← Тараджим

Тараджим · id 6663

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ت الفقي

ابن عبد الهادي

Полный текст (517 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

واتفقت كلمة إِجْمَاعهم على تَعْظِيم الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ومحبته وَسَمَاع كَلَامه ونصيحته واتعظوا بمواعظه وَسَأَلَهُ بَعضهم مسَائِل فِي أَمر الدّين وَلم يبْق من مُلُوك الشأم تركي وَلَا عَرَبِيّ إِلَّا وَاجْتمعَ بالشيخ فِي تِلْكَ الْمدَّة واعتقد خَيره وصلاحه ونصحه لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ قَالَ ثمَّ سَاق الله سُبْحَانَهُ جَيش الْإِسْلَام العرمرم الممصري صُحْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَان الْملك النَّاصِر وولاة الْأَمر وزعماء الْجَيْش وَعُظَمَاء المملكة والأمراء المصريين عَن آخِرهم بجيوش الْإِسْلَام سوقا حثيثا للقاء التتار المخذولين فَاجْتمع الشَّيْخ الْمَذْكُور بالخليفة وَالسُّلْطَان وأرباب الْحل وَالْعقد وأعيان الْأُمَرَاء عَن آخِرهم وَكلهمْ بمرج الصفر قبلي دمشق المحروسة وَبينهمْ وَبَين التتار أقل من مِقْدَار ثَلَاث سَاعَات مَسَافَة وَدَار بَين الشَّيْخ الْمَذْكُور وَبينهمْ مَا دَار بَين الشاميين وَبَينه وَكَانَ بَينهم وَمَعَهُمْ كَأحد أعيانهم وَاتفقَ لَهُ من اجْتِمَاعهم مَا لم يتَّفق لأحد قبله من أَبنَاء جنسه حَيْثُ اجْتَمعُوا بجملتهم فِي مَكَان وَاحِد فِي يَوْم وَاحِد على أَمر جَامع لَهُم وَله مُهِمّ عَظِيم يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى سَماع كَلَامه هَذَا توفيق عَظِيم كَانَ من الله

стр. 177

تَعَالَى لَهُ لم يتَّفق لمثله وَبَقِي الشَّيْخ الْمَذْكُور ﵁ هُوَ وَأَخُوهُ وَأَصْحَابه وَمن مَعَه من الْغُزَاة قَائِما بظهوره وجهاده وَلأمة حربه يُوصي النَّاس بالثبات ويعدهم بالنصر ويبشرهم بِالْغَنِيمَةِ والفوز بِإِحْدَى الحسنيين إِلَى أَن صدق الله وعده وأعز جنده وَهزمَ التتار وَحده وَنصر الْمُؤمنِينَ وَهزمَ الْجمع وولوا الدبر وَكَانَت كلمة الله هِيَ الْعليا وَكلمَة الْكفَّار هِيَ السُّفْلى وَقطع دابر الْقَوْم الْكفَّار وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَدخل جَيش الْإِسْلَام الْمَنْصُور إِلَى دمشق المحروسة وَالشَّيْخ فِي أَصْحَابه شاكيا فِي سلاحه دَاخِلا مَعَهم عالية كَلمته قَائِمَة حجَّته ظَاهِرَة ولَايَته مَقْبُولَة شَفَاعَته مجابة دَعوته ملتمسة بركته مكرما مُعظما ذَا سُلْطَان وَكلمَة نَافِذَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَقُول للمداحين لَهُ أَنا رجل مِلَّة لَا رجل دولة شجاعة الشَّيْخ وبأسه عِنْد قتال الْكفَّار وَلَقَد أَخْبرنِي حَاجِب من الْحجاب الشاميين أَمِير من أمرائهم ذُو دين متين وَصدق لهجة مَعْرُوف فِي الدولة قَالَ قَالَ لي الشَّيْخ يَوْم اللِّقَاء وَنحن بمرج الصفر وَقد ترَاءى الْجَمْعَانِ يَا فلَان أوقفني موقف الْمَوْت

стр. 178

قَالَ فسقته إِلَى مُقَابلَة الْعَدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تَحت الْغُبَار المنعقد عَلَيْهِم ثمَّ قلت لَهُ يَا سَيِّدي هَذَا موقف الْمَوْت وَهَذَا الْعَدو قد أقبل تَحت هَذِه الغبرة المنعقدة فدونك وَمَا تُرِيدُ قَالَ فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء وأشخص بَصَره وحرك شَفَتَيْه طَويلا ثمَّ انْبَعَثَ وأقدم على الْقِتَال وَأما أَنا فخيل إِلَيّ أَنه دَعَا عَلَيْهِم وَأَن دعاءه اسْتُجِيبَ مِنْهُ فِي تِلْكَ السَّاعَة قَالَ ثمَّ حَال الْقِتَال بَيْننَا والالتحام وَمَا عدت رَأَيْته حَتَّى فتح الله وَنصر وانحاز التتار إِلَى جبل صَغِير عصموا نُفُوسهم بِهِ من سيوف الْمُسلمين تِلْكَ السَّاعَة وَكَانَ آخر النَّهَار قَالَ وَإِذا أَنا بالشيخ وأخيه يصيحان بِأَعْلَى صوتيهما تحريضا على الْقِتَال وتخويفا للنَّاس من الْفِرَار فَقلت يَا سَيِّدي لَك الْبشَارَة بالنصر فَإِنَّهُ قد فتح الله وَنصر وَهَا هم التتار محصورون بِهَذَا السفح وَفِي غَد إِن شَاءَ الله تَعَالَى يؤخذون عَن آخِرهم قَالَ فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ودعا لي فِي ذَلِك الموطن دُعَاء وجدت بركته فِي ذَلِك الْوَقْت وَبعده

стр. 179

هَذَا كَلَام الْأَمِير الْحَاجِب قَالَ ثمَّ لم يزل الشَّيْخ بعد ذَلِك على زِيَادَة فِي الْحَال والقال والجاه وَالتَّحْقِيق فِي الْعلم والعرفان حَتَّى حرك الله سُبْحَانَهُ عَزمَات نفوس وُلَاة الْأَمر لقِتَال أهل جبل كسروان وهم الَّذين بغوا وَخَرجُوا على الإِمَام وأخافوا السبل وعارضوا المارين بهم من الْجَيْش بِكُل سوء فَقَامَ الشَّيْخ فِي ذَلِك اتم قيام وَكتب إِلَى أَطْرَاف الشأم فِي الْحَث على قتال الْمَذْكُورين وَأَنَّهَا غزَاة فِي سَبِيل الله ثمَّ تجهز هُوَ بِمن مَعَه لغزوهم بِالْجَبَلِ صَحبه ولي الْأَمر نَائِب المملكة المعظمة أعز الله نَصره والجيوش الشآمية المنصورة وَمَا زَالَ مَعَ ولي الْأَمر فِي حصارهم وقتالهم حَتَّى فتح الله الْجَبَل وَأجلى أَهله وَكَانَ من أصعب الْجبَال وأشقها ساحة وَكَانَت الْمُلُوك الْمُتَقَدّمَة لَا تقدم على حصاره مَعَ علمهَا بِمَا عَلَيْهِ أَهله من الْبَغي وَالْخُرُوج على الإِمَام والعصيان وَلَيْسَ إِلَّا لصعوبة المسلك ومشقة النُّزُول عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ لما حَاصَرَهُمْ بيدرا بالجيش رَحل عَنْهُم وَلم ينل مِنْهُم منالا لذَلِك السَّبَب وَلغيره وَذَلِكَ عقيب فتح قلعة الرّوم ففتحه الله على يَدي ولي الْأَمر نَائِب الشَّام المحروس أعز الله نَصره

