Полный текст (3 250 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وأهلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَقد برز السُّلْطَان من دمشق لجهاد الفرنج يَوْم السبت أول الْمحرم واقر ابْنه الْأَفْضَل على رَأس المَاء وَنزل بصرى فَأَقَامَ لحفظ الْحَاج حَتَّى قدمُوا فِي آخر صفر. فَسَار إِلَى الكرك فِي اثْنَي عشر ألف فَارس ونازلها وَقطع أشجارها ثمَّ قصد الشوبك فَفعل بهَا مثل ذَلِك. وَخرج الْحَاجِب لُؤْلُؤ على الأسطول من مصر وَهُوَ خَمْسَة عشر شينيا ليسير إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة. وَخرج الْعَادِل من الْقَاهِرَة فِي سَابِع الْمحرم وعادا إِلَى الكرك فنازلاها فِي ربيع الأول وضايق السُّلْطَان أَهلهَا ثمَّ رَحل عَنْهَا ونازل طبرية فَاجْتمع من الفرنج نَحْو الْخمسين ألفا بِأَرْض عكا وَرفعُوا صَلِيب الصلبوت فَافْتتحَ السُّلْطَان طبرية عنْوَة فِي ثَالِث عشري ربيع الآخر وغاظ ذَلِك الفرنج وتجمعوا فَسَار إِلَيْهِم السُّلْطَان وَكَانَت وقْعَة حطين الَّتِي نصر الله فِيهَا دينه فِي يَوْم السبت رَابِع عشريه. وَانْهَزَمَ الفرنج بعد عدَّة وقائع وَأخذ الْمُسلمُونَ صَلِيب الصلبوت وأسروا الإبرنس أرناط صَاحب الكرك والشوبك وعدة مُلُوك آخَرين وَقتل وَأسر من سَائِر الفرنج مَا لَا يعد كَثْرَة. ثمَّ قدم الإبرنس أرناط وَضرب السُّلْطَان عُنُقه بِيَدِهِ وَقتل جَمِيع من عِنْده من الفرنج الداوية والاسبتارية ورحل السُّلْطَان إِلَى عكا فنازلها سلخ ربيع الآخر وَمَعَهُ عَالم عَظِيم. قَالَ الْعَلامَة عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ: كَانَ السُّوق الَّذِي فِي عَسْكَر
стр. 107
السُّلْطَان على عكا عَظِيما ذَا مساحة فسيحة فِيهِ مائَة وَأَرْبَعُونَ دكان بيطار وعددت عِنْد طباخ وَاحِد ثمانيا وَعشْرين قدرا كل قدر تسع رَأس غنم. وَكنت أحفظ عدد الدكاكين لِأَنَّهَا كَانَت مَحْفُوظَة عِنْد شحنه السُّوق وأظنها سَبْعَة آلَاف دكان وَلَيْسَت مثل دكاكين الْمَدِينَة بل دكان وَاحِد مثل مائَة دكان لِأَن الْحَوَائِج فِي الأعدال والجوالقات وَيُقَال إِن الْعَسْكَر أنتنت مَنْزِلَتهمْ لطول الْمقَام فَلَمَّا ارتحلوا غير بعيد وزن سمان أُجْرَة نمل مَتَاعه سبعين دِينَارا وَأما سوق الْبَز الْعَتِيق والجديد فشيء يبهر الْعقل. وَكَانَ فِي الْعَسْكَر اكثر من ألف حمام وَكَانَ أَكثر مَا يتولاها المغاربة يجْتَمع مُتَّهم اثْنَان أَو ثَلَاثَة ويحفرون ذراعين فَيطلع المَاء وَيَأْخُذُونَ الطين فيعملون مِنْهُ حوضا وحائطا ويسترونه بحطب وحصير ويقطعون حطبا من الْبَسَاتِين الَّتِي حَولهمْ ويحمون المَاء فِي قدور وَصَارَ حَماما يغسل الرجل رَأسه بدرهم وَأكْثر. فَلم يزل صَلَاح الدّين على محاصرة عكا إِلَى أَن تسلمها بالأمان فِي ثَانِي جُمَادَى الأولى وَاسْتولى على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والبضائع وَأطلق من كَانَ بهَا من الْمُسلمين
стр. 108
مأسورا وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف نفس ورتب فِي كنيستها الْعُظْمَى منبرا وأقيم فِيهَا الْجُمُعَة. وأقطع عكا لِابْنِهِ الْأَفْضَل على وَأعْطى جَمِيع مَا للداوية من إقطاع وضياع للفقيه ضِيَاء الدّين عِيسَى الهكاري. وَسَار الْعَادِل بعساكر مصر إِلَى مجدليابا فحصره وفتحه وغنم مَا فِيهِ. وافتتحت عدَّة حصون حول عكا: وَهِي الناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ومعليا والشقيف والتولع وَالطور وَنهب مَا فِيهَا وسبيت للخليفة بِخَبَر فتح هَذِه الْبِلَاد. وَنزل الْعَادِل على يافا حَتَّى ملكهاعنوة ونهبها وسبى الْحَرِيم وَأسر الرِّجَال ونازل المظفر تَقِيّ الدّين عمر تبنين وأدركه السُّلْطَان فوصل إِلَيْهَا فِي حادي عشر جُمَادَى الأولى ومازال محاصرا لَهَا حَتَّى تسلمها فِي ثامن عشره بِأَمَان وجلا أَهلهَا عَنْهَا إِلَى صور وتسلم السُّلْطَان الْعدَد وَالدَّوَاب والخزائن وَسَار فَأخذ صرخد بِغَيْر قتال ثمَّ رَحل إِلَى صيداء ففر أَهلهَا وتركوها فتسلمها السُّلْطَان فِي حادي عشريه. ونازل بيروت وضايقها ثَمَانِيَة أَيَّام إِلَى أَن طلب أَهلهَا الْأمان فأجابهم وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي تَاسِع عشريه وَأخذ جبيل فَكَانَ من استنقذ الله من الْمُسلمين المأسورين عِنْد الفرنج فِي هَذِه السّنة مَا يزِيد على عشْرين ألف إِنْسَان وَأسر الْمُسلمُونَ من الفرنج مائَة ألف أَسِير.
