Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الْفَصْل الأول
فِي ذكر منشأه وعمره وَمُدَّة عمره رضى الله عَنهُ وأرضاه
أما مولده فَكَانَ كَمَا اخبرني بِهِ غير وَاحِد من الْحفاظ انه ولد فِي حران فِي عَاشر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وست مئة وَبَقِي بهَا إِلَى أَن بلغ سبع سِنِين ثمَّ انْتقل بِهِ وَالِده ﵀ إِلَى دمشق المحروسة فَنَشَأَ بهَا أتم إنْشَاء وازكاه وأنبته الله احسن النَّبَات واوفاه وَكَانَت مخايل النجابة عَلَيْهِ فِي صغره لائحة وَدَلَائِل الْعِنَايَة فِيهِ وَاضِحَة اخبرني من أَثِق بِهِ عَن من حَدثهُ
стр. 2
أَن الشَّيْخ ﵁ فِي حَال صغره كَانَ إِذا أَرَادَ الْمُضِيّ إِلَى الْمكتب يَعْتَرِضهُ يَهُودِيّ كَانَ منزله بطريقه بمسائل يسْأَله عَنْهَا لما كَانَ يلوح عَلَيْهِ من الذكاء والفطنة وَكَانَ يجِيبه عَنْهَا سَرِيعا حَتَّى تعجب مِنْهُ ثمَّ انه صَار كلما اجتاز بِهِ يُخبرهُ بأَشْيَاء مِمَّا يدل على بطلَان مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلم يلبث أَن اسْلَمْ وَحسن إِسْلَامه وَكَانَ ذَلِك ببركة الشَّيْخ على صغر سنه
وَلم يزل مُنْذُ أبان صغره مُسْتَغْرق الْأَوْقَات فِي الْجهد وَالِاجْتِهَاد وَختم الْقرَان صَغِيرا ثمَّ اشْتغل بِحِفْظ الحَدِيث وَالْفِقْه والعربية حَتَّى برع فِي ذَلِك مَعَ مُلَازمَة مجَالِس الذّكر وَسَمَاع الْأَحَادِيث
стр. 3
والْآثَار وَلَقَد سمع غير كتاب على غير شيخ من ذَوي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة الْعَالِيَة أما دواوين الْإِسْلَام الْكِبَار ك مُسْند احْمَد وصحيح البُخَارِيّ وَمُسلم وجامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُود السجسْتانِي وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ ﵀ وَرَضي عَنْهُم وَعنهُ فَإِنَّهُ سمع كل وَاحِد مِنْهَا عدَّة مَرَّات وَأول كتاب حفظه فِي الحَدِيث الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ للْإِمَام الْحميدِي وَقل كتاب من فنون الْعلم إِلَّا وقف عَلَيْهِ وَكَانَ الله قد خصّه بِسُرْعَة الْحِفْظ وإبطاء النسْيَان لم يكن يقف على شَيْء أَو يستمع لشَيْء غَالِبا الا وَيبقى على خاطره أما بِلَفْظِهِ أَو مَعْنَاهُ وَكَانَ الْعلم كَأَنَّهُ قد اخْتَلَط بِلَحْمِهِ وَدَمه وسائره فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ مستعارا بل كَانَ لَهُ شعارا ودثارا لم يزل آباؤه أهل الدِّرَايَة التَّامَّة والنقد والقدم الراسخة فِي الْفضل لَكِن جمع الله لَهُ مَا خرق بِمثلِهِ الْعَادة ووفقه فِي جَمِيع أمره لإعلام السَّعَادَة وَجعل مآثره لإمامته من اكبر شَهَادَة حَتَّى اتّفق كل ذِي عقل سليم انه
стр. 4
مِمَّن عني نَبينَا ﷺ بقوله أَن الله يبْعَث على رَأس كل مئة سنة من يجدد لهَذِهِ الْأمة أَمر دينهَا فَلَقَد احيا الله بِهِ مَا كَانَ قد درس من شرائع الدّين وَجعله حجَّة على أهل عصره أَجْمَعِينَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
стр. 5
الْفَصْل الثَّانِي
فِي غزارة علومه ومؤلفاته ومصنفاته
وسعة نَقله فِي فَتَاوِيهِ ودروسه البديهية ومنصوصاته
أما غزارة علومه فَمِنْهَا ذكر مَعْرفَته بعلوم الْقُرْآن الْمجِيد واستنباطه لدقائقه وَنَقله لأقوال الْعلمَاء فِي تَفْسِيره واستشهاده بدلائله وَمَا أودعهُ الله تَعَالَى فِيهِ من عجائبه وفنون حكمه وغرائب نوادره وباهر فَصَاحَته وَظَاهر ملاحته فَإِنَّهُ فِيهِ من الْغَايَة الَّتِي ينتهى اليها وَالنِّهَايَة الَّتِي يعول عَلَيْهَا
وَلَقَد كَانَ إِذا قريء فِي مَجْلِسه آيَات من الْقُرْآن الْعَظِيم يشرع فِي تَفْسِيرهَا فينقضي الْمجْلس بجملته والدرس برمتِهِ وَهُوَ فِي تَفْسِير بعض آيَة مِنْهَا وَكَانَ مَجْلِسه فِي وَقت مُقَدّر بِقدر ربع النَّهَار يفعل ذَلِك بديهة من غير أَن يكون لَهُ قَارِئ معِين يقْرَأ لَهُ شَيْئا معينا يبيته ليستعد لتفسيره بل كَانَ من حضر يقْرَأ مَا تيَسّر
стр. 6
وَيَأْخُذ هُوَ فِي القَوْل على تَفْسِيره وَكَانَ غَالِبا لَا يقطع إِلَّا وَيفهم السامعون أَنه لَوْلَا مُضِيّ الزَّمن الْمُعْتَاد لاورد أَشْيَاء أخر فِي معنى مَا هُوَ فِيهِ من التَّفْسِير لَكِن يقطع نظرا فِي مصَالح الْحَاضِرين
وَلَقَد أمْلى فِي تَفْسِير ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ مجلدا كَبِيرا
وَقَوله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ نَحْو خمس وَثَلَاثِينَ كراسة
وَلَقَد بَلغنِي انه شرع فِي جمع تَفْسِير لَو أتمه لبلغ خمسين مجلدا
أما مَعْرفَته وبصره بِسنة رَسُول الله ﷺ وأقواله وأفعاله وقضاياه وَوَقَائعه وغزواته وسراياه وبعوثه وَمَا خصّه الله تَعَالَى من كراماته ومعجزاته ومعرفته بِصَحِيح الْمَنْقُول عَنهُ وسقيمه وَبَقِيَّة الْمَنْقُول عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي أَقْوَالهم وأفعالهم وقضاياهم وفتاويهم واحوالهم وأحوال مجاهداتهم فِي دين الله وَمَا خصوا بِهِ من بَين الامة فَإِنَّهُ كَانَ ﵁ من أضبط النَّاس لذَلِك وأعرفهم فِيهِ وأسرعهم استحضارا لما يُريدهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ قل أَن ذكر حَدِيثا فِي مُصَنف أَو فَتْوَى أَو اسْتشْهد بِهِ أَو اسْتدلَّ بِهِ إِلَّا وَعَزاهُ فِي أَي دواوين الْإِسْلَام هُوَ وَمن أَي قسم