стр. 180

وَكَانَ فَتحه أحد المكرمات والكرامات المعدودة للشَّيْخ لسببين على مَا يَقُوله النَّاس أَحدهمَا لكَون أهل هَذَا الْجَبَل بغاة رافضة سبابة تعين قِتَالهمْ وَالثَّانِي لِأَن جبل الصالحية لما استولت الرافضة عَلَيْهِ فِي حَال اسْتِيلَاء الطاغية قازان أَشَارَ بعض كبرائهم بِنَهْب الْجَبَل وَسبي أَهله وقتلهم وتحريق مساكنهم انتقاما مِنْهُم لكَوْنهم سنية وَسَمَّاهُمْ ذَلِك المشير نواصب فَكَانَ مَا كَانَ من أَمر جبل الصالحية بذلك القَوْل وَتلك الْإِشَارَة قَالُوا فكوفىء الرافضة بِمثل ذَلِك بِإِشَارَة كَبِير من كبراء أهل السّنة وزنا يُوزن جَزَاء على يَد ولي الْأَمر وجيوش الْإِسْلَام والمشير الْمَذْكُور هُوَ الشَّيْخ الْمشَار إِلَيْهِ وَلما فتح الْجَبَل وَصَارَ الْجَيْش بعد الْفَتْح إِلَى دمشق المحروسة عكف خَاص النَّاس وعامهم على الشَّيْخ بالزيارة وَالتَّسْلِيم عَلَيْهِ والتهنئة بسلامته وَالْمَسْأَلَة لَهُ مِنْهُم عَن كَيْفيَّة الْحصار للجبل وَصُورَة قتال أَهله وَعَما وَقع بَينهم وَبَين الجيوش من المراسلات وَغَيرهَا فَحكى

стр. 181

بحث للشَّيْخ مَعَ أحد الرافضة فِي عصمَة غير الْأَنْبِيَاء وَحكى أَيْضا أَنه تجَادل مَعَ كَبِير من كبراء أهل جبل كسروان لَهُ اطلَاع على مَذْهَب الرافضة قَالَ وَكَانَ الجدل والبحث فِي عصمَة الإِمَام وَعدم عصمته وَفِي أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ على بن أبي طَالب ﵁ مَعْصُوم من الصَّغَائِر والكبائر فِي كل قَول وَفعل وَهَذِه دَعْوَى الجليلي وَأَن الشَّيْخ حاجه فِي أَن الْعِصْمَة لم تثبت إِلَّا للأنبياء ﵈ قَالَ وإنني قلت لَهُ إِن عليا وَعبد الله بن مَسْعُود ﵄ اخْتلفَا فِي مسَائِل وَقعت وفتاوى أفتى بهَا كل مِنْهُمَا وَأَن تِلْكَ الْفَتَاوَى والمسائل عرضت على النَّبِي ﷺ فصوب فِيهَا قَول ابْن مَسْعُود ﵁ هَذَا معنى كَلَام الشَّيْخ فِي حَدِيثه عَن المجادلة مَعَ الرافضي الجيلي وَإِن اخْتلفت الْعبارَة انْتهى مَا ذكره وَكَانَ توجه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ﵁ إِلَى الكروانيين فِي مستهل ذِي الْحجَّة من سنة أَربع وَسَبْعمائة وصحبته الْأَمِير قراقوش وَتوجه نَائِب السلطنة الْأَمِير جمال الدّين الأفرم بِمن تَأَخّر من

стр. 182

عَسْكَر دمشق إِلَيْهِم لغزوهم واستئصالهم فِي ثَانِي شهر الْمحرم من سنة خمس وَسَبْعمائة وَكَانَ قد توجه قبله الْعَسْكَر طَائِفَة بعد طَائِفَة فِي ذِي الْحجَّة وَفِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر وصل النَّائِب والعسكر مَعَه إِلَى دمشق بعد أَن نَصرهم الله تَعَالَى على حزب الضلال من الروافض والنصيرية وَأَصْحَاب العقائد الْفَاسِدَة وأبادهم الله من تِلْكَ الأَرْض وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين رِسَالَة الشَّيْخ إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر ثمَّ إِن الشَّيْخ ﵀ بعد وقْعَة جبل كسروان أرسل رِسَالَة إِلَى السُّلْطَان الْملك النَّاصِر يذكر فِيهَا مَا أنعم الله على السُّلْطَان وعَلى أهل الْإِسْلَام بِسَبَب فتوح الْجَبَل الْمَذْكُور وَهِي هَذِه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من الدَّاعِي احْمَد بن تَيْمِية إِلَى سُلْطَان الْمُسلمين وَمن أيد الله فِي دولته الدّين أَو عز بهَا عباده الْمُؤمنِينَ وقمع فِيهَا الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ والخوارج المارقين نَصره الله وَنصر بِهِ الْإِسْلَام وَأصْلح لَهُ وَبِه أُمُور الْخَاص وَالْعَام وأحيى بِهِ معالم الْإِيمَان وَأقَام بِهِ شرائع الْقُرْآن وأذل بِهِ أهل الْكفْر والفسوق والعصيان سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَإنَّا نحمد إِلَيْكُم الله الَّذِي

стр. 183

لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَهُوَ للحمد أهل وَهُوَ على كل شَيْء قدير ونسأله أَن يصلى على خَاتم النَّبِيين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله ﷺ وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا أما بعد فقد صدق الله وعده وَنصر عَبده وأعز جنده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده وأنعم الله على السُّلْطَان وعَلى الْمُؤمنِينَ فِي دولته نعما لم تعهد فِي الْقُرُون الخالية وجدد الْإِسْلَام فِي أَيَّامه تجديدا بَانَتْ فضيلته على الدول الْمَاضِيَة وَتحقّق فِي ولَايَته خبر الصَّادِق المصدوق أفضل الْأَوَّلين والآخرين الَّذِي أخبر فِيهِ عَن تَجْدِيد الدّين فِي رُءُوس المئين وَالله تَعَالَى يوزعه وَالْمُسْلِمين شكر هَذِه النعم الْعَظِيمَة فِي الدُّنْيَا وَالدّين ويتمها بِتمَام النَّصْر على سَائِر الْأَعْدَاء المارقين وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان أتم الله نعْمَته حصل للْأمة بيمن ولَايَته وَحسن نِيَّته وَصِحَّة إِسْلَامه وعقيدته وبركة إيمَانه ومعرفته وَفضل همته وشجاعته وَثَمَرَة تَعْظِيمه للدّين وشرعته ونتيجة اتِّبَاعه لكتاب الله وحكمته مَا هُوَ شَبيه بِمَا كَانَ يجْرِي فِي أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَمَا كَانَ يَقْصِدهُ أكَابِر الْأَئِمَّة العادلين من جِهَاد أَعدَاء الله المارقين من الدّين وهم صنفان أهل الْفُجُور والطغيان وذوو الغي والعدوان الخارجون عَن

стр. 184

شرائع الْإِيمَان طلبا للعلو فِي الأَرْض وَالْفساد وتركا لسبيل الْهدى والرشاد وَهَؤُلَاء هم التتار وَنَحْوهم من كل خَارج عَن شرائع الْإِسْلَام وَإِن تمسك بِالشَّهَادَتَيْنِ أَو بِبَعْض سياسة الْإِسْلَام والصنف الثَّانِي أهل الْبدع المارقون وذوو الضلال المُنَافِقُونَ الخارجون عَن السّنة وَالْجَمَاعَة المفارقون للشرعة وَالطَّاعَة مثل هَؤُلَاءِ الَّذين غزوا بِأَمْر السُّلْطَان من أهل الْجَبَل والجرد والكسروان فَإِن مَا من الله بِهِ من الْفَتْح والنصر على هَؤُلَاءِ الطغام هُوَ من عزائم الْأُمُور الَّتِي أنعم الله بهَا على السُّلْطَان وَأهل الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ وجنسهم من أكَابِر المفسدين فِي أَمر الدُّنْيَا وَالدّين فَإِن اعْتِقَادهم أَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَأهل بدر وبيعة الرضْوَان وَجُمْهُور الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وأئمة الْإِسْلَام وعلماءهم اهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهم ومشايخ الْإِسْلَام وعبادهم وملوك الْمُسلمين وأجنادهم وعوام الْمُسلمين وأفرادهم كل هَؤُلَاءِ عِنْدهم كفار مرتدون أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى لأَنهم مرتدون عِنْدهم وَالْمُرْتَدّ شَرّ من الْكَافِر الْأَصْلِيّ وَلِهَذَا السَّبَب يقدمُونَ الفرنج والتتار على أهل الْقُرْآن وَالْإِيمَان وَلِهَذَا لما قدم التتار إِلَى الْبِلَاد وفعلوا بعسكر الْمُسلمين مَالا يُحْصى

