخرج الخطيب البغدادي في كتاب الرحلة بسنده: عن معن بن عيسى حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد قال: سمعت ابن الديلمي يقول: بلغني حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص فركبت إليه إلى الطائف أسأله عنه ... ".
стр. 163
ابن الديلمي هذا هو عبد الله بن فيروز، وهو ثقة (١).
ونسوق إليك هذا المثال استقصيناه من مراجع هذا الفن الخاصة.
وهو حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت ... " الرجل: عقبة بن عامر الجهني (٢) ". أخرج الشيخان (٣) عن عقبة قال: نذرت أختى أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فقال: "لتمش ولتركب".
وأخت عقبة من المبهم أيضا، فقال العراقي وقطب الدين القسطلاني (٤): "هي أم حبان بنت عامر". وهذا وهم منه، تعقبه الحافظ أبو ذر الحلبي (٥) ثم قال: "إنما هي أم حبال ... ".
وللعلماء مصنفات كثيرة في هذا النوع، كالحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، والخطيب البغدادي، وأحسن ما صنف في هذا النوع كتاب "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" للحافظ ولي الدين أحمد العراقي " (٨٢٦) ".
стр. 164
٢ - من ذكر بأسماء مختلفة أو نعوت متعددة:
هذا فن عويص، والحاجة إليه حاقة. ومن فوائده: الأمن من جعل الواحد اثنين، والتحرز من توثيق الضعيف وتضعيف الثقة، وفيه إظهار تدليس المدلسين، فإن أكثر ذلك إنما نشأ من تدليسهم، يغربون به على الناس. فيذكرون الرجل باسم ليس هو مشهورا به، أو يكنونه ليبهموه على من لا يعرف.
مثاله (١): محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير، هو أبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق بن يسار حديث تميم الداري وعدي بن بدَّاء في قصتها التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية في الوصية في السفر (٢). وهو حماد بن السائب الذي روى عنه أبو أسامة حديث "ذكاة كل مسك دباغه" (٣). وقد وهم فيه حمزة بن محمد ووثقه، حيث لم يعرف أنه الكلبي المتروك. وهو أبو سعيد الذي يروي عنه عطية العوفي
стр. 165
التفسير يدلس به، موهما أنه أبو سعيد الخدري. وهو أبو هشام الذي روى عنه القاسم بن الوليد الهمداني.
وقد صنف في هذا النوع الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي كتابا نافعا سماه "إيضاح الإشكال". وصنف فيه الخطيب البغدادي كتابا كبيرا قيما سماه "موضح أوهام الجمع والتفريق". تناول فيه بالتفصيل كل راو من هذا النوع، وما وقع فيه من الأوهام بسبب ذلك.
٣ - الأسماء والكنى:
المراد بهذا بيان أسماء ذوي الكنى، وكنى المعروفين بالأسماء.
وفائدته تسهيل معرفة اسم الراوي المشهور بكنيته، ليكشف عن حاله، والاحتراز عن ذكر الراوي مرة باسمه ومرة بكنيته فيظنهما من لم يتنبه لذلك رجلين، أو ربما ذكر بهما معا فيتوهم رجلين سقط بينهما حرف "عن" أو غيره.
ومن أمثلة الوهم في ذلك: ما روي عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن أبي الوليد عن جابر مرفوعا: "من صلى خلف الإمام، فإن قراءته له قراءة". وهذا وهم، عبد الله بن شداد هو أبو الوليد (١).
стр. 166
وعكس ذلك وقع للنسائي حيث قال: عن أبي أسامة حماد بن السائب، والصواب عن أبي أسامة عن حماد (١).
وهذا فن مطلوب لم يزل أهل العلم بالحديث يعنون به، ويتحفظونه ويتطارحونه فيما بينهم، ويتنقصون من جهله.
وقد ابتكر ابن الصلاح فيه تقسيما حسنا بلغ فيه العشرة، نكتفي منها بهذه الخمسة:
القسم الأول: من ليس له اسم سوى الكنية، مثاله: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي (٢) عده بعضهم من فقهاء المدينة السبعة. وأبو بلال الأشعري الراوي عن شريك وغيره، روي عنه أنه قال: ليس لي اسم، اسمي وكنيتي واحد.
ومن أمثلته: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، يقال: اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد، فكأن لكنيته كنية، وهذا طريف عجيب.
القسم الثاني: من لا يعرف بغير كنيته. ولم يعرف اسمه، كما أنه لم يعرف هل كنيته هي اسمه أم له اسم غيرها: مثاله من الصحابة: أو أناس، وأبو مويهبة. ومن غير الصحابة: أبو الأبيض الراوي عن أنس بن مالك، أو حرب بن أبي الأسود الدبلي، أو حريز الموقفي، روى عنه ابن وهب.