стр. 109
وَهلك فِي هَذِه السّنة القومص صَاحب طرابلس وَقدم المركيس أكبر طواغيت الفرنج إِلَى صور وَقد اجْتمع بهَا أُمَم من الفرنج فتملك عَلَيْهِم وحصن الْبَلَد فَسَار السُّلْطَان بعد فتح بيروت وتسلم الرملة والخليل وَبَيت لحم وَاجْتمعَ بأَخيه الْعَادِل ونازلا عسقلان فِي سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة ونصبا المجانيق عَلَيْهَا وَوَقع الْجد فِي الْقِتَال إِلَى أَن تسلم السُّلْطَان الْبَلَد فِي سلخه وَخرج مِنْهُ الفرنج إِلَى بَيت الْمُقَدّس بعد أَن ملكوه خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة. وتسلم السُّلْطَان حصون الداوية وَهِي غَزَّة والنطرون وَبَيت جِبْرِيل وَقدم عَلَيْهِ بِظَاهِر عسقلان ابْنه الْعَزِيز عُثْمَان من مصر ووافته الأساطيل وَعَلَيْهَا الْحَاجِب لُؤْلُؤ. وَكَانَت الشَّمْس قد كسفت قبل أَخذ عسقلان بِيَوْم حَتَّى أظلم الجو وَظَهَرت الْكَوَاكِب فِي يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشريه. وَسَار السُّلْطَان وَقد اجْتمعت إِلَيْهِ العساكر يُرِيد فتح بَيت الْمُقَدّس فنازله يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر رَجَب وَبِه حشود الفرنج وجميعهم فنصب المجانيق واقتتل الْفَرِيقَانِ أَشد قتال اسْتشْهد فِيهِ جمَاعَة من الْمُسلمين وأيد الله بنصره الْمُسلمين حَتَّى تمكنوا من السُّور ونقبوه وأشرفوا على أخد الْبَلَد فَسَأَلَ الفرنج حِينَئِذٍ الْأمان فَأَعْطوهُ بعد امْتنَاع كثير من السُّلْطَان على أَن يعْطى كل رجل من الفرنج عَن نَفسه عشرَة دَنَانِير مصرية سَوَاء كَانَ غَنِيا أَو فَقِيرا وَعَن الْمَرْأَة خَمْسَة دَنَانِير وَعَن كل طِفْل من الذُّكُور وَالْإِنَاث دينارين. ئم صولح عَن الْفُقَرَاء بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وتسلم الْمُسلمُونَ الْقُدس يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشري رَجَب وَأخرج من فِيهِ من الفرنج وَكَانُوا نَحْو السِّتين ألفا بَعْدَمَا أسر مِنْهُم نَحْو سِتَّة عشر ألفا مابين رجل وَامْرَأَة وَصبي وهم من لايقدر على شِرَاء نَفسه. وَقبض السُّلْطَان من مَال المفاداة ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار مصرية سوى مَا أَخذه الْأُمَرَاء وَمَا والتحق من كَانَ بالقدس من الفرنج بصور وتسامع الْمُسلمُونَ بِفَتْح بَيت الْمُقَدّس فَأتوهُ رجَالًا وركابنا من كل جِهَة لزيارته حَتَّى كَانَ من الْجمع مَالا ينْحَصر فأقيمت فِيهِ الْجُمُعَة يَوْم الرَّابِع من شعْبَان وخطب القَاضِي محيي الدّين بن الزاكي بِالسَّوَادِ خطْبَة بليغة دَعَا فِيهَا للخليفة النَّاصِر وَالسُّلْطَان صَلَاح الدّين وانتصب بعد الصَّلَاة زين
стр. 110
الدّين بن نجا فوعظ النَّاس. وَأمر السُّلْطَان بترميم الْمِحْرَاب الْعمريّ الْقَدِيم وَحمل مِنْبَر مليح من حلب وَنصب بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وأزيل مَا هُنَاكَ من آثَار النَّصْرَانِيَّة وغسلت الصَّخْرَة بعدة أحمال مَاء ورد وبخرت وفرشت ورتب فِي الْمَسْجِد من يقوم بوظائفه وَجعلت بِهِ مدرسة للفقهاء الشَّافِعِيَّة وغلقت كَنِيسَة قمامة ثمَّ فتحت وَقرر على من يرد إِلَيْهَا من الفرنج قطيعة يُؤَدِّيهَا. وَخرجت البشائر إِلَى الْخَلِيفَة بِالْفَتْح وَإِلَى سَائِر الْأَطْرَاف. ورحل السُّلْطَان عَن الْقُدس لخمس بَقينَ من شعْبَان يُرِيد عكا وَسَار الْعَزِيز عُثْمَان إِلَى مصر فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ. وَسَار