Полный текст (517 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فَكيف يتَصَوَّر مَعَ قيام هَذَا الْمُقْتَضى الَّذِي هُوَ من أقوى المقتضيات أَن يتَخَلَّف عَنهُ مُقْتَضَاهُ لأولئك السَّادة فِي مَجْمُوع عصرهم هَذَا لَا يكَاد يَقع فِي أبلد الْخلق وأشدهم إعْرَاضًا عَن الله وأعظمهم إكبابا على طلب الدُّنْيَا والغفلة عَن ذكر الله فَكيف يَقع فِي أُولَئِكَ
وَأما كَونهم كَانُوا معتقدين فِيهِ غير الْحق أَو قائليه فَهَذَا لَا يَعْتَقِدهُ مُسلم وَلَا عَاقل عرف حَال الْقَوْم
ثمَّ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب عَنْهُم أَكثر من أَن يُمكن أَن يسطر فِي هَذِه الْفتيا أَو أضعافها يعرف ذَلِك من طلبه وتتبعه
وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون الخالفون أعلم من السالفين كَمَا قد يَقُوله بعض الأغبياء مِمَّن لم يقدر قدر السّلف بل وَلَا عرف الله وَرَسُوله وَالْمُؤمنِينَ بِهِ حَقِيقَة الْمعرفَة الْمَأْمُور بهَا من أَن طَريقَة السّلف أسلم وَطَرِيقَة الْخلف أعلم وَأحكم
فَإِن هَؤُلَاءِ المبتدعة الَّذين يفضلون طَريقَة الْخلف من المتفلسفة وَمن حذا حذوهم على طَريقَة السّلف إِنَّمَا أَتَوا من حَيْثُ ظنُّوا أَن طَريقَة السّلف هِيَ مُجَرّد الْإِيمَان بِأَلْفَاظ الْقُرْآن والْحَدِيث من غير فقه لذَلِك بِمَنْزِلَة
стр. 72
الْأُمِّيين الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ وَأَن طَريقَة الْخلف هِيَ اسْتِخْرَاج مَعَاني النُّصُوص المصروفة عَن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللُّغَات
فَهَذَا الظَّن الْفَاسِد أوجب تِلْكَ الْمقَالة الَّتِي مضمونها نبذ الْإِسْلَام وَرَاء الظّهْر
وَقد كذبُوا على طَريقَة السّلف وَضَلُّوا فِي تصويب طَريقَة الْخلف فَجمعُوا بَين الْجَهْل بطريقة السّلف فِي الْكَذِب عَلَيْهِم وَبَين الْجَهْل والضلال بتصويب طَريقَة الْخلف
وَسبب ذَلِك اعْتِقَادهم أَنه لَيْسَ لله فِي نفس الْأَمر صفة دلّت عَلَيْهَا هَذِه النُّصُوص بِالشُّبُهَاتِ الْفَاسِدَة الَّتِي شاركوا فِيهَا إخْوَانهمْ من الْكَافرين
فَلَمَّا اعتقدوا انْتِفَاء الصِّفَات فِي نفس الْأَمر وَكَانَ مَعَ ذَلِك لَا بُد للنصوص من معنى بقوا مترددين بَين الْإِيمَان بِاللَّفْظِ وتفويض الْمَعْنى وَهِي الَّتِي يسمونها طَريقَة السّلف وَبَين صرف اللَّفْظ إِلَى معَان أُخْرَى بِنَوْع تكلّف وَهِي الَّتِي يسمونها طَريقَة الْخلف فَصَارَ هَذَا الْبَاطِل مركبا من فَسَاد الْعقل وَالْكفْر بِالسَّمْعِ
стр. 73
فَإِن النَّفْي إِنَّمَا اعتمدوا فِيهِ على أُمُور عقلية ظنوها بَيِّنَات وَهِي شُبُهَات والسمع حرفوا فِيهِ الْكَلم عَن موَاضعه
فَلَمَّا ابتنى أَمرهم على هَاتين المقدمتين الكاذبتين الكفريتين كَانَت النتيجة استجهال السَّابِقين الْأَوليين واستبلاههم واعتقاد انهم كَانُوا أُمِّيين بِمَنْزِلَة الصَّالِحين من الْعَامَّة لم يتبحروا فِي حقائق الْعلم بِاللَّه وَلم يتفطنوا لدقيق الْعلم الإلهي وَأَن الْخلف الْفُضَلَاء حازوا قصب البسق فِي هَذَا كُله
وهذاالقول إِذا تدبره الْإِنْسَان وجده فِي غَايَة الْجَهَالَة بل فِي غَايَة الضَّلَالَة كَيفَ يكون هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخّرُونَ لَا سِيمَا وَالْإِشَارَة بالخلف إِلَى ضرب من الْمُتَكَلِّمين الَّذين كثر فِي الدّين اضطرابهم وَغلظ عَن معرفَة الله حجابهم وَأخْبر الْوَاقِف على نِهَايَة إقدامهم بِمَا انْتهى إِلَيْهِ من مرامهم حَيْثُ يَقُول ... لعمري لقد طفت الْمعَاهد كلهَا ... وسيرت طرفِي بَين تِلْكَ المعالم
فَلم أر إِلَّا وَاضِعا كف حائر ... على ذقن أَو قارعا سنّ نادم ...
وأقروا على أنفسهم بِمَا قَالُوهُ متمثلين بِهِ أَو منشئين لَهُ فِيمَا صنفوه
стр. 74
من كتبهمْ كَقَوْل بعض رُؤَسَائِهِمْ ... نِهَايَة إقدام الْعُقُول عقال ... وَأكْثر سعي الْعَالمين ضلال
وأرواحنا فِي وَحْشَة من جسومنا ... وَحَاصِل دُنْيَانَا أَذَى ووبال
وَلم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أَن جَمعنَا فِيهِ قيل وَقَالُوا ...
لقد تَأَمَّلت الطّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْتهَا تشفي عليلا وَلَا تروي غليلا وَرَأَيْت أقرب الطّرق طَريقَة الْقُرْآن أَقرَأ فِي الْإِثْبَات ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وأقرأ فِي النَّفْي ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ قَالَ وَمن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي
وَيَقُول الآخر مِنْهُم لقد خضت الْبَحْر الخضم وَتركت أهل الْإِسْلَام وعلومهم وخضت فِي الَّذِي نهوني عَنهُ والآن إِن لم يتداركني رَبِّي برحمته فالويل لفُلَان وَهَا أَنا أَمُوت على عقيدة أُمِّي
وَيَقُول الآخر مِنْهُم أَكثر النَّاس شكا عِنْد الْمَوْت اصحاب الْكَلَام
стр. 75
ثمَّ هَؤُلَاءِ المتكلمون المخالفون للسلف إِذا حقق الْأَمر عَلَيْهِم لم يُوجد عِنْدهم من حَقِيقَة الْعلم بِاللَّه وخالص الْمعرفَة بِهِ خبر وَلم يقعوا من ذَلِك على عين وَلَا أثر
كَيفَ يكون هَؤُلَاءِ المحجوبون المنقوصون المسبوقون المفضولون الحيارى المتهوكون أعلم بِاللَّه وأسمائه وَصِفَاته وَأحكم فِي بَاب ذَاته وآياته من السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان من وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وخلفاء الرُّسُل وأعلام الْهدى ومصابيح الدجى الَّذين بهم قَامَ الْكتاب وَبِه قَامُوا وبهم نطق الْكتاب وَبِه نطقوا الَّذين وهبهم الله من الْعلم وَالْحكمَة مَا برزوا بِهِ على سَائِر أَتبَاع الْأَنْبِيَاء فضلا عَن سَائِر الْأُمَم الَّذين لَا كتاب لَهُم وَأَحَاطُوا من حقائق المعارف وبواطن الْحَقَائِق بِمَا لَو جمعت حِكْمَة غَيرهم إِلَيْهَا لاستحيى من يطْلب الْمُقَابلَة
ثمَّ يكون خير قُرُون الْأمة أنقص فِي الْعلم وَالْحكمَة لَا سِيمَا الْعلم بِاللَّه وَأَحْكَام أَسْمَائِهِ وآياته من هَؤُلَاءِ الأصاغر بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم
أم كَيفَ يكون أفراخ الفلاسفة وَأَتْبَاع الْهِنْد واليونان وورثة الْمَجُوس وَالْمُشْرِكين وضلال الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وأشكالهم وأشباههم أعلم بِاللَّه من وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَأهل الْقُرْآن وَالْإِيمَان
وَإِنَّمَا قدمت هَذِه الْمُقدمَة لِأَن من اسْتَقَرَّتْ عِنْده هَذِه الْمُقدمَة
стр. 76
