هو محل الإشكال فإن أمكن فهمه على وجه يتفق مع القواعد ولا يتعارض معها فهو المطلوب، ولا داعي إلى تجريح الرجال ... " انتهى.
والواقع أن ما ثبت صحته عند أئمة الحديث لا يرد عليه ما تكلف له هؤلاء من الطعون، وقد سبق العلماء من قبل إلى بحث مثل هذا الإشكال وإزاحته عن الأحاديث الصحيحة في علم مختلف الحديث الذي يأتيك إن شاء الله تعالى (١).
٥ - استقراء الأبواب: أي قولهم: لم يصح في الباب شيء، أو إلا حديث كذا، وذلك لما قاموا به من استقراء للأحاديث وتبويبها.
وهو ضابط هام رأينا التنبيه عليه لعظيم فائدته، ومن أمثلته:
أحاديث ذم الأولاد، كلها كذب من أولها إلى آخرها.
أحاديث التواريخ المستقبلة: كل حديث فيه إذا كانت سنة كذا حل كذا وكذا، أو يكون في سنة كذا أو شهر الفلاني كذا وكذا باطل. أحاديث مدح العزوبة، كلها باطلة (٢).
أحاديث فضائل الأزهار، كحديث فضل النرجس، والورد، والمرزنجوش، والبنفسج، والبان كلها كذب (٣).
لكن ينبغي التنبه إلى خطورة هذا الحكم واحتمال خطئه، لما فيه من الحصر لأمر واسع منتشر.
مصادر الحديث الموضوع:
عني أئمة الحديث بتأليف الكتب في بيان الأحاديث الموضوعة، وبذلوا في ذلك غاية جهدهم، صيانة للمسلمين من الوقوع في الباطل، وذبا عن الدين الحنيف.
وإليك أهم هذه المصادر فيما يلي:
стр. 317
١ - الموضوعات: للإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى سنة (٥٩٧) وهو من أقدم وأوسع ما صنف في هذا الفن، لكنه انتقد بإيراده كثيرا مما لا دليل على وضعه، بل هو ضعيف، بل وفيه الحسن والصحيح! وهذا عدوان ومجازفة.
قال شيخ الإسلام ابن حجر (١): "غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى مالا ينتقد قليل جدا. قال: وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعا، عكس الضرر بمستدرك الحاكم فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحا. ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين فإن الكلام في تساهلهما أعدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن".
لذلك تعقب العلماء كتاب ابن الجوزي هذا وتناولوه بالتهذيب والتنقيح.
٢ - "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (٩١١) هـ اختصر فيه كتاب ابن الجوزي، وتعقبه فيما ليس بموضوع، وألحق روايات من الموضوعات لم يذكرها ابن الجوزي، فجاء كتابا حافلا عظيم النفع.
٣ - "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة" للحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني المتوفى سنة (٩٦٣) هـ.
لخص فيه موضوعات ابن الجوزي وما زاده السيوطي وغيره في تآليفهم الكثيرة. وقدم له بفصل جمع فيه أسماء الكذابين فتجاوز عددهم ألفا وستمائة، وهي فائدة قيمة جدا أتى بها هذا الكتاب.
٤ - "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" للحافظ ابن قيم الجوزية " (٧٥١) هـ".
٥ - "المصنوع في الحديث الموضوع". للحافظ علي القاري " (١٠١٤) هـ".
وهذا الكتاب وسابقه مختصران نافعان جدا.
стр. 318
نتائج الباب:
نستخلص من دراسة أنواع علوم الحديث في هذا الباب أن المحدثين وضعوا شروطا دقيقة لقبول الحديث. تشمل فحص المتن والسند، فالعلة والشذوذ قادحان في صحة الحديث، وهما يقعان في المتن كما يقعان في السند، بل أن شريطة الثقة والعدالة والضبط ترتبط بالمتن ارتباطا وثيقا كما يعرف من تأمل أبحاثهما فيما سبق (١).
ثم كان من دقة منهجهم أن ميزوا بين مراتب القبول ولم يسووا بينها، فهي متفاوتة من أصح الصحيح إلى أدنى مراتب الحسن، ولم يغفلوا فيها عن اعتبار عنصر التقوية. فالحسن إذا تقوى يلتحق بالصحيح، والضعيف اليسير الضعف إذا تقوى يلتحق بالحسن.
ونقف بإجلال أمام ضابط الحديث المردود الذي بلغ غاية الاحتياط في أحكامه، حيث لم يجعل ضعف الحديث موقوفا على وجود الدليل العكسي المضاد له. بل أثبتوا حكم الضعف، بمجرد اختلال ضابط القبول، نظرا لاحتمال أن يكون الراوي أخطا في أداء الحديث، ثم قرروا أنه قد يصح السند ولا يصح المتن، كما أنه قد يصح المن ولا يصح السندن ونظروا في ذلك إلى ملابسات كل من السند والمتن.
كذلك وقفوا من أحوال الحديث الضعيف وقفة منصفة، حيث
стр. 319
ميزوا بين يسير الضعف الذي يحتمل صدقه في باطن الأمر، وبين شديد الضعف الذي يبعد منه ذلك الاحتمال، وبين المكذوب الملصق بقائله، وأعطوا كل مرتبة منها حكمها المناسب، فأجازوا العمل استحبابا فقط بالحديث الضعيف اليسير الضعف بشروط تقوى احتمال صحته، ولم يجيزوا العمل بما سوى ذلك، بل شددوا، فأوجبوا التحذير من الأحاديث التالفة والموضوعة صيانة للدين، وتنقية لعقول الناس، فجاء عملهم دقيقا شاملا محققا للهدف منه.