القسم الثالث: من له كنيتان أو أكثر: كابن جريج كان يكنى
стр. 167
بأبي خالد وبأبي الوليد. وكان عبد الله العمري يكنى بأبي القاسم فتركها واكتنى بأبي عبد الرحمن.
القسم الرابع: من عرفت كنيته واختلف في اسمه: مثاله من الصحابة: أبو هريرة ﵁ اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا جدا، وذكر ابن عبد البر (١) أن فيه ن حو عشرين قولا في اسمه واسم أبيه، واختار ابن إسحاق أنه عبد الرحمن بن صخر، وصحح ذلك أبو أحمد الحاكم. وجزم به الذهبي في المقتنى (٢).
ومن غير الصحابة: أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، أكثرهم على أن اسمه عامر، وعن ابن معين أن اسمه الحارث.
القسم الخامس: من اشتهر بالامس دون الكنية: فممن يكنى بأبي محمد من هذا القسم من الصحابة ﵃ أجمعين: طلحة بن عبيد الله التيمي، عبد الرحمن بن عوف الزهري، الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثابت بن قيس بن الشماس، عبد الله بن زيد صاحب الأذان، كعب بن عجزة، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عبد الله بن عمرو بن العاص، .... الخ.
وهذا القسم جعله ابن الصلاح نوعا منفردا، لكنا أدرجناه في هذا النوع لأن ابن الصلاح نفسه قال: "يصلح لأن يجعل قسما من أقسام ذاك ... ". ويشهد لنا في ذلك أن الدولابي في كتابه "الكنى والأسماء" قد تعرض لبيان كنى المعروفين بالأسماء من الصحابة ﵃ (٣).
"وقد جمع الحفاظ كتبا كثيرة، ومن أجلها وأطولها كتاب
стр. 168
النسائي، ثم جاء بعده أبو أحمد الحاكم -محمد بن محمد " (٣٧٨) "- فزاد وأفاد، وحرر وأجاد، -قال الذهبي- فرتبته واختصرته وزدته وسهلته" (١).
ومن الكتب القيمة في هذا الفن كتاب "الكنى والأسماء"، لأبي بشر الدولابي محمد بن أحمد " (٣١٠) "، وهو كتاب نفيس في مجلد.
٤ - ألقاب المحدثين:
اللقب هو ما يطلق على الإنسان مما يشعر بمدح أو ذم.
وهو نوع هام، فإن في الرواة جماعة لا يعرفون إلا بألقابهم، ومن لا يعرفهم يوشك أن يظنها أسامي، وأن يجعل من ذكر اسمه في موضع وبلقبه في موضع آخر شخصين، كما اتفق لكثير ممن ألف. ومنهم ابن المديني، فرقوا بين عبد الله بن أبي صالح وبين عباد بن أبي صالح. وإنما عباد لقب لعبد الله، لأ أخل له، باتفاق الأئمة (٢).
قال الحاكم (٣): "وفي الصحابة جماعة يعرفون بألقاب يطول
стр. 169
ذكرهم، فمنهم ذو اليدين، وذو الشمالين، وذو الغرة، وذو الأصابع، وغيرهم. وهذه كلها ألقاب، ثم بعد الصحابة في التابعين وأتباعهم من أئمة المسلمين جماعة ذوو ألقاب يعرفون بها".
ونسوق لك فيما يلي أمثلة لطيفة من ألقاب المحدثين:
١، ٢ - قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري: "رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان: معاوية بن عبد الكريم الضال، إنما ضل في طريق مكة، وعبد الله بن محمد الضعيف، إنما كان ضعيفا في جسمه لا في حديثه".
٣ - غندر: لقب محمد بن جعفر البصري أبي بكر، وسببه أنه أكثر على ابن جريج من الشغب، فقال له: اسكت يا غندر. والغندر هو المشغب عند الحجازيين. ثم كان بعده جماعة لقبوا بذلك.
٤ - بندار: لقب محمد بن بشار البصري شيخ البخاري ومسلم، وروى عنه الناس، لقب بهذا لأنه كان بندار الحديث أي مكثرا منه.
٥ - مطين: لقب أبي جعفر الحضرمي، قال: كنت ألعب مع الصبيان وقد تطينت، إذ مر بنا أبو نعيم الفضل بن دكين، فقال: "يا مطين، يا مطين، قد آن أن تحضر المجلس لسماع الحديث". فلما حملت إليه بعد ذلك بأيام فإذا هو قد مات.