علم طَرِيق الْهدى أَيْن هُوَ فِي هَذَا الْبَاب وَغَيره وَعلم أَن الضلال والتهوك إِنَّمَا استولى على كثير من الْمُتَأَخِّرين بنبذهم كتاب الله وَرَاء ظُهُورهمْ وإعراضهم عَمَّا بعث الله بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ من الْبَينَات وَالْهدى وتركهم ال الْبَحْث عَن طَرِيق السَّابِقين وَالتَّابِعِينَ والتماسهم علم معرفَة الله مِمَّن لم يعرف الله بِإِقْرَارِهِ على نَفسه وبشهادة الْأمة على ذَلِك وبدلالات كَثِيرَة
وَلَيْسَ غرضي وَاحِدًا معينا وَإِنَّمَا أصف نوع هَؤُلَاءِ وَنَوع هَؤُلَاءِ
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهَذَا كتاب الله من أَوله إِلَى آخِره وَسنة رَسُول الله ﷺ من أَولهَا إِلَى آخرهَا ثمَّ عَامَّة كَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثمَّ كَلَام سَائِر الْأَئِمَّة مَمْلُوء بِمَا هُوَ إِمَّا نَص وَإِمَّا ظَاهر فِي أَن الله هُوَ الْعلي الْأَعْلَى وَهُوَ فَوق كل شَيْء وَهُوَ عَال على كل شَيْء وَأَنه فَوق الْعَرْش وَأَنه فَوق السَّمَاء مثل قَوْله ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض فَإِذا هِيَ تمور أم أمنتم من فِي السَّمَاء أَن يُرْسل عَلَيْكُم حاصبا﴾ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾
стр. 77
﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ فِي سِتَّة مَوَاضِع ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ ﴿منزل من رَبك﴾
إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا لَا يكَاد يُحْصى إِلَّا بكلفة
وَفِي الْأَحَادِيث الصِّحَاح والحسان مَا لَا يُحْصى إِلَّا بكلفة مثل قصَّة مِعْرَاج الرَّسُول إِلَى ربه ونزول الْمَلَائِكَة من عِنْد الله وصعودها إِلَيْهِ وَقَوله فِي الْمَلَائِكَة الَّذين يتعاقبون فِيكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار فيعرج الَّذين باتوا فِيكُم إِلَى رَبهم فيسألهم وَهُوَ أعلم بهم
وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث الْخَوَارِج أَلا تأمنوني وَأَنا أَمِين من فِي السَّمَاء يأتيني خبر السَّمَاء صباحا وَمَسَاء
وَفِي حَدِيث الرّقية الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء تقدس اسْمك أَمرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا رحمتك فِي السَّمَاء
стр. 78
اجْعَل رحمتك فِي الأَرْض اغْفِر لنا حوبنا وخطايانا أَنْت رب الطيبين أنزل رَحْمَة من رحمتك وشفاء من شفائك على هَذَا الوجع قَالَ ﷺ إِذا اشْتَكَى أحد مِنْكُم أَو اشْتَكَى أَخ لَهُ فَلْيقل رَبنَا الَّذِي فِي السَّمَاء وَذكره
وَفِي حَدِيث الأوعال وَالْعرش فَوق ذَلِك وَالله فَوق عَرْشه وَهُوَ يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهمَا
وَقَوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح لِلْجَارِيَةِ أَيْن الله قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ من أَنا قَالَت أَنْت رَسُول الله قَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة وَقَوله فِي الحَدِيث الصَّحِيح إِن الله لما خلق الْخلق كتب فِي كتاب فَهُوَ مَوْضُوع عِنْده فَوق الْعَرْش إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي
وَقَوله فِي حَدِيث قبض الرّوح حَتَّى يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله
وَقَول عبد الله بن رَوَاحَة الَّذِي أنْشدهُ للنَّبِي ﷺ وَأقرهُ عَلَيْهِ
стр. 79
.. شهِدت بِأَن وعد الله حق ... وَأَن النَّار مثوى الْكَافرين
وَأَن الْعَرْش فَوق المَاء طَاف ... وَفَوق الْعَرْش رب الْعَالمين ...
وَقَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت الَّذِي أنْشد للنَّبِي ﷺ هُوَ وَغَيره من شعره فَاسْتَحْسَنَهُ وَقَالَ آمن شعره وَكفر قلبه ... مجدوا الله فَهُوَ للمجد أهل ... رَبنَا فِي السَّمَاء أَمْسَى كَبِيرا
بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سبق الن ... اس وَسوى فَوق السَّمَاء سريرا
شرجعا مَا يَنَالهُ بصر ال ... عين ترى دونه الملائك صورا ...
وَقَوله فِي الحَدِيث الَّذِي فِي السّنَن إِن الله حَيّ كريم يستحي من عَبده إِذا رفع يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَن يردهما صفرا
وَقَوله فِي الحَدِيث يمد يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء يَا رب يَا رب
إِلَى أَمْثَال ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله مِمَّا هُوَ من أبلغ التواترات اللفظية والمعنوية الَّتِي تورث علما يقينيا من أبلغ الْعُلُوم الضرورية أَن الرَّسُول الْمبلغ عَن الله ألْقى إِلَى أمته المدعوين أَن الله سُبْحَانَهُ على الْعَرْش وَأَنه فَوق السَّمَاء كَمَا فطر الله على ذَلِك جَمِيع الْأُمَم عربهم
стр. 80
وعجمهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام إِلَّا من احتالته الشَّيَاطِين عَن فطرته
ثمَّ عَن السّلف فِي ذَلِك من الْأَقْوَال مَا لَو جمع لبلغ مئين وألوفا
ثمَّ لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن أحد من سلف الْأمة لَا من الصَّحَابَة وَلَا من التَّابِعين لَهُم بِإِحْسَان وَلَا عَن الْأَئِمَّة الَّذين أدركوا زمن الْأَهْوَاء وَالِاخْتِلَاف حرف وَاحِد يُخَالف ذَلِك لَا نصا وَلَا ظَاهرا وَلم يقل أحد مِنْهُم قطّ إِن الله لَيْسَ فِي السَّمَاء وَلَا أَنه لَيْسَ على الْعَرْش وَلَا أَنه بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان وَلَا أَن جَمِيع الْأَمْكِنَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء وَلِأَنَّهُ لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِل وَلَا مُنْفَصِل وَلَا أَنه لَا تحوز إِلَيْهِ الأشارة الحسية الْأَصَابِع وَنَحْوهَا
بل قد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ لما خطب خطبَته الْعَظِيمَة يَوْم عَرَفَات فِي أعظم مجمع حَضَره رَسُول الله ﷺ جعل يَقُول أَلا هَل بلغت فَيَقُولُونَ نعم فيرفع إصبعه إِلَى السَّمَاء وينكتها إِلَيْهِم وَيَقُول اللَّهُمَّ اشْهَدْ غير مرّة وأمثال ذَلِك كثير
فَإِن كَانَ الْحق مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ السالبون النافون للصفات الثَّابِتَة بِالْكتاب وَالسّنة من هَذِه الْعبارَات وَنَحْوهَا دون مَا يفهم من الْكتاب وَالسّنة إِمَّا نصا وَإِمَّا ظَاهرا فَكيف يجوز على الله تَعَالَى ثمَّ على
стр. 81
رَسُوله ﷺ ثمَّ على خير الْأمة أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ إِمَّا نَص أَو ظَاهر فِي خلاف الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده لَا يبوحون بِهِ قطّ وَلَا يدلون عَلَيْهِ لَا نصا وَلَا ظَاهرا حَتَّى تَجِيء أَنْبَاط الْفرس وَالروم وفروخ الْيَهُود وَالنَّصَارَى والفلاسفة يبينون للْأمة العقيدة الصَّحِيحَة الَّتِي يجب على كل مُكَلّف أَو كل فَاضل أَن يعتقدها