стр. 185

من الْفساد وَأَرْسلُوا إِلَى أهل قبرص فملكوا بعض السَّاحِل وحملوا راية الصَّلِيب وحملو إِلَى قبرص من خيل الْمُسلمين وسلاحهم وأسراهم مَالا يُحْصى عدده إِلَّا الله وَأقَام سوقهم بالسَّاحل عشْرين يَوْمًا يبيعون فِيهِ الْمُسلمين وَالْخَيْل وَالسِّلَاح على أهل قبرص وفرحوا بمجيء التتار هم وَسَائِر أهل هَذَا الْمَذْهَب الملعون مثل أهل جزين وَمَا حواليها وجبل عَامل ونواحيه وَلما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية ظهر فيهم من الخزي والنكال مَا عرفه النَّاس مِنْهُم وَلما نصر الله الْإِسْلَام النُّصْرَة الْعُظْمَى عِنْد قدوم السُّلْطَان كَانَ بَينهم شَبيه بالعزاء كل هَذَا وَأعظم مِنْهُ عِنْد هَذِه الطَّائِفَة الَّتِي كَانَت من أعظم الْأَسْبَاب فِي خُرُوج جنكسخان إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَفِي اسْتِيلَاء هولاكو على بَغْدَاد وَفِي قدومه إِلَى حلب وَفِي نهب الصالحية وَفِي غير ذَلِك من أَنْوَاع الْعَدَاوَة لِلْإِسْلَامِ وَأَهله لَان عِنْدهم أَن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فَهُوَ كَافِر مُرْتَد وَمن اسْتحلَّ الفقاع فَهُوَ كَافِر وَمن مسح على الْخُفَّيْنِ فَهُوَ عِنْدهم كَافِر وَمن حرم الْمُتْعَة فَهُوَ عِنْدهم كَافِر وَمن أحب أَبَا بكر أَو عمر أَو عُثْمَان

стр. 186

أَو ترضي عَنْهُم أَو عَن جَمَاهِير الصَّحَابَة فَهُوَ عِنْدهم كَافِر وَمن لم يُؤمن بمنتظرهم فَهُوَ عِنْدهم كَافِر وَهَذَا المنتظر صبي عمره سنتَانِ أَو ثَلَاث أَو خمس يَزْعمُونَ أَنه دخل السرداب بسامرا من أَكثر من أَرْبَعمِائَة سنة وَهُوَ يعلم كل شَيْء وَهُوَ حجَّة الله على أهل الأَرْض فَمن لم يُؤمن بِهِ فَهُوَ عِنْدهم كَافِر وَهُوَ شَيْء لَا حَقِيقَة لَهُ وَلم يكن هَذَا فِي الْوُجُود قطّ وَعِنْدهم من قَالَ إِن الله يرى فِي الْآخِرَة فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ إِن الله تكلم بِالْقُرْآنِ حَقِيقَة فَهُوَ كَافِر وَمن قَالَ إِن الله فَوق السَّمَوَات فَهُوَ كَافِر وَمن آمن بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَقَالَ إِن الله يهدي من يَشَاء ويضل من يَشَاء وَأَن الله يقلب قُلُوب عباده وَأَن الله خَالق كل شَيْء فَهُوَ عِنْدهم كَافِر وَعِنْدهم أَن من آمن بِحَقِيقَة أَسمَاء الله وَصِفَاته الَّتِي أخبر بهَا فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله فَهُوَ عِنْدهم كَافِر هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الَّذِي تلقنه لَهُم أئمتهم مثل بني الْعود فَإِنَّهُم شُيُوخ أهل هَذَا الْجَبَل وهم الَّذين كَانُوا يأمرونهم بِقِتَال الْمُسلمين ويفتونهم بِهَذِهِ الْأُمُور وَقد حصل بأيدي الْمُسلمين طَائِفَة من كتبهمْ تصنيف ابْن الْعود وَغَيره وفيهَا هَذَا وَأعظم مِنْهُ وهم اعْتَرَفُوا لنا بِأَنَّهُم الَّذين علموهم وَأمرُوهُمْ لكِنهمْ مَعَ هَذَا يظهرون التقية والنفاق ويتقربون ببذل الْأَمْوَال إِلَى

стр. 187

من يقبلهَا مِنْهُم وَهَكَذَا كَانَ عَادَة هَؤُلَاءِ الجبلية فَإِنَّمَا أَقَامُوا بجبلهم لما كَانُوا يظهرونه من النِّفَاق ويبذلونه من الْبر طيل لمن يقصدهم وَالْمَكَان الَّذِي لَهُم فِي غَايَة الصعوبة ذكر أهل الْخِبْرَة أَنهم لم يرَوا مثله وَلِهَذَا كثر فسادهم فَقتلُوا من النُّفُوس وَأخذُوا من الْأَمْوَال مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله وَلَقَد كَانَ جيرانهم من أهل الْبِقَاع وَغَيرهَا مَعَهم فِي أَمر لَا يضْبط شَره كل لَيْلَة تنزل عَلَيْهِم مِنْهُم طَائِفَة ويفعلون من الْفساد مَالا يُحْصِيه إِلَّا رب الْعباد كَانُوا فِي قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عرفت من أهل الْجِنَايَات يرد إِلَيْهِم النَّصَارَى من أهل قبرص فيضيفونهم ويعطونهم سلَاح الْمُسلمين ويقعون بِالرجلِ الصَّالح من الْمُسلمين فإمَّا أَن يقتلوه أَو يسلبوه وَقَلِيل مِنْهُم من يفلت مِنْهُم بالحيلة فَأَعَانَ الله وَيسر بِحسن نِيَّة السُّلْطَان وهمته فِي إِقَامَة شرائع الْإِسْلَام وعنايته بجهاد المارقين أَن غزوا غَزْوَة شَرْعِيَّة كَمَا أَمر الله وَرَسُوله بعد أَن كشفت أَحْوَالهم وأزيحت عللهم وأزيلت شبههم وبذل لَهُم من الْعدْل والإنصاف مَا لم يَكُونُوا يطمعون بِهِ وَبَين لَهُم أَن غزوهم اقْتِدَاء بسيرة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي قتال الحرورية

стр. 188

المارقين الَّذين تَوَاتر عَن النَّبِي ﷺ الْأَمر بقتالهم ونعت حَالهم من وُجُوه مُتعَدِّدَة أخرج مِنْهَا أَصْحَاب الصَّحِيح عشرَة أوجه من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَسَهل بن حنيف وَأبي ذَر الْغِفَارِيّ وَرَافِع بن عَمْرو وَغَيرهم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ فيهم يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية لَئِن أدركتهم لأقتلنهم قتل عَاد لَو يعلم الَّذين يقاتلونهم مَاذَا لَهُم على لِسَان مُحَمَّد ﷺ لاتكلوا عَن الْعَمَل يقتلُون أهل الْإِسْلَام وَيدعونَ أهل الْأَوْثَان يقرأون الْقُرْآن يحسبون أَنه لَهُم وَهُوَ عَلَيْهِم شَرّ قَتْلَى تَحت أَدِيم السَّمَاء خير قَتْلَى من قَتَلُوهُ وَأول مَا خرج هَؤُلَاءِ زمن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ وَكَانَ لَهُم من الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْقِرَاءَة وَالْعِبَادَة والزهادة مَا لم يكن لعُمُوم الصَّحَابَة لَكِن كَانُوا خَارِجين عَن سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ

стр. 189

وَسلم وَعَن جمَاعَة الْمُسلمين وَقتلُوا من الْمُسلمين رجلا اسْمه عبد الله بن خباب وأغاروا على دَوَاب للْمُسلمين وَهَؤُلَاء الْقَوْم كَانُوا أقل صَلَاة وصياما وَلم نجد فِي جبلهم مُصحفا وَلَا فيهم قَارِئًا لِلْقُرْآنِ وَإِنَّمَا عِنْدهم عقائدهم الَّتِي خالفوا فِيهَا الْكتاب وَالسّنة وأباحوا بهَا دِمَاء الْمُسلمين وهم مَعَ هَذَا فقد سَفَكُوا من الدِّمَاء وَأخذُوا من الْأَمْوَال مَا لَا يُحْصى عدده إِلَّا الله تَعَالَى فَإِذا كَانَ عَليّ بن أبي طَالب قد أَبَاحَ لعسكره أَن ينهبوا مَا فِي عَسْكَر الْخَوَارِج مَعَ انه قَتلهمْ جَمِيعهم كَانَ هَؤُلَاءِ أَحَق بِأخذ أَمْوَالهم وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَة المتأولين الَّذين نَادَى فيهم عَليّ بن أبي طَالب يَوْم الْجمل إِنَّه لَا يقتل مدبرهم وَلَا يُجهز على جريحهم وَلَا يغم لَهُم مَالا وَلَا يسبى لَهُم ذُرِّيَّة لِأَن مثل أُولَئِكَ لَهُم تَأْوِيل سَائِغ وَهَؤُلَاء لَيْسَ

