Полный текст (72 стр.). Показаны 36–72 · переход к 41.
стр. 36
قِيَامه وقعوده ومشيه ومجلسه ومجلس غَيره
وَلَقَد بَالغ معي فِي حَال إقامتي بِحَضْرَتِهِ فِي التَّوَاضُع وَالْإِكْرَام حَتَّى إِنَّه لَا يذكرنِي باسمي بل يلقبني بِأَحْسَن الالقاب وَيظْهر لي خُصُوصا بَين أَصْحَابِي من الْإِكْرَام والتبجيل والإدناء مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يتركني اجْلِسْ الا الى جَانِبه قَصِيرا كَانَ مَجْلِسه أَو طَويلا خَاصّا أَو عَاما ولازمني فِي حَال قراءتي صَحِيح البُخَارِيّ وَكَانَ قصدي قِرَاءَته على رِوَايَة مُنْفَردا لاستصغاري نَفسِي عَن الْقِرَاءَة هُنَاكَ بِمحضر من النَّاس ولقصدي تَعْجِيل فراغي مِنْهُ انتهازا للفرصة وخوفا من فَوَات ذَلِك الشَّيْخ الرَّاوِي لكَونه تفرد بروايته سَمَاعا على اصحاب ابي الْوَقْت السجْزِي
فَلَمَّا سمع الشَّيْخ بذلك ألزمني قِرَاءَته بمجمع كثير من النَّاس رجَالًا وَنسَاء وصبيانا وَقَالَ مَا يَنْبَغِي إِلَّا على صفة يكون نَفعهَا
стр. 37
مُتَعَدِّيا الى الْمُسلمين فتجرد لي بِحَيْثُ حصل لي مرادي وفوقه من تَحْصِيل قراءتي لَهُ فِي عشْرين مَجْلِسا متواليه لم يتخللها سوى الْجُمُعَة ولازمني فِيهَا وَحضر الْقِرَاءَة كلهَا يضبطها بنسخة كَانَت بِيَدِهِ هِيَ أصل ابْن نَاصِر الْحَافِظ يُعَارض بهَا نُسْخَة الْقِرَاءَة وَكَانَت اصل الشَّيْخ الْمُسَمّى
وَأظْهر لي من حسن الْأَخْلَاق وَالْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع بِحَيْثُ أَنه كَانَ إِذا خرجنَا من منزله بِقصد الْقِرَاءَة يحمل هُوَ بِنَفسِهِ النُّسْخَة وَلَا يدع أحدا منا يحملهَا عَنهُ وَكنت أعْتَذر اليه من ذَلِك خوفًا من سوء الْأَدَب فَيَقُول لَو حَملته على رَأْسِي لَكَانَ يَنْبَغِي أَلا احْمِلْ مَا فِيهِ كَلَام رَسُول الله ﷺ
وَكَانَ يجلس تَحت الْكُرْسِيّ ويدع صدر الْمجَالِس حَتَّى إِنِّي لأَسْتَحي من مَجْلِسه هُنَاكَ وأعجب من شدَّة تواضعه ومبالغته فِي إكرامي بِمَا لَا اسْتحق ورفعي عَلَيْهِ فِي الْمجْلس وَلَوْلَا قراءتي حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَعظم حرمتهَا لما كَانَ يَنْبَغِي لي ذَلِك
وَكَانَ هَذَا حَاله فِي التَّوَاضُع والتنازل والاكرام لكل من يرد عَلَيْهِ اَوْ يَصْحَبهُ أَو يلقاه حَتَّى أَن كل من لقِيه يَحْكِي عَنهُ من الْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع نَحوا مِمَّا حكيته وَأكْثر من ذَلِك فسبحان من وَفقه وَأَعْطَاهُ وأجراه على خلال الْخَيْر وحباه
стр. 38
الْفَصْل الثَّامِن
فِي هَيئته ولباسه
كَانَ ﵁ متوسطا فِي لِبَاسه وهيئته لَا يلبس فاخر الثِّيَاب بِحَيْثُ يرمق ويمد النّظر إِلَيْهِ وَلَا أطمارا وَلَا غَلِيظَة تشهر حَال لَا بسها ويميز من عَامَّة النَّاس بِصفة خَاصَّة يرَاهُ النَّاس فِيهَا من عَالم وعابد بل كَانَ لِبَاسه وهيئته كغالب النَّاس ومتوسطهم وَلم يكن يلْزم نوعا وَاحِدًا من اللبَاس فَلَا يلبس غَيره بل كَانَ يلبس مَا اتّفق وَحصل وَيَأْكُل مَا حضر وَكَانَت بذاذة الايمان عَلَيْهِ ظَاهِرَة لَا يرى متصنعا فِي عِمَامَة وَلَا لِبَاس وَلَا مشْيَة وَلَا قيام وَلَا جُلُوس وَلَا يتهيأ لأحد يلقاه وَلَا لمن يرد عَلَيْهِ من بلد
وَمن الْعجب اني كنت قد رايته قبل لقِيه بِمدَّة فِيمَا يرى النَّائِم وَنحن جُلُوس نَأْكُل طَعَاما على صفة مُعينَة فحال لقيتي لَهُ ودخولي عَلَيْهِ وجدته يَأْكُل مثل ذَلِك الطَّعَام على نَحْو من الصّفة الَّتِي رَأَيْت فأجلسني وأكلنا جَمِيعًا كَمَا رَأَيْت فِي الْمَنَام
وَأَخْبرنِي غير وَاحِد أَنه مَا رَآهُ وَلَا سمع أَنه طلب طَعَاما قطّ وَلَا
стр. 39
غداء وَلَا عشَاء وَلَو بَقِي مهما بَقِي لشدَّة اشْتِغَاله بِمَا هُوَ فِيهِ من الْعلم وَالْعَمَل بل كَانَ يُؤْتِي بِالطَّعَامِ وَرُبمَا يتْرك عِنْده زَمَانا حَتَّى يلْتَفت اليه وَإِذا أكل أكل شَيْئا يَسِيرا
قَالَ وَمَا رَأَيْنَاهُ يذكر شَيْئا من ملاذ الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَلَا كَانَ يَخُوض فِي شَيْء من حَدِيثهَا وَلَا يسْأَل عَن شَيْء من معيشتها بل جعل همته وَحَدِيثه فِي طلب الاخرة وَمَا يقرب الى الله تَعَالَى
وَهَكَذَا كَانَ فِي لِبَاسه لم يسمع أَنه أَمر ان يتَّخذ لَهُ ثوب بِعَيْنِه بل كَانَ أَهله يأْتونَ بلباسه وَقت علمهمْ باحتياجه الى بدل ثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ وَرُبمَا بقيت عَلَيْهِ مُدَّة حَتَّى تتسخ وَلَا يَأْمر بغسلها حَتَّى يكون أَهله هم الَّذين يسألونه ذَلِك
وَأخْبر أَخُوهُ الَّذِي كَانَ ينظر فِي مَصَالِحه الدُّنْيَوِيَّة أَن هَذَا حَاله فِي طَعَامه وَشَرَابه ولباسه وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُد مِنْهُ من أُمُور الدُّنْيَا
وَمَا رَأَيْت احدا كَانَ أَشد تَعْظِيمًا للشَّيْخ من أَخِيه هَذَا أَعنِي
стр. 40