لَئِن كَانَ الْحق مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ المتكلمون المتكلفون وَهُوَ الِاعْتِقَاد الْوَاجِب وهم مَعَ ذَلِك أحيلوا فِي مَعْرفَته على مُجَرّد عُقُولهمْ وَأَن يدفعوا بِمُقْتَضى قِيَاس عُقُولهمْ مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة نصا أَو ظَاهرا لقد كَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وأنفع على هَذَا التَّقْدِير
بل كَانَ وجود الْكتاب وَالسّنة ضَرَرا مَحْضا فِي أصل الدّين
فَإِن حَقِيقَة الْأَمر على مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ إِنَّكُم يَا معشر الْعباد لَا تَطْلُبُوا معرفَة الله وَمَا يسْتَحقّهُ من الصِّفَات نفيا وإثباتا لَا من الْكتاب وَلَا من السّنة وَلَا من طَرِيق سلف الْأمة وَلَكِن انْظُرُوا أَنْتُم فَمَا وجدتموه مُسْتَحقّا لَهُ من الصِّفَات فصفوه بِهِ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الْكتاب وَالسّنة أَو لم يكن وَمَا لم تَجِدُوهُ مُسْتَحقّا لَهُ فِي عقولكم فَلَا تصفوه بِهِ
ثمَّ هم هَهُنَا فريقان أَكْثَرهم يَقُولُونَ مَا لم تثبته عقولكم فانفوه وَمِنْهُم من يَقُول بل توقفوا فِيهِ وَمَا نَفَاهُ قِيَاس عقولكم الَّذِي أَنْتُم
стр. 82
فِيهِ مُخْتَلفُونَ ومضطربون اخْتِلَافا أَكثر من جَمِيع اخْتِلَاف على وَجه الأَرْض فانفوه وَإِلَيْهِ عِنْد التَّنَازُع فَارْجِعُوا فَإِنَّهُ الْحق الَّذِي تعبدتكم بِهِ وَمَا كَانَ مَذْكُورا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا يُخَالف قياسكم هَذَا أَو يثبت مَا لم تُدْرِكهُ عقولكم على طَريقَة أَكْثَرهم فاعلموا أَنِّي امتحنتكم بتنزيله لَا لِتَأْخُذُوا الْهدى مِنْهُ لَكِن لتجتهدوا فِي تَخْرِيجه على شواذ اللُّغَة وَوَحْشِي الْأَلْفَاظ وغرائب الْكَلَام أَو أَن تسكتوا عَنهُ مفوضين علمه إِلَى الله مَعَ نفي دلَالَته على شَيْء من الصِّفَات
هَذَا حَقِيقَة الْأَمر على رَأْي هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين
وَهَذَا الْكَلَام قد رَأَيْته صرح بِمَعْنَاهُ طَائِفَة مِنْهُم وَهُوَ لَازم لجماعتهم لُزُوما لَا محيد عَنهُ
ومضمونه أَن كتاب الله لَا يهتدى بِهِ فِي معرفَة الله وَأَن الرَّسُول مَعْزُول عَن التَّعْلِيم والإخبار بِصِفَات من أرْسلهُ وَأَن النَّاس عِنْد التَّنَازُع لَا يردون مَا تنازعوا فِيهِ إِلَى الله وَالرَّسُول بل إِلَى مثل مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة وَإِلَى مثل مَا يتحاكم إِلَيْهِ من لَا يُؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة وهم الْمُشْركُونَ وَالْمَجُوس وَبَعض الصابئين وَإِن كَانَ هَذَا الرَّد لَا يزِيد الْأَمر إِلَّا شدَّة وَلَا يرْتَفع الْخلاف بِهِ إِذْ لكل فريق طواغيت يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَيْهِم وَقد أمروا أَن يكفروا بهم
стр. 83
وَمَا أشبه حَال هَؤُلَاءِ المتكلفين بقوله سُبْحَانَهُ ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم آمنُوا بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَان أَن يضلهم ضلالا بَعيدا وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم مُصِيبَة بِمَا قدمت أَيْديهم ثمَّ جاؤوك يحلفُونَ بِاللَّه إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾
فَإِن هَؤُلَاءِ إِذا دعوا إِلَى مَا أنزل الله من الْكتاب وَإِلَى الرَّسُول وَالدُّعَاء إِلَيْهِ بعد وَفَاته هُوَ الدُّعَاء إِلَى سنته أَعرضُوا عَن ذَلِك وهم يَقُولُونَ إِنَّا قصدنا الْإِحْسَان علما وَعَملا بِهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي سلكناها والتوفيق بَين الدَّلَائِل الْعَقْلِيَّة والنقلية
ثمَّ عَامَّة هَذِه الشُّبُهَات الَّتِي يسمونها دَلَائِل إِنَّمَا تقلدوا أَكْثَرهَا عَن طاغوت من طواغيت الْمُشْركين وَالصَّابِئِينَ أَو بعض ورثتهم الَّذين أمروا أَن يكفروا بهم مثل فلَان وَفُلَان أَو عَمَّن قَالَ كَقَوْلِهِم فِي تشابه قُلُوبهم ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ ﴿كَانَ النَّاس أمة وَاحِدَة فَبعث الله النَّبِيين مبشرين ومنذرين وَأنزل مَعَهم الْكتاب بِالْحَقِّ ليحكم بَين النَّاس فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ وَمَا اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَينَات بغيا بَينهم فهدى الله الَّذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فِيهِ من الْحق بِإِذْنِهِ﴾
стр. 84
ولازم هَذِه الْمقَالة أَن لَا يكون الْكتاب هدى للنَّاس وَلَا بَيَانا وَلَا شِفَاء لما فِي الصُّدُور وَلَا نورا وَلَا مردا عِنْد التَّنَازُع لأَنا نعلم بالاضطرار أَن مَا يَقُول هَؤُلَاءِ المتكلفون إِنَّه الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده لم يدل عَلَيْهِ الْكتاب وَلَا السّنة لَا نصا وَلَا ظَاهرا وَإِنَّمَا غَايَة المتحذلق مِنْهُم أَن يستنتج هَذَا من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾
وبالاضطرار يعلم كل عَاقل أَن من دلّ الْخلق على أَن الله لَيْسَ فَوق الْعَرْش وَلَا فَوق السَّمَوَات وَنَحْو ذَلِك بقوله ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ لقد أبعد النجعة وَهُوَ إِمَّا ملغز وَإِمَّا مُدَلّس لم يخاطبهم بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين
ولازم هَذِه الْمقَالة أَن يكون ترك النَّاس بِلَا رِسَالَة خيرا لَهُم فِي أصل دينهم لِأَن مردهم قبل الرسَالَة وَبعدهَا وَاحِد وَإِنَّمَا الرسَالَة زادتهم عمى وضلالا
стр. 85
يَا سُبْحَانَ الله كَيفَ لم يقل الرَّسُول يَوْمًا من الدَّهْر وَلَا أحد من سلف الْأمة هَذِه الْآيَات وَالْأَحَادِيث لَا تعتقدوا مَا دلّت عَلَيْهِ لَكِن اعتقدوا الَّذِي تَقْتَضِيه مقاييسكم واعتقدوا كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ الْحق وَمَا خَالفه ظَاهره فَلَا تعتقدوا ظَاهره وانظروا فِيهَا فَمَا وَافق قِيَاس عقولكم فاعتقدوه وَمَا لَا فتوقفوا فِيهِ وانفوه
ثمَّ الرَّسُول ﷺ قد أخبر بِأَن أمته سَتَفْتَرِقُ ثَلَاثًا وَسبعين فرقة فقد علم مَا سَيكون ثمَّ قَالَ إِنِّي تَارِك فِيكُم مَا إِن تمسكتم بِهِ لن تضلوا كتاب الله وروى عَنهُ أَنه قَالَ فِي صفة الْفرْقَة النَّاجِية هِيَ من كَانَ على مثل مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي
فَهَلا قَالَ من تمسك بِالْقُرْآنِ أَو بِدلَالَة الْقُرْآن أَو بِمَفْهُوم الْقُرْآن أَو بِظَاهِر الْقُرْآن فِي بَاب الِاعْتِقَاد فَهُوَ ضال وَإِنَّمَا الْهدى فِي رجوعكم إِلَى مقاييس عقولكم وَمَا يحدثه المتكلمون مِنْكُم بعد الْقُرُون الثَّلَاثَة
وَإِن كَانَ نبغ أصل هَذِه الْمقَالة فِي أَوَاخِر عصر التَّابِعين ثمَّ أصل هَذِه الْمقَالة مقَالَة التعطيل للصفات إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ عَن تلامذة الْيَهُود وَالْمُشْرِكين وضلال الصابئين
فَأول من حفظ عَنهُ أَنه قَالَ هَذِه الْمقَالة فِي الْإِسْلَام هُوَ الْجَعْد
стр. 86
ابْن دِرْهَم فَأَخذهَا عَنهُ الجهم بن صَفْوَان وأظهرها فنسبت مقَالَة الْجَهْمِية إِلَيْهِ
وَقد قيل إِن الْجَعْد أَخذ مقَالَته عَن أبان بن سمْعَان وَأَخذهَا أبان من طالوت ابْن أُخْت لبيد بن الأعصم وَأَخذهَا طالوت من لبيد بن الأعصم الْيَهُودِيّ السَّاحر الَّذِي سحر النَّبِي ﷺ
ثمَّ أَطَالَ الشَّيْخ ﵀ الْكَلَام إِلَى أَن قَالَ
وَالْفَتْوَى لَا تحْتَمل الْبسط فِي هَذَا الْبَاب وَإِنَّمَا أُشير إِشَارَة إِلَى مبادىء الْأُمُور والعاقل يسير فَينْظر وَكَلَام السّلف فِي هَذَا الْبَاب مَوْجُود فِي كتب كَثِيرَة لَا يُمكن أَن نذْكر هُنَا إِلَّا قَلِيلا مِنْهُ
إِلَى أَن قَالَ وَإِذا كَانَ أصل هَذِه الْمقَالة مقَالَة التعطيل والتأويل مَأْخُوذ عَن تلامذة الْمُشْركين وَالصَّابِئِينَ وَالْيَهُود فَكيف تطيب نفس مُؤمن بل نفس عَاقل أَن يَأْخُذ سَبِيل هَؤُلَاءِ المغضوب عَلَيْهِم
стр. 87
والضالين ويدع سَبِيل الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ
قَالَ ثمَّ القَوْل الشَّامِل فِي جَمِيع هَذَا الْبَاب أَن يُوصف الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله أَو بِمَا وَصفه بِهِ السَّابِقُونَ الْأَولونَ لَا يتَجَاوَز الْقُرْآن والْحَدِيث
قَالَ الإِمَام أَحْمد ﵁ لَا يُوصف الله إِلَّا بِمَا وصف بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُول الله ﷺ لَا يتَجَاوَز الْقُرْآن والْحَدِيث
وَمذهب السّلف أَنهم يصفونَ الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل
ثمَّ ذكر الشَّيْخ ﵀ جملا نافعة وأصولا جَامِعَة فِي إِثْبَات الصِّفَات وَالرَّدّ على الْجَهْمِية وَذكر من النقول عَن سلف الْأمة وأئمتها فِي إِثْبَات الْعُلُوّ وَغَيره مَا يضيق هَذَا الْموضع عَن ذكره
ثمَّ قَالَ فِي آخر كَلَامه
وجماع الْأَمر أَن الْأَقْسَام الممكنة فِي آيَات الصِّفَات وأحاديثها
стр. 88
سِتَّة أَقسَام كل قسم عَلَيْهِ طَائِفَة من اهل الْقبْلَة قِسْمَانِ يَقُولُونَ تجرى على ظَاهرهَا وقسمان يَقُولُونَ هِيَ على خلاف ظَاهرهَا وقسمان يسكتون
أما الْأَولونَ فقسمان
أَحدهمَا من يجريها على ظَاهرهَا وَيجْعَل ظَاهرهَا من جنس صِفَات المخلوقين فَهَؤُلَاءِ هم المشبهة ومذهبهم بَاطِل أنكرهُ السّلف وإليهم توجه الرَّد بِالْحَقِّ
وَالثَّانِي من يجريها على ظَاهرهَا اللَّائِق بِجلَال الله تَعَالَى كَمَا يجْرِي اسْم الْعَلِيم والقدير والرب والإله وَالْمَوْجُود والذات وَنَحْو ذَلِك على ظَاهرهَا اللَّائِق بِجلَال الله تَعَالَى فَإِن ظواهر هَذِه الصِّفَات فِي حق المخلوقين إِمَّا جَوْهَر مُحدث وَإِمَّا عرض قَائِم بِهِ فالعلم وَالْكَلَام وَالْقُدْرَة والمشيئة وَالرَّحْمَة وَالرِّضَا وَنَحْو ذَلِك فِي حق العَبْد أَعْرَاض وَالْوَجْه وَالْيَد وَالْعين فِي حَقه أجسام فَإِذا كَانَ الله مَوْصُوفا عِنْد عَامَّة أهل الْإِثْبَات بِأَن لَهُ علما وقدرة وكلاما ومشيئة وَإِن لم تكن أعراضا يجوز عَلَيْهَا مَا يجوز على صِفَات المخلوقين جَازَ أَن يكون وَجه الله ويداه لَيست أجساما يجوز عَلَيْهَا مَا يجوز على صِفَات المخلوقين وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي حَكَاهُ الْخطابِيّ وَغَيره عَن السّلف وَعَلِيهِ يدل كَلَام جمهوره وَكَلَام البَاقِينَ لَا يُخَالِفهُ وَهُوَ أَمر وَاضح
стр. 89
فَإِن الصِّفَات كذات فَكَمَا أَن ذَات الله ثَابِتَة حَقِيقَة من غير أَن تكون من جنس صِفَات المخلوقين فصفاته ثَابِتَة حَقِيقَة من غير أَن تكون من جنس صِفَات المخلوقين
فَمن قَالَ لَا أَعقل علما ويدا إِلَّا من جنس الْعلم وَالْيَد المعهودين
قيل لَهُ فَكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذَوَات المخلوقين وَمن الْمَعْلُوم أَن صِفَات كل مَوْصُوف تناسب ذَاته وتلائم حَقِيقَته فَمن لم يفهم من صِفَات الرب الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء إِلَّا مَا يُنَاسب الْمَخْلُوق فقد ضل فِي عقله وَدينه
وَمَا أحسن مَا قَالَ بَعضهم إِذا قَالَ لَك الجهمي كَيفَ اسْتَوَى وَكَيف ينزل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا وَكَيف يَدَاهُ وَنَحْو ذَلِك
فَقل لَهُ كَيفَ هُوَ فِي نَفسه
فَإِذا قَالَ لَا يعلم مَا هُوَ إِلَّا هُوَ وكنه الْبَارِي غير مَعْلُوم للبشر
فَقل لَهُ فالعلم بكيفية الصّفة مُسْتَلْزم للْعلم بكيفية الْمَوْصُوف فَكيف يُمكن أَن تعلم كَيْفيَّة صفة لموصوف لم تعلم كيفيته وَإِنَّمَا تعلم الذَّات وَالصِّفَات من حَيْثُ الْجُمْلَة على الْوَجْه الَّذِي يَنْبَغِي لَك
بل هَذِه الْمَخْلُوقَات فِي الْجنَّة قد ثَبت عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجنَّة إِلَّا الْأَسْمَاء وَقد أخبر الله تَعَالَى أَنه
стр. 90
﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾ وَقَالَ النَّبِي ﷺ يَقُول الله تَعَالَى أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر
فَإِذا كَانَ نعيم الْجنَّة وَهُوَ خلق من خلق الله كَذَلِك فَمَا الظَّن بالخالق
وَهَذِه الرّوح الَّتِي فِي بني آدم قد علم الْعَاقِل اضْطِرَاب النَّاس فِيهَا وإمساك النُّصُوص عَن بَيَان كيفيتها أَفلا يعْتَبر الْعَاقِل بهَا عَن الْكَلَام فِي كَيْفيَّة الله تَعَالَى مَعَ أَنا نقطع أَن الرّوح فِي الْبدن وَأَنَّهَا تخرج مِنْهُ وتعرج إِلَى السَّمَاء وَأَنَّهَا تسل مِنْهُ وَقت النزع كَمَا نطقت بذلك النُّصُوص الصَّحِيحَة لَا نغالي فِي تجريدها غلو المتفلسفة وَمن وافقهم حَيْثُ نفوا عَنْهَا الصعُود وَالنُّزُول والاتصال بِالْبدنِ والانفصال عَنهُ وتخبطوا فِيهَا حَيْثُ رأوها من غير جنس الْبدن وَصِفَاته فَعدم مماثلتها للبدن لَا يَنْفِي أَن تكون هَذِه الصِّفَات ثَابِتَة لَهَا بحسبها إِلَّا أَن يفسروا كَلَامهم بِمَا يُوَافق النُّصُوص فَيَكُونُوا قد أخطأوا فِي اللَّفْظ وأنى لَهُم بذلك
وَأما القسمان اللَّذَان ينفيان ظَاهره أَعنِي الَّذين يَقُولُونَ لَيْسَ
