← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 6658

منهج النقد في علوم الحديث

نور الدين عتر

Полный текст (503 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد عارض ذلك ما أخرجه مسلم وأحمد (١) عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه". ووردت الأحاديث عنه ﷺ في ذلك من رواية جماعة من الصحابة كأبي هريرة وزيد بن ثابت (٢)، مما لا يدع مجالا للتردد في صحة ثبوت ذلك عنه ﵇، كما أنه لا مجال للشك في إذنه ﷺ في الكتابة. وقد اختلفت آراء العلماء في إزالة هذا التعارض، وفي التوفيق بين الأحاديث: فالإمام ابن قتيبة " (٢٧٦) هـ" في "تأويل مختلف الحديث" (٣) يقول: "إن في هذا معنيين: أحدهما أن يكون من منسوخ السنة بالسنة، كأنه نهى في أول الأمر عن أن يكتب قوله، ثم رأى بعد ذلك لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد. والمعنى الآخر: أن يكون خص بهذا عبد الله بن عمرو لأنه كان قارئا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له". وأبدى الخطابي رأيا له وجاهته، قال في معالم السنن (٤): "يشبه

стр. 37

أن يكون النهي متقدما، وآخر الأمرين للإباحة. وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ، فأما أن يكون نفس الكتاب محظورا وتقييد العلم بالخط منهيا عنه فلا". ويميل الرامهرمزي إلى نسخ النهي عن الكتابة، فيقول: أحسبه أنه كان محفوظا في أول الهجرة وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن" (١). هذه جملة آراء العلماء في بحث إشكال التعارض بين الروايات، وكلها اجتهادات يعوزها الاستناد النقلي اللهم إلا القول بالنسخ فقد استدل له من النقل، ومال إليه كثير من العلماء كالمنذري وابن القيم وابن حجر وغيرهم، وذلك لأن الإذن بالكتابة متأخر عن النهي عنها فإن النبي ﷺ قال في غزوة الفتح: "اكتبوا لأبي شاه ... " يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها. وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها "الصادقة". ولو كان النهي عن الكتابة متأخرا لمحاها عبد الله. وهذا الرأي في التحقيق ينبغي أن لا يجعل منافيا للآراء السابقة بل إنه متمم لها حيث نأخذ من تلك الآراء علة النهي السابق، وأنه لما زالت العلة ورد الإذن بالكتابة (٢).

стр. 38

إلا أننا نلاحظ أن القول بالنسخ لا يحل الإشكال في هذه المسألة؛ لأن النهي عن الكتابة لو نسخ نسخا عاما لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاته ﷺ ، ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث فما زال المشكل بحاجة إلى مخلص مناسب لحله. والذي يهدي إليه النظر في هذه المسألة أن الكتابة لا ينهى عنها لذاتها، لأنها ليست من القضايا التعبدية التي لا مجال للنظر فيها ولأنها لو كانت محظورة لذاتها لما أمكن صدور الأذن بها لأحد من الناس كائنا من كان. وعلى هذا فإنه لا بد من علة يدور عليها الإذن والمنع في آن واحد. والعلة التي تصلح لذلك في اختيارنا هي خوف الانكباب على درس غير القرآن، وترك القرآن اعتمادا على ذلك (١). ذلك أننا تأملنا أقوال الصحابة الذين امتنعوا عن الكتابة وحظروها فإذا بنا نجدهم يصرحون بذلك: هذا أبو نضرة يقول قلنا لأبي سعيد: "لو كتبتم لنا، فإنا لا نحفظ قال: لا نكتبكم ولا نجعلها مصاحف كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما نحفظ عن نبيكم" (٢) فهذا أبو سعيد الخدري وهو راوي الحديث يفسر النهي عن الكتابة بأنه خشية أن يجعل الحديث موضع القرآن، وراوي الحديث أعلم بما روى كما يقرر العلماء. وعن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن،

стр. 39

فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: "إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله تعالى. وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا" (١). وقد أعلن عمر هذا على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم وأقروه، مما يدل على استقرار أمر هذه العلة في نفوسهم. ولذلك فإن هذا المعنى نقل عن جماعة من الصحابة كابن عباس (٢) وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري (٣) بل نقل ذلك ابن سيرين عن الصحابة عموما فقال: "كانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب ورثوها" (٤). قال الخطيب في تقييد العلم (٥): "فقد ثبت أن كراهة الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يضاهي بكتاب الله تعالى غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه ... ". من أجل ذلك نجد أن الكتابة التي أذن بها هي التي لا تتخذ طابع التدوين العام، أي لا تتخذ مرجعا يتداول بين الصحابة ولذلك لم يأمر النبي ﷺ أحدا بكتابة الحديث كما أمر بكتابة القرآن، وإنما أذن لأفذاذ من الصحابة بذلك، ولم يكن الصحابة رضوان الله

стр. 40

عليهم يتداولون تلك الصحف من الحديث، ولم نجد في شيء من الروايات أن أحدا فعل ذلك. وإنما كانت تلك الصحف بين أيديهم بمثابة المذكرات فلما انتشر علم القرآن وكثر حفاظه وقراؤه وأمن على علمه أن لا يفي بكفاية المجتمع أو أن يلتبس به غيره لدى الناس أقبلت الأمة على تدوين الحديث تدوينا اتخذ صبغة العموم، وتداولت صحفه المكتوبة، وذلك بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. المرحلة الأولى: مرحلة جمع الحديث في صحف بمن يكتب دون أن تتداول بين الناس وهذه بدأت منذ عهده ﷺ وبإذنه. المرحلة الثانية: الكتابة التي تقصد مرجعا يعتمد عليه ويتداولها الناس وهذه بدأت من القرن الثاني للهجرة. وكانت في كل من هاتين المرحلتين مجرد جمع للأحاديث في الصحف غالبا لا يراعى فيها تبويب أو ترتيب معين، ثم جاء دور التصنيف الذي اتخذت فيه الكتابة طابع التبويب والترتيب من منتصف القرن الثاني، وبلغ أوجه وذروته في القرن الثالث المعروف بعصر التدوين. وقد تناولت الكتابة في عهده ﷺ قسما كبيرا من الحديث يبلغ في مجموعه ما يضاهي مصنفا كبيرا من المصنفات الحديثية. ومما ورد كتابته من الحديث: ١ - الصحيفة الصادقة: التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص، قال عبد الله بن عمرو: حفظت عن النبي ﷺ ألف مثل (١)، وكان عبد الله يعتز بها يقول: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة

стр. 41

والوهط" (١). وقد انتقلت هذه الصحيفة إلى حفيده عمرو بن شعيب. وأخرج الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو من كتابه المسند قسما كبيرا من أحاديث هذه الصحيفة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ٢ - صحيفة علي بن أبي طالب: وهي صحيفة صغيرة تشتمل على العقل -أي مقادير الديات- وعلى أحكام فكاك الأسير. أخرج نبأها البخاري (٢) وغيره عن أبي جحيفة قال: قلت هل عندكم كتاب؟ قال: قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال العقل. وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ٣ - صحيفة سعد بن عبادة الصحابي الجليل -١٥ هـ. أخرج الترمذي في سننه (٣) عن ابن سعد به عبادة "وجدنا في كتاب سعد أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد". لكن لم نعثر على

стр. 42

غير هذا الحديث من هذا الكتاب. ولعل كثيرا من الأحاديث التي رويت عن سعد من هذا الكتاب (١). ٤ - كتبه ﷺ إلى أمرائه وعماله فيما يتعلق بتدبير شؤون الأقاليم الإسلامية وأحوالها، وفي بيان أحكام الدين، وهي كتب كثيرة تشتمل على مهمات أحكام الإسلام وعقائده، وخطوطه العريضة، وبيان الأنصبة والمقادير الشرعية للزكاة، والديات والحدود والمحرمات وغير ذلك. ومن هذه الكتب: أ- كتاب الزكاة والديات الذي كتب به أبو بكر الصديق وأخرجه البخاري في صحيحه (٢) فقد روى أبو داود والترمذي (٣) أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة فلم يخرجه حتى قبض. ب- كتاب لعمرو بن حزم عامله على اليمن وفيه أصول الإسلام، وطريق الدعوة إليه، والعبادات وأنصبة الزكاة والجزية والديات (٤).

стр. 43

جـ- كتابه إلى وائل بن حجر لقومه في حضرموت فيه الأصول العامة للإسلام، وأهم المحرمات (١). ٥ - كتبه ﷺ إلى الملوك والعظماء. وإلى أمراء العرب يدعوهم فيها إلى الإسلام ككتابه إلى هرقل ملك الروم، وإلى المقوقس بمصر، وغير هؤلاء (٢). ٦ - عقوده ومعاهداته التي أبرمها مع الكفار، كصلح الحديبية، وصلح تبوك، وصحيفة المعاهدة التي أبرمت في دستور التعايش بين المسلمين في المدينة وبين من جاورهم من اليهود وغيرهم. ٧ - كتب أمر بها ﷺ لأفراد من أصحابه لمناسبات ومقتضيات مختلفة، مثل كتابة خطبته لأبي شاه اليماني. وغير ذلك مما كتب في عهده ﷺ مما لم نحصه هنا، أو لم نحط به علما. وهذا كاف لإثبات تواتر الكتابة في عهده ﷺ وإثبات أن ما كتب فيه عهده ﷺ تناول قسما كبيرا من حديثه، هو أهم هذه الأحاديث، وأدقها لاشتمالها على أمهات الأمور ذات الأهمية، وعلى أحكام دقيقة تتعلق بالأرقام تحتاج إلى ضبط دقيق، مما يجعل الكتابة عنصرًا هامًا في حفظ الصحابة للحديث ينضم إلى العوامل الأخرى ليدعمها ويؤازرها في تحقيق تحمل الصحابة للحديث النبوي تحملا حافظا أمينا كافلا بأن يؤدوه بعد ذلك كما سمعوه من رسول الله ﷺ .

стр. 44

رأي بعض المستشرقين في كتابة الحديث: هذا وعلى الرغم من توفر أسباب الحفظ المكين للحديث لدى الصحابة، فقد أطلق بعض المستشرقين لخيالهم العنان، وراحوا يقولون ما شاء لهم القول في هذه المسألة. وذلك أن كثيرا منهم وعلى رأسهم جودل زيهر قد سمحوا لأنفسهم أولا بإنكار وقوع تقييد الحديث في هذه الفترة حتى مطلع القرن الهجري الثاني بل إن بعضهم ليغلوا في ذلك حتى يزعم أن الحديث لم يدون حتى مطلع القرن الثالث، ثم بنوا على هذا زعمهم أن الحديث كان في تلك الفترة مضيعا لانقطاع كتابته بزعمهم خلال هذه الفترة الطويلة. والحقيقة أن إنكار تقييد الحديث في عهد النبي ﷺ لا يمكن أن يأتي ممن يتحاكم إلى الانصاف، ويسلك نهج العلم، فإن روايات كتابته قد تعددت بالأسانيد الموثوقة الكثيرة جدا في مختلف مراجع السنة، مما يبلغ بها درجة التواتر الذي يقطع من يطلع عليه من العلماء، ويتحقق وقوع الكتابة للحديث في عهد النبي ﷺ . أما تقييد العلم في عصر بن عبد العزيز فليس يعني أبدا أنه لم يدون من قبلن غاية الأمر أن هذا الخليفة العادل وجد كثيرا من العلماء يحجم عنه كما أنهم لم يكونوا يتداولون الكتب ليعتمدوا عليها، فأصدر أمره بكتابة الحديث لينتقل بالعلم إلى التدوين العام، الذي يعتمد مع الحفظ على الكتابة، ويجعل الكتابة مرجعا متداولا معتمدا لا يختص بصاحبه فقط. وذلك ما ترمي إليه عبارة الحفاظ ابن حجر حين قال: (١) "إن آثار النبي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة".

стр. 45

ومن فهم من كلام الحافظ غير ذلك فقد وهم ولم يحقق النظر (١). على أننا في دفاعنا هذا لا نزعم أن كل الحديث قد كتب، ونحن بالتالي لا نرتضي مسلك بعض الكاتبين حول هذه المسألة الذي ينجو إلى الغلو والزعم بأن التدوين تناول كل الحديث في عصر النبوة. وكأنهم يصدرون في ذلك عن رد الفعل من موقف بعض المستشرقين الذي يثير الحمية لإمعانه في تجاهل الحقائق. بل إنا لا نبالي أن نقول إن شيئا من الحديث لم يكتب لولا توافر الدلائل العلمية التي تبلغ درجة المسلمات في نطاق العلم على إثبات الكتابة لقسم كبير من الحديث في عصر النبوة. لقد أخطأ التوفيق جماعة المستشرقين وخانهم منذ الخطوة الأولى التي خطوها في فذلكة موضوع التدوين، حيث إنهم غفلوا أو تجاهلوا عوامل الحفظ الكثيرة التي توفرت في الصحابة، وهي بلا شك عوامل كافية كل الكفاء لحفظ الحديث النبوي فتوهموا أن القدح في تدوين الحديث يوصلهم إلى غرضهم. وهذا دأب الذين يظلمون الحقائق إنهم لا بد أن يرجعوا بالخيبة والخسران، وإن تقليب أي كتاب في تاريخ الصحابة العلمي ليملأ القلب، والسمع والبصر، بما كانوا عليه من قوة الحفظ العجيب الذي فطروا عليه بجبلتهم، فكيف وقد وجدت لديهم تلك الدوافع التي تجعل الأحاديث تنقش في قلوبهم نقشها في الحجر.

