Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء وتنزع الْملك مِمَّن تشَاء وتعز من تشَاء تذل من تشَاء بِيَدِك الْخَيْر إِنَّك على كل شَيْء قدير تولج اللَّيْل فِي النَّهَار وتولج النَّهَار فِي اللَّيْل وَتخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وترزق من تشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾ . فسبحان الله من إِلَه حَكِيم قَادر، ومليك مقتدر قاهر، يُعْطي الْعَاجِز الحقير، ويمتع البطل الأيد الْكَبِير، وَيرْفَع الخامل الذَّلِيل، وَيَضَع ذَا الْعِزّ المنيع وَالْمجد الأثيل، ويعز المحتقر الطريد المجفو الشريد، ويذل أولى الْحَد الْحَدِيد، وَالْعد العديد، وأرباب الألوية والبنود، ومالكي أزمة العساكر والجنود، ويؤتي ملكه من لم يكن شَيْئا مَذْكُورا، وَلَا عرف لَهُ أيا نبيها وجدا مَشْهُورا، بل نَشأ كلا على مَوْلَاهُ وخادما لسواه، تجبهه وتشنؤه النَّاس، وَلَا يرعاه سَائِر الْأَجْنَاس، لَا يقدر على نفع نَفسه فضلا عَن الْغَيْر، وَلَا يَسْتَطِيع دفع مَا ينزل بِهِ من مساءة وضير، عَجزا وشقاء وخمولا واختفاء، وَينْزع نعت الْملك مِمَّن نِهَايَة أَسد الشري فِي غيلها، وتخضع لجلالته عتاة الْأَبْطَال يقظها وقيظيظها، وتختع لخنزوانة سُلْطَانه حماة الكماة بجمعها وجميعها، وتذل لسطونه مُلُوك الْجَبَابِرَة وأقبالها، ويأتمر بأوامره العساكر الْكَثِيرَة الْعدَد، ويقتدى بعوائده الْخَلَائق مدى الْأَبَد. وَالْحَمْد الله على حالتي مَنعه وعطائه، وابتلائه وبلائه، وسراته وضرائه، ونعمه وبأسائه، أهل الثَّنَاء وَالْمجد، ومستحق الشُّكْر وَالْحَمْد ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ ﴿بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَإِلَيْهِ ترجعون﴾ وَلَا إِلَه إِلَّا الله الْوَاحِد الْأَحَد، الْفَرد الصَّمد، الَّذِي ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَالله أكبر
стр. 2
﴿لَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وَلَا تدْرك من عَظمته الْعُقُول إِلَّا مَا أخبر بِهِ عَنهُ الرُّسُل والأنبياء. وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد الَّذِي أذهب الشّرك من الأكاسرة، ومحا بشر يعته عُظَمَاء الرّوم القياصرة، وأزال بملته الْأَصْنَام والأوثان، وَأحمد بظهوره بيُوت النيرَان، وَجمع لَهُ أسود الْعَرَب وَقد كَانَت فِي جزيرتها مُتَفَرِّقَة، وَلم ببركته شعثها بَعْدَمَا غبرت زَمَانا وَهِي متمزقة، وَألف قلوبها على موالاته وطاعته، وحبب إِلَيْهَا الْمُبَادرَة إِلَى مبايعته على الْمَوْت ومتابعته، فتواصلوا بعد القطيعة والتدابر، وتحابوا فِي الله كَأَن لم ينشئوا على الْبغضَاء والتنافر، حَتَّى صَارُوا بِاتِّبَاع مِلَّته، والاقتداء بِشَرِيعَتِهِ، من رِعَايَة الشَّاء الْبَعِير، إِلَى سياسة الجم الغقير، وَبعد اقتعاد سَنَام النَّاقة والعقود، وملازمة بَيت الشّعْر والعمود، وَأكل القيصوم وَالشَّيْخ، ونزول القفر الفسيح، إِلَى ارتقاء المنابر والسرير، وتوسد الأرائك على الْحَرِير، وارتباط المسومة الْجِيَاد، واقتناء مَا لَا يُحْصى من الخدع والعتاد، بِمَا فتح الله عَلَيْهِم من غَنَائِم مُلُوك الأَرْض، الَّذين أخذوهم بِالْقُوَّةِ والقهر، وحووا ممالكهم بتأييد الله لَهُم وَالنضْر، وأورثوها أَبنَاء أبنائهم، وأحفادهم وأحفاد أحفادهم، فَلَمَّا خالفوا مَا جَاءَهُم بِهِ رسولهم من الْهدى، أحلّهُم الرزايا المجيحة والردى، وسلط عَلَيْهِم من رعاع الغوغاء وآحاد الدهماء من ألحقهم يعد الْملك باهلك، وحطهم بعد الرّفْعَة، وأذلهم بعد المنعة، وصيرهم من رتب الْمُلُوك إِلَى حَالَة العَبْد الْمَمْلُوك، جَزَاء بِمَا اجترحوا من السَّيِّئَات، واقترفوا من الْكَبَائِر الموبقات، وَاسْتَحَلُّوا من الحرمات، واستهواهم بِهِ الشَّيْطَان من اتِّبَاع الشَّهَوَات، ولعتبر أولو البصائر والأفهام، ويخشى أهل النَّهْي مواقع نقم الله الْعَزِيز ذِي الانتقام، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ. أما بعد، فَإِنَّهُ لما يسر الله وَله الْحَمد، بإكمال كتاب ((عقد جَوَاهِر الأسفاط من أَخْبَار مَدِينَة الفساط)) ، وَكتاب ((اتعاظ الحنفاء بأخبار الْخُلَفَاء)) ، وهما يستملان على ذكر من ملك مصر من الْأُمَرَاء وَالْخُلَفَاء، وَمَا كَانَ فِي أيامهم من الْحَوَادِث والأنباء، مُنْذُ فتحت إِلَى أَن زَالَت الدولة الفاطمية وانقرضت، أَحْبَبْت أَن أصل ذَلِك بِذكر من ملك مصر بعدهمْ من الْمُلُوك الأكراد الأيوبية، والسلاطين المماليك التركية
стр. 3
والجركسية، فِي كتاب يحصر أخبارهم الشائعة، ويستقصى أعلامهم الذائعة، ويحوى أَكثر مَا فِي أيامهم من الْحَوَادِث والماجريات، غير معتن فِيهِ بالتراجم والوفيات، لِأَنِّي أفردت لَهَا تأليفا بديع الْمِثَال بعيد المنال، فألفت هَذَا الدِّيوَان، وسلكت فِيهِ التَّوَسُّط بَين الْإِكْثَار الممل والاختصار المخل، وسميته كتاب ((السلوك لمعْرِفَة دوَل الْمُلُوك)) . وَيَا لله أستعين فَهُوَ الْمعِين، وَبِه أعتضد فِيمَا أُرِيد وأعتمد، فَإِنَّهُ حسبى وَنعم الْوَكِيل.
فصل
ذكر مَا كَانَ عَلَيْهِ الكافة قبل قيام مِلَّة الْإِسْلَام اعْلَم أَن النَّاس كَانُوا بأجمعهم، قبل مبعث نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ، مَا بَين عَرَبِيّ وعجمي، سبع أُمَم كبار هم: الصين وهم فِي جنوب مشرق الأَرْض، والهند وهم فِي وسط جنوب الأَرْض، والسودان وَلَهُم جنوب مغرب الأَرْض ، والبربر وَلَهُم شمال مغرب الأَرْض، وَالروم وهم فِي وسط شمال الأَرْض، وَالتّرْك وهم فِي شمال مشرق الأَرْض، وَالْفرس وهم فِي وسط هَذِه الممالك، قد أحاطت بهم هَذِه الْأُمَم السِّت. وَكَانَت الْأُمَم كلهَا فِي قديم الدَّهْر، قبل ظُهُور الشَّرَائِع الدِّينِيَّة، صفا وَاحِد مسمين باسمين: سمنيين وكلدانيين، ثمَّ صَارُوا على خَمْسَة أَدْيَان، وَهِي الصابئة، وَالْمَجُوس، وَالَّذين أشركوا، وَالْيَهُود، وَالنَّصَارَى. فَأَما الصابئة: فَإِنَّهَا الَّتِي تعبد الْكَوَاكِب، وَترى أَن سَائِر مَا فِي الْعَالم السُّفْلى الْمعبر عَنهُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ناشيء وصادر عَن الْكَوَاكِب، وَأَن الشَّمْس هِيَ المفيضة على الْكل. وَهَذَا الدّين أقدم هَذِه الْأَدْيَان، وَبِه كَانَ يدين أهل بابل من الكلدانيين، وإليهم بعث الله نوحًا وَإِبْرَاهِيم، صلوَات الله عَلَيْهِمَا. وَكَانَت الصابئة تتَّخذ التماثيل من الجواهبر والمعادن على أَسمَاء الْكَوَاكِب وتعبدها، فتصلى إِلَيْهَا وتقرب لَهَا القرابين، وتعتقد أَنَّهَا تجلب النَّفْع وتدفع السوء. وَبقيت مِنْهُم بقايا بأر ض السوَاد من الْعرَاق وبحران
стр. 4
والرها أدركوا الْإِسْلَام وَعرفُوا بالنبط وبالحرنانيين وَلم يبْق لَهُم إِذْ ذَاك ملك مُنْذُ غلبهم فَارس، فَلَمَّا كَانَت أَيَّام الْمَأْمُون أسقطوا عَن أنفسهم اسْم الكلدانيين، وتسموا بالصابئين. وَأما الْمَجُوس: فَإِنَّهُم الَّذين يَقُولُونَ بإلهين اثْنَيْنِ، أَحدهمَا فَاعل الْخَيْر وَهُوَ النُّور، وَالْآخر فَاعل الشَّرّ وَهُوَ الظلام، وَيُقَال لَهُم الثنوية أَيْضا، وَاتَّخذُوا لَهُم بيُوت نيران لَا تزَال تقد أبدا، وَكَانَت إِلَى هَذِه النيرَان صلواتهم وقرابينهم، ويعتقدون فِيهَا النَّفْع والضر، وعَلى هَذَا الِاعْتِقَاد كَانَت الأكاسرة مُلُوك فَارس بالعراق.