стр. 190

لَهُم تَأْوِيل سَائِغ وَمثل أُولَئِكَ إِنَّمَا يكونُونَ خَارِجين عَن طَاعَة الإِمَام وَهَؤُلَاء خَرجُوا عَن شَرِيعَة رَسُول الله ﷺ وسنته وهم شَرّ من التتار من وُجُوه مُتعَدِّدَة لَكِن التتر أَكثر وَأقوى فَلذَلِك يظْهر كَثْرَة شرهم وَكثير من فَسَاد التتر هُوَ لمخالطة هَؤُلَاءِ لَهُم كَمَا كَانَ فِي زمن قازان وهولاكو وَغَيرهمَا فَإِنَّهُم أخذُوا من أَمْوَال الْمُسلمين أَضْعَاف مَا أخذُوا من أَمْوَالهم وأرضهم فَيْء لبيت المَال وَقد قَالَ كثير من السّلف إِن الرافضة لَا حق لَهُم من الْفَيْء لِأَن الله إِنَّمَا جعل الْفَيْء للمهاجرن وَالْأَنْصَار ﴿وَالَّذين جاؤوا من بعدهمْ يَقُولُونَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم﴾ فَمن لم يكن قلبه سليما لَهُم وَلسَانه مُسْتَغْفِرًا لَهُم لم يكن من هَؤُلَاءِ وَقطعت أَشْجَارهم لِأَن النَّبِي ﷺ لما حاصر بني النَّضِير قطع أَصْحَابه نَخْلهمْ وحرقوه فَقَالَ الْيَهُود هَذَا فَسَاد وَأَنت يَا مُحَمَّد تنْهى عَن الْفساد فَأنْزل الله ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله وليخزي الْفَاسِقين﴾ وَقد اتّفق الْعلمَاء على جَوَاز قطع الشّجر وتخريب العامر عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِك بِأولى من قتل النُّفُوس وَمَا أمكن غير ذَلِك

стр. 191

فَإِن الْقَوْم لم يحضروا كلهم من الْأَمَاكِن الَّتِي اختفوا فِيهَا وَأَيِسُوا من الْمقَام فِي الْجَبَل إِلَّا حِين قطعت الْأَشْجَار وَإِلَّا كَانُوا يختفون حَيْثُ لَا يُمكن الْعلم بهم وَمَا أمكن أَن يسكن الْجَبَل غَيرهم لِأَن التركمان إِنَّمَا قصدهم الرعى وَقد صَار لَهُم مرعى وَسَائِر الفلاحين لَا يتْركُوا عمَارَة أَرضهم ويجيئون إِلَيْهِ فَالْحَمْد لله الَّذِي يسر هَذَا الْفَتْح فِي دولة السُّلْطَان بهمته وعزمه وَأمره وإخلاء الْجَبَل مِنْهُم وإخراجهم من دِيَارهمْ وهم يشبهون مَا ذكره الله فِي قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر مَا ظننتم أَن يخرجُوا وظنوا أَنهم مانعتهم حصونهم من الله فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار وَلَوْلَا أَن كتب الله عَلَيْهِم الْجلاء لعذبهم فِي الدُّنْيَا وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب النَّار ذَلِك بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله وَمن يشاق الله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أُصُولهَا فبإذن الله وليخزي الْفَاسِقين﴾ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بِهَذَا قد انْكَسَرَ من أهل الْبدع والنفاق بالشأم ومصر والحجاز واليمن وَالْعراق مَا يرفع الله بِهِ دَرَجَات السُّلْطَان ويعز بِهِ أهل الْإِيمَان

стр. 192

فصل تَمام هَذَا الْفَتْح وبركته تقدم مراسم السُّلْطَان بحسم مَادَّة أهل الْفساد وَإِقَامَة الشَّرِيعَة فِي الْبِلَاد فَإِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَهُم من الْمَشَايِخ والإخوان فِي قرى كَثِيرَة من يقتدون بهم وينتصرون لَهُم وَفِي قُلُوبهم غل عَظِيم وإبطان معاداة شَدِيدَة لَا يُؤمنُونَ مَعهَا على مَا يُمكنهُم وَلَو أَنه مباطنة الْعَدو فَإِذا أمسك رؤوسهم الَّذين يضلونهم مثل بني الْعود زَالَ بذلك من الشَّرّ مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله ويتقدم إِلَى قراهم وَهِي قرى مُتعَدِّدَة بأعمال دمشق وصفد وطرابلس وحماة وحمص وحلب بِأَن يُقَام فيهم شرائع الْإِسْلَام وَالْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَيكون لَهُم خطباء ومؤذنون كَسَائِر قرى الْمُسلمين وتقرأ فيهم الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وتنشر فيهم المعالم الإسلامية ويعاقب من عرف مِنْهُم بالبدعة والنفاق بِمَا توجبه شَرِيعَة الْإِسْلَام فَإِن هَؤُلَاءِ الْمُحَاربين وأمثالهم قَالُوا نَحن قوم جبال وَهَؤُلَاء كَانُوا يعلموننا وَيَقُولُونَ لنا أَنْتُم إِذا قاتلتم هَؤُلَاءِ تَكُونُونَ مجاهدين وَمن قتل مِنْكُم فَهُوَ شَهِيد وَفِي هَؤُلَاءِ خلق كثير لَا يقرونَ بِصَلَاة وَلَا صِيَام وَلَا حج

стр. 193

وَلَا عمْرَة وَلَا يحرمُونَ الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَلَا يُؤمنُونَ بِالْجنَّةِ وَالنَّار من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية وهم كفار أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَتقدم المارسيم السُّلْطَانِيَّة بِإِقَامَة شَعَائِر الْإِسْلَام من الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَقِرَاءَة الْقُرْآن وتبليغ أَحَادِيث النَّبِي ﷺ فِي قرى هَؤُلَاءِ من أعظم الْمصَالح الإسلامية وأبلغ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله وَذَلِكَ سَبَب لانقماع من يباطن الْعَدو من هَؤُلَاءِ ودخولهم فِي طَاعَة الله وَرَسُوله وَطَاعَة أولي الْأَمر من الْمُسلمين وَهُوَ من الْأَسْبَاب الَّتِي يعين الله بهَا على قمع الْأَعْدَاء فان مَا فَعَلُوهُ بِالْمُسْلِمين فِي أَرض سيس نوع من غدرهم الَّذِي بِهِ ينصر الله الْمُسلمين عَلَيْهِم وَفِي ذَلِك لله حِكْمَة عَظِيمَة ونصرة لِلْإِسْلَامِ جسيمة قَالَ ابْن عَبَّاس مَا نقض قوم الْعَهْد إِلَّا أديل عَلَيْهِم الْعَدو وَلَوْلَا هَذَا وَأَمْثَاله مَا حصل للْمُسلمين من الْعَزْم بِقُوَّة الْإِيمَان وللعدو من الخذلان مَا ينصر الله بِهِ الْمُؤمنِينَ ويذل بِهِ الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَالله هُوَ الْمَسْئُول أَن يتم نعْمَته على سُلْطَان الْإِسْلَام خَاصَّة وعَلى عباده الْمُؤمنِينَ عَامَّة

стр. 194

وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَالْحَمْد لله وَحده وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا عنوان الْكتاب ظَاهره سُلْطَان الْمُسلمين وَمن أيد الله فِي دولته الدّين وقمع الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ أيد الله بِهِ الْإِسْلَام وَنشر عدله فِي الْأَنَام موقف من مَوَاقِف الشَّيْخ فِي إبِْطَال أهل الطر الدجالين وَفِي يَوْم السبت تَاسِع جُمَادَى الأولى من هَذِه السّنة سنة خمس وَسَبْعمائة اجْتمع جمَاعَة من الأحمدية الرفاعية عِنْد نَائِب السلطنة بِالْقصرِ وَحضر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وطلبوا أَن يسلم إِلَيْهِم حَالهم وَأَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين لَا يعارضهم وَلَا يُنكر عَلَيْهِم وَأَرَادُوا أَن يظهروا شَيْئا مِمَّا يَفْعَلُونَهُ فَانْتدبَ لَهُم الشَّيْخ وَتكلم بِاتِّبَاع الشَّرِيعَة وَأَنه لَا يسع أحدا الْخُرُوج عَنْهَا بقول وَلَا فعل وَذكر أَن لَهُم حيلا يتحيلون بهَا فِي دُخُول النَّار وَإِخْرَاج الزّبد من الحلوق وَقَالَ لَهُم من أَرَادَ دُخُول النَّار فليغسل جسده فِي الْحمام ثمَّ