стр. 46

قوانين الرواية في عهد الصحابة: قام الصحابة رضوان الله عليهم بالتبليغ عن رسول الله ﷺ ، وبذلوا من أجله غاية ما في الوسع البشري، لكن لم يغفلوا في وقدة حماسهم للدعوة، عن أمر جوهري هام ألا وهو صون هذا التراث من التحريف، وقد كان لهم في عوامل الحفظ الذاتية التي اشتمل عليها هذا الدين القويم، تلك العوامل المعجزة التي جعلته شامخا أمام الأحداث، وفي وجه التيارات الجارفة لا يأتيه الباطل من بيد يديه، ولا من خلفه، كان فيها خير ملهم لهم، وموضح لائمة العلم سبيل المحافظة على تراث النبوة، فهذه توجيهات الشريعة تضع الركن الأساسي لأصول النقل ولقانون العلم النقلي الصحيح الذي يجب أن يتحقق فيه كي يكون علما يتبع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وقوله ﷺ في الحديث المتواتر عنه: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وكقوله تعالى في التثبت: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ بل إن النبي ﷺ حمل ناقل الكذب إثم الكاذب المفتري وذلك في الحديث الصحيح المستفيض المشتهر عنه ﷺ أنه قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". فتفرعت من هذه التوجيهات المعجزة أصول قوانين الرواية التي تكفل حفظ الحديث وصيانته، وكان الناس آنذاك على أصل العدالة

стр. 47

لا حاجة إلى الجرح والتعديل، لأن العصر هو عصر الصحابة، وهم جميعهم عدول، فلم يكن يحتاج لأكثر من التحرز عن الوهم (١). فابتع الصحابة من قوانين الرواية ما يحتاج إليه في عصرهم، للتثبت من صحة النقل، والتحرز من الوهم، وما زالت هذه القوانين تتفرع لتلبية المطالب المستجدة عصرا بعد عصر، حتى بلغت ذروتها. وأهم قوانين الرواية في عهد الصحابة: أولا: تقليل الرواية عن رسول الله ﷺ خشية أن تزل أقدام المكثرين بسبب الخطأ أو النسيان، فيقعوا في شبهة الكذب على رسول الله ﷺ من حيث لا يشعرون، فضلا عن قصدهم أن يتفرغ الناس لحفظ القرآن، ولا ينشغلوا عنه بشيء، فكان أبو بكر وعمر ﵄ يشددان في ذلك. وقد سلك عموم الصحابة هذا السبيل، حتى اشتهر واستفاض عنهم مرفوعا وموقوفا: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" (٢). ثانيا: التثبت في الرواية عند أخذها وعند أدائها. قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق ﵁ (٣): وكان أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: "ما أجد لك في

стр. 48

كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال حضرت رسول الله ﷺ يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك. فأنفذه لها أبو بكر ﵁". وقال في ترجمة عمر بن الخطاب: "وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وربنا كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجر يري -يعني سعيد بن إياس- عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن لهن فرجع، فأرسل عرم في أثرهن فقالك لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع" قال: لتأتيني على ذلك بينة أو لأفعلن بك. فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه. فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره". وقال في ترجمة علي ﵁ (١): "كان إماما عالما متحريا في الأخذ بحيث إنه يستحلف من يحدثه بالحديث ... ". ثالثا: نقد الروايات "وذلك بعرضها على نصوص وقواعد الدين، فإن وجد مخالفا لشيء منها ردوه وتركوا العمل به، هذا الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، فيما أخرج مسلم (٢) عنه: يسمع حديث فاطمة

стр. 49

بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل رسول الله ﷺ لا سكنى ولا نفقة، قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. وتلكم عائشة ﵂، فيما أخرجه الشيخان (١) سمعت حديث عمر وابنه عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه". فقالت: رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد، ولكن قال: "إن يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ زاد مسلم "إنكم لتحدثوني غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ". وجدير بالتنبيه أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك للاحتياط في ضبط الحديث لا لتهمة أو سوء ظن، فهذا عمر ﵁ يقول: "إني لم أتهمك ولكن أحببت أن أثبت". وكذلك رد بعض الأحاديث كان اجتهادا منهم لمخالفتها ما استنبطوه من القرآن، لذلك نجد بعض الصحابة ومن بعدهم عملوا بما رده غيرهم، لأنهم باجتهادهم رأوه غير معارض للأدلة.

стр. 50

ظهور الوضع ووسائل مكافحته: برز قرن الفتنة التي أدت إلى مقتل الإمام الشهيد عثمان بن عفان ثم مقتل الإمام الحسين ﵄، وظهرت الفرق المنحرفة، وراح المبتدعة يبحثون عن مستندات من النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم، فعمدوا إلى الوضع في الحديث فاختلفوا على رسول الله ﷺ ما لم يقلن فكان مبدأ ظهور الوضع في الحديث منذ ذلك الوقت. وقد انتدب الصحابة للمحافظة على الحديث، واجتهدوا في ذلك متبعين أقصى وأحكم ما يمكن من وسائل البحث والفحص الصحيحة. ومن ذلك أنهم: أولا: عنوا بالبحث في إسناد الحديث وفحص أحوال الرواة بعد أن كانوا من قبل يرجحون توثيق من حدثهم. أخرج مسلم في مقدمة صحيحه والترمذي في علل الجامع عن محمد ابن سيرين أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى حديث أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". ثانيا: حث علماء الصحابة الناس على الاحتياط في حمل الحديث عن الرواة، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به دينا وورعا، وحفظا وضبطا، حتى شاعت في عرف الناس هذه القاعدة: "إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها" (١).