стр. 5
وَولد رَسُول الله ﷺ فِي أَيَّام كسْرَى أنوشروان وأزال الْعَرَب ملكهم فِي خِلَافه أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁، وملكوا مِنْهُم الْمَدَائِن وجلولاء وَغَيرهَا، وَقتل يزدجرد آخر مُلُوكهمْ فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁، وَلم يقم بعده قَائِم من الأكاسرة، وتمزق الْفرس وَذهب ملكهم إِلَى الْيَوْم. وَقد تقدم فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط ذكر مُلُوك الْفرس فَرَاجعه. وَأما الَّذين أشركوا فَإِنَّهُم وَإِن وافقهم الصائبة وَالْمَجُوس فِي عبَادَة التماثيل وَالنَّار من دون الله، فَإِن الْعَرَب الَّذين بعث الله فيهم نَبينَا مُحَمَّد ﷺ يُقَال لَهُم الْمُشْركُونَ سمة لَهُم، واسما لَزِمَهُم، وَكَانُوا يعْبدُونَ الْأَصْنَام والأوثان والطواغيت من دون الله، فيسجدون وَيصلونَ ويذبحون الذَّبَائِح لتماثيل عِنْدهم، قد اتَّخَذُوهَا من الْحجر والخشب وَغَيره ى، ويزعمون أَنَّهَا تجلب لَهُم النَّفْع، وتدفع عَنْهُم الضّر ويعتقد الْمُشْركُونَ مَعَ ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي خلقهمْ، وَهُوَ الَّذِي أوجدهم ثمَّ يميتهم، وَهُوَ الَّذِي يرزقهم، وَأَن عِبَادَتهم للأصنام وَسِيلَة تقربهم إِلَى الله سُبْحَانَهُ. وَكَانُوا إِذا مسهم الضّر فِي الْبَحْر من شدَّة هبوب رياحه وَعظم أمواجه، وأشرفوا على الْهَلَاك، نسوا عِنْد ذَلِك الْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا يعبدونها، ودعوا الله يسألونه النجَاة وَقد محا الله - وَله الْحَمد بنبينا مُحَمَّد ﷺ الشّرك من الْعَرَب حَتَّى دخلُوا فِي دين الله افواجا، وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده، إِلَى أَن ظهر دين الْإِسْلَام بهم على سَائِر الْأَدْيَان، وملكوا مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا مِمَّا تطؤه الدَّوَابّ، وتمر فِيهِ السفن. وَقد ذكرنَا أَيْضا فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط قبائل الْعَرَب وبطونها ذكر شافيا فَتَأَمّله. وَأما الْيَهُود: فَإِنَّهُم أَتبَاع نَبِي الله مُوسَى بن عمرَان، صلوَات الله عَلَيْهِ، وكتابهم التوارة. ولكهم أَبنَاء إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ويعرفون أَيْضا ببني إِسْرَائِيل، وَهُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، صلوَات الله عَلَيْهِم، وَكَانُوا اثنى عشر سبطا، وملكوا الشَّام بأسره
стр. 6
إِلَّا قَلِيلا مِنْهُ إِلَى أَن زَالَت دولتهم على يَد بخْتنصر، ثمَّ على يَد طيطش، وَجَاء الله بِالْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لَهُم ملك وَلَا دولة، وَإِنَّمَا هم أُمَم متفرقون فِي أقطار الأَرْض، تَحت أَيدي النَّصَارَى. وَقد ذكرنَا أَيْضا جَمِيع مُلُوكهمْ فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط. وَأما النَّصَارَى، فَإِنَّهُم أَتبَاع نَبِي الله الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم، صلوَات الله عَلَيْهِ، وكتابهم الْإِنْجِيل، وَجَاء الله الْمَسِيح إِلَى بني إِسْرَائِيل فَكَذبُوهُ إِلَّا طَائِفَة مِنْهُم، ثمَّ انْتَشَر دينه بعد رَفعه بدهر، فَدخل فِيهِ الرّوم والقبط والحبشة وَطَائِفَة من الْعَرَب، وَمَا زَالُوا على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ، فقاتل الْمُسلمُونَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رضى الله وأخرجوه إِلَى جزائر الْبَحْر، ثمَّ قَاتل الْمُسلمُونَ القوط والجلالقة، وملكوا مِنْهُم إقريقية والأندلس وَسَائِر بِلَاد الْمغرب، وتابعوا الْمُسلمُونَ القوط والجلالقة، وملكوا مِنْهُم إفريقية من بعدهمْ الإفرند. وَقد ذكرنَا فِي كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط وَفِي كتاب المواعظ وَالِاعْتِبَار بِذكر الخطط والْآثَار، جملَة من حروب الر وم والفرنج للْمُسلمين. وَإِلَى وقتنا هَذَا مُلُوك الفرنج ورعتيهم، وملوك أَكثر بِلَاد الْحَبَشَة ورعيتهم، يدينون بدين النَّصْرَانِيَّة فَهَذِهِ - أعزّك الله - ديانات أهل الأَرْض عِنْد مبعث نَبينَا مُحَمَّد ﷺ . وَكَانَت الممالك يَوْمئِذٍ على خَمْسَة أَقسَام: مملكه فَارس وَيُقَال لمن ملك مِنْهُم كسْرَى، ومملكه الرّوم وَيُقَال لملكها قَيْصر، وَكَانَت الْحَرْب لَا تزَال بَين الرّوم وَفَارِس وبيدهما أَكثر الْمَعْمُور، ومملكه التّرْك وَكَانَت مُلُوكهمْ تحارب مُلُوك الْفرس، وَلم يكن لَهُم قطّ فِيمَا بلغنَا من أَخْبَار الخليقة غَلَبَة على الممالك، ومملكه الْهِنْد وَحسب مُلُوكهمْ ضبط مَا بِيَدِهَا فَقَط، ومملكه الصين. وَأما بنوحام من الْحَبَشَة والزنج والبربر فَلم يكن لَهُم ملك يعْتد بِهِ.
فصل
ذكر القائمين بالملة الإسلامية من الْخُلَفَاء
أعلم أَن الله بعث نَبينَا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف ﷺ على رَأس أَرْبَعِينَ سنة من عمره، فَدَعَا قومه من قُرَيْش بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة، وَهَاجَر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فَأَقَامَ بهَا عشر سِنِين، وتوفاه الله وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَقد ذكرنَا جملَة سيرته فِي أول كتاب عقد جَوَاهِر الأسفاط. فَقَامَ بعد وَفَاته ﷺ بِأَمْر الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وَالْخُلَفَاء الراشدون مُدَّة ثَلَاثِينَ سنة، وعدتهم خَمْسَة هم:
стр. 7
أَبُو بكر الصّديق ﵁ واسْمه عبد الله بن عُثْمَان أبي قُحَافَة مُدَّة سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر غير خمس لَيَال، وَعمر بن الْخطاب بن نفَيْل الْعَدوي مُدَّة عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام وَعُثْمَان بن عَفَّان بن أبي العَاصِي بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف مُدَّة اثنتى عشرَة سنة إِلَّا اثنى عشر يَوْمًا، وَقيل إِحْدَى عشرَة سنة وَاحِد عشر شهرا وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا، وَقيل ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا. وعَلى بن أبي طَالب بن عبد الْمطلب ابْن هَاشم مُدَّة أَربع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام، وَقيل ثَلَاثَة أَيَّام، وَقيل أَرْبَعَة عشر يَوْمًا. وَالْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب مُدَّة خَمْسَة أشهر وَنَحْو نصف شهر، وَقيل سِتَّة
стр. 8
أشهر، وَبِه تمت أَيَّام الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ﵃. وَصَارَت الْخلَافَة ملكا عَضُوضًا، أَي فِيهِ عسف وعنف، وانتقل الْأَمر إِلَى بني أُميَّة. وَأول من ولي مِنْهُم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، واسْمه صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، ومدته تسع عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر، وَقيل ثَلَاثَة أشهر إِلَّا إياما. وَقَامَ من بعده ابْنه يزِيد بن مُعَاوِيَة مُدَّة ثَلَاث سِنِين وَسِتَّة أشهر، وَقيل ثَمَانِيَة