وتنقسم الألقاب إلى ما يجوز إطلاقه، وهو مالا يكرهه الملقب. وإلى ما لا يجوز، وهو ما يكرهه الملقب.
وإذا ذكر المحدثون لقبا مكروها إلى صاحبه، فإنما يذكرونه على سبيل التعريف للشخص والتمييز عن غيره، لا على وجه الذم واللمز والتنابز (١) كالأعمش، والأعرج.
стр. 170
وقد صنف في الألقاب غير واحد، منهم: أبو الفضل بن الفلكي الحافظ. وأفضل تأليف هو تأليف شيخ الإسلام أبي الفضل ابن حجر العسقلاني (١).
٥ - المنسوبون إلى غير آبائهم:
معرفة الأب الذي ينتسب إليه الراوي ضرورية لتمييزه عن غيره، إلا أن بعض الرواة قد ينسب إلى غير أبيه، فالحاجة لمعرفة هؤلاء حاقة، وتسمية آبائهم هامة جدا لدفع توهم التعدد عند نسبتهم إلى آبائهم.
وهذا النوع بالنسبة لمن ينسب إليهم الرواة على ضروب:
الأول: من نسب إلى أمه: كمعاذ ومعوِّذ ابني عفراء، وهما اللذان أثبتا أبا جهل يوم بدر، أبوهم الحارث بن رفاعة الأنصاري، ومثل: ابن أم مكتوم الأعمى المؤذن، وكان يؤم الناس أحيانا عن رسول الله ﷺ في غيبته، قيل: اسمه عبد الله بن زائدة، وقيل: عمرو بن قيس.
ومن التابعين فمن بعدهم: محمد ابن الحنفية واسمها خولة، وأبوه علي بن أبي طالب. إسماعيل ابن علية الحافظ، هي أمه وأبوه إبراهيم، وكان يكره النسبة إلى أمه.
стр. 171
الثاني: من نسب إلى جدته، مثل بشير ابن الخصاصية، أبوه معبد، والخصاصية أم جده الثالث، وابن تيمية، هي أم أحد أجداده الأبعدين.
الثالث: من نسب إلى جده، كأبي عبيدة ابن الجراح أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح. ومن غير الصحابة: ابن جريج الإمام الحافظ المحدث، هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. وأحمد ابن حنبل الإمام المبجل، هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
الرابع: من نسب إلى رجل غير أبيه هو منه بسبب، كالمقداد ابن الأسود الصحابي، هو المقداد بن عمرو الكندي، كان في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري زوج أمه، فتبناه فنسب إليه.
٦ - النسب التي على خلاف ظاهرها:
معرفة أنساب الرواة هامة ومفيدة لتمييز الراوي عن غيره، ومن لم يتنبه لهذا وقع في الخطأ، مثل ما وقع لابن حزم حيث ضعف حديث: "لا يمس القرآن إلا طاهر" لأن في سنده سليمان بن داود، وهو متفق على تركه. وهو وهم فإن المتفق على ترك حديثه سليمان بن
стр. 172
داود اليماني، وهذا الحديث من رواية سليمان بن داود الخولاني وهو ثقة (١).
لكن الراوي قد ينسب إلى غير قبيلته أو غير بلدته أو صنعته.
ولا يكون هذا النسب مرادا حقيقة، بل نسب إليه لسبب عارض كنزوله في ذلك المكان، أو تلك القبيلة ونحو ذلك مما ينبغي التنبه له، حتى لا يقع الباحث في الوهم.
ومن أمثلة ذلك:
سليمان بن طرخان التيمي، لم يكن من تيم، وإنما نزل فيهم فنسب إليهم، وقد كان من موالي بني مرة.
أبو خالد الدالاني، دالان بطن من همدان، نزل فيهم أيضا، وإنما كان من موالي بني أسد.
مقسم مولى ابن عباس، هو مولى عبد الله بن الحارث، لزم ابن عباس، فقيل له: مولى ابن عباس.
خالد الحذاء، لم يكن حذاء، ووصف بذلك لجلوسه في الحذائين.
وقد صنف العلماء في الأنساب كتبا جمة، أكثرها نفعا كتاب "الأنساب" للسمعاني، لخصه ابن الأثير في كتاب قيم سماه "اللباب في الأنساب".
стр. 173
٧ - الموالي من الرواة والعلماء:
الأصل في نسبة الراوي إلى قبيلة أن يكون منهم صليبة، كقولهم: قرشي أي من أولاد قريش، وإذا نسبوا إليها من ينتمي إليها بالولاء أضافوا كلمة مولى، فقالوا: مولى قريش، أو القرشي مولاهم.
