Полный текст (517 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَفِي دولة التتر من غَلَبَة الْجَهْل وَالظُّلم ودروس الدّين وَالْعلم وسألني أَن أكتب لَهُ عقيدة تكون عُمْدَة لَهُ وَلأَهل بَيته
فاستغفيت من ذَلِك وَقلت قد كتب النَّاس عقائد مُتعَدِّدَة فَخذ بعض عقائد أَئِمَّة السّنة فألح فِي السُّؤَال وَقَالَ مَا أحب إِلَّا عقيدة تَكْتُبهَا أَنْت
فَكتبت لَهُ هَذِه العقيدة وَأَنا قَاعد بعد الْعَصْر
وَقد انتشرت بهَا نسخ كَثِيرَة فِي مصر وَالْعراق وَغَيرهمَا
فَأَشَارَ الْأَمِير بِأَن لَا أقرأها أَنا لرفع الرِّيبَة وَأَعْطَاهَا لكَاتبه الشَّيْخ كَمَال الدّين
فقرأها على الْحَاضِرين حرفا حرفا وَالْجَمَاعَة الْحَاضِرُونَ يسمعونها ويورد المورد مِنْهُم مَا شَاءَ ويعارض فِيمَا شَاءَ والأمير أَيْضا يسْأَل عَن مَوَاضِع فِيهَا
وَقد علم النَّاس مَا كَانَ فِي نفوس طَائِفَة من الْحَاضِرين من الْخلاف والهوى مَا قد علم النَّاس بعضه وَبَعضه بِسَبَب الِاعْتِقَاد وَبَعضه بِغَيْر ذَلِك
وَلَا يُمكن ذكر مَا جرى من الْكَلَام والمناظرات فِي هَذِه الْمجَالِس فَإِنَّهُ كثير لَا يَنْضَبِط
لَكِن أكتب ملخص مَا حضرني من ذَلِك مَعَ بعد الْعَهْد بذلك
стр. 212
وَمَعَ أَنه كَانَ يجْرِي رفع أصوات ولغط لَا يَنْضَبِط فَكَانَ مِمَّا اعْترض عَلَيْهِ بَعضهم لما ذكر فِي أَولهَا وَمن الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَوَصفه بِهِ رَسُوله مُحَمَّد ص من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَمْثِيل
فَقَالَ مَا المُرَاد بالتحريف والتعطيل
ومقصوده أَن هَذَا يَنْفِي التَّأْوِيل الَّذِي يُثبتهُ أهل التَّأْوِيل الَّذِي هُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره إِمَّا وجوبا وَإِمَّا جَوَازًا
فَقلت تَحْرِيف الْكَلم عَن موَاضعه كَمَا ذمه الله فِي كِتَابه وَهُوَ إِزَالَة اللَّفْظ عَمَّا دلّ عَلَيْهِ من الْمَعْنى مثل تَأْوِيل بعض الْجَهْمِية لقَوْله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ أَي جرحه بأظافير الْحِكْمَة تجريحا
وَمثل تأويلات القرامطة والباطنية وَغَيرهم من الْجَهْمِية والرافضة والقدرية وَغَيرهم فَسكت وَفِي نَفسه مَا فِيهَا
وَذكرت فِي غير هَذَا الْمجْلس أَنِّي عدلت عَن لفظ التَّأْوِيل إِلَى لفظ التحريف لِأَن التحريف اسْم جَاءَ الْقُرْآن بذمه وَأَنا تحريت فِي هَذِه العقيدة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة فنفيت مَا ذمه الله من التحريف وَلم أذكر فِيهَا لفظ التَّأْوِيل بِنَفْي وَلَا إِثْبَات لِأَنَّهُ لفظ لَهُ عدَّة معَان كَمَا بَينته فِي مَوْضِعه من الْقَوَاعِد فَإِن معنى لفظ التَّأْوِيل
стр. 213
فِي كتاب الله غير معنى لفظ التَّأْوِيل فِي اصْطِلَاح الْمُتَأَخِّرين من أهل الْأُصُول وَالْفِقْه وَغير معنى لفظ التَّأْوِيل فِي اصْطِلَاح كثير من أهل التَّفْسِير وَالسَّلَف وَلِأَن من الْمعَانِي الَّتِي قد تسمى تَأْوِيلا مَا هُوَ
стр. 214
صَحِيح مَنْقُول عَن بعض السّلف فَلم أنف مَا تقوم الْحجَّة على صِحَّته إِذْ مَا قَامَت الْحجَّة على صِحَّته وَهُوَ مَنْقُول عَن السّلف فَلَيْسَ من التحريف
وَقلت لَهُ أَيْضا ذكرت فِي النَّفْي التَّمْثِيل وَلم أذكر التَّشْبِيه
стр. 215
لِأَن التَّمْثِيل نَفَاهُ الله بِنَصّ كِتَابه حَيْثُ قَالَ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ فَكَانَ أحب إِلَيّ من لفظ لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ وَإِن كَانَ قد يعْنى بنفيه معنى صَحِيح كَمَا قد يعْنى بِهِ معنى فَاسد
وَلما ذكرت أَنهم لَا ينفون عَنهُ مَا وصف بِهِ نَفسه وَلَا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه وَلَا يلحدون فِي أَسمَاء الله وآياته
جعل بعض الْحَاضِرين يمتعض من ذَلِك لاستشعاره مَا فِي ذَلِك من الرَّد لما هُوَ عَلَيْهِ وَلَكِن لم يتَوَجَّه لَهُ مَا يَقُوله
وَأَرَادَ أَن يَدُور عَليّ بالأسئلة الَّتِي أعلمها فَلم يتَمَكَّن لعلمه بِالْجَوَابِ وَلما ذكرت آيَة الْكُرْسِيّ أَظن سَأَلَ الْأَمِير عَن قَوْلنَا لَا يقربهُ شَيْطَان حَتَّى يصبح
فَذكرت لَهُ حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ فِي الَّذِي كَانَ يسرق صَدَقَة الْفطر وَذكرت أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ فِي صَحِيحه
стр. 216
وَأخذُوا يذكرُونَ نفي التَّشْبِيه والتجسيم ويطنبون فِي هَذَا ويعرضون بِمَا ينْسبهُ بعض النَّاس إِلَيْنَا من ذَلِك
فَقلت قولي من غير تكييف وَلَا تَمْثِيل يَنْفِي كل بَاطِل وَإِنَّمَا أخذت هذَيْن الاسمين لِأَن التكييف مأثور نَفْيه عَن السّلف كَمَا قَالَ ربيعَة وَمَالك وَابْن عُيَيْنَة وَغَيرهم الْمقَالة الَّتِي تلقاها الْعلمَاء بِالْقبُولِ الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة
فاتفق هَؤُلَاءِ على أَن الكيف غير مَعْلُوم لنا فنفيت ذَلِك
стр. 217
اتبَاعا لسلف الْأمة وَهُوَ أَيْضا منفي بِالنَّصِّ فَإِن تَأْوِيل آيَات الصِّفَات يدْخل فِيهَا حَقِيقَة الْمَوْصُوف وَحَقِيقَة صِفَاته وَهَذَا من التَّأْوِيل الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله كَمَا قد قررت ذَلِك فِي قَاعِدَة مُفْردَة ذكرتها فِي التَّأْوِيل وَالْمعْنَى وَالْفرق بَين علمنَا بِمَعْنى الْكَلَام وَبَين علمنَا بتأويله