стр. 7
من الصَّحِيح أَو الْحسن أَو غَيرهمَا وَذكر اسْم رِوَايَة من الصَّحَابَة وَقل أَن يسْأَل عَن اثر إِلَّا وَبَين فِي الْحَال حَاله وَحَال أمره وذاكره
وَمن أعجب الْأَشْيَاء فِي ذَلِك أَنه فِي محنته الأولى بِمصْر لما أَخذ وسجن وحيل بَينه وَبَين كتبه صنف عدَّة كتب صغَارًا وكبارا وَذكر فِيهَا مَا احْتَاجَ إِلَى ذكره من الْأَحَادِيث والْآثَار وأقوال الْعلمَاء وَأَسْمَاء الْمُحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وَعزا كل شئ من ذَلِك إِلَى ناقليه وقائليه بِأَسْمَائِهِمْ وَذكر أَسمَاء الْكتب الَّتِي ذكر فِيهَا وَأي مَوضِع هُوَ مِنْهَا كل ذَلِك بديهة من حفظه لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده حِينَئِذٍ كتاب يطالعه ونقبت واختبرت واعتبرت فَلم يُوجد فِيهَا بِحَمْد الله خلل وَلَا تغير وَمن جُمْلَتهَا كتاب الصارم المسلول على شاتم الرَّسُول
وَهَذَا من الْفضل الَّذِي خصّه الله تَعَالَى بِهِ
وَمِنْهَا مَا منحه الله تَعَالَى من معرفَة اخْتِلَاف الْعلمَاء ونصوصهم وَكَثْرَة أَقْوَالهم واجتهادهم فِي الْمسَائِل وَمَا رُوِيَ عَن كل مِنْهُم
стр. 8
من رَاجِح ومرجوح ومقبول ومردود فِي كل زمَان وَمَكَان وبصره الصَّحِيح الثاقب الصائب للحق مِمَّا قَالُوهُ ونقلوه وَعَزوه ذَلِك إِلَى الْأَمَاكِن الَّتِي بهَا أودعوه حَتَّى كَانَ إِذا سُئِلَ عَن شئ من ذَلِك كَأَن جَمِيع الْمَنْقُول عَن الرَّسُول ﷺ وَأَصْحَابه وَالْعُلَمَاء فِيهِ من الاولين والآخرين مُتَصَوّر مسطور بإزائه يَقُول مِنْهُ مَا شَاءَ الله ويذر مَا يَشَاء وَهَذَا قد اتّفق عَلَيْهِ كل من رَآهُ أَو وقف على شئ من علمه مِمَّن لَا يُغطي عقله الْجَهْل والهوى
وَأما مؤلفاته ومصنفاته فَإِنَّهَا اكثر من أَن أقدر على إحصائها أَو يحضرني جملَة أسمائها بل هَذَا لَا يقدر عَلَيْهِ غَالِبا أحد لِأَنَّهَا كَثِيرَة جدا كبارًا وصغارا وَهِي منشورة فِي الْبلدَانِ فَقل بلد نزلته إِلَّا وَرَأَيْت فِيهِ من تصانيفه
فَمِنْهَا مَا يبلغ إثني عشر مجلدا ك تَلْخِيص التلبيس على أساس التَّقْدِيس وَغَيره
وَمِنْهَا مَا يبلغ سبع مجلدات ك الْجمع بَين الْعقل وَالنَّقْل
стр. 9
وَمِنْهَا مَا يبلغ خمس مجلدات وَمِنْهَا منهاج الاسْتقَامَة والاعتدال وَنَحْوه
وَمِنْهَا مَا يبلغ ثَلَاث مجلدات ك الرَّد على النَّصَارَى وَشبهه
وَمِنْهَا مجلدان ك نِكَاح الْمُحَلّل وَإِبْطَال الْحِيَل وَشرح العقيدة الأصبهانية
وَمِنْهَا مُجَلد وَدون ذَلِك وَهَذَانِ القسمان من مؤلفاته فَهِيَ كَثِيرَة جدا لَا يمكنني استقصاؤها لَكِن اذكر بَعْضهَا إستئناسا
كتاب تَفْسِير سُورَة الاخلاص مُجَلد
كتاب الْكَلَام على قَوْله الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى
كتاب الصارم المسلول على شاتم الرَّسُول مُجَلد
كتاب الْفرْقَان الْمُبين بَين الطَّلَاق وَالْيَمِين
كتاب الْفرق بَين أَوْلِيَاء الرَّحْمَن وأولياء الشَّيْطَان
стр. 10
كتاب اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم مُخَالفَة أَصْحَاب الْجَحِيم
كتاب الْكَلم الطّيب
كتاب إِثْبَات الْكَمَال
كتاب الرَّد على تأسيس التَّقْدِيس
كتاب الْجمع بَين الْعقل وَالنَّقْل
كتاب نقض أَقْوَال المبتدعين
كتاب الرَّد على النَّصَارَى
كتاب منهاج الاسْتقَامَة
كتاب إبِْطَال الْحِيَل وَنِكَاح الْمُحَلّل
كتاب شرح العقيدة الاصبهانية
كتاب الفتاوي
كتاب الدّرّ الْمُلْتَقط
كتاب أَحْكَام الطَّلَاق
كتاب الرسَالَة
كتاب اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية
стр. 11
كتاب رفع الملام عَن الْأَئِمَّة الْأَعْلَام
كتاب تَقْرِير مسَائِل التَّوْحِيد
كتاب الاستغاثة والتوسل
كتاب الْمسَائِل الحموية
كتاب الْمسَائِل الجزرية
كتاب الْمسَائِل المفردة
وَلَا يَلِيق هَذَا الْمُخْتَصر بِأَكْثَرَ من هَذَا الْقدر من مؤلفاته وَإِلَّا فَيمكن تعداد مَا ينيف على المأتين لَكِن لم نر الإطالة بِذكرِهِ
وَأما فَتَاوِيهِ ونصوصه وأجوبته على الْمسَائِل فَهِيَ اكثر من أَن اقدر على إحصائها لَكِن دون بِمصْر مِنْهَا على أَبْوَاب الْفِقْه سَبْعَة عشر مجلدا وَهَذَا ظَاهر مَشْهُور وَجمع أَصْحَابه اكثر من أَرْبَعِينَ ألف مَسْأَلَة وَقل أَن وَقعت وَاقعَة وَسُئِلَ عَنْهَا إِلَّا وَأجَاب فِيهَا بديهة بِمَا بهر واشتهر وَصَارَ ذَلِك الْجَواب كالمصنف الَّذِي يحْتَاج فِيهِ غَيره إِلَى زمن طَوِيل ومطالعة كتب وَقد لَا يقدر مَعَ ذَلِك على إبراز مثله
أَخْبرنِي الشَّيْخ الصَّالح تَاج الدّين مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الدوري انه حضر مجْلِس الشَّيْخ رضى الله عَنهُ وَقد سَأَلَهُ
стр. 12
يَهُودِيّ عَن مسأله فِي الْقدر قد نظمها شعرًا فِي ثَمَانِيَة أَبْيَات
فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا فكر لَحْظَة يسيرَة وانشأ يكْتب جوابها وَجعل يكْتب وَنحن نظن انه يكْتب نثرا فَلَمَّا فرغ تَأمله من حضر من أَصْحَابه وَإِذا هُوَ نظم فِي بَحر أَبْيَات السُّؤَال وقافيتها تقرب من مائَة وَأَرْبَعَة وَثَمَانِينَ بَيْتا وَقد ابرز فِيهَا من الْعُلُوم مَا لَو شرح بشرح لجاء شَرحه مجلدين كبيرين هَذَا من جملَة بواهره وَكم من جَوَاب فَتْوَى لم يسْبق إِلَى مثله