стр. 195

يدلكه بالخل ثمَّ يدْخل وَلَو دخل لَا يلْتَفت إِلَى ذَلِك بل هُوَ نوع من فعل الدَّجَّال عندنَا وَكَانُوا جمعا كثيرا وَقَالَ الشَّيْخ صَالح شيخ المنيبيع نَحن أحوالنا تنْفق عِنْد التتار مَا تنْفق قُدَّام الشَّرْع وانفصل الْمجْلس على أَنهم يخلعون أطواق الْحَدِيد وعَلى أَن من خرج عَن الْكتاب وَالسّنة ضربت رقبته وَحفظ هَذِه الْكَلِمَة الْحَاضِرُونَ من الْأُمَرَاء والأكابر وأعيان الدولة وَكتب الشَّيْخ عقيب هَذِه الْوَاقِعَة جُزْءا فِي حَال الأحمدية ومبدئهم وأصل طريقتهم وَذكر شيخهم وَمَا فِي طريقهم من الْخَيْر وَالشَّر وأوضح الْأَمر فِي ذَلِك محنة الشَّيْخ وَقيام المبتدعين عَلَيْهِ لتأليفه الحموية وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي أثْنَاء كَلَامه فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ وَلما صنف الْمَسْأَلَة الحموية فِي الصِّفَات سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة تحزبوا لَهُ وَآل بهم الْأَمر إِلَى أَن طافوا بِهِ على قَصَبَة من جِهَة القَاضِي الْحَنَفِيّ وَنُودِيَ عَلَيْهِ بِأَن لَا يستفتى ثمَّ قَامَ بنصره طَائِفَة آخَرُونَ وَسلم الله

стр. 196

فَلَمَّا كَانَ سنة خمس وَسَبْعمائة جَاءَ الْأَمر من مصر بِأَن يسئل عَن معتقده فَجمع لَهُ الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء بِمَجْلِس نَائِب دمشق الأفرم فَقَالَ أَنا كنت سُئِلت عَن مُعْتَقد أهل السّنة فأجبت عَنهُ فِي جُزْء من سِنِين وَطَلَبه من دَاره فأحضر وقرأه فنازعوه فِي موضِعين أَو ثَلَاثَة مِنْهُ وَطَالَ الْمجْلس فَقَامُوا واجتمعوا مرَّتَيْنِ أَيْضا لتتمة الْجُزْء وحاققوه ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن هَذَا مُعْتَقد سلفي جيد وَبَعْضهمْ قَالَ ذَلِك كرها وَكَانَ المصريون قد سعوا فِي أَمر اشيخ وملأوا الْأَمِير ركن الدّين الجاشنكير الَّذِي تسلطن عَلَيْهِ فَطلب إِلَى مصر على الْبَرِيد فثاني يَوْم دُخُوله اجْتمع الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء بقلعة مصر وانتصب ابْن عَدْلَانِ لَهُ خصما وَادّعى عَلَيْهِ عِنْد ابْن مخلوف القَاضِي الْمَالِكِي أَن هَذَا يَقُول إِن الله تكلم بِالْقُرْآنِ بِحرف وَصَوت وَأَنه تَعَالَى على الْعَرْش بِذَاتِهِ وَأَن الله يشار إِلَيْهِ الْإِشَارَة الحسية وَقَالَ أطلب عُقُوبَته على ذَلِك فَقَالَ القَاضِي مَا تَقول يَا فَقِيه فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ

стр. 197

فَقيل لَهُ أسْرع مَا أحضرناك لتخطب فَقَالَ أومنع الثَّنَاء على الله فَقَالَ القَاضِي أجب فقد حمدت الله فَسكت فألح عَلَيْهِ فَقَالَ من الحكم فِي فَأَشَارَ لَهُ إِلَى القَاضِي ابْن مخلوف فَقَالَ أَنْت خصمي كَيفَ تحكم فِي وَغَضب وانزعج وأسكت القَاضِي فأقيم الشَّيْخ وأخواه وسجنوا بالجب بقلعة الْجَبَل وَجَرت أُمُور طَوِيلَة وَكتب إِلَى الشأم كتاب سلطاني بالخط عَلَيْهِ فقرىء بالجامع وتألم النَّاس لَهُ ثمَّ بَقِي سنة وَنصفا وَأخرج وَكتب لَهُم ألفاظا اقترحوها عَلَيْهِ وهدد وتوعد بِالْقَتْلِ إِن لم يَكْتُبهَا وَأقَام بِمصْر يقرىء الْعلم ويجتمع عِنْده خلق إِلَى أَن تكلم فِي الاتحادية الْقَائِلين بوحدة الْوُجُوه وهم ابْن سبعين وَابْن عَرَبِيّ والقونوي وأشباههم فتحزب عَلَيْهِ صوفية وفقراء وَسعوا فِيهِ وَأَنه تكلم فِي صفوة الْأَوْلِيَاء فَعمل لَهُ محفل ثمَّ اخرجوه على الْبَرِيد ثمَّ ردُّوهُ على مرحلة من مصر وَرَأَوا مصلحتهم فِي اعتقاله فسجنوه

стр. 198

فِي حبس الْقُضَاة سنة وَنصفا فَجعل أَصْحَابه يدْخلُونَ إِلَيْهِ فِي السِّرّ ثمَّ تظاهروا فَأَخْرَجته الدولة على الْبَرِيد إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَحبس ببرج مِنْهَا وشنع بِأَنَّهُ قتل وَأَنه غرق غير مرّة فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان أيده الله تَعَالَى من الكرك وأباد أضداده بَادر باستحضار الشَّيْخ إِلَى الْقَاهِرَة مكرما وَاجْتمعَ بِهِ وحادثه وساره بِحَضْرَة الْقُضَاة والكبار وَزَاد فِي إكرامه ثمَّ نزل وَسكن فِي دَار وَاجْتمعَ بعد ذَلِك بالسلطان وَلم يكن بعد السُّلْطَان يجْتَمع بِهِ فَلَمَّا قدم السُّلْطَان لكشف الْعَدو عَن الرحبة جَاءَ الشَّيْخ إِلَى دمشق سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسَبْعمائة ثمَّ جرت أُمُور ومحن انْتهى كَلَامه محنة الشَّيْخ بِدِمَشْق وَقَالَ الشَّيْخ علم الدّين وَفِي شهر ربيع الأول من سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة وَقع بِدِمَشْق محنة للشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية وَكَانَ الشُّرُوع فِيهَا من أول الشَّهْر وَظَهَرت يَوْم الْخَامِس مِنْهُ واستمرت إِلَى آخر الشَّهْر وملخصها أَنه كَانَ كتب جَوَابا سُئِلَ عَنهُ من حماة فِي الصِّفَات فَذكر فِيهِ مَذْهَب السّلف وَرجحه على مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَكَانَ قبل

стр. 199

ذَلِك بِقَلِيل أنكر أَمر المنجمين وَاجْتمعَ بِسيف الدّين جاغان فِي ذَلِك فِي حَال نيابته بِدِمَشْق وقيامه فَقَامَ نَائِب السلطنة وامتثل أمره وَقبل قَوْله وَالْتمس مِنْهُ كَثْرَة الِاجْتِمَاع بِهِ فَحصل بِسَبَب ذَلِك ضيق لجَماعَة مَعَ مَا كَانَ عِنْدهم قبل ذَلِك من كَرَاهِيَة الشَّيْخ وتألمهم لظُهُوره وَذكره الْحسن فانضاف شَيْء إِلَى أَشْيَاء وَلم يَجدوا مساغا إِلَى الْكَلَام فِيهِ لزهده وَعدم إقباله على الدُّنْيَا وَترك الْمُزَاحمَة على المناصب وَكَثْرَة علمه وجودة أجوبته وفتاويه وَمَا يظْهر فِيهَا من غزارة الْعلم وجودة الْفَهم فعمدوا إِلَى الْكَلَام فِي العقيدة لكَوْنهم يرجحون مَذْهَب