وَكَذَلِكَ التَّمْثِيل ينفى بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع الْقَدِيم مَعَ دلَالَة الْعقل على نَفْيه وَنفي التكييف إِذْ كنه الْبَارِي تَعَالَى غير مَعْلُوم للبشر
وَذكرت فِي ضمن ذَلِك كَلَام الْخطابِيّ الَّذِي نقل أَنه مَذْهَب السّلف وَهُوَ إِجْرَاء آيَات الصِّفَات وأحاديثها على ظَاهرهَا مَعَ نفي الْكَيْفِيَّة والتشبيه عَنْهَا إِذْ الْكَلَام فِي الصِّفَات فرع عَن الْكَلَام فِي الذَّات يحتذى فِيهِ حذوه وَيتبع فِيهِ مِثَاله فَإِذا كَانَ إِثْبَات الذَّات إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات تكييف فَكَذَلِك إِثْبَات الصِّفَات إِثْبَات وجود لَا إِثْبَات تكييف
فَقَالَ أحد كبراء الْمُخَالفين فَحِينَئِذٍ يجوز أَن يُقَال هُوَ جسم لَا كالأجسام
فَقلت لَهُ أَنا وَبَعض الْفُضَلَاء الْحَاضِرين إِنَّمَا قيل إِنَّه يُوصف الله بِمَا وصف بِهِ نَفسه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله ﷺ وَلَيْسَ فِي الْكتاب وَالسّنة أَن الله جسم حَتَّى يلْزم هَذَا السُّؤَال
وَأخذ بعض الْقُضَاة الْحَاضِرين والمعروفين بالديانة يُرِيد إِظْهَار أَن
стр. 218
يَنْفِي عَنَّا مَا يَقُوله فَجعل يزِيد فِي الْمُبَالغَة فِي نفي التَّشْبِيه والتجسيم
فَقلت قد ذكر فِيهَا فِي غير مَوضِع من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل
وَقلت فِي صدرها وَمن الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بِمَا وصف الله بِهِ نَفسه فِي كِتَابه وَبِمَا وَصفه بِهِ رَسُوله مُحَمَّد ﷺ من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل
ثمَّ قلت وَمَا وصف الرَّسُول بِهِ ربه من الْأَحَادِيث الصِّحَاح الَّتِي تلقاها أهل الْمعرفَة بِالْقبُولِ وَجب الْإِيمَان بهَا كَذَلِك
إِلَى أَن قلت إِلَى امثال هَذِه الْأَحَادِيث الصِّحَاح الَّتِي يخبر فِيهَا رَسُول الله ﷺ بِمَا يخبر بِهِ فَإِن الْفرْقَة النَّاجِية أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يُؤمنُونَ بذلك كَمَا يُؤمنُونَ بِمَا أخبر الله بِهِ فِي كِتَابه من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تكييف وَلَا تَمْثِيل بل هم الْوسط فِي فرق الْأمة كَمَا أَن الْأمة هِيَ الْوسط فِي الْأُمَم فَهُوَ وسط فِي بَاب صِفَات الله بَين أهل التعطيل الْجَهْمِية وَأهل التَّمْثِيل المشبهة
وَلما رأى هَذَا الْحَاكِم الْعدْل تمالؤهم وتعصبهم وَرَأى قلَّة المعاون مِنْهُم والناصر وخافهم قَالَ أَنْت قد صنفت اعْتِقَاد الإِمَام أَحْمد فَنَقُول هَذَا اعْتِقَاد أَحْمد
стр. 219
يَعْنِي وَالرجل يصنف على مذْهبه فَلَا يعْتَرض عَلَيْهِ فَإِن هَذَا مَذْهَب متبوع
وغرضه بذلك قطع مخاصمة الْخُصُوم
فَقلت مَا جمعت إِلَّا عقيدة السّلف الصَّالح جَمِيعهم لَيْسَ للْإِمَام أَحْمد اخْتِصَاص بِهَذَا وَالْإِمَام أَحْمد إِنَّمَا هُوَ مبلغ الْعلم الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِي ﷺ وَلَو قَالَ أَحْمد من تِلْقَاء نَفسه مَا لم يجىء بِهِ الرَّسُول ﷺ لم نقبله وَهَذِه عقيدة مُحَمَّد ﷺ
وَقلت مَرَّات قد أمهلت كل من خالفني فِي شَيْء مِنْهَا ثَلَاث سِنِين فَإِن جَاءَ بِحرف وَاحِد عَن الْقُرُون الثَّلَاثَة الَّتِي أثنى عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ حَيْثُ قَالَ خير الْقُرُون الْقرن الَّذِي بعثت فيهم ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ يُخَالف مَا ذكرته فَأَنا أرجع عَن ذَلِك وَعلي أَن آتِي بنقول جَمِيع الطوائف من الْقُرُون الثَّلَاثَة توَافق مَا ذكرته من الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية والأشعرية والصوفية وَأهل الحَدِيث وَغَيرهم
стр. 220
وَقلت أَيْضا فِي غير هَذَا الْمجْلس الإِمَام أَحْمد ﵁ لما انْتهى إِلَيْهِ من السّنة ونصوص رَسُول الله ﷺ أَكثر مِمَّا انتهي إِلَى غَيره وابتلي بالمحنة وَالرَّدّ على أهل الْبدع أَكثر من غَيره كَانَ كَلَامه وَعَمله فِي هَذَا الْبَاب أَكثر من غَيره فَصَارَ إِمَامًا فِي السّنة أظهر من غَيره وَإِلَّا فَالْأَمْر كَمَا قَالَه بعض شُيُوخ المغاربة الْعلمَاء الصلحاء قَالَ الْمَذْهَب لمَالِك وَالشَّافِعِيّ والظهور لِأَحْمَد بن حَنْبَل
يَعْنِي أَن الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَحْمد عَلَيْهِ جَمِيع أَئِمَّة الْإِسْلَام وَإِن كَانَ لبَعْضهِم من زِيَادَة الْعلم وَالْبَيَان وَإِظْهَار الْحق وَدفع الْبَاطِل مَا لَيْسَ لبَعض
وَلما جَاءَ حَدِيث أبي سعيد الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ يَقُول الله يَوْم الْقِيَامَة يَا آدم فَيَقُول لبيْك وَسَعْديك فينادى بِصَوْت إِن الله يَأْمُرك أَن تبْعَث بعثا إِلَى النَّار الحَدِيث
стр. 221
سَأَلَهُمْ الْأَمِير هَل هَذَا الحَدِيث صَحِيح
فَقلت نعم هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلم يخالفوا فِي ذَلِك وَاحْتَاجَ المنازع إِلَى الْإِقْرَار بِهِ
وَطلب الْأَمِير الْكَلَام فِي مَسْأَلَة الْحَرْف وَالصَّوْت لِأَن ذَلِك طلب مِنْهُ
فَقلت هَذَا الَّذِي يحكيه كثير من النَّاس عَن الإِمَام احْمَد وَأَصْحَابه أَن صَوت القارئين ومداد الْمَصَاحِف قديم أزلي كذب مفترى لم يقل ذَلِك أَحْمد وَلَا أحد من عُلَمَاء الْمُسلمين
وأخرجت كراسا كَانَ قد أحضر مَعَ العقيدة وَفِيه مَا ذكره
стр. 222