الْقَائِم بأوده وَكَانَ يجلس بِحَضْرَتِهِ كَأَن على رَأسه الطير وَكَانَ يهابه كَمَا يهاب سُلْطَانا وَكُنَّا نعجب مِنْهُ فِي ذَلِك ونقول من الْعرف وَالْعَادَة أَن اهل الرجل لَا يحتشمونه كالاجانب بل يكون انبساطهم مَعَه فضلا عَن الاجنبي وَنحن نرَاك مَعَ الشَّيْخ كتلميذ مبالغ فِي احتشامه واحترامه فَيَقُول إِنِّي ارى مِنْهُ اشياء لَا يَرَاهَا غَيْرِي أوجبت عَليّ ان أكون مَعَه كَمَا ترَوْنَ
وَكَانَ يسْأَل عَن ذَلِك فَلَا يذكر مِنْهُ شَيْئا لما يعلم من عدم إِيثَار الشَّيْخ لذَلِك
стр. 41
الْفَصْل التَّاسِع
فِي ذكر بعض كراماته وفراسته
أَخْبرنِي غير وَاحِد من الثِّقَات بِبَعْض مَا شَاهده من كراماته وَأَنا أذكر بَعْضهَا على سَبِيل الِاخْتِصَار وأبدأ من ذَلِك بِبَعْض مَا شاهدته
فَمِنْهَا اثْنَيْنِ جرى بيني وَبَين بعض الْفُضَلَاء مُنَازعَة فِي عدَّة مسَائِل وَطَالَ كلامنا فِيهَا وَجَعَلنَا نقطع الْكَلَام فِي كل مَسْأَلَة بِأَن نرْجِع الى الشَّيْخ وَمَا يرجحه من القَوْل فِيهَا
ثمَّ أَن الشَّيْخ ﵁ حضر فَلَمَّا هممنا بسؤاله عَن ذَلِك سبقنَا هُوَ وَشرع يذكر لنا مَسْأَلَة مَسْأَلَة كَمَا كُنَّا فِيهِ وَجعل يذكر غَالب مَا أوردناه فِي كل مسأله وَيذكر اقوال الْعلمَاء ثمَّ يرجح مِنْهَا مَا يرجحه الدَّلِيل حَتَّى أَتَى على آخر مَا أردنَا ان نَسْأَلهُ عَنهُ وَبَين لنا مَا قصدنا أَن نستعلمه مِنْهُ فَبَقيت أَنا وصاحبي وَمن حَضَرنَا أَولا مبهوتين متعجبين مِمَّا كاشفنا بِهِ وأظهره الله عَلَيْهِ مِمَّا كَانَ فِي خواطرنا
стр. 42
وَكنت فِي خلال الايام الَّتِي صحبته فِيهَا إِذا بحث مسأله يحضر لي إِيرَاد فَمَا يستتم خاطري بِهِ حَتَّى يشرع فيورده وَيذكر الْجَواب من عدَّة وُجُوه
وحَدثني الشَّيْخ الصَّالح المقريء أَحْمد بن الحريمي أَنه سَافر الى دمشق قَالَ فاتفق اني لما قدمتها لم يكن معي شئ من النَّفَقَة الْبَتَّةَ وانا لَا اعرف احدا من أَهلهَا فَجعلت أَمْشِي فِي زقاق مِنْهَا كالحائر فَإِذا بشيخ قد أقبل نحوي مسرعا فَسلم وهش فِي وَجْهي وَوضع فِي يَدي صرة فِيهَا دَرَاهِم صَالِحَة وَقَالَ لي انفق هَذِه الْآن وخلي خاطرك مِمَّا انت فِيهِ فَإِن الله لَا يضيعك ثمَّ رد على أَثَره كَأَنَّهُ مَا جَاءَ إِلَّا من أَجلي فدعوت لَهُ وفرحت بذلك
وَقلت لبَعض من رَأَيْته من النَّاس من هَذَا الشَّيْخ
فَقَالَ وكأنك لَا تعرفه هَذَا ابْن تَيْمِية لي مُدَّة طَوِيلَة لم أره اجتاز بِهَذَا الدَّرْب
وَكَانَ جلّ قصدي من سَفَرِي الى دمشق لقاءه فتحققت أَن الله أظهره عَليّ وعَلى حَالي فَمَا احتجت بعْدهَا الى اُحْدُ مُدَّة إقامتي بِدِمَشْق بل فتح الله عَليّ من حَيْثُ لَا احتسب واستدللت فِيمَا بعد عَلَيْهِ وقصدت زيارته وَالسَّلَام عَلَيْهِ فَكَانَ يكرمني ويسألني عَن حَالي فاحمد الله تَعَالَى اليه
стр. 43
وحَدثني الشَّيْخ الْعَالم المقريء تَقِيّ الدّين عبد الله ابْن الشَّيْخ الصَّالح المقريء احْمَد بن سعيد قَالَ سَافَرت إِلَى مصر حِين كَانَ الشَّيْخ مُقيما بهَا فاتفق أَنِّي قدمتها لَيْلًا وَأَنا مثقل مَرِيض فأنزلت فِي بعض الامكنة فَلم ألبث أَن سَمِعت من يُنَادي باسمي وكنيتي فاجبته وَأَنا ضَعِيف فَدخل إِلَيّ جمَاعَة من أَصْحَاب الشَّيْخ مِمَّن كنت قد اجْتمعت ببعضهم فِي دمشق فَقلت كَيفَ عَرَفْتُمْ بقدومي وَأَنا قدمت هَذِه السَّاعَة فَذكرُوا أَن الشَّيْخ أخبرنَا بأنك قدمت وَأَنت مَرِيض وأمرنا ان نسرع بنقلك وَمَا رَأينَا أحدا جَاءَ وَلَا أخبرنَا بِشَيْء
فَعلمت أَن ذَلِك من كرامات الشَّيْخ ﵁
وحَدثني ايضا قَالَ مَرضت بِدِمَشْق اذ كنت فِيهَا مرضة شَدِيدَة منعتني حَتَّى من الْجُلُوس فَلم اشعر إِلَّا وَالشَّيْخ عِنْد رَأْسِي وَأَنا مثقل مشتد بالحمى وَالْمَرَض فَدَعَا لي وَقَالَ جَاءَت الْعَافِيَة
فَمَا هُوَ إِلَّا أَن فارقني وَجَاءَت الْعَافِيَة وشفيت من وقتي
وحَدثني قَالَ كنت قد استكبت شعرًا لبَعض من انحرف عَن الْحق فِي الشَّيْخ قد تنقصه فِيهِ وَكَانَ سَبَب قَول ذَلِك الشّعْر أَنه نسب إِلَيّ قائلة شعر وَكَلَام يدل على الرَّفْض فَأخذ الرجل وَأثبت ذَلِك عَلَيْهِ فِي وَجهه عِنْد حَاكم من حكام الشَّرْع المطهر فامر بِهِ فشهر حَاله بَين النَّاس فَتوهم ان الَّذِي كَانَ سَبَب ذَلِك الشَّيْخ فَحَمله ذَلِك على ان قَالَ فِيهِ ذَلِك الشّعْر وَبَقِي عِنْدِي وَكنت رُبمَا أورد بعضه فِي بعض الاحيان فَوَقَعت فِي عدَّة أَشْيَاء
стр. 44
من الْمَكْرُوه وَالْخَوْف متواترة وَلَوْلَا لطف الله تَعَالَى بِي فِيهَا لأتت على نَفسِي فنطرت من ايْنَ دهيت فَلم أر لذَلِك سَببا إِلَّا إيرادي لبَعض ذَلِك الشّعْر فعاهدت الله ان لَا اتفوه بشئ مِنْهُ فَزَالَ عني أَكثر مَا كنت فِيهِ من المكاره وَبَقِي بعضه وَكَانَ ذَلِك الشّعْر عِنْدِي فاخذته وحرقته وغسلته حَتَّى لم يبْق لَهُ أثر واستغفرت الله تَعَالَى من ذَلِك فَأذْهب الله عني جَمِيع مَا كنت فِيهِ من الْمَكْرُوه وَالْخَوْف وابدلني الله بِهِ عَكسه وَلم أزل بعد ذَلِك فِي خير وعافية