стр. 200

الْمُتَكَلِّمين فِي الصِّفَات وَالْقُرْآن على مَذْهَب السّلف ويعتقدونه الصَّوَاب فَأخذُوا الْجَواب الَّذِي كتبه وَعمِلُوا عَلَيْهِ أوراقا فِي رده ثمَّ سعوا السَّعْي الشَّديد إِلَى الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وَاحِدًا وَاحِدًا وَأغْروا خواطرهم وحرفوا الْكَلَام وكذبوا الْكَذِب الْفَاحِش وجعلوه يَقُول بالتجسيم حاشاه من ذَلِك وَأَنه قد أوعز ذَلِك الْمَذْهَب إِلَى أَصْحَابه وَأَن الْعَوام قد فَسدتْ عقائدهم بذلك وَلم يَقع من ذَلِك شَيْء وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَسعوا فِي ذَلِك سعيا شَدِيدا فِي أَيَّام كَثِيرَة الْمَطَر والوحل وَالْبرد وَسعوا فِي ذَلِك سعيا شَدِيدا فوافقهم جلال الدّين الْحَنَفِيّ قَاضِي الْحَنَفِيَّة يَوْمئِذٍ على ذَلِك وَمَشى مَعَهم إِلَى دَار الحَدِيث الأشرفية وَطلب حُضُوره وَأرْسل إِلَيْهِ فَلم يحضر وَأرْسل إِلَيْهِ فِي الْجَواب إِن العقائد لَيْسَ أمرهَا إِلَيْك وَإِن السُّلْطَان إِنَّمَا ولاك لتَحكم بَين النَّاس وَإِن إِنْكَار الْمُنْكَرَات لَيْسَ مِمَّا يخْتَص بِهِ القَاضِي فوصلت إِلَيْهِ هَذِه الرسَالَة فأغروا خاطره وشوشوا قلبه وَقَالُوا لم يحضر ورد عَلَيْك

стр. 201

فَأمر بالنداء على بطلَان عقيدته فِي الْبَلدة فَأجَاب إِلَى ذَلِك فَنُوديَ فِي بعض الْبَلَد ثمَّ بَادر سيف الدّين جاغان وَأرْسل طَائِفَة فَضرب الْمُنَادِي وَجَمَاعَة مِمَّن حوله وأخرق بهم فَرَجَعُوا مضروبين فِي غَايَة الإهانة ثمَّ طلب سيف الدّين جاغان من قَامَ فِي ذَلِك وسعي فِيهِ فدارت الرُّسُل والأعوان عَلَيْهِم فِي الْبَلَد فاختفوا واحتمى مقدمهم ببدر الدّين الأتابكي وَدخل عَلَيْهِ فِي دَاره وَسَأَلَ مِنْهُ أَن يجيره من ذَلِك فترفق فِي أمره إِلَى أَن سكن غضب سيف الدّين جاغان ثمَّ إِن الشَّيْخ جلس يَوْم الْجُمُعَة على عَادَته ثَالِث عشر الشَّهْر وَكَانَ تَفْسِيره فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ وَذكر الْحلم وَمَا يَنْبَغِي اسْتِعْمَاله وَكَانَ ميعادا جَلِيلًا ثمَّ إِنَّه اجْتمع بِالْقَاضِي إِمَام الدّين الشَّافِعِي وواعده لقِرَاءَة جزئه الَّذِي أجَاب فِيهِ وَهُوَ الْمَعْرُوف بالحموية فَاجْتمعُوا يَوْم السبت رَابِع عشر الشَّهْر من بكرَة النَّهَار إِلَى نَحْو الثُّلُث من لَيْلَة الْأَحَد ميعادا طَويلا مستمرا وقرئت فِيهِ جَمِيع العقيدة وَبَين مُرَاده من مَوَاضِع أشكلت وَلم يحصل إِنْكَار عَلَيْهِ من الْحَاكِم

стр. 202

وَلَا مِمَّن حضر الْمجْلس بِحَيْثُ انْفَصل عَنْهُم وَالْقَاضِي يَقُول كل من تكلم فِي الشَّيْخ يُعَزّر وانفصل عَنْهُم عَن طيبَة وَخرج وَالنَّاس ينتظرون مَا يسمعُونَ من طيب أخباره فوصل إِلَى دَاره فِي مَلأ كثير من النَّاس وَعِنْدهم استبشار وسرور بِهِ وَهُوَ فِي ذَلِك كُله ثَابت الجأش قوي الْقلب واثق بالنصر الإلهي لَا يلْتَفت إِلَى نصر مَخْلُوق وَلَا يعول عَلَيْهِ وَكَانَ سَعْيهمْ فِي حَقه أتم السَّعْي لم يبقوا مُمكنا من الِاجْتِمَاع بِمن يرتجون مِنْهُ أدنى نصر لَهُم وَتَكَلَّمُوا فِي حَقه بأنواع الْأَذَى وبأمور يستحي الْإِنْسَان من الله سُبْحَانَهُ أَن يحكيها فضلا عَن أَن يختلقها ويلفقها فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَالَّذين سعوا فِيهِ معروفون عندنَا وَعند كل أحد قد اشْتهر عَنْهُم هَذَا الْفِعْل الفظيع وَكَذَلِكَ من ساعدهم بقول أَو تشنيع أَو إغراء أَو إرْسَال رِسَالَة إو إِفْتَاء أَو شَهَادَة أَو أَذَى لبَعض أَصْحَاب الشَّيْخ وَمن يلوذ بِهِ أَو شتم أَو غيبَة أَو تشويش بَاطِن فَإِنَّهُ وَقع من ذَلِك شَيْء كثير من جمَاعَة كَثِيرَة وَرَأى جمَاعَة من الصَّالِحين والأخيار فِي هَذِه الْوَاقِعَة وعقيبها للشَّيْخ مرائي حَسَنَة جليلة لَو ضبطت كَانَت مجلدا تَاما انْتهى مَا ذكره

стр. 203

إِحْضَار الشَّيْخ بِمَجْلِس نَائِب السلطنة ومناقشته فِي العقيدة ثمَّ بعد هَذِه الْوَاقِعَة بِمدَّة كَثِيرَة وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثامن رَجَب من سنة خمس وَسَبْعمائة طلب الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وَطلب الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِلَى الْقصر إِلَى مجْلِس نَائِب السلطنة الأفرم فَاجْتمعُوا عِنْده وَسَأَلَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَحده عَن عقيدته وَقَالَ لَهُ هَذَا الْمجْلس عقد لَك وَقد ورد مرسوم السُّلْطَان أَن أَسأَلك عَن اعتقادك فأحضر الشَّيْخ عقيدته الواسطية وَقَالَ هَذِه كتبتها من نَحْو سبع سِنِين قبل مَجِيء التتار إِلَى الشأم فقرئت فِي الْمجْلس وَبحث فِيهَا وَبَقِي مَوَاضِع أخرت إِلَى مجْلِس آخر ثمَّ اجْتَمعُوا يَوْم الْجُمُعَة بعد الصَّلَاة ثَانِي عشر رَجَب الْمَذْكُور وَحضر المخالفون وَمَعَهُمْ الشَّيْخ صفي الدّين الْهِنْدِيّ وَاتَّفَقُوا على أَنه يتَوَلَّى المناظرة مَعَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَتكلم مَعَه

стр. 204

ثمَّ أَنهم رجعُوا عَنهُ وَاتَّفَقُوا على الشَّيْخ كَمَال الدّين بن الزملكاني فناظر الشَّيْخ وَبحث مَعَه وَطَالَ الْكَلَام وَخَرجُوا من هُنَاكَ وَالْأَمر قد انْفَصل وَقد أظهر الله من قيام الْحجَّة مَا أعز بِهِ أهل السّنة وَانْصَرف الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِلَى منزله وَاخْتلفت نقُول الْمُخَالفين للمجلس وحرفوه وَوَضَعُوا مقَالَة الشَّيْخ على غير موضعهَا وشنع ابْن الْوَكِيل وَأَصْحَابه بِأَن الشَّيْخ قد رَجَعَ عَن عقيدته فَالله الْمُسْتَعَان وَالَّذِي حمل نَائِب السلطنة على هَذَا الْفِعْل كتاب ورد عَلَيْهِ من مصر فِي هَذَا الْمَعْنى وَكَانَ الْقَائِم فِي ذَلِك بِمصْر القَاضِي ابْن مخلوف الْمَالِكِي وَالشَّيْخ نصر المنبجي والقروي واستعانوا بِرُكْن الدّين الجاشنكير ثمَّ بعد ذَلِك عزّر بعض الْقُضَاة بِدِمَشْق شخصا يلوذ بالشيخ تَقِيّ الدّين وَطلب جمَاعَة ثمَّ أطْلقُوا وَوَقع هرج فِي الْبَلَد وَكَانَ الْأَمِير نَائِب السلطنة قد خرج للصَّيْد وَغَابَ نَحْو جُمُعَة ثمَّ حضر وَكَانَ الْحَافِظ جمال الدّين الْمزي يقْرَأ صَحِيح البُخَارِيّ لأجل الاسْتِسْقَاء فَقَرَأَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب فِي أثْنَاء ذَلِك فصلا فِي الرَّد على الْجَهْمِية وَأَن الله فَوق الْعَرْش من كتاب أَفعَال