стр. 91
لَهَا فِي الْبَاطِن مَدْلُول هُوَ صفة لله تَعَالَى قطّ وَأَن الله لَا صفة لَهُ ثبوتية بل صِفَاته إِمَّا سلب وَإِمَّا إِضَافَة وَإِمَّا مركبة مِنْهُمَا أَو يثبتون بعض الصِّفَات وَهِي السَّبْعَة أَو الثَّمَانِية أَو الْخَمْسَة عشر أَو يثبتون الْأَحْوَال دون الصِّفَات على مَا قد عرف من مَذَاهِب الْمُتَكَلِّمين فَهَؤُلَاءِ قِسْمَانِ
قسم يتأولونها ويعينون المُرَاد مثل قَوْلهم اسْتَوَى بِمَعْنى استولى أَو بِمَعْنى علو المكانة وَالْقُدْرَة أَو بِمَعْنى ظُهُور نوره للعرش أَو بِمَعْنى انْتِهَاء الْخلق إِلَيْهِ إِلَى غير ذَلِك من مَعَاني المتكلفين
وَقسم يَقُولُونَ الله أعلم بِمَا أَرَادَ بهَا لَكِن نعلم أَنه لم يرد إِثْبَات صفة خَارِجَة عَمَّا علمناه
وَأما القسمان الواقفان فقسم يَقُولُونَ يجوز أَن يكون المُرَاد ظَاهرهَا اللَّائِق بِاللَّه وَيجوز أَن لَا يكون المُرَاد صفة لله وَنَحْو ذَلِك
وَهَذِه طَريقَة كثير من الْفُقَهَاء وَغَيرهم
وَقسم يمسكون عَن هَذَا كُله وَلَا يزِيدُونَ على تِلَاوَة الْقُرْآن وَقِرَاءَة الحَدِيث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عَن هَذِه التقديرات
فَهَذِهِ الْأَقْسَام السِّتَّة لَا يُمكن أَن يخرج الرجل عَن قسم مِنْهَا
وَالصَّوَاب فِي كثير من آيَات الصِّفَات وأحاديثها الْقطع بالطريقة الثَّانِيَة كالآيات وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة على أَنه سُبْحَانَهُ فَوق عَرْشه وَيعلم طَرِيق الصَّوَاب فِي هَذَا وَأَمْثَاله بِدلَالَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع على
стр. 92
ذَلِك دلَالَة لَا تحْتَمل النقيض وَفِي بَعْضهَا قد يغلب على الظَّن ذَلِك مَعَ احْتِمَال النقيض وَتردد الْمُؤمن فِي ذَلِك هُوَ بِحَسب مَا يؤتاه من الْعلم وَالْإِيمَان ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
وَمن اشْتبهَ عَلَيْهِ ذَلِك أَو غَيره فَليدع بِمَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ من اللَّيْل يُصَلِّي يَقُول اللَّهُمَّ رب جِبْرِيل وميكائل وإسرافيل فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة أَنْت تحكم بَين عِبَادك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهدني لما اخْتلف فِيهِ من الْحق بإذنك إِنَّك تهدي من تشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد أَنه كَانَ يكبر فِي صلَاته ثمَّ يَقُول ذَلِك
فَإِذا افْتقر العَبْد إِلَى الله تَعَالَى وَدعَاهُ وأدمن النّظر فِي كَلَام الله تَعَالَى وَكَلَام رَسُول الله ﷺ وَكَلَام الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين انْفَتح لَهُ طَرِيق الْهدى
ثمَّ إِن كَانَ قد خبر نهايات إقدام المتفلسفة والمتكلمين فِي هَذَا الْبَاب وَعرف غَالب مَا يزعمونه برهانا وَهُوَ شُبْهَة وَرَأى أَن غَالب مَا يعتمدونه يؤول إِلَى دَعْوَى لَا حَقِيقَة لَهَا أَو شُبْهَة مركبة من قِيَاس فَاسد أَو قَضِيَّة كُلية لَا تصح إِلَّا جزئية أَو دَعْوَى إِجْمَاع لَا حَقِيقَة لَهُ والتمثيل فِي الْمَذْهَب وَالدَّلِيل بالألفاظ الْمُشْتَركَة
стр. 93
ثمَّ إِن ذَلِك إِذا ركب بِأَلْفَاظ كَثِيرَة طَوِيلَة غَرِيبَة عَمَّن لم يعرف اصطلاحهم أوهمت الغر مَا يُوهِمهُ السراب للعطشان ازْدَادَ إِيمَانًا وعلما بِمَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة فَإِن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ وكل من كَانَ بِالْبَاطِلِ أعلم كَانَ للحق أَشد تَعْظِيمًا وبقدره أعرف
فَأَما الْمُتَوَسّط من الْمُتَكَلِّمين فيخاف عَلَيْهِ مَا لَا يخَاف على من لم يدْخل فِيهِ وعَلى من قد أنهاه نهايته فَإِن من لم يدْخل فِيهِ هُوَ فِي عَافِيَة وَمن أنهاه فقد عرف الْغَايَة فَمَا بَقِي يخَاف عَلَيْهِ من شَيْء آخر فَإِذا ظهر لَهُ الْحق وَهُوَ عطشان إِلَيْهِ قبله وَأما الْمُتَوَسّط فمتوهم بِمَا يلقاه من المقالات الْمَأْخُوذَة تقليدا لمعظمه وتهويلا
وَقد قَالَ النَّاس أَكثر مَا يفْسد الدُّنْيَا نصف مُتَكَلم وَنصف متفقه وَنصف متطبب وَنصف نحوي هَذَا يفْسد الْأَدْيَان وَهَذَا يفْسد الْبلدَانِ وَهَذَا يفْسد الْأَبدَان وَهَذَا يفْسد اللِّسَان
وَمن علم أَن الْمُتَكَلِّمين من المتفلسفة وَغَيرهم فِي الْغَالِب فِي قَول مُخْتَلف يؤفك عَنهُ من أفك يعلم الذكي مِنْهُم الْعَاقِل أَنه لَيْسَ هُوَ فِيمَا يَقُوله على بَصِيرَة وَأَن حجَّته لَيست بِبَيِّنَة وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قيل فِيهَا ... حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حَقًا وكل كاسر مكسور ...
стр. 94
وَيعلم الْبَصِير الْعَالم أَنهم من وَجه مستحقون مَا قَالَه الشَّافِعِي ﵁ حَيْثُ قَالَ حكمي فِي أهل الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَالنعال وَيُطَاف بهم فِي الْقَبَائِل والعشائر وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأَقْبل على الْكَلَام
وَمن وَجه آخر إِذا نظرت إِلَيْهِم بِعَين الْقدر والحيرة مستولية عَلَيْهِم والشيطان مستحوذ عَلَيْهِم رحمتهم ورفقت عَلَيْهِم أُوتُوا ذكاء وَمَا أُوتُوا زكاء وأعطوا فهوما وَمَا أعْطوا علوما وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم سمعهم وَلَا أَبْصَارهم وَلَا أفئدتهم من شَيْء إِذْ كَانُوا يجحدون بآيَات الله وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزؤون﴾
وَمن كَانَ عَالما بِهَذِهِ الْأُمُور تبين لَهُ بذلك حذق السّلف وعلمهم وخبرتهم حَيْثُ حذروا عَن الْكَلَام ونهوا عَنهُ وذموا أَهله وعابوهم وَعلم أَن من ابْتغى الْهدى من غير الْكتاب وَالسّنة لم يَزْدَدْ إِلَّا بعدا فنسأل الله الْعَظِيم أَن يهدينا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين آمين
стр. 95
هَذَا آخر الحموية الْكُبْرَى وَهِي سِتّ كراريس بِقطع نصف الْبَلَدِي
ألفها الشَّيْخ ﵀ قبل سنة سَبْعمِائة وعمره إِذْ ذَاك دون الْأَرْبَعين سنة
ثمَّ انْفَتح لَهُ بعد ذَلِك من الرَّد على الفلاسفة والجهمية وَسَائِر أهل الْأَهْوَاء والبدع مَا لَا يُوصف وَلَا يعبر عَنهُ وَجرى لَهُ من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة فِي كتبه وَغير كتبه مَعَ أقرانه وَغَيرهم فِي سَائِر أَنْوَاع الْعُلُوم مَا تضيق الْعبارَة عَنهُ
وَقد ذكرنَا عَن ابْن الزملكاني فِيمَا تقدم أَنه قَالَ وَلَا يعرف نَاظر أحدا فَانْقَطع مَعَه
وَقد رَأَيْت بِخَط بعض أَصْحَابه مَا صورته
تَلْخِيص مَبْحَث
جرى بَين شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ﵀ وَبَين ابْن المرحل