стр. 9
أشهر، وَقيل غير ذَلِك، وَلَيْسَ بشىء فولى بعده مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة، ثَلَاثَة أشهر وَقيل أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَامَ بعد يزِيد أَيْضا عبد الله بن الزبير بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي بالحجاز وَخَالف عَلَيْهِ مَرْوَان بِالشَّام، فَكَانَت مُدَّة ابْن
стр. 10
الزبير إِلَى أَن قتل بِمَكَّة تسع سِنِين. وَقَامَ بعد مُعَاوِيَة بن يزِيد بِالشَّام مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف مُدَّة عشرَة أشهر. وَقَامَ من بعده ابْنه عبد الْملك بن مَرْوَان، وَاسْتعْمل الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ على حَرْب عبد الله
стр. 11
ابْن الزبير فَقتله، وَأقَام عبد الْملك بعد قَتله ثَلَاث عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر إِلَّا سبع لَيَال. وَقَامَ بعده ابْنه الْوَلِيد بن عبد الْملك مُدَّة تسع سِنِين وَسَبْعَة أشهر. وَقَامَ بعده أَخُوهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك سنتَيْن وَثَمَانِية أشهر وَخَمْسَة أَيَّام، وَقيل إِلَّا خَمْسَة أَيَّام. وَقَامَ بعده عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم سنتَيْن وَخَمْسَة أشهر. ثمَّ قَامَ بعده يزِيد
стр. 12
ابْن عبد الْملك بن مَرْوَان مُدَّة أَربع سِنِين وَشهر أَيَّام. وَقَامَ بعده أَخُوهُ هِشَام بن عبد الْملك تسع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وواحدا وَعشْرين يَوْمًا، وَقيل ثَمَانِيَة أشهر
стр. 13
وَنصف. وَكَانَ قد اتخذ طرازا لَهُ قدر، واسكثر مِنْهُ حَتَّى كَانَ يحمل مَا أثر فِيهِ من طرازه على سَبْعمِائة جمل فَهَذِهِ ثِيَابه الَّتِي لبسهَا، فَكيف بِمَا كَانَ عِنْده مِمَّا لم يلْبسهُ؟ فَقَامَ من بعده الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك وَيعرف بِيَزِيد النَّاقِص، وَولى مُدَّة سنة وَثَلَاثَة أشهر، وَقيل وشهرن واثنين وَعشْرين يَوْمًا. فبويع بعده ابْنه يزِيد بن الْوَلِيد، وَفِي أَيَّامه اضْطَرَبَتْ الدولة، وَولى مُدَّة خَمْسَة أشهر وأياما. فَقَامَ بعده أَخُوهُ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد مُدَّة أَرْبَعَة أشهر، وَقيل سبعين يَوْمًا، وَلم يتم لَهُ أَمر. وَقَامَ بعده مَرْوَان بن مُحَمَّد
стр. 14
بن مَرْوَان بن الحكم وَيعرف بِمَرْوَان الْجَعْدِي وبمروان الْحمار. وَفِي أَيَّامه ظَهرت دولة بني الْعَبَّاس. وحاربوه حَتَّى قَتَلُوهُ بِأَرْض مصر، وَله فِي الْخلَافَة مُنْذُ بُويِعَ خمس سِنِين وَعشرَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا. وانقرضت بمقتل مَرْوَان دولة بني أُميَّة. وَقَامَت من بعْدهَا دولة بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف مُدَّة خَمْسمِائَة سنة وَثَلَاث وَعشْرين سنة وَعشرَة أشهر وَأَيَّام، فِيهَا افْتَرَقت كلمة الْإِسْلَام، وَسقط اسْم الْعَرَب من الدِّيوَان، وَأدْخل الأتراك فِي الدِّيوَان، واستولت على الديلم ثمَّ الأتراك، وَصَارَت لَهُم دولة عَظِيمَة جدا، وانقسمت ممالك الأَرْض عدَّة أَقسَام، وَصَارَ
стр. 15
بِكُل قطر قَائِم يَأْخُذ النَّاس بالعسف ويملكهم بالقهر. وَكَانَ أول من قَامَ من خلفاء بني الْعَبَّاس السفاح واسْمه عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ عبد الله بن عَبَّاس، مُدَّة أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَيَوْم، وَكَانَ سَرِيعا إِلَى سفك الدِّمَاء، سفك ألف دم فَاتبعهُ عماله فِي الشرق والغرب فِي فعله، وَكَانَ مَعَ ذَلِك جوادا بِالْمَالِ، فاقتدى بِهِ فِي ذَلِك عماله أَيْضا. ثمَّ ولى بعده أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور واسْمه أَيْضا عبد الله بن عَليّ، فَأَقَامَ مُدَّة إِحْدَى وَعشْرين سنة وَاحِد عشر شهرا، وَهُوَ أول من أوقع الْفرْقَة بَين ولد الْعَبَّاس وَولد على ابْن أبي طَالب، وَكَانَ قبل ذَلِك أمره وَاحِدًا، وَهُوَ أول خَليفَة قرب المنجمين، وَعمل بِأَحْكَام النُّجُوم، وَأول خَليفَة ترجمت لَهُ الْكتب من اللُّغَات، وَأول خَليفَة اسْتعْمل موَالِيه
стр. 16
وغلمانه فِي أَعماله، وَقَدَّمَهُمْ على الْعَرَب، فاقتدى بِهِ من بعده من الْخُلَفَاء، حَتَّى سَقَطت قيادات الْعَرَب، وزالت رياستها، وَذَهَبت مراتبها. كَانَ قد نظر فِي الْعلم، فكثرت فِي أَيَّامه رِوَايَات النَّاس واتسعت علومهم، فَقَامَ بعده ابْنه الْمهْدي أَبُو عبد الله مُحَمَّد مُدَّة عشر سِنِين وَشهر وَنصف، وَكَانَ سخيا جوادا، فسلك النَّاس فِي ذَلِك مسلكه، واتسعوا فِي مَعَايشهمْ، وأمعن فِي قتل الْمُلْحِدِينَ لظهورهم فِي أَيَّامه، وانشاء كتبهمْ، وَهُوَ أول من أَمر بتصنيف كتب الجدل فِي الرَّد على الزَّنَادِقَة والملحدين، فصنفت فِي أَيَّامه، وَعمر مَسْجِد مَكَّة وَالْمَدينَة والقدس. ثمَّ ولى بعده ابْنه الْهَادِي بِاللَّه أَبُو مجمد مُوسَى سنة وَثَلَاثَة أشهر، وَكَانَ جبارا، وَهُوَ أول من مشت الرِّجَال بَين يَدَيْهِ بِالسُّيُوفِ المرهفة، والأعمدة المشهرة، والقسى الموترة، فاقتدى بِهِ عماله، وَكثر السِّلَاح فِي محضره فَقَامَ بعده أَخُوهُ هَارُون بن مُحَمَّد الرشيد مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة وشهرين وَثَمَانِية عشر
стр. 17
يَوْمًا، وَقيل شهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا وَكَانَ مواظبا على الْحَج، مُتَابعًا للغزو وَاتخذ المصانع والآبار والبرك والقصور بطرِيق مَكَّة، وبمكة وَمنى وعرفات وَالْمَدينَة النَّبَوِيَّة، وَعم النَّاس إحسانه وعدله، بني الثغور ومدن المدن، وحصن فِيهَا الْحُصُون، مثل طرسوس وأدنه، وَعمر المصيصة ومرعش وَغير ذَلِك، فاقتدى النَّاس بِهِ، وَهُوَ أول خَليفَة لعب بالصوالجة فِي الميدان، وَرمي بالنشاب فِي البرجاس، وَلعب بالشطرنج، وَقرب أَرْبَاب هَذِه الْأُمُور وأجرى لَهُم الأزراق، فاقتدى بِهِ النَّاس. وَكَانَت أَيَّامه كَأَنَّهَا من حسنها أعراس. فبويع بعده ابْنه الْأمين مُحَمَّد بن هَارُون، وَأقَام أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَخَمْسَة أَيَّام، فَقدم الخدم، وَرفع مَنَازِلهمْ، وشغف بهم، فاتخذت لَهُ أمه الْجَوَارِي الغلاميات، فَاتخذ النَّاس فِي أَيَّامه ذَلِك فَقَامَ من بعده أَخُوهُ الْمَأْمُون عبد الله بن هَارُون مُدَّة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة مُنْذُ سلم عَلَيْهِ بالخلافة، وَمُدَّة عشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام، وَقيل وَخَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا، بعد قتل أَخِيه، وَكَانَ أَولا ينظر فِي أَحْكَام النُّجُوم وَيعْمل بموجبها، وَيكثر النّظر فِي كتب القدماء من الْحُكَمَاء، فَلَمَّا قدم بَغْدَاد أعرض عَن ذَلِك كُله، وَقَالَ بأقوال الْمُعْتَزلَة، وَقرب أَرْبَاب الْعُلُوم، وطلبهم من الْآفَاق، وأجرى عَلَيْهِم الأزراق، فَرغب النَّاس الْمُعْتَزلَة، وَقرب أر بَاب الْعُلُوم، وطلبهم من الْآفَاق، وأجرى عَلَيْهِم الأزراق، فَرغب النَّاس فِي الْعُلُوم الجدلية، وصنف كل أحد فِيهَا مَا ينصر بِهِ مذْهبه، وَكَانَ كَرِيمًا عفوا، فاقتدى النَّاس بِهِ فِي أَحْوَاله كلهَا. وَقَامَ بعد الْمَأْمُون أَخُوهُ المعتصم بِاللَّه أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد بن هَارُون، مده ثَمَانِي سِنِين وَثَمَانِية أشهر أَيَّام، وَهُوَ أول من أَدخل الأتراك الدِّيوَان، وَكَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب، وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الفروسية، ويتشبهه بالعجم فِي عَامَّة أَحْوَاله [ ... ...] وَقَامَ من بعده ابْنه الواثق بِاللَّه أَبُو جَعْفَر هَارُون بن مُحَمَّد مُدَّة