الشَّيْخ أَبُو بكر الْحَلَال فِي كتاب السّنة عَن الإِمَام أَحْمد وَمَا جمعه صَاحبه أَبُو بكر الْمروزِي من كَلَام أَحْمد وَكَلَام أَئِمَّة زَمَانه فِي أَن من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي وَمن قَالَ غير مَخْلُوق فَهُوَ مُبْتَدع قلت فَكيف بِمن يَقُول لَفْظِي قديم فَكيف بِمن يَقُول صوتي غير مَخْلُوق فَكيف بِمن يَقُول صوتي قديم
وأحضرت جَوَاب مَسْأَلَة كنت سُئِلت قَدِيما عَنْهَا فِيمَن حلف بِالطَّلَاق فِي مَسْأَلَة الْحَرْف وَالصَّوْت وَمَسْأَلَة الظَّاهِر فِي الْعَرْش وَقلت هَذَا جوابي
стр. 223
وَكَانَت هَذِه الْمَسْأَلَة قد أرسل بهَا طَائِفَة من المعاندين المتجهمة مِمَّن كَانَ بَعضهم حَاضرا فِي الْمجْلس فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم الْجَواب أسكتهم
وَكَانُوا قد ظنُّوا أَنِّي إِن أجبْت بِمَا فِي ظنهم أَن أهل السّنة تَقوله حصل مقصودهم من الشناعة وَإِن أجبْت بِمَا يَقُولُونَهُ هم حصل مقصودهم من الْمُوَافقَة
فَلَمَّا أجِيبُوا بالفرقان الَّذِي عَلَيْهِ أهل السّنة وَلَيْسَ هُوَ مَا يَقُولُونَهُ هم وَلَا مَا ينقلونه عَن أهل السّنة إِذْ يَقُوله بعض الْجُهَّال بهتُوا لذَلِك
وَفِيه إِن الْقُرْآن كَلَام الله حُرُوفه ومعانيه لَيْسَ الْقُرْآن إسما لمُجَرّد الْحُرُوف وَلَا لمُجَرّد الْمعَانِي
وَلما جَاءَت مَسْأَلَة الْقُرْآن فَقلت وَمن الْإِيمَان بِهِ الْإِيمَان بِأَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود نَازع بَعضهم فِي كَونه مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود وطلبوا تَفْسِير ذَلِك
فَقلت أما هَذَا القَوْل فَهُوَ الْمَأْثُور الثَّابِت عَن السّلف مثل مَا نَقله عَمْرو بن دِينَار قَالَ أدْركْت النَّاس مُنْذُ سبعين سنة يَقُولُونَ الله الْخَالِق وَمَا سواهُ مَخْلُوق إِلَّا الْقُرْآن فَإِنَّهُ كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود وَقد جمع غير وَاحِد مَا فِي ذَلِك من الْآثَار عَن النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ
стр. 224
وَأما مَعْنَاهُ فَإِن قَوْله مِنْهُ بَدَأَ أَي هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ وَهُوَ الَّذِي أنزلهُ من لَدنه لَيْسَ هُوَ كَمَا تَقوله الْجَهْمِية إِنَّه خلق فِي الْهَوَاء أَو غَيره أَو بَدَأَ من عِنْد غَيره
وَأما إِلَيْهِ يعود فَإِنَّهُ يسري بِهِ فِي آخر الزَّمَان من الْمَصَاحِف والصدور فَلَا يبْقى فِي الصُّدُور مِنْهُ كلمة وَلَا فِي الْمَصَاحِف مِنْهُ حرف
وَوَافَقَ على ذَلِك غَالب الْحَاضِرين وَسكت المنازعون
وخاطبت بَعضهم فِي غير هَذَا الْمجْلس بِأَن أريته العقيدة الَّتِي جمعهَا الإِمَام الْقَادِر بِاللَّه الَّتِي فِيهَا إِن الْقُرْآن كَلَام الله خرج مِنْهُ فتوقف فِي هَذَا اللَّفْظ
فَقلت هَكَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ وَمَا تقرب الْعباد إِلَى الله بِمثل مَا خرج مِنْهُ يَعْنِي الْقُرْآن
стр. 225
وَقَالَ خباب بن الْأَرَت يَا هنتاه تقرب إِلَى الله بِمَا اسْتَطَعْت فَلَنْ تتقرب إِلَيْهِ بِشَيْء أحب إِلَيْهِ مِمَّا خرج مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو بكرالصديق ﵁ لما قرىء عَلَيْهِ قُرْآن مُسَيْلمَة الْكذَّاب فَقَالَ إِن هَذَا الْكَلَام لم يخرج من إل يَعْنِي رب
وَمِمَّا فِيهَا وَمن الْإِيمَان بِهِ الْإِيمَان بِأَن الْقُرْآن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يعود وَأَن الله تكلم بِهِ حَقِيقَة وَأَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي أنزلهُ الله على مُحَمَّد ﷺ هُوَ كَلَام الله حَقِيقَة لَا كَلَام غَيره وَلَا يجوز إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ حِكَايَة أَو عبارَة عَن كَلَام الله بل إِذا قَرَأَ النَّاس الْقُرْآن أَو كتبوه فِي الْمَصَاحِف لم يخرج بذلك عَن أَن يكون كَلَام الله فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا يُضَاف حَقِيقَة إِلَى من قَالَه مبتدئا لَا إِلَى من قَالَه مبلغا مُؤديا
فامتعض بَعضهم من كَونه إِثْبَات كَلَام الله حَقِيقَة بعد تَسْلِيمه أَن الله تكلم بِهِ حَقِيقَة ثمَّ إِنَّه سلم ذَلِك لما بَين لَهُ أَن الْمجَاز يَصح نَفْيه وَهَذَا لَا يَصح نَفْيه وَلما بَين لَهُ أَن أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين المأثورة
стр. 226
عَنْهُم وَشعر الشُّعَرَاء الْمُضَاف إِلَيْهِم هُوَ كَلَامهم حَقِيقَة فَلَا يكون نِسْبَة الْقُرْآن إِلَى الله بِأَقَلّ من ذَلِك
وَلما ذكر فِيهَا أَن الْكَلَام إِنَّمَا يُضَاف حَقِيقَة إِلَى من قَالَه مبتدئا لَا إِلَى من قَالَه مبلغا مُؤديا استحسنوا هَذَا الْكَلَام وعظموه وَأخذ أحد كبراء الْخُصُوم يظْهر تَعْظِيم هَذَا الْكَلَام وَأَنه أَزَال عَنهُ الشُّبُهَات وَيذكر أَشْيَاء من هَذَا النمط
وَلما جَاءَ ذكر مَا ذكر من الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر وتفصيله ونظمه استحسنوا ذَلِك وعظموه
وَكَذَلِكَ لما جَاءَ ذكر الْإِيمَان بِالْقدرِ وَأَنه على دَرَجَتَيْنِ إِلَى غير ذَلِك مِمَّا فِيهِ من الْقَوَاعِد الجليلة
وَكَذَلِكَ لما جَاءَ الْكَلَام فِي الْفَاسِق الملي وَفِي الْإِيمَان
لَكِن اعْترضُوا على ذَلِك بِمَا سأذكره
وَكَانَ مَجْمُوع مَا اعْترض بِهِ المنازعون المعاندون بعد انْقِضَاء قِرَاءَة جَمِيعهَا والبحث فِيهِ أَرْبَعَة أسئلة
السُّؤَال الأول قَوْلنَا وَمن أصُول الْفرْقَة النَّاجِية أَن الْإِيمَان وَالدّين قَول وَعمل يزِيد وَينْقص قَول الْقلب وَاللِّسَان وَعمل الْقلب وَاللِّسَان والجوارح
стр. 227