وَأما ذكر دروسه فقد كنت فِي حَال إقامتي بِدِمَشْق لَا أفوتها وَكَانَ لَا يهييء شَيْئا من الْعلم ليلقيه ويورده بل يجلس بعد أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فيحمد الله ويثني عَلَيْهِ وَيُصلي على رَسُوله ﷺ على صفة مستحسنة مستعذبة لم اسمعها من غَيره ثمَّ يشرع فَيفتح الله عَلَيْهِ إِيرَاد عُلُوم وغوامض ولطائف ودقائق
стр. 13
وفنون ونقول واستدلالات بآيَات وَأَحَادِيث وأقوال الْعلمَاء وَنصر بَعْضهَا وَتبين صِحَّته أَو تزييف بَعْضهَا وإيضاح حجَّته واستشهاد بأشعار الْعَرَب وَرُبمَا ذكر اسْم ناظمها وَهُوَ مَعَ ذَلِك يجْرِي كَمَا يجْرِي السَّيْل وَيفِيض كَمَا يفِيض الْبَحْر وَيصير مُنْذُ يتَكَلَّم إِلَى أَن يفرغ كالغائب عَن الْحَاضِرين مغمضا عَيْنَيْهِ وَذَلِكَ كُله مَعَ عدم فكر فِيهِ أَو روية من غير تعجرف وَلَا توقف وَلَا لحن بل فيض الهي حَتَّى يبهر كل سامع وناظر فَلَا يزَال كَذَلِك إِلَى أَن يصمت وَكنت اراه حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ قد صَار بِحَضْرَة من يشْغلهُ عَن غَيره وَيَقَع عَلَيْهِ إِذْ ذَاك من المهابة مَا يرعد الْقُلُوب ويحير الْأَبْصَار والعقول
وَكَانَ لَا يذكر رَسُول الله ﷺ قطّ الا وَيُصلي وَيسلم عَلَيْهِ وَلَا وَالله مَا رَأَيْت أحدا اشد تَعْظِيمًا لرَسُول الله ﷺ وَلَا احرص على أَتْبَاعه وَنصر مَا جَاءَ بِهِ مِنْهُ حَتَّى إِذا كَانَ ورد شَيْئا من حَدِيثه فِي مَسْأَلَة وَيرى انه لم ينسخه شَيْء
стр. 14
غَيره من حَدِيثه يعْمل بِهِ وَيَقْضِي ويفتي بِمُقْتَضَاهُ وَلَا يلْتَفت الى قَول غَيره من المخلوقين كَائِنا من كَانَ وَقَالَ ﵁ كل قَائِل إِنَّمَا يحْتَج لقَوْله لَا بِهِ أَلا الله وَرَسُوله
وَكَانَ إِذا فرغ من درسه يفتح عَيْنَيْهِ وَيقبل على النَّاس بِوَجْه طلق بشيش وَخلق دمث كَأَنَّهُ قد لَقِيَهُمْ حِينَئِذٍ وَرُبمَا اعتذر إِلَى بَعضهم من التَّقْصِير فِي الْمقَال مَعَ ذَلِك الْحَال وَلَقَد كَانَ درسه الَّذِي يُورِدهُ حِينَئِذٍ قدر عدَّة كراريس وَهَذَا الَّذِي ذكرته من أَحْوَال درسه أَمر مَشْهُور يوافقني عَلَيْهِ كل حَاضر بهَا وهم بِحَمْد الله خلق كثير لم يحصر عَددهمْ عُلَمَاء ورؤساء وفضلاء من الْقُرَّاء والمحدثين وَالْفُقَهَاء والأدباء وَغَيرهم من عوام الْمُسلمين
стр. 15
الْفَصْل الثَّالِث
فِي ذكر مَعْرفَته بأنواع أَجنَاس الْمَذْكُور وَالْمقول وَالْمَنْقُول والمتصور وَالْمَفْهُوم والمعقول
أما مَعْرفَته بِصَحِيح الْمَنْقُول وسقيمه فَإِنَّهُ فِي ذَلِك من الْجبَال الَّتِي لَا ترتقي ذروتها وَلَا ينَال سنامها قل أَن ذكر لَهُ قَول الا وَقد احاط علمه بمبتكره وذاكره وناقله واثره أَو راو الا وَقد عرف حَاله من جرح وتعديل بإجمال وتفصيل
حكى من يوثق بنقله انه كَانَ يَوْمًا بِمَجْلِس ومحدث يقْرَأ عَلَيْهِ بعض الْكتب الحديثية وَكَانَ سريع الْقِرَاءَة فعارضه الشَّيْخ فِي اسْم رجل فِي سَنَد الحَدِيث قد ذكره القاريء بِسُرْعَة فَذكر الشَّيْخ ان اسْمه فلَان بِخِلَاف مَا قَرَأَ فاعتبروه فوجدوه كَمَا قَالَ الشَّيْخ
فَانْظُر الى هَذَا الادراك السَّرِيع والتنبيه الدَّقِيق العجيب وَلَا يقدر على مثله الا من اشتدت مَعْرفَته وَقَوي ضَبطه
وَأما مَا وهبه الله تَعَالَى ومنحه بِهِ من استنباط الْمعَانِي من الالفاظ النَّبَوِيَّة والاخبار المروية وابراز الدَّلَائِل مِنْهَا على الْمسَائِل وَتبين مَفْهُوم اللَّفْظ ومنطوقه وايضاح الْمُخَصّص للعام والمقيد للمطلق
стр. 16
والناسخ للمنسوخ وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا وَمَا يحْتَاج فِيهِ اليها
حَتَّى كَانَ اذا ذكر آيَة اَوْ حَدِيثا وَبَين مَعَانِيه وَمَا اريد بِهِ اعْجَبْ الْعَالم الفطن من حسن استنباطه ويدهشه مَا سَمعه اَوْ وقف عَلَيْهِ مِنْهُ
وَلَقَد سُئِلَ يَوْمًا عَن الحَدِيث لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ فَلم يزل يُورد فِيهِ وَعَلِيهِ حَتَّى بلغ كَلَامه فِيهِ مجلدا كَبِيرا
وَقل ان كَانَ يذكر لَهُ حَدِيث اَوْ حكم فيشاء ان يتَكَلَّم عَلَيْهِ يَوْمه اجْمَعْ الا فعل اَوْ يقْرَأ بِحَضْرَتِهِ اية من كتاب الله تَعَالَى ويشرع فِي تَفْسِيرهَا الا وَقطع الْمجْلس كُله فِيهَا
واما مَا خصة الله تَعَالَى بِهِ من مُعَارضَة اهل الْبدع فِي بدعتهم واهل الاهواء فِي اهوائهم وَمَا الفه فِي ذَلِك من دحض اقوالهم وتزييف امثالهم واشكالهم واظهار عوارهم وانتحالهم وتبديد شملهم وَقطع اوصالهم واجوبته عَن شبههم الشيطانية ومعارضتهم النفسانية للشريعة الحنيفية المحمدية بِمَا منحه الله تَعَالَى بِهِ
стр. 17
من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية والتوضيحات الْعَقْلِيَّة حَتَّى ينْكَشف قناع الْحق وَبَان بِمَا جمعه فِي ذَلِك والفه الْكَذِب من الصدْق حَتَّى لَو ان اصحابها احياء ووفقوا لغير الشَّقَاء لاذعنوا لَهُ بالتصديق ودخلوا فِي الدّين الْعَتِيق