стр. 18
خمس سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام. وَفِي أَيَّامه كَانَت المحنة وَكَانَ كثير الْأكل وَاسع، الطَّعَام. فَقَامَ من بعده المتَوَكل على الله جَعْفَر بن المعتصم مُدَّة أرع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام، وَقَتله الأتراك، وتحكوا من حِينَئِذٍ فِي ممالك الدُّنْيَا. وَهُوَ الَّذِي رفع المحنة، وَنهى عَن الجدل وعاقب عَلَيْهِ، وَأمر بِإِظْهَار رِوَايَة الحَدِيث. وَأقَام بعده ابْنه الْمُنْتَصر مُحَمَّد بن جَعْفَر، فَمَاتَ بعد سِتَّة أشهر تنقص أَيَّامًا. وأقيم بعده المستعين بِاللَّه أَحْمد بن مُحَمَّد المعتصم فَأَقَامَ ثَلَاث سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَثَمَانِية وَعشْرين يَوْمًا، وخلعه
стр. 19
الأتراك وعذبوه، ثمَّ قَتَلُوهُ بعد تِسْعَة أشهر من خلعه. والمستعين أول من أحدث لبس الْكَمَال الواسعة، فَجعل عرضهَا نَحْو ثَلَاثَة أشبار، وَصغر القلانس وَكَانَت قبله طوَالًا. وأقيم بعده المعتز بِاللَّه مُحَمَّد بن المتَوَكل ثمَّ خلعه الأتراك وعذبوه بِالضَّرْبِ حَتَّى مَاتَ، فَكَانَت خِلَافَته مُدَّة ثَلَاث سِنِين وَسِتَّة أشهر وَوَاحِد وَعشْرين يزما، وَقيل وأربعه وَعشْرين يَوْمًا، وَهُوَ أول خَليفَة أحدث الرّكُوب بحلية الذَّهَب - وَكَانَ من قبله من خلفاء بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس يركبون بالحلية الْخَفِيفَة من الْفضة فِي المناطق - واتخاذ
стр. 20
السيوف والسروج واللجم، فَلَمَّا ركب المعتز بحلية الذَّهَب تبعه النَّاس فِي فعل ذَلِك. وأقيم بعده الْمُهْتَدي بِاللَّه مُحَمَّد بن الواثق ثمَّ قَتله الأتراك بعد أحد عشر شهرا وَتِسْعَة عشر يَوْمًا. وأقيم بعده الْمُعْتَمد بِاللَّه أَحْمد بن المتَوَكل فغلبه الأتراك، واستبد عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمُوفق بِاللَّه أَبُو أَحْمد طَلْحَة وَخرج فِي أَيَّامه صَاحب الزنج، فحاربه الْمُوفق أعواماً
стр. 21
كَثِيرَة ثمَّ مَاتَ الْمُوفق بعد قَتله صَاحب الزنج، فاختلت أُمُور الْمُعْتَمد وَقتل، وَكَانَت مدَّته اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة أحد عشر شهرا وَخَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهُوَ أول خَليفَة قهر وَحجر عَلَيْهِ ووكل بِهِ، فَقَامَ من بعده المعتضد أَحْمد بن الْمُوفق طَلْحَة واستبد بِالْأَمر، وَخرجت القرامطة فِي أَيَّامه، وَمَات وَله فِي الْخلَافَة مُدَّة عشرَة سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام، وَقيل تسع سِنِين وَسَبْعَة أشهر واثنين وَعشْرين يَوْمًا وَلما كفن فِي ثَوْبَيْنِ قيمتهمَا سِتَّة عشر قيراطا. فولى بعده ابْنه المكتفى بِاللَّه على وجد فِي حَرْب القرامطة وَهَزَمَهُمْ، وأزال دولة بني طولون من مصر وَالشَّام، وَمَات وَله سِتّ سِنِين وَسِتَّة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا وَقيل تِسْعَة عشر يَوْمًا. فأقيم من بعد أَخُوهُ المقتدر بِاللَّه جَعْفَر بن المعتضد،
стр. 22
وَعمرَة ثَلَاث عشرَة سنة وشهران وَثَلَاثَة أَيَّام، لم يبلغ الْحلم، وَهُوَ أول من ولي الْخلَافَة من الصّبيان، فَغلبَتْ على أُمُوره النِّسَاء والخصيان، وَأكْثر من قتل الوزراء وَمن قَامَ وبتغييرهم، فاضطربت عَلَيْهِ الْأُمُور، فَلم يقم غير أَرْبَعَة أشهر، وخلع بِعَبْد الله بن المعتز ثمَّ قتل ابْن المعتز بعد يَوْم وَلَيْلَة وأعيد المقتدر، وَخرجت القرامطة فِي أَيَّامه، وَأخذُوا الْحجر الْأسود من الْكَعْبَة إِلَى بِلَادهمْ، وَخرج عَلَيْهِ أَيْضا الديلم، وَظهر عبيد الله الْمهْدي بإفريقية ودعا لنَفسِهِ، وَقطع دَعْوَة بني الْعَبَّاس من بِلَاد الْمغرب وبرقة ثمَّ إِن المقتدر خلع مرّة ثَانِيَة، وأقيم بدله القاهر بِاللَّه مُحَمَّد بن المعتضد، ثمَّ أُعِيد المقتدر، وَغلب عَلَيْهِ أَصْحَاب الدَّوَاوِين، وَلم يجْعَلُوا لَهُ أمرا ينفذ، وَصَارَت ثمل القهرمانة إِحْدَى جواريه تجْلِس للمظالم، ويحضرها الوزراء والقضاة وَالْفُقَهَاء، وَفِي أَيَّامه انْقَطع الْحَج، وَكثر الْهزْل والمجون، وَآخر أمره أَنه قتل بَعْدَمَا أَقَامَ فِي الْخلَافَة أَرْبعا وَعشْرين سنة وشهرين وَعشرَة أَيَّام، وَقيل وَأحد عشر شهرا وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا عِنْدَمَا خرج على الْجند وَقد شغبوا وَهُوَ متشح بالبردة النَّبَوِيَّة، فَقتل وتلوثت بِالدَّمِ. فَقَامَ من بعده القاهر باله مُحَمَّد بن المعتضد، ثمَّ خلع وكحل بمسمار، وَقد حمى فِي النَّار مرَّتَيْنِ، حَتَّى سَالَتْ عَيناهُ، بعد سنة وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام. وَآل أمره أَن كَانَ يقوم يَوْم الْجُمُعَة بالجامع، وَيسْأل النَّاس فَيَقُول: يَا معاشر النَّاس، أَنا بالْأَمْس كنت خليفتكم، وَالْيَوْم أَسأَلكُم مَا فِي أَيْدِيكُم، فَيتَصَدَّق عَلَيْهِ. وَقَامَ من بعده فِي الخلافه الراضي بِاللَّه مُحَمَّد بن المقتدر، وَفِي أَيَّامه استولى الرّوم على عَامَّة الثغور وكلان مَغْلُوبًا عَلَيْهِ مَعَ موَالِيه، لَا يقدر على شَيْء، وَمَات بعد سِتّ سِنِين وَعشرَة أشهر وَعشرَة أَيَّام، وَقيل وَتِسْعَة أَيَّام من خِلَافَته. والراضي آخر خَليفَة خَليفَة لَهُ شعر مدون، وَآخر خَليفَة انْفَرد بتدبير الجيوش وَالْأَمْوَال، وَآخر بني، وَآخر خَليفَة
стр. 23
خطب يَوْم جُمُعَة، وَآخر خَليفَة جَالس الندماء، وَوصل إِلَيْهِ العدماء، وَآخر خَليفَة كَانَت نَفَقَته وجوائزه، وعطاياه وخدمه وجراياته وخزائنه، ومطابخه وَشَرَابه، ومجالسه وحجابه وأموره جَارِيَة على تَرْتِيب الْخلَافَة الأول، وَآخر خَليفَة سَافر بزِي الْخُلَفَاء القدماء، وَقد سَافر بعده المتقي والطائع. ثمَّ قَامَ بعده أَخُوهُ المتقى لله إِبْرَاهِيم بن المقتدر، وَكَانَ خيرا عابدا، وَفِي أَيَّامه تغلب بَنو حمدَان على الجزيرة وَالشَّام، وَكثر الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ، فخلعه توزون التركي، وكحله كَمَا كحل القاهر، ثمَّ حَبسه مَعَ القاهر وهما مكحولان، فَقَالَ القاهر:
(صرت وَإِبْرَاهِيم نخي عمي ... لَا بُد للنخين من صدر)
(مَا دَامَ توزون لَهُ إمره ... مطاعة فالميل فِي الْجَمْر)
وَكَانَ ذَلِك بعد ثَلَاث سِنِين وَاحِد عشر شهرا، وَمَات بعد خلعه بِخمْس وَعشْرين سنة. وَقَامَ من بعده لما خلع المستكفى بِاللَّه عبد الله بن المكتفي، فاستولت الديلم على الْبِلَاد، وَوَقع الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ، فَقبض وكحل على يَد معز الدولة أَحْمد بن بويه فَكَانَت أَيَّامه سنة وَأَرْبَعَة أشهر ويومين. وأقيم من بعده الْمُطِيع لله الْفضل بن المقتدر فَأَقَامَ تسعا وَعشْرين سنة وَأَرْبَعَة أشهر وواحدا وَعشْرين يَوْمًا، لَيْسَ لَهُ سوى الِاسْم، والمدير للأمور معز الدولة، وَقد فرض لنفقه الْمُطِيع فِي كل يَوْم مِائَتي دِينَار، وَفِي أَيَّامه قدمت عسامكر الْمعز لدين الله أبي تَمِيم معد إِلَى مصر، وانقطعت الدعْوَة العباسية من
стр. 24
الشَّام. وَأقَام الْمُطِيع إِلَى أَن خلع نَفسه، وَأقَام ابْنه الطائع لله عبد الْكَرِيم فَمَكثَ الطائع سبع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام مَحْكُومًا عَلَيْهِ ببني بويه، ثمَّ خلع وَحبس فَقِيرا ذليلا حَتَّى مَاتَ. وَكَانَ الطائع كثير الانحراف على آل عَليّ بن أبي طَالب، وَسَقَطت الهيبة فِي أَيَّامه حَتَّى هجاه الشُّعَرَاء وطولوا. وَقَامَ من بعده الْقَادِر بِاللَّه أَحْمد بن إِسْحَاق ابْن المقتدر فَأَقَامَ إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة وَثَلَاثَة أشهر، وَقيل ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا، وَكَانَ دينا بارا بأَهْله وبالطالبين. وَفِي أَيَّامه عظمت الديلم والباطينة. واشتهر مَذْهَب الاعتزال، ومذاهب الباطنية والرافضة، وانتشر ذَلِك فِي الأَرْض. وَفِي أَيَّامه ظهر السُّلْطَان يَمِين الدولة مَحْمُود سبكتكين وغزا الْهِنْد. وَقَامَ من بعده ابْنه الْقَائِم بِأَمْر الله عبد الله، فثار عَلَيْهِ أرسلان البساسيري وَصَارَ يَدعِي لَهُ
стр. 25
على مَنَابِر الْعرَاق والأهواز فَكتب الْقَائِم إِلَى السُّلْطَان طغرلبك بن مِيكَائِيل بن سلجوق التركماني، أول مُلُوك بني سلجوق، فَقدم بَغْدَاد وفر مِنْهُ البساسيري بِمن مَعَه من الأتراك، وانتمى إِلَى الْمُسْتَنْصر بِاللَّه معد بن الظَّاهِر الفاطمي صَاحب مصر، فأمده بالأموال حَتَّى أَخذ بَغْدَاد، وَقطع مِنْهَا دَعْوَة بني الْعَبَّاس، وخطب للمستنصر بهَا نَحْو سنة، والقائم مَحْبُوس، ثمَّ قدم طغرلبك وَأعَاد الْقَائِم إِلَى الْخلَافَة، وَقتل البساسيري، وتحكم فِي سَائِر الْأُمُور، فَلم يزل الْقَائِم فِي الْخلَافَة حَتَّى مَاتَ وَله أَربع وَأَرْبَعين سنة وَثَمَانِية أشهر وَكَانَ دينا خيرا كثير الصَّلَاة، إِلَّا أَنه كَانَ كثير الإصغاء إِلَى من يُشِير عَلَيْهِ، فاتفق أَن وزر لَهُ رجل من سوقة بَغْدَاد يعرف بِابْن السلَّة، فَحسن لَهُ مَجِيء الغز لِأَنَّهُ كَانَ منحرفا عَن الشِّيعَة، فكاتبهم الْقَائِم، فَلَمَّا جَاءُوا كَانَ من أَمرهم وَأمر البساسيري مَا كَانَ. وَقَامَ من بعده الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله بن ذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم، فَلم يكن لَهُ سوى الِاسْم، لَا يتَعَدَّى حكمه بَابه، وَالتَّدْبِير إِلَى ملك شاه بن عضد الدولة، وَأقَام على ذَلِك تسع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر غير يَوْمَيْنِ، وَقيل إِلَّا خَمْسَة أَيَّام، وأقيم بعده ابْنه المتسظهر بِاللَّه أَحْمد فَأَقَامَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ خمْسا وَعشْرين سنة، وَقيل أَرْبعا وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وواحدا وَعشْرين يَوْمًا، وَمَات. وَفِي أَيَّامه أَخذ الفرنجة بَيت الْمُقَدّس من الْمُسلمين. وَاسْتمرّ ملكهم بِهِ. وَقَامَ من بعده ابْنه المسترشد بِاللَّه الْفضل بن أَحْمد وَقتل بعد سبع عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر وَعشْرين يَوْمًا. فَقَامَ بعده ابْنه الراشد
стр. 26
بِاللَّه مَنْصُور وخلع ثمَّ قتل، فَكَانَت خِلَافَته سنة تنقص عشرَة أَيَّام. وبويع بعده المقتفى لأمر الله مُحَمَّد بن المستظهر فصفت لَهُ الدُّنْيَا، وَسعد بوزيره عون الدّين يحيى ابْن مُحَمَّد بن هُبَيْرَة، وَقبض على جمَاعَة من المتغلبين، وَخرج بِنَفسِهِ وَحَارب من ناوءه، وَأقَام أَرْبعا وَعشْرين سنة وَثَلَاثَة أشهر وواحدا وَعشْرين يَوْمًا، فبويع بعده ابْنه المستنجد بِاللَّه يُوسُف وَأقَام إِحْدَى عشرَة سنة وشهراً وَاحِدًا، وَمَات. فيوبع بعده ابْنه المتسضىء بِأَمْر الله الْحسن وَفِي أَيَّامه أُعِيدَت الْخطْبَة العباسية بِالْقَاهِرَةِ ومصر، بعد
стр. 27
انقطاعها مِائَتَيْنِ وَخمْس عشرَة سنة، على يَد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بن شادي الْكرْدِي وَمَات المستضىء بعد عشر سِنِين تنقص أَرْبَعَة أشهر، فَقَامَ بعده ابْنه النَّاصِر لدين الله أَحْمد، مُدَّة سِتّ وأر بِعَين سنة وَعشرَة أشهر وَثَمَانِية وَعشْرين يَوْمًا، وَفِي أَيَّامه ابْتَدَأَ ظُهُور جنكيزخان. وروؤي النَّاصِر مرّة وَعَلِيهِ قبَاء أَبيض برسوم ذهب فِيهِ، وعَلى رَأسه قلنسوه مذهة مطوقة بوبر أسود من فنك أَو نَحوه يتشبه بملوك الأتراك، وَقَامَ من بعده ابْنه الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد، فَأم تِسْعَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا، وَمَات. فَقَامَ بعده ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مُدَّة سبع عشر ة سنة غير شهر، وَقيل خمس عشرَة سنة وأحدج عشر شهرا وَخَمْسَة أَيَّام، وَفِي أَيَّامه قصد التار بَغْدَاد، فاستخدم الْخَلِيفَة مِنْهُم العساكر، حَتَّى بلغت عدتهَا نَحْو مائَة ألف. وَقَامَ من بعده ابْنه المستعصم بِاللَّه عبد الله، فَجمع الْأَمْوَال، وَقطع كثيرا من العساكر، فَقدم التتار بَغْدَاد، وقتلوه فِي سادس
стр. 28
صفر سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة، وَله فِي الْخلَافَة خمس عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام. وانقرضت دولة بني الْعَبَّاس بزواله، وَصَارَ النَّاس بِغَيْر خَليفَة إِلَى سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة، فأقيم فِي تِلْكَ السّنة خَليفَة بِمصْر قدم إِلَيْهَا من بَغْدَاد، لقب بالمستنصر بِاللَّه أَحْمد بن الظَّاهِر بن النَّاصِر، وَسَار يُرِيد بَغْدَاد فحاربه التتار وقتلوه، قبل أَن تتمّ لَهُ سنة مُنْذُ بُويِعَ بِمصْر، فَصَارَ من بعده مُلُوك مصر الأتراك يُقِيمُونَ رجلا يسمونه الْخَلِيفَة، ويلقبونه بلقب الْخُلَفَاء، وَلَيْسَ لَهُ أَمر وَلَا نهي وَلَا نُفُوذ كلمة، بل يتَرَدَّد إِلَى أَبْوَاب الْأُمَرَاء وأعيان الْكتاب والقضاة، لتهنئتهم بالأعياد والشهور، وَسَيَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله.