قَالُوا إِذا قيل إِن هَذَا من اصول الْفرْقَة النَّاجِية خرج عَن الْفرْقَة النَّاجِية من لم يقل بذلك مثل أَصْحَابنَا الْمُتَكَلِّمين الَّذين يَقُولُونَ إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق وَمن يَقُول إِن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَإِذا لم يَكُونُوا ناجين لزم أَن يَكُونُوا هالكين
وَأما الأسئلة الثَّلَاثَة وَهِي الَّتِي كَانَت عمدتهم فأوردوها على قَوْلنَا وَقد دخل فِيمَا ذَكرْنَاهُ من الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بِمَا أخبر الله بِهِ فِي كِتَابه وتواتر عَن رَسُوله ﷺ وَأجْمع عَلَيْهِ سلف الْأمة وَمن أَنه سُبْحَانَهُ فَوق سمواته وَأَنه على عَرْشه عَليّ على خلقه هُوَ مَعَهم أَيْنَمَا كَانُوا يعلم مَا هم عاملون كَمَا جمع بَين ذَلِك فِي قَوْله ﴿هُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا وَمَا ينزل من السَّمَاء وَمَا يعرج فِيهَا وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾
وَلَيْسَ معنى قَوْله ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ أَنه مختلط بالخلق فَإِن هَذَا لَا توجبه اللُّغَة وَهُوَ خلاف مَا أجمع عَلَيْهِ سلف الْأمة وَخلاف مَا فطر الله عَلَيْهِ الْخلق بل الْقَمَر آيَة من آيَات الله من أَصْغَر مخلوقاته وَهُوَ مَوْضُوع السَّمَاء وَهُوَ مَعَ الْمُسَافِر وَغير الْمُسَافِر أَيْنَمَا كَانَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوق
стр. 228
الْعَرْش رَقِيب على خلقه مهيمن عَلَيْهِم مطلع عَلَيْهِم إِلَى غير ذَلِك من مَعَاني ربوبيته
وكل هَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره الله من أَنه فَوق الْعَرْش وَأَنه مَعنا حق على حَقِيقَته لَا يحْتَاج إِلَى تَحْرِيف وَلَكِن يصان عَن الظنون الكاذبة
وَالسُّؤَال الأول قَالَ بَعضهم نقر بِاللَّفْظِ الْوَارِد مثل حَدِيث الْعَبَّاس ﵁ حَدِيث الأوعال وَالله فَوق الْعَرْش
стр. 229
وَلَا نقُول فَوق السَّمَوَات وَلَا نقُول على الْعَرْش
وَقَالُوا أَيْضا نقُول ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ وَلَا نقُول الله على الْعَرْش اسْتَوَى وَلَا قَول مستو
وأعادوا هَذَا الْمَعْنى مرَارًا أَي إِن اللَّفْظ الَّذِي ورد يُقَال اللَّفْظ بِعَيْنِه وَلَا يُبدل بِلَفْظ يرادفه وَلَا يفهم لَهُ معنى أصلا وَلَا يُقَال إِنَّه يدل على صفة لله أصلا
وانبسط الْكَلَام فِي هَذَا الْمجْلس الثَّانِي كَمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالسُّؤَال الثَّانِي قَالُوا التَّشْبِيه بالقمر فِيهِ تَشْبِيه كَون الله فِي السَّمَاء يكون الْقَمَر فِي السَّمَاء
السُّؤَال الثَّالِث قَالُوا قَوْلك حق على حَقِيقَته الْحَقِيقَة هِيَ الْمَعْنى اللّغَوِيّ وَلَا يفهم من الحقية إِلَّا اسْتِوَاء الْأَجْسَام وفوقيتها وَلم تضع الْعَرَب ذَلِك إِلَّا لَهَا فإثبات الْحَقِيقَة هُوَ مَحْض التجسيم وَنفي التجسيم مَعَ هَذَا تنَاقض أَو مصانعة
стр. 230
فأجبتهم عَن الأسئلة بِأَن قولي اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية هِيَ الْفرْقَة الَّتِي وصفهَا النَّبِي ﷺ بالنجاة حَيْثُ قَالَ تفترق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّار وَوَاحِدَة فِي الْجنَّة وَهِي من كَانَ على مثل مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي
فَهَذَا الِاعْتِقَاد هُوَ الْمَأْثُور عَن النَّبِي ﷺ واصحابه وهم وَمن اتبعهم الْفرْقَة النَّاجِية
فَإِنَّهُ قد ثَبت عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة أَنه قَالَ الْإِيمَان يزِيد وَينْقص
وكل مَا ذكرته فِي ذَلِك فَإِنَّهُ مأثور عَن الصَّحَابَة ﵃ بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَة لَفظه أَو مَعْنَاهُ وَإِذا خالفهم من بعدهمْ لم يضرني ذَلِك
ثمَّ قلت لَهُم وَلَيْسَ كل مُخَالف فِي شَيْء من هَذَا الِاعْتِقَاد يجب ان يكون هَالكا فَإِن المنازع قد يكون مُجْتَهدا مخطئا يغْفر الله لَهُ خطأه وَقد لَا يكون بلغه فِي ذَلِك من الْعلم مَا تقوم بِهِ عَلَيْهِ الْحجَّة وَقد يكون لَهُ من الْحَسَنَات مَا يمحو الله بِهِ سيئاته وَإِذا كَانَت أَلْفَاظ الْوَعيد المتناولة
стр. 231
لَهُ لَا يجب أَن يدْخل فِيهَا المتأول والتائب وَذُو الْحَسَنَات الماحية والمغفور لَهُ وَغير ذَلِك فَهَذَا أولى بل مُوجب هَذَا الْكَلَام أَن من اعْتقد ذَلِك نجا فِي هَذَا الِاعْتِقَاد وَمن اعْتقد ضِدّه فقد يكون ناجيا وَقد لَا يكون ناجيا كَمَا قَالَ من صمت نجا
وَأما السُّؤَال الثَّانِي فأجبتهم أَولا بِأَن كل لفظ قلته فَهُوَ مأثور عَن النَّبِي ﷺ مثل لفظ فَوق السَّمَوَات وَلَفظ على الْعَرْش وَفَوق الْعَرْش
وَقلت اكتبوا الْجَواب فَأخذ الْكَاتِب فِي كِتَابَته
ثمَّ قَالَ بعض الْجَمَاعَة قد طَال الْمجْلس الْيَوْم فيؤخر هَذَا إِلَى مجْلِس آخر
فتكتبون أَنْتُم الْجَواب وتحضرونه فِي ذَلِك الْمجْلس
وَأَشَارَ بعض الموافقين بِأَن يتمم الْكَلَام بِكِتَابَة الْجَواب لِئَلَّا تَنْتَشِر أسئلتهم واعتراضهم
وَكَأن الْخُصُوم كَانَ لَهُم غَرَض فِي تَأْخِير كِتَابَة الْجَواب ليستعدوا لأَنْفُسِهِمْ ويطالعوا ويحضروا من غَابَ من أَصْحَابهم ويتأملوا العقيدة فِيمَا بَينهم ليتمكنوا من الطعْن والاعتراض
стр. 232
فَحصل الِاتِّفَاق على أَن يكون تَمام الْكَلَام يَوْم الْجُمُعَة
وقمنا على ذَلِك