стр. 51

وبذلك نشأ علم ميزان الرجال: "الجرح والتعديل" الذي هو عمود أصول الحديث. فقد تكلم من الصحابة في الرجال: عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك. وكان كلاما قليلا، لقلة الضعف وندرته. ثم تكلم من التابعين سعيد بن المسيب المتوفى سنة " (٩٣) هـ" وعامر الشعبي " (١٠٤) هـ" وابن سيرين " (١١٠) هـ" (١). ثالثا: الرحلة في طلب الحديث، لأجل سماعه من الراوي الأصل، والتثبت منه وقد وافتنا أخبار رحلاتهم بالعجيب المستغرب إذ بلغ بهم الأمر أن يرحل الرجل في الحديث الواحد مسافة شاسعة، على الرغم مما كان في مواصلاتهم من المشقات والتعب. ومن ذلك. أن أبا أيوب الأنصاري ﵁ يرحل إلى عقبة بن عامر يسأله: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر على مؤمن في الدنيا ستره الله يوم القيامة". فأتى راحلته فركب ثم رجع (٢). فسن الصحابة الرحلة في طلب الحديث للتثبت منه وسلك التابعون سبيلهم فكانوا يرحلون إلى الصحابة ويسألونهم عن الأحاديث، كما روى الخطيب (٣) بأسانيده عن سعيد بن المسيب قال: "إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد".

стр. 52

وفي الصحيحين (١): جاء رجل إلى الشعبي فقال: يا أبا عمرو إن أناسا عندنا يقولون: إذا أعتق الرجل أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته؟ ! قال الشعبي حدثني أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ... ". ثم قال الشعبي: خذها قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة. واستمل شأن العلماء على ذلك فيما بعد حتى أصبحت الرحلة من ضرورات التحصيل. رابعا: ومن طريق معرفة الوضع والضعف في الحديث عرض حديث الراوي على رواية غيره من أهل الحفظ والاتقان، فحيث لم يجدوا له موافقا على أحاديثه أو كان الأغلب على حديثه المخالفة ردوا أحاديثه أو تركوها. وغير ذلك من الوسائل التي اتبعوها وبها ميزوا الصحيح من السقيم والسليم من المدخول. وهكذا لم ينقض القرن الأول إلا وقد وجدت أنواع من علوم الحديث منها: ١ - الحديث المرفوع ٢ - الحديث الموقوف ٣ - الحديث المقطوع ٤ - الحديث المتصل ٥ - الحديث المرسل ٦ - الحديث المنقطع ٧ - المدلس وغير ذلك من أنواع، وكانت كلها تنقسم إلى قسمين: ١ - المقبول: وهو الذي سمي فيما بعد بالصحيح والحسن. ٢ - المردود: وسمي بعد ذلك الضعيف وأقسامه كثيرة.

стр. 53

الدور الثاني: وهو دور التكامل اكتملت علوم الحديث في هذا الدور إذ وجدت كلها واحدا واحدا وخضعت لقواعد يتداولها العلماء وذلك من مطلع القرن الثاني إلى أو الثالث. فقد جدت في هذا العصر أمور أهمها: ١ - ضعف ملكة الحفظ في الناس، كما نص على ذلك الذهبي في تذكرة الحفاظ. ٢ - طالت الأسانيد وتشعبت بسبب بعد العهد وكثرة حملة الحديث، حيث حمل الحديث عن كل صحابي جماعات كثيرة تفرقوا في البلاد، فكثرت الأحاديث، ودخلتها القوادح الكثيرة والعلل الظاهرة والخفية. ٣ - كثرت الفرق المنحرفة عن جادة الصواب والمنهج الذي كان عليه الصحابة والتابعون بإحسان، كالمعتزلة والجبرية والخوارج وغيرهم. فنهض أئمة الإسلام لمواجهة هذه الضرورات ووضعوا لكل طارئ ما يسد الثلمة التي حصلت ومن ذلك: ١ - التدوين الرسمي، فقد أحس عمر بن عبد العزيز بالحاجة الملحة لحفظ كنوز السنة فكتب إلى الأمصار أن يكتبوا ما عندهم من الحديث ويدونوه حتى لا يضيع بعد ذلك. أخرج البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من الحديث عن الرسول ﷺ فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء" (١).

стр. 54

فكتب الزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهما ما في آفاقهم من الحديث، ولم يلبث التدوين المبوب أن انتشر، فجمعت الأحاديث في الجوامع والمصنفات، كجامع معمر بن راشد "١٥٤"، وجامع سفيان الثوري "١٦١"، وجامع سفيان بن عيينة "١٩٨"، وكمصنف عبد الرزاق "٢١١"، ومصنف حماد بن سلمة "١٦٧"، ووضع الإمام مالك كتابه "الموطأ" وهو بأقوال الصحابة والتابعين. وقلده كثير من الناس حتى بلغت الموطآت الأربعين وعني مالك بانتقاء أحاديث الموطأ، حتى قال الإمام الشافعي: "أصح كتاب بعد كتاب الله كتاب مالك". وقد أخرجوا في هذه التآليف الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع لأنهم قصدوا جمع الحديث للمحافظة عليه لذلك توسعوا فذكروا في المسألة كل ما ورد فنقوله بأسانيدهم إلى قائله. ٢ - توسع العلماء في الجرح والتعديل، وفي نقد الرجال لكثرة شيوع الضعف من جهة ضعف الحفظ ومن جهة انتشار الأهواء والبدع. فتفرغ جماعة من الأئمة لنقد الرجال واشتهروا به كشعبة بن الحجاج "١٦٠"، وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي "١٩٨" وغيرهم. ٣ - توقفوا في قبول الحديث ممن لم يعرف به. أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي الزناد قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: "ليس من أهله". ٤ - تتبعوا الأحاديث لكشف خباياها ووضعوا لكل صورة جديدة قاعدة تعرفها وتبين حكمها فتكاملت أنواع الحديث ووجدت كلها واتخذت اصطلاحاتها الخاصة. ووجدت العناية بسبر الروايات وتتبعها لكشف علل الحديث،