ذكر دولة بني بويه الديلم
وَيُقَال فِي أصل الديلم إِن باسل بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار ابْن معد بن عدنان خرج مغاضبا لِأَبِيهِ، فَوَقع فِي أَرض الديلم، فَتزَوج امْرَأَة من الْعَجم، فَولدت لَهُ دَيْلَم بن باسل فَهُوَ أَبُو الديلم كلهم. وهم أفخاذ وعشائر، وَمِنْهُم مُلُوك بني بويه. وَكَانَ سَبَب ظهروهم أَن الْحسن بن عَليّ بن الْحسن بن زيد بن عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الزيدي الأطروش دخل الديلم، وَأقَام نَحْو أَربع عشرَة سنة يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام، ويقتصر مِنْهُم على الْعشْر، ويدافع عَنْهُم، فَأسلم مِنْهُم خلق كثير، وتلقب بالناصر للحق، واجتمعوا عَلَيْهِ، وَبني فِي بِلَادهمْ مَسَاجِد، وحثهم على الْخُرُوج مَعَه إِلَى طبرستان حَتَّى أجابوه، وَقَاتل بهم أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم صعلوك وهزمه، وَقتل من أَصْحَابه سَبْعَة آلَاف، وَعَاد إِلَى آمل ظافرا، وَاسْتولى على طبرستان فِي جمادي الْآخِرَه سنة إِحْدَى وثلاثمائة، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد. وَمَات النَّاصِر - بعد أَن ملك طبرستان ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وأياما - فِي شعْبَان سنة أر بِعْ وثلاثمائة، وَله تسع وَسَبْعُونَ سنة. فَبَقيت بعده طبرستان فِي أَيدي العلوية اثنتى عشرَة سنة، ثمَّ انْتَقَلت عَنْهُم إِلَى أُمَرَاء الديلم. وَلما مَاتَ النَّاصِر ولى ابْنه أَبُو الْحُسَيْن، فَقدم جرجان وَأقَام بهَا، وَصَاحب
стр. 29
جَيْشه سرخاب بن وهسوذان، فَكَانَت لَهُ حروب وأنباء مَعَ عَسَاكِر السعيد نصر بن أَحْمد بن صَاحب خُرَاسَان إِلَى أَن مَاتَ سرخاب. فاستخلف أَبُو الْحُسَيْن بن النَّاصِر بعده مَا كَانَ بن كالي على أستراباذ فَاجْتمع إِلَيْهِ الديلم، وقدموه وَأمره على أنفسهم، فَكَانَت لَهُ بِتِلْكَ النواحي أَخْبَار كَثِيرَة إِلَى أَن قوى أَبُو الْحجَّاج مرادويج بن زيار، وَقيل مرداويج بن قافيج الجيلي الديلمي، وَملك جرجان وَغَيرهَا مِمَّا كَانَ، وَعَاد إِلَى أصفهان ظافرا، ودامت الْحَرْب بَينهمَا عدَّة سِنِين، فقوى مرداويج وَاسْتولى على بلد الْجَبَل والرى، وأتته الديلم من كل نَاحيَة، فعظمت جيوشه. وَكَانَ من الديلم رجل يُقَال لَهُ بويه، وكنيته أَبُو شُجَاع، متوسط الْحَال، وَله ثَلَاثَة أَوْلَاد: أَبُو الْحُسَيْن على أكبرهم، وَأَبُو على الْحسن أوسطهم، وَأَبُو الْحُسَيْن أَحْمد أَصْغَرهم، وَكَانَ ينتسب إِلَى الْفرس، وَيَزْعُم أَنه أَبُو شُجَاع بويه بن فَنًّا خسرو بن ثَمَان بن كوهي بن شيرزيل الْأَصْغَر بن شير كذة بن شيرزيل الْأَكْبَر بن شيران شاه بن شيرويه بن شناذر شاه بن سيس فَيْرُوز بن شيزوزيل بن سناذر بن بهْرَام جور الْملك بن يزدجرد الْملك. فبنو بويه من قَبيلَة من قبائل الديلم يُقَال لَهَا شيرزيل أَو ندازه. ثمَّ إِن أَبَا شُجَاع بويه رأى فِي مَنَامه كَأَنَّهُ يَبُول، فَخرج من ذكره نَار عَظِيمَة استطالت وعلت حَتَّى كَادَت تبلغ السَّمَاء، ثمَّ انفرجت فَصَارَت ثَلَاث شعب، وتولد من تِلْكَ الشّعب عدَّة شعب، فَأَضَاءَتْ الدُّنْيَا بِتِلْكَ النيرَان، وَرَأى الْبِلَاد والعباد خاضعين لتِلْك النيرَان. فقصه على منجم، فَقَالَ لَهُ: إِنَّه يكون لَك ثَلَاثَة أَوْلَاد يملكُونَ الأَرْض وَمن عَلَيْهَا، ويعلو ذكرهم فِي الْآفَاق كَمَا علت تِلْكَ النَّار، ويولد لَهُم جمَاعَة مُلُوك بِقدر مَا رَأَيْت من تِلْكَ الشّعب. فَقَالَ لَهُ أَبُو شُجَاع: أَتسخر بِي وَأَنا رجل فَقير، وأولادي هَؤُلَاءِ فُقَرَاء مَسَاكِين يصيرون ملوكا؟ فَقَالَ المنجم: أَخْبرنِي بِوَقْت ميلادهم فَأخْبرهُ، فَجعل يحْسب، ثمَّ قبض على يَد أبي الْحسن على الَّذِي لقب بعد ذَلِك عماد الدولة فقبلها، وَقَالَ: هَذَا وَالله يملك الْبِلَاد، ثمَّ هَذَا من بعده، وَقبض على يَد أُخْته أبي على الْحسن، الَّذِي لقب بعد ذَلِك ركن الدولة ثمَّ هَذَا، وَقبض على يَد أخيهما أبي الْحُسَيْن أَحْمد، الَّذِي لقب معز الدولة. فاغتاظ مِنْهُ أَبُو شُجَاع وَقَالَ لأولاده: اصفعوا هَذَا
стр. 30
فقد أفرط فِي السخرية بِنَا، فصعفوه وَهُوَ يستغيث وهم يَضْحَكُونَ مِنْهُ، ثمَّ أَمْسكُوا. فَقَالَ لَهُم المنجم: اذْكروا لي هَذَا إِذا قصدتكم وَأَنْتُم مُلُوك، وَأَعْطَاهُ أَبُو شُجَاع عشرَة دَرَاهِم، فَلَمَّا خرج الديلم مَعَ مَا كَانَ بن كالي كَانَ أَوْلَاد أبي شُجَاع من جملَة قواده، إِلَى أَن أستولى مرداويج على مَا بيد مَا كَانَ من طبرستان وجرجان وَانْهَزَمَ مَا كَانَ، قَالَ لَهُ عَليّ وَالْحسن ابْنا أبي الشجاع بويه، وَكَانَ ضعفه عجزة: نَحن فِي جمَاعَة، وَقد صرنا ثقلا عَلَيْك وعيالا، وَأَنت مضيق، والأصلح لَك أَن نُفَارِقك لنخفف عَنْك مئونتنا، فَإِذا صلح أَمرك عدنا إِلَيْك. فَأذن لَهما فَسَار إِلَى مرداويج، واقتدى بهما جمَاعَة من قواد مَا كَانَ وتبعوهم. فَأقبل عَلَيْهِم مرداويج، وخلع على ابْني بويه، وقلد عماد الدولة على بن بويه كرج، فَأحْسن السِّيرَة وافتتح قلاعا ظفر مِنْهَا بذخائر كَثِيرَة فاستمال الرِّجَال حَتَّى شاع ذكره وقصده النَّاس واستوحش مِنْهُ مرداويج واستدعاه فدافعه ثمَّ سَار عماد الدولة من كرج إِلَى أَصْبَهَان وَقَاتل المظفر مُحَمَّد بن ياقوت وهزمه، وَملك أَصْبَهَان يَوْم الْأَحَد الْحَادِي عشر من ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة، فَعظم فِي أعين النَّاس، لِأَنَّهُ كَانَ فِي تِسْعمائَة رجل هزم بهم مَا يُقَارب عشرَة آلَاف. وَبلغ ذَلِك الْخَلِيفَة القاهر باله مُحَمَّد بن المعتضد فاستعظمه، وَخَافَ مرداويج عاقبته، فَأخذ يتحيل فِي أَخذه. وَأخذ ابْن بويه أَيْضا أرجان من أبي بكر بن ياقوت، فِي ذِي الْحجَّة سنة
стр. 31
إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة، وقوى بهَا. وَبعث أَخَاهُ ركن الدولة الْحسن، فَأخذ كازرون، ثمَّ ملك عماد الدولة شيراز فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين، فَلَمَّا ملك شيراز وَفَارِس كتب إِلَى الْخَلِيفَة الراضي بِاللَّه مُحَمَّد بن المقتدر، وَقد أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة، وَإِلَى وزيرة أبي عَليّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مقلة يعرفهما أَنه على الطَّاعَة، وَيطْلب أَن يقاطع على مَا بِيَدِهِ من الْبِلَاد، وبذل ألف ألف دِرْهَم، فَأُجِيب إِلَى ذَلِك، وسيرت لَهُ الْخلْع واللواء، فَلبس الْخلْع وَنشر اللِّوَاء بَين يَدَيْهِ، وغالط الرَّسُول بِالْمَالِ، فَمَاتَ الرَّسُول عِنْده سنة ثَلَاث وَعشْرين، وَعظم شَأْنه، وقصده الرِّجَال من الْأَطْرَاف فَقَامَ مرداويج وَقعد، فَقدر الله قَتله على يَد غلمانه، يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث من ربيع الأول سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلائمائة، وَسَار أَكثر أَصْحَابه إِلَى ابْن بويه، وَمضى كثير مِنْهُم إِلَى بجكم فَقدم بهم بَغْدَاد، ثمَّ سَار عماد الدولة بن بويه إِلَى كرمان فِي سنة أَربع وَعشْرين، وَكَانَت
стр. 32