وَقد أظهر الله من قيام الْحجَّة وَبَيَان المحجة مَا أعز الله بِهِ السّنة وَالْجَمَاعَة وأرغم بِهِ أهل الْبِدْعَة والضلالة وَفِي نفوس كثير من النَّاس أُمُور لما يحدث فِي الْمجْلس الثَّانِي
وَأخذُوا فِي تِلْكَ الْأَيَّام يتأملونها ويتأملون مَا أُجِيب بِهِ فِي مسَائِل تتَعَلَّق بالاعتقاد مثل الْمَسْأَلَة الحموية فِي الاسْتوَاء وَالصِّفَات الخبرية وَغَيرهَا
فصل
فَلَمَّا كَانَ فِي الْمجْلس الثَّانِي يَوْم الْجُمُعَة بعد الصَّلَاة ثَانِي عشر رَجَب وَقد أحضروا أكبر شيوخهم مِمَّن لم يكن حَاضرا ذَلِك الْيَوْم وَبَحَثُوا فِيمَا بَينهم وَاتَّفَقُوا وتواطأوا وحضروا بِقُوَّة واستعداد غير مَا كَانُوا عَلَيْهِ لِأَن الْمجْلس الأول أَتَاهُم بَغْتَة وَإِن كَانَ أَيْضا بَغْتَة للمخاطب الَّذِي هُوَ الْمَسْئُول والمجيب والمناظر
стр. 233
فَلَمَّا اجْتَمَعنَا وَقد أحضرت مَا كتبته من الْجَواب على أسئلتهم الْمُتَقَدّمَة الَّتِي طلب تَأْخِيره إِلَى هَذَا الْيَوْم حمدت الله بِخطْبَة الْحَاجة خطْبَة ابْن مَسْعُود ﵁
ثمَّ قلت إِن الله أمرنَا بِالْجَمَاعَة والائتلاف ونهانا عَن الْفرْقَة وَالِاخْتِلَاف وَقَالَ لنا فِي الْقُرْآن ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا﴾ وَقَالَ ﴿إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء﴾ وَقَالَ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ وربنا وَاحِد وَكِتَابنَا وَاحِد وَنَبِينَا وَاحِد وأصول الدّين لَا تحْتَمل التَّفَرُّق وَالِاخْتِلَاف وَأَنا أَقُول مَا يُوجب الْجَمَاعَة بَين الْمُسلمين وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ بَين السّلف فَإِن وَافق الْجَمَاعَة فَالْحَمْد لله وَإِلَّا فَمن خالفني بعد ذَلِك كشفت لَهُ الْأَسْرَار وهتكت الأستار وبينت الْمذَاهب الْفَاسِدَة الَّتِي أفسدت الْملَل والدول وَأَنا أذهب إِلَى سُلْطَان الْوَقْت على الْبَرِيد وأعرفه
стр. 234
من الْأُمُور مَالا أقوله فِي هَذَا الْمجْلس فَإِن للسلم كلَاما وللحرب كلَاما
وَقلت لَا شكّ أَن النَّاس يتنازعون فَيَقُول هَذَا أَنا حنبلي وَيَقُول هَذَا أَنا أشعري وَيجْرِي بَينهم تفرق وَاخْتِلَاف على أُمُور لَا يعْرفُونَ حَقِيقَتهَا
وَأَنا قد أحضرت مَا بَين اتِّفَاق الْمذَاهب فِيمَا ذكرته وأحضرت كتاب تَبْيِين كذب المفتري فِيمَا ينْسب الى الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ تأليف الْحَافِظ أبي الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر
وَقلت لم ينصف فِي أَخْبَار الْأَشْعَرِيّ المحمودة كتاب مثل هَذَا وَقد ذكر فِيهِ لَفظه الَّذِي ذكره فِي كتاب الْإِبَانَة
فَلَمَّا انْتَهَيْت الى ذكر الْمُعْتَزلَة سَأَلَ الْأَمِير عَن معنى الْمُعْتَزلَة
فَقلت كَانَ النَّاس فِي قديم الزَّمَان قد اخْتلفُوا فِي الْفَاسِق الملى وَهُوَ أول اخْتِلَاف حدث فِي الْملَّة هَل هُوَ كَافِر أَو مُؤمن فَقَالَت الْخَوَارِج إِنَّه كَافِر وَقَالَت الْجَمَاعَة إِنَّه مُؤمن
فَقَالَت طَائِفَة نقُول هُوَ فَاسق لَا كَافِر وَلَا مُؤمن ننزله منزلَة بَين منزلتين وخلدوه فِي النَّار واعتزلوا حَلقَة الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَصْحَابه فسمووا معتزلة
فَقَالَ الشَّيْخ الْكَبِير بحبه ورد لَيْسَ كَمَا قلت وَلَكِن
стр. 235
وَأول من ابتدعها وَمَا كَانَ سَبَب ابتداعها
وَأَيْضًا فَمَا ذكره الشهرستاني لَيْسَ بِصَحِيح فِي اسْم الْمُتَكَلِّمين فَإِن الْمُتَكَلِّمين كَانُوا يسمون بِهَذَا الإسم قبل تنازعهم فِي مَسْأَلَة الْكَلَام وَكَانُوا يَقُولُونَ عَن وَاصل بن عَطاء إِنَّه مُتَكَلم ويصفونه بالْكلَام وَلم يكن النَّاس اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَة الْكَلَام
وَقلت أَنا وغيري إِنَّمَا هُوَ وَاصل بن عَطاء
قلت وواصل لم يكن بعد موت عَمْرو بن عبيد وَإِنَّمَا كَانَ قَرِيبه
وَقد رُوِيَ أَن واصلا تكلم مرّة بِكَلَام فَقَالَ عَمْرو بن عبيد لَو بعث نَبِي مَا كَانَ يتَكَلَّم بِأَحْسَن من هَذَا وفصاحته مَشْهُورَة حَتَّى قيل انه كَانَ ألثغ فَكَانَ يحْتَرز عَن الرَّاء حَتَّى قيل لَهُ أَمر الْأَمِير أَن يحْفر بِئْر فِي قَارِعَة الطَّرِيق فَقَالَ أوعز الْقَائِد أَن يقلب قليب فِي الجادة
قَالَ الشَّيْخ الْمُتَقَدّم فيهم لَا ريب أَن الإِمَام أَحْمد إِمَام عَظِيم الْقدر وَمن أكبر أَئِمَّة الْإِسْلَام لَكِن قد إنتسب إِلَيْهِ أنَاس ابتدعوا أَشْيَاء
فَقلت أما هَذَا فَحق وَلَيْسَ هَذَا من خَصَائِص أَحْمد بل مَا من إِمَام إِلَّا وَقد انتسب إِلَيْهِ اقوام هُوَ مِنْهُم بَرِيء قد إنتسب إِلَى مَالك
стр. 236
أول مَسْأَلَة إختلف فِيهَا الْمُسلمُونَ مَسْأَلَة الْكَلَام وَسمي المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم فِي ذَلِك وَكَانَ أول من قَالَهَا عَمْرو بن عبيد ثمَّ خَلفه بعد مَوته عَطاء بن وَاصل
هَكَذَا قَالَ وَذكر نَحوا من هَذَا
فَغضِبت عَلَيْهِ وَقلت أَخْطَأت وَهَذَا كذب مُخَالف للْإِجْمَاع
وَقلت لَهُ لَا أدب وَلَا فَضِيلَة لَا تأدبت معي فِي الْخطاب وَلَا أصبت فِي الْجَواب
ثمَّ قلت النَّاس اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَة الْكَلَام فِي خلَافَة الْمَأْمُون وَبعدهَا فِي أَوَاخِر الْمِائَة الثَّانِيَة وَأما الْمُعْتَزلَة فقد كَانُوا قبل ذَلِك بِكَثِير فِي زمن عَمْرو بن عبيد بعد موت الْحسن الْبَصْرِيّ فِي أَوَائِل الْمِائَة الثَّانِيَة وَلم يكن أُولَئِكَ قد تكلمُوا فِي مَسْأَلَة الْكَلَام وَلَا تنازعوا فِيهَا وَإِنَّمَا أول بدعتهم تكلمهم فِي مسَائِل الْأَحْكَام والأسماء والوعيد
