والمعنعن: هو الذي يقال في سنده: فلان عن فلان، من غير تصريح بالتحديث أو الأخبار أو السماع ...
وقد تشدد بعض الناس فعده من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بالتصريح بالسماع ونحوه.
والصحيح الذي عليه العمل التوسط فيه وأنه من الحديث المتصل، ذهب إلى هذا جماهير الأئمة من أهل الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم الصحيحة وقبلوه. وادعى أبو عمر بن عبد البر، والداني إجماع أهل النقل على ذلك.
لكنهم اشترطوا لكي يحكم للمعنعن بالاتصال شرطين: الأول: أن يثبت لقاء الراوي لمن روى عنه بالعنعنة، والثاني أن يكون بريئا من وصمة التدليس. فإذا استوفى ذلك صار قوله: "عن فلان" كقوله: "حدثني أو سمعت ... " لأنه لما تحقق لقاؤه وكان لا يدلس فهو لا يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، فيكون قوله "عن" على ظاهر الاتصال حتى يثبت خلافه فنأخذ به.
وأما المؤذن: فهو الذي يقال في سنده: فلان أن فلانا ..
ومذهب الجمهور وهو الصحيح أنه كالمعنعن، ولا عبرة بالحروف والألفاظ إنما هو باللقاء والمجالسة والسماع.
وقد خالف مسلم بن الحجاج في اشتراط التنصيص على ثبوت اللقاء والاجتماع في المعنعن والمؤنن، وادعى في مقدمة صحيحه أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد وإن لم ينص على أنهما اجتمعا أو تشافها، فاكتفى مسلم بإمكان اللقاء بين الراوي وبين من روى عنه مع السلامة من التدليس.
стр. 352
وقد ورد العلماء دعوى الإجماع التي استشهد بها مسلم، بأن القول الذي رده مسلم هو الذي عليه جماعة من أئمة هذا الفن علي بن المديني والبخاري وغيرهما كما قيل (١)، وأجابوا عما أورده من الأحاديث بأنه "يمكن أن يكون قبول الأئمة لذلك لقرائن اقترنت بها أفادت اللقاء ... " (٢).
وقوي بعضهم مذهب مسلم بأن المسألة في الثقة غير المدلس، ومثله إذا قال: عن فلان، ينبغي أن يكون سمعه منه، وإلا كان مدلسا، والمسألة في غير المدلس (٣).
إلا أنه لا ريب أن مذهب الجمهور أحوط، لأن الاتصال فيه أقوى، ولذلك كانت هذه المسألة من مرجحات صحيح البخاري على صحيح مسلم.
وقد يستشكل ما ذكرنا بما وقع في الحديث على شرط الاتصال ثم تبين أنه ليس بمتصل. كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". وفي رواية أخرى عن سالم قال: قال
стр. 353
ابن عمر: سمعت عمر يقول: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم .. " (١).
ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند ابن عمر عن النبي ﷺ ، وظاهر الرواية الثانية يوجب أن يكون من مسند ابن عمر عن عمر عن النبي ﷺ ، فكيف نجعل المؤنن متصلا؟ !
ونجيب عن ذلك بأن إدراك ابن عمر في هذا الحديث مشترك متردد، لتعلقه بالنبي ﷺ وبعمر، فقد أدركهما ابن عمر، وصحبهما، فصلحت "أن" للرواية عنهما، ولو كان الادراك قاصرا على أحدهما لتعين الاتصال عن طريقه. وهذا ملحظ دقيق جدا ينبغي التنبه له، والحذر من الغلط بسببه.
تفريع على المعنعن والمؤنن:
وينبني على ما ذكرناه من شرط الاتصال في المعنعن والمؤنن تعميم الحكم بالاتصال فيما ذكره الراوي عمن لقيه بأي لفظ كان إذا لم يظهر منه تدليس، سواء قال: عن فلان أو فلانا، أو قال فلان أو روى فلان أو حدث، وذلك لأن العبرة ليست بالحروف والألفاظ، ولكن بالمجالسة واللقاء والسماع.
ومن الحجة في ذلك "أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان باطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسا، والظاهر السلامة من وصمة التدليس، والكلام فيمن لم يعرف بالتدليس".
стр. 354
٥ - المسلسل:
المسلسل في اصطلاح المحدثين: هو ما تتابع رجال إسناده على صفة واحدة أو حال واحدة للرواة أو للرواية.
وله أنواع كثيرة بحسب تعدد أحوال الرواة وصفاتهم وأحوال الرواية.
أما أحوال الرواة، فهي إما أقوال أو أفعال، أو أقوال وأفعال معا، وكذا القول في صفاتهم أيضا.
وينقسم المسلسل أقساما كثيرة:
الأول: المسلسل بأحوال الرواة القولية: مثل حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ إني أحبك، فقل في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
تسلسل بقول كل واحد من رواته "وأنا أحبك فقل" (١). وكحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن من الشعر حكمة".
وقال عائشة ﵂: يرحم الله لبيدا وهو الذي يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون خيانة مذمومة ... ويعاب سائلهم وإن لم يشغب
стр. 355
قالت عائشة: يرحم الله لبيدا كيف لو أدرك زماننا هذا؟ . قال عروة بن الزبير الراوي عن عائشة رحم الله عائشة كيف لو أدركت زماننا هذا؟ !
تسلسل بقلو كل راو: رحم الله فلانا كيف لو أدرك زماننا هذا؟ ! (١) قال الشيخ محمد عابد السندي: قد جزم العلائي وغيره بصحة تسلسله (٢).
الثاني: المسلسل بأحوالهم الفعلية: مثل حديث أبي هريرة: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ ، وقال: "خلق الله الأرض يوم السبت".
تسلسل بتشبيك كل واحد من رواته يده بيد من رواه عنه (٣). وكالمسلسل بوضع اليد على الكتف، والمسلسل بوضع اليد على الرأس.
الثالث: المسلسل بأحوالهم القولية والفعلية: مثاله حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره" وقبض رسول الله ﷺ على لحيته، وقال: "آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه ومره".
стр. 356
تسلسل بصدور ذلك من كل رواته (١).
الرابع: المسلسل بصفات الرواة القولية، وهي تقارب الأحوال القولية، بل تماثلها على التحقيق (٢).
الخامس: المسلسل بصفات الرواة الفعلية: مثل اتفاق أسماء الرواة، كالمسلسل بالمحمدين، ومثل اتفاق صفاتهم، كالمسلسل بالفقاء، أو الحفاظ، أو المعمرين، أو الصوفيين.
السادس: المسلسل بصفات الرواية: وتتعلق بصيغ الأداء أو زمانه أو مكانه.
مثال صفات الرواية المتعلقة بصيغ الأداء: المسلسل بقول كل واحد من رواته سمعت فلانا، أو أخبرنا فلان، أو أخبرنا فلان والله ..
ومثال صفات الرواية الزمانية: المسلسل بروايته يوم العيد.
ومثال صفات الرواية المكانية: المسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم. وغير ذلك من أقسام يعرف مما ذكرناه.
والتسلسل يفيد اتصال حلقات الإسناد مع ما اقترن بها من صفة خاصة أو حالة خاصة، وذلك يقوي معنى الاتصال في الحديث، لذلك قال الحاكم (٣). "فإنه نوع من السماع الظاهر الذي لا غبار عليه".
وقال ابن الصلاح (٤): "وخيرها ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، وعدم التدليس، ومن فضيلة التسلسل اشتماله على مزيد الضبط من الرواة".
стр. 357
لكن المسلسلات على الرغم من عذوبة وقعها تسلم رواية التسلسل فيها من ضعف، وإن صح أصل الحديث. ومن المسلسل ما ينقطع تسلسله في أثناء إسناده، وذلك نقص فيه. كحديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: "الراحمون يرحمه الرحمن" المسلسل بأول حديث سمعته، فإنه إنما يصح التسلسل فيه بالأولية من أول السند إلى سفيان بن عيينة، وينقطع هذا التسلسل بين سفيان ومن فوقه إلى النبي ﷺ .
ومن أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف، رواه الترمذي في جامعه (١)، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرتا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله وهو العزيز الحكيم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ قال ابن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ . قال أبو سلمة. فقرأها علينا عبد الله بن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال: ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي. قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير.
ونضيف إلى هذا فنقول: أصح أقسام التسلسل المسلسل بالحفاظ، كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر، بل إن الحافظ ابن حجر قال في شرح النخبة (٢): "إنه يفيد القطع حيث لا يكون غريبا".
стр. 358
وقد جمع العلماء الأحاديث المسلسلة في مصنفات، منها كتاب للسخاوي فيه مائة حديث، وجمعها العلامة المحدث محمد عبد الباقي الأيوبي "المتوفى سنة (١٣٦٤) " في كتاب سماه "المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة" فبلغ /٢١٢/ حديثا، هو أوسع ما وقفنا عليه.
وهذا لم يستوف المسلسل بصفات الرواة، ولا سيما المسلسل بالحفاظ، ولو استوفاها لكانت أكثر من ذلك بكثير.
٦ - العالي:
الإسناد العالي: هو الذي قل عدد رجاله مع الاتصال:
وكذا إذا تقدم سماع روايه، أو تقدمت وفاة شيخه (١).
وعلو الإسناد له عند المحدثين شأن كبير، وذلك أنه يفيد قوة السند، لأنه يبعد احتمال الخلل عن الحديث، لأن كل رجل من رجاله قد يحتمل أن يقع من جهته خلل، فإذا قلت الوسائط تقل جهات الاحتمال للخل، فيكون علو السند قوة للحديث.
قال الحافظ أبو الفضل المقدسي (٢): "أجمع أهل النقل على طلبهم العلو ومدحه، إذ لو اقتصروا على سماعه بنزول لم يرحل أحد منهم". وقد رحل المحدثون فيه، وأتعبوا مطاياهم من أجله. ما إن يسمع أحدهم
стр. 359
بحديث عن محدث في عصره حتى يرحل إليه ليسمعه منه مباشرة.
قال أحمد بن حنبل: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف". وقيل ليحيى بن معين في مرضه الذي مات فيه: "ما تشتهي؟ " قال: "بيت خالي، وإسناد عالي".
وينقسم العلو بحسب جهته أقساما خمسة، ترجع إلى قسمين رئيسين: علو مسافة بقلة الوسائط، وعلو صفة.
أما العلو بالمسافة فهو ثلاثة أقسام:
القسم الأول: القرب من رسول الله ﷺ من حيث العدد بإسناد صحيح نظيف. وهذا علو مطلق، وهو أفضل أنواع العلو وأجلها. قال محمد بن أسلم الطوسي الزاهد: "قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ".
ووجه كلامه هذا فيما نرى: أن قرب الإسناد يفيد قوة السند كما عرفت، واستخراج المحدث لذلك يقربه إلى الله .
وقد اعتنى العلماء بهذا النوع، وجمعوا فيه تآليف، أشهرها ما جمعت فيه الأحاديث الثلاثية، مثل كتاب ثلاثيات المسند وكتاب ثلاثيات البخاري.
والأحاديث الثلاثية هي ما كان بين الإمام المصنف وبين النبي ﷺ ثلاث وسائط.
مثل: حديث الإمام أحمد قال: "ثنا سفيان قال: قلت لعمرو: سمعت جابرا يقول مر رجل في المسجد معه سهام، فقال له النبي ﷺ : "أمسك بنصلها"؟ قال: نعم (١).
стр. 360
وروى البخاري: حدثنا مكي بن إبراهيم قال حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" (١).
وقد تساهل من جمع ثلاثيات المسند فأوردا فيه مثل إسناد "هُشَيم عن حُمَيد عن أنس" هكذا بهذا اللفظ، وهشيم وحميد مدلسان ولم يصرحا بالتحديث، مما يدخل على السند احتمال الانقطاع وحذف الوسائط. وفيه أحاديث كثيرة من هذا القبيل.
أما إذا كان قرب الإسناد مع ضعف بعض الرواة فلا التفات إلى هذا العلو، وقد اتخذ بعض الكذابين العلو وسيلة لترويج كذبهم، فادعى بعضهم الصحبة، مثل رتن الهندي (٢). وادعى بعضهم السماع من الصحابة، مثل إبراهيم بن هدبة، ودينار بن عبد الله، وأبي الدنيا الأشج، فافتضحوا بكذبهم، ولم يجعل لهم المحدثون أي عبرة، بل لا تجوز الرواية عنهم. ومن فرح بعلو سندهم فهو عامي يعد الرواة عدا، ولا يدري فيهم نقدا! !
القسم الثاني: القرب من إمام من أئمة الحديث. وهو علو نسبي، كالعلو إلى مالك، والأوزاعي، وسفيان وشعبة. وإنما يوصف بالعلو إذا صح الإسناد إلى ذلك الإمام بالعدد اليسير من الرجال.
ووجه اعتبار هذا علوا -فيما يبدو لنا- أن هؤلاء الأئمة قد انتهى إليهم علم الحديث وحفظه، فأصبح خوف الخلل في رواياتهم مأمونا، فرغبوا في العلو إليهم، لما فيه من قوة السند.
القسم الثالث: العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المشتهرة، وهو
стр. 361
أن يعلو إسناد المحدث بالنسبة إلى روايته عن طريق الصحيحين وبقية الستة، إذ لو روى الحديث من طريق كتاب من الستة يقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها. وغالبا ما يكون العلو في هذا القسم بسبب نزول الإسناد عن طريق هذه الكتب.
قال الحافظ العراقي (١): "مثاله حديث رواه الترمذي لابن مسعود مرفوعا": "يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف ... ". رواه الترمذي عن علي بن حجر عن خلف بن خليفة، فلو رويناه من طريق الترمذي وقع بيننا وبين خلف تسعةن فإذا رويناه من جزء ابن عرفة وقع بيننا وبينه سبعة بعلو درجتين .. ".
وقد كثر اعتناء المحدثين المتأخرين بهذا القسم، وأصبح له شهرة كبيرة عندهم، ففرعوه إلى عدة فروع، هي: الموافقة، والبدل، والمساوة، والمصافحة (٢).
وأما علو الصفة: فهو هذان القسمان الباقيان، ذكرهما الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتاب الإرشاد إلى معرفة علماء الحديث، واشتهرا بعده:
الأول: العلو بتقدم وفاة الراوي، بأن يتقدم موت الراوي في هذا السند على موت الراوي الذي في السند الآخر، وإن كانا متساويين في العدد (٣).
الثاني: العلو بتقدم السماع من الشيخ، يكون أحد الرواة
стр. 362
سمع منه قبل غيره، (١) إلا أنه يقع التداخل كثيرا بين هذين القسمين، حتى عدهما بعض العلماء قسما واحدا. ونلاحظ أن فائدة العلو لا تظهر في هذين القسمين إلا في بعض الصور، التي تدخل في أنواع أخرى من علوم الحديث، مثل "معرفة من اختلط في آخر عمره" ونحوه من الأبحاث. لذلك لم يذكرهما بعض المحققين كالحافظ ابن حجر (٢).
٧ - النازل:
الحديث النازل: ضد العالي، وهو الذي بعدت المسافة في إسناده.
وكما أن العلو قد انقسم إلى خمسة أقسام، كذلك ينقسم النزول إلى خمسة أقسام، تعرف مما سبق. وهي:
١ - كثرة الوسائط إلى النبي ﷺ . وهو نزول مسافة مطلق.
٢ - كثرة الوسائط إلى إمام من أئمة الحديث. وهو نزول مسافة نسبي.
٣ - نزول الإسناد من طريق غير الكتب الستة عن الإسناد من طريقها. وهو نزول مسافة نسبي أيضا.
٤ و ٥ - تأخر الوفاة وكذا تأخر السماع وهما نزول صفة.
стр. 363
والنزول مفضول مرغوب عنه عند المحدثين، قال ابن معين: "الإسناد النازل قرحة في الوجه". وقال ابن المديني: "النزول شؤم".
وشذ بعضهم فزعم أن النزول أفضل من العلو؛ "لأنه يجب على الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله، وفي الناقل وتعديله، وكلما زاد الاجتهاد زاد صاحبه ثوابا" (١).
وهذا مذهب ضعيف، ضعيف الحجة، وما أحسن قول الحافظ العراقي (٢): "هذا بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة، فيسلك طريقا بعيدة لتكثر الخطأ، وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود! ! ".
لكن المحدثين استثنوا من تفضيل العلو ما إذا كان مع النزول ما يجبره ويجعل له مزية على الإسناد العالي، كأن يوجد في النازل زيادة يرويها ثقة، أو يكون رجال الإسناد النازل أحفظ أو أفقه. قال وكيع ابن الجراح لتلامذته: "أيهما أحب إليكم أن أحدثكم: عن سليمان الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أو أحدثكم عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود؟ ". قالوا: "نحب الأعمش، فإنه أقرب إسنادا". قال: "ويحكم! ، الأعمش شيخ ولكن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه" (٣).
لذلك قال ابن المبارك: "ليس جودة الحديث قرب الإسناد، بل جودة الحديث صحة الرجال".
стр. 364
وقال الحافظ السلفي: "الأصل الأخذ عن العلماء، فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة، على مذهب المحققين من النقلة".
ومن هذا القبيل أيضا العلو بتفرد السند بالحديث مع حاجة المحدث إليه، فإنه عال بتفرده.
لكن هذا كله ليس من العلو الاصطلاحي عند المحدثين، ومن أدرجه في العلو الاصطلاحي (١) فقد تساهل ولم يحقق البحث، وإنما هو علو من حيث المعنى فحسب (٢).
٨ - المزيد في متصل الأسانيد:
هذا نوع جليل مهم، عظيم الفائدة.
وهو أن يزيد راو في الإسناد المتصل رجلا لم يذكره غيره (٣).
مثاله: ما أخرجه الترمذي في العلل الكبير (٤) عن جرير بن حازم عن ابن إسحاق عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي ﷺ نهى عن المتعة يوم الفتح.
قال الترمذي: "سألت محمدًا يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث خطأ، والصحيح عن الزهري عن الربيع بن سبرة
стр. 365
عن أبيه ليس فيه عمر بن عبد العزيز، وإنما أتى الخطأ من جرير بن حازم". ولعل سبب الخطأ ما ورد أن الزهري سمع الحديث من الربيع عند عمر بن العزيزن فظنه جرير من رواية الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن الربيع. والحديث روي من عدة أوجه عند مسلم (١) وأحمد عن الزهري عن الربيع ليس فيها ذكر عمر بن عبد العزيز.
وقد صنف الخطيب في هذا النوع كتابا جيدا سماه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد".
وفي رأينا أن هذا النوع يمكن أن يدخل في المدرج "مدرج السند" الآتي وفي العلل بعلة غير قادحة (٢)، فليتأمل.
وجدير بالعناية هنا أن الحكم بالزيادة في هذا النوع صعب شديد، يقف على حافة النقد، وخطر الأنتقاض بأن يكون الراوي قد سمع من الشخص الزائد ثم طلب العلو فسمعه من الشيخ الأعلى مباشرة، وقد وقع ذلك في أحاديث كثيرة. لكنا نستأنس في هذه الحال بالقرائن، وبأن "الظاهر ممن وقع له مثل ذلك -كما قال ابن الصلاح- أن يذكر السماعين، فإذل لم يجيء ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة".
كذلك قد ينتقض الحكم بالزيادة في هذا النوع بالمرسل الخفي، وسنشرح ذلك فيه إن شاء الله (٣).
حكم الاتصال وأنواع المتصل:
اتصال السند له شأن كبير في مصطلح الحديث، يتوقف عليه قبول الحديث كما عرفت من قبل، فإذا وجد الاتصال مع سائر شروط القبول كان الحديث مقبولا، وإلا كان مردودا، فأنواع هذا الفصل مشتركة بين أقسام الحديث الثلاثة: الصحيح، الحسن، الضعيف.
стр. 366
الفصل الثاني: في علوم السند من حيث الانقطاع
الانقطاع مأخوذ من القطع، وهو لغة فصل شيء عن شيء، قطعته فانقطع. ضد الوصل والاتصال. والمقصود هنا وقوع سقط في سلسلة الإسناد.
ويشمل هذا الفصل الأنواع الآتية:
١ - المنقطع.
٢ - المرسل.
٣ - المعلق.
٤ - المعضل.
٥ - المدلس.
٦ - المرسل الخفي.
وإليك تفصيل البحث في كل:
стр. 367
١ - المنقطع:
اختلفت أقوال العلماء في هذا المصطلح الحديثي اختلافا كثيرا يرجع في رأينا إلى التدرج التاريخي لاستعمال هذا الاصطلاح بين المتقدمين والمتأخرين.
وأولى تعاريفه تعريف الحافظ ابن عبد البر (١) وهو:
المنقطع كل ما لا يتصل، سواء كان يعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره.
فهو ما سقط منه راو أو أكثر من أي موضع من السند، وفيه يقول صاحب المنظومة البيقونية:
وكل ما لم يتصل بحال ... إسناده منقطع الأوصال
على ذلك درج المتقدمون، وقال النووي: "إنه الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم من المحدثين" (٢).
وعليه يكون المنقطع أصلا عاما تندرج تحته أنواع الانقطاع.
أما المتأخرون فجعلوه قسما خاصا، وعرفوه بأنه: هو الحديث الذي سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في موضع واحد أو موضع متعددة
стр. 368
بحيث لا يزيد الساقط في كل منها على واحد وألا يكون الساقط في أول السند (١).
وهذا التعريف جعل المنقطع مباينا لسائر أنواع الانقطاع، حيث خرج بقولهم: "واحد" المعضل، و"بما قبل الصحابي" المرسل، وبشرط أن لا يكون الساقط أول السند خرج المعلق (٢).
ومن أمثلة المنقطع:
١ - حديث أبي داود (٣): "حدثنا شجاع بن مخلد ثنا هشيم أخبرنا يونس بن عبيد عن الحسن أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي لهم عشرين ليلة، ولايقنت بهم إلا في النصف الباقي .. ".
فهذا إسناد منقطع، "الحسن البصري ولد سنة إحدى وعشرين، ومات عمر في أواخر سنة ثلاث وعشرين، أو في أول المحرم سنة أربع وعشرين" (٤) فأنى يمكن للحسن أن يسمع عمر.
٢ - حديث الترمذي في العلل الكبير (٥): "حدثنا علي بن حجر حدثنا معمر بن سليمان الرقي عن الحجاج بن أرطأة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: استكرهت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فدرأ عنها الحد وأقامه على الشي أصابها .. الحديث".
стр. 369
هذا منقطع في موضعين. قال البخاري: "الحجاج بن أرطأة لم يسمع من عبد الجبار بن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه، ولد بعد موت أبيه".
وأدرج الحاكم في المنقطع الإسناد الذي ذكر فيه بعض رواته بلفظ مبهم. نحو "رجل" أو "شيخ". إذا لم يعرف اسمه، مثل الحديث الذي رواه الجريري عن أبي العلاء بن عبد اله بن الشخير عن رجلين من بني حنظلة عن شداد بن أوس قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أحدنا أن يقول في صلاته: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد .. الحديث" (١).
وهذا يفيدنا التنبه إلى هذا الاصطلاح عند الحاكم خاصة في مؤلفاته الحديثية، أما عبارات أهل الفن، فقد جعلت ذلك "متصلا في إسناده مبهم". قال الحافظ العلائي (٢): "والتحقيق أن قول الراوي عن رجل ونحوه متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به".
٢ - المرسل:
الإرسال لغة: الاطلاق، أرسلت كذا إذا أطلقته ولم تمنعه.
وأما في اصطلاح المحدثين فقد اختلف العلماء في تعريف الحديث
стр. 370
المرسل، بسبب اختلاف موقعه عند المحدثين.
والمشهود أن الحديث المرسل: هو ما رفعه التابعي، بأن يقول: "قال رسول الله ﷺ "، سواء كان التابعي كبيرا أو صغيرا.
مثاله: ما رواه الشافعي (١): "أخبرنا سعيد عن ابن جريج قال أخبرني حميد الأعرج عن مجاهد أنه قال: "كان النبي ﷺ يظهر من التلبية لبيك اللهم لبيك .. " إلخ.
مجاهد تابعي لم يدرك النبي ﷺ ، ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ فالحديث مرسل.
وعلى هذا المعنى اقتصر المتأخرون، فلا يطلقون المرسل إلا بهذا المعنى.
أما المتقدمون فأكثر ما يطلقون المرسل فيما ذكرناه، وقد يطلقونه بمعنى المنقطع أيضا. وعلى ذلك جرى الخطيب وابن الأثير في المرسل (٢) وهو مذهب الفقهاء والأصوليين.
ومن أمثلة ذلك حديث موسى بن طحلة عن عمر بن الخطاب قال: طإنما سن رسول الله ﷺ الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر" (٣).
قال أبو زرعة: "موسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمر مرسل" (٤). وقال يحيى بن معين: "ما روى الشعبي عن عائشة مرسل" (٥)
стр. 371
أي أنه لم يسمعها.
وقد بنى على هذا التوسع في المرسل كثير من المصنفين كتبهم في المراسيل، ومن أهمها:
١ - "المراسيل" لأبي حاتم الرازي، بين فيه ما ليس متصلا من الأسانيد.
٢ - "جامع التحصيل لأحكام المراسيل" للحافظ خليل بن كليكدي العلائي، تكلم فيه على أنواع الحديث المنقطع، التي جمعناها في هذا المبحث، ثم أورد أسماء المدلسين، ثم الأسانيد المنقطعة.
حكم المرسل:
اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل اختلافا كثيران نورد منه أهم الآراء وأشهر الأقوال وهي ثلاثة:
المذهب الأول: مذهب جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء والأصوليين وهو أن المرسل ضعيف لا يحتج به.
ودليلهم على ذلك: أن المحذوف مجهول الحال، لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك فإن الرواة "حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة".
وإن اتفق أن يكون المرسل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الابهام غير كاف" (١).
المذهب الثاني: مذهب الإمام المطلبي الشافعي، وهو -كما أورده في الرسالة (٢) - قبول المرسل من كبار التابعين بشرط الاعتبار في الحديث المرسل والراوي المرسل:
стр. 372
أما الاعتبار في الحديث فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور:
١ - أن يروى مسندا من وجه آخر.
٢ - أو يروى مرسلا بمعناه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث.
٣ - أو يوافقه قول بعض الصحابة.
٤ - أو يكون قد قال به أكثر أهل العلم.
وأما الاعتبار في راوي المرسل فإن يكون الراوي إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عنه في الرواية.
فإذا وجدت هذه الأمور كانت دلائل على صحة مخرج حديثه، كما قال الشافعي، فيحتج به.
المذهب الثالث: مذهب أبي حنيفة ومالك وأصحابهما، وهو أن المرسل من الثقة صحيح يحتج به، ودليلهم على ذلك:
١ - أن الراوي الثقة لا يسعه حكاية الحديث عن الرسول ﷺ إذا لم يكن من سمعه منه ثقة، والظاهر من حال التابعين خاصة أنهم قد أخذو الحديث عن الصحابة وهم عدول.
٢ - أن أهل تلك القرون كان غالب حالهم الصدق والعدالة، بشهادة النبي ﷺ لهم، فحيث لم نطلع على ما يجرح الراوي فالظاهر أنه عدل مقبول الحديث.
وقد دارت حول المسألة مناقشات كثيرة استوفاها دراسة وبحثا الحافظ العلائي في كتابه القيم "جامع التحصيل"، لا نطيل بها.
إلا أنا نلاحظ أن الحديث المرسل دائر بين احتمالي الصحة والضعف
стр. 373
فإذا اختلف بقرائن تقويه ينبغي أن يعمل به ويحتجن وذلك فيما نرى منتهى العمل في هذه المسألة بين الأئمة الفقهاء. والله أعلم (١).
تتمة في مرسل الصحابي:
مرسل الصحابي هو ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك.
ومنه كثير من حديث ابن عباس، وعبد الله بن الزبيرن وغيرهما من أحداث الصحابة.
مثاله: ما أخرجه أحمد والترمذي: عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فأتته قريش وأتاه رسول الله ﷺ يعوده، وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل فقعد فيه، فقالوا: إن ابن أخيك يقع في آلهتنا. قال: ما شأن قومك يشكونك؟ قال: يا عم أريدهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي العجم إليهم الجزية. قال: ما هي؟ قال: لا إله إلا الله. فقاموا فقالوا: أجعل الآلهة إلاها واحدا .. " (٢).
وهذا النوع قد تعرض لبحثه علماء أصول الفقه. أما المحدثون فلم يعدوه من المرسل، لأن ذلك في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابةن والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول.
قال البراء بن عازب ﵁: "لي كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب" (٣).
стр. 374
لكن اعترض على ذلك بأنه يحتمل أن يكون من رواية الصحابي عن تابعي عن صحابي، وقد وقع ذلك في بعض الأحاديث (١). وجهالة التابعي تضر بصحة الحديث، حتى تغالى بعضهم فجعل مرسل الصحابي كمرسل التابيع.
غير أن نظر المحدثين الثاقب قد تتبع هذه الأحاديث، فتبين بالاستقراء أن رواية الصحابة عن التابعين نادرة جدا، وأن من روى منهم عن غير الصحابة فقد بين في روايته عمن سمعه. كما تبين أنها تقع غالبا في غير الحديث المرفوع، وإنما وقعت في نقلهم بعض أخبار الماضين، على قلة وندرة، والنادر لا حكم له فتحقق بذلك الحكم بالصحة لمرسل الصحابي.
٣ - المعلق:
يقع تعليق الحديث من المحدثين كثيرا لا سيما في مصنفاتهم، يقصدون به الاختصار في إيراد الأحاديث، أو تقوية الاستدلال على موضوع الباب بما لا يدخل في شرط الكتاب.
والحديث المعلق: هو ما حذف مبتدأ سنده، سواء كان المحذوف واحدا أو أكثر على سبيل التوالي ولو إلى آخر السند (٢).
стр. 375
وقولهم: "واحدا أو أكثر" يدخل فيه المعضل الآتي، وقولهم "على سبيل التوالي" خرج به ما إذا حذف البعض وأبقي البعض، فإنه يدخل عندئذ في المنقطع، ولا يكون من المعلق.
وقد سمي هذا النوع من الحديث معلقا لأنه بحذف أوله صار كالشيء المقطوع عن الأرض الموصول من الأعلى بالسقف مثلا.
وحكم المعلق أنه مردود مثل حكم المنقطع، للجهل بحال المحذوف، غلا أن يقع في كتاب الترمت صحته، كصحيح البخاري ومسلم، فإن العلماء درسوا معلقاتهما وتوصلوا إلى نتيجة علمية خاصة بهما.
حكم المعلق في الصحيحين:
بيان ذلك بالنسبة للبخاري: ان تعليقه للحديث إما أن يكون بصيغة الجزم، مثل: قال فلان، أو حدث، أو روى، أو ذكر. وإما أن يكون بصيفة لا تفيد الجزم، مثل روي عن فلان، أو يحكى، أو عن فلان، أو يقال. وتسمى صيغة تمريض.
أما القسم الأول: وهو المعلق بصيغة الجزم، فغن هذه الصيغة تعتبر حكما بصحة الحديث إلى من علقه عنه فقط، لأنه لا يستجيز أن يجزم بالحديث عنه ونسبته إليه إلا وقد صح عنده أنه قاله.
فإذا جزم به عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابي عنه فهو صحيح. أما إذا كان الذي علق الحديث عنه دون الصحابة فلا يحكم بصحة الحديث حكما مطلقا، بل يتوقف على النظر فيمن أبرز من رجاله، وفي غير ذلك مما يشترط لصحة الحديث. فتتنوع هذه الأحاديث إلى الصحيح وغيره، بحسب ذلك.
مثال الصحيح: قوله في الصوم (١): وقال صلة عن عمار: من
стр. 376
صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". وصلة هو ابن زفر من فضلاء التابعين والحديث صحيح صححه الترمذي وغيره.
ومثال الضعيف: قوله في الزكاة: (١) "وقال طاووس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص، أو ليس في الصدقة". إسناده إلى طاووس صحيح، لكنه لم يسمع من معاذ، فالإسناد منقطع، غير صحيح.
ومن هذا البيان يتضح خطؤ علي بن حزم الظاهري في رده لحديث البخاري (٢) قال: "وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال حدثني أبو عمار الأشعري أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف ... ".
فزعم ابن حزم أنه وإن رواه البخاري فهو غير صحيح، لأن البخاري قال فيه: "قال هشام بن عمار". فهو منقطع ضعيف، واستروح ابن حزم إلى ذلك من أجل تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي، وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث.
قال أبو عمرو بن الصلاح في شرحه لصحيح مسلم (٣): "وهذا
стр. 377
خطأ من وجوه والله أعلم.
أحدها: أنه لا انقطاع في هذا أصلا من جهة أن البخاري لقي هشاما وسمع منه ....
الثاني: أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري.
الثالث: أنه وإن كان ذلك انقطاعا فمثل ذلك في الكتابين، غير ملحق بالانقطاع القادح، لما عرف من عادتهما وشرطهما. وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت ... ".
وأما القسم الثاني من المعلق عند البخاري: وهو ما كان بغير صيغة الجزم (١) فهذه الصيغة ليست حكما بصحته عمن رواه عنه، لأنها تستعمل في الحديث الصحيح وتستعمل في الضعيف أيضا.
مثال الصحيح: قول البخاري في الصلاة: "ويذكر عن عبد الله ابن السائب قال: قرأ النبي ﷺ المؤمنون في الصبح، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (٢).
ومثال الضعيف: قوله في الوصايا: "ويذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية". وقد رواه الترمذي
стр. 378
موصولا من طريق الحارث الأعور عن علي، والحارث ضعيف (١).
وقد عني العلماء بمعلقات البخاري وبحثوا فيها كثيرا، ولعل أوفى بحث فيها هو بحث الحافظ ابن حجر في الكتاب الذي أفرده لهذه الناحية الهامة، وسماه "تعليق التعليق".
وأما المعلقات في صحيح: فقد بحثت وفرغ منها وتحققت صحتها وقد أوردها الحافظ أبو علي الغساني (٢)، وبلغ بها أربعة عشر حديثا، ثم تبعه في ذكرها ابن الصلاح في مطلع شرحه لصحيح مسلم (٣) وحقق أنها اثنا عشر حديثا فقط.
ثم قال: "ولا شيء من هذا والحمد لله مخرج لما وجد ذلك فيه من حيز الصحيح، وهي موصولة من جهات صحيحة، لا سيما ما كان منها مذكروا على وجه المتابعة، ففي نفس الكتاب وصلها، فاكتفي بكون ذلك معروفا عند أهل الحديث".
٤ - المعضل:
المعضل: مأخوذ -على الراجح- من قول أهل اللغة: أعضله، أي أعياء.
وفي اصطلاح المحدثين: هو ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر في موضع واحد، سواء كان في أول السند أو وسطه أو منتهاه.
стр. 379
سمي بذلك لأن الحديث بسقوط واحد يصير مردودا، فإذا سقط منه اثنان أو أكثر كان أمره أشد، فكأن المحدث بهذا الإسقاط أعضله، أي أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه:
ويدخل في المعضل ما سقط من أول سنده اثنان فصاعدا، وهذا يدخل في المعلق كما سبق، فيكون بينهما عموم وخصوص من وه، فإنهما يجتمعان فيما إذا حذف مصنف من مبادئ السند اثنين فصاعدا، ويفترقان إذا وقع الحذف لاثنين فصاعدا في غير أول السند، فإنه يسمى معضلا، ولا يكون معلقا.
ومن أمثلة المعضل:
١ - ما رواه مالك عن معاذ بن جبل قال: آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ حين وضعت رجلي في الغرز أن قال: "حسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل".
وبين مالك ومعاذ أكثر من راويين، فهو معضل (١).
٢ - حديث مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: "استقيموا ولن تحصوا، واعملوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٢).
فقد سقط رجال السند بين مالك وبين النبي ﷺ ، وهم رجلان على الأقل التابعي والصحابي، فهو معضل، كما أنه يصلح أن يسمى معلقا لأن السقط وقع في أول السند.
стр. 380
وجعل الحاكم النيسابوري من المعضل نوعا ثانيا هو الحديث الذي يرويه الراوي موقوفا على التابعي لا يرفعه إلى رسول الله ﷺ ، ثم يوجد ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ متصلا.
ومثل له بما رواه الأعمش عن الشعبي قال: "يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا! . فيقول ما عملته! . فيختم على فيه فتنطق جوارحه، أو قال ينطق لسانه فيقول لجوارحه: "أبعدكن الله، ما خاصمت إلا فيكن".
فقد أعضله الأعمش، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (١) من طريق أخرى مرفوعا إلى النبي ﷺ . قال ابن الصلاح: "هذا جيد حسن، لأن هذا الانقطاع بواحد مضموما إلى الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابي ورسول ﷺ : فذلك باستحقاق اسم الاعضال أولى".
٥ - المدلس:
هذا النوع مهم على غاية من الخطورة، لما فيه من الغموض والخفاء. والتدليس في اللغة مشتق من الدلس، بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سمي المدلس بذلك لما فيه من الخفاء والتغطية.
стр. 381
وقد قسم العلماء الحديث المدلس أقساما عدة، تنتهي إلى قسمين رئيسيين هما: تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ.
القسم الأول: تدليس الإسناد: وهو على أربعة أضرب:
الأول: تدليس الإسقاط (١)
وهو أن يروي المحدث عمن لقيه وسمعه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه موهما أنه لقيه وسمع منه.
كأن يقول: عن فلان، أو أن فلانا قال كذا، أو قال فلان أو حدث بكذا .. ونحو ذلك مما يوهم السماع ولا يصرح به. وقد يكون بينهما واحدا وقد يكون أكثر.
أما إذا أتى بلفظ صريح في السماع، مثل: حدثني، أو سمعت فقد خرج عن كونه مدلسا، وصار كذابا مفروغا منه. لذل يعترف المدلس بتدليسه إذا استفسر عنه ووقع له من ينفر عن سماعه، بل كان كثير منهم يبادر من نفسه فيبين ما دلسه لئلا يغتر به الناس.
مثال هذا المدلس: الحديث الذي رواه أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال: "فلان في النار ينادي: يا حنان يا منان".
قال أبو عوانة: قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ . قال: لا، حدثني به حكيم بن جبير ع نه". فقد دلس الأعمش الحديث عن إبراهيم، فلما استفسر بين الواسطة بينه وبينه.
стр. 382
الضرب الثاني: تدليس التسوية
وهو أن يروي المدلس حديثا عن ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف ويجعل بين الثقتين عبارة موهمة، فيستوي الإسناد كله ثقات بحسب الظاهر لمن لم يخبر هذا الشأن. وقد سماه القدماء "تجويدا" لأنه ذكر من فيه من الأجود وحذف غيرهم.
وممن كان يعرف بذلك ويكثر منه: بقية بن الوليد الحمصي، والوليد بن مسلم الدمشقي، حتى تكلم فيهما بسبب ذلك: قال أبو مسهر: "أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية" (١).
وقال أبو مسهر أيضا "كان الوليد بن مسلم يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم" (٢).
وقال الحافظ ابن حجر في الوليد: "ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية" (٣).
الضرب الثالث من تدليس الإسناد: تدليس القطع.
وهو أن يقطع اتصال أداة الرواية بالراوي.
مثاله: ما قاله علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة، فقال: "الزهري" فقيل له: "حدثك؟ ". فسكت! ثم قال "الزهري" فقيل له: سمعته منه؟ فقال: "لم أسمعه منه ولا ممن سمعه منه، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري" (٤).
стр. 383
فهو مثل تدليس الاسقاط مع اسقاط أداة الرواية أيضا.
الرابع من تدليس الإسناد: تدليس العطف:
وهو أن يصرح بالتحديث عن شيخ له، ويعطف عليه شيخا آخر لم يسمع منه ذلك المروي.
قال الحاكم: حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوما على أن لا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك فكان يقول في كل حديث يذكره: "حدثنا حصين، ومغيرة عن إبراهيم" فلما فرغ قال لهم: "هل دلست لكم اليوم؟ ". فقالوا: لا. فقال: "لم أسمع من مغيرة حرفا مما ذكرته، إنما قلت: حدثني حصين ومغيرة غير مسموع لي". أي أنه أضمر في الكلام محذوفا كما فسر عبارته (١).
وحكم تدليس الإسناد بأضربه كلها: أنه مكروه جدا، ذمه أكثر العلماء.
قال شعبة بن الحجاج: "التدليس أخو الكذب".
وقال سليمان بن داود المنقري: "التدليس والغش والغرور والخداع والكذب يحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ واحد".
وقال عبد الله بن المبارك يذم المدلس:
دلس الناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا
وشر أنواع التدليس تدليس التسوة، لأن الثقة الأول ربما لا يكون معروفا بالتدليس فيجده الناظر في السند بعد التسوية قد رواه عن ثقة
стр. 384
آخر فيحكم له بالصحة، وفي ذلك غرر شديد، قال الحافظ العلائي (١) "ولا ريب في تضعيف من أكثر من هذا النوع".
وأما حكم حديث المدلس تدليس الإسناد: فقد اختلفت فيه آراء العلماء، فمنهم من شدد فجرحه ولم يقبل حديثه مطلقا، ومنهم متساهل يقبله مطلقا.
والصحيح الذي عليه جمهور الأئمة التفصيل، وهو أن ما رواه المدلس الثقة بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع والاتصال حكمه حكم المنقطع مردود، وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو "سمعت، وحدثنا، وأخبرنا" فهو متصل، يحتج به إذا استوفى باقي السند والمتن شروط الاحتجاج.
وهذا لأن التدليس ليس كذبا وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل (٢). فإذا زال الاحتمال كان الإسناد متصلا. وقد أخذ بهذا جمهور الفقهاء، لا سيما الشافعي، فإنه أجراه فيمن عرفناه دلس مرة (٣).
ويدل على صحة ذلك أيضا أن في الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة كثيرا من أحاديث هذا الضرب مما صرح فيه بالسماع، كقتادةن والأعمش، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وهشيم بن بشير، وغيرهم. فتصحيح الأئمة لأحاديثهم التي بينوا فيها اتصال السند يدل على ما قلناه (٤).
стр. 385
القسم الثاني: تدليس الشيوخ
وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف.
مثاله: أن الحارث بن أبي أسامة روى عن الحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان الشهير بابن أبي الدنيا، والحارث أكبر منه فدلسه فمرة قال: عبد الله بن عبيد، ومرة قال: عبد الله بن سفيان، ومرة: أبو بكر بن سفيان ... يدلسه (١).
وكذلك فعل الخطيب البغدادي في كثير من شيوخه، فقد روى في كتابه "الرحلة في طلب الحديث" عن الحسن بن محمد الخلال، ثم دلسه فسماه الحسن بن أبي طالب (٢). ووجدناه يروي فيه عن شيخه محمد بن الحسين بن الفضل القطان، ثم يقول: "ثنا ابن الفضل" ويقول "محمد بن الحسين" (٣) وهو هو دلسه.
ويقع هذا النوع كثيرا في كتب المتأخرين. وقد استوفاه العلماء وبينوا هذه الأسماء فيما صنفوه من كتب في فن "من عرف بأسماء ونعوت متعددة" (٤).
وحكم هذا القسم في الكراهة أخف إجمالا من القسم السابق، لأن الشيخ الذي دلس اسمه يمكن أن يعرفه الماهر الخبير بالرواة وأسمائهم إلا أن فاعل هذا التدليس يعرض الشخص المروي عنه للتضييع إذا لم يتوصل إلى معرفته، وذلك يجر إلى ضياع الحديث المروي أيضا.
ثم إن الكراهة في هذا القسم تختلف باختلاف المقصد الحامل على
стр. 386
ذلك: فشر ذلك إذا كان المروي عنه ضعيفا، فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء، أو يتوهم أنه راو من الثقات يوافق اسمه وكنيته.
وقد يكون الحامل على ذلك كون المروي عنه صغيرا في السن. أو تأخرت وفاته وشاركه فيه من هو دونه، وقد يكون الحامل على ذلك إيهام كثرة الشيوخ.
وكثيرا ما يقصد المحدث من ذلك امتحان أذهان الطلاب واختبار المشتغلين بالعلم، ولفت نظرهم إلى حسن التأمل في الرواة وأحوالهم وأنسابهم، وغير ذلك. وذلك فيما يبدو لنا من مقصد الخطيب في تدليسه، فإنه كثير الشيوخ جدا، وتدليسه كان لهذا الغرض، والأمثلة التي أوردناها من كلامه قد أمكن كشف الراوي فيها بالتأمل والنظر.
٦ - المرسل الخفي:
هذا نوع مهم عظيم الفائدة، دقيق المسلك، إنما يدركه نقاد الحديث وجهابذته، فإن الإسناد إذا عرض على كثير من العلماء قد يعتر بظاهره ولا يهتدي لما فيه من الانقطاع أو الاعضال أو الارسال.
وتختلف آراء العلماء في تعريف المرسل الخفي خلافا قويا متشابكا.
والمعتمد أن المرسل الخفي هو الحديث الذي رواه الراوي عمن عاصره ولم يسمع مه، ولم يلقه (١).
стр. 387
وهو نوع من المنقطع، إلا أن الانقطاع فيه خفي، لما أن تعاصر الراويين يوهم اتصال السند بينهما.
ومن أمثلة المرسل الخفي ما رواه الترمذي في العلل الكبير (١): "حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي نا هشيم أنا يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مطل الغني ظلم، وإذا أحلت على ملئ فاتبعه، ولا تبع بيعتين في بيعة".
فهذا الإسناد ظاهره الاتصال، يونس بن عبيد أدرك نافعا وعاصره معاصرة حتى عد فيمن سمع من نافع، لكن أئمة النقد قالوا إنه لم يسمع منه، قال البخاري: "ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع". وهو رأي ابن معين وأحمد بن حنبل وأبي حاتم أيضا (٢). فهو من المرسل الخفي.
وأما الفرق بين المرسل الخفي وبين المدلس فوقع فيه كلام كثير لأئمة أصول الحديث، واختلفت فيه وجهاتهم، تبعا لاختلافهم حول ما يعتبر مندرجا في المدلس (٣).
ونقدم إليك ههنا حاضل التفريق بينهما، وذلك من وجهين:
الأول: أن المدلس يروي عمن سمع منه أو لقيه ما لم يسمع منه بصيغة موهمة للسماع، وأما الرمسل فإنه يروي عمن لم يسمع منه ولم يلقه إنما عاصره فقط. فهما متباينان.
الثاني: إن التدليس إيهام سماع ما لم يسمع، وليس في الارسال إيهام، فلو بين المدلس أنه لم يسمع الحديث من الذي دلسه عنه لصار
стр. 388
الحديث مرسلا لا مدلسا، نبه على ذلك النقاد المحققون كالخطيب البغدادي وابن عبد البر (١).
وكذلك فيما يرى من كان معروفا من أمره أن من يحدث عنه لم يسمع منه لاشتهار ذلك، أو اشتهار أنه سمع منه أحاديث، بعينها إذا لم يقصد الإيهام. فهذا ينبغي أن يكون مرسلا خفيا لا مدلسا. ويدل على ذلك أنهم لم يذكروا هذا النوع في المدلسين ولم يصفهم بالتدليس تلامذتهم ومن عرفهم من علماء الجرح والتعديل. ومن هنا ميز علماء الرجال بين الفريقين كما وجدناه في صنيع الحافظ العلائي وغيره، فإنهم ينبهون على المدلس أنه مدلس، ويصفون غيره بأنه "يرسل"، أو "كثير الإرسال".
وسائل معرفة الإرسال:
وقد عني العلماء بكشف هذا النوع لما فيه من الخفاء، ووضعوا لمعرفته ضوابط دقيقة، فصلها الحافظ العلائي (٢)، وأخذ بتفصيله الحافظ العراقي وغيره، بعد تنقيحها وتحريرها. وهي:
١ - أن يعرف عدم اللقاء بينهما بنص بعض الأئمة على ذلك، أو يعرف بوجه صحيح من البحث في تواريح الرواة. مثل حديث عمر بن
стр. 389
عبد العزيز عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ : "رحم الله حارس الحرس". أخرجه ابن ماجه (١). قال المزي في الأطراف: إن عمر لم يلق عبة.
٢ - أن يعرف عدم السماع منه مطلقا بنص إمام على ذلك، أو نحوه، كأن يصرح الراوي نفسه بذلك كما سبق (٢) أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع أباه.
٣ - أن يعرف عدم سماعه منه لذلك الحديث فقط، وإن سمع منه غيره، إما بنص إمام أو أخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث، أو نحو ذلك.
٤ - أن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راو بينهما، كحديث رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعا: "إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين".
هذا منقطع في موضعين، لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة عن الثوري، وروي عن الثوري عن شريك عن أبي إسحاق.
إلا أن في هذا المسلك الأخير لمعرفة الارسال إشكالا كبيرا! ! ، إذا يمكن أن يعارض بكونه من المزيد في متصل الأسانيد لا من المرسل الخفي. ووجه ذلك أننا لم نعرف عدم السماع بدليل خارجي، وإنما اكتشفناه بورود الواسطة بين الرجلين في الإسناد، فيمكن أن يكونا قد التقيا وسمع الراوي ممن فوق المحذوف، فيكون السند متصلا بهما،
стр. 390
ورواية الزيادة من باب المزيد في متصل الأسانيد (١).
ويمكن حل هذا الإشكال -في رأينا- بمنهج دقيق تتبعه، وهو أن نلاحظ في المزيد في متصل الأسانيد ثبوت السماع تاريخيا بين الراويين المتواليين في الإسناد المحذوف، أما المرسل الخفي فليس لدينا ما يثبت أنه قد وقع السماع بين الراويين اللذين حكمنا على رواية أحدهما عن الآخر بالإرسال.
وفرق آخر يتعلق بصيغة الرواية، فإنها في المزيد في متصل الأسانيد تثبت سماع الراوي للحديث ممن فوقه في الإسناد الخالي من الزيادة صراحة، أو بالقرائن الدالة على السماع. أما صيغة الرواية في المرسل الخفي فإنها لا تثبت سماعه منه في الإسناد الناقص، فإذا جاءت رواية بزيادة واسطة بينهما كان الحكم لها. والله تعالى أعلم.