الْعَادِل مَعَ السُّلْطَان فَنزلَا على عكا أول شهر رَمَضَان ثمَّ رَحل السُّلْطَان مِنْهَا وَنزل على صور فِي تاسعه وَكَانَت حَصِينَة وَقد استعد الفرنج فِيهَا فتلاحقت العساكر بالسلطان وَنصب على صور عدَّة من المجانيق وحاصرها واستدعى السُّلْطَان الأسطول من مصر فَقدم عَلَيْهِ عشر شواني وَصَارَ الْقِتَال فِي الْبر وَالْبَحْر فَأخذ الفرنج خمس شواني ووردت مُكَاتبَة الْخَلِيفَة على السُّلْطَان وفيهَا غلظة وإنكار أُمُور فَأجَاب بالإعتذار ورحل عَن صور فِي آخر شَوَّال. وعادت العساكر إِلَى بلادها وَأقَام السُّلْطَان بعكا وَسَار الْعَادِل إِلَى مصر فطرق الفرنج قلعة كَوْكَب وَقتلُوا بهَا جمَاعَة من الْمُسلمين ونهبوا مَا كَانَ بهَا وأتته على عكا رسل الْمُلُوك بالتهنئة من الرّوم وَالْعراق وخراسان بِفَتْح بَيت الْمُقَدّس. وَفِي هَذِه السّنة: أَعنِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: اجْتمع الشَّمْس وَالْقَمَر والمريخ والزهرة وَعُطَارِد وَالْمُشْتَرِي وزحل وأظفار الذِّئْب فِي برج الْمِيزَان أَربع عشره سَاعَة فَاجْتمع المنجمون كلهم وحكموا بِكَوْن طوفان الرّيح وَأَنه كَائِن وواقع ولابد فتنقلب الأَرْض من أَولهَا إِلَى آخرهَا وَأَنه لَا يبْقى من الْحَيَوَان شَيْء إِلَّا مَاتَ وَلَا شَجَرَة وَلَا جِدَار إِلَّا سقط. وَكَانَ مُعظم هَذِه الْحُكُومَة عَن بِلَاد الرّوم وأرجفوا بِأَنَّهَا هِيَ الْقِيَامَة فَاتخذ قوم الكهوف والمغائر فِي الْجبَال وبالغوا فِي الِاعْتِدَاد لهول ذَلِك الْيَوْم. وَقَالَ الْقَوْم: كتب القدماء كلهَا أحالت على هَذَا الِاجْتِمَاع وَإِن فِيهِ دمار الدُّنْيَا. وَكَانَ ذَلِك فِي مسرى وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة للسابع وَالْعِشْرين مِنْهُ وَهُوَ يَوْم الثُّلَاثَاء مَعَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء إِلَى يَوْم الْأَرْبَعَاء. فَلم تهب ريح وَلَا تحرّك نيل مصر وَهُوَ فِي زِيَادَته فِي مسرى وَمن الْعَادة أَن تهب الرّيح من الْعَصْر إِلَى الْعشَاء فِي وَجه المَاء ليقف بِإِذن الله فَتكون فِيهِ الأمواج فَلم يحدث تِلْكَ اللَّيْلَة وَلَا ثَانِي يَوْم وَلَا قبلهَا بِيَوْم شَيْء من ذَلِك وطلع النَّاس بالسرج الموقدة على السطوحات لاختبار الْهَوَاء فَلم تتحرك نَار الْبَتَّةَ. كَانَ أَشد النَّاس إرجافا بِهَذِهِ الْكَوَاكِب الرّوم فأكذبهم الله وسلط عَلَيْهِم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف فَأخذ كبارهم وملأ الأَرْض من
стр. 111
الأسرى شرقا وغربا وَأخذ الْقُدس وَأصَاب جمَاعَة مِمَّن كَانَ يرجف بِهَذِهِ الرّيح آفَات مَا بَين موت بَعضهم واعتلال بَعضهم. وفيهَا خرج فِي سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة قفل شَامي إِلَى مصر وَهُوَ أول قفل سلك بِلَاد السَّاحِل بِلَا حق يسمعهُ وَلَا مكس يوديه. وفيهَا سَار قراقوش التَّقْوَى وَاسْتولى على القيروان وحاربه ابْن عبد الْمُؤمن سُلْطَان الْمغرب على ظَاهر تونس فانكسر مِنْهُ وأقيمت الْخطْبَة فِي ربيع الأول بِتِلْكَ الْبِلَاد للسُّلْطَان صَلَاح الدّين. فَجمع ابْن عبد الْمُؤمن وواقع قراقوش وهزمه ففر قراقوش فِي الْبَريَّة. وفيهَا أَمر السُّلْطَان بِأَن تبطل النُّقُود الَّتِي وَقع الِاخْتِلَاف فِيهَا وتضرر الْعَامَّة بهَا وَأَن يكون مَا يضْرب من الدَّنَانِير ذَهَبا مصريا وَمن الدَّرَاهِم الْفضة الْخَالِصَة وأبطل الدَّرَاهِم السود لاستثقال النَّاس الْمِيزَان فسر النَّاس ذَلِك.