فَقَالَ هَذَا ذكره الشهرستاني فِي كتاب الْملَل والنحل
فَقلت الشهرستاني ذكر ذَلِك فِي اسْم الْمُتَكَلِّمين لم سموا متكلمين لم يذكرهُ فِي اسْم الْمُعْتَزلَة والأمير انما سَأَلَ عَن اسْم الْمُعْتَزلَة
وَأنكر الْحَاضِرُونَ عَلَيْهِ
وَقَالَ غَلطت
وَقلت فِي ضمن كَلَامي أَنا أعلم كل بِدعَة حدثت فِي الْإِسْلَام
стр. 237
أنَاس مَالك بَرِيء مِنْهُم وانتسب الى الشَّافِعِي أنَاس هُوَ مِنْهُم بَرِيء وانتسب الى أبي حنيفَة أنَاس هُوَ بَرِيء مِنْهُم وَقد انتسب الى مُوسَى ﵇ أنَاس هُوَ بَرِيء مِنْهُم وانتسب الى عِيسَى ﵇ أنَاس هُوَ بَرِيء مِنْهُم وَقد انتسب الى عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أنَاس هُوَ برِئ مِنْهُم وَنَبِينَا ﷺ قد انتسب اليه القرامطة والباطنية وَغَيرهم من أَصْنَاف الملحدة وَالْمُنَافِقِينَ من هُوَ بَرِيء مِنْهُم
وَذكر فِي كَلَامه أَنه انتسب الى أَحْمد أنَاس من الحشوية والمشبهة وَنَحْو هَذَا الْكَلَام
فَقلت المشبهة والمجسمة فِي غير أَصْحَاب أَحْمد أَكثر مِنْهُم فيهم هَؤُلَاءِ أَصْنَاف الأكراد وَكلهمْ شافعية وَفِيهِمْ من التَّشْبِيه والتجسيم مَا لَا يُوجد فِي صنف آخر وَأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية
قلت وَأما الحنبلية الْمَحْضَة فَلَيْسَ فيهم من ذَلِك مَا فِي غَيرهم
وَكَانَ من تَمام الْجَواب أَن الكرامية المجسمة كلهم حنفية
وتكلمت على لفظ الحشوية مَا أَدْرِي جَوَابا عَن سُؤال الْأَمِير أَو غَيره أَو عَن غير جَوَاب
стр. 238
فَقلت هَذَا اللَّفْظ أول من ابتدعه الْمُعْتَزلَة فَإِنَّهُم يسمون الْجَمَاعَة والسواد الْأَعْظَم الحشو كَمَا تسميهم الرافضة الْجُمْهُور
وحشو النَّاس هم عُمُوم النَّاس وجمهورهم وهم غير الْأَعْيَان المتميزين يَقُولُونَ هَذَا من حَشْو النَّاس كَمَا يُقَال هَذَا من جمهورهم
وَأول من تكلم بِهَذَا عَمْرو بن عبيد وَقَالَ كَانَ عبد الله بن عمر حشويا فالمعتزلة سموا الْجَمَاعَة حَشْوًا كَمَا تسميهم الرافضة الْجُمْهُور
وَقلت لَا أَدْرِي فِي الْمجْلس الأول أَو الثَّانِي أول من قَالَ إِن الله جسم هِشَام بن الحكم الرافضي
وَقلت لهَذَا الشَّيْخ من فِي أَصْحَاب أَحْمد من الْأَعْيَان حشوي بِالْمَعْنَى الَّذِي تريده الْأَثْرَم أَبُو دَاوُد الْمروزِي الْخلال أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز أَبُو الْحسن التَّمِيمِي ابْن حَامِد القَاضِي أَبُو يعلى أَبُو الْخطاب ابْن عقيل
وَرفعت صوتي وَقلت سمهم قل لي من هم من هم
أيكذب ابْن الْخَطِيب وافترائه على النَّاس فِي مذاهبهم تبطل الشَّرِيعَة وتندرس معالم الدّين كَمَا نقل هُوَ وَغَيره عَنْهُم أَنهم يَقُولُونَ إِن الْقُرْآن الْقَدِيم هُوَ أصوات القارئين ومداد الْكَاتِبين وَأَن الصَّوْت
стр. 239
والمداد قديم أزلي من قَالَ هَذَا وَفِي أَي كتاب وجد هَذَا عَنْهُم قل لي
وكما نقل عَنْهُم أَن الله لَا يرى فِي الْآخِرَة باللزوم الَّذِي ادَّعَاهُ والمقدمة الَّتِي نقلهَا عَنْهُم
وَأخذت أذكر مَا يسْتَحقّهُ هَذَا الشَّيْخ من أَنه كَبِير الْجَمَاعَة وشيخهم وَأَن فِيهِ من الْعقل وَالدّين مَا يسْتَحق أَن يُعَامل بِمُوجبِه
وَأمرت بِقِرَاءَة العقيدة جَمِيعهَا عَلَيْهِ فانه لم يكن حَاضرا فِي الْمجْلس الأول وَإِنَّمَا أحضروه فِي الثَّانِي انتصارا بِهِ
وحَدثني الثِّقَة عَنهُ بعد خُرُوجه من الْمجْلس أَنه إجتمع بِهِ وَقَالَ لَهُ أَخْبرنِي عَن هَذَا الْمجْلس
فَقَالَ مَا لفُلَان ذَنْب وَلَا لي فان الْأَمِير سَأَلَ عَن شَيْء فَأَجَابَهُ عَنهُ فظننته سَأَلَ عَن شَيْء آخر
وَقَالَ قلت لَهُم مَا لكم على الرجل اعْتِرَاض فانه نصر ترك التَّأْوِيل وَأَنْتُم تنْصرُونَ قَول التَّأْوِيل وهما قَولَانِ للأشعري
وَقَالَ أَنا أخْتَار قَول ترك التَّأْوِيل وَأخرج وَصيته الَّتِي أوصى بهَا وفيهَا قَول ترك التَّأْوِيل
стр. 240
قَالَ الحاكي لي فَقلت لَهُ بَلغنِي عَنْك أَنَّك قلت فِي آخر الْمجْلس لما أشهد الْجَمَاعَة على أنفسهم بالموافقة لَا تكْتبُوا عني نفيا وَلَا إِثْبَاتًا فَلم ذَاك
فَقَالَ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَنِّي لم أحضر قِرَاءَة جَمِيع العقيدة فِي الْمجْلس الأول وَالثَّانِي لِأَن أَصْحَابِي طلبوني لينتصروا بِي فَمَا كَانَ يَلِيق أَن أظهر مخالفتهم فَسكت على الطَّائِفَتَيْنِ
وَأمرت غير مرّة أَن تُعَاد قِرَاءَة العقيدة جَمِيعهَا على هَذَا الشَّيْخ فَرَأى بعض الْجَمَاعَة أَن ذَلِك يطول وَأَنه لَا يقْرَأ عَلَيْهِ إِلَّا الْموضع الَّذِي لَهُم عَلَيْهِ سُؤال وأعظمه لفظ (الْحَقِيقَة) فقرأوه عَلَيْهِ
وَذكر هُوَ بحثا حسنا يتَعَلَّق بِدلَالَة اللَّفْظ فحسنته ومدحته عَلَيْهِ
وَقلت لَا ريب أَن الله حَيّ حَقِيقَة سميع حَقِيقَة بَصِير حَقِيقَة وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل السّنة والصفاتية من جَمِيع الطوائف وَلَو نَازع بعض أهل الْبدع فِي بعض ذَلِك فَلَا ريب أَن الله مَوْجُود والمخلوق مَوْجُود وَلَفظ الْوُجُود سَوَاء كَانَ مقولا عَلَيْهِمَا بطرِيق الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ فَقَط أَو بطرِيق التواطىء المتضمن للإشتراك لفظا وَمعنى أَو بالتشكيك الَّذِي هُوَ نوع من التواطىء فعلى كل قَول فَالله مَوْجُود حَقِيقَة والمخلوق مَوْجُود حَقِيقَة وَلَا يلْزم من اطلاق الإسم