لَهُ بهَا حجروب ظفر فِيهَا، ثمَّ قدم عَلَيْهِ أَبُو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد البربدي فِي سنة سِتّ وَعشْرين، وأطعمه فِي الْعرَاق والاستيلاء عَلَيْهِ، فَسَار وَملك عدَّة بِلَاد، وسير أَخَاهُ ركن الدولة على عَسَاكِر، وَكَانَ لَهما أنباء وقصص. وَجَرت فِي بَغْدَاد حوادث عَظِيمَة آلت إِلَى مسير معز الدولة أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن بويه إِلَى بَغْدَاد فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة، فحاربه أَمِير الْأُمَرَاء توزون فِي ذِي الْقعدَة، وهزمه عَن بَغْدَاد فَلَمَّا مَاتَ توزون قدم معز الدول بَغْدَاد، وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي يَوْم السبت حادي عشر جمادي الأول سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة. قَالَ الْوَزير أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عَليّ بن مقلة: ((إِنَّنِي أزلت دولة بني الْعَبَّاس وأسلمتها إِلَى الديلم، لِأَنِّي كاتبت الديلم وَقت إنفاذي إِلَى أَصْبَهَان، وأطمعتهم فِي سَرِير الْملك بِبَغْدَاد، فَإِن اجتنيت ثَمَرَة ذَلِك فِي حَياتِي، وَإِلَّا فَهِيَ تجتنبي بعد موتِي)) ، فَكَانَ كَمَا قَالَ. وَلما ملك معز الدولة بَغْدَاد خلع الْخَلِيفَة المستكفي بِاللَّه عبد الله، وَنهب الديلم دَار الْخلَافَة حَتَّى لم يبْق فِيهَا شَيْء، وَأقَام الْمُطِيع لله الْفضل بن المقتدر، وَلم يَجْعَل لَهُ أمرا وَلَا نهيا وَلَا رَأيا، وَلَا مكنه من إقامه وَزِير، بل صَارَت الوزارة إِلَيْهِ يستوزر لنَفسِهِ من يُرِيد، وشنغ هُوَ والديلم على بني الْعَبَّاس، بِأَنَّهُم غصبوا الْخلَافَة وأخذوها من مستحقيها، وَأَرَادَ معز الدولة إبِْطَال دَعْوَة بني الْعَبَّاس، وَإِقَامَة دَعْوَة الْمعز لدين الله أبي تَمِيم معز الفاطمي، حَتَّى رجعه أَصْحَابه عَن ذَلِك. وَبعث نوابه فتسلموا الْعرَاق، وَلم يبْق بيد الْخَلِيفَة مِنْهُ شَيْء أَلْبَتَّة، إِلَّا مَا أقطعه مِمَّا لَا يقوم بِبَعْض حَاجته، وَملك الْبَصْرَة فناخسرو بن ركن الدولة أبي على الْحسن بن بويه، فَكَانَت مُدَّة إمارته سِتّ عشرَة سنة،
стр. 33
وَلم يتْرك غير بنت وَاحِدَة. وَكَانَ عماد الدولة فِي حَيَاته هُوَ أَمِير الْأُمَرَاء فَلَمَّا مَاتَ صَار أَخُوهُ ركن الدولة أَبُو عَليّ الْحسن بن بويه أَمِير الْأُمَرَاء. وَكَانَ معز الدولة أَبُو الْحسن أَحْمد هُوَ المستولي على الْعرَاق والخلافة، وَهُوَ كالنائب عَنْهُمَا إِلَى ان مَاتَ بِبَغْدَاد، لثلاث عشرَة بقيت من ربيع الآخر سنة سِتّ وَخمسين وثلاثمائة، فَكَانَت مُدَّة ملكه لبغداد إِحْدَى وَعشْرين سنة وَأحد عشر شهرا ويومين. وَقَامَ من بعده ابْنه عز الدول أَبُو مَنْصُور يختيار فَسَار إِلَيْهِ ابْن عَمه عضد الدولة أَبُو شُجَاع فناخسرو بن ركن الدولة فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَقبض عَلَيْهِ ثن أطلقهُ، وَضرب عَلَيْهِ الْجند، وَعَاد من بَغْدَاد، فَمَاتَ ركن الدولة لخمس بَقينَ من الْمحرم سنة ستو وَسِتِّينَ وثلاثمائة، واستخلف على ممالكه ابْنه عضد الدولة فَسَار إِلَى الْعرَاق ثَانِيًا وَأخذ بغداغد من بختيار، وخطب لَهُ بهَا، وَلم يكن قبل ذَلِك يخْطب لأحد سوى الْخَلِيفَة وَضرب عضد الدولة أَيْضا على بَابه الطبول ثَلَاث نوبات، وَلم تجر بذلك عَادَة من تقدمه، ونعت الْملك السَّيِّد شاهنشاه الْأَجَل الْمَنْصُور ولي النعم تَاج الْملَّة عضد الدولة أَبَا شُجَاع فناخسرو بن ركن الدولة أبي عَليّ الْحسن بن أبي شُجَاع سبويه بن فناخسروا بن ثَمَان بن كوهي، وَقتل بختيار فِي الْحَرْب لِاثْنَتَيْ عشرَة بقيت من شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة، فَكَانَت مدَّته إِحْدَى عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر، وَعظم أَمر عضد الدولة إِلَى أَن مَاتَ لثمان خلون من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلاثمائة، ومدته مُنْذُ مَاتَ عَمه عماد الدولة بِفَارِس أَربع وَثَلَاثُونَ سنة، ملك مِنْهَا بَغْدَاد خمس سِنِين وَسِتَّة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام. فَقَامَ من بعده ابْنه صمعام الدولة أَبُو كاليجار الْمَرْزُبَان بِبَغْدَاد، أَربع سِنِين وَخَمْسَة أشهر واثنين وَعشْرين يَوْمًا، وَغَلَبَة أَخُوهُ شرف الدول أَبُو الفوارس شيرزيل فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة، ثمَّ سمله وَقَامَ
стр. 34
بِالْأَمر، فلقبه الْخَلِيفَة الطائع بشرف الدولة وزين الْملَّة. وَمَات شرف الدولة بعد سنتَيْن وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام بِبَغْدَاد، فِي ثَانِي جمادي الْآخِرَة سنة تسع وَسبعين وثلاثمائة فَملك بعده أَخُوهُ بهاء الدولة أَبُو نصر خره فَيْرُوز بن عضد الدولة، ولقبه الطائع بهاء الدولة وضياء الْملَّة، ثمَّ زَاد الْقَادِر فِي ألقابه غياث الْأمة شاهنشاه، ثمَّ زَاده قوام الدّين وَنَقله عَن مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى صفى أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَمَات بأرجان فِي خَامِس جمادي الْآخِرَه سنة ثَلَاث وأربعمائه، فَكَانَت مدَّته اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة وَتِسْعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَقَامَ من بعده ابْنه سُلْطَان الدولة أَبُو شُجَاع فناخسرو، فَكَانَت أَيَّامه بِبَغْدَاد - سنة وَاحِد وَسِتَّة أشهر تنقص ثَلَاثَة أَيَّام - على انزعاج، لِكَثْرَة مطَالب الأتراك، فَخرج مِنْهَا وَقد رتب اخاه مشرف الدولة أَبَا عَليّ الْحسن، وَسَار إِلَى الأهواز، وَاسْتقر مشرف الدولة فِي ملك الْعرَاق خمس سِنِين وشهرين وأياما. وَمَات سُلْطَان الدولة بِفَارِس، لأَرْبَع بَقينَ من شَوَّال سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، فَكَانَت إمارته اثنتى عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وأياما وَمَات بعده أَخُوهُ مشرف الدولة بِبَغْدَاد، لثمان يَقِين من رببع الأول سنة سِتّ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، فَسَار أخوهما جلال الدولة أَبُو طَاهِر فَيْرُوز خره بن بهاء الدولة من الْبَصْرَة إِلَى بَغْدَاد، باستدعاء الْخَلِيفَة الْقَادِر، لما حصل فِي بَغْدَاد من مصادرات الأتراك للنَّاس، فَلَمَّا قدمهَا تَلقاهُ الْقَادِر ولقبه ركن الدّين جلال الدولة وَفِي أَيَّامه انحل أَمر الْخلَافَة والسلطنة بِبَغْدَاد، وَانْطَلَقت الْأَيْدِي، وَعجز جلال الدولة عَن إِقَامَة الْأَمر إِلَى أَن مَاتَ، والسلطنة بِبَغْدَاد، وَانْطَلَقت الْأَيْدِي، وَعجز جلال الدولة عَن إِقَامَة الْأَمر إِلَى أَن مَاتَ، فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة، فَكَانَت مدَّته سِتّ عشرَة سنة وَأحد عشر شهرا فاستدعى الْجند ابْنه الْملك الْعَزِيز أَبَا مَنْصُور خره فَيْرُوز، فَلم يَنْتَظِم لَهُ أَمر، واستنجد الْمُلُوك فَلم ينجدوه، فكاتب عَسْكَر بَغْدَاد عز الْمُلُوك أَبَا كاليجار الْمَرْزُبَان بن سُلْطَان الدولة أبي شُجَاع فناخسرو بن بهاء الدولة أبي نصر خره فَيْرُوز بن عضد الدولة، ولقبه الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله شاهنشاه عز الْمُلُوك، وحملت إِلَيْهِ الْخلْع واللواء وخطب لَهُ، فَسَار وَقدم بَغْدَاد، وَمَات سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة. وَملك بعده ابْنه الْملك الرَّحِيم أَبُو نصر خره فَيْرُوز بن عز الْمُلُوك، وَكَانَ عز الْمُلُوك قد سَار إِلَى كرمان، فَهَلَك فِي طَريقَة لأَرْبَع سِنِين
стр. 35
من ولَايَته. فَقَامَ من بعده بِبَغْدَاد الْملك الرَّحِيم بمبايعة الْجند لَهُ، وثار فِي أَيَّامه الْأَمِير أرسلان البساسيري وَملك بَغْدَاد، ثمَّ قدم طغرلبك والسلجوقية، وَقبض على الْملك الرَّحِيم وسجنه حَتَّى مَاتَ. فَكَانَت عدَّة من ملك بَغْدَاد من بني بويه أحد عشر، ومدتهم بِبَغْدَاد إِلَى ان انقرضوا على يَد السلجوقية مائَة وَثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا، أَولهَا يَوْم وصل معز الدولة إِلَى بَغْدَاد وَآخِرهَا يَوْم وُصُول طغرلبك إِلَى بَغْدَاد، ومدتهم مُنْذُ ملك عماد الدولة بِلَاد فَارس مائَة وَخمْس عشرَة سنة وَثَلَاث أشهر وَسِتَّة أَيَّام.