стр. 55

وشهد القرن نشاطا زائدا في الرحلة من أجل هذا الغرض، واعتبرت الرحلة من ضرورات التحصيل لطالب الحديث، فلا تعلم محدثا له شأنه علا قد رحل في البلاد، وأجدى العلماء من رحلاتهم هذه فوائد كثيرة، حيث اطلعوا على ما نشره الصحابة في شتى الآفاق، ووازنوا بين الأسانيد والمتون، مما تفرع عنه كثير من الفوائد. واحتل الرحالون في سبيل العلم مكانة مرموقة في المجتمع العلمي، حتى صار لقب "الرحال" والرحالة، والجوال وإليه كانت الرحلة ... شعرا على كبار المحدثين وحتى طوف كثير منهم بالشرق والغرب أكثر من مرة، وتناقل الناس أخبار رحلاتهم، وما صادفهم من المشاق والعجائب (١) بالإكبار والإجلال. وكان الإمام الزهري أول من عني في هذا القرن بجمع الضوابط وإلقائها إلى الناس، وأمر أتباعه بجمعها، حتى عده البعض واضع علوم الحديث (٢). لكن تلك العلوم والضوابط التي وجدت حتى عصرهم كانت محفوظة في صدور الرجال لم يدون شيء منها في كتاب -فيما نعلم فضلا عن أن يجمعها يضبط قواعدها مصنف خاص- اللهم إلا ما وجدنا للشافعي من فصول وأبحاث متفرقة لها أهميتها في هذا الفن. فقد تكلم في الرسالة عن الحديث الذي يحتج به، وشرط فيه شروط الصحيح، وتكلم في شرط حفظ الراوي والرواية بالمعنى والمدلس وقبول حديثه (٣)، كما أنه ذكر في الأم الحديث الحسن (٤). وتكلم في الحديث المرسل وناقش الاحتجاج به بقوة، وبحث في غير ذلك من علوم الحديث. فكان ما كتبه الشافعي أول ما بلغنا من علوم الحديث مدونا في كتاب.

стр. 56

الدور الثالث: دور التدوين لعلوم الحديث مفرقة وذلك من القرن الثالث الهجري إلى منتصف القرن الرابع. والقرن الثالث وهو عصر التدوين عصر السنة الذهبي دونت فيه السنة وعلومها تدوينا كاملا. في مطلع هذه الدور ارتأى العلماء إفراد حديث الرسول بالتصنيف، فابتكروا لذلك "المسانيد" جمعوا فيها الحديث النبوي مرتبا بحسب أسماء الصحابة، فالأحاديث عن أبي بكر مثلا تجمع كلها في مكان واحد تحت عنوان مسند أبي بكر وكذا أحاديث عمر وهكذا. ثم جاء البخاري فرأى إفراد الحديث الصحيح وأن يرتب على الأبواب لتسهيل الوصول إليه وتسهيل الفقه فيه، فوضع كتابه الجامع الصحيح. وجاء بقية السنة وهم -عدا النسائي- من تلامذته فوضعوا كتبهم على الأبواب، وراعوا حسن الاختيار، وإن كان أصحاب السنن لم يشترطوا الصحة، وهكذا كان لمدرسة البخاري الفضل العظيم على السنة بما صنفت في رواية الحديث وفي علوم الحديث ثم تبع الشيخين في اشتراط الصحة ابن خزيمة "٣١١ هـ". ثم ابن حبان "٣٥٤ هـ". وفي هذا العصر أصبح كل نوع من أنواع الحديث علما خاصا مثل علم الحديث الصحيح، وعلم المرسل، وعلم الأسماء والكنى، وهكذا، فأفرد العلماء كل نوع منها بتأليف خاص. كتب يحيى بن معين "٢٣٤ هـ" في تاريخ الرجال، ومحمد بن سعد "٢٣٠" في الطبقات، الذي فاق كتب الطبقات وأحمد بن

стр. 57

حنبل " (٢٤١) هـ" "العلل ومعرفة الرجال" .. والناسخ والمنسوخ، ونبغ في التأليف والكتابة الإمام العلم علي بن عبد الله المديني " (٢٣٤) هـ" شيخ البخاري، فقد ألف في فنون كثيرا جدا، حتى بلغت مؤلفاته المائتين (١). وكان له السبق في تصنيف كثير منها، حتى قيل: إنه ما من فن من فنون الحديث إلا ألف فيه كتابا. وأصبح التصنيف أمر متبعا لا ينفك عنه إمام في الحديث، والأئمة أصحاب الكتب السنة كلهم لهم تآليف كثيرة في علوم الحديث، وكذلك فعل غيرهم وكانت تآليفهم تحمل اسم العلم الذي دونت فيه. حتى شمل التدوين كل نوع من أنواع علوم الحديث وجعل في كتاب مفرد (٢)، وصار يقال لهذه العلوم المتفرقة "علوم الحديث" كما يقال للفقه والأصول والتفسير والتوحيد: علوم الإسلام. واستوفى العلماء المتون والأسانيد دراسة وبحثا، واشتهرت الاصطلاحات الحديثية لكل نوع من أنواع الحديث واستقرت بين العلماء، كما يلاحظ ذلك من كتاب الترمذي وغيره. لكن لم يوجد في هذا الدور أبحاث تضم قواعد هذه العلوم وتذكر ضوابط تلك الاصطلاحات، اعتمادا منهم على حفظهم لها وإحاطتهم بها، سوى تأليف صغير هو كتاب "العلل الصغير" للإمام الترمذي " (٢٧٩) هـ" فإنه وإن جعله مؤلفه خاتمة لكتاب الجامع فقد أفرده بالتحديث وحمله عنه العلماء جزءا مستقلا، لما اشتمل عليه من الفوائد (٣).

стр. 58

وهو كتاب جامع لمهمات من المسائل في الجرح والتعديل ومراتب الرواة وآداب التحمل والأداء، والرواية بالمعنى والحديث المرسل. وتعريف الحديث الحسن، وتعريف الحديث الغريب وشرح هذا التعريف (١).

стр. 59

الدور الرابع: عصر التآليف الجامعة وانبثاق فن علوم الحديث مدونا ويمتد من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع: أكب العلماء في هذه الفترة على تصانيف السابقين التي كانت تجربة أولى في التدوين فجمعوا ما تفرق في مؤلفات الفن الواحد، واستدركوا ما فات السابقين، معتمدين في كل ذلك على نقل المعلومات عن العلماء بالسند إليهم كما فعل سابقوهم، ثم التعليق عليها والاستنباط منها. فوجدت كتب في علوم الحديث لا تزال مراجع لا يغني عنها غيرها، ومن أهمها: ١ - "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ألفه القاضي أبو محمد الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد المتوفى سنة ٣٦٠. وهو أكبر كتاب وضع في علوم الحديث حتى ذلك العصر، استوفى فيه مؤلفه البحث في آداب الراوي والمحدث وطرق التحمل والأداء واجتهاد المحدثين في حمل العلم وما يتعلق بهذا الفن من الأمور. فهو في الحقيقة من كتب علوم الحديث بمعناه الإضافي لا باعتبار كونه اسما ولقبا للعلم الخاص المعروف. ٢ - "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغدادي أبي بكر أحمد بن علي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ استوفى فيه البحث في قوانين الرواية