стр. 241
على الْخَالِق والمخلوق بطرِيق الْحَقِيقَة مَحْذُور
وَلم أرجح فِي ذَلِك الْمقَام قولا من هَذِه الثَّلَاثَة على الآخر لِأَن غرضي يحصل على كل مَقْصُود
وَكَانَ مقصودي تَقْرِير مَا ذكرته على قَول جَمِيع الطوائف وَأَن أبين إتفاق السّلف وَمن تَبِعَهُمْ على مَا ذكرته وَأَن أَعْيَان الْمذَاهب الْأَرْبَعَة والأشعري وأكابر أَصْحَابه على مَا ذكرته
فانه قبل الْمجْلس الثَّانِي اجْتمع بِي من أكَابِر الشَّافِعِيَّة والمنتسبين الى الأشعرية وَالْحَنَفِيَّة وَغَيرهم مِمَّن عظم خوفهم من هَذَا الْمجْلس وخافوا إنتصار الْخُصُوم فِيهِ وخافوا على نُفُوسهم أَيْضا من تفرق الْكَلِمَة فَلَو أظهرت الْحجَّة الَّتِي ينتصر بهَا مَا ذكرته أولم يكن من أَئِمَّة أَصْحَابهم من يُوَافِقهَا لَصَارَتْ فرقة ولصعب عَلَيْهِم أَن يظهروا فِي الْمجَالِس الْعَامَّة الْخُرُوج عَن أَقْوَال طوائفهم لما فِي ذَلِك من تمكن أعدائهم من أغراضهم فاذا كَانَ من أَئِمَّة مذاهبهم من يَقُول ذَلِك وَقَامَت الْحجَّة عَلَيْهِ وَبَان أَنه مَذْهَب السّلف أمكنهم إِظْهَار القَوْل بِهِ مَعَ مَا يعتقدونه فِي الْبَاطِن من أَنه الْحق
حَتَّى قَالَ لي بعض الأكابر من الْحَنَفِيَّة وَقد إجتمع بِي
стр. 242
لَو قلت هَذَا مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل وَثَبت على ذَلِك لانقطع النزاع
ومقصوده أَنه يحصل دفع الْخُصُوم عَنْك بِأَنَّهُ مَذْهَب متبوع ويستريح الْمُنْتَصر والمنازع من إِظْهَار الْمُوَافقَة
فَقلت لَا وَالله لَيْسَ لِأَحْمَد بن حَنْبَل بِهَذَا إختصاص وَإِنَّمَا هَذَا إعتقاد سلف الْأمة وأئمة أهل الحَدِيث
وَقلت أَيْضا هَذَا إعتقاد رَسُول الله ﷺ وكل لفظ ذكرته فَأَنا أذكر بِهِ آيَة أَو حَدِيثا أَو إِجْمَاعًا سلفيا وأذكر من ينْقل الْإِجْمَاع عَن السّلف من جَمِيع طوائف الْمُسلمين أَتبَاع الْفُقَهَاء الْأَرْبَعَة والمتكلمين وَأهل الحَدِيث والصوفية
وَقلت لمن خاطبني من أكبر الشَّافِعِيَّة لأبين أَن مَا ذكرته هُوَ قَول السّلف وَقَول أَئِمَّة أَصْحَاب الشَّافِعِي وأذكر قَول الْأَشْعَرِيّ وأئمة أَصْحَابه الَّتِي ترد على هَؤُلَاءِ الْخُصُوم ولينتصرن كل شَافِعِيّ وكل من قَالَ بقول الْأَشْعَرِيّ الْمُوَافق لمَذْهَب السّلف وَأبين أَن القَوْل المحكي عَنهُ فِي تَأْوِيل الصِّفَات الخبرية قَول لَا أصل لَهُ فِي كَلَامه وَإِنَّمَا هُوَ قَول طَائِفَة من أَصْحَابه فللأشعرية قَولَانِ لَيْسَ للأشعري قَولَانِ
стр. 243
فَلَمَّا ذكرت فِي الْمجْلس أَن جَمِيع أَسمَاء الله الَّتِي يُسمى بهَا الْمَخْلُوق كَلَفْظِ الْوُجُود الَّذِي هُوَ مقول بِالْحَقِيقَةِ على الْوَاجِب والممكن على الْأَقْوَال الثَّلَاثَة تنَازع كبيران هَل هُوَ مقول بالإشتراك أَو بالتواطىء
فَقَالَ أَحدهمَا هُوَ متواطىء وَقَالَ الآخر هُوَ مُشْتَرك لِئَلَّا يلْزم التَّرْكِيب
وَقَالَ هَذَا قد ذكر فَخر الدّين أَن هَذَا النزاع مَبْنِيّ على أَن وجوده هَل هُوَ عين مَا هيته أم لَا
فَمن قَالَ إِن وجود كل شَيْء عين ماهيته قَالَ إِنَّه مقول بالاشتراك وَمن قَالَ إِن وجوده قدر زَائِد على ماهيته قَالَ إِنَّه مقول بالتواطىء
فَأخذ الأول يرجح قَول من يَقُول إِن الْوُجُود زَائِد على أَن الْمَاهِيّة لينصر أَنه مقول بالتواطىء
فَقَالَ الثَّانِي لَيْسَ مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَأهل السّنة أَن وجوده عين ماهيته
فَأنْكر الأول ذَلِك
فَقلت أما متكلموا أهل السّنة فعندهم أَن وجود كل شَيْء عين ماهيته وَأما القَوْل الآخر فَهُوَ قَول الْمُعْتَزلَة إِن وجود كل شَيْء
стр. 244
قدر زَائِد على ماهيته وكل مِنْهُمَا أصَاب من وَجه فان الصَّوَاب أَن هَذِه الْأَسْمَاء مقولة بالتواطىء كَمَا قد قَرّرته فِي غير هَذَا الْموضع
وأجبت عَن شُبْهَة التَّرْكِيب بالجوابين المعروفين
وَأما بِنَاء ذَلِك على كَون وجود الشَّيْء عين ماهيته أَو لَيْسَ عينهَا فَهُوَ من الْغَلَط الْمُضَاف إِلَى ابْن الْخَطِيب فانا وَإِن قُلْنَا إِن وجود الشَّيْء عين ماهيته لَا يجب أَن يكون الإسم مقولا عَلَيْهِ وعَلى نَظِيره الِاشْتِرَاك اللَّفْظِيّ فَقَط كَمَا فِي جَمِيع أَسمَاء الْأَجْنَاس فان إسم السوَاد مقول على هَذَا السوَاد وَهَذَا السوَاد بالتواطىء وَلَيْسَ عين هَذَا السوَاد هُوَ عين هَذَا السوَاد إِذْ الإسم دَال على الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا وَهُوَ الْمُطلق الْكُلِّي لكنه لَا يُوجد مُطلقًا كليا بِشَرْط الاطلاق إِلَّا فِي الذِّهْن وَلَا يلْزم من ذَلِك نفي الْقدر الْمُشْتَرك بَين الْأَعْيَان الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج فانه على ذَلِك تَنْتفِي الْأَسْمَاء المتواطئة وَهِي جُمْهُور الْأَسْمَاء الْمَوْجُودَة فِي اللُّغَات وَهِي أَسمَاء الْأَجْنَاس اللُّغَوِيَّة وَهُوَ الإسم الْمُطلق على الشَّيْء وعَلى كل مَا أشبهه سَوَاء كَانَ إسم عين أَو إسم صفة جَامِدا أَو مشتقا وَسَوَاء كَانَ جِنْسا منطقيا أَو فقهيا أَو لم يكن بل إسم الْجِنْس فِي اللُّغَة يدْخل فِيهِ الْأَصْنَاف والأجناس والأنواع وَنَحْو ذَلِك وَكلهَا أَسمَاء متواطئة وأعيان
стр. 245
مسمياتها فِي الْخَارِج متميزة
وَطلب بَعضهم إِعَادَة قِرَاءَة الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي العقيدة ليطعن فِي بَعْضهَا