وَرَأَيْت ذَلِك حَالا من أَحْوَال الشَّيْخ وَمن كرامته على الله تَعَالَى
وحَدثني أَيْضا قَالَ أَخْبرنِي الشَّيْخ ابْن عماد الدّين الْمُقْرِئ الْمُطَرز قَالَ قدمت على الشَّيْخ وَمَعِي حِينَئِذٍ نَفَقَة فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ ورحب بِي وأدناني وَلم يسألني هَل مَعَك نَفَقَة ام لَا
فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام ونفدت نفقتي أردْت أَن اخْرُج من مَجْلِسه بعد ان صليت مَعَ النَّاس وَرَاءه فَمَنَعَنِي وأجلسني دونهم فَلَمَّا
стр. 45
خلا الْمجْلس دفع الي جملَة دَرَاهِم وَقَالَ انت الْآن بِغَيْر نَفَقَة فارتفق بِهَذِهِ فعجبت من ذَلِك
وَعلمت ان الله كشفه على حَالي أَولا لما كَانَ معي نَفَقَة وآخرا لما نفدت واحتجت الى نَفَقَة
وحَدثني من لَا أَتَّهِمهُ ان الشَّيْخ ﵁ حِين نزل الْمغل بِالشَّام لاخذ دمشق وَغَيرهَا رجف أَهلهَا وخافوا خوفًا شَدِيدا
وَجَاء اليه جمَاعَة مِنْهُم وسألوه الدُّعَاء للْمُسلمين فَتوجه الى الله ثمَّ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِن الله يأتيكم بالنصر فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ بعد ثَالِثَة حَتَّى ترَوْنَ الرؤوس معبأة بَعْضهَا فَوق بعض
قَالَ الَّذِي حَدثنِي فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ اَوْ كَمَا حلف مَا مضى إِلَّا ثَلَاث مثل قَوْله حَتَّى راينا رؤوسهم كَمَا قَالَ الشَّيْخ على ظَاهر دمشق معبأة بَعْضهَا فَوق بعض
وحَدثني الشَّيْخ الصَّالح الْوَرع عُثْمَان بن احْمَد بن عِيسَى النساج أَن الشَّيْخ ﵁ كَانَ يعود المرضى بالبيمارستان بِدِمَشْق فِي كل اسبوع فجَاء على عَادَته فعادهم فوصل الى شَاب مِنْهُم فَدَعَا لَهُ فشفي سَرِيعا وَجَاء الى الشَّيْخ يقْصد السَّلَام عَلَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ هش لَهُ وَأَدْنَاهُ ثمَّ دفع اليه نَفَقَة وَقَالَ قد شفاك الله فعاهد الله أَن تعجل الرُّجُوع الى بلدك أَيجوزُ أَن تتْرك زَوجتك
стр. 46
وبناتيك أَرْبعا ضَيْعَة وتقيم هَا هُنَا فَقبل يَده وَقَالَ يَا سَيِّدي أَنا تائب الى الله على يدك وَقَالَ الْفَتى وَعَجِبت مِمَّا كاشفني بِهِ وَكنت قد تَركتهم بِلَا نَفَقَة وَلم يكن قد عرف بحالي أحد من أهل دمشق
وحَدثني من أَثِق بِهِ ان الشَّيْخ ﵁ أخبر عَن بعض الْقُضَاة انه قد مضى مُتَوَجها الى مصر المحروسة ليقلد الْقَضَاء وَأَنه سَمعه يَقُول حَال مَا اصل الى الْبَلَد قَاضِيا احكم بقتل فلَان رجل معِين من فضلاء اهل الْعلم وَالدّين قد أجمع النَّاس على علمه وزهده وورعه وَلَكِن حصل فِي قلب القَاضِي مِنْهُ من الشحناء والعداوة مَا صوب لَهُ الحكم بقتْله فَعظم ذَلِك على من سَمعه خوفًا من وُقُوع مَا عزم عَلَيْهِ من الْقَتْل لمثل هَذَا الرجل الصَّالح وحذرا على القَاضِي ان يوقعه الْهوى والشيطان فِي ذَلِك فَيلقى الله متلبسا بِدَم حرَام وفتك بِمُسلم مَعْصُوم الدَّم بِيَقِين وكرهوا وُقُوع مثل ذَلِك لما فِيهِ من عَظِيم الْمَفَاسِد فأبلغ الشَّيْخ ﵁ هَذَا الْخَبَر بِصفتِهِ
فَقَالَ إِن الله لَا يُمكنهُ مِمَّا قصد وَلَا يصل الى مصر حَيا فبقى بَين القَاضِي وَبَين مصر قدر يسير وأدركه الْمَوْت فَمَاتَ قبل وصولها كَمَا اجرى الله تَعَالَى على لِسَان الشَّيْخ رَضِي الله عَنهُ
стр. 47
قلت وكرامات الشَّيْخ ﵁ كَثِيرَة جدا لَا يَلِيق بِهَذَا الْمُخْتَصر اكثر من ذكر هَذَا الْقدر مِنْهَا وَمن اظهر كراماته أَنه مَا سمع بِأحد عَادَاهُ اَوْ غض مِنْهُ إِلَّا وابتلي بعدة بلايا غالبها فِي دينه وَهَذَا ظَاهر مَشْهُور لَا يحْتَاج فِيهِ الى شرح صفته
стр. 48
الْفَصْل الْعَاشِر
فِي ذكر كرمه ﵁
كَانَ ﵁ مجبولا على الْكَرم لَا يتطبعه وَلَا يتصنعه بل هُوَ لَهُ سجية وَقد ذكرت فِيمَا تقدم أَنه مَا شدّ على دِينَار وَلَا دِرْهَم قطّ بل كَانَ مهما قدر على شَيْء من ذَلِك يجود بِهِ كُله وَكَانَ لَا يرد من يسْأَله شَيْئا يقدر عَلَيْهِ من دَرَاهِم وَلَا دَنَانِير وَلَا ثِيَاب وَلَا كتب وَلَا غير ذَلِك
بل رُبمَا كَانَ يسْأَله بعض الْفُقَرَاء شَيْئا من النَّفَقَة فَإِن كَانَ حِينَئِذٍ متعذرا لَا يَدعه يذهب بِلَا شئ بل كَانَ يعمد الى شئ من لِبَاسه فيدفعه اليه وَكَانَ ذَلِك الْمَشْهُور عِنْد النَّاس من حَاله
حَدثنِي الشَّيْخ الْعَالم الْفَاضِل الْمُقْرِئ ابو مُحَمَّد عبد الله ابْن الشَّيْخ الصَّالح الْمُقْرِئ احْمَد بن سعيد قَالَ كنت يَوْمًا جَالِسا بِحَضْرَة شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية ﵁ فجَاء انسان فَسلم عَلَيْهِ فَرَآهُ الشَّيْخ مُحْتَاجا الى مَا يعتم بِهِ فَنزع الشَّيْخ عمَامَته من غير ان يسْأَله الرجل ذَلِك فقطعها نِصْفَيْنِ واعتم بِنِصْفِهَا وَدفع النّصْف الاخر الى ذَلِك الرجل وَلم يحتشم للحاضرين عِنْده