стр. 60

وإبان فيه عن أصولها وقواعدها الكلية، ومذاهب العلماء فيما اختلفت آراؤهم فيه، ولا يزال حتى يومنا أعظم كتاب في هذا الباب. ٣ - "الإلماع في أصول الرواية والسماع"، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ وهو كتاب مفيد جدا. فهذه المراجع وسواها مما صنف في ذلك العصر في كل نوع من أنواع علوم الحديث أصبحت المراجع الأصلية في هذه الفنون، بنى عليها اللاحقون بأن حذفوا أسانيدها وتلافوا أوهاما يسيرة فيها، أو استدركوا زيادات أضافوها إليها. وفي هذا الدور وضعت التآليف الجامعة لأنواع الحديث ونما التدوين في فن "علوم الحديث". ومن أهم ما صنف فيه إذ ذاك: ١ - "معرفة علوم الحديث" للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ بحث فيه اثنين وخمسين نوعا من علوم الحديث. وقد طبع في مصر سنة ١٩٣٧. ٢ - "المستخرج" لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ زاد فيه على الحاكم أشياء فاتته، لذلك سماه مستخرجا. ومع ذلك فقد تركا أشياء للمتعقب. ٣ - "ما لا يسع المحدث جهله" للميانجي أبي حفص عمر بن عبد المجيد المتوفى سنة ٥٨٠ هـ وهو رسالة مختصرة. وكان من أبرز الأعلام الذين شيدوا بنيان علوم الحديث في هذا الدور واعتمد عليهم من جاء بعدهم: الحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي. أما الحاكم فقد شق الطريق لمن بعده، بوضع كتابه المذكور: قال ابن خلدون: "ومن فحول علمائه -يعني علوم الحديث- وأئمتهم

стр. 61

أبو عبد الله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة، وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه" (١). وقال الشيخ طاهر الجزائري "فيه فوائد مهمة رائعة ينبغي لمطالعي هذا الفن الوقوف عليها" (٢). وأم الخطيب فإنه قد صنف في كل فن من فنون الحديث كتابا مفردا جامعا مستوفيا، حتى أضحت كتبه ملاذ الأئمة في فنون الحديث، كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه" (٣). وكان طابع الجمع في هذه التآليف بارزا ظاهرا، فقد عمد المصنفون إلى نقل أقوال أئمة الفن في كل مسألة بأسانيدهم، ووضعوا لكل مجموعة منه عنوانا يدل على مضمونها معتمدين على القارئ في فهمها وإدراك مراميها، سوى شيء يسير من الإيضاح أو المناقشة، إلا أن الحاكم قصد ضبط القواعد، لكن فاته كما ذكر العلماء: أمران: استيعاب أنواع الحديث، وتهذيب العبارات وضبطها حتى يتضح المراد من التعريف (٤).

стр. 62

الدور الخامس: دور النضج والاكتمال في تدوين فن "علوم الحديث " وذلك من القرن السابع إلى القرن العاشر، وفيه بلغ التصنيف لهذا العلم كماله التام فوضعت مؤلفات استوفت أنواع هذا العلم، وجمع إلى ذلك تهذيب العبارات وتحرير المسائل بدقة. وكان أصحاب تلك الصانيف من الأئمة الكبار الذين أحاطوا بالحديث حفظا، واضطلعوا من فنونه وأحوال أسانيده ومتونه دراية وعلما، على غرار الأئمة السابقين الكبار. وكان رائد هذا التحول العظيم في تدوين هذا الفن الإمام المحدث الحافظ الفقيه الأصولي أبو عمرو عثمان بن الصلاح المتوفى سنة " (٦٤٣) " (١)، في كتابه المشهور "علوم الحديث"، فقد جمع فيه ما تفرق في الكتب السابقة، واستوفى أنواع علوم الحديث، ثم امتاز: ١ - بالاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من أقوالهم المأثورة عنهم. ٢ - أنه ضبط التعاريف التي سبق بها وحررها، وأوضح تعاريف لم يصرح بها من قبله. ٣ - أنه عقب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاداته. وهكذا جاء كتابه متكاملا في فن التصنيف، وكان فتحا في تدوين هذا العلم، وابتداء عهد جديد له، نال من العلماء حظوة، وطارت شهرته في الآفاق، وعم الثناء عليه، حتى صار صاحبه يعرف به فيقال: "صاحب كاب علوم الحديث". وقد أصبح الكتاب إماما يحتذى ومرجعا يقتدى به، فعول عليه كل من جاء بعده، فمنهم من اختصره ومنهم من نظمه شعرا، ومنهم من شرحه وعلق عليه. لكن المصنفين في هذا الدور كانوا كما قدمنا أئمة

стр. 63

أجلة فلم يقلدوه في القواعد العلمية، بل اجتهدوا رأيهم وكثيرا ما ناقشوه أو خالفوه فيما قرره. ومن أهم المؤلفات في هذا الدور بعد علوم الحديث: ١ - "الإرشاد" للإمام يحيى بن شرف النووي سنة (٦٧٦) هـ لخص فيه كتاب ابن الصلاح ثم لخصه في كتاب "التقريب والتيسير لأحاديث البشير النذير". ٢ - "التبصرة والتذكرة" منظومة في ألف بيت للإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين المتوفى سنة (٨٠٦) هـ ضمنها كتاب ابن الصلاح وتعقبه، وزاد عليه مسائل نافعة، ثم شرحها شرحا قيما (١). ٣ - شرح للحافظ العراقي أيضا وضعه على كتاب ابن الصلاح: "التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح" ويسمى أيضا "النكت". علق عليه فضيلة أستاذنا الشيخ محمد راغب الطباخ تعليقات نافعة (٢). ٤ - شرح الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢) هـ "الإفصاح على نكت ابن الصلاح" وهو مخطوط في الهند. ٥ - "فتح المغيث شرح ألفية العراقي في علم الحديث"، للحافظ