стр. 112
سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فِيهَا نَازل السُّلْطَان حصن كَوْكَب أَيَّامًا وَلم ينل مِنْهَا شَيْئا فَأَقَامَ الْأَمر صارم الدّين قايماز النجمي فِي خَمْسمِائَة فَارس عَلَيْهَا ووكل بصفد الْأَمِير طغرل الخازندار فِي خَمْسمِائَة فَارس وَبعث إِلَى الكرك والشوبك الْأَمِير سعد الدّين كمشبه الْأَسدي واستدعى الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش الْأَسدي من مصر فاستخلف على عمَارَة سور الْقَاهِرَة وَقدم وَالسُّلْطَان على كَوْكَب فندبه لعمارة عكا فشرع فِي تَجْدِيد سورها وتعلية أبراجها بِمن قدم بِهِ مَعَه من مصر من الأسرى والأبقار والآلات وَالدَّوَاب وَسَار السُّلْطَان يُرِيد دمشق فَدَخلَهَا سادس ربيع الأول وَقد غَابَ عَنْهَا سنة وشهرين وَخَمْسَة أَيَّام كسر فِيهَا الفرنج وَفتح بَيت الْمُقَدّس فلازم الْجُلُوس فِي دَار الْعدْل بِحَضْرَة الْقُضَاة وَكتب إِلَى الْجِهَات باستدعاء الأجناد للْجِهَاد وَخرج بعد خَمْسَة أَيَّام على بعلبك فوافاه عماد الدّين زنكي بن مودود صَاحب سنجار على أَعمال حمص فَنزلَا على بحيرة قدس. وَبعث السُّلْطَان ابْنه الظَّاهِر وَابْن أَخِيه المظفر صَاحب حماة لحفظ طَرِيق أنطاكية وَسَار أول ربيع الآخر وَشن الغارات على صافيتا وَتلك الْحُصُون الْمُجَاورَة. وَسَار فِي رَابِع جُمَادَى الأولى على تعبية لِقَاء الْعَدو فَأخذ أنطرسوس وَاسْتولى على مَا بهَا من الْمَغَانِم وَخرب سورها وبيعتها وَكَانَت من أعظم البيع وَوضع النَّار فِي الْبَلَد فَأحرق جَمِيعه وَسَار يُرِيد جبلة فنازلها لِاثْنَتَيْ عشرَة بقيت مِنْهُ وتسلمها بِغَيْر حَرْب ثمَّ أَخذ اللاذقية بعد قتال وغنم النَّاس مِنْهَا غنيمَة عَظِيمَة. وَسَار إِلَى صهيون فقاتل أَهلهَا إِلَى أَن ملكهَا فِي ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة وَاسْتولى على قلعتي الشغر وبكاس وعدة حصون وَأسر من فِيهَا وغنم شَيْئا كثيرا. فَلَمَّا فتح بغراس بعث الإبرنس ملك أنطاكية يسْأَل الصُّلْح فَأُجِيب إِلَى ذَلِك على
стр. 113
شريطة أَن يُطلق من عِنْده من الْأُسَارَى الْمُسلمين وهم ألف إِنْسَان وَعَاد صَاحب سنجار إِلَى بَلَده وَسَار السُّلْطَان إِلَى حلب فَأَقَامَ بهَا ثمَّ سَار عَنْهَا وَدخل إِلَى دمشق فِي آخر شعْبَان وَمَا زَالَ كمشبه محاصرا للكرك حَتَّى تسلم قلعتها وَمَعَهَا الشوبك والسلع وعدة حصون هُنَاكَ فِي رَمَضَان. فَلَمَّا وَردت الْبُشْرَى بذلك على السُّلْطَان سَار من دمشق ونازل صفد حَتَّى ملك قلعتها بالأمان فِي رَابِع عشر شَوَّال وَلحق من كَانَ فِيهَا من الفرنج بصور ثمَّ سَار إِلَى كَوْكَب وضايقها حَتَّى تسلمها فِي نصف ذِي الْقعدَة بِأَمَان وَأرْسل أَهلهَا إِلَى صور. فَكثر بهَا جموع الفرنج وكاتبوا إفرنج صقلية والأندلس وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر بِخَبَر هَذِه الْفتُوح ورحل فَنزل فِي صحراء بيسان. وفيهَا ثار بِالْقَاهِرَةِ اثْنَا عشر رجلا من الشِّيعَة فِي اللَّيْل نادوا: يال عَليّ. . يال عَليّ. وسلكوا الدروب وهم ينادون كَذَلِك ظنا مِنْهُم أَن رعية الْبَلَد يلبون دعوتهم ويقومون فِي وَسَار السُّلْطَان إِلَى الْقُدس فَحل بِهِ فِي ثامن ذِي الْحجَّة وَسَار بعد النَّحْر إِلَى عسقلان وجهز أَخَاهُ الْعَادِل إِلَى مصر لمعاضدة الْملك الْعَزِيز وعوضه بالكرك عَن عسقلان وَكَانَ قد وَهبهَا لَهُ ثمَّ نزل بعكا.