قلت وَرُبمَا توهم بعض من يحْتَاج الى التفهيم ان هَذَا
стр. 49
الْفِعْل من الشَّيْخ فِيهِ إِضَاعَة المَال اَوْ نوع من التبذل الَّذِي يشين الْمُرُوءَة وَلَيْسَ الامر كَذَلِك فَإِنَّهُ لم يكن عِنْده حِينَئِذٍ مَعْلُوم غير ثِيَابه وَرَأى أَن قطع غير الْعِمَامَة من بَقِيَّة لِبَاسه مِمَّا يُفْسِدهُ وَلَا يحصل بِهِ الْمَقْصُود وَلم يكن عَلَيْهِ وَلَا عِنْده حِينَئِذٍ ثوب صَحِيح لَا يحْتَاج اليه حَتَّى يَدْفَعهُ اليه فسارع الى قطع مَا يسْتَغْنى بِبَعْضِه عَن كُله فِيمَا وضع لَهُ وَهُوَ الْعِمَامَة فنفع أَخَاهُ الْمُسلم وسد حَاجته حِينَئِذٍ بِبَعْضِهَا وَاسْتغْنى هُوَ بباقيها وَهَذَا هُوَ أكمل التَّصَرُّف الصَّالح والرشد التَّام
والجود الْمَذْكُور الْمَشْهُور والايثار بالميسور وَأما التبذل الَّذِي فِيهِ نوع إِسْقَاط الْمُرُوءَة فَلَيْسَ من هَذَا الْقَبِيل فِي شَيْء بل هَذَا من الْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع وَعدم رُؤْيَة النَّفس فِي مَحل الاحتشام ورفض أرادة الْمَرْء تَعْظِيم نَفسه بِحَضْرَة الْحَاضِرين وَهَذِه خِصَال محمودة مَطْلُوبَة شرعا وعقلا
وَقد رُوِيَ مثل ذَلِك عَن سيد الانام وأكمل الْخلق مُرُوءَة وعقلا وعلما مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ انه لبس يَوْمًا شملة سَوْدَاء لَهَا حواش بيض وَخرج إِلَى الْمَسْجِد وَجَمَاعَة من الْمُسلمين حُضُور فَرَآهُ إِنْسَان فَقَالَ يَا رَسُول الله أَعْطِنِي هَذِه الشملة وَكَانَ ﷺ لَا يمْنَع سَائِلًا يسْأَله فنزعها رَسُول الله ﷺ عَن كريمه المكرم وَدفعهَا الى ذَلِك
стр. 50
الرجل وطفق النَّاس يلومون ذَلِك الرجل على مَا فعل وَكَونه سَأَلَ النَّبِي ﷺ وَكَانَ مُحْتَاجا الى مَا لبسه وَقد علم انه لَا يمْنَع شَيْئا يسْأَله فَقَالَ الرجل معتذرا اليهم إِنِّي لم أطلبها لألبسها لَكِن لأجعلها لي كفنا عِنْد موتِي
قَالَ الرَّاوِي فامسكها عِنْده حَتَّى كَانَت كَفنه
وَهَذَا حَدِيث مَشْهُور قد رَوَاهُ غير وَاحِد من الْحفاظ النقلَة الثِّقَات وَهُوَ من اوضح الدَّلَائِل على مَا قُلْنَاهُ بل أبلغ فِي الْجُود والتواضع وَكسر النَّفس وكرم الاخلاق
وحَدثني من اثق بِهِ ان الشَّيْخ ﵁ كَانَ مارا يَوْمًا فِي بعض الازقة فَدَعَا لَهُ بعض الْفُقَرَاء وَعرف الشَّيْخ حَاجته وَلم يكن مَعَ الشَّيْخ مَا يُعْطِيهِ فَنزع ثوبا على جلده وَدفعه اليه وَقَالَ بِعْهُ بِمَا تيَسّر وأنفقه وَاعْتذر اليه من كَونه لم يحضر عِنْده شئ من النَّفَقَة
وَهَذَا ايضا من الْمُبَالغَة فِي عدم اكتراثه فِي غير مَا يقرب الى الله تَعَالَى وجوده بالميسور كَائِنا مَا كَانَ وَهَذَا من أبلغ إخلاص الْعَمَل لله فسبحان الْمُوفق من شَاءَ لما شَاءَ
وحَدثني من اثق بِهِ أَن الشَّيْخ ﵁ كَانَ لَا يرد أحدا يسْأَله شَيْئا كتبه بل يَأْمُرهُ أَن يَأْخُذ هُوَ بِنَفسِهِ مَا يَشَاء مِنْهَا
стр. 51
وَأَخْبرنِي أَنه جَاءَهُ يَوْمًا إِنْسَان يسْأَله كتابا ينْتَفع بِهِ فَأمره ان يَأْخُذ كتابا يختاره فَرَأى ذَلِك الرجل بَين كتب الشَّيْخ مُصحفا قد اشْترى بِدَرَاهِم كَثِيرَة فَأَخذه وَمضى
فلام بعض الْجَمَاعَة الشَّيْخ فِي ذَلِك فَقَالَ ايحسن بِي ان امنعه بعد مَا سَأَلَهُ دَعه فلينتفع بِهِ
وَكَانَ الشَّيْخ ﵁ يُنكر إنكارا شَدِيدا على من يسْأَل شَيْئا من كتب الْعلم الَّتِي يمكلها ويمنعها من السَّائِل وَيَقُول مَا يَنْبَغِي ان يمْنَع الْعلم مِمَّن يَطْلُبهُ
وَمن كرمه انه كَانَ لَا ينظر مَعَ ذَلِك الى جِهَة الْملك والتمول
وَهَذَا الْقدر من كرمه يغنى الْمُقْتَدِي بِهِ
стр. 52
الْفَصْل الْحَادِي عشر
فِي ذكر قُوَّة قلبه وشجاعته
كَانَ ﵁ من أَشْجَع النَّاس وَأَقْوَاهُمْ قلبا مَا رَأَيْت أحدا أثبت جأشا مِنْهُ وَلَا أعظم عناء فِي جِهَاد الْعَدو مِنْهُ كَانَ يُجَاهد فِي سَبِيل الله بِقَلْبِه وَلسَانه وَيَده وَلَا يخَاف فِي الله لؤمة لائم
وَأخْبر غير وَاحِد أَن الشَّيْخ ﵁ كَانَ إِذا حضر مَعَ عَسْكَر الْمُسلمين فِي جِهَاد يكون بَينهم واقيتهم وقطب ثباتهم إِن رأى من بَعضهم هلعا أَو رقة أَو جبانة شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر وَالظفر وَالْغنيمَة وَبَين لَهُ فضل الْجِهَاد والمجاهدين وإنزال الله عَلَيْهِم السكينَة
وَكَانَ إِذا ركب الْخَيل يتحنك ويجول فِي الْعَدو كأعظم الشجعان وَيقوم كأثبت الفرسان وَيكبر تَكْبِيرا انكى فِي الْعَدو
стр. 53
من كثير من الفتك بهم ويخوض فيهم خوض رجل لَا يخَاف الْمَوْت
وَحَدثُوا انهم رَأَوْا مِنْهُ فِي فتح عكة امورا من الشجَاعَة يعجز الواصف عَن وصفهَا
قَالُوا وَلَقَد كَانَ السَّبَب فِي تملك الْمُسلمين إِيَّاهَا بِفِعْلِهِ ومشورته وَحسن نظره
стр. 54