كَانَ الْكَلَام فِي الْحَمد وَالشُّكْر وَأَن الشُّكْر يكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَان والجوارح وَالْحَمْد لَا يكون إِلَّا بِاللِّسَانِ
стр. 96
فَقَالَ ابْن المرحل قد نقل بعض المصنفين وَسَماهُ أَن مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَن الشُّكْر لَا يكون إِلَّا بالاعتقاد وَمذهب الْخَوَارِج أَنه يكون بالاعتقاد وَالْقَوْل وَالْعَمَل وبنوا على هَذَا أَن من ترك الْأَعْمَال يكون كَافِرًا لِأَن الْكفْر نقيض الشُّكْر فَإِذا لم يكن شاكرا كَانَ كَافِرًا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا الْمَذْهَب المحكى عَن أهل السّنة خطأ وَالنَّقْل عَن أهل السّنة خطأ فَإِن مَذْهَب أهل السّنة أَن الشُّكْر يكون بالاعتقاد وَالْقَوْل وَالْعَمَل قَالَ الله تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا﴾ وَقَامَ النَّبِي ﷺ حَتَّى تورمت قدماه فَقيل لَهُ أتفعل هَذَا وَقد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر قَالَ أَفلا أكون عبدا شكُورًا
قَالَ ابْن المرحل أَنا لَا أَتكَلّم فِي الدَّلِيل وَأسلم ضعف هَذَا القَوْل لَكِن أَنا أنقل أَنه مَذْهَب أهل السّنة
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين نِسْبَة هَذَا إِلَى أهل السّنة خطأ فَإِن القَوْل إِذا ثَبت ضعفه كَيفَ ينْسب إِلَى أهل الْحق
ثمَّ قد صرح من شَاءَ الله من الْعلمَاء المعروفين بِالسنةِ أَن الشُّكْر
стр. 97
يكون بالاعتقاد وَالْقَوْل وَالْعَمَل وَقد دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة
قلت وَبَاب وَبَاب سُجُود الشُّكْر فِي الْفِقْه أشهر من أَن يذكر وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ عَن سَجْدَة سُورَة (ص) سجدها دَاوُد تَوْبَة وَنحن نسجدها شكرا ثمَّ من الَّذِي قَالَ من أَئِمَّة السّنة إِن الشُّكْر لَا يكون إِلَّا بالاعتقاد
قَالَ ابْن المرحل هَذَا قد نقل وَالنَّقْل لَا يمْنَع لَكِن يسْتَشْكل وَيُقَال هَذَا مَذْهَب مُشكل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية النَّقْل نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن ينْقل مَا سمع أَو رأى وَالثَّانِي مَا ينْقل بِاجْتِهَاد واستنباط وَقَول الْقَائِل مَذْهَب فلَان كَذَا أَو مَذْهَب أهل السّنة كَذَا قد يكون نسبه إِلَيْهِ لاعْتِقَاده أَن هَذَا مُقْتَضى أُصُوله وَإِن لم يكن فلَان قَالَ ذَلِك وَمثل هَذَا يدْخلهُ الْخَطَأ كثيرا أَلا ترى أَن كثيرا من المصنفين يَقُولُونَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَو غَيره كَذَا وَيكون منصوصه بِخِلَافِهِ وَعذرهمْ فِي ذَلِك أَنهم رَأَوْا أَن أُصُوله تَقْتَضِي ذَلِك القَوْل فنسبوه إِلَى مذْهبه
стр. 98
من جِهَة الاستنباط لَا من جِهَة النَّص وَكَذَلِكَ هَذَا لما كَانَ أهل السّنة لَا يكفرون بِالْمَعَاصِي والخوارج يكفرون بِالْمَعَاصِي ثمَّ رأى المُصَنّف الْكفْر ضد الشُّكْر أعتقد أَنا إِذا جعلنَا الْأَعْمَال شكرا لزم انْتِفَاء الشُّكْر بانتفائها وَمَتى انْتَفَى الشُّكْر خَلفه الْكفْر وَلِهَذَا قَالَ إِنَّهُم بنوا على ذَلِك التَّكْفِير بِالذنُوبِ فَلهَذَا عزى إِلَى أهل السّنة إِخْرَاج الْأَعْمَال عَن الشُّكْر
قلت كَمَا أَن كثيرا من الْمُتَكَلِّمين أخرج الْأَعْمَال عَن الْإِيمَان لهَذِهِ الْعلَّة
قَالَ وَهَذَا خطأ لِأَن التَّكْفِير نَوْعَانِ أَحدهمَا كفر النِّعْمَة وَالثَّانِي الْكفْر بِاللَّه وَالْكفْر الَّذِي هُوَ ضد الشُّكْر إِنَّمَا هُوَ كفر النِّعْمَة لَا الْكفْر بِاللَّه فَإِذا زَالَ الشُّكْر خَلفه كفر النِّعْمَة لَا الْكفْر بِاللَّه فَإِذا زَالَ الشُّكْر خَلفه كفر النِّعْمَة لَا الْكفْر بِاللَّه
قلت على أَنه لَو كَانَ ضد الْكفْر بِاللَّه فَمن ترك الْأَعْمَال شاكرا بِقَلْبِه وَلسَانه فقد أَتَى بِبَعْض الشُّكْر وَأَصله وَالْكفْر إِنَّمَا يثبت إِذا عدم الشُّكْر بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا قَالَ أهل السّنة إِن من ترك فروع الْإِيمَان لَا يكون كَافِرًا حَتَّى يتْرك أصل الْإِيمَان وَهُوَ الِاعْتِقَاد وَلَا يلْزم من زَوَال فروع الْحَقِيقَة الي هِيَ ذَات شعب وأجزاء زَوَال اسْمهَا كالإنسان إِذا قطعت يَده أَو الشَّجَرَة إِذا قطع بعض فروعها
стр. 99
قَالَ الصَّدْر ابْن المرحل فَإِن أَصْحَابك قد خالفوا الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَسْمِيَة الْفَاسِق كَافِر النِّعْمَة كَمَا خالفوا الْخَوَارِج فِي جعله كَافِرًا بِاللَّه
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَصْحَابِي لم يخالفوا الْحسن فِي هَذَا فعمن تنقل من أَصْحَابِي هَذَا بل يجوز عِنْدهم أَن يُسمى الْفَاسِق كَافِر النِّعْمَة حَيْثُ أطلقته الشَّرِيعَة
قَالَ ابْن المرحل إِنِّي أَنا ظَنَنْت أَن أَصْحَابك قد قَالُوا هَذَا لَكِن أَصْحَابِي قد خالفوا الْحسن فِي هَذَا
стр. 100
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَلَا أَصْحَابك خالفوه فَإِن أَصْحَابك قد تأولوا أَحَادِيث النَّبِي ﷺ الَّتِي أطلق فِيهَا الْكفْر على بعض الفسوق مثل ترك الصَّلَاة وقتال الْمُسلمين على أَن المُرَاد بِهِ كفر النِّعْمَة فَعلم أَنهم يطلقون على الْمعاصِي فِي الْجُمْلَة أَنَّهَا كفر النِّعْمَة فَعلم أَنهم موافقو الْحسن لَا مخالفوه
ثمَّ عَاد ابْن المرحل فَقَالَ أَنا أنقل هَذَا عَن المُصَنّف وَالنَّقْل مَا يمْنَع لَكِن يسْتَشْكل
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا دَار الْأَمر بَين أَن ينْسب إِلَى أهل السّنة مَذْهَب بَاطِل أَو ينْسب النَّاقِل عَنْهُم إِلَى تصرفه فِي النَّقْل كَانَ نِسْبَة النَّاقِل إِلَى التَّصَرُّف أولى من نِسْبَة الْبَاطِل إِلَى طَائِفَة أهل الْحق مَعَ انهم صَرَّحُوا فِي غير مَوضِع أَن الشُّكْر يكون بالْقَوْل وَالْعَمَل والاعتقاد وَهَذَا أظهر من أَن ينْقل عَن وَاحِد بِعَيْنِه
ثمَّ إِنَّا نعلم بالاضطرار أَنه لَيْسَ من أصُول أهل الْحق إِخْرَاج الْأَعْمَال أَن تكون شكرا لله بل قد نَص الْفُقَهَاء على أَن الزَّكَاة شكر نعْمَة المَال وشواهد هَذَا أَكثر من أَن تحْتَاج إِلَى نقل
وَتَفْسِير الشُّكْر بِأَنَّهُ يكون بالْقَوْل وَالْعَمَل فِي الْكتب الَّتِي يتَكَلَّم فِيهَا على لفظ الْحَمد وَالشُّكْر مثل كتب التَّفْسِير واللغة
стр. 101
وشروح الحَدِيث يعرفهُ آحَاد النَّاس وَالْكتاب وَالسّنة قد دلا على ذَلِك
