Полный текст (3 250 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَلما رَجَعَ أيلك خَان عَن بخاري ولي عَلَيْهَا على تكين فَبَقيَ مَعَه أرسلان إِلَى أَن عبر مَحْمُود بن سبكيكين النَّهر إِلَى بخاري، وهرب على تكين فَدخل أرسلان وَقَومه الْمَفَازَة، وكاتبه مَحْمُود ولاطفه حَتَّى قدم عَلَيْهِ، فَقَبضهُ وَنهب أحياءه، وَأَجَازَهُمْ النَّهر وفرقهم فِي نواحي خُرَاسَان، وَوضع عَلَيْهِم الْخراج، فلحقهم جور الْعمَّال، فَسَار مِنْهُم جمَاعَة أرسلان إِلَى أَصْبَهَان، وحاربهم عَلَاء الدّين بن كاكوية حروبا كَثِيرَة، إِلَى أنم سَارُوا إِلَى أذربيجان وَكَانُوا يعْرفُونَ بَين التّرْك بالغز. وَسَار طغرلبك وَأَخُوهُ دَاوُد وبيغو من خُرَاسَان إِلَى بخاري، وَجمع على تكين عسكره وأوقع بهم، فعادوا إِلَى
стр. 37
خُرَاسَان وخيموا بِظَاهِر خوارزم فِي سنة خمس وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة، وَاتَّفَقُوا مَعَ خوارزم شاه هَارُون بن التونتاش، ثمَّ عذر بهم وكبسهم، فَسَارُوا إِلَى جِهَة مرو، فَأرْسل إِلَيْهِم مَسْعُود بن مَحْمُود بن سبكتكين جَيْشًا فَهَزَمَهُمْ، واستغل أَصْحَابه بالغنائم فَرجع الغز وهزموهم ونهبوهم، فاستمالهم مَسْعُود بعْدهَا وَكَانَ ببلخ، فطلبوا مِنْهُ إِطْلَاق عمهم أرسلان الَّذِي قَبضه مَحْمُود بن سبكتكين، فَشرط حضورهم فَأَبَوا. وعادت الْحَرْب وهزموا عساكره، وقوى أَمرهم واستولوا على غَالب خُرَاسَان، وَفرقُوا الْعمَّال وخطب لطغرلبك فِي نيسابور. وَسَار دَاوُد إِلَى هرأة، ففرت عَسَاكِر مَسْعُود، وَتركُوا خُرَاسَان حَتَّى أَتَوا غزنة وَسَار مَسْعُود من غزنة إِلَى خُرَاسَان فِي جيوشه، فَفرُّوا أَمَامه وَهُوَ
стр. 38
يتبعهُم، حَتَّى قلت الأزواد وَطَالَ الأمد، ودخلوا الْبَريَّة ومسعود فِي إتباعهم مُدَّة ثَلَاث سِنِين، فَانْتقضَ عَلَيْهِ عسكره، وَرجع السلجوقية وهزموهم أقبح هزيمَة، وَولى مَسْعُود وغنموا مِنْهُ مَا لَا يُحْصى، وعادوا إِلَى خُرَاسَان فملكوها، وَثبتت أَقْدَامهم بهَا، وخطب لَهُم على منابرها، وَوصل مَسْعُود إِلَى غزنة، وَاخْتلف عَلَيْهِ أمراؤه حَتَّى قتل وَملك طغرليك جرجان وطبرستان وَملك بعد ذَلِك خوارزم، ثمَّ سَار إِلَى بلد الْجَبَل وَاسْتولى عَلَيْهَا، فَأسلم من التّرْك خَمْسَة آلَاف خركاه وَتَفَرَّقُوا فِي بِلَاد الْإِسْلَام، وَلم يتَأَخَّر عَن الْإِسْلَام سوى الْخَطَأ والتتار بنواحي الصين. وَبعث طغرلبك أَخَاهُ إِبْرَاهِيم ينَال بن ميخائيل فَملك همذان والدينور، ثمَّ استوحش مِنْهُ وقاتله وَأَخذه، فَبعث ملك الرّوم يطْلب الْهُدْنَة من طغرلبك وهاداه، وَعمر مَسْجِد الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأقَام فِيهِ الصَّلَاة وَالْخطْبَة لطغرلبك. ثمَّ سَار طغرلبك وحاصر أَصْبَهَان حَتَّى أَخذهَا صلحا، ونزلها وَنقل إِلَيْهَا ذخائره، وَأَتَاهُ ملك الأكراد فأقره على بِلَاده شهرزور وَغَيرهَا، ثمَّ أنفذ رَسُوله إِلَى الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله بالهدايا، وَسَار يُرِيد بَغْدَاد، فَدَخلَهَا لخمس بَقينَ من رَمَضَان
стр. 39
سنة سبع وَأَرْبَعين وأربعمائه. ونعت بالسلطان ركن الدّين أبي طَالب مُحَمَّد طغرليك بن مِيكَائِيل بن سلجوق بن قنق بن جِبْرِيل بن دَاوُد بن أَيُّوب بن دقاق بن إلْيَاس بن بهْرَام ابْن يُوسُف بن عَزِيز بن أَحْمد بن دهقان، وَقبض على الْملك الرَّحِيم أبي نصر وعَلى قواده، وأزال دولة بني بويه. ثمَّ توجه إِلَى نَصِيبين وديار بكر وَاسْتولى على الموسل، وَترك عَلَيْهَا أَخَاهُ ينَال إِبْرَاهِيم، فَخَالف على طغرليك، وَتوجه إِلَى همذان، فَسَار إِلَيْهِ طغرلبك وَقَتله، ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَقد ملكهَا أَبُو الْحَارِث أرسلان البساسيري، فَأَعَادَ الْقَائِم إِلَى الْخلَافَة وَقتل البساسيري، ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد الْجَبَل فَمَاتَ بِالريِّ فِي ثامن شهر رَمَضَان سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة، فَكَانَت مُدَّة ملكة ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ سنة تنقص عشْرين يَوْمًا، وَلم يخلف ولدا، فَملك بعده ابْن أَخِيه عضد الدولة أَبُو شُجَاع مُحَمَّد ألب أرسلان بن جغري بك بن دَاوُد ميخائيل بن سلجوق، وَسَار إِلَى
стр. 40
حلب وَأقر صَاحبهَا مَحْمُود بن نصر بن صَالح بن مرداس عَلَيْهَا، وَلَقي ملك الرّوم وهزمه، وَبعث جيوشة فَأخذت الْقُدس والرملة من خلفاء مصر الفاطمين وحصرت دمشق. وَمَات ألب أرسلان بَعْدَمَا رَجَعَ من حلب إِلَى مَا وَرَاء النَّهر، فِي ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ. وَملك بعده ابْنه السُّلْطَان جلال الدولة أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد ملك شاه بن عضد الدولة أبي شُجَاع ألب أرسلان بن دَاوُد بن ميخائيل بن سلجوق تسع عشرَة سنة وشهرا، وَمَات فِي نصف شَوَّال سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَعمرَة سبع ثَلَاثُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر، وَكَانَ يخْطب لَهُ من أقْصَى بِلَاد التّرْك إِلَى بِلَاد الْيمن، وَفِي أَيَّامه ملك دمشق أتسز، ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ تتش بن ألب أرسلان، فاستمرت بأيدي التّرْك، وَبعث ملك شاه أَيْضا آقسنقر قسيم الدولة فَملك الْموصل، وآقسنقر هَذَا هُوَ وَالِد عماد الدّين زنكي. ثمَّ قدم ملك شاه إِلَى حلب وَسلمهَا إِلَى آقسنقر، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد. وَملك بعد ملك شاه ابْنه مَحْمُود وعمره أَربع سِنِين، فَقَامَتْ أمه ترْكَان خاتون بتدبيره، فثار عَلَيْهِ أَخُوهُ بركياروق بن ملكشاه واستبد بِالْأَمر، وَكَانَت لَهُ أَيْضا حروب مَعَ أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وسنجر إِلَى أَن مَاتَ ثَانِي شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَتِسْعين، عَن خمس وَعشْرين سنة،
стр. 41
مِنْهَا مُدَّة وُقُوع اسْم السلطنة عَلَيْهِ اثْنَتَا عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر، قاسي فِيهَا من الحروب وَاخْتِلَاف الْأُمُور مَا لم يقاسه غَيره. وأقيم بعده ابْنه ملكشاه بن بركياروق، وعمره أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر، ولقبه جلال الدولة، وَقَامَ بأَمْره الْأَمِير أياز الأتابك إِلَى أَن قتل فِي ثَالِث عشر جمادي الْآخِرَة، بَعْدَمَا سلم أَمر الدولة إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان. فَقَامَ مُحَمَّد بِأَمْر المملكة إِلَى أَن مَاتَ، فِي رَابِع عشري ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة، عَن سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر، مِنْهَا مُدَّة اجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ اثْنَتَا عشرَة سنة وشتة أشهر، وَلَقي مشاق وأخطار كَثِيرَة فأقيم بعده ابْنه مَحْمُود بن الْحَارِث سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان وقاتله، فَانْهَزَمَ مِنْهُ مَحْمُود، خطب لنسجر بِبَغْدَاد فِي سادس عشرى جمادي الأول سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة، وَقطعت خطْبَة مَحْمُود، ثمَّ اصطلحا وَجعل سنجر ابْن أَخِيه مَحْمُودًا ولي الْعَهْد بعده، وَكتب إِلَى جَمِيع الْأَعْمَال الَّتِي بيدهك بِأَن يخْطب للسُّلْطَان مَحْمُود بعده، وَأعَاد جَمِيع مَا أَخذ من الْبِلَاد، فَخَطب لَهما بِبَغْدَاد وَغَيرهَا. وَعَاد سنجر إِلَى ولاتيه، وَاسْتمرّ مَحْمُود فِي السلطنة، فتنكر الْحَال بَينه وَبَين الْخَلِيفَة المسترشد بِاللَّه واقتتلا، ثمَّ اصطلحا فِي عَاشر شهر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَار مَحْمُود عَن بَغْدَاد، وَولى عماد الدّين زنكي بن آقسنقر شحنكيتها، ثمَّ نَقله إِلَى الْموصل، وأضاف إِلَيْهِ الجزيرة، فاشتدت وطأته بهَا حَتَّى ملك حلب أول الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين، ثمَّ ملك حماة وعدة حصون بِالشَّام. وَمَات السُّلْطَان مَحْمُود فِي شَوَّال سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة بهمذان عَن سبع وَعشْرين سنة، مِنْهَا ولَايَته السلطنة اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا، فَأقْعدَ بعده فِي