وَلَقَد وَجب على كل من وقف عَلَيْهَا وَفهم مَا لَدَيْهَا ان يحمد الله تَعَالَى على حسن توفيقه هَذَا الامام لنصر الْحق بالبراهين الْوَاضِحَة الْعِظَام
حَدثنِي غير وَاحِد من الْعلمَاء الْفُضَلَاء النبلاء الممعنين بالخوض فِي اقاويل الْمُتَكَلِّمين لاصابة الثَّوَاب وتمييز القشر من اللّبَاب
ان كلا مِنْهُم لم يزل حائرا فِي تجاذب اقوال الاصوليين ومعقولاتهم وانه لم يسْتَقرّ فِي قلبه مِنْهَا قَول وَلم يبن لَهُ من مضمونها حق بل رَآهَا كلهَا موقعة فِي الْحيرَة والتضليل وجلها ممعن بتكلف الادلة وَالتَّعْلِيل وانه كَانَ خَائفًا على نَفسه من الْوُقُوع بِسَبَبِهَا فِي التشكيك والتعطيل حَتَّى من الله تَعَالَى عَلَيْهِ بمطالعته مؤلفات هَذَا الامام احْمَد ابْن تَيْمِية شيخ الاسلام وَمَا اورده من النقليات والعقليات فِي هَذَا النظام فَمَا هُوَ الا ان وقف عَلَيْهَا وفهمها فرآها مُوَافقَة لِلْعَقْلِ السَّلِيم وَعلمهَا حَتَّى انجلى مَا كَانَ قد غشيه من اقوال الْمُتَكَلِّمين من الظلام وَزَالَ عَنهُ مَا خَافَ ان
стр. 18
يَقع فِيهِ من الشَّك وظفر بالمرام
وَمن اراد اختبار صِحَة مَا قلته فليقف بِعَين الانصاف الْعرية عَن الْحَسَد والانحراف ان شَاءَ على مختصراته فِي هَذَا الشَّأْن ك شرح الاصبهانية وَنَحْوهَا وان شَاءَ على مطولاته ك تَخْلِيص التلبيس من تأسيس التَّقْدِيس والموافقة بَين الْعقل وَالنَّقْل ومنهاج الاسْتقَامَة والاعتدال فَإِنَّهُ وَالله يظفر بِالْحَقِّ وَالْبَيَان ويستمسك بأوضح برهَان ويزن حِينَئِذٍ فِي ذَلِك بأصح ميزَان
وَلَقَد اكثر ﵁ التصنيف فِي الاصول فضلا عَن غَيره من بَقِيَّة الْعُلُوم فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك والتمست مِنْهُ تأليف نَص فِي الْفِقْه يجمع اختياراته وترجيحاته ليَكُون عُمْدَة فِي الافتاء فَقَالَ لي مَا مَعْنَاهُ الْفُرُوع امرها قريب وَمن قلد الْمُسلم فِيهَا اُحْدُ الْعلمَاء المقلدين جَازَ لَهُ الْعَمَل بقوله مَا لم يتَيَقَّن خطأه واما الاصول فَإِنِّي رايت اهل الْبدع والضلالات والاهواء كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة والقائلين بوحدة الْوُجُود والدهرية والقدرية والنصيرية والجهمية والحلولية والمعطلة والمجسمة والمشبهة والراوندية والكلابية والسليمية وَغَيرهم من اهل الْبدع
قد تجاذبوا فِيهَا بأزمة الضلال وَبَان لي ان كثيرا مِنْهُم انما قصد ابطال الشَّرِيعَة المقدسة المحمدية الظَّاهِرَة الْعلية على كل دين وان جمهورهم اوقع النَّاس فِي التشكيك فِي اصول دينهم وَلِهَذَا
стр. 19
قل ان سَمِعت اَوْ رَأَيْت معرضًا عَن الْكتاب وَالسّنة مُقبلا على مقالاتهم الا وَقد تزندق اَوْ صَار على غير يَقِين فِي دينه واعتقاده
فَلَمَّا رَأَيْت الامر على ذَلِك بَان لي انه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم واباطيلهم وَقطع حجتهم واضاليلهم ان يبْذل جهده ليكشف رذائلهم ويزيف دلائلهم ذبا عَن المللة الحنيفية وَالسّنة الصَّحِيحَة الجلية
وَلَا وَالله مَا رَأَيْت فيهم احدا مِمَّن صنف فِي هَذَا الشَّأْن وَادّعى عُلُوم الْمقَام الا وَقد ساعد بمضمون كَلَامه فِي هدم قَوَاعِد دين الاسلام
وَسبب ذَلِك اعراضه عَن الْحق الْوَاضِح الْمُبين وَعَن مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل الْكِرَام عَن رب الْعَالمين واتباعه طرق الفلسفة فِي الاصطلاحات الَّتِي سَموهَا بزعمهم حكميات وعقليات وانما هِيَ جهالات وضلالات وَكَونه التزمها معرضًا عَن غَيرهَا اصلا ورأسا فَغلبَتْ عَلَيْهِ حَتَّى غطت على عقله السَّلِيم فتخبط حَتَّى خبط فِيهَا عشوا وَلم يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل والا فَالله اعظم لطفا بعباده ان لَا يَجْعَل لَهُم عقلا يقبل الْحق ويثبته وَيبْطل الْبَاطِل وينفيه لَكِن عدم التَّوْفِيق وَغَلَبَة الْهوى اوقع من اوقع فِي الضلال وَقد جعل الله تَعَالَى الْعقل السَّلِيم من الشوائب ميزانا يزن بِهِ العَبْد الواردات فَيُفَرق بِهِ بَين مَا هُوَ من قبيل الْحق
стр. 20
وَمَا هُوَ من قبيل الْبَاطِل وَلم يبْعَث الله الرُّسُل الا الى ذَوي الْعقل وَلم يَقع التَّكْلِيف الا مَعَ وجوده فَكيف يُقَال انه مُخَالف لبَعض مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل الْكِرَام عَن الله تَعَالَى هَذَا بَاطِل قطعا يشْهد لَهُ كل عقل سليم لَكِن ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
قَالَ الشَّيْخ الامام قدس الله روحه فَهَذَا وَنَحْوه هُوَ الَّذِي اوجب اني صرفت جلّ همي الى الاصول والزمني ان اوردت مقالاتهم واجبت عَنْهَا بِمَا انْعمْ الله تَعَالَى بِهِ من الاجوبة النقلية والعقلية
قلت وَقد ابان بِحَمْد الله تَعَالَى فِيمَا الف فِيهَا لكل بَصِير الْحق من الْبَاطِل واعانة بتوفيقه حَتَّى رد عَلَيْهِم بدعهم وآراءهم وخدعهم واهواءهم مَعَ الدَّلَائِل النقلية بالطريقة الْعَقْلِيَّة حَتَّى يُجيب عَن كل شُبْهَة من شبههم بعدة اجوبة جلية وَاضِحَة يَعْقِلهَا كل ذِي عقل صَحِيح وَيشْهد لصحتها كل عَاقل رجيح