وَلما ظهر السُّلْطَان غازان على دمشق المحروسة جَاءَهُ ملك الكرج وبذل لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَة جزيلة على ان يُمكنهُ من الفتك بِالْمُسْلِمين من اهل دمشق وَوصل الْخَبَر الى الشَّيْخ فَقَامَ من فوره وشجع الْمُسلمين ورغبهم فِي الشَّهَادَة وَوَعدهمْ على قيامهم بالنصر وَالظفر والامن وَزَوَال الْخَوْف
فَانْتدبَ مِنْهُم رجال من وُجُوههم وكبرائهم وَذَوي الاحلام مِنْهُم فَخَرجُوا مَعَه الى حَضْرَة السُّلْطَان غازان فَلَمَّا رَآهُمْ السُّلْطَان قَالَ من هَؤُلَاءِ فَقيل هم رُؤَسَاء دمشق فَأذن لَهُم فَحَضَرُوا بَين يَدَيْهِ
فَتقدم الشَّيْخ ﵁ أَولا فَلَمَّا أَن رَآهُ أوقع الله لَهُ فِي قلبه هَيْبَة عَظِيمَة حَتَّى أدناه وَأَجْلسهُ
وَأخذ الشَّيْخ فِي الْكَلَام مَعَه أَولا فِي عكس رَأْيه عَن تسليط المخزول ملك الكرج على الْمُسلمين وَضمن لَهُ اموالا واخبره بحرمه دِمَاء الْمُسلمين وَذكره ووعظه فَأَجَابَهُ الى ذَلِك طَائِعا وحقنت بِسَبَبِهِ دِمَاء الْمُسلمين وحميت ذَرَارِيهمْ وصين حريمهم
стр. 55
وحَدثني من أَثِق بِهِ عَن الشَّيْخ وجيه الدّين ابْن المنجا قدس الله روحه قَالَ كنت حَاضرا مَعَ الشَّيْخ حِينَئِذٍ فَجعل يَعْنِي الشَّيْخ يحدث السُّلْطَان بقول الله وَرَسُوله فِي الْعدْل وَغَيره وَيرْفَع صَوته على السُّلْطَان فِي اثناء حَدِيثه حَتَّى جثا على رُكْبَتَيْهِ وَجعل يقرب مِنْهُ فِي أثْنَاء حَدِيثه حَتَّى لقد قرب ان تلاصق ركبته ركبة السُّلْطَان وَالسُّلْطَان مَعَ ذَلِك مقبل عَلَيْهِ بكليته مصغ لما يَقُول شاخص اليه لَا يعرض عَنهُ وَأَن السُّلْطَان من شدَّة مَا أوقع الله مَا فِي قلبه من الْمحبَّة والهيبة سَأَلَ من يَخُصُّهُ من أهل حَضرته من هَذَا الشَّيْخ وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ إِنِّي لم أر مثله وَلَا أثبت قلبا مِنْهُ وَلَا أوقع من حَدِيثه فِي قلبِي وَلَا رَأَيْتنِي أعظم انقيادا مني لَاحَدَّ مِنْهُ فَأخْبر بِحَالهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من الْعلم وَالْعَمَل فَقَالَ الشَّيْخ للترجمان قل لغازان انت تزْعم انك مُسلم ومعك قَاضِي وَإِمَام وَشَيخ ومأذنون على مَا بلغنَا فغزوتنا وَأَبُوك وَجدك كَانَا كَافِرين وَمَا عملا الَّذِي عملت عاهدا فوفيا وانت عَاهَدت فغدرت وَقلت فَمَا وفيت وَجَرت
стр. 56
وَسَأَلَهُ إِن أَحْبَبْت أَن اعمر لَك بلد آبَائِك حران وتنتقل اليه وَيكون برسمك فَقَالَ لَا وَالله لَا أَرغب عَن مهَاجر إِبْرَاهِيم ﷺ استبدل بِهِ غَيره
فَخرج من بَين يَدَيْهِ مكرما معززا قد صنع لَهُ الله بِمَا طوى عَلَيْهِ نِيَّته الصَّالِحَة من بذله نَفسه فِي طلب حقن دِمَاء الْمُسلمين فَبَلغهُ مَا أَرَادَهُ
وَكَانَ ذَلِك ايضا سَببا لتخليص غَالب أُسَارَى الْمُسلمين من
стр. 57
أَيْديهم وردهم على أهلهم وَحفظ حريمهم
وَهَذَا من أعظم الشجَاعَة والثبات وَقُوَّة الجأش
وَكَانَ يَقُول لن يخَاف الرجل غير الله إِلَّا لمَرض فِي قلبه فان رجلا شكى إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل خَوفه من بعض الْوُلَاة فَقَالَ لَو صححت لم تخف أحدا أَي خوفك من أجل زَوَال الصِّحَّة من قَلْبك
وَأَخْبرنِي من لَا اتهمه أَن الشَّيْخ ﵁ حِين وشي بِهِ الى السُّلْطَان الْمُعظم الْملك النَّاصِر مُحَمَّد احضره بَين يَدَيْهِ قَالَ فَكَانَ من جملَة كَلَامه
إِنَّنِي اخبرت انك قد أطاعك النَّاس وَأَن فِي نَفسك اخذ الْملك فَلم يكترث بِهِ بل قَالَ لَهُ بِنَفس مطمئنة وقلب ثَابت وَصَوت عَال سَمعه كثير مِمَّن حضر أَنا أفعل ذَلِك وَالله إِن ملكك وَملك الْمغل لَا يُسَاوِي عِنْدِي فلسين
فَتَبَسَّمَ السُّلْطَان لذَلِك وأجابة فِي مُقَابلَته بِمَا اوقع الله لَهُ فِي
стр. 58
قلبه من الهيبة الْعَظِيمَة إِنَّك وَالله لصَادِق وَإِن الَّذِي وَشَيْء بك إِلَيّ كَاذِب
وَاسْتقر لَهُ فِي قلبه من الْمحبَّة الدِّينِيَّة مَا لولاه لَكَانَ قد فتك بِهِ مُنْذُ دهر طَوِيل من كَثْرَة مَا يلقى اليه فِي حَقه من الاقاويل الزُّور والبهتان مِمَّن ظَاهر حَاله للطغام الْعَدَالَة وباطنه مشحون بِالْفِسْقِ والجهالة
وَلم يزل المبتدعون أهل الاهواء وآكلو الدُّنْيَا بِالدّينِ متعاضدين متناصرين فِي عدوانه باذلين وسعهم بالسعي فِي الفتك بِهِ متخرصين عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ الصراح مختلقين عَلَيْهِ وناسبين اليه مَا لم يقلهُ وَلم يَنْقُلهُ وَلم يُوجد لَهُ بِهِ خطّ وَلَا وجد لَهُ فِي تصنيف وَلَا فَتْوَى وَلَا سمع مِنْهُ فِي مجْلِس
أَترَاهُم مَا علمُوا أَن الله سائلهم عَن ذَلِك ومحاسبهم عَلَيْهِ أَو مَا سمعُوا قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد إِذْ يتلَقَّى المتلقيان عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد﴾
بلَى وَالله وَلَكِن غلب عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من إِيثَار الدُّنْيَا على الاخرة وَالْعَمَل للعاجلة دون الاجلة فَلهَذَا حسدوه وابغضوه لكَونه مباينهم ومخالفهم لبغضه ورفضه مَا احبوا وطلبوا ومحبته