стр. 42
السلطنة ابْنه دَاوُد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه، فنازعه عَمه السُّلْطَان مَسْعُود، وقاتله ثمَّ اصطلحا، وَطلب مَسْعُود من الْخَلِيفَة المسترشد أَن يخْطب لَهُ بِبَغْدَاد، فَأجَاب بِأَن الحكم فِي الْخطْبَة يَنْبَغِي أَن تكون لَهُ وَحده، فَوَافَقَ ذَلِك غَرَض سنجر، فَاشْتَدَّ ذَلِك على مَسْعُود، وعزم على أَخذ السلطنة، فسبقه أَخُوهُ السُّلْطَان سلجوق شاه بن السُّلْطَان مُحَمَّد إِلَى بَغْدَاد، وَكَانَت أُمُور آلت إِلَى ان يكون مَسْعُود بن مُحَمَّد بن السُّلْطَان ملكشاه سُلْطَانا، وسلجوق شاه ولي عَهده، وَقطعت خطْبَة سنجر من الْعرَاق جميعة. وَكَانَ عماد الدّين زنكي قد قدم نصْرَة لمسعود، فَهَزَمَهُ أَصْحَاب سلجوق شاه هزيمَة قبيحة، فَلَمَّا وصل تكريت أَقَامَ لَهُ نجم الدّين أَيُّوب بن شادي الدزدار بهَا المعابر حَتَّى خلص إِلَى بِلَاده، فَشكر ذَلِك لنجم الدّين وقربه، فَكَانَ ذَلِك سَببا لاتصال نجم الدّين بِهِ والمصير فِي جملَته، حَتَّى آل بهم الْأَمر إِلَى ملك مصر وَالشَّام وَغَيرهمَا. واقتتل مَسْعُود وسنجر، فَانْهَزَمَ مَسْعُود وَقتل أَصْحَابه، ثمَّ أحضر إِلَى سنجر فَعَاتَبَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى كنجة وأجلس ابْن أَخِيه الْملك طغرل بن السُّلْطَان مُحَمَّد فِي السلطنة، وخطب لَهُ فِي جَمِيع الْبِلَاد، وَذَلِكَ فِي ثامن رَجَب وَعشْرين فَلَمَّا كَانَ فِي رَمَضَان اقتتل الْملك طغرك بن مُحَمَّد هُوَ وَابْن أَخِيه الْملك دَاوُد بن مَحْمُود، فَانْهَزَمَ دَاوُد، فَلَمَّا سمع ذَلِك السُّلْطَان مَسْعُود بن مُحَمَّد سَار
стр. 43
إِلَى بَغْدَاد، فَلَقِيَهُ دَاوُد وَدخل مَعَه إِلَيْهَا، فِي صفر سنة سبع وَعشْرين، وأعيدت لَهُ الْخطْبَة بهَا ولداود مَعَه، وخلع عَلَيْهِمَا الْخَلِيفَة. ثمَّ سَار لمحاربة طغرل، فحارباه وهزماه فِي شعْبَان، فامتدت الْحَرْب بَينهم إِلَى شَوَّال. ثمَّ عَاد طغرل بن مُحَمَّد، وَأجلى أَخَاهُ مسعودا عَن بِلَاده فِي رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين، فَقدم بمسعود بَغْدَاد فِي نصف شَوَّال، فَأكْرمه الْخَلِيفَة المسترشد وأنزله وأنعم عَلَيْهِ. ثمَّ قدم الْخَبَر بوفاة طغرل بن مُحَمَّد، فِي الْمحرم سنة تسع وَعشْرين، فَسَار مَسْعُود إِلَى همذان وَاسْتولى عَلَيْهَا، وَكَانَ قبل ذَلِك قد نافر الْخَلِيفَة، فَقطع المسترشد خطبَته من بَغْدَاد وَسَار لقتاله، فبرز إِلَيْهِ مَسْعُود وقاتله فِي عَاشر رَمَضَان وَأَخذه أَسِيرًا، وَبعث إِلَى بَغْدَاد فَقبض على أَمْلَاك الْخَلِيفَة، وَكسر ميبره وشباكه. ثمَّ قتل الْخَلِيفَة بيد الباطنية، وأقيم بعده الراشد خَليفَة، فَسَار الْملك دَاوُد بن السُّلْطَان مَحْمُود فِي عَسْكَر أذربيجان إِلَى بَغْدَاد، ققدمها رَابِع صفر سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، وَأقَام برنقش على شحنكيتها. وَقطعت خطْبَة السُّلْطَان مَسْعُود وخطب لداود، فَسَار مَسْعُود إِلَى بَغْدَاد وحصرها نيفا وَخمسين يَوْمًا، فَكَانَت أُمُور آلت إِلَى عود الْملك دَاوُد إِلَى بِلَاده فِي ذِي الْقعدَة، وَإِلَى تفرق الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا مَعَه، وَسَار الْخَلِيفَة الراشد من بَغْدَاد إِلَى الْموصل فِي نفر يسير مَعَ عماد الدّين زنكي فَلَمَّا سمع السُّلْطَان مَسْعُود بمفارقة الْخَلِيفَة وزنكي بَغْدَاد سَار إِلَيْهَا ودخلها فِي نصف ذِي الْقعدَة، وخلع الراشد وَأقَام المقتفي لأمر الله أباع عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر فِي الْخلَافَة، وزوجه أُخْته فَاطِمَة على مائَة ألف دِينَار صَدَاقا. فَسَار الراشد بِاللَّه من الْموصل إِلَى مراغة فَأَتَاهُ الْملك دَاوُد فِي جمَاعَة ليَرُدهُ
стр. 44
إِلَى الْخلَافَة، فَسَار السُّلْطَان مَسْعُود من بَغْدَاد فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وحاربهم وَهَزَمَهُمْ، فَحمل عَلَيْهِ بعض من انحاز مِنْهُم إِلَى تل فَلم يثبت لَهُم وَانْهَزَمَ، وَمَا زَالَ حَتَّى صَار إِلَى أذبيجان، وَقصد دَاوُد همذان زمعه الراشد، وَسَار سلجوق شاه بن مُحَمَّد إِلَى بَغْدَاد ليملكها فَمنع مِنْهَا، وَسَار مَسْعُود ليمنع دَاوُد من أَخذ الراشد ومسيره بِهِ إِلَى الْعرَاق، فَترك دَاوُد الراشد، وَعَاد إِلَى فَارس، فَقتل الراشد بيد الباطنية أَيْضا. وَضَاقَتْ الْأُمُور على السُّلْطَان مَسْعُود، وَكَثُرت الْخَوَارِج عَلَيْهِ وَسَار عماد الدّين زنكي إِلَى دمشق، وحصرها مرَّتَيْنِ وَملك بعلبك، وَحَارب السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه خوارزم شاه أتسز بن قطب الدّين مُحَمَّد أنوشتكين، فَقتل ابْن خوارزم شاه، فَبعث خوارزم شاه إِلَى الْخَطَأ وهم بِمَا وَرَاء النَّهر فأطعمهم فِي الْبِلَاد وتزود مِنْهُم، فَسَارُوا فِي ثَلَاثمِائَة ألف فَارس، فحاربهم سنجر، فَقتلُوا مِنْهُ نَحْو مائَة ألف، وهزموه فِي صفر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، فَأخذ خوارزم شاه مَدِينَة مرو. فَسَار السُّلْطَان مَسْعُود إِلَى الرّيّ، وَقد اسْتَقَرَّتْ دولة الْخَطَأ وَالتّرْك الْكفَّار بِمَا وَرَاء النَّهر، وَأخذ خوارزم شاه نيسابور أَيْضا. وَقطع خطْبَة السُّلْطَان سنجر أول ذِي الْقعدَة، وخطب باسمه، وعاث أَصْحَابه فِي خُرَاسَان وَعَلمُوا أعمالاً قبيحة. ثمَّ آل أَمر أتسز خوارزم شاه إِلَى مصالحة السُّلْطَان سنجر، فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ. وَأقَام بخزارزم على مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَأقَام سنجدر بمرو.
стр. 45
وَمَات أتابك عماد الدّين زنكي آقسنقر صَاحب الْموصل وَالشَّام، قَتله بعض مماليكه فِي خَامِس ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، فَسَار ابْنه نور الدّين مَحْمُود بن زنكي إِلَى حلب فملكها، وَملك سيف الدّين غَازِي بن زنكي الْموصل. وَمَات السُّلْطَان مَسْعُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بهمذان، أول رَجَب سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَمَاتَتْ مَعَه سَعَادَة بني سلجوق، فَلم يقم بعده لَهُم راية يعْتد بهَا. فَقَامَ بعده ملكشاه بن السُّلْطَان مَحْمُود، وخطب لَهُ، فَلَمَّا بلغ الْخَلِيفَة المقتفي لأمر الله موت السُّلْطَان مَسْعُود أحَاط بداره ودور أَصْحَابه، وَأخذ كل مَا لَهُم، وَجمع الرِّجَال والعساكر وَأكْثر من الأجناد، وجهز إِلَى الْحلَّة والكوفة وواسط العساكر فَأَخَذُوهَا. ثمَّ إِن الْأَمِير خَاص بك قبض على ملكشاه وَبَعثه إِلَى خوزستان واستدعي أَخَاهُ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن خوزستان، وَأَجْلسهُ على تخت السلطنة، فِي أَوَائِل صفر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين، فَقتل مُحَمَّد خَاص بك ثَانِي يَوْم قدومه، وَملك نور الدّين مَحْمُود بن زنكي دمشق فِي صفر سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، واستولي شملة التركماني على خوزستان فِي سنة خمسين وَخَمْسمِائة، وأزاح عَنْهَا ملكشاه بن السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد.