стр. 320
الباب الخامس: في علوم المتن
المتن: هو ما انتهى إليه السند من الكلام.
وهو المقصود من أبحاث المصطلح، ليعرف ما تقبل نسبته إلى قائله، ومالا يقبل، وقد سبق ضابط ذلك في الباب السابق بحمد اله تعالى.
وقد تعرض المحدثون لدراسة المتن من جوانبه العديدة الأخرى استكمالا لبحثهم في القبول والرد، واستيفاءًا لما يحتاج إليه الباحث. ولدى استقراء هذه الأنواع من علوم الحديث وجدنا أنه يمكن تقسيمها إلى ثلاث زمر هي:
أولا: علوم المتن من حيث قائله، وهي أربع:
الحديث القدسي، المرفوع، الموقوف، المقطوع.
ثانيا- علوم شارحة للمتن، نبحث منها:
غريب الحديث، أسباب ورود الحديث، ناسخ الحديث ومنسوخه، مختلف الحديث، محكم الحديث.
ثالثا -علوم تنشأ من مقابلة المتن المروي بالروايات والأحاديث
стр. 321
الأخرى. وهذه الزمرة الثالثة ندرسها في الباب السابع إن شاء الله لاشتراكها بين السند والمتن ونكتفي هنا بالإشارة إليها في نتيجة الباب إن شاء الله تعالى.
وندرس الزمرة الأولى والثانية في فصلين:
стр. 322
الفصل الأول: في علوم الحديث من حيث قائله
...
الفصل الأول: في علوم متن الحديث من حيث قائله
١ - الحديث القدسي:
الحديث القدسي: هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه . مثل: "قال رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه : مثل: "قال رسول الله ﷺ فيما يروى عن ربه"، أو"قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ ". ويقال له أيضا: الحديث الإلهي، أو الرباني.
ومناسبة تسميته "قدسيا" هي التكريم لهذه الأحاديث من حيث إضافتها إلى الله تعالى، كما أنها واردة في تقديس الذات الإلهية، قلما تتعرض لأحكام الحلال والحرام، إنما هي من علوم الروح في الحق .
ومن أمثلة الحديث القدسي:
حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال
стр. 323
الله ﵎: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". أخرجه مسلم وابن ماجه (١).
وحديث معاذ بن جبل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتباذلين في، والمتزاورين في". أخرجه أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي (٢).
وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". أخرجه مسلم (٣).
الفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن:
والفرق بين الحديث القدسي وبين القرآن وقع فيه خلاف كبير بين العلماء، ومن أقوى المذاهب في هذا ما ذهب إليه أبو البقاء العكبري والطيبي.
قال أبو البقاء: "إن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند الرسول ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام".
стр. 324
وقال الطيبي: "القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي ﷺ ، والحديث القدسي إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي أمته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى ولم يروها عنه تعالى" (١).
ويختص القرآن بخصال ليست في الحديث القدسي أهما:
١ - أن القرآن معجز.
٢ - أننا تعبدنا بلفظ القرآن، ولا يجوز لمسه لمحدث ولا قراءته للجنب.
٣ - تواتر القرآن، وعدم تواتر الأحاديث القدسية بل فيها ما يضعف (٢).
وقد عني العلماء بجمع الأحاديث القدسية في مؤلفات خاصة، من أهمها كتاب "الاتحافات السنية في الأحاديث القدسية" للمنادي (٣) جمع فيه (٢٧٢) حديثا قدسيا.
٢ - الحديث المرفوع:
الحديث المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
стр. 325
هذا هو المشهور في تعريف المرفوع (١). ويدخل فيه المتصل والمنقطع، ومنه الصحيح والحسن، والضعيف، والموضوع، بحسب استيفائه شروط القبول أو اختلالها فيه.
قال ابن الصلاح: "ومن جعل من أهل الحديث المرفوع في مقابلة المرسل فقد عنى بالمرفوع المتصل".
٣ - الموقوف:
وهو ما أضيف إلى الصحابة رضوان الله عليهم. ولم يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ .
سمي موقوفا لأنه وقف به عند الصحابي، ولم يرتفع إلى النبي ﷺ .
قال ابن الصلاح والعلماء: ثم إن منه ما يتصل الإسناد فيه إلى الصحابي فيكون من الموقوف الموصول، ومنه ما لا يتصل إسناده فيكون من الموقوف غير الموصول على حسب ما عرف مثله في المرفوع إلى رسول الله ﷺ ".
"وما ذكرناه من تخصيصه بالصحابي فذلك إذا ذكر الموقوف مطلقا، يعني إذا قيل: حديث موقوف، أو وقفه فلان.
стр. 326
وقد يستعمل مقيدا في غير الصحابي، فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو على طاووس أو نحو هذا.
وبعض العلماء يطلقون على الموقوف اسم "الأثر" (١).
٤ - المقطوع:
هو: ما أضيف إلى التابعي: ويقال في جمعه: المقاطع"، و"المقاطيع".