стр. 64

شمس الدين محمد السخاوي المتوفى سنة (٩٠٢) هـ. امتاز بتحقيق وتتبع للمسائل في كتب السنة وعلوم الحديث، طبع في الهند في مجلد ضخم. ٦ - "تدريب الراوي شرح تقريب النواوي" للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة (٩١١) هـ. ويغلب عليه طابع الجمع وإن كان لا يخلو من مناقشات مفيدة. ٧ - "نخبة الفكر" وشرحه "نزهة النظر" كلاهما للحافظ ابن حجر. وغير ذلك من التآليف التي جاءت بع ابن الصلاح، يصعب حصرها في هذا المقام وقد بني كثير منها على كتابه، قال الحافظ ابن حجر (١): "فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر". لكن يلاحظ المتأمل أن الأنواع لم ترتب في كتاب ابن الصلاح على نظام مطرد، فتراه يبحث في نوع يتعلق بالسند مثلا ثم ينتقل إلى نوع يتعلق بالمتن أو بهما معا، والسر في ذلك كما ذكر البقاعي: أن ابن الصلاح أملى كتابه إملاءا فلم يقع مرتبا وصار إذا ظهر له أن غير ما وقع له أحسن ترتيبا يراعي ما كتب من النسخ (٢). لكن العلماء تابعوه على هذا الترتيب لأن الكتاب أصحب قدوة في هذا الفن. اللهم إلا كتاب نخبة الفكر وشرحه للحافظ ابن حجر فإنه على وجازته يمتاز بغزارة فائدته واستقلال شخصية مؤلفه فيه ويمتاز بأن

стр. 65

الحافظ قد وضعه على ترتيب جديد وهو أسلوب السبر والتقسيم في ترتيب كثير من أنواع الحديث. فجاء كتابنا هذا متمما لما قصده من هذه الدقة فنظم كل أنواع الحديث في ظل نظرية نقدية دقيقة شاملة كشفنا النقاب عنها ودرسنا أنواع الحديث على ضوئها.

стр. 66

الدور السادس: عصر الركود والجمود وقد امتد ذلك من القرن العاشر إلى مطلع القرن الهجري الحالي. في هذا الدور توقف الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في التصنيف. وكثرت المختصرات في علوم الحديث شعرا ونثرا، وشغل الكاتبون بمناقشات لفظية لعبارات المؤلفين دون الدخول في عمق الموضوع تحقيقا أو اجتهادا. ومن المؤلفات في هذا الدور: ١ - "المنظومة البيقونية"، لعمر بن محمد بن فتوح البيقوني الدمشقي المتوفى سنة "١٠٨٠ هـ" في ست وثلاثين بيتا وتمتاز عن غيرها من المنظومات المختصرة بعذوبة النظم وسهولة العبارة حتى إنها لتصلح مذكرة للطالب في هذا العلم. وضعت لها شروح كثيرة. ٢ - "توضيح الأفكار" للصنعاني محمد بن إسماعيل الأمير المتوفى "١١٨٢ هـ". وهو كتاب حافل مفيد. ٣ - شرح نزهة النظر شرح النخبة للشيخ علي بن سلطان الهروي القارئ المتوفى سنة "١٠١٤ هـ" ويعرف كتابه هذا باسم شرح الشرح. وهذا الكتاب الأخير لم يخل من فوائد في أبحاثه لغزارة علم مؤلفه ﵀.

стр. 67

لكن الله تعالى أقام نهضة للحديث في ديار الهند خلال هذه الفترة كانت على مستوى عال في البحث والعلم. وذلك على يد العلامة الإمام المحدث شاه ولي الله الدهلوي المتوفى سنة (١١٧٦) هـ ثم على يد أولاده وأحفاده ومن تخرج على طريقته ومدرسته، فهؤلاء الكرام قد رجحوا علم السنة على غيرها من العلوم، وجاء تحديثهم حيث يرتضيه أهل الرواية ويبتغيه أصحاب الدراية (١). وهذه هي الكتب الحديثية والشروح الكبيرة تردنا من تلك الديار شاهد صدق على ما نهضوا به في هذا العلم، وما أسدوا من خدمات جليلة. إلا أنا نسجل أخيرا أنه مهما يكن من الأمر الذي كان عليه التأليف في هذا الدور فإن العلماء لم يتوقفوا أبدا عن البحث في الأسانيد وتمييز الأحاديث المقبولة من المردودة، وهذه شروحهم لكتب السنة، وتآليفهم كثيرة غزيرة تقوم بالواجب المطلوب، ألا وهو تمييز الحديث الصحيح والحسن عن غيرهما ونفي الكذب والواهي عن الحديث. مع الجهد المشكور في شرح الحديث النبوي.

стр. 68

الدور السابع: دور اليقظة والتنبه في العصر الحديث من مطلع القرن الهجري الحالي إلى وقتنا هذا، وفيه تنبهت الأمة للأخطار المحدقة نتيجة اتصال العالم الإسلامي بالشرق والغرب، ثم نتيجة الصدام العسكري العنيف والاستعمار الفكري الذي يفوق في خبثه وخطره كل الأخطار، فقد ظهرت دسائس وشبهات حول السنة أثارها المستشرقون وتلقفها ضعفاء النفوس من عبيد الأجنبي، فصاروا يدندون

стр. 69

يها ويلهجون، مما اتقضى تأليف أبحاث حولها والرد على أغاليطهم وافتراءاتهم، كما اقتضى الحال تجديد طريقة التأليف في علوم الحديث. فوفى العلماء بهذه المطالب وأخرجت المطابع الكثير من المؤلفات المبتكرة النافعة نذكر منها: ١ - "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي، قال فيه: "إني جمعت هذا المختصر المبارك إن شاء الله لمن صنفت لهم التصانيف وعنيت بهدايتهم العلماء، وهم من جمع خمسة أوصاف معظمها الأخلاص والفهم والانصاف" ورتب فيه أنواع الحديث على ثلاثة أقسام ١ - الصحيح والحسن، ٢ - الضعيف، ٣ - المشترك بينهما. وكان في ذلك قدوة للكاتبين في هذا الفن من المعاصرين. ٢ - "مفتاح السنة" أو تاريخ فنون الحديث. لعبد العزيز الخولي، وهو أول محاولة في دراسة تاريخ الحديث وتاريخ فنونه. ٣ - "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي"، للدكتور مصطفى السباعي، وهو كتاب جليل القدر تحدث عن المستشرقين ومواقفهم العدائية للسنة والإسلام وعنادهم في ذلك مهما أقيمت عليهم الحجج، ثم بحث في رد مزاعم المنكرين لحجية الحديث سواء كانوا من العصر القديم أو الحديث. وقد أفدنا منه، وزدنا عليه مناقشات كثيرة لم يتعرض لهان لأنها ليست من موضوع كتابه، ﵀. ٤ - "الحديث والمحدثون" ألفه الشيخ الدكتور محمد محمد أبو زهو، بحث فيه جهود العلماء لخدمة الحديث، وعني بدراسة الأعصر الأولى عصر الصحابة والتابعين إلى عصر التدوين وناقش الشبهات والمزاعم الباطلة. ٥ - "المنهج الحديث في علوم الحديث" لأستاذنا العلامة الجامع