فَخرج ابْن المرحل إِلَى شَيْء غير هَذَا فَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ يُسَمِّي الْفَاسِق منافقا وَأَصْحَابك لَا يسمونه منافقا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَهُ بل يُسمى منافقا النِّفَاق الْأَصْغَر لَا النِّفَاق الْأَكْبَر والنفاق يُطلق على النِّفَاق الْأَكْبَر الَّذِي هُوَ إِضْمَار الْكفْر وعَلى النِّفَاق الْأَصْغَر الَّذِي هُوَ اخْتِلَاف السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فِي الْوَاجِبَات
قَالَ لَهُ ابْن المرحل وَمن أَيْن قلت إِن الِاسْم يُطلق على هَذَا وعَلى هَذَا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين هَذَا مَشْهُور عِنْد الْعلمَاء وَبِذَلِك فسروا قَول النَّبِي ﷺ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا ائْتمن خَان وَقد ذكر التِّرْمِذِيّ وَغَيره وحكوه عَن الْعلمَاء
стр. 102
وَقَالَ غير وَاحِد من السّلف كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك
وَإِذا كَانَ النِّفَاق جِنْسا تَحْتَهُ نَوْعَانِ فالفاسق دَاخل فِي أحد نوعيه
قَالَ ابْن المرحل كَيفَ تجْعَل النِّفَاق اسْم جنس وَقد جعلته لفظا مُشْتَركا وَإِذا كَانَ اسْم جنس كَانَ متواطئا والأسماء المتواطئة غير الْمُشْتَركَة فَكيف تَجْعَلهُ مُشْتَركا متواطئا
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَنا لم أذكر أَنه مُشْتَرك وَإِنَّمَا قلت يُطلق على هَذَا وعَلى هَذَا وَالْإِطْلَاق أَعم
ثمَّ لَو قلت إِنَّه مُشْتَرك لَكَانَ الْكَلَام صَحِيحا فَإِن اللَّفْظ الْوَاحِد قد يُطلق على شَيْئَيْنِ بطرِيق التواطؤ وبطريق الِاشْتِرَاك فأطلقت
стр. 103
لفظ النِّفَاق على إبطان الْكفْر وإبطان الْمعْصِيَة تَارَة بطرِيق الِاشْتِرَاك وَتارَة بطرِيق التواطؤ كَمَا أَن لفظ الْوُجُود يُطلق على الْوَاجِب والممكن عِنْد قوم بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك وَعند قوم بِاعْتِبَار التواطؤ وَلِهَذَا سمي مشككا
قَالَ ابْن المرحل كَيفَ يكون هَذَا وَأخذ فِي كَلَام لَا يحسن ذكره
قَالَ لَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْمعَانِي الدقيقة تحْتَاج إِلَى إصغاء واستماع وتدبر وَذَلِكَ أَن الماهيتين إِذا كَانَ بَينهمَا قدر مُشْتَرك وَقدر مُمَيّز وَاللَّفْظ يُطلق على كل مِنْهُمَا فقد يُطلق عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَار مَا بِهِ تمتاز كل مَاهِيَّة عَن الْأُخْرَى فَيكون مُشْتَركا كالاشتراك اللَّفْظِيّ وَقد يكون مُطلقًا بِاعْتِبَار الْقدر الْمُشْتَرك بَين الماهيتين فَيكون لفظا متواطئا
قلت ثمَّ إِنَّه فِي اللُّغَة يكون مَوْضُوعا للقدر الْمُشْتَرك ثمَّ يغلب عرف الِاسْتِعْمَال على اسْتِعْمَاله فِي هَذَا تَارَة وَفِي هَذَا تَارَة فَيبقى دَالا بعرف الِاسْتِعْمَال على مَا بِهِ الِاشْتِرَاك والامتياز وَقد يكون قرينَة مثل لَام التَّعْرِيف أَو الْإِضَافَة تكون هِيَ الدَّالَّة على مَا بِهِ الامتياز
стр. 104
مِثَال ذَلِك اسْم الْجِنْس إِذا غلب فِي الْعرف على بعض أَنْوَاعه كَلَفْظِ الدَّابَّة إِذا غلب على الْفرس قد نطلقه على الْفرس بِاعْتِبَار الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا وَبَين سَائِر الدَّوَابّ فَيكون متواطئا وَقد نطلقه بِاعْتِبَار خُصُوصِيَّة الْفرس فَيكون مُشْتَركا بَين خُصُوص الْفرس وَعُمُوم سَائِر الدَّوَابّ وَيصير اسْتِعْمَاله فِي الْفرس تَارَة بطرِيق التواطؤ وَتارَة بطرِيق الِاشْتِرَاك وَهَكَذَا اسْم الْجِنْس إِذا غلب على بعض الْأَشْخَاص وَصَارَ علما بالغلبة مثل ابْن عمر والنجم فقد نطلقه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار الْقدر الْمُشْتَرك بَينه وَبَين سَائِر النُّجُوم وَسَائِر بني عمر فَيكون إِطْلَاقه عَلَيْهِ بطرِيق التواطؤ وَقد نطلقه عَلَيْهِ بِاعْتِبَار مَا بِهِ يمتاز عَن غَيره من النُّجُوم وَمن بني عمر فَيكون بطرِيق الِاشْتِرَاك بَين هَذَا الْمَعْنى الشخصي وَبَين الْمَعْنى النوعي وَهَكَذَا كل اسْم عَام غلب على بعض أَفْرَاده يَصح اسْتِعْمَاله فِي ذَلِك الْفَرد بِالْوَضْعِ الأول الْعَام فَيكون بطرِيق التواطؤ بِالْوَضْعِ الثَّانِي فَيصير بطرِيق الِاشْتِرَاك
وَلَفظ النِّفَاق من هَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ فِي الشَّرْع إِظْهَار الدّين وإبطان خِلَافه وَهَذَا الْمَعْنى الشَّرْعِيّ أخص من مُسَمّى النِّفَاق فِي اللُّغَة فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة أَعم من إِظْهَار الدّين
ثمَّ إبطان مَا يُخَالف الدّين إِمَّا أَن يكون كفرا أَو فسقا فَإِذا أظهر أَنه مُؤمن وأبطن التَّكْذِيب فَهَذَا هُوَ النقاق الْأَكْبَر الَّذِي
стр. 105
أوعد صَاحبه بِأَنَّهُ فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَإِن أظهر أَنه صَادِق أَو موف أَو أَمِين وأبطن الْكَذِب والغدر والخيانة وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا هُوَ النِّفَاق الْأَصْغَر الَّذِي يكون صَاحبه فَاسِقًا
فإطلاق النِّفَاق عَلَيْهِمَا فِي الأَصْل بطرِيق التواطؤ
وعَلى هَذَا فالنفاق اسْم جنس تَحْتَهُ نَوْعَانِ ثمَّ إِنَّه قد يُرَاد بِهِ النِّفَاق فِي أصل الدّين مثل قَوْله ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل﴾ و ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ وَالْمُنَافِق هُنَا الْكَافِر
وَقد يُرَاد بِهِ النِّفَاق فِي فروعه مثل قَوْله ﷺ آيَة الْمُنَافِق ثَلَاث وَقَوله أَربع من كن فِيهِ كَانَ منافقا خَالِصا وَقَول ابْن عمر فِيمَن يتحدث عِنْد الْأُمَرَاء بِحَدِيث ثمَّ يخرج فَيَقُول بِخِلَافِهِ كُنَّا نعد هَذَا على عهد النَّبِي ﷺ نفَاقًا
فَإِذا أردْت بِهِ أحد النَّوْعَيْنِ فإمَّا أَن يكون تَخْصِيصه لقَرِينَة لفظية مثل لَام الْعَهْد والأضافة فَهَذَا لَا يُخرجهُ عَن أَن يكون متواطئا كَمَا إِذا قَالَ الرجل جَاءَ القَاضِي وعنى بِهِ قَاضِي بَلَده لكَون اللَّام للْعهد كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ إِن اللَّام هِيَ أوجبت قصر الرَّسُول على مُوسَى لَا نفس لفظ رَسُول
стр. 106
وَإِمَّا أَن يكون لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال عَلَيْهِ فَيصير مُشْتَركا بَين اللَّفْظ الْعَام وَالْمعْنَى الْخَاص فَكَذَلِك قَوْله ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ فَإِن تَخْصِيص هَذَا اللَّفْظ بالكافر إِمَّا أَن يكون لدُخُول اللَّام الَّتِي تفِيد الْعَهْد وَالْمُنَافِق الْمَعْهُود هُوَ الْكَافِر أَو تكون لغَلَبَة هَذَا الإسم فِي الشَّرْع على نفاق الْكفْر وَقَوله ﷺ ثَلَاث من كن فِيهِ كَانَ منافقا يَعْنِي بِهِ منافقا بِالْمَعْنَى الْعَام وَهُوَ إِظْهَاره من الدّين خلاف مَا يبطن