وهذا غير المنقطع الآتي (٢). وهذا النوع كسائر الأنواع الثلاثة السابقة ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف وإلى كافة الأقسام الآتية في أبحاث الكتاب.
ومن مصادر الحديث الموقوف والمقطوع المصنفات، لأنها تجمع كل ما ورد في الباب، ومن أهمها: مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى (٢١١) هـ. ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة " (٢٣٥) هـ".
كذلك كتب التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير الطبري " (٣١٠) هـ". لأنها تعني بأقوال الصحابة والتابعين في تفسير الآيات الكريمة.
стр. 327
مسائل تتعلق بالموقوف والمقطوع:
المسألة الأولى:
اختلف العلماء في الاحتجاج بما ثبت عن الصحابة من الموقوفات في إثبات الأحكام الشرعية. فذهب الرازي من الحنفية وفخر الإسلام والسرخسي والمتأخرون منهم ومالك وأحمد في أحدى روايتيه إلى أنه حجة، لما أن حال الصحابة كان العمل بالسنة وتبليغ الشريعة.
وذهب بعض الحنفية والشافعي إلى أنه ليس بحجة لاحتمال أن يكون من اجتهاد الصحابي الخاص، أو أن يكون سمعه من غير رسول الله ﷺ (١).
المسألة الثانية: ما له حكم الرفع
إذا احتف الحديث الموقوف بقرائن معنوية أو لفظية تدل على رفعه فإنه يكون له حكم المرفوع ويحتج به.
وذلك في عدة صور بينها العلماء وهي:
الصورة الأولى: أن يكون مما لا مجال فيه للرأي والقياس.
فإن هذا يحكم برفعه. كالمواقيت، والمقادير الشرعية، وأحوال الآخرة، وقصص الماضين، ونحو ذلك من الصحابي الذي لم يأخذ عن أهل الكتاب، وذلك لأن الظاهر فيه النقل عن صاحب الشرع.
ومن ذلك التفسير الذي يتعلق بسبب نزول آية، فإنه من الصحابي الذي عاين التنزيل وعاصره في حكم المرفوع، لا التفسير الوارد عن الصحابة مما هو محل الاجتهاد.
стр. 328
قال الحاكم النيسابوري: "فأما ما نقول في تفسير الصحابي: مسند، فإنما نقوله في غير هذا النوع -يعني تفسير الصحابة الذي هو محل الاجتهاد-. فإنه كما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.
قال الحاكم: "هذا الحديث واشباهه مسندة عن آخرها وليست بمرفوعة، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند" (١) اهـ.
والمراد بقوله حديث مسند: أنه مرفوع.
الصورة الثانية: ما يحكيه الصحابي من فعل الصحابة أو قولهم مضافا للعهد الماضي. نحو كنا نفعل كذا، أو نقول كذا.
ولهذه الصورة عبارتان:
الأول: عبارة مطلقة لم تضف إلى زمن النبي ﷺ .
الثانية: ما أضيف فيه القول أو الفعل إلى زمنه ﷺ .
أما العبارة التي أطلق فيها القول أو الفعل فاختلف فيها:
ذهب العراقي والحافظ ابن حجر والسيوطي إلى أنه مرفوع، واختاره النووي والرازي والآمدي والأصوليون.
وذهب ابن الصلاح إلى أنه موقوف ليس بمرفوع.
стр. 329
والراجح هو الأول: لأن الظاهر من مثل قول الصحابي "كنا نفعل كذا ... " أنه يحكي الشرع، حيث إنه كان دأبهم، وهذه عبارة عموم، فتفيد صدور ذلك منهم عن إذن من الشارع، ولذلك اختار النووي هذا المذهب، وقال في شرح المهذب: "وهو قوي من حيث المعنى".
أما العبارة الثانية: التي فيها إضافته لعهد النبي ﷺ فالجمهور من العلماء على أنه مرفوع، لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأقرهم عليه، لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمر دينهم، وتقريره ﷺ أحد وجوه السنن المرفوعة.
ومن أمثلة ذلك حديث جابر قال: "كنا نعزل والقرآن ينزل" متفق عليه (١).
الصورة الثالثة: أن يصدر الصحابي حديثه بما يفيد الرفع
كقولهم: أمرنا بكذا, أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا، فهذا ونحوه مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته، وهو رسول الله ﷺ .
ومن أمثلة ذلك: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" أخرجه الترمذي- وقال: حسن صحيح (٢).
стр. 330
وكحديث عمران بن حصين ﵁ قال: "نهينا عن الكي" أخرجه الترمذي وقال فيه: "حسن صحيح" (١).
وكحديث علي ﵁ قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج" أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن (٢).
الصورة الرابعة: أن يذكر في الحديث عند ذكر الصحابي ما يفيد الرفع. نحو قولهم: يرفعه، أو ينميه أو رواية، فذلك وشبهه مرفوع عند أهل العلم.
ومن ذلك حديث الترمذي عن أبي هريرة رفعه قال: "ضرس الكافر مثل أحد". رواه بسنده ثم قال: هذا حديث حسن (٣).
المسألة الثالثة في الحديث المقطوع:
الحديث المقطوع لا يحتج به في إثبات شيء من الأحكام الشرعية، وإذا احتف بقرائن تفيد رفعه، فإنه عندئذ يكون حكمه حكم المرفوع المرسل (٤)، لسقوط الصحابي منه.