стр. 46
وضعفت يَد السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان، حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا اسْم السلطنة، وَأخذ الغز نيسابور بِالسَّيْفِ، ففر مِنْهُم سنجر فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَخمسين إِلَى ترم ثمَّ إِلَى جيحون يُرِيد خُرَاسَان، ثمَّ عَاد إِلَى دَار ملكه بمرو. وَسَار السُّلْطَان مُحَمَّد شاه بن مَحْمُود بن همذان، وَحصر بَغْدَاد فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا، لِامْتِنَاع الْخَلِيفَة من الْخطْبَة لَهُ، إِلَى أَن عَاد إِلَى همذان فِي أخريان ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين، وَلم ينل طائلا من بَغْدَاد. وَمَات السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين، وَقد خطب لَهُ على أَكثر مَنَابِر الْإِسْلَام أرسلان نَحْو أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَ قبلهَا يُخَاطب بِالْملكِ عشْرين سنة. واستخلف بعده على خُرَاسَان الْملك مَحْمُود بن مُحَمَّد بن بغراخان وَهُوَ ابْن أُخْته. وَمَات السُّلْطَان مُحَمَّد شاه ابْن مَحْمُود بن مُحَمَّد فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَخمسين بهمذان، عَن اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة، وَترك ولدا صَغِيرا، فَاخْتلف الْأُمَرَاء بعده، فَمنهمْ من أَرَادَ أَن يملك ملكشاه بن مَحْمُود، وَمِنْهُم من طلب سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد وَطلب قوم أرسلان شاه بن طغرل. فَسَار ملكشاه من خوزستان إِلَى أصفهان وملكها، فَخَالف عَلَيْهِ أهل همذان وطلبوا سُلَيْمَان شاه، فَسَار من الْموصل أول سنة خمس وَخمسين يُرِيد همذان، فَقبض عَلَيْهِ بهَا فِي شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين، وخطب لأرسلان شاه بن الْملك طغرل بن مُحَمَّد. وَمَات ملشكاه بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصبهان فِي أثْنَاء السّنة، وخطب بعد لأرسلان شاه بن طغرل بن مُحَمَّد بن ملكشاه بن ألب أرسلان شاه بن جغري بك دَاوُد بن ميخائيل بن سلجوق بهمذان وأعمالها. وَطلب أرسلان شاه من الْخَلِيفَة المستنجد بِاللَّه أَن يخط لَهُ بِبَغْدَاد، كَمَا كَانَت الْعَادة فِي أَيَّام السُّلْطَان مَسْعُود، فأهين رَسُوله وأعيد إِلَيْهِ على أقبح حَالَة، فكير الْخلاف والقتال بَين عَسَاكِر السلجوقية، فَمَاتَ أرسلان فِي سنة ثلا ث وسيعين وخسمائة. وأقيم من بعده ابْنه طغرل بن أرسلان آخر السلاطين السلجوقية، وَكَانَ تَحت أَمر قزل أرسلان إيلدكز، ثمَّ استبد بسلطنته، وَفَارق قزل أرسلان، فَأَقَامَ عوضه معز الدّين سنجر بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن ملكشاه، وطرده ثمَّ ظفر بِهِ وسجنه، ثمَّ خلص وَقتل فِي محاربه خوارزم شاه قَرِيبا من الرّيّ، فِي رَابِع عشري
стр. 47
ربيع الأول سنة تسعين وَخَمْسمِائة، وَحمل رَأسه إِلَى بَغْدَاد فَكَانَ آخر السلجوقية، وَملك بعده خوارزم شاه. فَكَانَت مدتهم، من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة إِلَى سنة تسعين وَخَمْسمِائة، مائَة وَثَمَانِية وَخمسين سنة. وَكَانَ أَسد الدّين شيركوه بن شادي قد تقدم عِنْد نور الدّين مَحْمُود بن زنكي، وَبَعثه أَمِير الْحَاج من دمشق، ثمَّ سيره مَعَ شاور بن مجير السَّعْدِيّ وَزِير الْخَلِيفَة العاضد الفاطمي على عَسْكَر من الغز إِلَى مصر. وَكَانَ شيركوه هَذَا وَأَخُوهُ نجم الدّين من بلد دوين أحد بِلَاد آذربيجان، وأصلهما من الأكراد، فخدما مُجَاهِد الدّين بهروز شحنة بَغْدَاد، فَجعل أَيُّوب مستحفظا لقلعة تكريت، فَسَار إِلَيْهَا وَمَعَهُ أَخُوهُ شيركوه، وَهُوَ أَصْغَر مِنْهُ سنا، فخدم الشَّهِيد زنكي لما انهزم، فَشكر لَهُ ذَلِك. ثمَّ إِن شيركوه قتل رجلا بتكريت، فطرد وَهُوَ وَأَخُوهُ من القلعة، فَسَار إِلَى زنكي فَأحْسن إِلَيْهِمَا، وأقطعهما إقطاعا حسنا، ثمَّ جعل أَيُّوب مستحفظا لقلعة بعلبك، ثمَّ ترقي وَصَارَ من أُمَرَاء دمشق. واتصل شيركوه بِنور الدّين مَحْمُود بن زنكي، وخدمه فِي أَيَّام أَبِيه، فَلَمَّا ملك حلب بعد أَبِيه، كَانَ لنجم الدّين أَيُّوب عمل كَبِير فِي أَخذه دمشق، فزادت مكانتهما عِنْده، وَلم يرد أحد يَلِيق بِهِ أَن يسير مَعَ شاور إِلَى مصر سوى شيركوه، فَبَعثه إِلَيْهَا وَمَعَهُ ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف، فَكَانَ من أمره مَا ذكر فِي أَخْبَار العاضد، فَلَمَّا مَاتَ شيركوه قَامَ من بعد صَلَاح الدّين يُوسُف، كَمَا سنقف عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين
يُوسُف بن أَيُّوب بن شادي بن مَرْوَان بن أبي عَليّ بن عنترة الْحسن بن عَليّ بن أَحْمد بن أبي عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن هدبة بن الْحصين بن الْحَارِث ين سِنَان بن عَمْرو بن مرّة ابْن عَوْف. وَمن هُنَا اخْتلف النسابون: فَقيل عَوْف بن أُسَامَة بن نبهش بن الحارثة صَاحب الْحمالَة بن عَوْف بن أبي حَارِثَة بن مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان. وَيُقَال إِن عَليّ بن أَحْمد يعرف بالخراساني، مدحه المتنبي بقصيد مِنْهَا:
(شَرق الجو بالغبار إِذا ... سَار على بن أَحْمد القمقام)
وَقيل إِن مَرْوَان من أَوْلَاد بني أُميَّة، زعم ذَلِك إِسْمَاعِيل بن طغتكين بن أَيُّوب، وَأنكر
стр. 48
ذَلِك عَمه الْعَادِل أَبُو بكر. وَذكر أَن القادسي أَن شادي كَانَ مَمْلُوكا لبهروز الْخَادِم، وَالْحق أَنه من الأكراد الروادية أحد بطُون الهذبانية، من بلد دوين فِي آخر أذربيجان من جِهَة أران وبلاد الكرج. وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ، أكبرهما أَيُّوب ثمَّ شيركوه، قدم بهما الْعرَاق فخدما عِنْد بهروز، فَجعل أَيُّوب على قلعة تكريت وَكَانَت فِي إقطاعه، وَقيل جعله بعد أَبِيه شادي، فخدم أَيُّوب وشيركوه عماد الدّين زنكي لما انهزم إِلَيْهَا، ثمَّ أَيُّوب تِلْكَ اللَّيْلَة. فلحقا بزنكي، واتصل أَيُّوب بولده غَازِي بن زنكي، وخدم شيركوه مَحْمُود بن زنكي. فَأَقَامَ عماد الدّين غَازِي أَيُّوب بن شادي على قلعة بعلبك، وَمَا زَالَ يترقي حَتَّى صَار من أُمَرَاء دمشق. ولد صَلَاح الدّين يُوسُف بقلعة تكريت فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، وَكَانَ أَبوهُ نجم الدّين أَيُّوب واليا بهَا، ثمَّ انْتقل بِابْنِهِ يُوسُف إِلَى الْموصل، وَصَارَ مِنْهَا إِلَى الشَّام، فَأعْطِي بعلبك، فَأَقَامَ بهَا مُدَّة. وَنَشَأ يُوسُف وَعَلِيهِ لوائح السَّعَادَة، وجالس مَشَايِخ أهل الْعلم، فَجمع لَهُ الشَّيْخ الإِمَام قطب الدّين أَبُو الْمَعَالِي مَسْعُود بن مُحَمَّد بن مَسْعُود النَّيْسَابُورِي عقيدة تحوي جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، فَمن شدَّة حرصه عَلَيْهَا كَانَ يعلمهَا صغَار أَوْلَاده ويأخذها عَلَيْهِم. وَكَانَ يواظب الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة، حَتَّى قَالَ يَوْمًا: ((لي سِنِين مَا صليت إِلَّا فِي جمَاعَة)) . وَكَانَ إِذا مرض استدعي الإِمَام وَحده، وَصلى خَلفه، وَصَارَ فِي خدمَة نور الدّين مَحْمُود بن زنكي، فَخرج مَعَ عَمه أَسد الدّين شيركوه إِلَى مصر، فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة، وقدمها. ثمَّ عَاد إِلَى الشَّام، وقدمها ثَانِيًا مَعَ عَمه، وَحضر وقْعَة الْبَابَيْنِ، وحصره الفرنجة بالإسكندرية. ثمَّ خرج مَعَ عَمه إِلَى الشَّام، وَسَار مَعَه فِي الكرة الثَّالِثَة على كره مِنْهُ فِي الْمسير إِلَى مصر، فَقَدمهَا فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ. وَلما تقاعد شاور عَن إِجَابَة شيركوه، وإعطائه مَا تقدم بِهِ الْوَعْد لنُور الدّين وللعسكر، تشاوروا على الْإِحَاطَة بِهِ وَالْقَبْض عَلَيْهِ، فَلم يَجْسُر عَلَيْهِ أحد مِنْهُم إِلَّا صَلَاح الدّين، فَإِنَّهُ لما قدم عَلَيْهِم شاور على عَادَته فِي كل يَوْم، وَسَارُوا مَعَه لقصد أَسد، الدّين، سَار صَلَاح الدّين إِلَى جانبة وَأخذ بتلابيبه، وَأمر الْعَسْكَر بِأخذ أَصْحَابه، فَفرُّوا عَن شاور، وَنهب الغز مَا كَانَ مَعَهم، وسيق شاور إِلَى المخيم وَقتل. فاستقر أَسد الدّين شيركوه بعده فِي وزارة.
стр. 49
العاضد إِلَى أَن مَاتَ، فِي ثَانِي عشرى جُمَادَى الْآخِرَه من سنة أَربع وَسِتِّينَ. ففوض العاضد وزراته إِلَى صَلَاح الدّين، ونعته بِالْملكِ النَّاصِر، فَمشى الْأَحْوَال، وبذل الْأَمْوَال، واستعبد الرِّجَال، وَتَابَ عَن الْخمر فَترك معاقرته، وَأعْرض عَن اللَّهْو ودبر الْأَمر فِي نوبَة نزُول الفرنج على دمياط أحسن تَدْبِير، حَتَّى رحلوا عَنْهَا خائبين، فنهبت الآتهم، وأحرقت مجانيقهم، وَقتل مِنْهُم خلق كثير، وَتمكن صَلَاح الدّين فِي مصر، فَقدم عَلَيْهِ أَبوهُ نجم الدّين أَيُّوب وأخوته وَأَهله ثمَّ إِنَّه دأب فِي إِزَالَة الدولة الفاطمية وَقطع دابرها ومحو آثارها، فأعانه الله على ذَلِك، وَمَات العاضد وَقد قطع صَلَاح الدّين خطبَته، وَأمر الخطباء بِالدُّعَاءِ لمتستضىء بِنور الله الْعَبَّاس فاستولى على الْقصر وَمَا يحويه من عَاشر الْمحرم سنة سبع وَسِتِّينَ. وَأخذ يتأهب لغزو الفرنجة، وَقد انْفَرد بسلطنة ديار مصر. وَكتب الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي بِشَارَة تقْرَأ فِي سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام بِإِقَامَة الْخطْبَة العباسية بِمصْر، وَبشَارَة ثَانِيَة تقْرَأ بِحَضْرَة الْخَلِيفَة المستضىء بِنور الله فِي بَغْدَاد، على يَد القَاضِي شهَاب الدّين المطهر بن شرف الدّين بن عصرون، فَسَار القَاضِي وَلم يتْرك مَدِينَة وَلَا قَرْيَة إِلَّا وَقَرَأَ فِيهَا المنشور، حَتَّى وصل بَغْدَاد، فَخرج النَّاس إِلَى لِقَائِه، وَدخل يَوْم السبت ثَانِي عشريه، فعلقت أسواق بَغْدَاد بالزينة، وخلع عَلَيْهِ. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشرَة: أخرج الْكَامِل شُجَاع بن شاور، من الْمَكَان الَّذِي قتل فِيهِ بِالْقصرِ وَدفن فِيهِ، فَوجدت الجثة متخلطة بجثني عَمه وأخبه، فَجمعُوا فِي تَابُوت حمل إِلَى قبر شاور، فنبش عه وَأخرج مِنْهُ، وَكَانَ فِي مَكَان غامض، وَحمل فِي تَابُوت وَسَارُوا بالتابوتين إِلَى تربة طي بن شاور فدفنوا بهَا. وَفِي تَاسِع عشرَة: رَحل السُّلْطَان الْملك النَّاصِر من الْقَاهِرَة، وَنزل الْبِئْر الْبَيْضَاء يُرِيد بِلَاد الشَّام، فوصل إِلَى الشوبك فواقع الفرنج، وَعَاد على أَيْلَة وَهلك مِنْهُ نَحْو الْخَمْسَة آلَاف رَأس، مَا بَين جمل وَفرس، فِي هَذِه السفرة.