стр. 205

الْعباد تأليف البُخَارِيّ تَحت النسْر فَغَضب لذَلِك بعض الْفُقَهَاء الْحَاضِرين وَقَالُوا نَحن المقصودون بِهَذَا وَرفعُوا الْأَمر إِلَى قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي فَطَلَبه ورسم بحبسه فَبلغ ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فتألم لَهُ وَأخرجه من الْحَبْس بِيَدِهِ وَخرج إِلَى الْقصر إِلَى ملك الْأُمَرَاء وتخاصم هُوَ وَالْقَاضِي هُنَاكَ وَأثْنى على الشَّيْخ جمال الدّين وَغَضب القَاضِي وانزعج وَقَالَ لَئِن لم يرد إِلَى حبسي عزلت نَفسِي فأرضاه ملك الْأُمَرَاء بِأَن أعَاد الشَّيْخ جمال الدّين إِلَى حَبسه فاعتقله بالقوصية أَيَّامًا وَذكر الشَّيْخ تَقِيّ الدّين للنائب مَا وَقع فِي غيبته فِي حق بعض أَصْحَابه من الْأَذَى فرسم بِحَبْس جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن الْوَكِيل وَأمر فَنُوديَ فِي الْبَلَد إِنَّه من تكلم فِي العقائد حل دَمه وَمَاله وَنهب دَاره وحانوته وَقصد بذلك تسكين الْفِتَن وَالشَّر وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع شعْبَان عقد للشَّيْخ تَقِيّ الدّين مجْلِس ثَالِث بِالْقصرِ وَرَضي الْجَمَاعَة بالعقيدة وَفِي هَذَا الْيَوْم عزل قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين بن صصرى نَفسه عَن الحكم بِسَبَب كَلَام سَمعه من الشَّيْخ كَمَال الدّين بن الزملكاني لَا أحب حكايته

стр. 206

وَفِي الْيَوْم السَّادِس وَالْعِشْرين من شعْبَان ورد كتاب السُّلْطَان إِلَى القَاضِي باعادته إِلَى الحكم وَفِيه إِنَّا كُنَّا رسمنا بِعقد مجْلِس للشيوخ تَقِيّ الدّين وَقد بلغنَا مَا عقد لَهُ من الْمجَالِس وَأَنه على مَذْهَب السّلف وَمَا قصدنا بذلك إِلَّا بَرَاءَة ساحته ملخص مَا حصل للشَّيْخ فِي تِلْكَ الْمجَالِس وَقد ذكر الشَّيْخ ﵀ صُورَة مَا جرى فِي هَذِه الْمجَالِس مُلَخصا وعلق فِي ذَلِك شَيْئا مُخْتَصرا فَقَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَلَا ظهير وَلَا معِين وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُول الَّذِي أرْسلهُ إِلَى الْخلق أَجْمَعِينَ صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وعَلى سَائِر عباد الله الصَّالِحين أما بعد فقد سُئِلت غير مرّة أَن أكتب مَا حضرني ذكره مِمَّا جرى فِي الْمجَالِس الثَّلَاثَة المعقودة للمناظرة فِي أَمر الِاعْتِقَاد بِمُقْتَضى مَا ورد بِهِ كتاب السُّلْطَان من الديار المصرية إِلَى نَائِبه أَمِير الْبِلَاد لما سعى إِلَيْهِ قوم من الْجَهْمِية والاتحادية والرافضة وَغَيرهم من ذَوي

стр. 207

الأحقاد فَأمر الْأَمِير بِجمع الْقُضَاة الْأَرْبَعَة فضاة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَغَيرهم من نوابهم والمفتين والمشايخ مِمَّن لَهُ حُرْمَة وَبِه اعْتِدَاد وهم لَا يَدْرُونَ مَا قصد بِجَمْعِهِمْ فِي هَذَا الميعاد وَذَلِكَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثامن رَجَب الْمُبَارك عَام خمس وَسَبْعمائة فَقَالَ لي هَذَا الْمجْلس عقد لَك فقد ورد مرسوم السُّلْطَان أَن أَسأَلك عَن اعتقادك وَعَما كتبت بِهِ إِلَى الديار المصرية من الْكتب الَّتِي تَدْعُو بهَا النَّاس إِلَى الِاعْتِقَاد وَأَظنهُ قَالَ وَأَن أجمع الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء وتتباحثون فِي ذَلِك فَقلت أما الِاعْتِقَاد فَلَا يُؤْخَذ عني وَلَا عَمَّن هُوَ أكبر مني بل يُؤْخَذ عَن الله وَرَسُوله وَمَا أجمع عَلَيْهِ سلف الْأمة فَمَا كَانَ فِي الْقُرْآن وَجب اعْتِقَاده وَكَذَلِكَ مَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مثل صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَأما الْكتب فَمَا كتبت إِلَى أحد كتابا ابْتِدَاء أَدْعُوهُ بِهِ إِلَى شَيْء من ذَلِك ولكنني كتبت أجوبة أجبْت بهَا من يسألني من أهل الديار المصرية وَغَيرهم وَكَانَ قد بَلغنِي أَنه زور عَليّ كتاب إِلَى الْأَمِير ركن الدّين الجاشنكير أستاذ دَار السُّلْطَان يتَضَمَّن ذكر عقيدة محرفة وَلم أعلم بحقيقته لَكِن علمت أَن هَذَا مَكْذُوب وَكَانَ يرد عَليّ من مصر وَغَيرهَا من يسألني

стр. 208

مسَائِل فِي الِاعْتِقَاد أَو غَيره فَأُجِيبَهُ بِالْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ عيه سلف الْأمة فَقَالَ نُرِيد أَن تكْتب لنا عقيدتك فَقلت اكتبوا فَأمر الشَّيْخ كَمَال الدّين أَن يكْتب وكتبت لَهُ جمل الِاعْتِقَاد فِي أَبْوَاب الصِّفَات وَالْقدر ومسائل الْإِيمَان والوعيد والإمامة والتفضيل وَهُوَ أَن اعْتِقَاد أهل السّنة وَالْجَمَاعَة الْإِيمَان بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود وَالْإِيمَان بِأَن الله خَالق كل شَيْء من أَفعَال الْعباد وَغَيرهَا وَأَنه مَا شَاءَ الله كَانَ ومالم يَشَأْ لم يكن وَأَنه أَمر بِالطَّاعَةِ ورضيها وأحبها وَنهى عَن الْمعْصِيَة وكرهها وَالْعَبْد فَاعل حَقِيقَة وَالله خَالق فعله وَأَن الْأَيْمَان وَالدّين قَول وَعمل يزِيد وَينْقص وَأَن لَا نكفرأحدا من أهل الْقبْلَة بِالذنُوبِ وَلَا نخلد فِي النَّار من أهل الْإِيمَان أحدا وَأَن الْخُلَفَاء بعد رَسُول الله ﷺ أَبُو بكرثم عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ عَليّ

стр. 209

رَضِي الله عَنْهُم وَأَن مرتبتهم فِي الْفضل كمرتبتهم فِي الْخلَافَة وَمن قدم عليا على عُثْمَان فقد أزرى بالمهاجرين وَالْأَنْصَار وَذكرت هَذَا وَنَحْوه فَإِنِّي الْآن قد بعد عهدي وَلم أحفظ لفظ مَا أمليته إِذْ ذَاك ثمَّ قلت للأمير والحاضرين أَنا أعلم أَن أَقْوَامًا يكذبُون عَليّ كَمَا قد كذبُوا عَليّ غير مرّة وَإِن أمليت الِاعْتِقَاد من حفظي رُبمَا يَقُولُونَ كتم بعضه أَو داهن ودارى فانا احضر عقيدة مَكْتُوبَة من نَحْو سبع سِنِين قبل مَجِيء التتر إِلَى الشأم قلت قبل حُضُورهَا كلَاما قد بعد عهدي بِهِ وغضبت غَضبا شَدِيدا لكني أذكر أَنِّي قلت أَنا أعلم أَن أَقْوَامًا كذبُوا عَليّ وَقَالُوا للسطان أَشْيَاء وتكلمت بِكَلَام احتجت إِلَيْهِ مثل أَن قلت من قَامَ بِالْإِسْلَامِ فِي أَوْقَات الْحَاجة غَيْرِي وَمن الَّذِي أوضح دلائله وَبَينه وجاهد أعداءه وأقامه لما مَال حِين تخلى عَنهُ كل أحد فَلَا أحد ينْطق بحجته وَلَا أحد يُجَاهد عَنهُ وَقمت مظْهرا لحجته مُجَاهدًا عَنهُ مرغبا فِيهِ فَإِذا كَانَ هَؤُلَاءِ يطمعون فِي الْكَلَام فِي فَكيف يصنعون بغيري