стр. 331
الفصل الثاني: في علوم متن الحديث من حيث درايته
١ - غريب الحديث:
غريب الحديث: هو ما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة عن الفهم.
ومعرفة معاني هذه الألفاظ علم مهم بالنسبة للمحدث، كي لا يكون زاملة للأخبار لا يدري ما يرويه.
وقد نبه العلماء على وجوب التحري والتوقي في بحثه، لئلا يقع المتعرض له في تحريف الكلم عن مواضعه والقول على الله بغير علم.
سئل الإمام أحمد عن حرف من الغريب فقال: "سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئ".
وسأل أبو قلابة الأصمعي اللغوي الجليل قال: قلت: يا أبا سعيد،
стр. 332
ما معنى قول رسول الله ﷺ : "الجار أحق بسقبه (١)؟ " فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ لكن العرب تزعم أن السقب: اللزيق".
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام " (٢٢٤) هـ" عن كتابه غريب الحديث: "إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري" (٢).
وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحديث أن يظفر به مفسرا في بعض روايات الحديث، مثل حديث: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدة". متفق عليه (٣) والبدنة تطلق على الإبل والبقر، قال العلماء: المراد هنا الإبل، وقد ورد في مصنف عبد الرزاق بلفظ "فله من الأجر مثل الجزور" فهذا يفسر المراد بالبدنة (٤).
وحديث عمران بن حصين في صلاة المريض: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب" أخرجه البخاري وغيره (٥).
وقد فسر قوله "على جنب" حديث علي ﵁ ولفظه: "على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه" (٦).
وقد عني العلماء بالتصنيف في شرح الغريب عناية كبيرة وكان أول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى " (٢١٠) هـ" وكتابه صغير. ثم
стр. 333
لم يخل عصر وزمان ممن جمع في هذا الفن وانفرد فيه بتأليف، حتى جاء الإمام ابن الأثير مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المتوفى " (٦٠٦) هـ" فصنف كتاب "النهاية"، جعله جامعا لما تفرق في غيره، وتوسع في شرح المفردات بحيث يلقي الضوء على معنى الجملة من الحديث، فجاء كتابا حافلا جامعا بمثابة تلخيص لشروح الأحاديث النبوية (١).
٢ - أسباب ورود الحديث:
وهو ما ورد الحديث متحدثا عنه أيام وقوعه.
ومنزلة هذا الفن من الحديث كمنزلة أسباب النزول من القرآن الكريم.
وهو طريق قوي لفهم الحديث، لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.
والسبب في ينقل في نفس الحديث (٢)، مثل حديث عمر بن الخطاب "بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ
стр. 334
فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ... الحديث" (١).
وربما لا ينقل السبب في نفس الحديث، وينقل في بعض طرقه، وهو الذي ينبغي الاعتناء به، مثل حديث "الخراج بالضمان" (٢) جاء في بعض طرقه عند أبي داود وابن ماجه أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى النبي ﷺ فرده عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي! فقال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". وللسيوطي كتاب في أسباب الحديث أسماه "اللمع".
وصنف المحدث إبراهيم بن محمد الدمشقي المشهور بابن حمزة المتوفى " (١١٢٠) هـ" كتابا سماه: "البيان والتعريف في أسباب ورود الحديث الشريف" هو أوسع مصنفات هذا الفن.
٣ - ناسخ الحديث ومنسوخه:
النسخ: هو رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر (٣).
وقد وقع النسخ في زمن النبي ﷺ لحكم جليلة،
стр. 335
منها ضرورة التدرج بالناس من دحض الجاهلية إلى علو المثالية الإسلامية. ومعرفة ما وقع فيه النسخ من الحديث علم مهم لا ينهض به إلا كبار أئمة الفقه.
قال الزهري: "أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه".
ومر علي ﵁ على قاص، فقال: "تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت" (١).
ويعرف النسخ بأمور:
منها -أن يثبت بتصريح رسول الله ﷺ ، كحديث "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". أخرجه مسلم وغيره (٢).
ومنها -ما يعرف بأخبار الصحابي، كحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" أخرجه أبو داود والنسائي (٣).
ومنها -ما يعرف بالتاريخ، كحديث شداد بن أوس وغيره أن رسول الله ﷺ قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٤) وحديث ابن عباس "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" (٥).
стр. 336
بين الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي أن الثاني ناسخ للأول، وذلك ببرهان دقيق حيث إنه روي في حديث شداد أنه كان مع النبي ﷺ زمان الفتح فرأى رجلا يحتجم في رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" وروي في حديث ابن عباس "أنه ﷺ احتجم وهو محرم صائم" فبان بذلك أن الأول كان زمن الفتح سنة ثمان، والثاني في حجة الوداع سنة عشر، فيكون الثاني ناسخا للأول (١).
وهذا الفن من ضرورات الفقه والاجتهاد، وقد ارتكب خطأ جسيما وركب مركبا صعبا من تسول له نفسه الفتوى بالحديث بزعمه مع عطله من هذا العلم فضلا عن الشروط الأخرى.
عن ابن سيرين قال: سئل حذيفة عن شيء؟ فقال: "إنما يفتي أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر، أو رجل ولي سلطانا فلا يجد من ذلك بدا، أو متكلف".