стр. 50
وفيهَا فرقت الزكوات فِي ثَالِث ربيع الأول على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، وَأَبْنَاء السَّبِيل والغارمين، وَرفع إِلَى بَيت المَال سهم العاملين والمؤلفة وَفِي سَبِيل الله وَفِي الرّقاب. وَأخذت الزَّكَاة من البضائع، وعَلى مَا اقتدر عَلَيْهِ من الْمَوَاشِي وَالنَّخْل والخضراوات، وقررت السِّكَّة باسم المستضىء بِأَمْر الله، وباسم الْملك الْعَادِل نور الدّين، فنقش اسْم كل مِنْهُمَا فِي وَجه، وَذَلِكَ فِي سَابِع شهر ربيع الآخر. وَفِيه قلعت المناطق القضة الَّتِي كَانَت بمحاريب جَوَامِع الْقَاهِرَة الَّتِي فِيهَا أَسمَاء الْخُلَفَاء الفاطمين، وَكَانَ وَزنهَا خَمْسَة آلالف دِرْهَم فضَّة نقرة. وَفِيه أنزل الغز بِالْقصرِ الغربي، وَأخرج من كَانَ سَاكِنا فِيهِ، وَورد الْخَبَر بِأَن الْخُمُور - بعد تعطيلها، وغلق حاناتها وَقطع ذكرهَا، بالإسكندرية - أُعِيدَت ببذل مَال لديوان نجم الدّين أَيُّوب، ففتحت موَاضعهَا وَظَهَرت مناكرها. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة: قرر دِينَار الأسطول بِنصْف وَربع دِينَار، بعد أَن كَانَ بِنصْف وَثمن دِينَار. وَفِي سابعة: ولد عُثْمَان الْملك الْعَزِيز. وَفِي ثَالِث عشرِيَّة: كشف حَاصِل الْقصر بالخزائن الخاصرة، فَوجدَ فِيهَا مائَة صندوق كسْوَة فاخرة، مَا بَين موشح ومرصع، وعقود ثمينة، وذخائر فخمة، وجواهر نفيسة. وَغير ذَلِك من ذخائر عَظِيمَة. وَكَانَ الَّذِي تولى كشفها بهاء الدّين قراقوش. وفيهَا كثرت عَادِية الفار فِي أكل ثمار النّخل والأقصاب وَالْأَشْجَار، وانْتهى الْحَال إِلَى أَن اعتصر من مائَة فدان مزروعة قصبا سِتُّونَ أبلوجا. وَمَعَ هَذَا بالأسعار رخيصة، وَالْغلَّة كل ثَلَاثَة أرادب من الْقَمْح بِدِينَار، وَالشعِير كل ثَمَانِيَة أرادب بِدِينَار، والفول كل أَرْبَعَة عشر أردبا بِدِينَار، وَالسكر كل قِنْطَار بِثَلَاثَة دَنَانِير. وَفِي تَاسِع: وصلت الْخلْع الَّتِي نفذت إِلَى نور الدّين من الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد، وَهِي فرجية سَوْدَاء وطوق من ذهب، فلبسها نور الدّين، وسيرها إِلَى الْملك النَّاصِر ليلبسها، وَكَانَت نفذت لَهُ خلعة ذكر أَنه استقصرها واستصغرها دون قدره. فَبَاتَ الْوَاصِل بِالْخلْعِ بِرَأْس الطابية، فَلَمَّا كَانَ الْعَاشِر مِنْهُ خرج قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين بن درباس وَالشُّهُود والمقرئون والخطباء إِلَى خيمة الْوَاصِل بالخلعة، وَهُوَ من الْأَصْحَاب النجمية، وَزَيْنَب الْبَلَد. وَفِيه ضربت نوب الطبلخاناه بِالْبَابِ الناصري ثَلَاث مَرَّات فِي كل يَوْم، وَضربت بِدِمَشْق خمس مَرَّات كل يَوْم بِالْبَابِ النوري.
стр. 51
وَفِي حادى عشرَة: ركب السُّلْطَان بِالْخلْعِ، وشق بَين القصرين والقاهرة، فَلَمَّا بلغ بَاب زويلة نَزعهَا وأعادها إِلَى دَاره، وبرز للعب الكرة. وفيهَا عَمت بلوى الضائقة بِأَهْل مصر، لِأَن الذَّهَب وَالْفِضَّة خرجا مِنْهَا وَمَا رجعا، وَعدم فَلم يوجدا، ولهج النَّاس بِمَا عمهم من ذَلِك، وصاروا إِذا قيل دِينَار أَحْمَر فَكَأَنَّمَا ذكرت حُرْمَة الغيور لَهُ، وَإِن حصل فِي يَده فَكَأَنَّمَا جَاءَت بِشَارَة الْجنَّة لَهُ. وَمِقْدَار مَا يحدس أَنه خرج من الْقصر مَا بَين دِينَار وَدِرْهَم ومصاغ وجوهر ونحاس وطبوس وأثاث وقماش وَسلَاح مَا لَا يَفِي بِهِ ملك الأكاسرة، وَلَا تتصوره الخواطر، وَلَا تشْتَمل على نيله الممالك، وَلَا يقد على حسابه إِلَّا من يقدر على حِسَاب الْخلق فِي الْآخِرَة وفيهَا عرض السطان العربان الجذاميين، وَكَانَت عدتهمْ سَبْعَة آلَاف فَارس، فاستقرت على ألف وثلاثمائة فَارس لَا غير، وَأخذ بِهَذَا الحكم عشر الْوَاجِب، وَكَانَ أَصله ألف ألف دِينَار، وكلف الثعالبة مثل ذَلِك فامتعضوا، ولوحوا بالتحيز إِلَى الفرنج. وَفِي ثَانِي عشرى رَجَب: أُقِيمَت الْخطْبَة فِي صَلَاة الْجُمُعَة بِمصْر والقاهرة، وَقد نصبت على المنابر الْأَعْلَام السود، وَلبس الخطباء ثيابًا سُودًا أرسل بهَا من بَغْدَاد. وجرس فِي الْبَلَد بألا يتَأَخَّر أحد عَن الْجُمُعَة وحضورها، وَالْفَرِيضَة وأدائها، وَمن عثر عَلَيْهِ عومل بِالْحَبْسِ وَالتَّقْيِيد واللوم والتنفيذ، فَحَضَرَ من لَا يُرِيد الْحُضُور. وَفِي ثَالِث عشرِيَّة: خلع على الْوَفْد الشَّامي خلع مذهبات من بقايا مَا أَخذ من الْقصر، وأقيمت ضيافاتهم وأدرت أنزلاتهم. وَفِي شعْبَان: وَقع برد فِي الدقهلية والمرتاحية كَأَنَّهُ الْأَحْجَار المدورة، فاستهلك، الغلات، وَأصَاب مِنْهَا وَاحِد رَأس نور فَمَاتَ من سَاعَته. وَبلغ وَزنهَا مَا بَين رَطْل كل بردة إِلَى رطلين.