стр. 59
مَا باينوا ورفضوا وَلما علم الله نياته ونياتهم أَبى ان يظفرهم فِيهِ بِمَا راموا حَتَّى أَنه لم يحضر مَعَه مِنْهُم أحد فِي عقد مجْلِس إِلَّا وصنع الله لَهُ وَنَصره عَلَيْهِم بِمَا يظهره على لِسَانه من دحض حججهم الْوَاهِيَة وكشف مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة
стр. 60
الْفَصْل الثَّانِي عشر
من ذكر قوته فِي مرضاة الله وَصَبره على الشدائد واحتماله إِيَّاهَا وثبوته على الْحق الى أَن توفاه الله تَعَالَى على ذَلِك صَابِرًا محتسبا رَاضِيا شاكرا
كَانَ ﵁ من أعظم اهل عصره قُوَّة ومقاما وثبوتا على الْحق وتقريرا لتحقيق تَوْحِيد الْحق لَا يصده عَن ذَلِك لوم لائم وَلَا قَول قَائِل وَلَا يرجع عَنهُ لحجة مُحْتَج بل كَانَ إِذا وضح لَهُ الْحق يعَض عَلَيْهِ بالنواجذ وَلَا يلْتَفت الى مباين معاند فاتفق غَالب النَّاس على معاداته وَجعل من عَادَاهُ قد تستروا باسم الْعلمَاء والزمرة الفاخرة وهم أبلغ النَّاس فِي الاقبال على الدُّنْيَا والاعراض عَن الاخرة
وَسبب عدواتهم لَهُ أَن مقصودهم الاكبر طلب الجاه والرئاسة وإقبال الْخلق ورأوه قد رقاه الله الى ذرْوَة السنام من ذَلِك بِمَا أوقع لَهُ فِي قُلُوب الْخَاصَّة والعامة من الْمَوَاهِب الَّتِي منحه بهَا وهم
стр. 61
عَنْهَا بمعزل فنصبوا عداوته وامتلأت قُلُوبهم بمحاسدته وَأَرَادُوا ستر ذَلِك عَن النَّاس حَتَّى لَا يفْطن بهم فعمدوا الى اخْتِلَاق الْبَاطِل والبهتان عَلَيْهِ والوقوع فِيهِ خُصُوصا عِنْد الامراء والحكام وإظهارهم الانكار عَلَيْهِ مَا يُفْتِي بِهِ من الْحَلَال وَالْحرَام فشققوا قُلُوب الطغام بِمَا إجترحوه من زور الْكَلَام ونسوا ان لكل قَول مقَاما أَي مقَام بَين يَدي أحكم الْحُكَّام يسْأَله هَل قلته بِحَق اَوْ بذام فيجازي المحق دَار السَّلَام والمبطل دَار الانتقام فبعضهم صبا الى اقولهم تقليدا وَصَارَ فِي حق هَذَا الامام جبارا عنيدا واحس بذلك من الْعَامَّة قوم قد أَصْبحُوا للحكام عبيدا وتصوروا أَن أَخذهم بزمام حُصُول المَال يكون شَدِيدا فَأَصْبحُوا وهم لَهُم مُصدقين وَفِي طاعتهم مستبقين
فَاجْتمع من هَذَا التَّرْكِيب العتديد بِحَيْثُ عَادَاهُ اكثر السادات وَالْعَبِيد كل بِحَسب غَرَضه الْفَاسِد
وَهُوَ مَعَ ذَلِك كلما رأى تحاشدهم فِي مباينته وتعاضدهم فِي مناقضته لَا يزْدَاد إِلَّا للحق انتصارا ولكثرة حججه وبراهينه إِلَّا إِظْهَارًا
стр. 62
وَلَقَد سجن أزمانا وأعصارا وسنين وشهورا وَلم يولهم دبره فِرَارًا وَلَقَد قصد أعداؤه الفتك بِهِ مرَارًا وأوسعوا حيلهم عَلَيْهِ إعلانا وإسرارا فَجعل الله حفظه مِنْهُم لَهُ شعارا ودثارا وَلَقَد ظنُّوا ان فِي حَبسه مشينة فَجعله الله لَهُ فَضِيلَة وزينة وَظهر لَهُ يَوْم مَوته مَا لَو رَآهُ واده أقرّ بِهِ عَيْنَيْهِ فَإِن الله تَعَالَى لعلمه بِقرب اجله ألبسهُ الْفَرَاغ عَن الْخلق للقدوم على الْحق اجمل حلله كَونه حبس على غير جريره وَلَا جريمة بل على قُوَّة فِي الْحق وعزيمة
هَذَا مَعَ مَا نشر الله لَهُ من علومه فِي الافاق وبهر بفنونه البصائر والاحداق وملأ بمحاسن مؤلفاته الصُّحُف والاوراق كبتا ورغما للاعداء أهل الْبدع المضلة والاهواء وصنعا عَظِيمَة من رب السَّمَاء لعوائده لخاصة الاولياء اهل الْمحبَّة وَالْوَلَاء
стр. 63
الْفَصْل الثَّالِث عشر
فِي أَن الله جعله حجَّة فِي عصره ومعيارا للحق وَالْبَاطِل ومريد الاجل وَغير مُؤثر العاجل
وَهَذَا امْر قد اشْتهر وَظهر فَإِنَّهُ ﵁ لَيْسَ لَهُ مُصَنف وَلَا نَص فِي مَسْأَلَة وَلَا فَتْوَى إِلَّا وَقد اخْتَار فِيهِ مَا رَجحه الدَّلِيل النقلي والعقلي على غَيره وتحرى قَول الْحق الْمَحْض فبرهن عَلَيْهِ بالبراهين القاطعة الْوَاضِحَة الظَّاهِرَة بِحَيْثُ إِذا سمع ذَلِك ذُو الْفطْرَة السليمة يثلج قلبه بهَا ويجزم بِأَنَّهَا الْحق الْمُبين وتراه فِي جَمِيع مؤلفاته إِذا صَحَّ الحَدِيث عِنْده يَأْخُذ بِهِ وَيعْمل بِمُقْتَضَاهُ ويقدمه على قَول كل قَائِل من عَالم ومجتهد
وَإِذا نظر الْمنصف اليه بِعَين الْعدْل يرَاهُ وَاقِفًا مَعَ الْكتاب وَالسّنة لَا يميله عَنْهُمَا قَول أحد كَائِنا من كَانَ وَلَا يراقب فِي الاخذ بعلومهما أحدا وَلَا يخَاف فِي ذَلِك اميرا وَلَا سُلْطَانا وَلَا سَوْطًا وَلَا سَيْفا وَلَا يرجع عَنْهُمَا لقَوْل أحد وَهُوَ متمسك بالعروة الوثقى وَالْيَد الطُّولى وعامل بقوله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾
стр. 64
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ من شَيْء فَحكمه إِلَى الله﴾
وَمَا سمعنَا انه اشْتهر عَن اُحْدُ مُنْذُ دهر طَوِيل مَا أشتهر عَنهُ من كَثْرَة مُتَابَعَته للْكتاب وَالسّنة والامعان فِي تتبع معانيهما وَالْعَمَل بمقتضاهما وَلِهَذَا لَا يرى فِي مَسْأَلَة اقوالا للْعُلَمَاء إِلَّا وَقد أفتى بأبلغها مُوَافقَة للْكتاب وَالسّنة وتحرى الاخذ بأقومها من جِهَة الْمَنْقُول والمعقول