فَالْحَمْد لله الَّذِي من علينا بِرُؤْيَتِهِ وصحبته فَلَقَد جعله الله حجَّة على اهل هَذَا الْعَصْر المعرض غَالب اهله عَن قَلِيله وَكَثِيره لاشتغالهم بفاني الدُّنْيَا عَمَّا يحصل بِهِ بَاقِي الاخرة فَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه
لَكِن الله ذُو الْقُوَّة المتين ضمن حفظ هَذَا الدّين الى يَوْم الدّين واظهره على كل دين فَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
стр. 21
الْفَصْل الرَّابِع
فِي ذكر تعبده
اما تعبده ﵁ فَإِنَّهُ قل ان سمع بِمثلِهِ لانه كَانَ قد قطع جلّ وقته وزمانه فِيهِ حَتَّى انه لم يَجْعَل لنَفسِهِ شاغلة تشغله عَن الله تَعَالَى مَا يُرَاد لَهُ لَا من اهل وَلَا من مَال
وَكَانَ فِي لَيْلَة متفردا عَن النَّاس كلهم خَالِيا بربه ضارعا مواظبا على تِلَاوَة الْقُرْآن الْعَظِيم مكررا لانواع التعبدات الليلية والنهارية وَكَانَ اذا ذهب اللَّيْل وَحضر مَعَ النَّاس بَدَأَ بِصَلَاة الْفجْر يَأْتِي بسنتها قبل اتيانه اليهم وَكَانَ اذا احرم بِالصَّلَاةِ تكَاد تتخلع الْقُلُوب لهيبة اتيانه بتكبيرة الاحرام فَإِذا دخل فِي الصَّلَاة ترتعد اعضاؤه حَتَّى يميله يمنة ويسرة وَكَانَ اذا قَرَأَ يمد قِرَاءَته مدا كَمَا صَحَّ فِي قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ وَكَانَ رُكُوعه
стр. 22
وَسُجُوده وانتصابه عَنْهُمَا من اكمل مَا ورد فِي صَلَاة الْفَرْض وَكَانَ يُخَفف جُلُوسه للتَّشَهُّد الاول خفَّة شَدِيدَة ويجهر بالتسليمة الاولي حَتَّى يسمع كل من حضر
فَإِذا فرغ من الصَّلَاة اثنى على الله هُوَ وَمن حضر بِمَا ورد من قَوْله اللَّهُمَّ انت السَّلَام ومنك السَّلَام تَبَارَكت يَا ذَا الْجلَال والاكرام ثمَّ يقبل على الْجَمَاعَة ثمَّ يَأْتِي بالتهليلات الواردات حِينَئِذٍ ثمَّ يسبح الله وَيَحْمَدهُ ويكبره ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيخْتم الْمِائَة بالتهليل كَمَا ورد وَكَذَا الْجَمَاعَة ثمَّ يَدْعُو الله تَعَالَى لَهُ وَلَهُم وللمسلمين اجناس مَا ورد
وَكَانَ غَالب دُعَائِهِ
اللَّهُمَّ انصرنا وَلَا تنصر علينا وامكر لنا وَلَا تَمْكُر علينا واهدنا وَيسر الْهدى لنا اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَك شاكرين لَك ذاكرين لَك اواهين لَك مخبتين اليك راغبين اليك راهبين لَك مطاويع رَبنَا تقبل توباتنا واغسل حوباتنا وَثَبت حجَجنَا
стр. 23
واهد قُلُوبنَا اسلل سخيمة صدورنا
يفتتحه ويختمه بِالصَّلَاةِ على النَّبِي ﷺ ثمَّ يشرع فِي الذّكر
وَكَانَ قد عرفت عَادَته لَا يكلمهُ اُحْدُ بِغَيْر ضَرُورَة بعد صَلَاة الْفجْر فَلَا يزَال فِي الذّكر يسمع نَفسه وَرُبمَا يسمع ذكره من الى جَانِبه مَعَ كَونه فِي خلال ذَلِك يكثر من تقليب بَصَره نَحْو السَّمَاء هَكَذَا دأبه حَتَّى ترْتَفع الشَّمْس وَيَزُول وَقت النَّهْي عَن الصَّلَاة
وَكنت مُدَّة اقامتي بِدِمَشْق ملازمه جلّ النَّهَار وَكَثِيرًا من اللَّيْل وَكَانَ يدنيني مِنْهُ حَتَّى يجلسني الى جَانِبه وَكنت اسْمَع مَا يَتْلُو وَمَا يذكر حِينَئِذٍ فرأيته يقْرَأ الْفَاتِحَة ويكررها وَيقطع ذَلِك الْوَقْت كُله اعني من الْفجْر الى ارْتِفَاع الشَّمْس فِي تَكْرِير تلاوتها
ففكرت فِي ذَلِك لم قد لزم هَذِه السُّورَة دون غَيرهَا فَبَان لي وَالله اعْلَم ان قَصده بذلك ان يجمع بتلاوتها حِينَئِذٍ بَين مَا ورد فِي الاحاديث وَمَا ذكره الْعلمَاء هَل يسْتَحبّ حِينَئِذٍ تَقْدِيم الاذكار الْوَارِدَة على تِلَاوَة الْقُرْآن اَوْ الْعَكْس فراى ﵁ ان فِي الْفَاتِحَة وتكرارها حِينَئِذٍ جمعا بَين الْقَوْلَيْنِ وتحصيلا للفضيلتين وَهَذَا من قُوَّة فطنته وثاقب بصيرته
стр. 24
ثمَّ انه كَانَ يرْكَع فَإِذا اراد سَماع حَدِيث فِي مَكَان اخر سارع اليه من فوره مَعَ من يَصْحَبهُ
فَقل ان يرَاهُ اُحْدُ مِمَّن لَهُ بَصِيرَة الا وانكب على يَدَيْهِ يقبلهما حَتَّى انه كَانَ اذا رَاه ارباب المعايش يتخطون من حوانيتهم للسلام عَلَيْهِ والتبرك بِهِ وَهُوَ مَعَ هَذَا يُعْطي كلا مِنْهُم نَصِيبا وافرا من السَّلَام وَغَيره
واذا رأى مُنْكرا فِي طَرِيقه ازاله اَوْ سمع بِجنَازَة سارع الى الصَّلَاة عَلَيْهَا اَوْ تأسف على فَوَاتهَا وَرُبمَا ذهب الى قبر صَاحبهَا بعد فَرَاغه من سَماع الحَدِيث فَصلي عَلَيْهِ
ثمَّ يعود الى مَسْجده فَلَا يزَال تَارَة فِي افتاء النَّاس وَتارَة فِي قَضَاء حوائجهم حَتَّى يُصَلِّي الظّهْر مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ كَذَلِك بَقِيَّة يَوْمه
стр. 25
وَكَانَ مَجْلِسه عَاما للكبير وَالصَّغِير والجليل والحقير وَالْحر وَالْعَبْد وَالذكر والانثى قد وسع على كل من يرد عَلَيْهِ من النَّاس يرى كل مِنْهُم فِي نَفسه ان لم يكرم احدا بِقَدرِهِ
ثمَّ يُصَلِّي الْمغرب ثمَّ يتَطَوَّع بِمَا يسره الله ثمَّ اقْرَأ عَلَيْهِ من مؤلفاته اَوْ غَيْرِي فيفيدنا بالطرائف ويمدنا باللطائف حَتَّى يُصَلِّي الْعشَاء ثمَّ بعْدهَا كَمَا كُنَّا وَكَانَ من الاقبال على الْعُلُوم الى ان يذهب هوي من اللَّيْل طَوِيل وَهُوَ فِي خلال ذَلِك كُله فِي النَّهَار وَاللَّيْل لَا يزَال يذكر الله تَعَالَى ويوحده ويستغفره
وَكَانَ ﵁ كثيرا مَا يرفع طرفه الى السَّمَاء لَا يكَاد يفتر من ذَلِك كَأَنَّهُ يرى شَيْئا يُثبتهُ بنظره فَكَانَ هَذَا دَابَّة مُدَّة إقامتي بِحَضْرَتِهِ