وللعلماء تصانيف في هذا الفن أشهرها كتاب "الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار". للإمام أبي بكر محمد بن موسى الحازمي " (٥٨٤) هـ".
٤ - مختلف الحديث:
وربما سماه المحدثون "مشكل الحديث".
وهو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلا، أو تعارض مع نص شرعي آخر.
وهو من أهم ما يحتاج إليه العالم والفقيه، ليقف على حقيقة المراد من الأحاديث النبوية، لا يمهر فيه إلا الإمام الثاقب النظر.
стр. 337
وقد تهجم طوائف من أهل البدع على السنة وأهل الحديث بسبب زيغهم في فهم الأحاديث على وجهها حتى اتهموا المحدثين بحمل الكذب ورواية المتناقض ونسبته إلى رسول الله ﷺ ، ثم تبعهم في عصرنا المستشرقون ومقدلدوهم ممن اغتر بالمادة واحتجرها على عقله، وغلف بحواجزها مشاعره. وإن كان بعضهم قد يتذرع باسم التحرر في فهم الدين، أو فتح باب الاجتهاد! ! .وهذا الصنف من الناس يوازي في ضرورة أولئك الجهلة المتزهدين الذين سوغوا الوضع والكذب في الحديث للترغيب والترهيب، فإن كلا من الفريقين استباح لنفسه التحكم في متن الحديث، فاختلق فيه أناس بجهلهم، وجحد الآخرون صحيحه بغرورهم.
وفي الواقع أن ادعاء التعارض ليس بالعسير ما دمام في النصوص مالا بد منه من عام وخاص مستثنى منه، أو مطلق ومقيد يقيد به ... ، فهل نطبق على هؤلاء الناقدين نقدهم، ونطرح فكرهم، وقانونهم، وهلا وسعتهم جملة الأحاديث العظمى المحكمة، التي لا إشكال فيها ولا سؤال. وقد عني أئمة الحديث وجهابذة نقده بهذا الفن، فدرسوا ما وقع من الإشكال في الأحاديث الصحيحة دراسة وافية من الناحية العامة الكلية، ومن الناحية التفصيلية الجزئية.
أما من الناحية العامة الكلية:
فقد قسموا الأحاديث المستشكلة نتيجة البحث فيها إلى قسمين:
القسم الأول: أن يمكن الجمع بين الحديثين المختلفين، وإبداء وجه من التفسير للحديث المستشكل يزيل عنه الاشكال، وينفي تنافيه مع غيره، فيتعين المصير إلى ذلك التفسير، وهذا هو الأكثر الأغلب في تلك الأحاديث. ومن أمثلة ذلك: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل
стр. 338
حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قل" متفق عليه (١).
والملال: فتور يعتري النفس من كثرة شيء، وهو محال في حقه تعالى؟ ! . ويجاب عن هذا من وجهين (٢):
الوجه الأول: أن "حتى" إن كانت بمعنى "إلى أن" فجوابه ما قال ابن فورك في كتابه القيم مشكل الحديث (٣): "أن يكون معناه أن الله سبحانه لا يغضب علكم ولا يقطع ثوابه حتى تتركوا العمل وتزهدوا في سؤاله والرغبة إليه. فسمى الفعل مللا تشبيها بالملل، وليس بملل على الحقيقة".
الوجه الثاني: قال القصري (٤): "وإن جعلتها بمعنى "كي" فبكون المعنى: لا يمل الله من العطاء ... على العبد كي يمل ويظهر عجزه حين أخذ مالا يطيق، وهذا بين في كلام العرب لا إشكال فيه".
ومن أمثلة ذلك أيضا: حديث أبي هريرة ﵁: "أرسل ملك إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت! قال: فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة "قال أي رب ثم مه؟ " قال: "ثم الموت" قال: "فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر". فقال رسول الله ﷺ : "فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر". متفق عليه (٥).
стр. 339
انتقد بعض الملاحدة هذا الحديث فقال: لعلى عيسى ابن مريم ﵇ قد لطم الأخرى فأعماه! .
وقد غفل الناقد عن حقيقة هامة، هي أن الملائكة مخلوقات نورانية وليست بمادية. لكن الله أعطاها قدرة على التشكل بالصور المادية ألا ترى أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ بصورة دحية الكلبي، ومرة في صورة أعرابي، فلما جادل الملك موسى وجاذبه لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل وتمثيل، وليست عينا حقيقية للملك، ولم يضر الملك بشيء (١).
وقال الإمام ابن فورك (٢) "ومنهم من قال: أن معنى قوله لطم موسى عين الملك توسع في الكلام -أي مجاز-، ... يريد بذلك إلزام موسى ملك الموت الحجة حين رادَّه في قبض روحه ... ".
القسم الثاني من مختلف الحديث: أن يتضاد الحديثان بحيث لا يمكن الجمع بينهما، وذلك على ضربين:
الضرب الأول: أن يظهر كون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
الضرب الثاني: أن لا تقوم دلالة على النسخ، فيفزع حينئذ إلى الترجيح ويعمل بالأرجح منها بكثرة عدد رواته، أو مزيد حفظ، أو مزيد ملازمة راوي أحد الحديثين لشيخه، في أوجه كثيرة من وجوه
стр. 340
الترجيح (١). وهذا الضرب الثاني يدخل في الشاذ والمحفوظ (٢). وإن تساويا ولم يمكن الجمع ولا الترجيح حكم بالاضطراب عليهما، وضعفا (٣).