فإطلاق لفظ النِّفَاق على الْكَافِر وعَلى الْفَاسِق إِن أطلقته بِاعْتِبَار مَا يمتاز بِهِ عَن الْفَاسِق كَانَ إِطْلَاقه عَلَيْهِ وعَلى الْفَاسِق بِاعْتِبَار الِاشْتِرَاك وَكَذَلِكَ يجوز أَن يُرَاد بِهِ الْكَافِر خَاصَّة وَيكون متواطئا إِذا كَانَ الدَّال على الخصوصية غير لفظ مُنَافِق بل لَام التَّعْرِيف
وَهَذَا الْبَحْث الشريف جَار فِي كل لفظ عَام اسْتعْمل فِي بعض أَنْوَاعه إِمَّا لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال أَو لدلَالَة لفظية خصته بذلك النَّوْع مثل تَعْرِيف الْإِضَافَة أَو تَعْرِيف اللَّام فَإِن كَانَ لغَلَبَة الِاسْتِعْمَال صَحَّ ان يُقَال إِن اللَّفْظ مُشْتَرك وَإِن كَانَ لدلَالَة لفظية كَانَ اللَّفْظ بَاقِيا على مواطأته
فَلهَذَا صَحَّ أَن يُقَال النِّفَاق اسْم جنس تَحْتَهُ نَوْعَانِ لكَون اللَّفْظ فِي الأَصْل عَاما متواطئا
стр. 107
وَصَحَّ أَن يُقَال هُوَ مُشْتَرك بَين النِّفَاق فِي أصل الدّين وَبَين مُطلق النِّفَاق فِي الدّين لكَونه فِي عرف الِاسْتِعْمَال الشَّرْعِيّ غلب على نفاق الْكفْر
بحث ثَان جرى
إِن الْحَمد وَالشُّكْر بَينهمَا عُمُوم وخصوص
فَالْحَمْد أَعم من جِهَة أَسبَابه الَّتِي يَقع عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يكون على جَمِيع الصِّفَات وَالشُّكْر لَا يكون إِلَّا على الْإِحْسَان وَالشُّكْر أَعم من جِهَة مَا بِهِ يَقع فَإِنَّهُ يكون بالاعتقاد وَالْقَوْل وَالْفِعْل وَالْحَمْد يكون بِالْفِعْلِ أَو بالْقَوْل أَو بالاعتقاد
أورد الشَّيْخ الإِمَام زين الدّين ابْن المنجى الْحَنْبَلِيّ أَن هَذَا الْفرق إِنَّمَا هُوَ من جِهَة مُتَعَلق الْحَمد وَالشُّكْر لِأَن كَونه يَقع على كَذَا وَيَقَع بِكَذَا خَارج عَن ذَاته فَلَا يكون فرقا فِي الْحَقِيقَة وَالْحُدُود إِنَّمَا يتَعَرَّض فِيهَا لصفات الذَّات لَا لما خرج عَنْهَا
فَقَالَ شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية
الْمعَانِي على قسمَيْنِ مُفْردَة ومضافة فالمعاني المفردة حُدُودهَا لَا تُوجد فِيهَا بتعلقاتها وَأما الْمعَانِي الإضافية فَلَا بُد أَن يُوجد فِي حُدُودهَا تِلْكَ الإضافات فَإِنَّهَا دَاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا وَلَا يُمكن تصورها إِلَّا بتصور تِلْكَ المتعلقات فَتكون المتعلقات جُزْءا من حَقِيقَتهَا فَتعين ذكرهَا فِي الْحُدُود
стр. 108
وَالْحَمْد وَالشُّكْر معينان بالمحمود عَلَيْهِ والمشكور عَلَيْهِ فَلَا يتم حقيقتهما ذكر إِلَّا بِذكر متعلقهما فَيكون متعلقهما دَاخِلا فِي حقيقتهما
فَاعْترضَ الصَّدْر ابْن المرحل بِأَنَّهُ لَيْسَ للمتعلق من الْمُتَعَلّق صفة ثبوتية فَلَا يكون للحمد وَالشُّكْر من متعلقهما صفة ثبوتية فَإِن الْمُتَعَلّق صفة نسبية وَالنّسب أُمُور عدمية وَإِذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن دَاخِلَة فِي الْحَقِيقَة لِأَن الْعَدَم لَا يكون جُزْءا من الْوُجُود
فَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين قَوْلك لَيْسَ للمتعلق من الْمُتَعَلّق صفة ثبوتية لَيْسَ على الْعُمُوم بل قد يكون للمتعلق من الْمُتَعَلّق صفة ثبوتية وَقد لَا يكون وَإِنَّمَا الَّذِي يَقُوله أَكثر الْمُتَكَلِّمين لَيْسَ لمتعلق القَوْل من القَوْل صفة ثبوتية
ثمَّ الصِّفَات الْمُتَعَلّقَة نَوْعَانِ احدهما إِضَافَة مَحْضَة مثل الْأُبُوَّة والبنوة والفوقية والتحتية وَنَحْوهَا فَهَذِهِ الصّفة هِيَ الَّتِي يُقَال فِيهَا هِيَ مُجَرّد نِسْبَة وَإِضَافَة وَالنّسب أُمُور عدمية وَالثَّانِي صفة ثبوتية مُضَافَة إِلَى غَيرهَا كالحب والبغض والإرادة وَالْكَرَاهَة وَالْقُدْرَة وَغير ذَلِك من الصِّفَات فَإِن الْحبّ صفة ثبوتية مُتَعَلقَة بالمحبوب فالحب
стр. 109
معروض للإضافة بِمَعْنى أَن الْإِضَافَة صفة عرضت لَهُ لَا أَن نفس الْحبّ هُوَ الْإِضَافَة فَفرق بَين مَا هُوَ إِضَافَة وَبَين مَا هُوَ صفة مُضَافَة فالإضافة يُقَال فِيهَا إِنَّهَا عدمية قَالَ وَأما الصّفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب
قَالَ ابْن المرحل الْحبّ أَمر عدمي لِأَن الْحبّ نِسْبَة وَالنّسب عدمية
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين كَون الْحبّ والبغض والإرادة وَالْكَرَاهَة أمرا عدميا بَاطِلا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ خلاف إِجْمَاع الْعُقَلَاء
ثمَّ هُوَ مَذْهَب بعض الْمُعْتَزلَة فِي أرادة الله فَإِنَّهُ زعم أَنَّهَا صفة سلبية بِمَعْنى أَنه غير مغلوب وَلَا مستكره وأطبق النَّاس على بطلَان هَذَا القَوْل وَأما إِرَادَة الْمَخْلُوق وحبه وبغضه فَلم نعلم أحدا من الْعُقَلَاء قَالَ إِنَّه عدمي
فأصر ابْن المرحل على أَن الْحبّ الَّذِي هُوَ ميل الْقلب إِلَى المحبوب أَمر عدمي وَقَالَ الْمحبَّة أَمر وجودي
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْمحبَّة هِيَ الْحبّ فَإِنَّهُ يُقَال أحبه وحبه حبا ومحبة وَلَا فرق وَكِلَاهُمَا مصدر
стр. 110
قَالَ ابْن المرحل وَأَنا أَقُول إنَّهُمَا إِذا كَانَا مصدرين فهما أَمر عدمي
قَالَ لَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْكَلَام إِذا انْتهى إِلَى الْمُقدمَات الضرورية فقد انْتهى ووتم وَكَون الْحبّ والبغض أمرا وجوديا مَعْلُوم بالاضطرار فَأن كل أحد يعلم أَن الْحَيّ إِن كَانَ خَالِيا عَن الْحبّ كَانَ هَذَا الْخُلُو صفة عدمية فاذا صَار محبا فقد تغير الْمَوْصُوف وَصَارَ لَهُ صفة ثبوتية زَائِدَة على مَا كَانَ قبل أَن يقوم بِهِ الْحبّ وَمن يحس ذَلِك من نَفسه يجده كَمَا يجد شَهْوَته ونفرته وَرضَاهُ وغضبه ولذته وألمه
وَدَلِيل ذَلِك أَنَّك تَقول أحب يحب محبَّة ونقيض أحب لم يحب وَلم يحب صفة عدمية ونقيض الْعَدَم الاثبات
قَالَ ابْن المرحل هَذَا ينْتَقض بقَوْلهمْ امْتنع يمْتَنع فان نقيض الِامْتِنَاع لَا امْتنَاع وَامْتِنَاع صفة عدمية
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الِامْتِنَاع أَمر اعتباري عَقْلِي فان المتنع لَيْسَ لَهُ وجود خارجي حَتَّى تقوم بِهِ صفة وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُوم بِالْعقلِ
وَبِاعْتِبَار كَونه مَعْلُوما لَهُ ثُبُوت علمي وسلب هَذَا الثُّبُوت العلمي عدم هَذَا الثُّبُوت فَلم ينْقض هَذَا قَوْلنَا نقيض الْعَدَم ثُبُوت وَأما الْحبّ فَأَنَّهُ صفة قَائِمَة بالمحب فأنك تُشِير إِلَى عين خارجية وَتقول هَذَا الْحَيّ
следующие страницы →