стр. 26
فسبحان الله مَا اقصر مَا كَانَت يَا ليتها كَانَت طَالَتْ وَلَا وَالله مَا مر على عمري الى الان زمَان كَانَ احب الي من ذَلِك الْحِين وَلَا رَأَيْتنِي فِي وَقت احسن حَالا مني حِينَئِذٍ وَمَا كَانَ الا ببركة الشَّيْخ ﵁
وَكَانَ فِي كل اسبوع يعود المرضى خُصُوصا الَّذين بالبمارستان
واخبرني غير وَاحِد مِمَّن لَا يشك فِي عَدَالَته ان جَمِيع زمن الشَّيْخ يَنْقَضِي على مَا رَأَيْته فَأَي عبَادَة وَجِهَاد افضل من ذَلِك فسبحان الْمُوفق من يَشَاء لما يَشَاء
стр. 27
الْفَصْل الْخَامِس
فِي ذكر بعض ورعه
كَانَ ﵁ فِي الْغَايَة الَّتِي يَنْتَهِي اليها فِي الْوَرع لَان الله تَعَالَى اجراه مُدَّة عمره كلهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَا خالط النَّاس فِي بيع وَلَا شِرَاء وَلَا مُعَاملَة وَلَا تِجَارَة وَلَا مُشَاركَة وَلَا زراعة وَلَا عمَارَة وَلَا كَانَ نَاظرا مباشرا لمَال وقف وَلم يكن يقبل جراية وَلَا صلَة لنَفسِهِ من سُلْطَان وَلَا امير وَلَا تَاجر وَلَا كَانَ مدخرا دِينَارا وَلَا درهما وَلَا مَتَاعا وَلَا طَعَاما وَإِنَّمَا كَانَت بضاعته مُدَّة حَيَاته وميراثه بعد وَفَاته رضى الله عَنهُ الْعلم اقْتِدَاء بِسَيِّد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين مُحَمَّد ﷺ وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُ قَالَ إِن الْعلمَاء وَرَثَة الانبياء وَإِن الانبياء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما إِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذ بِهِ فقد اخذ بحظ وافر
стр. 28
وَكَانَ يُنَبه الْعَاقِل بِحسن الملاطفة ودقيق المخاطبة ليختار لنَفسِهِ طريقتهم ويسلك سبيلهم وَإِن كَانَ دونهَا من الطَّرِيق من اتِّخَاذ الْمُبَاحَات جَائِز لَكِن الْعَاقِل يدله عقله على طلب الاعلى
فَأنْظر بِعَين الانصاف إِلَى مَا وفْق لَهُ هَذَا الإِمَام واجرى عَلَيْهِ مَا أقعد عَنهُ غَيره وخذل عَن طلبه لَكِن لكل شئ سَبَب وعلامة عدم التَّوْفِيق سلب الاسباب وَمن أعظم الاسباب لترك فضول الدُّنْيَا التخلي عَن غير الضَّرُورِيّ مِنْهَا
فَلَمَّا وفْق الله هَذَا الامام لرفض غير الضَّرُورِيّ مِنْهَا انصبت عَلَيْهِ العواطف الالهية فَحصل بهَا كل فَضِيلَة جليلة بِخِلَاف غَيره من عُلَمَاء الدُّنْيَا مختاريها وطالبيها والساعين لتحصيلها فانهم لما اخْتَارُوا ملاذها وَزينتهَا ورئاستها انسدت عَلَيْهِم غَالِبا طرق الرشاد فوقعوا فِي شركها يخبطون خبط عشواء ويحطبونها كحاطب ليل لَا يبالون مَا يَأْكُلُون وَلَا مَا يلبسُونَ وَلَا مَا يتأولون مَا يحصل لَهُم أغراضهم الدنيئة ومقاصدهم الخبيثة الخسيسة فهم متعاضدون على طلبَهَا يتحاسدون بِسَبَبِهَا اجسامهم مليئة وَقُلُوبهمْ من غَيرهَا فارغة وظواهرهم مزخرفة معمورة وَقُلُوبهمْ خربة مأسورة
стр. 29
وَلم يَكفهمْ مَا هم عَلَيْهِ حَتَّى اصبحوا قالين رافضها معادين باغضها
وَلما رَأَوْا هَذَا الإِمَام عَالم الْآخِرَة تَارِكًا لما هم عَلَيْهِ من تَحْصِيل الحطام من الشّبَه الْحَرَام رافضا الْفضل الْمُبَاح فضلا عَن الْحَرَام تحققوا ان احواله تفضح احوالهم وتوضح خفى أفعالهم وأخذتهم الْغيرَة النفسانية على صفاتهم الشيطانية المباينة لصفاته الروحانية
فحرصوا على الفتك بِهِ أَيْن مَا وجدوه وأنسوا انهم ثعالب وَهُوَ أَسد فحماه الله تَعَالَى مِنْهُم بحراسته وصنع لَهُ غير مرّة كَمَا صنع لخاصته وَحفظه مُدَّة حياتة وحماه وَنشر لَهُ عِنْد وَفَاته علما فِي الاقطار بِمَا وَالَاهُ
стр. 30
الْفَصْل السَّادِس
فِي ذكر بعض زهده وتجرده وتقاعده عَن الدُّنْيَا وتبعده
أما زهده فِي الدُّنْيَا ومتاعها فَإِن الله تَعَالَى جعل ذَلِك لَهُ شعارا من صغره حَدثنِي من اثق بِهِ عَن شَيْخه الَّذِي علمه الْقُرْآن الْمجِيد قَالَ قَالَ لي أَبوهُ وَهُوَ صبي يَعْنِي الشَّيْخ احب اليك أَن توصيه وتعده بأنك إِن لم تَنْقَطِع عَن القرأءة والتلقين ادْفَعْ اليك كل شهر أَرْبَعِينَ درهما
قَالَ وَدفع إِلَيّ أَرْبَعِينَ درهما
وَقَالَ أعْطه إِيَّاهَا فَإِنَّهُ صَغِير وَرُبمَا يفرح بهَا فَيَزْدَاد حرصه فِي الِاشْتِغَال بِحِفْظ الْقُرْآن ودرسه وَقل لَهُ لَك فِي كل شهر مثلهَا فَامْتنعَ من قبُولهَا وَقَالَ يَا سَيِّدي إِنِّي عَاهَدت الله تَعَالَى ان لَا آخذ على الْقُرْآن اجرا وَلم يَأْخُذهَا
فَرَأَيْت ان هَذَا لَا يَقع من صبي إِلَّا لما لله فِيهِ من الْعِنَايَة
قلت وَصدق شَيْخه فَإِن عناية الله هِيَ الَّتِي أوصلته الى مَا وصل من كل خير من صغيره لَا من كبر
وَلَقَد اتّفق كل من رَآهُ خُصُوصا من أَطَالَ ملازمته أَنه مَا
стр. 31
رأى مثله فِي الزّهْد فِي الدُّنْيَا حَتَّى لقد صَار ذَلِك مَشْهُورا بِحَيْثُ قد اسْتَقر فِي قلب الْقَرِيب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وَجههَا بل لَو سُئِلَ عَامي من أهل بلد بعيد من الشَّيْخ من كَانَ أزهد أهل هَذَا الْعَصْر وأكملهم فِي رفض فضول الدُّنْيَا واحرصهم على طلب الاخرة لقَالَ مَا سَمِعت بِمثل ابْن تَيْمِية رَحْمَة الله عَلَيْهِ