وأما الناحية التفصيلية الجزئية:
فقد عني العلماء بدراسة أي سؤال موجه على أي حديث، وأجابوا عن ذلك في شروحهم الموسعة على السنة، كما أنهم أفردوا هذا اللون العلمي بالدراسة في كتب خاصة كثيرة، نذكر منها:
١ - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة عبد الله بن مسلم النيسابوري " (٢٧٦) هـ".
٢ - "مشكل الآثار" للإمام أبي جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي " (٣٢١) " وهو أوسع كتب هذا الفن وأحفلها بالفوائد.
٣ - "مشكل الحديث" لأبي بكر محمد بن الحسن بن فورك " (٤٠٦) ".
٥ - محكم الحديث:
وهو نوع جليل ذكره الحاكم (٤) وسماه تسمية تصلح لتعريفه: "الأخبار التي لا معارض لها بوجه من الوجوه".
مثال ذلك: حديث عائشة ﵂ أن رسول الله
стр. 341
صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي مستترة بقرام فيها صورة تماثيل، فتلون وجهه، ثم أهوى على القرام فهتكه بيده، ثم قال: "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله" متفق عليه (١).
هذه سنة صحيحة لا معارض لها.
وحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" أخرجه مسلم والأربعة (٢).
وهذا الفن شديد الخطورة، لما يحتاج الحكم فيه من التتبع والاستقصاء لكافة الأدلة. قال الحاكم: وقد صنف عثمان بن سعيد الدارمي فيه كتابًا كبيرًا.
стр. 342
نتيجة عامة:
هذه الأنواع من علوم المتن تبرز شمول اصطلاح المحدثين في تقسيمها وبحثها فالمتن ينظر إليه من حيث قائله فيقسم أربعة أقسام تشمل كل مصدر للحديث.
ثم يعني المتن من جوانبه المتعددة لغة وورودا ونسخا وحلا لمشكله وبيانا لمحكمه وبهذا تكمل أنواع هذا الباب مهمات الباب السابق، حيث قدم لنا الباب السابق قواعد معرفة المقبول والمردود، وقدم لنا
стр. 343
هذا الباب أصول الفقه والفقاهة في المتن الذي هو المقصود من وراء تمييز المقبول والمردود، فضلا عن أن فهم النص ضروري قبل البحث في نقده، فاستكمل علم الحديث النظر في متن الحديث من حيث قبوله ورده ومن حيث فهمه ودراية معناه.
أما القسم الثالث من دراسة المتن باختباره ومقابلته على المرويات فأنواعه لا تخص بالمتن بل تشارك السند أيضا. فإننا ننظر إلى المتن من حيث ورود ما يوافقه أو عدمه، فإن ورد طريق آخر بلفظه أو معناه فهو التابع أو الشاهد، وإن تعدد وروده بكثرة رواته كثرة تحيل تواطؤهم على الكذب فهو المتواتر، أو برواية جمع محصور دون ذلك فهو المشهور، وإن روي من طريقين أو ثلاثة فهو العزيز، وإن جاء المتن من طريق واحد فهو الغريب.
أما إذا جاء ما يخالف المتن فإن خالفه بأرجح مع الثقة فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ، وإن خالفه مع الضعف فالراجح المعروف والمرجوح الضعيف هو المنكر، وإن وقع بين ألفاظ المتون تفاوت يدل على الوهم فالمعلل.
ثم المخالفة إن كانت بدمج موقوف بمرفوع أو نحو ذلك فمدرج المتن، أو بتقديم وتأخير فالمقلوب، أو بالزيادة والنقص فهو زيادة الثقة.
وإن وقع الاختلاف من غير مرجح فالحديث مضطرب. أما إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حرف مع بقاء صورة الخط في السياق فالمصحف والمحرف، فهذه ستة عشر نوعام.
وهذه الأنواع لا تخص بالمتن بل يشترك السند فيها أيضا.
لذلك جعلناها بابا مستقلا هو الباب السابع وقد أوضحنا ههنا استكمال دراسة المتن من جميع أوجهه بهذه اللمحة الموجزة الموضحة، نرجو الله أن يوفق لاتمام الأبحاث بمنه وكرمه.
стр. 344
الباب السادس: في علوم السند
المراد بالسند هنا: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدا عن الآخر، حتى يبلغوا به إلى قائله.
والبحث في السند دعامة أساسية في علوم الحديث، وفي التوصل إلى هدفه الأسمى والغرض المطلوب منه، وهو تمييز الحديث المقبول من المردود.
قال سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن. إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل" (١).
وقال عبد الله بن المبارك: "الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي! " (٢).
стр. 345
وقال عبد الله بن المبارك: "لولا الإسناد لذهب الدين، ولقال امرؤ ما شاء أن يقول: ولكن إذا قلت عمن؟ بقي! " (١).
وقال ابن المبارك أيضا: "بيننا وبين القوم القوائم" (٢). يعني الإسناد.
وقال الأوزاعي: "ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد" (٣).
وقال سفيان بن عيينة: "حدث الزهري يوما بحديث. فقلت: هاته بلا إسناد. فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم" (٤).