стр. 114
(سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة)
وَدخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ: فَسَار السُّلْطَان عَن عكا وَدخل دمشق أول صفر فورد عَلَيْهِ فِي ثَانِي عشره ضِيَاء الدّين عبد الْوَهَّاب بن سكينَة رَسُول الْخَلِيفَة النَّاصِر بِالْخطْبَةِ لِابْنِهِ ولي الْعَهْد عدَّة الدُّنْيَا وَالدّين أبي نصر مُحَمَّد فأقيمت لَهُ. وجهز الرَّسُول وَمَعَهُ ضِيَاء الدّين الْقَاسِم بن يحيى الشهرزوري وَبعث مَعَه بِهَدَايَا وتحف وأسارى من الفرنج للخليفة وَمَعَهُمْ تَاج ملك الفرنج والصليب الَّذِي كَانَ فَوق صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس وَأَشْيَاء كَثِيرَة. فَدفن الصَّلِيب تَحت عتبَة بَاب النوبى بِبَغْدَاد وديس عَلَيْهِ وَكَانَ من نُحَاس مَطْلِي بالنهب. وَخرج السُّلْطَان من دمشق فِي ثَالِث ربيع الأول ونازل شقيف أرنون وَهُوَ منزعج لانقضاء الْهُدْنَة مَعَ صَاحب أنطاكية ولاجتماع الفرنج بصور واتصال الأمداد بهم فَكَانَت للْمُسلمين مَعَ الفرنج فِي بِلَادهمْ الساحلية عدَّة وقائع قتل فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ عدَّة وَكثر الْقَتْل فِي الْمُسلمين واشتدت نكاية الفرنج فيهم فَرَحل السُّلْطَان إِلَى عكا وَقد سبقه الفرنج ونزلوا عَلَيْهَا. وَنزل السُّلْطَان بمرج عكا وَصَارَ محاصرا للفرنج والفرنج محاصرين للبلد. وتلاحقت بِهِ العساكر الإسلامية والأمداد تصل إِلَى الفرنج من الْبَحْر. فَلم يقدر السُّلْطَان على الْوُصُول إِلَى الْبَلَد وَلَا اسْتَطَاعَ أهل عكا أَن يصلوا إِلَى السُّلْطَان. وَشرع السُّلْطَان فِي قتال الفرنج من أول شعْبَان إِلَى أَن تمكن من عكا ودخلها فِي ثَانِيه فَمَا زَالَت الْحَرْب قَائِمَة إِلَى رَابِع رَمَضَان. فتحول إِلَى الخروبة وأغلق من فِي عكا من الْمُسلمين أَبْوَابهَا وحفر الفرنج خَنْدَقًا على معسكرهم حول عكا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وأداروا حَولهمْ سورا مَسْتُورا بالستائر ورتبوا عَلَيْهِ الرِّجَال فَامْتنعَ وُصُول الْمُسلمين إِلَى عكا. وَقدم الْعَادِل بعسكر مصر فِي نصف شَوَّال وَقدم الأسطول من مصر إِلَى عكا فِي
стр. 115
خمسين قِطْعَة وَعَلِيهِ الْحَاجِب لُؤْلُؤ فِي منتصف ذِي الْقعدَة فبدد شَمل مراكب الفرنج وظفر ببطستين للفرنج. فاستظهر الْمُسلمُونَ الَّذين بعكا وَقَوي جأشهم بالأسطول وَكَانُوا نَحْو الْعشْرَة آلَاف. وَبعث السُّلْطَان إِلَى الْأَطْرَاف يحث النَّاس على الْجِهَاد وَأرْسل إِلَى أَخِيه سيف الْإِسْلَام طغتكين بِالْيمن يطْلب مِنْهُ الْإِعَانَة بِالْمَالِ وَإِلَى مظفر الدّين قر أرسلان صَاحب الْعَجم وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة. ووصلت الأمداد إِلَى الفرنج وَورد الْخَبَر من حلب بِخُرُوج ملك الألمان من الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي عدَّة عَظِيمَة تتجاور الْألف ألف يُرِيدُونَ الْبِلَاد الإسلامية فَاشْتَدَّ الْأَمر على السُّلْطَان وَمن مَعَه من الْمُسلمين. وَتُوفِّي فِي هَذِه السّنة حسام الدّين سنقر الخلاطي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سَابِع عشري رَجَب والأمير حسام الدّين طمان يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر شعْبَان والأمير عز الدّين موسك بن جكو فِي شعْبَان وَهُوَ ابْن خَال السُّلْطَان صَلَاح الدّين. وَمَات شرف الدّين أَبُو سعد عبد الله بن أبي عصرون بِدِمَشْق يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشر رَمَضَان ومولده أول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة. وَمَات ضِيَاء الدّين عِيسَى الهكاري يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع ذِي الْقعدَة بِمَنْزِلَة الخروبة.
стр. 116
سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَدخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَالسُّلْطَان بالخروبة على حِصَار الفرنج وقدمت عَسَاكِر الْمُسلمين من الشرق وَمن بَقِيَّة الْبِلَاد فَرَحل من الخروبة لِاثْنَتَيْ عشرَة بقيت من ربيع الأول إِلَى تل كيسَان وتتابع مَجِيء العساكر. وكملت أبراج الفرنج الثَّلَاثَة الَّتِي بنوها تجاه عكا فِي مُدَّة سَبْعَة أشهر حَتَّى علت على الْبَلَد وامتلأت بِالْعدَدِ وَالْعدة وطموا كثيرا من الخَنْدَق وضايقوا الْبَلَد. وَاشْتَدَّ خوف الْمُسلمين واشتدت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ حَتَّى احترقت الأبراج الثَّلَاثَة وَخرج أهل عكا مِنْهَا فنظفوا الخَنْدَق وسدوا الثغر وغنموا مَا كَانَ فِي الأبراج من الْحَدِيد فَتَقووْا بِهِ. وَكَانَ بَين أسطول المصريين وَبَين مراكب الفرنج عدَّة معارك فتل فِيهَا كثير من الفرنج. وَدخل ملك الألمان بجيوشه إِلَى حُدُود بِلَاد الْإِسْلَام وَقد فني مِنْهُم كثير فواقعهم الْملك عز الدّين قلج بن أرسلان السلجوقي فانكسر مِنْهُم فلحق بِهِ الفرنج إِلَى قونية وهاجموها وأحرقوا أسواقها وَسَارُوا إِلَى طرسوس يُرِيدُونَ بَيت الْمُقَدّس واسترجاع مَا أَخذ مِنْهُم السُّلْطَان من الْبِلَاد والحصون فَمَاتَ بهَا ملكهم. وَقَامَ من بعده ابْنه فَسَار إِلَى أنطاكية. وَندب السُّلْطَان كثيرا مِمَّن كَانَ مَعَه على حَرْب
стр. 117
عكا إِلَى جِهَة أنطاكية وَوَقع فِيمَن بَقِي مَعَه مرض كثير وَأمر بتخريب سور طبرية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل فخرب ذَلِك وَنقل من كَانَ فِيهَا إِلَى بيروت وطمع الفرنج فِي السُّلْطَان لقلَّة من بَقِي مَعَه فَرَكبُوا لحربه ونهبوا وطاق الْملك الْعَادِل. وَكَانَت للْمُسلمين مَعَهم حَرْب انْكَسَرَ فِيهَا الفرنج إِلَى خيامهم وَقتل مِنْهُم آلَاف فوهت قواهم. غير أَن المدد أَتَاهُم ونصبوا المجانيق على عكا فتحول السُّلْطَان إِلَى الحزوبة فَوَافى كتاب ملك الرّوم بقسطنطينية يخبر بوصول الْمِنْبَر من عِنْد السُّلْطَان وَكَذَلِكَ الْخَطِيب والمؤذنين والقراء وَأَن الْخطْبَة أُقِيمَت وَسَار ابْن ملك الألمان عَن أنطاكية إِلَى طرابلس فِي جيوشه وَركب مِنْهَا الْبَحْر إِلَى عكا فوصل إِلَيْهَا سادس رَمَضَان فَأَقَامَ عَلَيْهَا إِلَى أَن هلك ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة بَعْدَمَا حَارب الْمُسلمين فَلم ينل مِنْهُم كَبِير عرض. وَدخل الشتَاء وَقد طَالَتْ مُدَّة البيكار وضجرت العساكر من كَثْرَة الْقِتَال فَرَحل صَاحب سنجار وَصَاحب الجزيرة وَصَاحب الْموصل. وفيهَا تولى سيف الدولة أَبُو الميمون مبارك بن كَامِل بن منقذ شدّ الدَّوَاوِين بديار مصر وباشر الأسعد بن مماتي مَعَه الدِّيوَان فِي محرم.
стр. 118
سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَدخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ: فَسَار الظَّاهِر صَاحب حلب إِلَيْهَا وَسَار المظفر إِلَى حماة. وَبَقِي السُّلْطَان فِي جمع قَلِيل وَالْحَرب بَين أهل عكا وَأمرهمْ بهاء الدّين قراقوش وَبَين الفرنج. وَدخل فصل الرّبيع فوافت العساكر السُّلْطَان وَوصل إِلَى الفرنج مددهم فضايقوا عكا وجدوا فِي حصارها ونصبوا عَلَيْهَا المجانيق. وتوالت الحروب إِلَى أَن ملكهَا الفرنج يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة وأسروا من فِيهَا من الْمُسلمين وَكَانُوا ألوفا. وَخَرجُوا يُرِيدُونَ الْحَرْب فواقعهم السُّلْطَان وكسرهم وَوَقع كَلَامه فِي فَلَمَّا كَانَ فِي سَابِع عشري رَجَب برز الفرنج بخيامهم وأحضروا أُسَارَى الْمُسلمين وحملوا عَلَيْهِم حَملَة وَاحِدَة قتلوا فِيهَا بأجمعهم فِي سَبِيل الله صبرا واليزك الإسلامي ينظر إِلَيْهِم. فَحمل الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم وَجَرت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة قتل فِيهَا عدَّة من الْفَرِيقَيْنِ. وَلما أهل شعْبَان: سَار الفرنج إِلَى عسقلان ورحل السُّلْطَان فِي أَثَرهم وواقعهم فِي رَابِع عشره بأرسوف فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَثَبت السُّلْطَان إِلَى أَن اجْتمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَعَاد إِلَى الْقِتَال حَتَّى التجأ الفرنج إِلَى جدران أرسوف. ورحل السُّلْطَان فِي تَاسِع عشره وَنزل على عسقلان يُرِيد تخريبها لعَجزه عَن حفظهَا فَفرق أبراجها على الْأُمَرَاء وو قع الضجيج والبكاء فِي النَّاس أسفا وغما لخرابها وَكَانَت من أحسن الْبِلَاد بِنَاء وأحكمها أسوارا وأطيبها سكنا فَلم يزل التخريب والحريق فِيهَا إِلَى سلخ شعْبَان. قَالَ الْحَافِظ عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ فِي المعجم المترجم: سَمِعت الْأَمِير الْأَجَل أياز بن عبد الله يعْنى أَبَا الْمَنْصُور البانياسي الناصري يَقُول: لما هدمنا عسقلان أَعْطَيْت أَنا برج الداوية وَهدم خطلج برجا وجدنَا عَلَيْهِ مَكْتُوبًا عمر على يَدي خطلج وَهَذَا من الْكَاتِب قَالَ: رَأَيْت بعسقلان برج الدَّم وخطلج المعزى يهدمه يَعْنِي فِي شعْبَان.