والولاء أقسام (١) منها: ولاء العتاقة، وولاء الإسلام، وولاء الموالاة أي الحلف. إلا أن المولى ربما نسب إلى القبيلة دون التنبيه الذي ذكرناه، فيعتقد المرء أنه منهم صليبة، لذلك عني العلماء بمعرفة الموالي حتى لا يختلط من ينسب إلى القبيلة بالولاء مع من ينسب إليها من صلبها، وليتميز عن سميه المنسوب إليها صليبة.
ومن الأمثلة على ذلك:
أبو البختري الطائي: سعيد بن فيروز التابعي، هو مولى طيء لأن سيده كان من طيء فأعتقه.
عبد الرحمن بن هرمز الأعرج الهاشمي، هو مولى بني هاشم بالعتاقة.
الإمام محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، مولى الجعفيين لإسلام جده الأعلى على يد بعض الجعفيين.
стр. 174
الإمام مالك بن أنس الأصبحي التيمي، هو أصبحي صليبة، وتيمي بولاء الحلف، لأن جده مالك بن أبي عامر كان حليفا لبني تيم.
والبحث في الموالي يقدم إلينا صورة مشرقة عن أثر الإسلام في إنهاض الشعوب ومحو الفروق بين الطبقات، إذ رفع من شأنهم مع أن أعراف سائر الأمم تعتبر أمثالهم طبقة دنيا لا يسمح لها أن تطمع بمساواة ساداتها، فضلا عن أن تطمح إلى المعالي والسيادة.
لكن ديننا الإسلامي جعل سيادة الفرد وكرامته ما يتحلى به من الفضائل والخير، كما قرر القرآن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وهذه قصة قصيرة يرويها لنا الزهري تفصح عما بلغه هؤلاء في ظل الإسلام:
قال الزهري: "قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت: من مكة.
قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ ، قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية! ! . قال: إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا.
قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال وبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: إنه لينبغي.
قال: فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
стр. 175
قال: من يسود أهل الشام؟ قال: قلت: مكحول. قال: فمن العرب أم من الموالي قال: قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل.
قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها! ! .
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه ساد ومن ضيعه سقط.
٨ - أوطان الرواة وبلدانهم:
وهو ما يعتني به كثير من علماء الحديث، يفتقرون إليه في كثير من تصرفاتهم.
стр. 176
وقد كانت العرب إنما تنتسب إلى قبائلها، فلما جاء الإسلام وغلب عليهم سكنى القرى والمدائن حدث فيما بينهم الانتساب إلى الأوطان، كما كانت العجم تنتسب.
والمقرر في العرف في هذا أن من كان من قرية فله الانتساب إليها بعينها، وإلى مدينتها إن شاء أو إقليمها. ومن كان من بلدة ثم انتقل منها إلى غيرها فله الانتساب إلى أيهما شاء. والأحسن أن يذكرهما، فيقول مثلا الشامي ثم العراقي.
وهذا العلم تترتب عليه فوائد مهمة، منها: معرفة شيخ الراوي، فربما اشتبه بغيره فإذا عرفنا بلده تعين بَلَدِيُّه غالبا. وهذا مهم جليل، فضلا عن تعيين شخص الراوي أيضا وتمييزه عمن يشابهه في الاسم. وقد يتعين به المهمل، ويظهر الراوي المدلس، ويعلم تلاقي الرواة (١). وقد يتبين به ما وقع من ضعف في حديث الراوي، مثل معمر بن راشد الإمام: قال يعقوب بن شيبة: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب لأن كتبه لم تكن معه" (٢).
٩ - الأسماء المفردة والكنى والألقاب:
كثيرا ما نجد الاسم يطلق على أكثر من شخص، مثل: علي، وسعد، وكذلك الكنية واللقب.
стр. 177
أما هذا النوع فقد خص المحدثون به الأسماء والكنى والألقاب التي لا يوجد في الرواة من يحملها إلا واحد فقط، وهو نوع مليح عزيز. لكن الحاكم فيه على خطر من الخطأ والانتقاض، فإنه حصر في باب واسع شدسد الانتشار.
وهذا أمثلة لهذا النوع:
صُدَيّ بن عجلان هو أبو أمامة الصحابي، شَكَل بن حميد صحابي، شَمْغُون بن زيد أبو ريحانة صحابي، سَفينة لقب مولى رسول الله ﷺ .
أوسط بن عمرو البجلي، أبو السليل البصرين أو العشراء الدارمي تابعيون.
ومن المسائل الطريفة: رجل لا يوجد مثل أسماء آبائه فمن هو؟
هذا هو: "مسدد بن مسرهد بن مسربل".