وَمَا اشْتهر لَهُ ذَلِك إِلَّا لمبالغته فِيهِ مَعَ تَصْحِيح النِّيَّة وَإِلَّا فَمن رَأينَا من الْعلمَاء قنع من الدُّنْيَا بِمثل مَا قنع هُوَ مِنْهَا أَو رَضِي بِمثل حَالَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لم يسمع انه رغب فِي زَوْجَة حسناء وَلَا سَرِيَّة حوراء وَلَا دَار قوراء وَلَا مماليك جوَار وَلَا بساتين وَلَا عقار وَلَا شدّ على دِينَار وَلَا دِرْهَم وَلَا رغب فِي دَوَاب وَلَا نعم وَلَا ثِيَاب ناعمة فاخرة وَلَا حشم وَلَا زاحم فِي طلب الرئاسات وَلَا رئي ساعيا فِي تَحْصِيل الْمُبَاحَات مَعَ أَن الْمُلُوك والامراء والتجار والكبراء كَانُوا طوع أمره خاضعين لقَوْله وَفعله وادين ان يتقربوا الى قلبه مهما أمكنهم مظهرين لإجلاله أَو أَن يؤهل كلا مِنْهُم فِي بذل مَاله
فَأَيْنَ حَاله هَذِه من أَحْوَال بعض المنتسبين إِلَى الْعلم وَلَيْسوا من أَهله مِمَّن قد أغراه الشَّيْطَان بالوقيعة فِيهِ بقوله وَفعله أَتَرَى مَا نظرُوا ببصائرهم إِلَى صفاتهم وَصِفَاته وسماتهم وسماته وتحاسدهم
стр. 32
فِي طلب الدُّنْيَا وفراغه عَنْهَا وتحاشدهم فِي الاستكثار مِنْهَا ومبالغته فِي الْهَرَب مِنْهَا وَخدمَتهمْ الامراء وَاخْتِلَافهمْ إِلَى أَبْوَابهم وذل الْأُمَرَاء بَين يَدَيْهِ وَعدم اكتراثه بكبرائهم وأترابهم ومداجاتهم وَإِظْهَار تعبداتهم وصدعه إيَّاهُم بِالْحَقِّ وَقُوَّة جأشه فِي محاورتهم بلَى وَالله وَلَكِن قَتلتهمْ الحالقة حالقة الدّين لَا حالقة الشّعْر وغطى على أحلامهم حب الدُّنْيَا السارقة سارقة الْعقل لَا سارقه الْبدن حَتَّى أَصْبحُوا قاطعين من يَأْتِيهم فِي طلبَهَا واصلين من واصلهم فِي جلبها
стр. 33
الْفَصْل السَّابِع
فِي إيثاره مَعَ فقره وتواضعه
كَانَ ﵁ مَعَ شدَّة تَركه للدنيا ورفضه لَهَا وَفَقره فِيهَا وتقلله مِنْهَا مؤثرا بِمَا عساه يجده مِنْهَا قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا جَلِيلًا اَوْ حَقِيرًا لَا يحتقر الْقَلِيل فيمنعه ذَلِك عَن التَّصَدُّق بِهِ وَلَا الْكثير فيصرفه النّظر اليه عَن الاسعاف بِهِ فقد كَانَ يتَصَدَّق حَتَّى إِذا لم يجد شَيْئا نزع بعض ثِيَابه الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فيصل بِهِ الْفَقِير وَكَانَ يستفضل من قوته الْقَلِيل الرَّغِيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نَفسه وَرُبمَا خبأهما فِي كمه ويمضي وَنحن مَعَه لسَمَاع الحَدِيث فيراه بَعْضنَا وَقد دَفعه الى الْفَقِير مستخفيا يحرص أَن لَا يرَاهُ أحد
وَكَانَ إِذا ورد عَلَيْهِ فَقير وآثر الْمقَام عِنْده يؤثره عِنْد الْأكل بِأَكْثَرَ قوته الَّذِي جعل برسمه
стр. 34
حَدثنِي الشَّيْخ الصَّالح الْعَارِف زين الدّين عَليّ الوَاسِطِيّ مَا مَعْنَاهُ انه أَقَامَ بِحَضْرَة الشَّيْخ مُدَّة طَوِيلَة قَالَ فَكَانَ قوتنا فِي غالبها انه كَانَ فِي بكرَة النَّهَار يأتيني وَمَعَهُ قرص قدره نصف رَطْل خبْزًا بالعراقي فيكسره بِيَدِهِ لقما وَنَأْكُل مِنْهُ أَنا وَهُوَ جَمِيعًا ثمَّ يرفع يَده قبلي وَلَا يرفع بَاقِي القرص من بَين يَدي حَتَّى اشبع بِحَيْثُ أَنِّي لَا أحتاج الى الطَّعَام إِلَى اللَّيْل وَكنت ارى ذَلِك من بركَة الشَّيْخ ثمَّ يبْقى الى بعد الْعشَاء الاخرة حَتَّى يفرغ من جَمِيع عوائده الَّتِي يُفِيد النَّاس بهَا فِي كل يَوْم من اصناف الْقرب فيؤتيى بعشائنا فيأكل هُوَ معي لقيمات ثمَّ يؤثرني بِالْبَاقِي وَكنت أسأله ان يزِيد على أكله فَلَا يفعل حَتَّى إِنِّي كنت فِي نَفسِي اتوجع لَهُ من قلَّة اكله
وَكَانَ هَذَا دأبنا فِي غَالب مُدَّة إقامتي عِنْده وَمَا رَأَيْت نَفسِي
стр. 35
أُغني مِنْهَا فِي تِلْكَ الْمدَّة وَلَا رَأَيْتنِي افقر هما مني فِيهَا
وَحكى غير وَاحِد مَا اشْتهر عَنهُ من كَثْرَة الايثار وتفقد المحتاجين والغرباء ورقيقي الْحَال من الْفُقَهَاء والقراء واجتهاده فِي مصالحهم وصلاتهم ومساعدته لَهُم بل وَلكُل اُحْدُ من الْعَامَّة والخاصة مِمَّن يُمكنهُ فعل الْخَيْر مَعَه وإسداء الْمَعْرُوف اليه بقوله وَفعله وَوَجهه وجاهه
وَأما تواضعه فَمَا رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِأحد من أهل عصره مثله فِي ذَلِك كَانَ يتواضع للكبير وَالصَّغِير والجليل والحقير والغنى الصَّالح وَالْفَقِير وَكَانَ يدني الْفَقِير الصَّالح ويكرمه ويؤنسه ويباسطه بحَديثه المستحلى زِيَادَة على مثله من الاغنياء حَتَّى أَنه رُبمَا خدمه بِنَفسِهِ وأعانه بِحمْل حَاجته جبرا لِقَلْبِهِ وتقربا بذلك الى ربه
وَكَانَ لَا يسأم مِمَّن يستفتيه أَو يسْأَله بل يقبل عَلَيْهِ ببشاشة وَجه ولين عَرِيكَة وَيقف مَعَه حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يُفَارِقهُ كَبِيرا كَانَ أَو صَغِيرا رجلا أَو امْرَأَة حرا أَو عبدا عَالما أَو عاميا حَاضرا أَو باديا وَلَا يجبهه وَلَا يحرجه وَلَا ينفره بِكَلَام يوحشه بل يجِيبه ويفهمه ويعرفه الْخَطَأ من الصَّوَاب بلطف وانبساط
وَكَانَ يلْزم التَّوَاضُع فِي حُضُوره من النَّاس ومغيبه عَنْهُم فِي
стр. 36
قِيَامه وقعوده ومشيه ومجلسه ومجلس غَيره
