← Тараджим

Тараджим · id 6663

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ت الفقي

ابن عبد الهادي

Полный текст (517 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَإِمَّا أَن يكون لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال عَلَيْهِ فَيصير مُشْتَركا بَين اللَّفْظ الْعَام وَالْمعْنَى الْخَاص فَكَذَلِك قَوْله ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ فَإِن تَخْصِيص هَذَا اللَّفْظ بالكافر إِمَّا أَن يكون لدُخُول اللَّام الَّتِي تفِيد الْعَهْد وَالْمُنَافِق الْمَعْهُود هُوَ الْكَافِر أَو تكون لغَلَبَة هَذَا الإسم فِي الشَّرْع على نفاق الْكفْر وَقَوله ﷺ ثَلَاث من كن فِيهِ كَانَ منافقا يَعْنِي بِهِ منافقا بِالْمَعْنَى الْعَام وَهُوَ إِظْهَاره من الدّين خلاف مَا يبطن فإطلاق لفظ النِّفَاق على الْكَافِر وعَلى الْفَاسِق إِن أطلقته بِاعْتِبَار مَا يمتاز بِهِ عَن الْفَاسِق كَانَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ وعَلى الْفَاسِق بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك وَكَذَلِكَ يجوز أَن يُرَاد بِهِ الْكَافِر خَاصَّة وَيكون متواطئا إِذا كَانَ الدَّال على الخصوصية غير لفظ مُنَافِق بل لَام التَّعْرِيف وَهَذَا الْبَحْث الشريف جَار فِي كل لفظ عَام اسْتعْمل فِي بعض أَنْوَاعه إِمَّا لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال أَو لدلَالَة لفظية خصته بذلك النَّوْع مثل تَعْرِيف الْإِضَافَة أَو تَعْرِيف اللَّام فَإِن كَانَ لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال صَحَّ ان يُقَال إِن اللَّفْظ مُشْتَرك وَإِن كَانَ لدلَالَة لفظية كَانَ اللَّفْظ بَاقِيا على مواطأته فَلهَذَا صَحَّ أَن يُقَال النِّفَاق اسْم جنس تَحْتَهُ نَوْعَانِ لكَون اللَّفْظ فِي الأَصْل عَاما متواطئا

стр. 107

وَصَحَّ أَن يُقَال هُوَ مُشْتَرك بَين النِّفَاق فِي أصل الدّين وَبَين مُطلق النِّفَاق فِي الدّين لكَونه فِي عرف الِاسْتِعْمَال الشَّرْعِيّ غلب على نفاق الْكفْر بحث ثَان جرى إِن الْحَمد وَالشُّكْر بَينهمَا عُمُوم وخصوص فَالْحَمْد أَعم من جِهَة أَسبَابه الَّتِي يَقع عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يكون على جَمِيع الصِّفَات وَالشُّكْر لَا يكون إِلَّا على الْإِحْسَان وَالشُّكْر أَعم من جِهَة مَا بِهِ يَقع فَإِنَّهُ يكون بالاعتقاد وَالْقَوْل وَالْفِعْل وَالْحَمْد يكون بِالْفِعْلِ أَو بالْقَوْل أَو بالاعتقاد أورد الشَّيْخ الإِمَام زين الدّين ابْن المنجى الْحَنْبَلِيّ أَن هَذَا الْفرق إِنَّمَا هُوَ من جِهَة مُتَعَلق الْحَمد وَالشُّكْر لِأَن كَونه يَقع على كَذَا وَيَقَع بِكَذَا خَارج عَن ذَاته فَلَا يكون فرقا فِي الْحَقِيقَة وَالْحُدُود إِنَّمَا يتَعَرَّض فِيهَا لصفات الذَّات لَا لما خرج عَنْهَا فَقَالَ شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية الْمعَانِي على قسمَيْنِ مُفْردَة ومضافة فالمعاني المفردة حُدُودهَا لَا تُوجد فِيهَا بتعلقاتها وَأما الْمعَانِي الإضافية فَلَا بُد أَن يُوجد فِي حُدُودهَا تِلْكَ الإضافات فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا وَلَا يُمكن تصورها إِلَّا بتصور تِلْكَ المتعلقات فَتكون المتعلقات جُزْءا من حَقِيقَتهَا فَتعين ذكرهَا فِي الْحُدُود

стр. 108

وَالْحَمْد وَالشُّكْر معينان بالمحمود عَلَيْهِ والمشكور عَلَيْهِ فَلَا يتم حقيقتهما ذكر إِلَّا بِذكر متعلقهما فَيكون متعلقهما دَاخِلا فِي حقيقتهما فَاعْترضَ الصَّدْر ابْن المرحل بِأَنَّهُ لَيْسَ للمتعلق من الْمُتَعَلّق صفة ثبوتية فَلَا يكون للحمد وَالشُّكْر من متعلقهما صفة ثبوتية فَإِن الْمُتَعَلّق صفة نسبية وَالنّسب أُمُور عدمية وَإِذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن دَاخِلَة فِي الْحَقِيقَة لِأَن الْعَدَم لَا يكون جُزْءا من الْوُجُود فَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَوْلك لَيْسَ للمتعلق من الْمُتَعَلّق صفة ثبوتية لَيْسَ على الْعُمُوم بل قد يكون للمتعلق من الْمُتَعَلّق صفة ثبوتية وَقد لَا يكون وَإِنَّمَا الَّذِي يَقُوله أَكثر الْمُتَكَلِّمين لَيْسَ لمتعلق القَوْل من القَوْل صفة ثبوتية ثمَّ الصِّفَات الْمُتَعَلّقَة نَوْعَانِ احدهما إِضَافَة مَحْضَة مثل الْأُبُوَّة والبنوة والفوقية والتحتية وَنَحْوهَا فَهَذِهِ الصّفة هِيَ الَّتِي يُقَال فِيهَا هِيَ مُجَرّد نِسْبَة وَإِضَافَة وَالنّسب أُمُور عدمية وَالثَّانِي صفة ثبوتية مُضَافَة إِلَى غَيرهَا كالحب والبغض والإرادة وَالْكَرَاهَة وَالْقُدْرَة وَغير ذَلِك من الصِّفَات فَإِن الْحبّ صفة ثبوتية مُتَعَلقَة بالمحبوب فالحب

стр. 109

معروض للإضافة بِمَعْنى أَن الْإِضَافَة صفة عرضت لَهُ لَا أَن نفس الْحبّ هُوَ الْإِضَافَة فَفرق بَين مَا هُوَ إِضَافَة وَبَين مَا هُوَ صفة مُضَافَة فالإضافة يُقَال فِيهَا إِنَّهَا عدمية قَالَ وَأما الصّفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب قَالَ ابْن المرحل الْحبّ أَمر عدمي لِأَن الْحبّ نِسْبَة وَالنّسب عدمية قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَون الْحبّ والبغض والإرادة وَالْكَرَاهَة أمرا عدميا بَاطِلا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ خلاف إِجْمَاع الْعُقَلَاء ثمَّ هُوَ مَذْهَب بعض الْمُعْتَزلَة فِي أرادة الله فَإِنَّهُ زعم أَنَّهَا صفة سلبية بِمَعْنى أَنه غير مغلوب وَلَا مستكره وأطبق النَّاس على بطلَان هَذَا القَوْل وَأما إِرَادَة الْمَخْلُوق وحبه وبغضه فَلم نعلم أحدا من الْعُقَلَاء قَالَ إِنَّه عدمي فأصر ابْن المرحل على أَن الْحبّ الَّذِي هُوَ ميل الْقلب إِلَى المحبوب أَمر عدمي وَقَالَ الْمحبَّة أَمر وجودي قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْمحبَّة هِيَ الْحبّ فَإِنَّهُ يُقَال أحبه وحبه حبا ومحبة وَلَا فرق وَكِلَاهُمَا مصدر

стр. 110

قَالَ ابْن المرحل وَأَنا أَقُول إنَّهُمَا إِذا كَانَا مصدرين فهما أَمر عدمي قَالَ لَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْكَلَام إِذا انْتهى إِلَى الْمُقدمَات الضرورية فقد انْتهى ووتم وَكَون الْحبّ والبغض أمرا وجوديا مَعْلُوم بالاضطرار فَأن كل أحد يعلم أَن الْحَيّ إِن كَانَ خَالِيا عَن الْحبّ كَانَ هَذَا الْخُلُو صفة عدمية فاذا صَار محبا فقد تغير الْمَوْصُوف وَصَارَ لَهُ صفة ثبوتية زَائِدَة على مَا كَانَ قبل أَن يقوم بِهِ الْحبّ وَمن يحس ذَلِك من نَفسه يجده كَمَا يجد شَهْوَته ونفرته وَرضَاهُ وغضبه ولذته وألمه وَدَلِيل ذَلِك أَنَّك تَقول أحب يحب محبَّة ونقيض أحب لم يحب وَلم يحب صفة عدمية ونقيض الْعَدَم الاثبات قَالَ ابْن المرحل هَذَا ينْتَقض بقَوْلهمْ امْتنع يمْتَنع فان نقيض الِامْتِنَاع لَا امْتنَاع وَامْتِنَاع صفة عدمية قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الِامْتِنَاع أَمر اعتباري عَقْلِي فان المتنع لَيْسَ لَهُ وجود خارجي حَتَّى تقوم بِهِ صفة وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُوم بِالْعقلِ وَبِاعْتِبَار كَونه مَعْلُوما لَهُ ثُبُوت علمي وسلب هَذَا الثُّبُوت العلمي عدم هَذَا الثُّبُوت فَلم ينْقض هَذَا قَوْلنَا نقيض الْعَدَم ثُبُوت وَأما الْحبّ فَأَنَّهُ صفة قَائِمَة بالمحب فأنك تُشِير إِلَى عين خارجية وَتقول هَذَا الْحَيّ

стр. 111

صَار محبا بعد أَن لم يكن محبا فتخبر عَن الْوُجُود الْخَارِجِي فَإِذا كَانَ نقيضها عدما خارجيا كَانَت وجودا خارجيا وَفِي الْجُمْلَة فكون الْحبّ والبغض صفة ثبوتية وجودية مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ فَلَا يقبل فِيهِ نزاع وَلَا يناظر صَاحبه إِلَّا مناظرة السوفسطائية قلت وَإِذا كَانَ الْحبّ والبغض وَنَحْوهمَا من الصِّفَات المضافة الْمُتَعَلّقَة بِالْغَيْر صِفَات وجودية وَظهر الْفرق بَين الصِّفَات الَّتِي هِيَ إِضَافَة وَنسبَة وَبَين الصِّفَات الَّتِي هِيَ مُضَافَة منسوبة فَالْحَمْد وَالشُّكْر من الْقسم الثَّانِي فَإِن الْحَمد أَمر وجودي مُتَعَلق بالمحمود عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الشُّكْر أَمر وجودي مُتَعَلق بالمشكور عَلَيْهِ فَلَا يتم فهم حقيقتهما إِلَّا بفهم الصّفة الثبوتية لَهما الَّتِي هِيَ مُتَعَلقَة بِالْغَيْر وَتلك الصّفة دَاخِلَة فِي حقيقتهما فَإِذا كَانَ مُتَعَلق أَحدهمَا أكبر من مُتَعَلق الآخر وَذَلِكَ التَّعَلُّق إِنَّمَا هُوَ عَارض لصفة ثبوتية لَهما وَجب ذكر تِلْكَ الصّفة الثبوتية فِي ذكر حقيقتهما وَالدَّلِيل على هَذَا أَن من لم يفهم الْإِحْسَان امْتنع أَن يفهم الشُّكْر فَعلم أَن تصور مُتَعَلق الشُّكْر دَاخل فِي تصور الشُّكْر قلت وَلَو قيل إِنَّه لَيْسَ هَذَا إِلَّا أمرا عدميا فالحقيقة إِن

стр. 112

كَانَت مركبة من وجود وَعدم وَجب ذكرهمَا فِي تَعْرِيف الْحَقِيقَة كَمَا أَن من عرف الْأَب من حَيْثُ هُوَ أَب فان تصَوره مَوْقُوف على تصور الْأُبُوَّة الَّتِي هِيَ نِسْبَة وَإِضَافَة وَإِن كَانَ الْأَب أمرا وجوديا فَالْحَمْد وَالشُّكْر متعلقان بالمحمود عَلَيْهِ والمشكور عَلَيْهِ وَإِن لم يكن هَذَا الْمُتَعَلّق عارضا لصفة ثبوتية فَلَا يفهم الْحَمد وَالشُّكْر إِلَّا بفهم هَذَا الْمُتَعَلّق كَمَا لَا يفهم معنى الْأَب إِلَّا بفهم معنى الْأُبُوَّة الَّذِي هُوَ التَّعَلُّق وَكَذَلِكَ الْحَمد وَالشُّكْر أَمْرَانِ متعلقان بالمحمود عَلَيْهِ والمشكور عَلَيْهِ وَهَذَا التَّعَلُّق جُزْء من هَذَا الْمُسَمّى بِدَلِيل أَن من لم يفهم الصِّفَات الجميلة لم يفهم الْحَمد وَمن لم يفهم الْإِحْسَان لم يفهم الشُّكْر فَإِذا كَانَ فهمهما مَوْقُوفا على فهم متعلقهما فوقوفه على فهم التَّعَلُّق أولى فَإِن التَّعَلُّق فرع على الْمُتَعَلّق وَتبع لَهُ فَإِذا توقف فهمهما على فهم الْمُتَعَلّق الَّذِي هُوَ أبعد عَنْهُمَا من التَّعَلُّق فتوقفه على فهم التَّعَلُّق أولى وَإِن كَانَ التَّعَلُّق أمرا عدميا وَالله أعلم

стр. 113

قَالَ لَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية قَوْله ﴿وَأحل الله البيع﴾ قد أتبع بقوله ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ وَعَامة أَنْوَاع الرِّبَا يُسمى بيعا والربا وَإِن كَانَ اسْما مُجملا فَهُوَ مَجْهُول واستثناء الْمَجْهُول من الْمَعْلُوم يُوجب جَهَالَة الْمُسْتَثْنى فَيبقى المُرَاد إحلال البيع الَّذِي لَيْسَ بربا فَمَا لم يثبت أَن الْفَرد الْمعِين لَيْسَ بربا لم يَصح إِدْخَاله فِي البيع الْحَلَال وَهَذَا يمْنَع دَعْوَى الْعُمُوم وَإِن كَانَ الرِّبَا اسْما عَاما فَهُوَ مُسْتَثْنى من البيع أَيْضا فَيبقى البيع لفظا مَخْصُوصًا فَلَا يَصح ادِّعَاء الْعُمُوم على الْإِطْلَاق قَالَ ابْن المرحل هَذَا من بَاب التَّخْصِيص وَهنا عمومان تَعَارضا وَلَيْسَ من بَاب الِاسْتِثْنَاء فَإِن صِيغ الِاسْتِثْنَاء مَعْلُومَة وَإِذا كَانَ هَذَا تَخْصِيصًا لم يمْنَع ادِّعَاء الْعُمُوم فِيهِ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا كَلَام مُتَّصِل بعضه بِبَعْض وَهُوَ من بَاب التَّخْصِيص الْمُتَّصِل وتسميه الْفُقَهَاء اسْتثِْنَاء كَقَوْلِه لَهُ هَذِه الدَّار ولي مِنْهَا هَذَا الْبَيْت فَإِن هَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله إِلَّا هَذَا الْبَيْت وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أكْرم هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَلَا تكرم فلَانا وَهُوَ مِنْهُم كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْله إِلَّا فلَانا وَإِذا كَانَ كَذَلِك صَار بِمَنْزِلَة قَوْله أحل الله البيع إِلَّا مَا كَانَ مِنْهُ رَبًّا

стр. 114

فَمن ادّعى بعد هَذَا أَنه عَام فِي كل مَا يُسمى بيعا فَهُوَ مخطىء قَالَ أبن المرحل أَنا أسلم أَنه إِنَّمَا هُوَ عَام فِي كل بيع لَا يُسمى رَبًّا قَالَ لَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَهَذَا كَانَ الْمَقْصُود وَلَكِن بَطل بِهَذَا دَعْوَى عُمُومه على الْإِطْلَاق فَإِن دَعْوَى الْعُمُوم على الْإِطْلَاق يُنَافِي دَعْوَى الْعُمُوم فِي بعض الْأَنْوَاع دون بعض وَهَذَا كَلَام بَين وَادّعى مُدع أَن فِيهِ قَوْلَيْنِ احدهما انه عَام مَخْصُوص وَالثَّانِي أَنه عُمُوم مُرَاد فَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَإِن دَعْوَى أَنه عُمُوم مُرَاد بَاطِل قطعا فَإنَّا نعلم أَن كثيرا من أَفْرَاد البيع حرَام فَاعْترضَ ابْن المرحل بِأَن تِلْكَ الْأَفْرَاد حرمت بعد مَا أحلّت فَيكون نسخا قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَيلْزم من هَذَا أَن لَا نحرم شَيْئا من الْبيُوع بِخَبَر وَاحِد وَلَا بِقِيَاس فَإِن نسخ الْقُرْآن لَا يجوز بذلك وَإِنَّمَا يجوز تَخْصِيصه بِهِ وَقد اتّفق الْفُقَهَاء على التَّحْرِيم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة قَالَ ابْن المرحل رجعت عَن هَذَا السُّؤَال لَكِن أَقُول هُوَ عُمُوم مُرَاد فِي كل مَا يُسمى بيعا فِي الشَّرْع فَإِن البيع من الْأَسْمَاء المنقولة إِلَى كل بيع صَحِيح شَرْعِي

стр. 115

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين البيع لَيْسَ من الْأَسْمَاء المنقولة فَإِن مُسَمَّاهُ فِي الشَّرْع وَالْعرْف هُوَ الْمُسَمّى اللّغَوِيّ لَكِن الشَّارِع اشْترط لِحلِّهِ وَصِحَّته شُرُوطًا كَمَا قد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَهُم شُرُوط أَيْضا بِحَسب اصطلاحهم وَهَكَذَا سَائِر أَسمَاء الْعُقُود مثل الْإِجَارَة وَالرَّهْن وَالْهِبَة وَالْقَرْض وَالنِّكَاح إِذا أُرِيد بِهِ العقد وَغير ذَلِك هِيَ بَاقِيَة على مسمياتها وَالنَّقْل إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا أحدث الشَّارِع مَعَاني لم تكن الْعَرَب تعرفها مثل الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالتَّيَمُّم فَحِينَئِذٍ يحْتَاج إِلَى النَّقْل ومعاني هَذِه الْعُقُود مَا زَالَت مَعْرُوفَة قَالَ ابْن المرحل أَصْحَابِي قد قَالُوا إِنَّهَا منقولة قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَو كَانَ لفظ البيع فِي الْآيَة المُرَاد بِهِ البيع الصَّحِيح الشَّرْعِيّ لَكَانَ التَّقْدِير أحل الله البيع الصَّحِيح الشَّرْعِيّ أَو أحل الله البيع الَّذِي هُوَ عِنْده حَلَال وَهَذَا مَعَ أَنه مُكَرر فَإِنَّهُ يمْنَع الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ فَإنَّا لَا نعلم دُخُول بيع من الْبيُوع فِي الْآيَة حَتَّى نعلم أَنه بيع صَحِيح شَرْعِي وَمَتى علمنَا ذَلِك استغنينا عَن الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ قَالَ ابْن المرحل مَتى ثَبت أَن هَذَا الْفَرد يُسمى بيعا فِي اللُّغَة قلت هُوَ بيع فِي الشَّرْع لِأَن الأَصْل عدم النَّقْل وَإِذا كَانَ بيعا فِي الشَّرْع دخل فِي الْآيَة

стр. 116

قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا إِنَّمَا يَصح لَو لم يثبت أَن الِاسْم مَنْقُول أما إِذا ثَبت أَنه مَنْقُول لم يَصح إِدْخَال فَرد فِيهِ حَتَّى يثبت أَن الِاسْم الْمَنْقُول وَاقع عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيلْزم من هَذَا أَن كل مَا سمي فِي اللُّغَة صَلَاة وَزَكَاة وتيمما وصوما وبيعا وَإِجَارَة ورهنا أَنه يجوز إِدْخَاله فِي الْمُسَمّى الشَّرْعِيّ بِهَذَا الِاعْتِبَار وعَلى هَذَا التَّقْدِير فَلَا يبْقى فرق بَين الْأَسْمَاء المنقولة وَغَيرهَا وَإِنَّمَا يُقَال الأَصْل عدم النَّقْل إِذا لم يثبت بل مَتى ثَبت النَّقْل فَالْأَصْل عدم دُخُول هَذَا الْفَرد فِي الِاسْم الْمَنْقُول حَتَّى يثبت أَنه دَاخل فِيهِ بعد النَّقْل فلتتأمل هَذِه الأبحاث الثَّلَاثَة وكل مَا فِيهَا قلت فَإِنَّهُ من كَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَرَّرَهُ بعد المناظرة وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي أثْنَاء كَلَامه فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ ﵀ وَله بَاعَ طَوِيل فِي معرفَة مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقل أَن يتَكَلَّم فِي مَسْأَلَة إِلَّا وَيذكر فِيهَا مَذَاهِب الْأَرْبَعَة وَقد خَالف الْأَرْبَعَة فِي مسَائِل مَعْرُوفَة وصنف فِيهَا وَاحْتج لَهَا بِالْكتاب وَالسّنة

стр. 117

وَلما كَانَ معتقلا بالاسكندرية التمس مِنْهُ صَاحب سبتة أَن يُجِيز لَهُ مروياته وينص على أَسمَاء جملَة مِنْهَا فَكتب فِي عشر وَرَقَات جملَة من ذَلِك بأسانيدها من حفظه بِحَيْثُ يعجز أَن يعْمل بعضه أكبر مُحدث وَله الْآن عدَّة سِنِين لَا يُفْتِي بِمذهب معِين بل بِمَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل عِنْده وَلَقَد نصر السّنة الْمَحْضَة والطريقة السلفية وَاحْتج لَهَا ببراهين ومقدمات وَأُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا وَأطلق عِبَارَات أحجم عَنْهَا الْأَولونَ وَالْآخرُونَ وهابوا وجسر هُوَ عَلَيْهَا حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ خلق من عُلَمَاء مصر والشأم قيَاما لَا مزِيد عَلَيْهِ وبدعوه وناظروه وكابروه وَهُوَ ثَابت لَا يداهن وَلَا يحابي بل يَقُول الْحق المر الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَاده وحدة ذهنه وسعة دائرته فِي السّنَن والأقوال مَعَ مَا اشْتهر عَنهُ من الْوَرع وَكَمَال الفكرة وَسُرْعَة الْإِدْرَاك وَالْخَوْف من الله والتعظيم لحرمات الله فَجرى بَينه وَبينهمْ حملات حربية ووقائع شامية ومصرية وَكم من نوبَة قد رَمَوْهُ عَن قَوس وَاحِدَة فينجيه الله

стр. 118

فَإِنَّهُ دَائِم الابتهال كثير الاستغاثة قوي التَّوَكُّل ثَابت الجأش لَهُ أوراد وأذكار يدمنها بكيفية وجعية وَله من الطّرف الآخر محبون من الْعلمَاء والصلحاء وَمن الْجند والأمراء وَمن التُّجَّار والكبراء وَسَائِر الْعَامَّة تحبه لِأَنَّهُ منتصب لنفعهم لَيْلًا وَنَهَارًا بِلِسَانِهِ وقلمه وَأما شجاعته فِيهَا تضرب الْأَمْثَال وببعضها يتشبه أكَابِر الْأَبْطَال فَلَقَد أَقَامَهُ الله فِي نوبَة غازان والتقى أعباء الْأَمر بِنَفسِهِ وَقَامَ وَقعد وطلع وَخرج وَاجْتمعَ بِالْملكِ مرَّتَيْنِ وبقطلوشاه وببولاي وَكَانَ قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول وَله حِدة قَوِيَّة تعتريه فِي الْبَحْث حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْث حَرْب وَهُوَ أكبر من أَن يُنَبه مثلي على نعوته فَلَو حَلَفت بَين الرُّكْن وَالْمقَام لحلفت أَنى مَا رَأَيْت بعيني مثله وَلَا وَالله مَا رأى هُوَ مثل نَفسه فِي الْعلم قلت مَا فعله الشَّيْخ ﵀ فِي نوبَة غازان من جَمِيع أَنْوَاع الْجِهَاد وَسَائِر أَنْوَاع الْخَيْر من إِنْفَاق الأمول وإطعام الطَّعَام وَدفن الْمَوْتَى وَغير ذَلِك مَعْرُوف مَشْهُور

стр. 119

ثمَّ بعد ذَلِك بعام سنة سَبْعمِائة لما قدم التتار إِلَى أَطْرَاف الْبِلَاد وَبَقِي الْخلق فِي شدَّة عَظِيمَة وَغلب على ظنهم أَن عَسْكَر مصر قد تخلوا عَن الشأم ركب الشَّيْخ وَسَار على الْبَرِيد إِلَى الْجَيْش الْمصْرِيّ فِي سَبْعَة أَيَّام وَدخل الْقَاهِرَة فِي الْيَوْم الثَّامِن يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشر جمادي الأولى وأطلاب المصريين دَاخِلَة وَقد دخل السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فَاجْتمع بأركان الدولة واستصرخ بهم وحضهم على الْجِهَاد وتلا عَلَيْهِم الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَأخْبرهمْ بِمَا أعد الله للمجاهدين من الثَّوَاب فاستفاقوا وقويت هممهم وأبدوا لَهُ الْعذر فِي رجوعهم مِمَّا قاسوا من الْمَطَر وَالْبرد مُنْذُ عشْرين وَنُودِيَ بالغزاة وقوى الْعَزْم وعظموه وأكرموه وَتردد الْأَعْيَان إِلَى زيارته وَاجْتمعَ بِهِ فِي هَذِه السّنة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد وَسمع كَلَامه وَذكر أَنهم سَأَلُوهُ بعد انْقِضَاء الْمجْلس فَقَالَ هُوَ رجل حفظَة قيل لَهُ فَهَلا تَكَلَّمت مَعَه فَقَالَ هَذَا رجل يحب الْكَلَام وَأَنا أحب السُّكُوت وَلَقَد أَخْبرنِي الذَّهَبِيّ عَن الشَّيْخ ﵀ أَنه أخبرهُ أَن ابْن دَقِيق الْعِيد قَالَ لَهُ بعد سَماع كَلَامه مَا كنت أَظن أَن الله بقى يخلق مثلك

стр. 120

وَفِي الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الْمَذْكُور وصل الشَّيْخ إِلَى دمشق على الْبَرِيد وَكتب فِي هَذِه الْحَادِثَة كتابا وَصورته هَذَا صُورَة كتاب كتبه شيخ الْإِسْلَام عَلامَة الزَّمَان تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية ﵀ وَرَضي عَنهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِلَى من يصل إِلَيْهِ من الْمُؤمنِينَ وَالْمُسْلِمين سَلام الله عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإنَّا نحمد إِلَيْكُم الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ للحمد أهل وَهُوَ على كل شَيْء قدير ونسأله أَن يُصَلِّي على صفوته من خليقته وَخيرته من بريته مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا أما بعد فقد صدق الله وعده وَنصر عَبده وأعز جنده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده ﴿ورد الله الَّذين كفرُوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ الله قَوِيا عَزِيزًا﴾ وَالله تَعَالَى يُحَقّق لنا تَمام

стр. 121

الْكَلَام بقوله ﴿وَأنزل الَّذين ظاهروهم من أهل الْكتاب من صياصيهم وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ وأرضا لم تطؤوها وَكَانَ الله على كل شَيْء قَدِيرًا﴾ فَإِن هَذِه الْفِتْنَة الَّتِي ابْتُلِيَ بهَا الْمُسلمُونَ مَعَ هَذَا الْعَدو الْمُفْسد الْخَارِج عَن شَرِيعَة الْإِسْلَام قد جرى فِيهَا شَبيه مَا جرى للْمُسلمين مَعَ عدوهم على عهد رَسُول الله ﷺ فِي الْمَغَازِي الَّتِي أنزل الله فِيهَا كِتَابه وابتلى بهَا نبيه وَالْمُؤمنِينَ مَا هُوَ أُسْوَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر وَذكر الله كثيرا إِلَى يَوْم القايمة فَإِن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة اللَّذين هما دَعْوَة مُحَمَّد ﷺ يتناولان عُمُوم الْخلق بِالْعُمُومِ اللَّفْظِيّ والمعنوي أَو بِالْعُمُومِ الْمَعْنَوِيّ وعهود الله فِي كِتَابه وَسنة رَسُوله تنَال آخر هَذِه الآمة كَمَا نَالَتْ أَولهَا وَإِنَّمَا قصّ الله علينا قصَص من قبلنَا من الْأُمَم لتَكون عِبْرَة لنا فنشبه حَالنَا بحالهم ونقيس أَوَاخِر الْأُمَم بأوائلها فَيكون لِلْمُؤمنِ من الْمُتَأَخِّرين شبه بِمَا كَانَ لِلْمُؤمنِ من الْمُتَقَدِّمين وَيكون للْكَافِرِ وَالْمُنَافِق من الْمُتَأَخِّرين شبه بِمَا كَانَ

стр. 122

للْكَافِرِ وَالْمُنَافِق من الْمُتَقَدِّمين كَمَا قَالَ تَعَالَى لما قصّ قصَّة يُوسُف مفصلة وأجمل ذكر قصَص الْأَنْبِيَاء ثمَّ قَالَ ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثا يفترى﴾ أَي هَذِه الْقَصَص الْمَذْكُورَة فِي الْكتاب لَيست بِمَنْزِلَة مَا يفترى من الْقَصَص المكذوبة كنحو مَا يذكر فِي الحروب وَفِي السّير المكذوبة وَقَالَ تَعَالَى لما ذكر قصَّة فِرْعَوْن ﴿فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى﴾ وَقَالَ فِي سيرة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ مَعَ أعدائه ببدر وَغَيرهَا ﴿قد كَانَ لكم آيَة فِي فئتين التقتا فِئَة تقَاتل فِي سَبِيل الله وَأُخْرَى كَافِرَة يرونهم مثليهم رَأْي الْعين وَالله يُؤَيّد بنصره من يَشَاء إِن فِي ذَلِك لعبرة لأولي الْأَبْصَار﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي محاصرته لبني النَّضِير ﴿هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر مَا ظننتم أَن يخرجُوا وظنوا أَنهم مانعتهم حصونهم من الله فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾

стр. 123

فَأمرنَا أَن نعتبر بأحوال الْمُتَقَدِّمين علينا من هَذِه الْأمة وَمِمَّنْ قبلهَا من الْأُمَم وَذكر فِي غير مَوضِع أَن سنته فِي ذَلِك سنة مطردَة وعادته مستمرة فَقَالَ تَعَالَى ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض والمرجفون فِي الْمَدِينَة لنغرينك بهم ثمَّ لَا يجاورونك فِيهَا إِلَّا قَلِيلا ملعونين أَيْنَمَا ثقفوا أخذُوا وَقتلُوا تقتيلا سنة الله فِي الَّذين خلوا من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو قاتلكم الَّذين كفرُوا لولوا الأدبار ثمَّ لَا يَجدونَ وليا وَلَا نَصِيرًا سنة الله الَّتِي قد خلت من قبل وَلنْ تَجِد لسنة الله تبديلا﴾ وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن دأب الْكَافرين من الْمُسْتَأْخِرِينَ كدأب

стр. 124

الْكَافرين من الْمُسْتَقْدِمِينَ فَيَنْبَغِي للعقلاء أَن يعتبروا بِسنة الله وأيامه فِي عباده ودأب الْأُمَم وعاداتهم لَا سِيمَا فِي مثل هَذِه الْحَادِثَة الْعَظِيمَة الَّتِي طبق الغافقين خَيرهَا واستطار فِي جَمِيع ديار الْإِسْلَام شررها وأطلع فِيهَا النِّفَاق نَاصِيَة رَأسه وكشر فِيهَا الْكفْر عَن أنيابه وأضراسه وَكَاد فِيهِ عَمُود الْكتاب أَن يجتث ويخترم وحبل الْإِيمَان أَن يَنْقَطِع ويصطلم وعقر دَار الْمُؤمنِينَ أَن يحل بهَا الْبَوَار وَأَن يَزُول هَذَا الدّين باستيلاء الفجرة التتار وَظن المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض أَن مَا وعدهم الله وَرَسُوله إِلَّا غرُورًا وَأَن لن يَنْقَلِب حزب الله وَرَسُوله إِلَى أَهْليهمْ أبدا وزين ذَلِك فِي قُلُوبهم وظنوا ظن السوء وَكَانُوا قوما بورا وَنزلت فتْنَة تركت الْحَلِيم فِيهَا حيران وأنزلت الرجل الصاحي منزلَة السَّكْرَان وَتركت الرجل اللبيب لِكَثْرَة الوسواس لَيْسَ بالنائم وَلَا الْيَقظَان وتناكرت فِيهَا قُلُوب المعارف والإخوان حَتَّى بَقِي للرجل بِنَفسِهِ شغل عَن أَن يغيث اللهفان وميز الله فِيهَا أهل البصائر والايقان من الَّذين فِي قُلُوبهم مرض أَو نفاق وَضعف إِيمَان وَرفع بهَا أَقْوَامًا إِلَى الدَّرَجَات

стр. 125

الْعَالِيَة كَمَا خفض بهَا أَقْوَامًا إِلَى الْمنَازل الهاوية وَكفر بهَا عَن آخَرين أَعْمَالهم الْخَاطِئَة وَحدث من أَنْوَاع الْبلوى مَا جعلهَا قِيَامَة مختصرة من الْقِيَامَة الْكُبْرَى فَإِن النَّاس تفَرقُوا فِيهَا مَا بَين شقي وَسَعِيد كَمَا يتفرقون كَذَلِك فِي الْيَوْم الْمَوْعُود وفر الرجل فِيهَا من اخيه وَأمه وَأَبِيهِ إِذْ كَانَ لكل امرىءمنهم شَأْن يُغْنِيه وَكَانَ من النَّاس من أقْصَى همته النجَاة بِنَفسِهِ لَا يلوي على مَاله وَلَا وَلَده وَلَا عرسه كَمَا أَن مِنْهُم من فِيهِ قُوَّة على تَخْلِيص الْأَهْل وَالْمَال وَآخر فِيهِ زِيَادَة مَعُونَة لمن هُوَ مِنْهُ ببال وَآخر مَنْزِلَته منزلَة الشَّفِيع المطاع وهم دَرَجَات عِنْد الله فِي الْمَنْفَعَة والدفاع وَلم تَنْفَع الْمَنْفَعَة الْخَالِصَة من الشكوى إِلَّا الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَالْبر وَالتَّقوى وبليت فِيهَا السرائر وَظَهَرت الخبايا الَّتِي كَانَت تكتمها الضمائر وَتبين أَن البهرج من الْأَقْوَال والأعمال يخون صَاحبه أحْوج مَا كَانَ إِلَيْهِ فِي الْمَآل وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السَّبِيل كَمَا حمد ربه من صدق فِي إيمَانه فَاتخذ مَعَ الرَّسُول سَبِيلا وَبَان صدق مَا جَاءَت بِهِ الْآثَار النَّبَوِيَّة من الْأَخْبَار بِمَا يكون وواطأتها قُلُوب الَّذين هم فِي هَذِه الْأمة محدثون كَمَا تواطأت عَلَيْهِ الْمُبَشِّرَات الَّتِي

стр. 126

أريها الْمُؤْمِنُونَ وَتبين فِيهَا الطَّائِفَة المنصورة الظَّاهِرَة على الدّين الَّذين لَا يضرهم من خالفهم وَلَا من خذلهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة حَيْثُ تحزب النَّاس ثَلَاثَة أحزاب حزب مُجْتَهد فِي نصر الدّين وَآخر خاذل لَهُ وَآخر خَارج عَن شَرِيعَة الْإِسْلَام وانقسم النَّاس مَا بَين مأجور ومعذور وَآخر قد غره بِاللَّه الْغرُور وَكَانَ هَذَا الامتحان تمييزا من الله وتقسيما ليجزي الصَّادِقين بصدقهم ويعذب الْمُنَافِقين إِن شَاءَ أَو يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما وَوجه الِاعْتِبَار فِي هَذِه الْحَادِثَة الْعَظِيمَة أَن الله بعث مُحَمَّدًا ﷺ بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَشرع لَهُ الْجِهَاد إِبَاحَة لَهُ أَولا ثمَّ إِيجَابا لَهُ ثَانِيًا لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَصَارَ لَهُ فِيهَا أنصار ينْصرُونَ الله وَرَسُوله فغزا بِنَفسِهِ ﷺ مُدَّة مقَامه بدار الْهِجْرَة وَهُوَ نَحْو عشر سِنِين بضعا وَعشْرين غَزْوَة أَولهَا بدر وَآخِرهَا تَبُوك أنزل الله فِي أول مغازيه سُورَة الْأَنْفَال وَفِي آخرهَا سُورَة بَرَاءَة وَجمع بَينهمَا فِي الْمُصحف لتشابه أول الْأَمر وَآخره كَمَا قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان لما سُئِلَ عَن الْقرَان بَين السورتين من غير فصل بالبسملة

стр. 127

وَكَانَ الْقِتَال مِنْهَا فِي تسع غزوات فَأول غزوات الْقِتَال بدر وَآخِرهَا حنين والطائف وَأنزل الله فِيهَا مَلَائكَته كَمَا أخبر بِهِ الْقُرْآن وَلِهَذَا صَار النَّاس يجمعُونَ بَينهمَا فِي القَوْل وَإِن تبَاعد مَا بَين الغزوتين مَكَانا وزمانا فَإِن بَدْرًا كَانَت فِي رَمَضَان فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة مَا بَين الْمَدِينَة وَمَكَّة شَامي مَكَّة وغزوة حنين فِي آخر شَوَّال من السّنة الثَّامِنَة وحنين وَاد قريب من الطَّائِف شَرْقي مَكَّة ثمَّ قسم النَّبِي ﷺ غنائمها بالجعرانة وَاعْتمر عمْرَة الْجِعِرَّانَة ثمَّ حاصر الطَّائِف فَلم يقاتله أهل الطَّائِف زحفا وصفوفا وَإِنَّمَا قَاتلُوهُ من وَرَاء جِدَار فآخر غَزْوَة كَانَ فِيهَا الْقِتَال زحفا واصطفافا هِيَ غَزْوَة حنين

стр. 128

وَكَانَت غَزْوَة بدر أول غَزْوَة ظهر فِيهَا الْمُسلمُونَ على صَنَادِيد الْكفَّار وَقتل الله وَأسر رؤوسهم مَعَ قلَّة الْمُسلمين وضعفهم فَإِنَّهُم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر لَيْسَ مَعَهم إِلَّا فرسَان وَكَانَ يعتقب الِاثْنَان وَالثَّلَاثَة على الْبَعِير الْوَاحِد وَكَانَ عدوهم بقدرهم أَكثر من ثَلَاث مَرَّات فِي قُوَّة وعدة وهيأة وخيلاء فَلَمَّا كَانَ من الْعَام الْمقبل غزا الْكفَّار الْمَدِينَة وفيهَا النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فَخرج إِلَيْهِم النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه فِي نَحْو من ربع الْكفَّار وَتركُوا عِيَالهمْ بِالْمَدِينَةِ لم ينقلوهم إِلَى مَوضِع آخر وَكَانَت أَولا الكرة للْمُسلمين عَلَيْهِم ثمَّ صَارَت للْكفَّار فَانْهَزَمَ عَامَّة عَسْكَر الْمُسلمين إِلَّا نَفرا قَلِيلا حول النَّبِي ﷺ مِنْهُم من قتل وَمِنْهُم من جرح وحرصوا على قتل النَّبِي ﷺ حَتَّى كسروا رباعيته وشجوا جَبينه وهشموا الْبَيْضَة على رَأسه وَأنزل الله فِيهَا نَحوا من شطر سُورَة أل عمرَان من قَوْله ﴿وَإِذ غَدَوْت من أهلك تبوئ الْمُؤمنِينَ مقاعد لِلْقِتَالِ﴾

стр. 129

قَالَ فِيهَا ﴿إِن الَّذين توَلّوا مِنْكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا استزلهم الشَّيْطَان بِبَعْض مَا كسبوا وَلَقَد عَفا الله عَنْهُم إِن الله غَفُور حَلِيم﴾ وَقَالَ فِيهَا ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده إِذْ تحسونهم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فشلتم وتنازعتم فِي الْأَمر وعصيتم من بعد مَا أَرَاكُم مَا تحبون مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة ثمَّ صرفكم عَنْهُم ليبتليكم وَلَقَد عَفا عَنْكُم وَالله ذُو فضل على الْمُؤمنِينَ﴾ وَقَالَ فِيهَا ﴿أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ وَكَانَ الشَّيْطَان قد نفق فِي النَّاس أَن مُحَمَّدًا قد قتل فَمنهمْ من تزلزل لذَلِك فهرب وَمِنْهُم من ثَبت فقاتل فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل أَفَإِن مَاتَ أَو قتل انقلبتم على أعقابكم وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا وسيجزي الله الشَّاكِرِينَ﴾

стр. 130

وَكَانَ هَذَا مثل حَال الْمُسلمين لما انكسروا فِي الْعَام الْمَاضِي وَكَانَت هزيمَة الْمُسلمين فِي الْعَام الْمَاضِي بذنوب ظَاهِرَة وخطايا وَاضِحَة من فَسَاد النيات وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء وَالظُّلم وَالْفَوَاحِش والإعراض عَن حكم الْكتاب وَالسّنة وَعَن الْمُحَافظَة على فَرَائض الله وَالْبَغي على كثير من الْمُسلمين الَّذين بِأَرْض الجزيرة وَالروم وَكَانَ عدوهم فِي أول الْأَمر رَاضِيا مِنْهُم بالموادعة والمسالمة شَارِعا فِي الدُّخُول فِي الْإِسْلَام وَكَانَ مبتدئا فِي الْإِيمَان والأمان وَكَانُوا هم قد أَعرضُوا عَن كثير من أَحْكَام الْإِيمَان فَكَانَ من حِكْمَة الله وَرَحمته بِالْمُؤْمِنِينَ أَن ابْتَلَاهُم بِمَا ابْتَلَاهُم بِهِ ليمحص الله الَّذين آمنُوا وينيبوا إِلَى رَبهم وليظهر من عدوهم مَا ظهر مِنْهُ من الْبَغي وَالْمَكْر والنكث وَالْخُرُوج عَن شرائع الْإِسْلَام فَيقوم بهم مَا يستوجبون بِهِ النَّصْر وبعدوهم مَا يسْتَوْجب بِهِ الانتقام فقد كَانَ فِي نفوس كثير من مقاتلة الْمُسلمين ورعيتهم من الشَّرّ

стр. 131

الْكَبِير مَا لَو يقْتَرن بِهِ ظفر بعدوهم الَّذِي هُوَ على الْحَال الْمَذْكُورَة لأوجب لَهُم ذَلِك من فَسَاد الدّين وَالدُّنْيَا مَالا يُوصف كَمَا أَن نصر الله الْمُسلمين يَوْم بدر كَانَ رَحْمَة ونعمة وهزيمتهم يَوْم أحد كَانَ نعْمَة وَرَحْمَة على الْمُؤمنِينَ فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضَاء إِلَّا كَانَ خيرا لَهُ وَلَيْسَ ذَلِك لأحد إِلَّا لِلْمُؤمنِ إِن أَصَابَته سراء فَشكر الله كَانَ خيرا لَهُ وَإِن أَصَابَته ضراء فَصَبر كَانَ خيرا لَهُ فَلَمَّا كَانَت حَادِثَة الْمُسلمين عَام أول شَبيهَة بِأحد وَكَانَ بعد أحد بِأَكْثَرَ من سنة وَقيل بِسنتَيْنِ قد ابْتُلِيَ الْمُسلمُونَ بغزوة الخَنْدَق كَذَلِك فِي هَذَا الْعَام ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ بعدوهم كنحو مَا ابْتُلِيَ الْمُسلمُونَ مَعَ النَّبِي ﷺ عَام الخَنْدَق وَهِي غَزْوَة الْأَحْزَاب الَّتِي أنزل الله فِيهَا سُورَة الْأَحْزَاب وَهِي سُورَة تَضَمَّنت ذكر هَذِه الْغُزَاة الَّتِي نصر الله فِيهَا عَبده ﷺ وأعز فِيهَا جنده الْمُؤمنِينَ وَهزمَ الْأَحْزَاب الَّذين تحزبوا عَلَيْهِ وَحده بِغَيْر قتال بل بثبات الْمُؤمنِينَ بلقاء

стр. 132

عدوهم ذكر فِيهَا خَصَائِص رَسُول الله ﷺ وحقوقه وحرمته وَحُرْمَة أهل بَيته لما كَانَ هُوَ الْقلب الَّذِي نَصره الله فِيهَا بِغَيْر قتال كَمَا كَانَ ذَلِك فِي غزوتنا هَذِه سَوَاء وَظهر فِيهَا سر تأييد الدّين كَمَا ظهر فِي غَزْوَة الخَنْدَق وانقسم النَّاس فِيهَا كانقسامهم عَام الخَنْدَق وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى مُنْذُ بعث مُحَمَّدًا ﷺ وأعزه بِالْهِجْرَةِ والنصرة صَار النَّاس ثَلَاثَة أَقسَام قسما مُؤمنين وهم الَّذين آمنُوا بِهِ ظَاهرا وَبَاطنا وقسما كفَّارًا وهم الَّذين أظهرُوا الْكفْر بِهِ وقسما منافقين وهم الَّذين آمنُوا ظَاهرا لَا بَاطِنا وَلِهَذَا افْتتح سُورَة الْبَقَرَة بِأَرْبَع آيَات فِي صفة الْمُؤمنِينَ وآيتين فِي صفة الْكَافرين وَثَلَاث عشر آيَة فِي صفة الْمُنَافِقين وكل وَاحِد من الْإِيمَان وَالْكفْر والنفاق لَهُ دعائم وَشعب كَمَا دلّت عَلَيْهِ دَلَائِل الْكتاب وَالسّنة وكما فسره أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أبي طَالب ﵁ فِي الحَدِيث الْمَأْثُور عَنهُ فِي الْإِيمَان ودعائمه وشعبه فَمن النِّفَاق مَا هُوَ أكبر يكون صَاحبه فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار كنفاق عبد الله بن أبي وَغَيره بِأَن يظْهر تَكْذِيب الرَّسُول أَو

стр. 133

جحود بعض مَا جَاءَ بِهِ أَو بغضه أَو عدم اعْتِقَاد وجوب اتِّبَاعه أَو المسرة بانخفاض دينه أَو المساءة بِظُهُور دينه وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يكون صَاحبه إِلَّا عدوا لله وَرَسُوله وَهَذَا الْقدر كَانَ مَوْجُودا فِي زمن رَسُول الله ﷺ وَمَا زَالَ بعده بل هُوَ بعده أَكثر مِنْهُ على عَهده لكَون مُوجبَات الْإِيمَان على عَهده أقوى فَإِذا كَانَت مَعَ قوتها كَانَ النِّفَاق مَوْجُودا فوجوده فِيمَا دون ذَلِك أولى وكما أَنه ﷺ كَانَ يعلم بعض الْمُنَافِقين وَلَا يعلم بَعضهم كَمَا بَينه قَوْله ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ كَذَلِك خلفاؤه بعده وورثته قد يعلمُونَ بعض الْمُنَافِقين وَلَا يعلمُونَ بَعضهم وَفِي المنتسبين إِلَى الْإِسْلَام من عَامَّة الطوائف مُنَافِقُونَ كَثِيرُونَ فِي الْخَاصَّة والعامة ويسمون الزَّنَادِقَة وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي قبُول تَوْبَتهمْ فِي الظَّاهِر لكَون ذَلِك لَا يعلم إِذْ هم دَائِما يظهرون الْإِسْلَام

стр. 134

وَهَؤُلَاء يكثرون فِي المتفلسفة مِمَّن المنجمين وَنَحْوهم ثمَّ فِي الْأَطِبَّاء ثمَّ فِي الْكتاب أقل من ذَلِك ويوجدون فِي المتصوفة والمتفقهة وَفِي الْمُقَاتلَة والأمراء وَفِي الْعَامَّة أَيْضا وَلَكِن يوجدون كثيرا فِي نحل اهل الْبدع لَا سِيمَا الرافضة ففيهم من الزَّنَادِقَة وَالْمُنَافِقِينَ مَا لَيْسَ فِي أحد من اهل النَّحْل وَلِهَذَا كَانَت الخرمية والباطنية والقرامطة والإسماعيلية والنصيرية وَنَحْوهم من الْمُنَافِقين الزَّنَادِقَة منتسبة إِلَى الرافضة وَهَؤُلَاء المُنَافِقُونَ فِي هَذِه الْأَوْقَات لكثير مِنْهُم ميل إِلَى دولة هَؤُلَاءِ التتار لكَوْنهم لَا يلزمونهم شَرِيعَة الْإِسْلَام بل يتركونهم وَمَا هم عَلَيْهِ وَبَعْضهمْ إِنَّمَا ينفرون عَن التتار لفساد سيرتهم فِي الدُّنْيَا واستيلائهم على الْأَمْوَال واجترائهم على الدِّمَاء والسبي لَا لأجل الدّين فَهَذَا ضرب النِّفَاق الْأَكْبَر وَأما النِّفَاق الْأَصْغَر فَهُوَ النِّفَاق فِي الْأَعْمَال وَنَحْوهَا مثل أَن يكذب إِذا حدث ويخلف إِذا وعد ويخون إِذا ائْتمن أَو يفجر إِذا خَاصم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ آيَة الْمُنَافِق

стр. 135

ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة وَإِن صلى وَصَامَ وَزعم أَنه مُسلم وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقا خَالِصا وَمن كَانَت فِيهِ خصْلَة مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خصْلَة من النِّفَاق حَتَّى يَدعهَا إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا عَاهَدَ غدر وَإِذا خَاصم فجر وَمن هَذَا الْبَاب الْإِعْرَاض عَن الْجِهَاد فَإِنَّهُ من خِصَال الْمُنَافِقين قَالَ النَّبِي ﷺ من مَاتَ وَلم يغز وَلم يحدث نَفسه بالغزو مَاتَ على شُعْبَة من نفاق رَوَاهُ مُسلم وَقد أنزل الله سُورَة بَرَاءَة الَّتِي تسمى الفاضحة لِأَنَّهَا فضحت الْمُنَافِقين أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ هِيَ الفاضحة مَا زَالَت تنزل (وَمِنْهُم وَمِنْهُم) حَتَّى ظنُّوا أَن لَا يبْقى أحد إِلَّا ذكر فِيهَا وَعَن الْمِقْدَاد بن الْأسود قَالَ هِيَ سُورَة البحوث لِأَنَّهَا بحثت عَن سرائر الْمُنَافِقين وَعَن قَتَادَة قَالَ هِيَ المثيرة لِأَنَّهَا أثارت مخازي الْمُنَافِقين وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ هِيَ المبعثرة والبعثرة والإثارة متقاربان وَعَن ابْن عمر انها المقشقشة لِأَنَّهَا تبرىء من مرض النِّفَاق يُقَال تقشقش الْمَرِيض إِذا برأَ

стр. 136

وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَكَانَ يُقَال لسورتي الْإِخْلَاص المقشقشتان لِأَنَّهُمَا يبرئان من النِّفَاق وَهَذِه السُّورَة نزلت فِي آخر مغازي النَّبِي ﷺ غَزْوَة تَبُوك عَام تسع من الْهِجْرَة وَقد عز الْإِسْلَام وَظهر فكشف الله فِيهَا أَحْوَال الْمُنَافِقين ووصفهم فِيهَا بالجبن وَترك الْجِهَاد ووصفهم بالبخل عَن النَّفَقَة فِي سَبِيل الله وَالشح على المَال وَهَذَانِ داءان عظيمان الْجُبْن وَالْبخل قَالَ النَّبِي ﷺ شَرّ مَا فِي الْمَرْء شح هَالِع وَجبن خَالع حَدِيث صَحِيح وَلِهَذَا قد يكونَانِ من الْكَبَائِر الْمُوجبَة للنار كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين يَبْخلُونَ بِمَا آتَاهُم الله من فَضله هُوَ خيرا لَهُم بل هُوَ شَرّ لَهُم سيطوقون مَا بخلوا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إِلَّا متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة فقد بَاء بغضب من الله ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾

стр. 137

وَأما وَصفهم بالجبن والفزع فَقَالَ تَعَالَى ﴿ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون لَو يَجدونَ ملْجأ أَو مغارات أَو مدخلًا لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم وَإِن حلفوا أَنهم من الْمُؤمنِينَ فَمَا هم مِنْهُم وَلَكِن يفزعون من الْعَدو فَلَو يَجدونَ ملْجأ يلجأون إِلَيْهِ من المعاقل والحصون الَّتِي يفر إِلَيْهَا من يتْرك الْجِهَاد أَو مغارات وَهِي جمع مغارة ومغارات سميت بذلك لِأَن الدَّاخِل يغور فِيهَا أَي يسْتَتر كَمَا يغور المَاء أَو مدخلًا وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّف الدُّخُول إِلَيْهِ إِمَّا لضيق بَابه أَو لغير ذَلِك أَي مَكَانا يدْخلُونَ إِلَيْهِ وَلَو كَانَ الدُّخُول بكلفة ومشقة لولوا عَن الْجِهَاد إِلَيْهِ وهم يجحمون أَي يسرعون إسارعا لَا يردهم شَيْء كالفرس الجموح الَّذِي إِذا حمل لَا يردهُ اللجام

стр. 138

وَهَذَا وصف منطبق على أَقوام كثيرين فِي حادثتنا وَفِيمَا قبلهَا من الْحَوَادِث وَبعدهَا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي سُورَة مُحَمَّد ﷺ ﴿فَإِذا أنزلت سُورَة محكمَة وَذكر فِيهَا الْقِتَال رَأَيْت الَّذين فِي قُلُوبهم مرض ينظرُونَ إِلَيْك نظر المغشي عَلَيْهِ من الْمَوْت فَأولى لَهُم﴾ أَي فبعدا لَهُم ﴿طَاعَة وَقَول مَعْرُوف فَإِذا عزم الْأَمر فَلَو صدقُوا الله لَكَانَ خيرا لَهُم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرَسُوله ثمَّ لم يرتابوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ هم الصادقون﴾ فحصر الْمُؤمنِينَ فِيمَن آمن وجاهد وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يستأذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَالله عليم بالمتقين إِنَّمَا يستأذنك الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وارتابت قُلُوبهم فهم فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ﴾ فَهَذَا إِخْبَار من الله بِأَن الْمُؤمن لَا يسْتَأْذن الرَّسُول فِي ترك الْجِهَاد

стр. 139

وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنهُ الَّذِي لَا يُؤمن فَكيف بالتارك من غير اسْتِئْذَان وَمن تدبر الْقُرْآن وجد نَظَائِر هَذَا متضافرة على هذاالمعنى وَقَالَ فِي وَصفهم بالشح ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا وهم كسَالَى وَلَا يُنْفقُونَ إِلَّا وهم كَارِهُون﴾ فَهَذِهِ حَال من أنْفق كَارِهًا فَكيف بِمن ترك النَّفَقَة رَأْسا وَقَالَ ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ وَقَالَ ﴿وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله لنصدقن ولنكونن من الصَّالِحين فَلَمَّا آتَاهُم من فَضله بخلوا بِهِ وتولوا وهم معرضون﴾ وَقَالَ فِي السُّورَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾

стр. 140

فانتظمت هَذِه الْآيَة حَال من أَخذ المَال بِغَيْر حَقه أَو مَنعه عَن مُسْتَحقّه من جَمِيع النَّاس فَإِن الْأَحْبَار هم الْعلمَاء والرهبان هم الْعباد وَقد أخبر أَن كثيرا مِنْهُم يَأْكُلُون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون أَي يعرضون وَيمْنَعُونَ يُقَال صد عَن الْحق صدودا وَصد غَيره وَهَذَا ينْدَرج فِيهِ مَا يُؤْكَل بِالْبَاطِلِ من وقف أَو عَطِيَّة على الدّين كَالصَّلَاةِ وَالنُّذُور الَّتِي تنذر لأهل الدّين وَمن الْأَمْوَال الْمُشْتَركَة كأموال بَيت المَال وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا فِيمَن يَأْكُل المَال بِالْبَاطِلِ بِشُبْهَة دين ثمَّ قَالَ ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ فَهَذَا ينْدَرج فِيهِ من كنز المَال عَن النَّفَقَة الْوَاجِبَة فِي سَبِيل الله وَالْجهَاد أَحَق الْأَعْمَال باسم سَبِيل الله سَوَاء كَانَ ملكا أَو مقدما أَو غَنِيا أَو غير ذَلِك

стр. 141

وَإِذا دخل فِي هَذَا مَا كنز من المَال الْمَوْرُوث والمكسوب فَمَا كنز من الْأَمْوَال الْمُشْتَركَة الَّتِي يَسْتَحِقهَا عُمُوم الْأمة ومستحقها مصالحهم أولى وَأَحْرَى فصل فَإِذا تبين بعض معنى الْمُؤمن وَالْمُنَافِق فَإِذا قَرَأَ الْإِنْسَان سُورَة الْأَحْزَاب وَعرف من المنقولات فِي الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه والمغازي كَيفَ كَانَت صفة الْوَاقِعَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن ثمَّ اعْتبر هَذِه الْحَادِثَة بِتِلْكَ وجد مصداق مَا ذكرنَا وَأَن النَّاس انقسموا فِي هَذِه الْحَادِثَة إِلَى الْأَقْسَام الثَّلَاثَة كَمَا انقسموا فِي تِلْكَ وَتبين لَهُ كثير من المتشابهات افْتتح الله السُّورَة بقوله ﴿يَا أَيهَا النَّبِي اتَّقِ الله وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وَذكر فِي أَثْنَائِهَا قَوْله ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك من رَبك إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ فَأمره بِاتِّبَاع مَا أوحى إِلَيْهِ من الْكتاب وَالْحكمَة الَّتِي هِيَ سنته وَبِأَن يتوكل على الله

стр. 142

فبالأولى تحقق قَوْله ﴿إياك نعْبد﴾ وبالثانية تحقق قَوْله ﴿وَإِيَّاك نستعين﴾ وَمثل ذَلِك قَوْله ﴿فاعبده وتوكل عَلَيْهِ﴾ وَقَوله ﴿عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ وَهَذَا وَإِن كَانَ مَأْمُورا بِهِ فِي جَمِيع الدّين فَإِن ذَلِك فِي الْجِهَاد أوكد لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى أَن يُجَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَذَلِكَ لَا يتم إِلَّا بتأييد قوي من الله وَلِهَذَا كَانَ الْجِهَاد سَنَام الْعَمَل وانتظم سَنَام جَمِيع الْأَحْوَال الشَّرِيفَة

стр. 143

فَفِيهِ سَنَام الْمحبَّة كَمَا فِي قَوْله ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ أعزة على الْكَافرين يجاهدون فِي سَبِيل الله وَلَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ وَفِيه سَنَام التَّوَكُّل وسنام الصَّبْر فَإِن الْمُجَاهِد أحْوج النَّاس إِلَى الصَّبْر والتوكل وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين هَاجرُوا فِي الله من بعد مَا ظلمُوا لنبوئنهم فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ولأجر الْآخِرَة أكبر لَو كَانُوا يعلمُونَ الَّذين صَبَرُوا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّه واصبروا إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾

стр. 144

وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْر وَالْيَقِين اللَّذين هما أصل التَّوَكُّل يوجبان الْإِمَامَة فِي الدّين كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يوقنون﴾ ) وَلِهَذَا كَانَ الْجِهَاد مُوجبا للهداية الَّتِي هِيَ مُحِيطَة بِأَبْوَاب الْعلم كَمَا دلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين جاهدوا فِينَا لنهدينهم سبلنا﴾ وَفِي الْجِهَاد أَيْضا حَقِيقَة الزّهْد فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الدَّار الدُّنْيَا وَفِيه أَيْضا حَقِيقَة الْإِخْلَاص فَإِن الْكَلَام فِيمَن جَاهد فِي سَبِيل الله لَا فِي سَبِيل لراياسة وَلَا فِي سَبِيل المَال وَلَا فِي سَبِيل الحمية وَهَذَا لَا يكون إِلَّا لمن قَاتل ليَكُون الدّين كُله لله ولتكون كلمة الله هِيَ الْعليا وَأعظم مَرَاتِب الْإِخْلَاص تَسْلِيم النَّفس وَالْمَال للمعبود كَمَا قا تَعَالَى ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ وَالْجنَّة اسْم للدَّار الَّتِي حوت كل نعيم أَعْلَاهُ النّظر إِلَى الله إِلَى مَا دون ذَلِك مِمَّا تشتهيه الآنفس وتلذ الْأَعْين مِمَّا قد نعرفه

стр. 145

وَقد لَا نعرفه كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ رَسُوله ﷺ أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فقد تبين بعض أَسبَاب افْتِتَاح هَذِه السُّورَة بِهَذَا ثمَّ إِنَّه تَعَالَى قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ جاءتكم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرًا﴾ وَكَانَ مُخْتَصر الْقِصَّة أَن الْمُسلمين يحزب عَلَيْهِم عَامَّة الْمُشْركين الَّذين حَولهمْ وَجَاءُوا بجموعهم إِلَى الْمَدِينَة ليستأصلوا الْمُؤمنِينَ فاجتمعت قُرَيْش وحلفاؤها من بني أَسد وَأَشْجَع وفزارة وَغَيرهم من قبائل نجد وَاجْتمعت أَيْضا الْيَهُود من قُرَيْظَة وَالنضير فَإِن بني النَّضِير كَانَ النَّبِي ﷺ قد أجلاهم قبل ذَلِك كَمَا ذكره الله تَعَالَى فِي سُورَة الْحَشْر فَجَاءُوا فِي الْأَحْزَاب إِلَى قُرَيْظَة وهم معاهدون للنَّبِي ﷺ ومجاورون لَهُ قَرِيبا من الْمَدِينَة فَلم يزَالُوا
следующие страницы →