ذكر دولة السلجوقية
وَكَانَ ابْتِدَاء أَمر السلجوقية أَنهم أخلاط من التّرْك، كانو يصيفون فِي بِلَاد البلغار ويشتون فِي تركستان وينهبون مَا طرقوه. وَكَانَ من مقدميهم رجل يُقَال لَهُ دقاق، فولد لَهُ سلجوق بجموعة مهادر من دَار الْحَرْب إِلَى ديار إلإسلام وَأسلم وَأقَام بنواحي بخاري وَصَارَ يَغْزُو التّرْك، وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد أرسلان وميخائيل ومُوسَى. وَمَات سلجوق بجند وَرَاء بخاري، عَن مائَة وَسَبْعَة أَعْوَام، وَبَقِي وَلَده على مَا كَانَ عَلَيْهِ من غَزْو التّرْك، فَقتل ميخائيل شَهِيدا. وَخلف ميخائيل بيغو وطغرلبك وينال وجغري بك دَاوُد. ثمَّ إِنَّهُم قربوا من بخاري فأساء أميرها جوارهم، فَرَجَعُوا إِلَى بغراخاني ملك تركستان وجاوروه، وتعاهد طغرلبك وَأَخُوهُ دَاوُد أَلا يجتمعا عِنْد بغراخان. وحاول على مجتمعها فَلم يطق، فَقبض على طغرلبك وَأرْسل عسكره إِلَى أَخِيه، دَاوُد، فَانْهَزَمَ الْعَسْكَر وأتبعوه وخلصوا طغرلبك من أسريه، وعادوا إِلَى جند، وَأَقَامُوا بهَا إِلَى انْقِرَاض الدولة السامانية وَملك أيلك خَان بخاري، فَعظم عِنْده مَحل أرسلان بن سلجوق.
стр. 36
وَلما رَجَعَ أيلك خَان عَن بخاري ولي عَلَيْهَا على تكين فَبَقيَ مَعَه أرسلان إِلَى أَن عبر مَحْمُود بن سبكيكين النَّهر إِلَى بخاري، وهرب على تكين فَدخل أرسلان وَقَومه الْمَفَازَة، وكاتبه مَحْمُود ولاطفه حَتَّى قدم عَلَيْهِ، فَقَبضهُ وَنهب أحياءه، وَأَجَازَهُمْ النَّهر وفرقهم فِي نواحي خُرَاسَان، وَوضع عَلَيْهِم الْخراج، فلحقهم جور الْعمَّال، فَسَار مِنْهُم جمَاعَة أرسلان إِلَى أَصْبَهَان، وحاربهم عَلَاء الدّين بن كاكوية حروبا كَثِيرَة، إِلَى أنم سَارُوا إِلَى أذربيجان وَكَانُوا يعْرفُونَ بَين التّرْك بالغز. وَسَار طغرلبك وَأَخُوهُ دَاوُد وبيغو من خُرَاسَان إِلَى بخاري، وَجمع على تكين عسكره وأوقع بهم، فعادوا إِلَى
стр. 37
خُرَاسَان وخيموا بِظَاهِر خوارزم فِي سنة خمس وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة، وَاتَّفَقُوا مَعَ خوارزم شاه هَارُون بن التونتاش، ثمَّ عذر بهم وكبسهم، فَسَارُوا إِلَى جِهَة مرو، فَأرْسل إِلَيْهِم مَسْعُود بن مَحْمُود بن سبكتكين جَيْشًا فَهَزَمَهُمْ، واستغل أَصْحَابه بالغنائم فَرجع الغز وهزموهم ونهبوهم، فاستمالهم مَسْعُود بعْدهَا وَكَانَ ببلخ، فطلبوا مِنْهُ إِطْلَاق عمهم أرسلان الَّذِي قَبضه مَحْمُود بن سبكتكين، فَشرط حضورهم فَأَبَوا. وعادت الْحَرْب وهزموا عساكره، وقوى أَمرهم واستولوا على غَالب خُرَاسَان، وَفرقُوا الْعمَّال وخطب لطغرلبك فِي نيسابور. وَسَار دَاوُد إِلَى هرأة، ففرت عَسَاكِر مَسْعُود، وَتركُوا خُرَاسَان حَتَّى أَتَوا غزنة وَسَار مَسْعُود من غزنة إِلَى خُرَاسَان فِي جيوشه، فَفرُّوا أَمَامه وَهُوَ
стр. 38
يتبعهُم، حَتَّى قلت الأزواد وَطَالَ الأمد، ودخلوا الْبَريَّة ومسعود فِي إتباعهم مُدَّة ثَلَاث سِنِين، فَانْتقضَ عَلَيْهِ عسكره، وَرجع السلجوقية وهزموهم أقبح هزيمَة، وَولى مَسْعُود وغنموا مِنْهُ مَا لَا يُحْصى، وعادوا إِلَى خُرَاسَان فملكوها، وَثبتت أَقْدَامهم بهَا، وخطب لَهُم على منابرها، وَوصل مَسْعُود إِلَى غزنة، وَاخْتلف عَلَيْهِ أمراؤه حَتَّى قتل وَملك طغرليك جرجان وطبرستان وَملك بعد ذَلِك خوارزم، ثمَّ سَار إِلَى بلد الْجَبَل وَاسْتولى عَلَيْهَا، فَأسلم من التّرْك خَمْسَة آلَاف خركاه وَتَفَرَّقُوا فِي بِلَاد الْإِسْلَام، وَلم يتَأَخَّر عَن الْإِسْلَام سوى الْخَطَأ والتتار بنواحي الصين. وَبعث طغرلبك أَخَاهُ إِبْرَاهِيم ينَال بن ميخائيل فَملك همذان والدينور، ثمَّ استوحش مِنْهُ وقاتله وَأَخذه، فَبعث ملك الرّوم يطْلب الْهُدْنَة من طغرلبك وهاداه، وَعمر مَسْجِد الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأقَام فِيهِ الصَّلَاة وَالْخطْبَة لطغرلبك. ثمَّ سَار طغرلبك وحاصر أَصْبَهَان حَتَّى أَخذهَا صلحا، ونزلها وَنقل إِلَيْهَا ذخائره، وَأَتَاهُ ملك الأكراد فأقره على بِلَاده شهرزور وَغَيرهَا، ثمَّ أنفذ رَسُوله إِلَى الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله بالهدايا، وَسَار يُرِيد بَغْدَاد، فَدَخلَهَا لخمس بَقينَ من رَمَضَان
стр. 39
سنة سبع وَأَرْبَعين وأربعمائه. ونعت بالسلطان ركن الدّين أبي طَالب مُحَمَّد طغرليك بن مِيكَائِيل بن سلجوق بن قنق بن جِبْرِيل بن دَاوُد بن أَيُّوب بن دقاق بن إلْيَاس بن بهْرَام ابْن يُوسُف بن عَزِيز بن أَحْمد بن دهقان، وَقبض على الْملك الرَّحِيم أبي نصر وعَلى قواده، وأزال دولة بني بويه. ثمَّ توجه إِلَى نَصِيبين وديار بكر وَاسْتولى على الموسل، وَترك عَلَيْهَا أَخَاهُ ينَال إِبْرَاهِيم، فَخَالف على طغرليك، وَتوجه إِلَى همذان، فَسَار إِلَيْهِ طغرلبك وَقَتله، ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَقد ملكهَا أَبُو الْحَارِث أرسلان البساسيري، فَأَعَادَ الْقَائِم إِلَى الْخلَافَة وَقتل البساسيري، ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد الْجَبَل فَمَاتَ بِالريِّ فِي ثامن شهر رَمَضَان سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة، فَكَانَت مُدَّة ملكة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ سنة تنقص عشْرين يَوْمًا، وَلم يخلف ولدا، فَملك بعده ابْن أَخِيه عضد الدولة أَبُو شُجَاع مُحَمَّد ألب أرسلان بن جغري بك بن دَاوُد ميخائيل بن سلجوق، وَسَار إِلَى
стр. 40
حلب وَأقر صَاحبهَا مَحْمُود بن نصر بن صَالح بن مرداس عَلَيْهَا، وَلَقي ملك الرّوم وهزمه، وَبعث جيوشة فَأخذت الْقُدس والرملة من خلفاء مصر الفاطمين وحصرت دمشق. وَمَات ألب أرسلان بَعْدَمَا رَجَعَ من حلب إِلَى مَا وَرَاء النَّهر، فِي ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ. وَملك بعده ابْنه السُّلْطَان جلال الدولة أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد ملك شاه بن عضد الدولة أبي شُجَاع ألب أرسلان بن دَاوُد بن ميخائيل بن سلجوق تسع عشرَة سنة وشهرا، وَمَات فِي نصف شَوَّال سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَعمرَة سبع ثَلَاثُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر، وَكَانَ يخْطب لَهُ من أقْصَى بِلَاد التّرْك إِلَى بِلَاد الْيمن، وَفِي أَيَّامه ملك دمشق أتسز، ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ تتش بن ألب أرسلان، فاستمرت بأيدي التّرْك، وَبعث ملك شاه أَيْضا آقسنقر قسيم الدولة فَملك الْموصل، وآقسنقر هَذَا هُوَ وَالِد عماد الدّين زنكي. ثمَّ قدم ملك شاه إِلَى حلب وَسلمهَا إِلَى آقسنقر، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد. وَملك بعد ملك شاه ابْنه مَحْمُود وعمره أَربع سِنِين، فَقَامَتْ أمه ترْكَان خاتون بتدبيره، فثار عَلَيْهِ أَخُوهُ بركياروق بن ملكشاه واستبد بِالْأَمر، وَكَانَت لَهُ أَيْضا حروب مَعَ أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وسنجر إِلَى أَن مَاتَ ثَانِي شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَتِسْعين، عَن خمس وَعشْرين سنة،
следующие страницы →