وَلما من الله عَلَيْهِ بذلك جعله حجَّة فِي عصره لاهله حَتَّى ان اهل الْبَلَد الْبعيد عَنهُ كَانُوا يرسلون اليه بالاستفتاء عَن وقائعهم ويعولون عَلَيْهِ فِي كشف مَا الْتبس عَلَيْهِم حكمه فيشفى غلتهم بأجوبته المسددة ويبرهن على الْحق من اقوال الْعلمَاء الْمقيدَة حَتَّى إِذا وقف عَلَيْهَا كل محق ذُو بَصِيرَة وتقوى مِمَّن قد وفْق لترك الْهوى اذعن بقبولها وَبَان لَهُ حق مدلولها وَإِن سمع عَن أحد من أهل وقته مُخَالفَته فِي حَقه الْمَشْهُور يكون مِمَّن قد ظهر عَلَيْهِ للخاصة وللعامة فعل الشرور والاشتغال بترهات الْغرُور وَمن اراد تَحْقِيق مَا ذكرته فليمعن النّظر ببصيرته فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يرى عَالما من أَي أهل بلد شَاءَ مُوَافقا لهَذَا الامام معترفا بِمَا منحه الله تَعَالَى من صنوف الالهام مثنيا عَلَيْهِ فِي كل محفل ومقام إِلَّا وَرَاءه من
стр. 65
اتبع عُلَمَاء بَلَده للْكتاب وَالسّنة وأشغلهم بِطَلَب الاخرة وارغبهم فِيهَا وابلغهم فِي الاعراض عَنْهَا وأهملهم لَهَا وَلَا يرى عَالما مُخَالفا لَهُ منحرفا عَنهُ ملتبسا بالشحناء لَهُ إِلَّا وَهُوَ من أكبرهم نهمة فِي جمع الدُّنْيَا وأوسعهم حيلا فِي تَحْصِيلهَا وَأَكْثَرهم رِيَاء وأطلبهم سمعة واشهرهم عِنْد ذِي اللب أحوالا ردية وأشدهم على ذَوي الحكم وَالظُّلم دهاء ومكرا وابسطهم فِي الْكَذِب لِسَانا
وَإِن نظ الى محبيه ومبغضيه من الْعَوام رَآهُمْ كَمَا وصفت من اخْتِلَاف القبيلين الاولين وَلَقَد امعنت فكري ونظري فِيمَا ذكرته فرأيته كَمَا وَصفته لَا وَالله مَا اتحرج فِي اُحْدُ مِنْهُمَا وَمن ارتاب فِي ذَلِك فليعتبر هُوَ بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ يرَاهُ كَذَلِك إِن أزاح عَنهُ غطاء الْهوى وَمَا كَانَ ذَلِك كَذَلِك إِلَّا لما علم الله سُبْحَانَهُ من حسن طوية هَذَا الامام وإخلاص قَصده وبذل وَسعه فِي طلب مرضاة ربه ومتابعة سنة نبيه صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه
стр. 66
الْفَصْل الرَّابِع عشر
فِي ذكر وَفَاته وَكَثْرَة من صلى عَلَيْهِ وشيعه
أَخْبرنِي غير وَاحِد مِمَّن كَانَ حَاضرا بِدِمَشْق حِين وَفَاته ﵁
قَالُوا إِن الشَّيْخ قدس الله روحه مرض أَيَّامًا يسيرَة وَكَانَ إِذْ ذَاك الْكَاتِب شمس الدّين الْوَزير بِدِمَشْق المحروسة
فَلَمَّا علم بمرضه اسْتَأْذن فِي الدُّخُول عَلَيْهِ لعيادته فَأذن الشَّيْخ لَهُ فِي ذَلِك فَلَمَّا جلس عِنْده اخذ يعْتَذر لَهُ عَن نَفسه ويلتمس مِنْهُ أَن يحله مِمَّا عساه ان يكون قد وَقع مِنْهُ فِي حَقه من تَقْصِير أَو غَيره
стр. 67
فَأَجَابَهُ الشَّيْخ ﵁ بِأَنِّي قد احللتك وَجَمِيع من عاداني وَهُوَ لَا يعلم أَنِّي على الْحق
وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ إِنِّي قد أحللت السُّلْطَان الْملك النَّاصِر من حَبسه إيَّايَ لكَونه فعل ذَلِك مُقَلدًا غَيره مَعْذُورًا وَلم يَفْعَله لحظ نَفسه بل لما بلغه مِمَّا ظَنّه حَقًا من مبلغة وَالله يعلم انه بِخِلَافِهِ
وَقد احللت كل وَاحِد مِمَّا كَانَ بيني وَبَينه إِلَّا من كَانَ عدوا لله وَرَسُوله
قَالُوا ثمَّ إِن الشَّيْخ ﵁ بَقِي الى لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الْعشْرين من ذِي الْقعدَة الْحَرَام وَتُوفِّي الى رَحْمَة الله تَعَالَى ورضوانه فِي بكرَة ذَلِك الْيَوْم وَذَلِكَ من سنة ثَمَان وَعشْرين وَسبع مئة وَهُوَ على حَاله مُجَاهدًا فِي ذَات الله تَعَالَى صَابِرًا محتسبا لم يجبن وَلم يهلع وَلم يضعف وَلم يتتعتع بل كَانَ ﵁ الى حِين وَفَاته مشتغلا بِاللَّه عَن جَمِيع مَا سواهُ
قَالُوا فَمَا هُوَ إِلَّا أَن سمع النَّاس بِمَوْتِهِ فَلم يبْق فِي دمشق من يَسْتَطِيع المجئ للصَّلَاة عله وارادة إِلَّا حضر لذَلِك وتفرغ لَهُ حَتَّى غلقت الاسواق بِدِمَشْق وعطلت معايشها حِينَئِذٍ وَحصل للنَّاس بمصابه امْر شغلهمْ عَن غَالب امورهم واسبابهم وَخرج الامراء والرؤساء وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والاتراك والاجناد وَالرِّجَال وَالنِّسَاء
стр. 68
وَالصبيان من الْخَواص والعوام
قَالُوا وَلم يتَخَلَّف أحد من غَالب النَّاس فِيمَا اعْلَم إِلَّا ثَلَاثَة انفس كَانُوا قد اشتهروا بمعاندته فاختفوا من النَّاس خوفًا على انفسهم بِحَيْثُ غلب على ظنهم انهم مَتى خَرجُوا رجمهم النَّاس فاهلكوهم
فَغسل ﵁ وكفن
قَالُوا وازدحم من حضر غسله من الْخَاصَّة والعامة على المَاء الْمُنْفَصِل عَن غسله حَتَّى حصل لكل وَاحِد مِنْهُم شَيْء قَلِيل