стр. 119
وَرَأَيْت عَلَيْهِ مَكْتُوبًا: مِمَّا أَمر بعمارته السَّيِّد الْأَجَل أَمِير الجيوش يعْنى بَدْرًا الجمالي على يَد عَبده ووليه خطلج فِي شعْبَان فعجبت من هَذَا الِاتِّفَاق كَيفَ عمر فِي شعْبَان على يَد خطلج وَهدم فِي شعْبَان على يَد خطلج. ثمَّ رَحل السُّلْطَان عَن عسقلان وَقد خربَتْ فِي ثَانِي رَمَضَان وَنزل على الرملة فخرب حصنها وسم كَنِيسَة لد وَركب إِلَى الفدس جَرِيدَة ثمَّ عَاد وَهدم حصن النطرون. وَكَانَت بَين الْمُسلمين والفرنج عدَّة وقائع فِي الْبر وَالْبَحْر فَعَاد السُّلْطَان إِلَى الْقُدس فِي آخر ذِي الْقعدَة. وَقدم أَبُو الهيجاء السمين بعسكر مصر وَوَقع الاهتمام فِي عمَارَة سور بَيت الْمُقَدّس وحفر الخَنْدَق. وفيهَا مَاتَ علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر فِي آخر ذِي الْحجَّة. وَمَات الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن نور الدولة شاهنشاه بن أَيُّوب بن شادي صَاحب حماة وَهُوَ الَّذِي أوقف منَازِل الْمعز بِمصْر مدرسة فِي لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع رَمَضَان وَدفن بحماة. وَمَات نجم الدّين مُحَمَّد بن الْمُوفق بن سعيد بن عَليّ بن حسن بن عبد الله الخبوشاني الْفَقِيه الشَّافِعِي الصُّوفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشري ذِي الْقعدَة وَدفن بالقرافة.
стр. 120
وفيهَا سلم أَمر الأسطول بِمصْر للْملك الْعَادِل فاستخدم فِيهِ من قبله وأفرد برسمه الزَّكَاة بِمصْر وَالْحَبْس الجيوشي بالبرين والنطرون وَالْخَرَاج وَمَا مَعَه من ثمن الْقرظ وساحل السنط والمراكب الديوانية وإشنين وطنبذة فاستناب الْعَادِل فِي مُبَاشرَة ذَلِك واستخدم فِي ديوَان الأسطول صفي الدّين عبد الله بن عَليّ بن شكر. وأحيل الْوَرَثَة الجيوشية على غير الْحَبْس الَّذِي لَهُم. وعظمت زِيَادَة النّيل وغرق النواحي وَكثر رخاء الأسعار بِمصْر فأبيع الْقَمْح كل مائَة أردب بِثَلَاثِينَ دِينَارا وَالْخبْز البائت سِتَّة أَرْطَال بِربع دِرْهَم وَالرّطب الْأُمَّهَات سِتَّة أَرْطَال بدرهم والموز سِتَّة أَرْطَال بدرهم وَالرُّمَّان الْجيد مائَة حَبَّة بدرهم وَحمل الْخِيَار بِدِرْهَمَيْنِ والتين ثَمَانِيَة أَرْطَال بدرهم وَالْعِنَب سِتَّة أَرْطَال بدرهم فِي شهر بَابه بعد انْقِضَاء موسمه الْمَعْهُود بشهرين والياسمين خَمْسَة أَرْطَال بدرهم وثمر الْحِنَّاء عشرَة أَرْطَال بدرهم والبسر الْجيد عشرَة أَرْطَال بدرهم وَمَا دونه خَمْسَة عشر رطلا بدرهم. وكثربمصر والقاهرة التجاهر بمعاصي الله وظفر الأسطول بمركب فِيهِ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ ألف جبنة كل جبنة قدر الرَّحَى لَا يقلها الراجل. وحصلت بِمصْر زَلْزَلَة وهبت سموم حارة فِيهَا إعصار ثَلَاثَة أَيَّام أتلفت الخضروات الَّتِي فضلت من الْغَرق. وانشقت زريبة جَامع المقس لقُوَّة الزِّيَادَة وَخيف على الْجَامِع أَن يسْقط، فَأمر بعمارتها.
стр. 121
فارغة
стр. 122
سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وأهلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ: وَالسُّلْطَان بالقدس مُجْتَهد فِي عِمَارَته. وَفِي ثَالِث الْمحرم: نزل الفرنج على ظَاهر عسقلان لقصد عمارتها فَمَا مكنوا وواقعهم جمَاعَة من الأَسدِية مِنْهُم يازكج وَغَيره وتوالت الوقائع بَينهم. وَفِي صفر: سَار الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بن السُّلْطَان إِلَى الْبِلَاد الشرقية على مَا كَانَ بيد الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر من الْبِلَاد الَّتِي هِيَ قَاطع الْفُرَات وَأطلق لَهُ السُّلْطَان عشْرين ألف دِينَار سوى الْخلْع والتشريفات. ثمَّ نزل الْملك الْعَادِل أَبُو بكر عَن كل مَاله فِي الشَّام ماخلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء وَنصف خَاصَّة بديارمصر وَعوض الْبِلَاد الشرقية. وَسَار السُّلْطَان من الْقُدس فِي أَوَائِل جُمَادَى الأولى وَكتب بِعُود الْملك الْأَفْضَل فَعَاد منكسر الْقلب إِلَى السُّلْطَان. وَلحق الْعَادِل بحران والرها وَقرر أَمرهمَا ثمَّ عَاد إِلَى