فَعرفت مَقْصُوده فَقلت كَأَنَّك إستعددت لِلطَّعْنِ فِي حَدِيث الأوعال حَدِيث الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَكَانُوا قد تعنتوا حَتَّى ظفروا بِمَا تكلم بِهِ زكي الدّين عبد الْعَظِيم من قَول البُخَارِيّ فِي تَارِيخه عبد الله بن عميرَة لَا يعرف لَهُ سَماع من الْأَحْنَف
стр. 246
فَقلت هَذَا الحَدِيث مَعَ أَنه رَوَاهُ أهل السّنَن كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهم فَهُوَ مَرْوِيّ من طَرِيقين مشهورين فالقدح فِي أَحدهمَا لَا يقْدَح فِي الآخر
فَقَالَ أَلَيْسَ مَدَاره على ابْن عميرَة وَقد قَالَ البُخَارِيّ لَا يعرف لَهُ سَماع من الْأَحْنَف
فَقلت قد رَوَاهُ إِمَام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة فِي كتاب التَّوْحِيد الَّذِي إشترط فِيهِ أَنه لَا يحْتَج فِيهِ إِلَّا بِمَا نَقله الْعدْل عَن الْعدْل مَوْصُولا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 247
قلت وَالْإِثْبَات مقدم على النَّفْي وَالْبُخَارِيّ إِنَّمَا نفى مَعْرفَته لسماعه من الْأَحْنَف لم ينف معرفَة النَّاس بِهَذَا فاذا عرف غَيره كإمام الْأَئِمَّة ابْن خُزَيْمَة الْإِسْنَاد كَانَت مَعْرفَته وإثباته مقدما على نفي غَيره وَعدم مَعْرفَته وَوَافَقَ الْجَمَاعَة على ذَلِك
وَأخذ بعض الْجَمَاعَة يذكر من الْمَدْح مَا لَا يَلِيق أَن أحكيه
وَأخذُوا يناظرون فِي أَشْيَاء لم تكن فِي العقيدة وَلَكِن لَهَا تعلق بِمَا أجبْت بِهِ فِي مسَائِل وَلها تعلق بِمَا قد يفهمونه من العقيدة
فأحضر بعض أكابرهم كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات للبيهقي فَقَالَ هَذَا فِيهِ تَأْوِيل الْوَجْه عَن السّلف
فَقلت لَعَلَّك تَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾
فَقَالَ نعم قد قَالَ مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ يَعْنِي قبْلَة الله
стр. 248
فَقلت نعم هَذَا صَحِيح عَن مُجَاهِد وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا وَهَذَا حق وَلَيْسَت هَذِه الْآيَة من آيَات الصِّفَات وَمن عدهَا فِي الصِّفَات فقد غلط كَمَا فعل طَائِفَة فان سِيَاق الْكَلَام يدل على المُرَاد حَيْثُ قَالَ ﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ والمشرق وَالْمغْرب الْجِهَات وَالْوَجْه هُوَ الْجِهَة يُقَال أَي وَجه تُرِيدُ أَي أَي جِهَة وَأَنا أُرِيد هَذَا الْوَجْه أَي هَذِه الْجِهَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ وَلِهَذَا قَالَ ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ أَي تستقبلوا وتتوجهوا وَالله أعلم
هَذَا آخر مَا علقه الشَّيْخ فِيمَا يتَعَلَّق بالمناظرة بِحَضْرَة نَائِب السُّلْطَان والقضاة وَالْفُقَهَاء وَغَيرهم بِالْقصرِ
كتاب السُّلْطَان بإرسال الشَّيْخ إِلَى مصر
وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ خَامِس شهر رَمَضَان من سنة خمس وَسَبْعمائة وصل كتاب السُّلْطَان بالكشف عَمَّا كَانَ وَقع للشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي ولَايَة سيف الدّين جاغان وَفِي ولَايَة القَاضِي إِمَام الدّين وبإحضاره وإحضار القَاضِي نجم الدّين بن صصري إِلَى الديار المصرية
стр. 249
فَطلب نَائِب السلطنة الشَّيْخ وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء وسألهم عَن تِلْكَ الْوَاقِعَة وقرىء عَلَيْهِم المرسوم
فَأجَاب كل مِنْهُم بِمَا كَانَ عِنْده من تِلْكَ الْقَضِيَّة وَكتبه عَنْهُم صَاحب الدِّيوَان مُحي الدّين وَالْقَاضِي نجم الدّين إِلَى مصر على الْبَرِيد وَخرج مَعَ الشَّيْخ خلق كثير وَبكوا وخافوا عَلَيْهِ من أعدائه
واخبرت أَن نَائِب السلطنة كَانَ قد أَشَارَ على الشَّيْخ بترك التَّوَجُّه إِلَى مصر وَأَنه يُكَاتب فِي ذَلِك فَامْتنعَ الشَّيْخ من ذَلِك وَلم يقبل وَذكر أَن فِي توجهه إِلَى مصر مصَالح كَثِيرَة
وقرأت بِخَط بعض أَصْحَاب الشَّيْخ قَالَ
وَلما توجه الشَّيْخ فِي الْيَوْم الَّذِي توجه فِيهِ من دمشق المحروسة كَانَ يَوْمًا مشهودا غَرِيب الْمثل فِي كَثْرَة إزدحام النَّاس لوداعه ورؤيته حَتَّى إنتشروا من بَاب دَاره إِلَى قريب للجسورة فِيمَا بَين دمشق وَالْكِسْوَة الَّتِي هِيَ أول منزلَة مِنْهَا وهم مَا بَين باك وحزين ومتعجب ومتنزه ومزاحم متغال فِيهِ وَدخل الشَّيْخ مَدِينَة غَزَّة يَوْم السبت وَعمل فِي جَامعهَا مَجْلِسا عَظِيما
وَفِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان وصل الشَّيْخ وَالْقَاضِي
стр. 250
إِلَى الْقَاهِرَة
وَفِي ثَانِي يَوْم بعد صَلَاة الْجُمُعَة جمع الْقُضَاة وأكابر الدولة بالقلعة لمحفل وَأَرَادَ الشَّيْخ أَن يتَكَلَّم فَلم يكن من الْبَحْث وَالْكَلَام على عَادَته وانتدب لَهُ الشَّمْس ابْن عَدْلَانِ خصما احتسابا وَادّعى عَلَيْهِ القَاضِي ابْن مخلوف الْمَالِكِي أَنه يَقُول
إِن الله فَوق الْعَرْش حَقِيقَة وَإِن الله يتَكَلَّم بِحرف وَصَوت وَسَأَلَ جَوَابه
فَأخذ الشَّيْخ فِي حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ
فَقيل لَهُ أجب مَا جِئْنَا بك لتخطب
فَقَالَ وَمن الْحَاكِم فِي
فَقيل لَهُ القَاضِي الْمَالِكِي
قَالَ كَيفَ يحكم فِي وَهُوَ خصمي
وَغَضب غَضبا شَدِيدا وانزعج
فاقيم مرسما عَلَيْهِ وَحبس فِي برح أَيَّامًا
ثمَّ نقل مِنْهُ لَيْلَة عيد الْفطر إِلَى الْحَبْس الْمَعْرُوف بالجب هُوَ وأخواه شرف الدّين عبد الله وزين الدّين عبد الرَّحْمَن
ثمَّ إِن نَائِب السلطنة سيف الدّين سلارا بعد أَكثر من سنة
следующие страницы →