وَلَقَد بَالغ معي فِي حَال إقامتي بِحَضْرَتِهِ فِي التَّوَاضُع وَالْإِكْرَام حَتَّى إِنَّه لَا يذكرنِي باسمي بل يلقبني بِأَحْسَن الالقاب وَيظْهر لي خُصُوصا بَين أَصْحَابِي من الْإِكْرَام والتبجيل والإدناء مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يتركني اجْلِسْ الا الى جَانِبه قَصِيرا كَانَ مَجْلِسه أَو طَويلا خَاصّا أَو عَاما ولازمني فِي حَال قراءتي صَحِيح البُخَارِيّ وَكَانَ قصدي قِرَاءَته على رِوَايَة مُنْفَردا لاستصغاري نَفسِي عَن الْقِرَاءَة هُنَاكَ بِمحضر من النَّاس ولقصدي تَعْجِيل فراغي مِنْهُ انتهازا للفرصة وخوفا من فَوَات ذَلِك الشَّيْخ الرَّاوِي لكَونه تفرد بروايته سَمَاعا على اصحاب ابي الْوَقْت السجْزِي
فَلَمَّا سمع الشَّيْخ بذلك ألزمني قِرَاءَته بمجمع كثير من النَّاس رجَالًا وَنسَاء وصبيانا وَقَالَ مَا يَنْبَغِي إِلَّا على صفة يكون نَفعهَا
стр. 37
مُتَعَدِّيا الى الْمُسلمين فتجرد لي بِحَيْثُ حصل لي مرادي وفوقه من تَحْصِيل قراءتي لَهُ فِي عشْرين مَجْلِسا متواليه لم يتخللها سوى الْجُمُعَة ولازمني فِيهَا وَحضر الْقِرَاءَة كلهَا يضبطها بنسخة كَانَت بِيَدِهِ هِيَ أصل ابْن نَاصِر الْحَافِظ يُعَارض بهَا نُسْخَة الْقِرَاءَة وَكَانَت اصل الشَّيْخ الْمُسَمّى
وَأظْهر لي من حسن الْأَخْلَاق وَالْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع بِحَيْثُ أَنه كَانَ إِذا خرجنَا من منزله بِقصد الْقِرَاءَة يحمل هُوَ بِنَفسِهِ النُّسْخَة وَلَا يدع أحدا منا يحملهَا عَنهُ وَكنت أعْتَذر اليه من ذَلِك خوفًا من سوء الْأَدَب فَيَقُول لَو حَملته على رَأْسِي لَكَانَ يَنْبَغِي أَلا احْمِلْ مَا فِيهِ كَلَام رَسُول الله ﷺ
وَكَانَ يجلس تَحت الْكُرْسِيّ ويدع صدر الْمجَالِس حَتَّى إِنِّي لأَسْتَحي من مَجْلِسه هُنَاكَ وأعجب من شدَّة تواضعه ومبالغته فِي إكرامي بِمَا لَا اسْتحق ورفعي عَلَيْهِ فِي الْمجْلس وَلَوْلَا قراءتي حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَعظم حرمتهَا لما كَانَ يَنْبَغِي لي ذَلِك
وَكَانَ هَذَا حَاله فِي التَّوَاضُع والتنازل والاكرام لكل من يرد عَلَيْهِ اَوْ يَصْحَبهُ أَو يلقاه حَتَّى أَن كل من لقِيه يَحْكِي عَنهُ من الْمُبَالغَة فِي التَّوَاضُع نَحوا مِمَّا حكيته وَأكْثر من ذَلِك فسبحان من وَفقه وَأَعْطَاهُ وأجراه على خلال الْخَيْر وحباه
стр. 38
الْفَصْل الثَّامِن
فِي هَيئته ولباسه
كَانَ ﵁ متوسطا فِي لِبَاسه وهيئته لَا يلبس فاخر الثِّيَاب بِحَيْثُ يرمق ويمد النّظر إِلَيْهِ وَلَا أطمارا وَلَا غَلِيظَة تشهر حَال لَا بسها ويميز من عَامَّة النَّاس بِصفة خَاصَّة يرَاهُ النَّاس فِيهَا من عَالم وعابد بل كَانَ لِبَاسه وهيئته كغالب النَّاس ومتوسطهم وَلم يكن يلْزم نوعا وَاحِدًا من اللبَاس فَلَا يلبس غَيره بل كَانَ يلبس مَا اتّفق وَحصل وَيَأْكُل مَا حضر وَكَانَت بذاذة الايمان عَلَيْهِ ظَاهِرَة لَا يرى متصنعا فِي عِمَامَة وَلَا لِبَاس وَلَا مشْيَة وَلَا قيام وَلَا جُلُوس وَلَا يتهيأ لأحد يلقاه وَلَا لمن يرد عَلَيْهِ من بلد
وَمن الْعجب اني كنت قد رايته قبل لقِيه بِمدَّة فِيمَا يرى النَّائِم وَنحن جُلُوس نَأْكُل طَعَاما على صفة مُعينَة فحال لقيتي لَهُ ودخولي عَلَيْهِ وجدته يَأْكُل مثل ذَلِك الطَّعَام على نَحْو من الصّفة الَّتِي رَأَيْت فأجلسني وأكلنا جَمِيعًا كَمَا رَأَيْت فِي الْمَنَام
وَأَخْبرنِي غير وَاحِد أَنه مَا رَآهُ وَلَا سمع أَنه طلب طَعَاما قطّ وَلَا
стр. 39
غداء وَلَا عشَاء وَلَو بَقِي مهما بَقِي لشدَّة اشْتِغَاله بِمَا هُوَ فِيهِ من الْعلم وَالْعَمَل بل كَانَ يُؤْتِي بِالطَّعَامِ وَرُبمَا يتْرك عِنْده زَمَانا حَتَّى يلْتَفت اليه وَإِذا أكل أكل شَيْئا يَسِيرا
قَالَ وَمَا رَأَيْنَاهُ يذكر شَيْئا من ملاذ الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وَلَا كَانَ يَخُوض فِي شَيْء من حَدِيثهَا وَلَا يسْأَل عَن شَيْء من معيشتها بل جعل همته وَحَدِيثه فِي طلب الاخرة وَمَا يقرب الى الله تَعَالَى
وَهَكَذَا كَانَ فِي لِبَاسه لم يسمع أَنه أَمر ان يتَّخذ لَهُ ثوب بِعَيْنِه بل كَانَ أَهله يأْتونَ بلباسه وَقت علمهمْ باحتياجه الى بدل ثِيَابه الَّتِي عَلَيْهِ وَرُبمَا بقيت عَلَيْهِ مُدَّة حَتَّى تتسخ وَلَا يَأْمر بغسلها حَتَّى يكون أَهله هم الَّذين يسألونه ذَلِك
وَأخْبر أَخُوهُ الَّذِي كَانَ ينظر فِي مَصَالِحه الدُّنْيَوِيَّة أَن هَذَا حَاله فِي طَعَامه وَشَرَابه ولباسه وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُد مِنْهُ من أُمُور الدُّنْيَا
وَمَا رَأَيْت احدا كَانَ أَشد تَعْظِيمًا للشَّيْخ من أَخِيه هَذَا أَعنِي
стр. 40
الْقَائِم بأوده وَكَانَ يجلس بِحَضْرَتِهِ كَأَن على رَأسه الطير وَكَانَ يهابه كَمَا يهاب سُلْطَانا وَكُنَّا نعجب مِنْهُ فِي ذَلِك ونقول من الْعرف وَالْعَادَة أَن اهل الرجل لَا يحتشمونه كالاجانب بل يكون انبساطهم مَعَه فضلا عَن الاجنبي وَنحن نرَاك مَعَ الشَّيْخ كتلميذ مبالغ فِي احتشامه واحترامه فَيَقُول إِنِّي ارى مِنْهُ اشياء لَا يَرَاهَا غَيْرِي أوجبت عَليّ ان أكون مَعَه كَمَا ترَوْنَ
وَكَانَ يسْأَل عَن ذَلِك فَلَا يذكر مِنْهُ شَيْئا لما يعلم من عدم إِيثَار الشَّيْخ لذَلِك
следующие страницы →