ثمَّ أخرجت جنَازَته فَمَا هُوَ إِلَّا ان رَآهَا النَّاس فأكبوا عَلَيْهَا من كل جَانب كلا مِنْهُم يقْصد التَّبَرُّك بهَا حَتَّى خشِي على النعش ان يحطم قبل وُصُوله إِلَى الى الْقَبْر فاحدق بهَا الامراء والاجناد وَاجْتمعَ الاتراك فمنعوا النَّاس من الزحام عَلَيْهَا خشيَة من سُقُوطهَا وَعَلَيْهِم من اختناق بَعضهم وَجعلُوا يردونهم عَن الْجِنَازَة بِكُل مَا يُمكنهُم وهم لَا يزدادون إِلَّا إزدحاما وَكَثْرَة حَتَّى ادخلت جَامع بني أُميَّة المحروس ظنا مِنْهُم أَنه يسع النَّاس فَبَقيَ كثير من النَّاس خَارج الْجَامِع وَصلي عَلَيْهِ ﵁ فِي الْجَامِع ثمَّ حمل على ايدي الكبراء والاشراف وَمن حصل لَهُ ذَلِك من جَمِيع النَّاس الى ظَاهر
стр. 69
دمشق وَوضع بِأَرْض فسحة متسعة الاطراف وَصلى عَلَيْهِ النَّاس
قَالَ أحدهم وَكنت أَنا قد صليت عَلَيْهِ فِي الْجَامِع وَكَانَ لي مستشرف على الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ عَلَيْهِ بِظَاهِر دمشق فَأَحْبَبْت ان أنظر إِلَى النَّاس وكثرتهم فَأَشْرَفت عَلَيْهِم حَال الصَّلَاة وَجعلت انْظُر يَمِينا وَشمَالًا وَلَا ارى أواخرهم بل رَأَيْت النَّاس قد طبقوا تِلْكَ الارض كلهَا
وَاتفقَ جمَاعَة من حضر حِينَئِذٍ وَشَاهد النَّاس والمصلين عَلَيْهِ على انهم يزِيدُونَ على خمسماية الف
وَقَالَ العارفون بِالنَّقْلِ والتاريخ لم يسمع بِجنَازَة بِمثل هَذَا الْجمع إِلَّا جَنَازَة الامام احْمَد بن حنيل ﵁
ثمَّ حمل بعد ذَلِك الى قَبره فَوضع وَقد جَاءَ الْكَاتِب شمس الدّين الْوَزير وَلم يكن حَاضرا قبل ذَلِك فصلى عَلَيْهِ ايضا وَمن مَعَه من الامراء والكبراء وَمن شَاءَ الله من النَّاس
وَلم ير لجنازة أحد مَا رئي لجنازته من الْوَقار والهيبة وَالْعَظَمَة وَالْجَلالَة وتعظيم النَّاس لَهَا وتوقيرهم إِيَّاهَا وتفخيمهم امْر صَاحبهَا وثنائهم عَلَيْهِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من الْعلم وَالْعَمَل والزهادة وَالْعِبَادَة والاعراض عَن الدُّنْيَا والاشتغال بالاخرة والفقر والايثار وَالْكَرم والمروءة
стр. 70
وَالصَّبْر والثبات والشجاعة والفراسة والاقدام والصدع بِالْحَقِّ والاغلاظ على اعداء الله واعداء رَسُوله والمنحرفين عَن دينه والنصر لله وَلِرَسُولِهِ ولدينه ولاهله والتواضع لاولياء الله والتذلل لَهُم والاكرام والاعزاز والاحترام لجنابهم وَعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها وَنَعِيمهَا ولذاتها وَشدَّة الرَّغْبَة فِي الاخر والمواظبة على طلبَهَا حَتَّى لتسمع ذَلِك وَنَحْوه من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان
وكل مِنْهُم يثنى عَلَيْهِ بِمَا يُعلمهُ من ذَلِك
وَدفن فِي ذَلِك الْيَوْم ﵁ واعاد علينا من بركاته
ثمَّ جعل النَّاس يتناوبون قَبره للصَّلَاة عَلَيْهِ من الْقرى والاطراف والاماكن والبلاد مشَاة وركبانا
وَمَا وصل خبر مَوته الى بلد فِيمَا نعلم الا وَصلي عَلَيْهِ فِي جَمِيع جوامعه ومجامعه خُصُوصا ارْض مصر وَالشَّام وَالْعراق وتبريز وَالْبَصْرَة وقراها وَغَيرهَا
وختمت لَهُ الختمات الْكَثِيرَة فِي اللَّيَالِي والايام فِي اماكن كَثِيرَة لم يضْبط عَددهَا خُصُوصا بِدِمَشْق المحروسة ومصر وَالْعراق وتبريز وَالْبَصْرَة وَغَيرهَا حَتَّى جعل كثير من النَّاس الْقِرَاءَة لَهُ ديدنا لَهُم واديرت الربعة الشَّرِيفَة على النَّاس لقِرَاءَة الْقرَان الْمجِيد واهدائه لَهُ وَظِيفَة مُعْتَادَة
стр. 71
وَقد رثاه كثير من الْفُضَلَاء بقصائد مُتعَدِّدَة وَلَا يسع هَذَا الْمُخْتَصر ذكرهَا
وَذَلِكَ لما وَجب للشَّيْخ ﵁ عَلَيْهِم من الْحق فِي ارشادهم الى الْحق والمنهج الْمُسْتَقيم بالادلة الْوَاضِحَة الجلية النقلية والعقلية خُصُوصا فِي اصول الدّين فَإِن الله انْعمْ على النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان الَّذِي قد ظَهرت فِيهِ الْبدع واميتت السّنَن وَصَارَ اغلب اهله ممرجين فِي الْبدع وَالْحرَام من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَمن حَيْثُ لَا يعلمُونَ
وَمن الله عَلَيْهِم بِمَا وَفقه لَهُ من ايضاح اصول الدّين وتبيين الْحق الْمَحْض والاعتقاد الْعدْل وافراده عَن غَيره من الْبدع والضلالات بِأُمُور لم يسْبق الى مثلهَا واظهارها على لِسَانه بِمَا اورده من ذَلِك فِي مؤلفاته ومصنفاته وقواعده الْمُطَابقَة للحق وتقريراته وَمَا ابرزه من الْحجَج والبراهين الظَّاهِرَة الْمُوَافقَة للمعقول وَالْمَنْقُول مِمَّا لم يتَمَكَّن اُحْدُ من الْمُتَكَلِّمين والمناظرين الاتيان بِمثلِهِ وَمَا اظهره واورده من كَثْرَة الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة بعد النقلية حَتَّى قطع بِهِ جَمِيع المبتدعين وكشف بِهِ عوار حجج الشاكين المشككين
стр. 72
فجزاه الله احسن الْجَزَاء عَن الاسلام وَالْمُسْلِمين وَسُبْحَان من اعطاه مَا اولاه ومده بِحسن التَّوْفِيق الى مَا هداه واعانه بِالصبرِ الْجَمِيل الى ان توفاه وَرَضي عَنهُ وارضاه ورزقنا وكافة الْمُسلمين الْحَيَاة وَالْمَوْت على الْكتاب وَالسّنة حَتَّى نَلْقَاهُ والاعتصام بهما فِي جَمِيع مَا نتلقاه