стр. 52
وَفِيه سَارَتْ الرُّسُل من الْقَاهِرَة إِلَى نور الدّين يلبس الْخلْع، وبتقرير مَا أَمر بِهِ صَلَاح لدين من المَال فِي كل سنة. وَفِيه أَمر السُّلْطَان بِصَرْف أهل الذِّمَّة وَالْمَنْع من استخدامهم فِي أَمر سلطاني وَلَا شغل ديواني، فصرف جمَاعَة، وَلم ينْصَرف وَاحِد مِنْهُم من كِتَابَة الغز، وأرجف بإخراجهم من الْبَلَد وَأخذ مساكنهم. فَلَمَّا كَانَ الْخَاص عشر مِنْهُ صرفت جمَاعَة من وُجُوه أهل الذِّمَّة من الاشغال السُّلْطَانِيَّة، وَبَقِي بَعضهم، وَكتاب الغز على حَالهم، وامتنعوا من صرفهم بِأَنَّهُم قد دبروا أَمرهم، ويخشون بإخراجهم ضيَاع أُمُورهم. وَفِي حادي عشرِيَّة: خرج السُّلْطَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة، وَسبب خُرُوجه إِلَيْهَا كَثْرَة رِجَاله وَقلة أَمْوَاله بِحَيْثُ ضَاقَ بِهِ التَّدْبِير، فَقيل بِهِ إِن فِي بِلَاد برقة أَمْوَالًا متسعة، وَلَيْسَ بهَا إِلَّا عربان غير مَانِعَة، فَخرج لذَلِك. وَعقد بالإسكندرية منشورا، حشره أَبوهُ نجم الدّين أَيُّوب وشهاب الدّين الحارمي وتقى الدّين عمر بِسَبَب الْمسير إِلَى بِلَاد الغرب، ومبادرة زَرعهَا قبل حَصَاده. وكوتب من بِمصْر والقاهرة من الْجند بالحضور، وتجهيز. الْأَسْوَاق من السقطين والبياطرة وَغَيرهم، وكوتب العربان بِطَلَب الزكوات وَالْإِنْكَار عَلَيْهِم فِي قطع الطَّرِيق على الجلابين. واتضح أَنه عدم فِي هَذِه السّنة مائَة ألف رَأس من الْغنم. وَاسْتقر الرأى على أَن تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدّين أَيُّوب يتَوَجَّه بعسكره وَمَعَهُ خَمْسمِائَة فَارس آخر، وتقرت حوالتهم فِي النَّفَقَة عَلَيْهِم على كورة الْبحيرَة. وَفِي ذِي الْقعدَة: كثرت المناسر، وهجموا على الدروب بِالسِّلَاحِ والشموع، وحاربوا النَّاس، وَأخذُوا الْمنَازل، وأحرقوا الدّور بِمصْر. وَفِي ذِي الْحجَّة: وصل رَسُول متملك الْحَبَشَة بهدية وَكتاب إِلَى الْخَلِيفَة العاضد، فقرئ كِتَابه وَأخذت هديته. وَوصل عَسْكَر ملك النّوبَة إِلَى الْقرى المتاخمة لثغر أسوان وفيهَا ابتدأت الوحشة والنفرة بَين الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود وَبَين السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف وَذَلِكَ لِأَن نور الدّين بعث إِلَى صَلَاح الدّين يَأْمُرهُ بِجمع العساكر المصرية، والمسير بهَا إِلَى بِلَاد الفرنجة ومحاصرة الكرك، ليجتمع هُوَ وإياه على ذَلِك. فبروز صَلَاح الدّين وَكتب إِلَى نور الدّين بذلك، فخوفه أَصْحَابه من الِاجْتِمَاع
стр. 53
بِنور الدّين. وَكَانَ نور الدّين قد جمع عساكره، وَأقَام ينْتَظر الْخَبَر، فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَر بِأَنَّهُ قد برز رَحل عَن دمشق، ونازل الكرك وَهُوَ ينْتَظر قدوم صَلَاح الدّين، فَأَتَاهُ كِتَابه يعْتَذر عَن الْوُصُول باختلال بِلَاد مصر وَالْخَوْف عَلَيْهَا، ويعلمه أَنه عَاد إِلَى الْقَاهِرَة، فَعظم ذَلِك على نور الدّين، وعزم على دُخُول مصر وَقلع صَلَاح الدّين مِنْهَا. فَبلغ ذَلِك صَلَاح الدّين، فخاف وَجمع أَهله وخواصه واستشارهم، فَقَالَ تَقِيّ الدّين عمر بن أَخِيه: ((إِذا جَاءَ قابلناه كلنا، وصددناه عَن الْبِلَاد)) ، وَوَافَقَهُ جمَاعَة من أَهله على ذَلِك. فسبهم نجم الدّين أَيُّوب، وَأنكر عَلَيْهِم، وَكَانَ ذَا رَأْي ومكر، وَقَالَ لِابْنِ ابْنه تَقِيّ الدّين: ((اقعد)) ، وسبه. والتفت إِلَى وَلَده السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَقَالَ: ((أَنا أَبوك)) ، وَهَذَا شهَاب الدّين الحارمي خَالك! أتظن فِي هَؤُلَاءِ من يحبك وَيُرِيد لَك الْخَيْر أَكثر منا؟)) قَالَ: ((لَا)) . فَقَالَ نجم الدّين: ((وَالله لَو رَأَيْت أَنا وخالك هَذَا السُّلْطَان نور الدّين لم يمكنا إِلَّا أَن نترجل لَهُ، ونقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَلَو أمرنَا بِضَرْب عُنُقك بِالسَّيْفِ لفعلنَا. فَإِذا كُنَّا نَحن هَكَذَا فَكيف يكون غَيرنَا؟ وكل من ترَاهُ من الْأُمَرَاء والعساكر، وَلَو رأى السُّلْطَان نور الدّين وَحده لم يتجاسر على الثَّبَات فِي سَرْجه، وَمَا يَسعهُ إِلَّا النُّزُول وتقبيل الأَرْض بَين يَدَيْهِ، هَذِه الْبِلَاد لَهُ، وَقد أقامك فِيهَا ثائبا عَنهُ، فَإِن أَرَادَ عزلك فَأَي حَاجَة إِلَى الْمَجِيء؟ يَأْمُرك بِكِتَاب مَعَ نجاب حَتَّى تقصد خدمته، ويوفي الْبِلَاد من يُرِيد)) . وَقَالَ للْجَمَاعَة كلهم: ((قومُوا عَنَّا، فَنحْن مماليك السُّلْطَان نور الدّين وعبيده، يفعل بِنَا مَا يُرِيد)) . فَتَفَرَّقُوا على هَذَا، وَكتب أَكْثَرهم إِلَى نور الدّين بِهَذَا الْخَبَر. ثمَّ إِن نجم الدّين خلا بِابْنِهِ صَلَاح الدّين وَقَالَ لَهُ: ((أَنْت جَاهِل قَلِيل الْمعرفَة، تتجمع هَذَا الْجمع الْكثير وتطلعهم على مَا فِي نَفسك، فَإِذا سمع نور الدّين أَنَّك عازم على مَنعه عَن الْبِلَاد، جعلك أهم أُمُوره وأولاها بِالْقَصْدِ، وَلَو قصدك لم تَرَ مَعَك أحدا من هَذَا لعسكر، وأسلموك إِلَيْهِ. وَأما بعد هَذَا الْمجْلس فَإِنَّهُم سيكتبون إِلَيْهِ بِقَوْلِي، فَاكْتُبْ أَنْت إِلَيْهِ أَيْضا فِي الْمَعْنى وَقل لَهُ: أَي حَاجَة إِلَى قصدي؟ نجاب يجىء فيأخذني بِحَبل يَضَعهُ فِي عنقِي، فَإِنَّهُ إِذا سمع هَذَا عدل عَن قصدك، واشتغل بِمَا هُوَ أهم عِنْده، وَالْأَيَّام تندرج، وَالله كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن)) ، فَفعل صَلَاح الدينى مَا أَشَارَ بِهِ أَبوهُ، فانخدع نور الدّين وَعدل عَن قَصده، واندرحت الْأَيَّام كَمَا قَالَ نجم الدّين، وَمَات نور الدّين
стр. 54
وفيهَا اتخذ نور الدّين مَحْمُود بِالشَّام الْحمام الهوادي لنقل البطائق. وفيهَا ولي أَمِير الينبع خطابة الْجَامِع الْعَتِيق، بعد موت الشريف تَاج الشّرف حسن ابْن أبي الْفتُوح نَاصِر فِي الْمحرم.
стр. 55
تُوجد صفحة فارغة
стр. 56
سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وخسمائة
فِيهَا خرج السُّلْطَان صَلَاح الدّين بعساكره يُرِيد بِلَاد الكرك والشوبك، فَإِنَّهُ كَانَ كلما بلغه عَن قافلة أَنَّهَا خرجت من الشَّام تُرِيدُ مصر خرج إِلَيْهَا ليحميها من الفرنج، فَأَرَادَ التوسيع فِي الطَّرِيق وتسهيلها، وَسَار إِلَيْهَا وحاصرها، فَلم ينل مِنْهَا قصدا وَعَاد. وفيهَا جهز صَلَاح الدّين الْهَدِيَّة إِلَى السُّلْطَان نور الدّين، وفيهَا من الْأَمْتِعَة والآلات الفضية والذهبية والبلور واليشم أَشْيَاء يعز وجود مثلهَا، وَمن الْجَوَاهِر واللآلي شىء عَظِيم الْقدر، وَمن الْعين سِتُّونَ ألف دِينَار، وَكثير من الغرائب المستحسنة، وفيل وحمار عتابي، وَثَلَاث قطع بلخش فِيهَا مَا وَزنه نَيف وَثَلَاثُونَ مِثْقَالا، وَكَانَ ذَلِك فِي شَوَّال. وفيهَا خرج العبيد من بِلَاد النّوبَة لحصار أسوان، وَبهَا كنز الدولة، فَجهز السُّلْطَان الشجاع البعلبكي فِي عَسْكَر كَبِير فَسَار إِلَى أسوان، وَقد رَحل العبيد عَنْهَا، فَتَبِعهُمْ وَمَعَهُ كنز الدولة، وواقعهم وَقتل مِنْهُم كثيرا، وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة. وفيهَا سَار الْملك الْمُعظم شمس الدولة فَخر الدّين تورانشاه بن أَيُّوب أَخُو السُّلْطَان
стр. 57
كتاب ملك النّوبَة إِلَى شمس الدولة وَهُوَ بقوص مَعَ هَدِيَّة فَأكْرم رَسُوله وخلع عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ زَوْجَيْنِ من نشاب وَقَالَ لَهُ: قل للْملك مَالك عِنْدِي جَوَاب إِلَّا هَذَا وجهز مَعَه رَسُولا ليكشف لَهُ خبر الْبِلَاد فَسَار إِلَى دمقلة وَعَاد إِلَيْهِ فَقَالَ: وجدت بلادا ضيقَة لَيْسَ بهَا من الزَّرْع سوى الذّرة ونخل صَغِير مِنْهُ أدامهم وَيخرج الْملك وَهُوَ عُرْيَان على فرس عرى وَقد التف فِي ثوب أطلس وَلَيْسَ على رَأسه شعر. فَلَمَّا قدمت عَلَيْهِ وسلمت ضحك وتغاشى وَأمر بِي فكويت على يَدي هَيْئَة صَلِيب وأنعم عَليّ بِنَحْوِ خمسين رطلا من دَقِيق وَلَيْسَ فِي دمقلة عمَارَة سوى دَار الْملك وباقيها أخصاص. وفيهَا عظم هم السُّلْطَان نور الدّين بِأَمْر مصر وَأَخذه من اسْتِيلَاء صَلَاح الدّين عَلَيْهَا الْمُقِيم المقعد وَأكْثر من مراسلته بِحمْل الْأَمْوَال ثمَّ بعث بوزيره الصاحب موفق الدّين خَالِد بن مُحَمَّد بن نصر بن صَغِير القيسراني إِلَى مصر لعمل حِسَاب الْبِلَاد وكشف أحوالها وَتَقْرِير القطيعة على صَلَاح الدّين فِي كل سنة وَاخْتِيَار طَاعَته فَقدم إِلَى الْقَاهِرَة وَكَانَ من أمره مَا يَأْتِي ذ كره إِن شَاءَ الله.
стр. 58
وفيهَا مَاتَ أَيُّوب بن شادي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب نجم الدّين الملقب بِالْملكِ الْأَفْضَل أبي سعيد الْكرْدِي وَالِد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف وَذَلِكَ أَنه خرج من بَاب النَّصْر بِالْقَاهِرَةِ قألقاه الْفرس إِلَى الأَرْض يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر ذِي الْحجَّة فَحمل إِلَى دَاره فِي تَاسِع عشره وَقيل لثلاث بَقينَ مِنْهُ فقبر عِنْد أَخِيه أَسد الدّين شيركوه ثمَّ نقلا إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة.