стр. 70

لأنواع العلوم فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ محمد محمد السماحي، قصد فيه إلى إعداد موسوعة جامعة في علوم الحديث، يتناول فيها المشاكل الحالية التي ذكرناها فيعالجها ويناقشها، ثم يبحث قواعد علوم الحديث بحثا جامعا موسعا. والكتاب يقع في أقسام عديدة هي: ١ - قسم تاريخ الحديث ويتألف من ثلاثة أجزاء. ٢ - قسم مصطلح الحديث. ٣ - قسم الرواية. ٤ - قسم الرواة. وهكذا توالت سلسلة الجهود العلمية متواترة متضافرة لحمل الحديث النبوي وتبليغه علما وعملا، فنا ودراسة وشرحا، منذ عهده ﷺ إلى عصرنا الحاضر، يستطيع أي إنسان في أي وقت أن يجد السبيل إلى معرفة الحديث الصحيح وتمييزه عن غير الصحيح، حتى وصل إلينا حديث رسول الله ﷺ غضا طريا، صافيا نقيا، وإنه احقا لمكرمة عظيمة أكرم الله بها هذه الأمة، بل هي معجزة تحقق صدق التنزيل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

стр. 71

الباب الثاني: في علوم رواة الحديث هذه المعارف التي تبحث في راوي الحديث لها بالغ الأهمية في معرفة درجة الحديث من الصحة أو الحسن أو الضعف، وموقعه من القبول أو الرد، لذلك اتخذ البحث عن الرجال وسيلة هامة جدا، في علم مصطلح الحديث، وتعددت علوم الرواة وكثرت لتتناول كل ما يتصل بالراوي من الأمور، إذ ربما يشابه آخر في اسمه، أو كنيته، أو يعرف بكنيته فيحتاج إلى الكشف عن اسمه، أو يحتاج إلى إزالة النقاب عن نسبه وقبيلته كي يتبين هوية شخصه، أو غير ذلك. وقد تتبعنا هذه الأنواع كلها بالنظرة الفاحصة، وسبرناها من حيث الغرض الذي تؤديه، فوجدناها تنقسم إلى قسمين، نبحث كل واحد منهما في فصل مستقل.

стр. 72

الفصل الأول: في علوم الرواة المعرفة بحال الراوي. وهي علوم تبحث في الراوي من حيث قبول خبره أو رده. الفصل الثاني: في علوم الرواة المبينة لشخص الراوي. وهي تبحث في معلومات وأمور توصل إلى البحث عن حال الراوي، وذلك بأن تكشف النقاب عما يحدد شخصه ويميزه تماما.

стр. 73

الفصل الأول: في العلوم المعرفة بحال الراوي ويشتمل على تمهيد في تعريف الرواة وألقابهم العلمية، ثم على الأبحاث الآتية: ١ - صفة من تقبل روايته ومن ترد. ٢ - الجرح والتعديل. ٣ - الصحابة. ٤ - الثقات والضعفاء. ٥ - من اختلط في آخر عمره من الثقات. ٦ - الوحدان. ٧ - المدلسون. تعريف الرواة وألقابهم العلمية: الراوي هو من تلقى الحديث وأداه بصيغة من صيغ الأداء (١). وقد صنف العلماء رواة الحديث كلهم (٢) بحسب كثرة مروياتهم

стр. 74

وعنايتهم بالحديث وفنونه إلى درجات علمية، خصوا كل واحدة منها بلقب يميزها، وهي: ١ - المسند: وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرواية. ٢ - المحدث: وهو كما عرفه ابن سيد الناس: "من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه" (١). أي صار يقصد للإفادة في الحديث ورواته حتى اشتهر بذلك، وعرف خطه لكثرة ما يكتب من الأجوبة على أسئلة الناس. وقال ابن الجزري: "المحدث: من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية" (٢). ٣ - الحافظ: أرفع من المحدث وهو كما يؤخذ من كلامهم: من توسع في الحديث وفنونه بحيث يكون ما يعرفه من الأحاديث وعللها أكثر مما لا يعرفه (٣). وقال ابن الجزري: "الحافظ: من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج لديه". وقد تفاوتت عبارات العلماء في تعريف الحافظ حتى بلغوا أحيانا ما عده بعض الباحثين تغاليا في الحفاظ، كقول الزهري: "لا يولد الحافظ إلا كل أربعين سنة"، وقولهم في الإمام أحمد بن حنبل "كان يحفظ ألف ألف حديث".

стр. 75

وهذا صدر عنهم باعتبار المرتبة العليا في الحفظ. كما أنهم صرحوا يتفاوت العرف وأثر اختلاف الزمان في ذلك. وقد وضع للأئمة من كبار الحفاظ ألقاب تشعر بتفوقهم، هي التالية: ٤ - الحجة: وهو فيما يبدو لنا يطلق على الحافظ من حيث الاتقان، فإذا كان الحافظ عظيم الاتقان والتدقيق فيما يحفظ من الأسانيد والمتون لقب بالحجة .. وعرفه المتأخرون بأنه من يحفظ ثلاثمائة ألف حديث مع معرفة أسانيدها ومتونها ... ويدخل في الأحاديث التي يذكرون عددها في حفظ العلماء بعشرات الألوف أو مئات الألوف يدخل فيها تعدد الأسانيد للحديث الواحد، واختلاف الروايات، فإن تغيير الحديث بكلمة في السند أو المتن يعتبر بها حديثا جديدا، وكن اجتهد المحدثون ورحلوا من أجل كلمة في حديث. ٥ - الحاكم: وهو من أحاط علما بجميع الأحاديث حتى لا يفوته منها إلا اليسير. ٦ - أمير المؤمنين في الحديث: وهو أرفع المراتب وأعلها، وهو من فاق حفظا وإتقانا وتعمقا في علم الأحاديث وعللها كل من سبقه من المراتب بحيث يكون لاتقانه مرجعا للحكام والحفاظ وغيرهم. ومن أمراء المؤمنين في الحديث: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم. ومن المتأخرين الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني وغيرهم ﵀ ورضي عنهم (١).
следующие страницы →