لذلك عني المحدثون بتحقيق الأسانيد والبحث فيها، لما أنه كثيرا ما يتوصل عن طريق السند إلى نقد للمتن لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق البحث في السند، وقد بذل المحدثون غاية الجهد في تتبع الأسانيد وتقصيها حتى رحلوا من أجلها في البلاد، وجالوا في الآفاق، لكي يعثروا على سند، أو لكي يبحثوا في سند صعب عليهم أمره.
وأنواع مصطلح الحديث التي تتعلق بالسند إما أن تحصل من النظر في سند الحديث من حيث الاتصال أو عدم الاتصال، وإما أن تحصل من
стр. 346
النظر من حيث تعدد السند أو عدم تعدده. وهذه ندرسها في الباب السابع الذي يأتي إن شاء الله تعالى.
أما أنواع الحديث من حيث الاتصال والانقطاع فندرسها هنا في فصلين:
الفصل الأول: في علوم السند من حيث الاتصال.
الفصل الثاني: في علوم السند من حيث الانقطاع.
стр. 347
الفصل الأول: في علوم السند من حيث الاتصال
ويشمل الأنواع الآتية:
١ - المتصل:
٢ - المسند:
٣ - المعنعن.
٤ - المؤنن.
٥ - المسلسل.
٦ - العالي.
٧ - النازل.
٨ - المزيد في متصل الأسانيد.
وننبه إلى أن الأصل في هذا المبحث هو الأول المتصل، وأما الأنواع الأخرى فإنها تشتمل مع الاتصال على وصف زائد يبين كيفية الاتصال أو على وصف عارض له نفصله لدى دراسة كل منها إن شاء الله.
стр. 348
١ - المتصل:
ويقال له الموصول أيضا، وعرفوه بأنه هو الذي سمعه كل واحد من رواته ممن فوقه حتى ينتهي إلى منتهاه، سواء كان مرفوعا أو موقوفا.
وقولهم: "الذي سمعه" يلحق به فيما نرى ما تلقاه بوسيلة أخرى من وسائل التحمل المعتبرة، كالعرض والمكاتبة. والإجازة الصحيحة، وإنما ذكرو السماع في التعريف لأنه الغالب. وقد حرصوا في بحث المعنعن أن المتأخرين استعملوا "عن" في الإجازة، وأن ذلك لا يخرجه من قبيل الاتصال (١).
مثال المتصل المرفوع: ما رواه مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" (٢).
ومثال المتصل الموقوف: ما رواه مالك أيضا عن نافع أنه سمع عبد اله بن عمر يقول: "من أسلف سلفا فلا يشترط إلا قضاءه" (٣).
فكل من الحديثين متصل، أو موصول، لأن رواته سمعوه من بعضهم البعض إلى منتهاه.
أما المقطوع وهو ما أضيف إلى التابعي إذا اتصل سنده، فلا خلاف في أنه يدخل تحت هذا النوع، لكن الجمهور قالوا: لا يقال
стр. 349
له: موصول أو متصل مطلقا، بل ينبغي أن يقرن بما يميزه عن سابقيه فيقال: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب مثلا. وأجاز بعض العلماء أن يطلق عليه: موصول، أو متصل، بدون أن يقيد بشيء أسوة بالنوعين السابقين.
وكأن السر فيما ذهب إليه الجمهور أن الذي ينتهي إلى التابعي يسمونه "المقطوع"، وهو بظاهره اللغوي ضد الموصول، فميزوه بإضافته إلى التابعي رعاية لذلك (١).
٢ - المسند:
الحديث المسند: هو ما اتصل سنده مرفوعًا إلى النبي ﷺ .
فلا يحل الموقوف والمقطوع ولو اتصل إسنادهما، ولا المنقطع، ولو كان مرفوعا. وهذا هو المعتمد المشهور في تعريف المسند. قطع به الحاكم واقتصر عليه. وجزم به في النخبة (٢).
стр. 350
مثاله: حديث ترك صلاة العصر في النوع السابق، فإنه مرفوع متصل.
لكن بعض المحدثين أطلق المسند على غير ما ذكرناه، مما يوجب التنبيه عليه:
فقد أطلق بعضهم المسند على ما رفع إلى النبي ﷺ خاصة، موصولا كان أو غير موصول، وهو مذهب ابن عبد البر (١)، ومنه قوله الدارقطني في سعيد بن عبيد الثقفي: "ليس بالقوي، يحدث بأحاديث يسندها وغيره يوقفها" (٢). فقوله: "يسندها": أي يرفعها.
وقد يطلق المسند على تأليف في أسانيد الأحاديث، مثل مسند الشهاب، ومسند الفردوس، أي أسانيد أحاديثهما.
٣ و ٤ - المعنعن والمؤنن:
هذان النوعان يدرسان بعض الصيغ التي يستعملها الرواة في النقل عمن فوقهم، لما فيها من احتمال عدم الاتصال.
стр. 351
والمعنعن: هو الذي يقال في سنده: فلان عن فلان، من غير تصريح بالتحديث أو الأخبار أو السماع ...
وقد تشدد بعض الناس فعده من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بالتصريح بالسماع ونحوه.
والصحيح الذي عليه العمل التوسط فيه وأنه من الحديث المتصل، ذهب إلى هذا جماهير الأئمة من أهل الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم الصحيحة وقبلوه. وادعى أبو عمر بن عبد البر، والداني إجماع أهل النقل على ذلك.