стр. 59
فارغة
стр. 60
سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فِيهَا وصل إِلَى الْقَاهِرَة موفق الدّين أَبُو الْبَقَاء خَالِد بن مُحَمَّد ين نصر بن صَغِير الْمَعْرُوف بِابْن القيسراني من عِنْد السُّلْطَان الْملك الْعَادِل نور الدّين مطالبا لصلاح الدّين بِالْحِسَابِ عَن جَمِيع مَا أَخذ من قُصُور الْخُلَفَاء وَحصل من الِارْتفَاع. فشق ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ: إِلَى هَذَا الْحَد وصلنا وَأَوْقفهُ على مَا تحصل لَهُ وَعرض عَلَيْهِ الأجناد وعرفه مبالغ إقطاعاتهم وجامكياتهم ورواتب نفقاتهم ثمَّ قَالَ: وَمَا يضْبط هَذَا الإقليم الْعَظِيم إِلَّا بِالْمَالِ الْكَبِير وَأَنت تعرف أكَابِر الدولة وعظماءها وَأَنَّهُمْ معتادون بِالنعْمَةِ وَالسعَة وَقد تصرفوا فِي أَمَاكِن لَا يُمكن انتزاعها مِنْهُم وَلَا يسمحون بِأَن ينقص من ارتفاعها وَأخذ يجمع المَال. وفيهَا سَار الْأَمِير شمس الدولة تورانشاه أَخُو السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى الْيمن وَذَلِكَ لشدَّة خوف صَلَاح الدّين وَأَهله من الْملك الْعَادِل نور الدّين أَن يدْخل إِلَى مصر وينتزعهم مِنْهَا فأحبوا أَن يكون لَهُم مملكة يصيرون إِلَيْهَا. وَكَانَ اختيارهم قد وَقع على النّوبَة فَلَمَّا سَار إِلَيْهَا لم تعجبه وَعَاد. وَكَانَ الْفَقِيه عمَارَة الْيَمَانِيّ قد انْقَطع الى الْأَمِير شمس الدولة ومدحه واختص بِهِ وحدثه عَن بِلَاد الْيمن وَكَثْرَة الْأَمْوَال بهَا وهون أمرهَا عِنْده وأغراه بِأَن يستبد بِملك الْيمن وَتعرض لذَلِك فِي كَلمته الَّتِي أَولهَا: الْعلم مذ كَانَ مُحْتَاج إِلَى الْعلم وشفرة للسيف تَسْتَغْنِي عَن الْقَلَم وَمِنْهَا: فاخلق لنَفسك ملكا لَا تُضَاف بِهِ إِلَى سواك وأور النَّار فِي الْعلم هَذَا ابْن تومرت قد كَانَت بدايته كَمَا يَقُول الورى لَحْمًا على وَضم
стр. 61
وَكَانَ شمس الدولة مَعَ ذَلِك جوادا كثير الْإِنْفَاق فَلم يقنع بِمَا لَهُ من الإقطاع بِمصْر وَأحب الوسع فَاسْتَأْذن صَلَاح الدّين فِي الْمسير فَأذن لَهُ واستعد لذَلِك وَجمع وحشد وَسَار مستهل رَجَب. فوصل إِلَى مَكَّة فزار ثمَّ خرج مِنْهَا يُرِيد الْيمن وَبهَا يَوْمئِذٍ أَبُو الْحسن عَليّ بن مهدى وَيُقَال لَهُ عبد النَّبِي. فاستولى على زبيد فِي سَابِع شَوَّال وَقبض على عبد النَّبِي وَأخذ مَا سواهَا من مَدَائِن الْيمن وتلقب بِالْملكِ الْمُعظم وخطب لَهُ بذلك بعد الْخَلِيفَة المستضيء بِأَمْر الله فِي جَمِيع مَا فَتحه وَبعث إِلَى الْقَاهِرَة بذلك. فسير السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى الْملك الْعَادِل يُعلمهُ بذلك فَبعث بالْخبر إِلَى الْخَلِيفَة المستضيء بِبَغْدَاد. وَفِي سادس شعْبَان: قبض على أَوْلَاد العاضد وأقاربه وأخرجوا من الْقصر إِلَى دَار المظفر بحارة برجوان فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان. وفيهَا اجْتمع طَائِفَة من أهل الْقَاهِرَة على إِقَامَة رجل من أَوْلَاد العاضد وَأَن يفتكوا بصلاح الدّين وكاتبوا الفرنج مِنْهُم القَاضِي الْمفضل ضِيَاء الدّين نصر الله بن عبد الله بن كَامِل القَاضِي والشريف الجليس ونجاح الحمامي والفقيه عمَارَة بن عَليّ الْيَمَانِيّ وَعبد الصَّمد الْكَاتِب وَالْقَاضِي الْأَعَز سَلامَة العوريس مُتَوَلِّي ديوَان النّظر ثمَّ الْقَضَاء وداعي الدعاة عبد الْجَبَّار بن إِسْمَاعِيل بن عبد القوى والواعظ زين الدّين بن نجا
стр. 62
فوشى ابْن نجا بخبرهم إِلَى السُّلْطَان وَسَأَلَهُ فِي أَن ينعم عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا لِابْنِ كَامِل الدَّاعِي من الدّور وَالْمَوْجُود كُله فَأُجِيب إِلَى ذَلِك فأحيط بهم وشنقوا فِي يَوْم السبت ثَانِي شهر رَمَضَان بَين القصرين فشنق عمَارَة وصلب فِيمَا بَين بَابي الذَّهَب وَبَاب الْبَحْر وَابْن كَامِل ش رَأس الخروقيين الَّتِي تعرف الْيَوْم بسوق أَمِير الجيوش والعوريس على درب السلسلة وَعبد الصَّمد وَابْن سَلامَة وَابْن المظبي مصطنع الدولة والحاج ابْن عبد الْقوي بِالْقَاهِرَةِ وشنق ابْن كَامِل القَاضِي بِالْقَاهِرَةِ يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شَوَّال وشنق أَيْضا شبرما وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة من الأجناد وَالْعَبِيد والحاشية وَبَعض أُمَرَاء صَلَاح الدّين وَقبض صَلَاح الدّين سَائِر مَا وجد عِنْدهم من مَال وعقار وَلم يُمكن ورثتهم من شَيْء الْبَتَّةَ وتتبع من لَهُ هوى فِي الدولة الفاطمية فَقتل مِنْهُم كثيرا وَأسر كثيرا وَنُودِيَ بِأَن يرحل كَافَّة الأجناد وحاشية الْقصر وراجل السودَان إِلَى أقْصَى بِلَاد الصَّعِيد. وَقبض على رجل يُقَال لَهُ قديد بالإسكندرية من دعاة الفاطميين يَوْم الْأَحَد خَامِس عشرى رَمَضَان وَقبض على كثير من السودَان وكووا بالنَّار فِي وُجُوههم وصدورهم. وفيهَا جهز السُّلْطَان مَعَ الْوَزير ابْن القيسراني مَا تحصل عِنْده من المَال وأصحبه هَدِيَّة لنُور الدّين وَهِي خمس ختمات إِحْدَاهَا فى ثلاتين جُزْءا مغشاة بأطلس أَزْرَق ومضببة بصفائح ذهب وَعَلَيْهَا أقفال من ذهب مَكْتُوبَة بِخَط ذهب وَأُخْرَى فِي عشرَة أَجزَاء مغشاة بديباج فستقي وَأُخْرَى فِي جلد بِخَط ابْن البواب بقفل ذهب وَثَلَاثَة أَحْجَار بلخش مِنْهَا حجر زنته اثْنَان وَعِشْرُونَ مِثْقَالا وَحجر وَزنه اثْنَا عشر مِثْقَالا وَآخر عشرَة مَثَاقِيل وَنصف وست قصبات زمرد إِحْدَاهَا وَزنهَا ثَلَاثَة مَثَاقِيل وَحجر ياقوت أَحْمَر وَزنه سَبْعَة مَثَاقِيل وَحجر ياقوت أَزْرَق وَزنه سِتَّة مَثَاقِيل وَمِائَة عقد جَوْهَر زنتها ثَمَانمِائَة وَسَبْعَة وَخَمْسُونَ مِثْقَالا وَخَمْسُونَ قَارُورَة دهن بِلِسَان وَعِشْرُونَ قِطْعَة بلور وَأَرْبع عشرَة قِطْعَة جزع مَا بَين زبادي سكارج وإبريق يشم وطشت يشم وسقرق مينا مَذْهَب بِعُرْوَة فِيهَا حبتا لُؤْلُؤ وَفِي الْوسط فص ياقوت أَزْرَق وصحون وزبادي وسكارج من صيني عدتهَا أَرْبَعُونَ قِطْعَة وعود قطعتين كبارًا وَعَنْبَر مِنْهُ قِطْعَة زنتها ثَلَاثُونَ رطلا وَأُخْرَى عشرُون رطلا وَمِائَة ثوب أطلس وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بقيارا مذهبا وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ثوبا وشيا حريرية بَيْضَاء وحلة خَلْفي مَذْهَب وحلة مرايش اصفر مَذْهَب وحلة مرايش أَزْرَق مَذْهَب وحلة مرايش بقصب أَحْمَر وأبيض وحلة فستقي بقصب مذهبَة وقماش كثير قدر قيمتهَا بِمِائَتي ألف دِينَار وَخَمْسَة وَعشْرين ألف دِينَار. وَسَارُوا بذلك فَبَلغهُمْ موت نور الدّين فأعيدت وَهلك بَعْضهَا.
стр. 63
وفيهَا مَاتَ السُّلْطَان الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء حادي عشر شَوَّال بعلة الخوانيق وَكَانَ قد تجهز لأخذ مصر من صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَقد خطب لَهُ بِالشَّام ومصر والحرمين واليمن. وَقَامَ من بعده ابْنه الصَّالح إِسْمَاعِيل وعمره إِحْدَى عشرَة سنة فَخَطب لَهُ السُّلْطَان صَلَاح الدّين بِمصْر وَضرب السِّكَّة باسمه وفيهَا نزل أسطول الفرنج بصقلية على ثغر الْإسْكَنْدَريَّة لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة بَغْتَة وَكَانَ الَّذِي جهز هَذَا الأسطول غليالم بن غليالم بن رجار متملك صقلية ولي ملك صقلية بعد أَبِيه فِي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَهُوَ صَغِير كفلته أمه وَتَوَلَّى التَّدْبِير خَادِم اسْمه باتر مُدَّة سنة ثمَّ فر إِلَى السَّيِّد أبي يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن صَاحب الْبِلَاد المغربية. ثمَّ استبد غليا لم بتدبير ملكه واحتفل فِي سنة إِحْدَى وَسبعين بعمارة هَذَا الأسطول فَاجْتمع لَهُ مَا لم يجْتَمع لجده رجار وَحمل فِي الطرائد ألف فَارس. وَقدم على الأسطول رجلا من دولته يُسمى أكيم موذقة وَقصد الْإسْكَنْدَريَّة وَمَات غليالم فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة. وَلما أرسى هَذَا الأسطول على الْبر أنزلوا من طرائدهم ألفا وَخَمْسمِائة فرس وَكَانَت عدتهمْ ثَلَاثِينَ ألف مقَاتل مَا بَين فَارس وراجل وعدة طرائدهم سِتا وَثَلَاثِينَ طريدة تحمل الْخَيل ومائتي شيني فِي كل شيني مائَة وَخَمْسُونَ رجلا وعدة السفن الَّتِي تحمل آلَات الْحَرْب والحصار سِتّ سفن وللتى تحمل الأزواد وَالرِّجَال أَرْبَعِينَ مركبا فَكَانُوا نَحْو الْخمسين ألف راجل. ونزلوا على الْبر مِمَّا يَلِي المنارة وحملوا على الْمُسلمين حَتَّى أوصلوهم إِلَى السمور وَقتل من الْمُسلمين سَبْعَة. وزحفت مراكب الفرنجة إِلَى الميناء وَكَانَ بهَا مراكب الْمُسلمين فَغَرقُوا مِنْهَا. وغلبوا على الْبر وخيموا بهَا فَأصْبح لَهُم على الْبر ثَلَاثمِائَة خيمة وزحفوا لحصار الْبَلَد ونصبوا ثَلَاث دبابات بكباشها وَثَلَاثَة مجانيق كبارًا تضرب بحجارة سود عَظِيمَة. وَكَانَ السُّلْطَان عَليّ فاقوس فَبَلغهُ الْخَبَر ثَالِث يَوْم نزُول الفرنجة فشرع فِي تجهيز العساكر والقتال الرَّمْي بالمجانيق مُسْتَمر. فوصلت العساكر وَفتحت الْأَبْوَاب
стр. 64
وهاجم الْمُسلمُونَ الفرنجة وحرقوا الدبابات وأيدهم الله بنصره وَاسْتمرّ الْقِتَال يَوْم الْأَرْبَعَاء إِلَى الْعَصْر وَهُوَ الرَّابِع من نزُول الفرنجة. ثمَّ حملُوا حَملَة ثَانِيَة عِنْد اخْتِلَاط الظلام على الْخيام فتسلموها بِمَا فِيهَا وَقتلُوا من الرجالة عددا كثيرا وَمن الفرسان. فاقتحم الْمُسلمُونَ الْبَحْر وَأخذُوا عدَّة مراكب خسفوها فغرقت وَوَلَّتْ بَقِيَّة المراكب منهزمة وَقتل كثير من الفرنجة وغنم الْمُسلمُونَ من الْآلَات والأمتعة والأسلحة مَا لَا يقدر على مثله إِلَّا بعناء وأقلع بَاقِي الفرنجة مستهل سنة سبعين. وفيهَا أَعنِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وقف السُّلْطَان صَلَاح الدّين نَاحيَة نقادة من عمل قوص بِنَاحِيَة الصَّعِيد الْأَعْلَى وَثلث نَاحيَة سندبيس من القليوبية على أَرْبَعَة وَعشْرين خَادِمًا لخدمة الضريح الشريف النَّبَوِيّ وَضمن ذَلِك كتابا ثَابتا تَارِيخه ثامن عشري شهر ربيع الآخر مِنْهَا فاستمر ذَلِك إِلَى الْيَوْم. وَكَانَ قاع النّيل سِتَّة أَذْرع وَعشْرين أصبعا وَبلغ سَبْعَة عشر ذِرَاعا وَعشْرين أصبعا.
стр. 65
فارغة
стр. 66
سنة سبعين وَخَمْسمِائة وفيهَا جمع كنز الدولة وَالِي أسوان الْعَرَب والسودان وَقصد الْقَاهِرَة يُرِيد إِعَادَة الدولة الفاطمية وَأنْفق فِي جموعه أَمْوَالًا جزيلة وانضم إِلَيْهِ جمَاعَة مِمَّن يهوى هواهم فَقتل عدَّة من أُمَرَاء صَلَاح الدّين. وَخرج فِي قَرْيَة طود رجل يعرف بعباس بن شادي وَأخذ بِلَاد قوص وانتهب أموالها. فَجهز السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَخَاهُ الْملك الْعَادِل فِي جَيش كثيف وَمَعَهُ الخطير مهذب بن مماتي فَسَار وأوقع بشادي وبدد جموعه وَقَتله ثمَّ سَار فَلَقِيَهُ كنز الدولة بِنَاحِيَة طود وَكَانَت بَينهمَا حروب فر مِنْهَا كنز الدولة بَعْدَمَا قتل أَكثر عسكره. ثمَّ قتل كنز الدولة فِي سَابِع صفر وَقدم الْعَادِل إِلَى الْقَاهِرَة فِي ثامن عشريه. وفيهَا ورد الْخَبَر على السُّلْطَان بسير الْملك الصَّالح مجير الدّين إِسْمَاعِيل بن نور الدّين إِلَى حلب ومصالحته للسُّلْطَان سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل فأهمه وَخرج يُرِيد الْمسير إِلَى الشَّام فَنزل ببركة الْجب أول صفر وَسَار مِنْهَا فِي ثَالِث عشر ربيع الأول على صدر وأيلة فِي سَبْعمِائة فَارس. واستخلف على ديار مصر أَخَاهُ الْملك الْعَادِل. وَنزل بصرى وَخرج مِنْهَا فَنزل الْكسْوَة يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشري ربيع الأول وَخرج النَّاس إِلَى لِقَائِه فَدخل إِلَى دمشق يَوْم الْإِثْنَيْنِ أول شهر ربيع الآخر وملكها من غير مدافع. وَأنْفق فِي النَّاس مَالا جزيلا وَأمر فَنُوديَ بإطابة النُّفُوس وَإِزَالَة
стр. 67
المكوس وَإِبْطَال مَا أحدث بعد نور الدّين مَحْمُود من القبائح والمنكرات والضرائب وَأظْهر أَنه إِنَّمَا جَاءَ لتربية الصَّالح بن نور الدّين وَأَنه يَنُوب عَنهُ وَيُدبر دولته وَكَاتب الْأَطْرَاف بذلك. وتسلم قلعة دمشق بعد امْتنَاع فَأنْزل بهَا أَخَاهُ ظهير الْإِسْلَام طغتكين بن أَيُّوب وَبعث بالبشارة إِلَى الْقَاهِرَة وَخرج مستهل جُمَادَى الأولى فنازل حمص حَتَّى تسلمها فِي حادي عشرَة وامتنعت عَلَيْهِ قلعتها فَأَقَامَ على حصارها طَائِفَة وَسَار إِلَى حماة فَنزل عَلَيْهَا فِي ثَالِث عشريه وَبهَا عز الدّين جرديك فسلمها إِلَيْهِ. وفى جُمَادَى الأولى: ولي ابْن عصرون الْقَضَاء بديار مصر. وَسَار صَلَاح الدّين إِلَى حلب وَبعث إِلَى الصَّالح إِسْمَاعِيل فِي الصُّلْح مَعَ جرديك فَأبى أَصْحَابه ذَلِك وقبضوا على جرديك وقيدوه فَبلغ ذَلِك صَلَاح الدّين وَقد سَار عَن حماة يُرِيد حلب فَعَاد إِلَيْهَا. ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى حلب وَنزل حَبل جوش ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة واستعد أهل حلب وَخَرجُوا لقتاله وقاتلوه قتالا شَدِيدا إِلَى أول رَجَب. فَرَحل صَلَاح الدّين يُرِيد حمص وَقد بلغه مسير القومص ملك الفرنج بطرابلس بمكاتبة أهل حلب وَأَنه منَازِل لحمص. فَلَمَّا ترب من حمص عَاد القومص إِلَى بِلَاده فنازل صَلَاح الدّين قلعتها وَنصب المجانيق عَلَيْهَا إِلَى أَن تسلمها بالأمان فِي حادي عشري شعْبَان وَسَار إِلَى بعلبك حَتَّى تسلم قلعتها فِي رَابِع رَمَضَان وَعَاد إِلَى حمص. وَكَانَت بَينه وبن أَصْحَاب الصَّالح وقْعَة على قُرُون ماة فِي يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشرَة انتصر فِيهَا صَلَاح الدّين وَهَزَمَهُمْ وغنم كل مَا مَعَهم وَلم يقتل فِيهَا أكتر من سبع أنفس وَسَار حَتَّى نزل على حلب وَقطع الْخطْبَة للصالح وأزال اسْمه عَن السِّكَّة فِي بِلَاده فَبعث أهل الصَّالح إِلَيْهِ يَلْتَمِسُونَ مِنْهُ الصُّلْح فَأجَاب إِلَيْهِ
стр. 68
على أَن يكون لَهُ مَا بدهر من بِلَاد الشَّام وَلَهُم مَا بِأَيْدِيهِم مِنْهَا واستزاد مِنْهُم المعرة وَكفر طَابَ وكتبت نُسْخَة يَمِين وَعَلَيْهَا خطّ صَلَاح الدّين بَعْدَمَا حلف وَعَاد إِلَى حماة. وَكَانَ صَلَاح الدّين قد كتب إِلَى بَغْدَاد يعدد فتوحاته وجهاده للفرنج وإعادته الْخطْبَة العباسية بِمصْر واستيلاءه على بِلَاد كَثِيرَة من أَطْرَاف الْمغرب وعَلى بِلَاد الْيمن كلهَا وَأَنه قدم إِلَيْهِ فِي هَذِه السّنة وَفد سبعين رَاكِبًا كلهم يطْلب لسلطان بَلَده تقليدا. وَطلب صَلَاح الدّين من الْخَلِيفَة تَقْلِيد مصر واليمن وَالْمغْرب وَالشَّام وكل مَا يَفْتَحهُ بِسَيْفِهِ. فوافته بحماة رسل الْخَلِيفَة المستضيء بِأَمْر الله بالتشريف والأعلام السود وتوقيع بسلطنة بِلَاد مصر الشَّام وَغَيرهَا. فَسَار وَنزل على بعرين وَيُقَال بارين وحاصر حصنها حَتَّى تسلمه فِي الْعشْرين مِنْهُ وَرجع إِلَى حماة. وفيهَا تقرر الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي نَائِبا فِي الْكِتَابَة عَن القَاضِي الْفَاضِل بسعاية نجم الدّين مُحَمَّد بن مصال. وَسَار صَلَاح الدّين إِلَى دمشق ثمَّ رَحل عَنْهَا فَنزل مرج الصفر ووافته بِهِ رسل الفرنج فِي طلب الْهُدْنَة فأجابهم إِلَيْهَا بِشُرُوط اشترطها. وَأذن للعساكر فِي الْمسير إِلَى مصر لجدب الشَّام فَسَارُوا وَرجع هُوَ إِلَى دمشق فِي محرم سنة إِحْدَى وَسبعين وفوض أمرهَا إِلَى ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب.
стр. 69
فارغة
стр. 70
سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة وفيهَا سَار شرف الدّين قراقوش أحد أَصْحَاب تَقِيّ الدّين عمر إِلَى بِلَاد الْمغرب س حادي عشر محرم فِي جَيش فَأخذ من صَاحب أوجلة عشْرين ألف دِينَار فرقها فِي أَصْحَابه وَعشرَة آلَاف دِينَار لنَفسِهِ وَسَار مِنْهَا إِلَى غَيرهَا ثمَّ بلغه موت صَاحب أوجلة فَعَاد إِلَيْهَا وحاصر أَهلهَا وَقد امْتَنعُوا عَلَيْهِ حَتَّى أَخذهَا عنْوَة وَقتل من أَهلهَا سَبْعمِائة رجل وغنم مِنْهَا غنيمَة عَظِيمَة وَعَاد إِلَى مصر. وفيهَا تجهز الحلبيون لقِتَال صَلَاح الدّين فاستدعى عَسَاكِر مصر فَلَمَّا وافته بِدِمَشْق فِي شعْبَان سَار فِي أول رَمَضَان فَلَقِيَهُمْ فِي عَاشر شَوَّال. وَكَانَت بَينهمَا وقْعَة تَأَخّر فِيهَا السُّلْطَان سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل فَظن النَّاس أَنَّهَا هزيمَة فَوَلَّتْ عساكرهم وتبعهم صَلَاح الدّين مهلك مِنْهُم جمَاعَة كَثْرَة وَملك خيمة غَازِي وَأسر عَالما عَظِيما واحتوى على أَمْوَال وذخائر وفرش وأطعمة وتحف تجل عَن الْوَصْف. وَقدم عَلَيْهِ أَخُوهُ الْملك الْمُعظم شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب من الْيمن فَأعْطَاهُ سرادق السُّلْطَان غَازِي بِمَا فِيهِ من الْفرش والآلات وَفرق الإسطبلات والخزائن على من مَعَه وخلع على الأسرى وأطلقهم. وَلحق سيف الدّين غَازِي بِمن مَعَه فالتجأوا جَمِيعًا لحلب ثمَّ سَار إِلَى الْموصل وَهُوَ لَا يصدق أَنه ينجو وَظن أَن صَلَاح الدّين يعبر الْفُرَات ويقصده بالموصل. ورحل صَلَاح الدّين وَنزل على حلب فِي رَابِع عشر شَوَّال فَأَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى تَاسِع عشره ورحل إِلَى بزاعة وَقَاتل أهل الْحصن حَتَّى تسلمه. وَسَار إِلَى منبج فَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشريه وَلم يزل يحاصرها أَيَّامًا حَتَّى ملكهَا واخذ من حصنها ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار وَمن الْفضة والآنية والأسلحة مَا يناهز ألفي ألف دِينَار. ورحل إِلَى عزاز وحاصرها من يَوْم السبت رَابِع ذِي الْقعدَة إِلَى حادي عشر ذِي الْحجَّة فتسلمها وَأقَام فِيهَا من يَثِق بِهِ وَعَاد إِلَى حلب.
стр. 71
وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشرَة: وثب عدَّة من الإسماعيلية على السُّلْطَان صَلَاح الدّين فظفر بهم بَعْدَمَا جرحوا عدَّة من الْأُمَرَاء والخواص. ثمَّ سَار إِلَى حلب فَنزل عَلَيْهَا فِي سادس عشره وأقطع عسكره ضياعها ؤإمر بجباية أموالها وضيق على أهل حلب من غير قتال بل كَانَ يمْنَع أَن يدخلهَا أحد أَو يخرج مِنْهَا.
стр. 72
سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين فَلَمَّا كَانَ رَابِع الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين: ركب العسكران وَكَانَت الْحَرْب فَقتل جمَاعَة من أَصْحَاب صَلَاح الدّين. ثمَّ تقرر الصُّلْح بَينه وبن الْملك الصَّالح على أَن يكون للصالح حلب وأعمالها. ورحل صَلَاح الدّين فِي عاشره فنازل مصياب وفيهَا رَاشد الدّين سِنَان بن سلمَان بن مُحَمَّد صَاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الباطنية وَإِلَيْهِ تنْسب الطَّائِفَة السنانية وَنصب عَلَيْهَا المجانيق والعرادات من ثَالِث عشريه إِلَى أَيَّام ثمَّ رَحل وَلم يقدر عَلَيْهِم وَقد امْتَلَأت أَيدي أَصْحَابه بِمَا أَخَذُوهُ من الْقرى. وفوض صَلَاح الدّين قَضَاء دمشق لشرف الدّين أبي سعد عبد الله أبي عصرون عوضا عَن كَمَال الدّين الشهرزوري بعد وَفَاته. وَفِيه أغار الفرنج على الْبِقَاع فَخرج إِلَيْهِم الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الْمُقدم من بعلبك فأوقع بهم وَقتل مِنْهُم وَأسر. وَخرج إِلَيْهِم الْمُعظم شمس الدولة من دمشق فَلَقِيَهُمْ بِعَين الْحر وأوقع بهم ثمَّ سَار إِلَى حماة وَبهَا صَلَاح الدّين فوافاه فى الثَّانِي من صفر. ثمَّ سَار السُّلْطَان مِنْهَا وَدخل دمشق سَابِع عشره فَأَقَامَ بهَا إِلَى رَابِع شهر ربيع الأول وَخرج مِنْهَا إِلَى الْقَاهِرَة واستخلف على دمشق أَخَاهُ الْملك الْمُعظم شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب فوصل إِلَيْهَا لأَرْبَع بَقينَ مِنْهُ. وفيهَا أَمر للسُّلْطَان بِبِنَاء السُّور على الْقَاهِرَة والقلعة ومصر ودوره تِسْعَة وَعِشْرُونَ ألف فراع وثلاثمائة وذراعان بِذِرَاع الْعَمَل. فَتَوَلّى ذَلِك الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش الْأَسدي وَشرع فِي بِنَاء القلعة وحفر حول السُّور خَنْدَقًا عميقا وحفر واديه وضيق طَرِيقه. وَكَانَ فِي مَكَان القلعة عدَّة مَسَاجِد مِنْهَا مَسْجِد سعد الدولة فَدخلت فِي جملَة القلعة وحفر فِيهَا بِئْرا ينزل لليها بدرج منحوتة فِي الْحجر إِلَى المَاء. وفيهَا أَمر السُّلْطَان بِبِنَاء الْمدرسَة بجوار قبر الشَّافِعِي بالقرافة وَأَن تعْمل خزانَة الْأَشْرِبَة الَّتِي كَانَت للقصر مارستانا للمرضى فَعمل ذَلِك. وَسَار السُّلْطَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي ثَانِي عشري شعْبَان وَمَعَهُ ابناه الْأَفْضَل عَليّ والعزيز عُثْمَان فصَام
стр. 73
بهَا شهر رَمَضَان وَسمع الحَدِيث عَليّ الْحَافِظ أبي الطَّاهِر أَحْمد السلفى وَأمر بتعمير الأسطول بهَا ووقف صادر الفرنج على الْفُقَهَاء بالاسكندرية. ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة فصَام بهَا بَقِيَّة رَمَضَان. وفيهَا عَاد شرف الدّين قراقوش غُلَام تَقِيّ الدّين إِلَى بِلَاد الْمغرب وَعَاد فَأخذ جمَاعَة من الْجند وَخرج إِلَى الْمغرب فَأمر الْعَادِل الْأَمِير خطلبا بن مُوسَى وَإِلَى الْقَاهِرَة بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَسَار إِلَى الفيوم وَأَخذه مَحْمُولا إِلَى الْقَاهِرَة. وفيهَا أبطل السُّلْطَان المكس الْمَأْخُوذ من الْحجَّاج فِي الْبَحْر إِلَى مَكَّة على طَرِيق عيذاب وَهُوَ سَبْعَة دَنَانِير مصرية وَنصف على كل إِنْسَان وَكَانُوا يؤدون ذَلِك بعيذاب أَو بجدة وَمن لم يؤد ذَلِك منع من الْحَج وعذب بتعليقه بأنثييه وَعوض أَمِير مَكَّة عَن هَذَا المكس بألفي دِينَار وَألف أردب قَمح سوى إقطاعات بصعيد مصر وباليمن وَقيل إِن مبلغ ذَلِك ثَمَانِيَة آلَاف أردب قَمح تحمل إِلَيْهِ إِلَى جدة.
стр. 74
سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة وَخرج السُّلْطَان من القاهر لثلاث مضين من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَسبعين لجهاد الفرنج. وَسَار إِلَى عسقلان فسبى وغنم وَقتل وَأسر وَمضى إِلَى الرملة فاعترضه نهر تل الصافية فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة فازدحم النَّاس بأثقالهم عَلَيْهِ وأشرف الفرنج عَلَيْهِم ومقدمهم الْبُرْنُس أرناط صَاحب الكرك فِي جموع كَثِيرَة فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَثَبت السُّلْطَان فِي طَائِفَة فقاتل قتالا شَدِيدا وَاسْتشْهدَ جمَاعَة وَأخذ الفرنج أثقال الْمُسلمين فَمر بهم فِي مَسِيرهمْ إِلَى الْقَاهِرَة من العناء مَا لَا يُوصف وَمَات مِنْهُم وَمن دوابهم كثير وَأسر الفرنج جمَاعَة مِنْهُم الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى الهكاري. وَدخل السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة لَا تضرب لَهُ نوبَة حَتَّى يكسر الفرنج وَقطع أَخْبَار جمَاعَة من الأكراد من أجل أَنهم كَانُوا السَّبَب فى هَذِه الكسرة. وفيهَا نزل الفرنج على حماة فَقَاتلهُمْ النَّاس أَرْبَعَة أَيَّام حَتَّى رحلوا عَنْهَا ونزلوا على حارم فحاصروها أَرْبَعَة أشهر ثمَّ رحلوا إِلَى بِلَادهمْ. وفيهَا أطلق شرف الدّين قراقوش التَّقْوَى وَسَار إِلَى أوجلة وغرها من بِلَاد الْمغرب. وَخرج السُّلْطَان فِي سادس عشري شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين من الْقَاهِرَة يُرِيد الشَّام واستخلف بديار مصر أَخَاهُ الْعَادِل فَلم يزل مُقيما على بركَة الْجب إِلَى أَن صلى صَلَاة عيد الْفطر. فَبَلغهُ نزُول الفرنج على حماة فأسرع فِي الْمسير حَتَّى دخل دمشق فِي رَابِع عشري شَوَّال فَرَحل الفرنج عَن حماة. ووافته بِدِمَشْق رسل الْخَلِيفَة بالتشريفات. وفيهَا سَار الفرنج إِلَى قلعة صدر وقاتلوا من بهَا فَلم ينالوا قصدا فَسَارُوا يُرِيدُونَ الْغَارة على نَاحيَة فاقوس ثمَّ عَادوا بنية الحشد وَالْعود.
стр. 75
وفيهَا عصى شمس الدّين بن الْمُقدم بِمَدِينَة بعلبك على السُّلْطَان. وفيهَا ولد الْملك الزَّاهِد مجير الدّين دَاوُد شَقِيق الظَّاهِر غياث الدّين غَازِي بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة. وفيهَا غلت الأسعار بِبِلَاد الشَّام لِكَثْرَة الجدب وَاشْتَدَّ الْأَمر بحلب. وفيهَا سَار الْأَمِير نَاصِر الدّين إِبْرَاهِيم سلَاح دَار تَقِيّ الدّين عمر فِي عَسْكَر إِلَى بِلَاد الْمغرب فوصل إِلَى قراقوش التَّقْوَى وسارا إِلَى مَدِينَة الروحان فنازلاها أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى فتحت وَقتل حاكمها وقررا عَلَيْهَا أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار وملكا مَدِينَة غدامس بِغَيْر قتال وتقرر على أَهلهَا اثْنَا عشر ألف دِينَار وَسَار إِبْرَاهِيم إِلَى جبال نفوسة فَملك عدَّة قلاع وَصَارَ إِلَيْهِ مَال كثير وَرِجَال وَسَار الْبَعْث من عِنْد قراقوش إِلَى بِلَاد السودَان فغنموا غنيمَة عَظِيمَة. وفيهَا ظهر الْعَمَل فِي سور الْقَاهِرَة وطلع الْبناء وسلكت بِهِ الطّرق المودية إِلَى السَّاحِل بالمقس. وفيهَا مَاتَ الْأَمِير شهَاب الدّين مَحْمُود بن تكش الحارمي خَال السُّلْطَان صَلَاح الدّين ونائب حماة فِي سَابِع عشري جُمَادَى الْآخِرَة بحماة وَحمل إِلَى حلب فَدفن بهَا وَكَانَ شجاعا عَاقِلا سيوسا ممدحا.
следующие страницы →