стр. 210

وَلَو أَن يَهُودِيّا طلب من السُّلْطَان الْإِنْصَاف لوَجَبَ عَلَيْهِ أَن ينصفه وَأَنا قد أعفو عَن حَقي وَقد لَا أعفو بل قد أطلب الْإِنْصَاف مِنْهُ وَأَن يحضر هَؤُلَاءِ الَّذين يكذبُون ليحاققوا على افترائهم وَقلت كلَاما أطول من هَذَا من هَذَا الْجِنْس لَكِن بعد عهدي بِهِ فَأَشَارَ الْأَمِير إِلَى كَاتب الدرج محيي الدّين أَن يكْتب ذَلِك وَقلت أَيْضا كل من خالفني فِي شَيْء مِمَّا كتبته فَأَنا أعلم بمذهبه مِنْهُ وَمَا أَدْرِي هَل قلت هَذَا قبل حُضُورهَا أَو بعْدهَا لكنني قلت أَيْضا بعد حُضُورهَا وقراءتها مَا ذكرت فِيهَا فصلا إِلَّا وَفِيه مُخَالف من المنتسبين إِلَى الْقبْلَة وكل جملَة فِيهَا خلاف لطائفة من الطوائف ثمَّ أرْسلت من أحضرها وَمَعَهَا كراريس بخطي من الْمنزل فَحَضَرت العقيدة الواسطية وَقلت لَهُم هَذِه كَانَ سَبَب كتَابَتهَا أَنه قدم من ارْض وَاسِط بعض قُضَاة نَوَاحِيهَا شيخ يُقَال لَهُ رَضِي الدّين الوَاسِطِيّ قدم علينا حَاجا وَكَانَ من أهل الخيروالدين وشكا مَا النَّاس فِيهِ بِتِلْكَ الْبِلَاد

стр. 211

وَفِي دولة التتر من غَلَبَة الْجَهْل وَالظُّلم ودروس الدّين وَالْعلم وسألني أَن أكتب لَهُ عقيدة تكون عُمْدَة لَهُ وَلأَهل بَيته فاستغفيت من ذَلِك وَقلت قد كتب النَّاس عقائد مُتعَدِّدَة فَخذ بعض عقائد أَئِمَّة السّنة فألح فِي السُّؤَال وَقَالَ مَا أحب إِلَّا عقيدة تَكْتُبهَا أَنْت فَكتبت لَهُ هَذِه العقيدة وَأَنا قَاعد بعد الْعَصْر وَقد انتشرت بهَا نسخ كَثِيرَة فِي مصر وَالْعراق وَغَيرهمَا فَأَشَارَ الْأَمِير بِأَن لَا أقرأها أَنا لرفع الرِّيبَة وَأَعْطَاهَا لكَاتبه الشَّيْخ كَمَال الدّين فقرأها على الْحَاضِرين حرفا حرفا وَالْجَمَاعَة الْحَاضِرُونَ يسمعونها ويورد المورد مِنْهُم مَا شَاءَ ويعارض فِيمَا شَاءَ والأمير أَيْضا يسْأَل عَن مَوَاضِع فِيهَا وَقد علم النَّاس مَا كَانَ فِي نفوس طَائِفَة من الْحَاضِرين من الْخلاف والهوى مَا قد علم النَّاس بعضه وَبَعضه بِسَبَب الِاعْتِقَاد وَبَعضه بِغَيْر ذَلِك وَلَا يُمكن ذكر مَا جرى من الْكَلَام والمناظرات فِي هَذِه الْمجَالِس فَإِنَّهُ كثير لَا يَنْضَبِط لَكِن أكتب ملخص مَا حضرني من ذَلِك مَعَ بعد الْعَهْد بذلك

стр. 212

وَمَعَ أَنه كَانَ يجْرِي رفع أصوات ولغط لَا يَنْضَبِط فَكَانَ مِمَّا اعْترض عَلَيْهِ بَعضهم لما ذكر فِي أَولهَا وَمن الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَوَصفه بِهِ رَسُوله مُحَمَّد ص من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل فَقَالَ مَا المُرَاد بالتحريف والتعطيل ومقصوده أَن هَذَا يَنْفِي التَّأْوِيل الَّذِي يُثبتهُ أهل التَّأْوِيل الَّذِي هُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره إِمَّا وجوبا وَإِمَّا جَوَازًا فَقلت تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه كَمَا ذمه الله فِي كِتَابه وَهُوَ إِزَالَة اللَّفْظ عَمَّا دلّ عَلَيْهِ من الْمَعْنى مثل تَأْوِيل بعض الْجَهْمِية لقَوْله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ أَي جرحه بأظافير الْحِكْمَة تجريحا وَمثل تأويلات القرامطة والباطنية وَغَيرهم من الْجَهْمِية والرافضة والقدرية وَغَيرهم فَسكت وَفِي نَفسه مَا فِيهَا وَذكرت فِي غير هَذَا الْمجْلس أَنِّي عدلت عَن لفظ التَّأْوِيل إِلَى لفظ التحريف لِأَن التحريف اسْم جَاءَ الْقُرْآن بذمه وَأَنا تحريت فِي هَذِه العقيدة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة فنفيت مَا ذمه الله من التحريف وَلم أذكر فِيهَا لفظ التَّأْوِيل بِنَفْي وَلَا إِثْبَات لِأَنَّهُ لفظ لَهُ عدَّة معَان كَمَا بَينته فِي مَوْضِعه من الْقَوَاعِد فَإِن معنى لفظ التَّأْوِيل

стр. 213

فِي كتاب الله غير معنى لفظ التَّأْوِيل فِي اصْطِلَاح الْمُتَأَخِّرين من أهل الْأُصُول وَالْفِقْه وَغير معنى لفظ التَّأْوِيل فِي اصْطِلَاح كثير من أهل التَّفْسِير وَالسَّلَف وَلِأَن من الْمعَانِي الَّتِي قد تسمى تَأْوِيلا مَا هُوَ

стр. 214

صَحِيح مَنْقُول عَن بعض السّلف فَلم أنف مَا تقوم الْحجَّة على صِحَّته إِذْ مَا قَامَت الْحجَّة على صِحَّته وَهُوَ مَنْقُول عَن السّلف فَلَيْسَ من التحريف وَقلت لَهُ أَيْضا ذكرت فِي النَّفْي التَّمْثِيل وَلم أذكر التَّشْبِيه

стр. 215

لِأَن التَّمْثِيل نَفَاهُ الله بِنَصّ كِتَابه حَيْثُ قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ فَكَانَ أحب إِلَيّ من لفظ لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ وَإِن كَانَ قد يعْنى بنفيه معنى صَحِيح كَمَا قد يعْنى بِهِ معنى فَاسد وَلما ذكرت أَنهم لَا ينفون عَنهُ مَا وصف بِهِ نَفسه وَلَا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه وَلَا يلحدون فِي أَسمَاء الله وآياته جعل بعض الْحَاضِرين يمتعض من ذَلِك لاستشعاره مَا فِي ذَلِك من الرَّد لما هُوَ عَلَيْهِ وَلَكِن لم يتَوَجَّه لَهُ مَا يَقُوله وَأَرَادَ أَن يَدُور عَليّ بالأسئلة الَّتِي أعلمها فَلم يتَمَكَّن لعلمه بِالْجَوَابِ وَلما ذكرت آيَة الْكُرْسِيّ أَظن سَأَلَ الْأَمِير عَن قَوْلنَا لَا يقربهُ شَيْطَان حَتَّى يصبح فَذكرت لَهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي الَّذِي كَانَ يسرق صَدَقَة الْفطر وَذكرت أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ فِي صَحِيحه
следующие страницы →