لكنهم اشترطوا لكي يحكم للمعنعن بالاتصال شرطين: الأول: أن يثبت لقاء الراوي لمن روى عنه بالعنعنة، والثاني أن يكون بريئا من وصمة التدليس. فإذا استوفى ذلك صار قوله: "عن فلان" كقوله: "حدثني أو سمعت ... " لأنه لما تحقق لقاؤه وكان لا يدلس فهو لا يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، فيكون قوله "عن" على ظاهر الاتصال حتى يثبت خلافه فنأخذ به.
وأما المؤذن: فهو الذي يقال في سنده: فلان أن فلانا ..
ومذهب الجمهور وهو الصحيح أنه كالمعنعن، ولا عبرة بالحروف والألفاظ إنما هو باللقاء والمجالسة والسماع.
وقد خالف مسلم بن الحجاج في اشتراط التنصيص على ثبوت اللقاء والاجتماع في المعنعن والمؤنن، وادعى في مقدمة صحيحه أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد وإن لم ينص على أنهما اجتمعا أو تشافها، فاكتفى مسلم بإمكان اللقاء بين الراوي وبين من روى عنه مع السلامة من التدليس.
стр. 352
وقد ورد العلماء دعوى الإجماع التي استشهد بها مسلم، بأن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه جماعة من أئمة هذا الفن علي بن المديني والبخاري وغيرهما كما قيل (١)، وأجابوا عما أورده من الأحاديث بأنه "يمكن أن يكون قبول الأئمة لذلك لقرائن اقترنت بها أفادت اللقاء ... " (٢).
وقوي بعضهم مذهب مسلم بأن المسألة في الثقة غير المدلس، ومثله إذا قال: عن فلان، ينبغي أن يكون سمعه منه، وإلا كان مدلسا، والمسألة في غير المدلس (٣).
إلا أنه لا ريب أن مذهب الجمهور أحوط، لأن الاتصال فيه أقوى، ولذلك كانت هذه المسألة من مرجحات صحيح البخاري على صحيح مسلم.
وقد يستشكل ما ذكرنا بما وقع في الحديث على شرط الاتصال ثم تبين أنه ليس بمتصل. كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". وفي رواية أخرى عن سالم قال: قال
стр. 353
ابن عمر: سمعت عمر يقول: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم .. " (١).
ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند ابن عمر عن النبي ﷺ ، وظاهر الرواية الثانية يوجب أن يكون من مسند ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ ، فكيف نجعل المؤنن متصلا؟ !
ونجيب عن ذلك بأن إدراك ابن عمر في هذا الحديث مشترك متردد، لتعلقه بالنبي ﷺ وبعمر، فقد أدركهما ابن عمر، وصحبهما، فصلحت "أن" للرواية عنهما، ولو كان الادراك قاصرا على أحدهما لتعين الاتصال عن طريقه. وهذا ملحظ دقيق جدا ينبغي التنبه له، والحذر من الغلط بسببه.
تفريع على المعنعن والمؤنن:
وينبني على ما ذكرناه من شرط الاتصال في المعنعن والمؤنن تعميم الحكم بالاتصال فيما ذكره الراوي عمن لقيه بأي لفظ كان إذا لم يظهر منه تدليس، سواء قال: عن فلان أو فلانا، أو قال فلان أو روى فلان أو حدث، وذلك لأن العبرة ليست بالحروف والألفاظ، ولكن بالمجالسة واللقاء والسماع.
ومن الحجة في ذلك "أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان باطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسا، والظاهر السلامة من وصمة التدليس، والكلام فيمن لم يعرف بالتدليس".
стр. 354
٥ - المسلسل:
المسلسل في اصطلاح المحدثين: هو ما تتابع رجال إسناده على صفة واحدة أو حال واحدة للرواة أو للرواية.
وله أنواع كثيرة بحسب تعدد أحوال الرواة وصفاتهم وأحوال الرواية.
أما أحوال الرواة، فهي إما أقوال أو أفعال، أو أقوال وأفعال معا، وكذا القول في صفاتهم أيضا.
وينقسم المسلسل أقساما كثيرة:
الأول: المسلسل بأحوال الرواة القولية: مثل حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ إني أحبك، فقل في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
تسلسل بقول كل واحد من رواته "وأنا أحبك فقل" (١). وكحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن من الشعر حكمة".
وقال عائشة ﵂: يرحم الله لبيدا وهو الذي يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون خيانة مذمومة ... ويعاب سائلهم وإن لم يشغب
стр. 355
قالت عائشة: يرحم الله لبيدا كيف لو أدرك زماننا هذا؟ . قال عروة بن الزبير الراوي عن عائشة رحم الله عائشة كيف لو أدركت زماننا هذا؟ !
تسلسل بقلو كل راو: رحم الله فلانا كيف لو أدرك زماننا هذا؟ ! (١) قال الشيخ محمد عابد السندي: قد جزم العلائي وغيره بصحة تسلسله (٢).
الثاني: المسلسل بأحوالهم الفعلية: مثل حديث أبي هريرة: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ ، وقال: "خلق الله الأرض يوم السبت".
تسلسل بتشبيك كل واحد من رواته يده بيد من رواه عنه (٣). وكالمسلسل بوضع اليد على الكتف، والمسلسل بوضع اليد على الرأس.
الثالث: المسلسل بأحوالهم القولية والفعلية: مثاله حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره" وقبض رسول الله ﷺ على لحيته، وقال: "آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره".