← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6658

منهج النقد في علوم الحديث

نور الدين عتر

Полный текст (503 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمات التقريظ: كلمة جامعة لفضيلة الأستاذ الجليل العلامة الدكتور الشيخ محمد محمد أبو شهبة، أستاذ التفسير والحديث في الدراسات العليا في جامعة الأزهر سابقا، وفي كلية الشريعة بمكة المكرمة حاليا، وعميد ومؤسس كلية أصول الدين في أسيوط، وصاحب المؤلفات العلمية القيمة في الحديث، وعلومه، ورجاله، نثبت نص كلمته فيما يلي (١): "الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن كتاب: "منهج النقد في علوم الحديث" لمؤلفه العلامة الأستاذ الدكتور نور الدين عتر كتاب قيم جليل تميز على المؤلفات في هذا الفن بمزايا كثيرة تجعله في مقدمة المؤلفات الحديثة في هذا الفن الجليل. ومن هذه المزايا: أ- حسن التقسيم والتفصيل: فإن المؤلف الفاضل قد ابتكر في

стр. 2

تقسيم وتنويع "علوم الحديث" أو "أصول الحديث" فصاغه صياغة جديدة، في نظرية علمية كاملة تبرز كمال هذا العلم ودقته، وتجعل الأنواع المتعلقة بكل جانب من الحديث مجتمعة في باب خاص، فجعل ما يتعلق بالمتن من أنواع علوم الحديث أو قواعد الحديث على حدة، وما يتعلق بالأسانيد على حدة، وما يجمع بين الأسانيد والمتون على حدة، بالإضافة إلى الدراسة التاريخية المبتكرة لأدوار هذا العلم، وكيف كان الحديث يحاط في كل عصر بما يكفل حفظه من الدس أو الخلط. كل هذا مع المحافظة على جوهر هذا العلم وعرضه في حلة جديدة، فكان الكتاب بذلك وثيقة علمية هامة وفريدة في طريقتها يثبت حفظ هذه الأمة لحديث نبيها ﷺ وصيانتها إياه، ويبطل ما قد يقع في بعض الأوهام من شك أو تردد. وما أشد حاجة طلاب العلم في الجامعات الإسلامية وغيرها إلى هذه التآليف المبسطة والمقدمة في أسلوب سهل، والتي تعالج ما ثار من شبهات حول هذا الفن. وقد قام المؤلف بذلك خير قيام. ب- الاعتناء بضرب الأمثلة لأنواع علوم الحديث، وعدم الاقتصار على الأمثلة التي ذكرها الأئمة القدامى، كما نجده في المؤلفات الأخرى، مع الاعتناء بشرح الأمثلة اعتناء جيدا. وقد سهل له هذا اطلاعه على كتب الحديث ورواياته المشهورة، وهذا أمر يلمسه من يقرأ هذا الكتاب بتمعن. وبذلك زاد في العلم زيادات أثرت هذا العلم وجعلته صالحا للتجديد. جـ- العناية الفائقة بتخريج الأحاديث التي مثل بها لأنواع علوم الحديث، ومنهاج النقد عند المحدثين، وعزوها إلى مخرجيها الذين رووها في كتبهم، وبيان الراجح في الحكم على الأحاديث التي اختلف في بيان درجتها علماء الحديث والجرح والتعديل، فلم يكن مجرد ناقل، وإنما

стр. 3

جمع إلى ذكر أقوال العلماء الترجيح، وبذلك ظهرت شخصيته العلمية واضحة في هذا الكتاب. د- العناية بالتعريف بالأعلام الذي ذكروا في هذا الكتاب بتواريخ وفيات العلماء: وهذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يعنى بها المؤلفون في أي فن، وبذلك يضع أمام القارئ صورة صادقة للتطور العلمي، والتدرج في التأليف في هذا الفن وغيره من العلوم وزبدة تاريخ كل علم، دون ما بحث أو جهد من القراء، وقد بدا ذلك واضحا في الكتاب. هـ- سعة الاطلاع على كتب هذا الفن التي تكون في مجموعها مكتبة مستقلة بذاتها، وإن القارئ ليلمس أن المؤلف الفاضل غاص في أعماقها من مخطوط ومطبوع، واستخرج درر فوائدها، ثم نظمها نظما بديعا في هذا الكتاب. وومن محاسن هذا الكتاب دقة التحرير للأقوال والآراء التي كثرت فيها الخلافات، والتوفيق بين الآراء التي ظاهرها التعارض، وبيان أن الاختلاف بين العلماء في العبارات، إنما يرجع إلى الاختلاف في الأنظار والاعتبارات، وبذلك رفع عن أئمة الحديث ما عسى أن يأخذه عليهم من لم يتبحر في هذا الفن، ولم يقف على اجتهاداتهم فيه، فيرميهم بالتناقض وإنهم يخالف بعضهم بعضا، وذلك مثل ما فعل في بحث المنقطع، وبحث المرسل، وبحث الشاذ، والمنكر، وغيرها. ز- الرد على بعض المؤلفين الذين ألفوا في هذا الفن، فلم يوافقوا الصواب، بعبارة عفة مهذبة، وبذلك سار على نهج أئمة الحديث في النقد من أمثال الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم. وهذا من أحسن المناهج في النقد الموضوعي، وليس أدل على ذلك مثل ما ذكره في هامش ص ٣٨٣

стр. 4

وهامش ص" (٤٠٣) " (١). ح- عناية المؤلف بالرد على بعض الآراء الاستشراقية التي لم تقم على أساس علمي سليم، وإنما هي أفكار صليبية، ظهرت واستعلنت على ألسنة هؤلاء المستشرقين الذين تجنوا على السنن والأحاديث تجنيا مذموما كي يشككوا المسلمين في الأصل الثاني من أصول التشريع، ذلك كما صنع في مواضع أثناء الكتابة، ثم في (٣٩٠) وما بعدها إلى آخره (٢). وقد ناقش المستشرقين مناقشة جادة منصفة، تتسم بالنقد الموضوعي. ط- حرصه في بحوثه على بيان أن مناهج المحدثين في النقد سواء كان ذلك في النقد الداخلي: نقد المتون. أم في النقد الخارجي: نقد السند هي آصل المناهج في النقد وأدقها. ويظهر ذلك جليا في الخاتمة تحت عنوان: مناقشات ونتائج. ص (٤٣٢) وما بعدها (٣). وهذه الخاتمة بما لخصه فيها من نتائج تعتبر قيمة جدا، وهكذا فلتكن البحوث الجادة الهادفة. ي- إبرازه دقة تطبيق المسلمين لهذا المنهج النقدي الدقيق الكامل الشامل كل جوانب النقد، ودحضه مزاعم المستشرقين الذين تقوَّلوا الأقاويل الباطلة في هذا الموضوع، ودعم ذلك بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة. وبعد هذا المطاف في هذا المؤلف القيم "منهج النقد في علوم الحديث" فإنا نؤكد الإشادة بمزاياه، وجمعه بين أصالة القديم وجدة الحديث، وحسن العرض للمعلومات الحديثية الدقيقة، وبيان تحقق إنجاز الوعد الإلهي:

стр. 5

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. بما وفق الله المسلمين إليه من صيانة الأحاديث النبوية، وذلك كله في أسلوب سهل قريب، ونشيد به ونقرظه لما فيه من الإثراء لهذا العلم الإسلامي العظيم: علم السنن والأحاديث. فقد أفاد المؤلف هذا العلم إفادة ظاهرة واضحة، وخدمه خدمة جليلة. وإن من يبتكر هذا النظام البديع لعلوم الحديث ويقارع المستشرقين وأضرابهم بهذه الحجج الباهرة، وبهذا البيان الساطع والفكر النير ينبغي أن يعطى حقه ويعرف فضله، وينتفع به. ونسأل الله لنا وله التوفيق والسداد، وأن ينفع بعلمه طلاب هذا اللون من الثقافة الإسلامية الأصيلة. إنه نعم المولى ونعم النصير، ونعم المكافئ والمجازي للعلماء العاملين. في ٢٠/ ١١/ ٩٨ هـ خادم القرآن والسنة الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير الطبعة الثالثة: الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين، والذي جاء بهذا الدين الحكيم، المحفوظ من كل تغيير وتبديل، بحفظ رب العالمين إلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه، ومن سلك سبيلهم وتمسك بحبل السنة المتين. أما بعد: فهذه الطبعة الثالثة لكتابنا "منهج النقد في علوم الحديث"، نقدمها لمحبي علم السنن والآثار، بل لكل باحث ناقد، يتوجه إلى الحقيقة بعقل علمي ممحص، ولكل مثقف يريد أن يقف على أصول هذا الدين، ليستيقن بنقل هذه الأمة حديث نبيها ﷺ بأمانة وثقة، وتواتر، وكيف أنها ابتكرت لتحقيق ذلك أقوم وأدق سبيل نقدي على مدى الأزمان: وتشبثت بتطبيق ذلك غاية التشبث عبر التاريخ، منذ أول عهدها بالرواية إلى يوم الناس هذا، وتحقق بذلك إنجاز الوعد الإلهي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ولعله من التحدث بنعمة الله تعالى أن نذكر هنا ما لقيه هذا الكتاب من القبول لدى الجهات العلمية الإسلامية والأجنبية، لما اختص به من منهج

стр. 7

جديد، صاغ علم مصطلح الحديث، في نظرية نقدية مبتكرة متكاملة، ولمناقشته آراء الذين تصدوا لنقد المحدثين، وإزالته اللبس الذي وقع فيه بعض الكاتبين. كما أننا نعلن في هذه المناسبة عن ضرورة تزويد طلاب الجامعات في أقسام التاريخ، والدراسات الاجتماعية بدراسات عن هذا العلم، تربط بين علوم الحديث عند المسلمين وبين النقد التاريخي الأجنبي، الذي هو مدين لنا ولعلمنا هذا، كما نرى ضرورة إدخال دراسة موجزة ولو بضع صفحات عن الرواية والإسناد في الدراسة الإعدادية والثانوية. وهذه أمانة أضعها في عنق كل قارئ وكل مسلم أن يجهد من أجلها في مكانه وميدانه، بغاية وسعه وطاقته. فإن لذلك أثره الكبير في وقاية الشباب الجامعي والمثقف من التشكك أو ضعف الثقة في تراثه العظيم. وإنا لنرجو أن يكون لكتابنا هذا أثره في هذا الميدان، وأن يكون وافيا بجوانب العلم، ملاحظا حاجة الثقافة، وحاجة الدعوة معا. أسأل الله تعالى أن يتقبله ويعمم النفع به، في نشر هذا اللون من الثقافة، وإحياء علم السنن والآثار، هو مولانا ونعم النصير. كتبه: نور الدين عتر، خادم القرآن وعلومه، والحديث وعلومه.

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: الحمد لله الذي أبدع كل شيء فأحسنه، وأرسل رسوله محمدا ﷺ بهذا الدين فبلغه وبينه، واختار له من الأصحاب والأتباع من نهضوا بنقله وتلقينه، وحفظه وتدوينه، حتى بَلَّغَ الخلف كما تلقاه السلف، غضا طريا مدى العصور. أما بعد: فهذا كتاب في علوم الحديث، نرجو أن يكون لبنة متواضعة في صرح هذا العلم العظيم، الذي اختص الله تعالى به هذه الأمة، وأكرمها به من دون سائر الأمم، يبرز بجلاء وفاء قواعد هذا العلم بالغرض العظيم الذي وضع من أجله، ألا وهو الذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وتمييز صحيحه من منحوله، ومقبوله من مدخوله. إنه كتاب ينقل مسائل هذا العلم من التفرق إلى التكامل، ويأخذ بالقارئ من الجزئيات إلى النظرية الكاملة المتناسقة، التي تتآلف فيها أنواع علوم الحديث كافة، لتبدو في مجموعها منطلقة بتسديد وإحكام نحو الغاية المنشودة. إنه بهذا يواجه مناهج البحث العصرية العربية والأجنبية التي تزهو بالمنهجية وصياغة النظريات، ويبين -بما لا يدع مجالا للشك- عمق نظرة المحدثين، وشمولها جوانب البحث النقدي في الأحاديث.

стр. 9

لقد تتبع الكتاب بالسبر والاختبار كل احتمالات القوة أو الضعف التي قد تطرأ على السند أو المتن أو عليهما معا، ونظر فيما يتبع كل واحد منها من أنواع الحديث. ثم قسم الأنواع على أبواب رئيسية يختص كل منها بركن من أركان البحث في الحديث، فتوصل بذلك إلى نتيجة هامة سيحس بها القارئ في متابعة أبحاث الكتاب، ألا وهي شمول هذه الأنواع لجميع الاحتمالات التي أشرنا إليها جزئيا وكليا، من البحث في رواة الحديث واحدا واحدا، إلى التحليل الشامل لمقومات الحديث في السند والمتن جمعيها، وبذلك يصدر الحكم على الحديث معتمدا على أصول نقدية دقيقة، لوحظ فيها المعنى مع المبنى، والمتن مع السند، مع الاستناد في ذلك إلى مقتضيات العقل والحس. وهكذا مهد كتابنا للدارس السبيل من أجل تكوين فكرة شاملة أو نظرية منتظمة لقواعد هذا العلم العظيم، تتبع فيها الفروع أصولها، وتتضح الوجهة في كل قاعد من قواعده، وفي كل مسألة من مسائله. وقد عنيت في أبحاثي بضبط التعاريف وتحليلها، وبيان الآراء المختلفة في الأمور الهامة ودراستها، مع نقد الضعيف منها، ونبهت على الذي أعرض له هل هو اختلاف اصطلاح، أو اختلاف اجتهاد في الحكم، فإن كثيرا من الخلافات يرجع إلى اختيار كل فريق من العلماء اصطلاحا يستعمله لمعنى يغير المعنى الذي يستعمله فيه الفريق الآخر، مثل الخلاف في "المنكر"، وقد وقع كثيرون في اللبس بسبب عدم التنبه إلى الاختلافات الاصطلاحية في هذا الفن. وضربت الأمثلة لإيضاح التعاريف والقواعد، وأوردت بعضا منها بنصه كاملا من كتب السنة، ليكون بمثابة تدريب على النظر في الأحاديث

стр. 10

والبحث فيها، ثم ربطت كل نوع من أنواع علوم الحديث بالباب الذي أوردته فيه وبإطار العلم العام، أعني غاية العلم الأولى وهي "معرفة المقبول من المردود". وبذلك يظل الدارس على صلة بمعالم النظرية الأساسية، ويفيد في وضع كل قاعدة موضعها المناسب في مجال تطبيقها. ومن هنا فقد اختصرت الفروع والمسائل التي لا تتصل صلة وثيقة بالغاية التي ذكرناها آنفا. وحاصل النظرية التي بنينا عليها نظام الكتاب وترتيبه يقوم على قضية واحدة مسلمة، هي أنه لا بد لكي يكون الحديث مقبولا أن نعلم أن رواية قد أداه كما سمعه، وهذا لا يتحقق إلا إذا استوفى الراوي الشروط الكافية لذلك، فكان لا بد أولا من بحث العلوم المتعلقة بالرواة. ثم إن أخذ الراوي عن أساتذته له أحوال وأحكام، وكذلك تبليغه العلم يعتوره أحكام أيضا، فكانت دراسة علم الرواية مكملة لما سبق ومتممة له. ولما أن الأحاديث قد وصلت إلينا بنقل رجال السند واحدا عن الآخر حتى يبلغوا قائلها، فإن من الواجب أن ندرس شروط القبول في السند والمتن، وذلك في تعريف الصحيح والحسن ونبين كفايتها لإثبات سلامة الحديث وأدائه كما سمع، كما نبين أن اختلال شيء منها يجعل الحديث ضعيفا لما فيه من فقد المعيار الذي يثبت سلامة الحديث. ومن ثم فإننا ننتقل على ضوء ما سبق إلى السبر والدرس لكل جوانب الحديث، ونوضح احتمالات الضعف والقوة فيها، مع بيان حكم كل منها. ونبدأ بدراسة أحوال المتن فإنه المقصود من بحث الأسانيد، ثم يأتي بعد ذلك البحث في تسلسل الإسناد وما يعرض له من اتصال أو انقطاع،

стр. 11

ومن تعدد سند أو غير ذلك، ثم نتبعه بالأنواع المشتركة بين السند والمتن، كالشاذ والمضطرب والمعلل. وإذا انتهى البحث الجزئي في كل جوانب الحديث جاء دور النظرة الشاملة، وهي نظرة إجمالية توضح دقة نهج المحدثين وإنهم شملوا بالدرس والبحث كل احتمالات القوة والضعف والعوامل المؤثرة فيهما سندا ومتنا، وأعطوا كل حال حكمه المناسب له، فجاء عملهم موفيا بالغرض المطلوب، وهو تمييز المقبول من المردود على غاية من الدقة المنهجية. وهكذا قسمت أبحاث الكتاب على الأبواب الآتية: الباب الأول: في التعريف العام بمصطلح الحديث: وفيه تعريف يبين المراد من "علوم الحديث"، وهو "مصطلح الحديث"، ثم بحث أدوار هذا العلم التاريخية، وأشهر المؤلفين والكتب المصنفة في كل دور. وفيه تحقيق هام عن حفظ الصحابة للحديث وعن كتابتهم إياه. الباب الثاني: في علوم رواة الحديث: ويقع في فصلين: الفصل الأول: العلوم المعرفة بحال الراوي من القبول أو الرد. الفصل الثاني: في علوم الرواة التي تبين شخص الراوي. ويقع في مبحثين: المبحث الأول: في علوم الرواة التاريخية. المبحث الثاني: في علوم أسماء الرواة. الباب الثالث: في علوم رواية الحديث: تحمله وأدائه وكتابه. وآداب ذلك، ومصطلحات كتاب الحديث.

стр. 12

الباب الرابع: في علوم الحديث من حيث القبول أو الرد: ويقع في فصلين: الفصل الأول: في أنواع الحديث المقبول. الفصل الثاني: في أنوا الحديث المردود. وهو الضعيف، وينقسم أقساما كثيرة تتعرض لبيان تفرعها وفقا لضابط دقيق سوف نفيد منه في سبر أحوال المتن والسند في الأبحاث الآتية. الباب الخامس: في علوم المتن: وندرس فيه هذين الفصلين: الفصل الأول: في علوم المتن من حيث قائله. الفصل الثاني: في علوم المتن من حيث درايته. الباب السادس: في علوم السند: ويقع في فصلين: الفصل الأول: في علوم السند من حيث الاتصال. الفصل الثاني: في علوم السند من حيث الانقطاع. الباب السابع: في علوم الحديث المشتركة بين السند والمتن: ويقع في ثلاثة فصول: الفصل الأول: في تفرد الحديث. الفصل الثاني: في تعدد رواية الحديث مع اتفاقها. الفصل الثالث: في اختلاف رواية الحديث. خاتمة الكتاب: مناقشات ونتائج عامة. وقد عولت في أبحاثي على المصادر الأصلية، ورجعت إلى

стр. 13

المصنفات الحديثية الخاصة بكل نوع من علوم الحديث، وفق خطة علمية تاريخية تلاحظ الابتداء من الأقدم فالذي يليه، وكثير من هذه المصنفات مخطوط أو في حكم المخطوط لندرته. ونبهت على بعض ما وقع من كبوات الكاتبين الأفاضل في هذا العصر، مع تقديري لهم ولما بذلوا من جهد أجزل الله مثوبتهم. ونرجو أن نكون قد أعطينا البحث حقه في الاستناد إلى المراجع، كما نرجو أن نكون قد وفقنا في عرض الآراء ودراستها والإدلاء بالنتائج الصحيحة في أبحاثنا. والله ﵎ نسأل، وإليه نتوسل أن يجعله عنده في حرز القبول، إنه أكرم مسئول، وجوده خير مأمول، وهو تقدست ذاته أرحم الراحمين، ذو الفضل العظيم. غرة رمضان المبارك سنة ١٣٩٢ ٨ تشرين الأول سنة ١٩٧٢ وكتب: نور الدين عتر

стр. 14

الباب الأول: في التعريف العام بمصطلح الحديث الفصل الأول: تمهيد في منشأ مصطلح الحديث: أنزل الله سبحانه كتابه الحكيم هداية مبينة تضيء للناس سبل السعادة والسلام في دنياهم وآخرتهم، وجعله معجزة لرسوله محمد ﷺ باهرة باقية إلى يوم الدين، تنادي العالم إلى الهدى الحق. ثم أعطاه السنة مفصلة للكتاب وشارحة له، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢).

стр. 15

فبين القرآن لنا في هاتين الآيتين وفي آيات كثيرة أن رسول الله ﷺ وظيفته البيان لكتاب الله، أو بعبارة أخرى أن موقع الحديث النبوي من القرآن هو موقع المبين من المبين، وهذا البيان ليس قاصرا على مجرد التفسير، بل له أوجه عديدة تجعل العمل بالقرآن في أركان أبنيته العظيمة مفتقرا إلى السنة لا يستغني عنها (١). أخرج الخطيب (٢) أن عمران بن حصين ﵁ كان جالسا ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: "أدنه" فدنا، فقال: "أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعا وصلاة العصر أربعا والمغرب ثلاثا تقرأ في اثنتين؟ ! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد الطواف بالبيت سبعا، والطواف بالصفا والمروة؟ ! ثم قال: "أي قوم خذو عنا، فإنكم والله إن لم تفعلوا لتضلن". وقد جاءت الآيات الكثيرة جدا صريحة قاطعة في وجوب العمل بالحديث النبوي، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٣). وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ (٤). فقد نزلت هذه الآية في أهل بيت خطب النبي ﷺ

стр. 16

إليهم فتاتهم إلى صحابي، فلم يرتضوه، فنزلت الآية بسبب ذلك (١)، وعاتبتهم عتابا شديدا، مع أنه خاص من أمورهم خولته لهم الشريعة، لكنه لما عارض أمر النبي ﷺ اعتبر مخالفة وعصيانا، فما بالك بوجوب طاعته واتباعه ﷺ في سائر الأمور. ولقد تواترت الأحاديث عنه ﷺ في وجوب الأخذ بهديه في كل شيء من الأمور، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، على منشط النفس ورضاها، أو على كراهيتها وإبائها ومخالفة هواها. ومن ذلك قوله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢). وقال: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها" (٣). بل إن النبي ﷺ يؤكد الأخذ بحديثه الشريف على الرغم من التيارات الفاسدة والأعراف الاجتماعية المنحرفة، ويحض على اتباع سنته لما فيها إذ ذاك من مضاعفة الأجر: قال ﷺ : "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت

стр. 17

بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا". أخرجه الترمذي وقال حديث حسن (١). وعنه ﷺ : "المتسمك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد" أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الزهد (٢). لذلك عنيت الأمة الإسلامية بالحديث النبوي، فأوعته حوافظها الفذة، وبذلت من أجله أعظم الجهد، وحاز حديث النبي ﷺ من الوقاية والمحافظة ما لم يكن قط الحديث نبي من الأنبياء. فقد نقل لنا الرواة أقوال الرسول في الشؤون كلها العظيمة واليسيرة، بل في الجزئيات التي قد يتوهم أنها ليست موضع اهتمام، فنقلوا تفاصيل أحواله ﷺ في طعامه وشرابه ويقظته ومنامه وقيامه وقعوده، حتى ليدرك من يتتبع كتب السنة أنها ما تركت شيئا صدر عنه ﷺ إلا روته ونقلته. وكان من حرصهم على الحديث وتلهفهم له أن يجتهدوا في التوفيق بين مطالب حياتهم اليومية وبين التفرغ للعلم: عن عمر ﵁ قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك" متفق عليه (٣).

стр. 18

ولما اتسعت البلاد الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ودخل الناس في البلاد المفتوحة أفواجا في دين الله، حبا لهذا الدين ويقينا به تعطشت نفوسهم لتعلم أحكام الشريعة والتهذب بأخلاقها وآدابها، والصدع بمواعظها وأحكامها. ولقد علم الصحابة بقيادة الخلفاء أنهم خرجوا هداة لا جباة، وساروا في الأرض معلمين مرشدين لا مستعبدين ولا ظالمين، لذلك كانت عنايتهم بالعلم ومحو الجهل والجاهلية بالغة أقصاها، فأقام الكثير من الصحابة الفاتحين في أصقاع متفرقة ينشرون العلم ويبلغون الحديث، وبعث الخلفاء إلى الناس من كبار الصحابة من يعلمهم أمور دينهم، ولقد كان إقبال الناس على ارتشاف معارف الإسلام عظيما جدا، حتى إنا لنجد الخلفاء يبذلون لهم من مواهب الرجال ما يعز عليهم، وهذا عمر يقول لأهل الكوفة حين أرسل إليهم عبد الله بن مسعود: "وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي" (١). ونجد هذا الحرص، يسري من الصحابة إلى التابعين فمن بعدهم، فقد كان التابعون لا يكتفون بما سمعوا من الصحابة في بلادهم، بل يرحلون إلى عاصمة العلم: "المدينة المنورة" يسائلون أصحاب النبي ﷺ بل إن الصحابة أنفسهم كانوا يرحلون للقاء بعضهم واستماع الحديث من الراوي الأصل الذي شافهه النبي ﷺ بالخبر. ومن هنا تقرر للناظر حقيقة لها أهميتها، وهي أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يرجع إليهم الفضل في بدء علم الرواية للحديث، ذلك لأن الحديث النبوي في حياة المصطفى كان علما

стр. 19

يسمع ويتلقف منه ﷺ ، فلما لحق ﷺ بالرفيق الأعلى حدث عنه الصحابة بما وعته صدورهم الحافظة ورووه للناس بغاية الحرص والعناية، فصار الحديث علما يروى وينقل، ووجد بذلك علم الحديث رواية. ثم وضع الصحابة للرواية قوانين تحقق ضبط العدل للحديث، وتكلموا في الرجال كما سنفصل، وذلك ليتميز المقبول فيعمل به، من غير المقبول. ومن هنا نشأ مصطلح الحديث.

стр. 20

الرواية والدراية في علم الحديث: فلنعرف "علم الحديث"، ثم نفصل أدوار مصطلح الحديث التاريخية. ونبدأ أولا بتعريف كلمتي "العلم" و"الحديث". العلم لغة: هو الإدراك. والفرق بينه وبين المعرفة أن العلم يطلق لإدراك الكليات عن دليل، والمعرفة لإدراك الجزئيات. والحديث لغة: ضد القديم، ويستعمل في اللغة أيضا حقيقة في الخبر، قال في القاموس: "الحديث: الجديد، والخبر". وفي اصطلاح علماء الإسلام: "ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خِلْقِيٍّ أو خُلُقِيٍّ". وعلى هذا التعريف لا يدخل في التعريفِ الحديثُ الموقوفُ، وهو

стр. 21

ما أضيف أي نسب إلى الصحابي، ولا المقطوعُ، أي ما أضيف للتابعي. وهو مذهب الكرماني والطيبي ومن وافقهما (١). لكن الجمهور ذهبوا إلى أنهما من الحديث، وسوَّوْا في الدلالة بين الحديث والخبر أيضا، قال الحافظ أحمد بن علي بن حجر في نزهة النظر: "الخبر عند علماء الفن مرادف للحديث". فلا فرق إذن عند الجمهور بين الحديث والخبر (٢). فالتعريف المختار للحديث هو: "ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خِلْقِيٍّ أو خُلُقِيٍّ أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي". وأما السنة: فهي لغة السيرة والطريقة المعتادة حسنة كانت أو قبيحة (٣). ومن ذلك قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها .. " (٤). وتطلق في العرف الإسلامي على طريقة الإسلام، ومنه قولهم: فلان على السنة، وقولهم: سنة وبدعة.

стр. 22

وتطلق عند الفقهاء على ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه. وفي اصطلاح المحدثين: تطلق السنة على ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصة عند بعضهم، والأكثر أنها تشمل ما أضيف إلى الصحابي أو التابعي (١). لكننا نلاحظ نتيجة الممارسة والتتبع أن لفظ السنة أكثر ما يستعمل عند علماء أصول الفقه، ويعرفونها بأنها: "ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير" (٢). فيجعلونها خاصة بالنبي ﷺ ، ولا يذكرون فيها "الوصف". وذلك لأنهم يبحثون فيها كمصدر للتشريع، والتشريع يثبت بالقول أو الفعل أو التقرير منه ﷺ . أما علماء الآثار فأكثر ما يستعلمون كلمة "الحديث". وأما الأثر: فقد خصه فقهاء خراسان بالموقوف اصطلاحا. ومنهم جماعة خصوا المرفوع بالخبر. لكن المعتمد الذي عليه المحدثون أن يسمى كل هذا أثرا، لأنه مأخوذ من أثرت الحديث أي رويته (٣). ويؤيد ذلك إطلاق الحافظ العراقي على نفسه لقب "الأثري" بمعنى المحدث حيث قال في أول ألفيته: يقول راجي ربه المقتدر ... عبد الرحيم بن الحسين الأثري

стр. 23

وسمى الحافظ ابن حجر كتابه في المصطلح: "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر" وغير ذلك كثير يشهد لما قلناه. والحاصل: أن هذه العبارات الثلاثة: "الحديث، الخبر، الأثر، تطلق عند المحدثين بمعنى واحد هو: "ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خلقية أو خلقية أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي". أم السنة: فالمحدثون يشملون بها الصفة، لكن الأصوليين لا يجعلون الصفة داخلة في مدلول السنة. مثال القول: حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١). ومثال الفعل: قول عائشة في صيامه ﷺ للتطوع: "كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم" (٢). ومثال التقرير: حديث ابن عمر قال النبي ﷺ لنا لما رجع من الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يُرِدْ منا ذلك، فذكر للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم (٣). فهذا هو التقرير أو الإقرار. يعني: أن يُخْبَرَ النبي ﷺ بشيء أو يحدث أمامه، فلا ينكره ﷺ .

стр. 24

ومثال الوصف الخلقي حديث: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان .... " (١). ومثال الوصف الخِلْقِيِّ: "كان رسول الله ﷺ أحسن وجها، وأحسنه خَلْقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير" (٢). ومعنى "علم الحديث" كتعبير لغوي إدراك الحديث. لكنه استعمل عند العلماء كاصطلاح يطلقونه باطلاقين: أحدهما: علم الحديث رواية أو علم رواية الحديث. والثاني: علم الحديث دراية، أو علم دراية الحديث. تعريف علم الحديث رواية: وردت عند العلماء تعاريف كثيرة لعلم رواية الحديث من أشهرها تعريف ابن الأكفاني حيث قال: "علم الحديث الخاص بالرواية: علم يشتمل على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها" (٣). لكن اعترض على التعريف بأنه غير جامع أي أنه لا يشمل كل المعرف، لأنه لم يذكر تقريراته وصفاته، كما أنه لم يراع مذهب القائلين بأن الحديث يشمل ما أضيف للصحابي أو التابعي.

стр. 25

فالمختار أن نقول في تعريف علم الحديث رواية: "هو علم يشتمل على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته وصفاته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها". ونزيد في التعريف أو الصحابي أو التابعي": إن أريد مراعاة المذهب المشار إليه الذي عليه الأكثر. موضوعه: موضوع كل علم هو ما يدور البحث عن عوارضه في ذلك العلم. وهذا العلم موضوعه هو ما أضيف إلى النبي ﷺ أو الصحابي أو التابعي، فإنه يبحث في هذا العلم عن روايتها وضبطها ودراسة أسانيدها ومعرفة حال كل حديث أنه صحيح أو حسن أو ضعيف، كما أنهم يبحثون في هذا العلم عن معنى الحديث وما يستنبط منه من الفوائد. فعلم الحديث يحقق بذلك غاية عظيمة جدا تقوم على "الصون عن الخلل في نقل الحديث" (١). وذلك بالمحافظة عليه كما ورد ونقله. ثم إنه يحقق بما بذل في شروحه من الجهود معرفة هذ الحديث الذي نريده أنه مقبول فنعمل به أو مردود فلا يعمل به، ويبين لنا معناه، وما يستنبط منه من الفوائد. فهو علم عظيم القدر والشأن يدني إلينا علم فيوضات النبوة (٢).

стр. 26

تعريف علم الحديث دراية: ويطلق عليه "مصطلح الحديث" أو "علوم الحديث" أو "أصول الحديث" ويطلق عليه أيضًا "علم الحديث"، كما وقع في مصطلح ألفية العراقي (١). وأحسن تعريف لهذا العلم هو تعريف الإمام عز الدين بن جماعة حيث قال: "علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن" (٢). فقوله: علم: معنى العلم الادراك المطابق للواقع عن دليل، وهذا جنس في التعريف يصدق على العلوم الأخرى كالفقه وأصوله والتفسير (٣). لكن قوله: "يعرف بها .. " قيد أو فصل أدخل علم المصطلح في التعريف، وأخرج ما عداه.

стр. 27

أما السند: فالمراد به عند المحدثين حكاية رجال الحديث الذين رووه واحدا عن واحد إلى رسول الله ﷺ . وأما الإسناد فهو إضافة الحديث إلى قائله، أي نسبته إليه. وقد يطلق أحدهما على الآخر، كما أنهما قد يطلقان على رجال سند الحديث، ويعرف المراد بالقرائن. وأحوال السند: هي ما يطرأ عليه من اتصال، أو انقطاع، أو تدليس، أو تساهل بعض رجاله في السماع، أو سوء حفظه، أو اتهامه بالفسق أو الكذب أو غير ذلك (١). وأم المتن: فهو ما ينتهي إليه السند من الكلام (٢). وأحوال المتن، هي ما يطرأ عليه من رفع، أو وقف، أو شذوذ، أو صحة، أو غير ذلك. وموضوع هذا العلم الذي يبحثه هو السند والمتن من حيث التوصل إلى معرفة المقبول من المردود. وهذا قد يستشكل بأنه سبق أن ذكرناه في موضوع علم الحديث رواية، فما الفرق؟

стр. 28

الجواب أن علم الحديث دراية يوصل إلى معرفة المقبول من المردود بشكل عام أي بوضع قواعد عامة. فأما علم رواية الحديث فإنه يبحث في هذا الحديث المعين الذي تريده، فيبين بتطبيق تلك القواعد أنه مقبول أو مردود، ويضبط روايته وشرحه، فهو إذن يبحث بحثا جزئيا تطبيقيا، فالفرق بينهما كالفرق بين النحو وبين الإعراب وكالفرق بين أصول الفقه وبين الفقه. غاية علم المصطلح: وقد أقيم بنيان هذا العلم لغاية عظيمة جليلة هي حفظ الحديث النبوي من الخلط فيه أو الدس والافتراء عليه، وتلك الوظيفة هي غاية في الأهمية تشتمل على فوائد لها خطرها الكبير، منها: ١ - أنه تم بذلك حفظ الدين الإسلامي من التحريف والتبديل فقد نقلت الأمة الحديث النبوي بالأسانيد، وميزت به الصحيح عن السقيم، ولولا هذا العلم لالتبس الحديث الصحيح بالضعيف والموضوع، ولاختلط كلام الرسول بكلام غيره. ٢ - أن قواعد هذا العلم تجنب العالم خطر الوعيد العظيم الذي يقع على من يتساهل في رواية الحديث وذلك بقوله ﷺ في الحديث الصحيح المستفيض عنه: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (١). وقوله ﷺ في الحديث المتواتر: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار". ٣ - أن هذا العلم قد أجدى فائدة عظيمة في تنقية الأذهان من

стр. 29

الخرافات. وذلك أن الإسرائيليين وغيرهم حاولوا نشر مالديهم من الأقاصيص والخرافات الكاذبة والأباطيل، وهذه الأمور داء وبيل يفت في عضد الشعوب ويمزق الأمم، إذ تجعلها أوزاعا متفرقة هائمة على وجه البسيطة لا تميز الحق من الباطل ولا تفرق بين الصواب والخطأ فيسهل مقادها ويسلس لكل ناعق يدعو إلى الهلاك والردى. فالعالم الإسلامي حين يقوم بذب الكذب عن الحديث يقوم بعمل ذي صبغة إنسانية وأخلاقية، فضلا عن أداء الواجب الديني، لأنه يربي بذلك عقولا صحيحة تعقل وتفكر في الحياة بمنهج علمي وعقلي صحيح. مصطلح الحديث خصيصة للمسلمين: ومن قبل لم تعن الأمم السابقة في النقل والرواية بالإسناد والتحري في معرفة رجاله ودرجاتهم من العدالة والضبط ... فكانت الحوادث التاريخية تروى على علاتها، والأديان والمذاهب يعول فيها على التلقي من أفواه النقلة وكتاباتهم، دون سؤال عن الإسناد فضلا عن دراسته وبحثه. لكن الله تعالى لما جعل هذا الدين خاتمة الرسالات والأديان وتعهد بحفظه وصونه، اختص هذه الأمة بأن وفقها لحفظ كتاب ربها وصيانة حديث نبيها فإذا بها تبتكر لحفظ الحديث قواعد المصطلح على أدق منهج علمي يمكن أن يوجد للاستثبات من النصوص المروية وتمحيصها. "منذ أول عهدها بالحياة ومجابهتها لمشاكلها" (١). قال الإمام أبو محمد بن حزم (٢).

стр. 30

"نقل الثقة عن الثقة مع الاتصال حتى يبلغ النبي ﷺ . خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها وأبقاه عندهم غضا جديدا على قديم الدهور ... ". وقال الحافظ أبو علي الجياني: "خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب" (١). وفي العصر الحديث اعترف الباحثون الأجانب للمحدثين بدقة عملهم، وأقروا بحسن صنيعهم، واتخذ علماء التاريخ من قواعدهم أصولا يتبعونها في تقصي الحقائق التاريخية، ووجدوا فيها خير ميزان توزن به وثائق التاريخ (٢).

стр. 31

الفصل الثاني: أدوار علوم الحديث مدخل ... الفصل الثاني: أدوار علوم الحديث أشرنا سابقا إلى أن فن "مصطلح الحديث" "أو "علوم الحديث" تدرج عبر التاريخ، وقد استوحينا من النظرة التاريخية فكرة مبتكرة هي عقد بحث تاريخي لعلوم الحديث، يبين أدواره التي مر بها حتى عصرنا الحاضر، وقد توصلنا نتيجة البحث إلى تقسيم لهذا التدرج على أدوار لم يسبق أن درس تاريخ علوم الحديث على أساسها، وهي أدوار سبعة تتكلم عنها بإيجاز فيما يلي:

стр. 32

الدور الأول: دور النشوء وذلك في عصر الصحابة الممتد إلى نهاية القرن الأول الهجري: لما اختار الرسول ﷺ جوار ربه ولحق بالرفيق الأعلى، قام الصحابة من بعده بحمل مشعل الإسلام وسارت جحافلهم به تنقذ الإنسانية وتبلغ عنه ﷺ ما علموه، وكان الصحابة على حفظ تام للقرآن الكريم، كما كانوا على إدراك ووعي للحديث النبوي، لما توفر لهم من الأسباب، والدواعي لحفظ الحديث. عوامل حفظ الصحابة للحديث: ومن أهم عوامل حفظهم للحديث: ١ - صفاء أذانهم وقوة قرائحهم، وذلك أن العرب أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. والأمي يعتمد على ذاكرته فتنمو وتقوى لتسعفه حين الحاجة، كما أن بساطة عيشهم وبعدهم عن تعقيد الحضارة ومشاكلها جعلهم ذوي أذهان نقية، لذلك عرفوا بالحفظ النادر والذكاء العجيب، فهاهم أولاء يحفظون الأنساب منهما طالت وامتدت عبر الأجيال، ويحفظون بالسمعة الواحدة ما يلقى إليهم من القصائد الطويلة ومن خطبهم، وغير ذلك، مما سجله لهم التاريخ وحفظه لهم مفخرة لم تتوفر لأمة من الأمم. ٢ - قوة الدافع الديني، وذلك أن العرب أيقنوا أن لا سعادة لهم في الدنيا ولا فوز في الآخرة ولا سبيل للمجد والشرف ولا إلى المكانة بين الأمم إلا بهذا الإسلام، ولا سبيل للمجد والشرف ولا إلى المكانة بين الأمم إلا بهذا الإسلام، فتلقفوا الحديث النبوي بغاية الاهتمام ونهاية الحرص، ولا شك أن ذلك وحده كاف لقوة الحفظ كما هو مشاهد محسوس لكل فرد، إذا عظمت عنايته بمسألة وأهمه أمرها ثم عرف حلها فإنها ترسخ في حافظته فلا تنسى.

стр. 33

وقد ضاعف أثر هذا الدافع في نفوسهم تحريضه ﷺ إياهم على حفظه حديثه وأدائه إلى الناس في أحاديث كثيرة تدل على عنايته ﷺ بذلك وتكرار الوصاة به، كحديث زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فبلغها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) وبذلك أصبح حفظ الحديث واجبا لكي يخرج المسلم من مسؤولية التبليغ الذي أمر به رسول الله ﷺ . ٣ - مكانة الحديث في الإسلام، فإنه كما عرفت ركن أساسي، دخل في تكوين الصحابة الفكري وسلوكهم العملي والخلقي، حيث كانوا يأتسون برسول الله ﷺ في كل شيء، يتلقفون منه الكلمة فتخالط مخهم وعظمهم وكيانهم ثم يصوغونها عملا وتنفيذا. وذلك لا شك يؤدي للحفظ، ويحول دون النسيان، لأنه الوسيلة للبراءة من العهدة، وللتحقق بالاتباع. ٤ - أن النبي ﷺ علم أن الصحابة سيخلفونه في حمل الأمانة وتبليغ الرسالة، فكان يتبع الوسائل التربوية في إلقاء الحديث عليهم، ويسلك سبيل الحكمة كي يجعلهم أهلا لتحمل المسؤولية، فكان من شمائله في توجيه الكلام: أ- أنه لم يكن يسرد الحديث سردا متتابعا، بل يتأنى في إلقاء الكلام ليتمكن من الذهن. ب- أنه لم يكن يطيل الأحاديث، بل كان كلامه قصدا. وقد

стр. 34

أشارت إلى هذين الأمرين السيدة عائشة ﵂ حيث قالت: "كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه" متفق عليه (١). وعنها قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه" أخرجه الترمذي (٢). جـ- أنه ﷺ كثيرا ما يعيد الحديث لتعيه الصدور كما في البخاري (٣) وغيره أنس قال: "كان رسول الله ﷺ : يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه". ٥ - أسلوب الحديث النبوي فقد أوتي النبي ﷺ قوة البيان التي يندر مثلها في البشر. ومن هنا نجد القرآن يسمي الحديث "حكمة" (٤). ولا شك أن البيان البليغ يأخذ بمجامع القلوب ويسري في كيان الإنسان الذهني والعاطفي، فكيف إذا كان هذا المستمع ابن بجدة البلاغة المذواق لها، المشغوف بها. ٦ - كتابة الحديث: وهي من أهم وسائل حفظ المعلومات ونقلها للأجيال، وقد كانت

стр. 35

أحد العوامل في حفظ الحديث، على الرغم مما وقع فيها من اختلاف الروايات، وتباين الوجهات، حتى صنفت فيها التآليف في القديم والحديث (١). أخرج البخاري (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب". وفي سنن أبي داود والمسند (٣) عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه؟ فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء ورسول الله ﷺ ، بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ ! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بيده إلى فيه فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق". كذلك وردت أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي في عهده ﷺ .

стр. 36

وقد عارض ذلك ما أخرجه مسلم وأحمد (١) عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه". ووردت الأحاديث عنه ﷺ في ذلك من رواية جماعة من الصحابة كأبي هريرة وزيد بن ثابت (٢)، مما لا يدع مجالا للتردد في صحة ثبوت ذلك عنه ﵇، كما أنه لا مجال للشك في إذنه ﷺ في الكتابة. وقد اختلفت آراء العلماء في إزالة هذا التعارض، وفي التوفيق بين الأحاديث: فالإمام ابن قتيبة " (٢٧٦) هـ" في "تأويل مختلف الحديث" (٣) يقول: "إن في هذا معنيين: أحدهما أن يكون من منسوخ السنة بالسنة، كأنه نهى في أول الأمر عن أن يكتب قوله، ثم رأى بعد ذلك لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد. والمعنى الآخر: أن يكون خص بهذا عبد الله بن عمرو لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له". وأبدى الخطابي رأيا له وجاهته، قال في معالم السنن (٤): "يشبه

стр. 37

أن يكون النهي متقدما، وآخر الأمرين للإباحة. وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا وتقييد العلم بالخط منهيا عنه فلا". ويميل الرامهرمزي إلى نسخ النهي عن الكتابة، فيقول: أحسبه أنه كان محفوظا في أول الهجرة وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن" (١). هذه جملة آراء العلماء في بحث إشكال التعارض بين الروايات، وكلها اجتهادات يعوزها الاستناد النقلي اللهم إلا القول بالنسخ فقد استدل له من النقل، ومال إليه كثير من العلماء كالمنذري وابن القيم وابن حجر وغيرهم، وذلك لأن الإذن بالكتابة متأخر عن النهي عنها فإن النبي ﷺ قال في غزوة الفتح: "اكتبوا لأبي شاه ... " يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها. وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها "الصادقة". ولو كان النهي عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله. وهذا الرأي في التحقيق ينبغي أن لا يجعل منافيا للآراء السابقة بل إنه متمم لها حيث نأخذ من تلك الآراء علة النهي السابق، وأنه لما زالت العلة ورد الإذن بالكتابة (٢).

стр. 38

إلا أننا نلاحظ أن القول بالنسخ لا يحل الإشكال في هذه المسألة؛ لأن النهي عن الكتابة لو نسخ نسخا عاما لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاته ﷺ ، ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث فما زال المشكل بحاجة إلى مخلص مناسب لحله. والذي يهدي إليه النظر في هذه المسألة أن الكتابة لا ينهى عنها لذاتها، لأنها ليست من القضايا التعبدية التي لا مجال للنظر فيها ولأنها لو كانت محظورة لذاتها لما أمكن صدور الأذن بها لأحد من الناس كائنا من كان. وعلى هذا فإنه لا بد من علة يدور عليها الإذن والمنع في آن واحد. والعلة التي تصلح لذلك في اختيارنا هي خوف الانكباب على درس غير القرآن، وترك القرآن اعتمادا على ذلك (١). ذلك أننا تأملنا أقوال الصحابة الذين امتنعوا عن الكتابة وحظروها فإذا بنا نجدهم يصرحون بذلك: هذا أبو نضرة يقول قلنا لأبي سعيد: "لو كتبتم لنا، فإنا لا نحفظ قال: لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما نحفظ عن نبيكم" (٢) فهذا أبو سعيد الخدري وهو راوي الحديث يفسر النهي عن الكتابة بأنه خشية أن يجعل الحديث موضع القرآن، وراوي الحديث أعلم بما روى كما يقرر العلماء. وعن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن،

стр. 39

فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: "إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله تعالى. وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا" (١). وقد أعلن عمر هذا على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم وأقروه، مما يدل على استقرار أمر هذه العلة في نفوسهم. ولذلك فإن هذا المعنى نقل عن جماعة من الصحابة كابن عباس (٢) وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري (٣) بل نقل ذلك ابن سيرين عن الصحابة عموما فقال: "كانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب ورثوها" (٤). قال الخطيب في تقييد العلم (٥): "فقد ثبت أن كراهة الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه ... ". من أجل ذلك نجد أن الكتابة التي أذن بها هي التي لا تتخذ طابع التدوين العام، أي لا تتخذ مرجعا يتداول بين الصحابة ولذلك لم يأمر النبي ﷺ أحدا بكتابة الحديث كما أمر بكتابة القرآن، وإنما أذن لأفذاذ من الصحابة بذلك، ولم يكن الصحابة رضوان الله

стр. 40

عليهم يتداولون تلك الصحف من الحديث، ولم نجد في شيء من الروايات أن أحدا فعل ذلك. وإنما كانت تلك الصحف بين أيديهم بمثابة المذكرات فلما انتشر علم القرآن وكثر حفاظه وقراؤه وأمن على علمه أن لا يفي بكفاية المجتمع أو أن يلتبس به غيره لدى الناس أقبلت الأمة على تدوين الحديث تدوينا اتخذ صبغة العموم، وتداولت صحفه المكتوبة، وذلك بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. المرحلة الأولى: مرحلة جمع الحديث في صحف بمن يكتب دون أن تتداول بين الناس وهذه بدأت منذ عهده ﷺ وبإذنه. المرحلة الثانية: الكتابة التي تقصد مرجعا يعتمد عليه ويتداولها الناس وهذه بدأت من القرن الثاني للهجرة. وكانت في كل من هاتين المرحلتين مجرد جمع للأحاديث في الصحف غالبا لا يراعى فيها تبويب أو ترتيب معين، ثم جاء دور التصنيف الذي اتخذت فيه الكتابة طابع التبويب والترتيب من منتصف القرن الثاني، وبلغ أوجه وذروته في القرن الثالث المعروف بعصر التدوين. وقد تناولت الكتابة في عهده ﷺ قسما كبيرا من الحديث يبلغ في مجموعه ما يضاهي مصنفا كبيرا من المصنفات الحديثية. ومما ورد كتابته من الحديث: ١ - الصحيفة الصادقة: التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص، قال عبد الله بن عمرو: حفظت عن النبي ﷺ ألف مثل (١)، وكان عبد الله يعتز بها يقول: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة
следующие страницы →