وفائدة حصر هذه الأسماء أنه بمجرد ذكرها نعرف الراوي المقصود، لعدم من يشاركه في اسمه أو كنيته أو لقبه، وضبط ما تدعو إليه الحاجة مخافة التصحيف والتحريف.
ومن أشهر المصنفات فيه كتاب "الأسماء المفردة" للإمام أحمد بن هارون البرديجي.
стр. 178
١٠ - المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب ونحوها:
وهو ما يتفق لفظا وخطًّا، أي أن يكون الاسم الواحد قد أطلق على أكثر من راو، فهم متفقون في اسمهم مفترقون في شخصهم، وهو فن مهم جدا، لا غنى عن معرفته للأمن من اللبس، فربما يظن الأشخاص شخصا واحدا، وربما يكون أحد المتفقين ثقة والآخر ضعيفا، فيضعف ما هو صحيح، أو يصحح ما هو ضعيف.
وقد ذكر له أبو عمرو بن الصلاح أقساما، نذكر منها:
القسم الأول: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم. مثاله: أنس بن مالك، عشرة. روى منهم الحديث خمسة: الأول خادم النبي ﷺ ، والثاني كعبي قُشَيري روى حديثا واحدا، والثالث والد الإمام مالك، والرابع حمصي، والخامس كوفي.
القسم الثاني: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم:
مثاله: أحمد بن جعفر بن حمدان، أربعة: القطيعي راوية المسند والبصري، والدينوري، والطرسوسي.
القسم الثالث: ما اتفق في الكنية والنسبة معا:
مثاله: أبو عمران الجوني، اثنان: أحدهما عبد الملك بن حبيب التابعي، الثاني اسمه موسى بن سهل، بصري، سكن بغداد.
стр. 179
القسم الرابع: المشترك المتفق في النسبة خاصة:
ومن أمثلته: "الآملي"و"الآملي". الأول إلى آمل طبرستان، والثاني إلى آمل جيحون. قال أبو سعد السمعاني: "أكثر أهل العلم من أهل طبرستان من آمل". وأكثر من ينسب إليها يعرف بالطبري. وشهر بالنسبة إلى آمل جيحون عبد الله بن حماد الآملي شيخ البخاري (١).
"السروي" و"السروي" الأول منسوب إلى بلدة "سارية" من طبرستان، منهم محمد بن صالح السروي الطبري، ومحمد بن حفص السروي. الثاني: منسوب إلى مدينة بأردبيل يقال لها "سرو"، منها نصر السروي الأردبيلي (٢).
ثم إن ما يوجد من المتفق والمفترق غير مقرون ببيان فالمراد به قد يدرك بالنظر في رواياته فكثيرا ما يأتي في بعضها، وقد يدرك بالنظر في حال الراوي والمروي عنه.
وقد زلق بسبب الاتفاق بين الرواة في الاسم أو غير واحد من الأكابر، ولم يزل الاشتراك من أسباب الغلط في كل علم.
وللخطيب فيه كتاب "المتفق والمفترق" وهو كتاب نفيس.
وصنف الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المتوفى سنة (٥٠٧) هجرية كتابا في القسم الأخير فقط سماه "الأنساب المتفقة"، نبه فيه على فوائد مهمة. وصنف أبو الحسن محمد بن حيوية في قسم من هذا النوع سماه "من وافقت كنيته كنية زوجته من الصحابة" مثل أم أيوب الأنصارية زوج أبي أيوب، أم معقل الأسدية زوج أبي معقل (٣).
стр. 180
١١ - المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب وما يلتحق بها:
وهو ما تتفق في الخط صورته، وتختلف في النطق والتلفظ صيغته.
وهو منتشر لا ضابط في أكثره يعول عليه، وإنما يضبط بالحفظ تفصيلا.
والضبط في الأسماء التي أمكن ضبطها من هذا النوع على قسمين نذكرهما مع الإيضاح بالمثال:
القسم الأول: الضبط على العموم أي ضبط الاسم بالنسبة لكافة الرواة الذين يسمون به من غير اختصاص بكتاب معين.
من ذلك: "حزام" بالزاي والحاء المكسورة في قريش، "حرام" بالراء وفتح الحاء في الأنصار (١).
أبو عبيدة: كله بضم العين. قال الدارقطني: لا نعلم أحدا يكنى أبا عبيدة بالفتح.
الأذرعي: بالذال المعجمة، إسحاق بن إبراهيم الأذرعي، والأدرعي بالدال المهملة جماعة ينسبون إلى الأدرع وهو أبو جعفر محمد بن عبيد الله من أشراف آل البيت قتل أسدا أدرع فسمي به (٢).