السُّلْطَان فِي أخر جُمَادَى الْآخِرَة. وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة: ملك الفرنج قلعة الداروم وَخرج الْعَسْكَر الْمصْرِيّ يُرِيدُونَ السُّلْطَان فكبسهم الفرنج وَأخذُوا جَمِيع مَا مَعَهم وتبدد النَّاس فِي الْبَريَّة. وَأسر الفرنج مِنْهُم خَمْسمِائَة رجل وَأخذُوا نَحْو ثَلَاثَة آلَاف جمل وعادوا إِلَى خيمهم وَقد طمعوا فقصدوا الْمسير إِلَى الْقُدس ثمَّ اخْتلفُوا ونزلوا بالرملة وبعثوا رسلهم فِي طلب الصُّلْح فبرز السُّلْطَان من الْقُدس فِي عَاشر رَجَب وَسَار إِلَى يافا فحاصرها وَلم يزل يُقَاتل من فِيهَا من الفرنج إِلَى أَن أَخذ الْبَلَد عنْوَة وغنم النَّاس مِنْهَا شَيْئا عَظِيما. وتسلم السُّلْطَان القلعة وَأخرج من كَانَ فِيهَا من الفرنج فَقدم من الفرنج نجدة كَبِيرَة فِي خمسين مركبا فغدر أهل يافا بِجَمَاعَة من الْمُسلمين وَعَاد الْقِتَال والمراكب فِي الْبَحْر لم تصل إِلَى الْبر فسارع أهل المراكب إِلَى الْبر وحملوا على السُّلْطَان فَرَحل إِلَى يازور وَأمر بتخريبها وَسَار إِلَى الرملة وَمِنْهَا إِلَى الْقُدس وعزم على لِقَاء الفرنج فَاخْتلف عَلَيْهِ أَصْحَابه وأسمعه بَعضهم كلَاما جَافيا فانثنى عَن ذَلِك. وَقدم عَسْكَر مصر فَخرج إِلَى
стр. 123
الرملة وَوَقع الصُّلْح بَين السُّلْطَان والفرنج لثمان بَقينَ من شعْبَان. وعقدت هدنة عَامَّة فِي الْبر وَالْبَحْر مُدَّة ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر أَولهَا حادي عشر شعْبَان وَهُوَ أول شهر أيلول على أَن يكون للفرنج من يافا إِلَى عكا إِلَى صور وطرابلس وأنطاكية. وَنُودِيَ فِي الوطاقات وأسواق الْعَسْكَر: أَلا إِن الصُّلْح قد انتظم فَمن شَاءَ من بِلَادهمْ يدْخل بِلَادنَا فَلْيفْعَل وَمن شَاءَ من بِلَادنَا يدْخل بِلَادهمْ فَلْيفْعَل. وَكَانَ يَوْم الصُّلْح يَوْمًا مشهودا عَم فِيهِ الطَّائِفَتَيْنِ الْفَرح وَالسُّرُور لما نالهم من طول الْحَرْب. فاختلط عَسْكَر الفرنج بعسكر الْمُسلمين ورحل جمَاعَة من الْمُسلمين إِلَى يافا للتِّجَارَة وَدخل خلق عَظِيم من الفرنج إِلَى الْقُدس بِسَبَب الزِّيَارَة فأكرمهم السُّلْطَان وَمد لَهُم الْأَطْعِمَة وباسطهم. ورحل مُلُوك الفرنج إِلَى نَاحيَة عكا ورحل السُّلْطَان إِلَى الْقُدس وَسَار مِنْهَا إِلَى دمشق ملقيه الْأَمر بهاء الدّين قراقوش وَقد تخلص من الْأسر على طبرية. وَدخل السُّلْطَان إِلَى دمشق لخمس بَقينَ من شَوَّال فَكَانَت غيبته عَنْهَا أَربع سِنِين. وَأذن للعساكر فِي التَّفَرُّق إِلَى بِلَادهمْ فَسَارُوا إِلَيْهَا وَبَقِي عِنْد السُّلْطَان ابْنه الْأَفْضَل عَليّ وَالْقَاضِي الْفَاضِل. وفيهَا انْتقل سعر الفول بديار مصر من خَمْسَة عشر دِينَارا إِلَى ثَلَاثِينَ دِينَارا الْمِائَة أردب بِحكم ان المُشْتَرِي لعلوفة الوسية العادلية خَمْسُونَ ألف أردب. وفيهَا عثر على رجل اسْمه عبد الْأَحَد من أَوْلَاد حسن ابْن الْخَلِيفَة الفاطمي الْحَافِظ لدين الله وأحضر إِلَى الْملك الْعَزِيز بِالْقَاهِرَةِ فَقيل لَهُ: أَنْت تَدعِي أَنَّك الْخَلِيفَة قَالَ: نعم. فَقيل لَهُ: أَيْن كنت فِي هَذِه الْمدَّة فَذكر أَن أمه أخرجته من الْقصر فتاه وَوصل إِلَى طنبذة فاختفى بهَا ثمَّ خرج إِلَى مصر فأواه رجل وَشرع يتحدث لَهُ فِي الْخلَافَة وَأَنه وَقع بعدة بِلَاد وأقطع أُنَاسًا مِمَّن بَايعه فسجن. وعثر على بعض أقَارِب الْوَزير شاور وَقد ثار بِالْقَاهِرَةِ فسجن وفيهَا انْعَقَد ارْتِفَاع الدِّيوَان الْخَاص السلطاني على ثَلَاثمِائَة ألف وَأَرْبَعَة وَخمسين ألف دِينَار وَأَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعين دِينَارا. وَمَات فِيهَا جمال الْملك مُوسَى بن الْمَأْمُون البطائحي جَامع السِّيرَة المأمونية وهوبقية بَيته فِي سادس عشر جُمَادَى الأولى بِالْقَاهِرَةِ. وفيهَا وَقع الشُّرُوع فِي حفر الخَنْدَق من بَاب الْفتُوح إِلَى المقس. وَكتب بِنَقْل جمَاعَة من أَتبَاع الدولة الفاطمية المحبوسين فِي الإيوان وَدَار المظفر لَيْلًا
стр. 124
بِحَيْثُ لَا يشْعر بهم أحد حَتَّى يوصلهم الْمُكَلف بذلك إِلَى صرخد. وفيهَا كتب بإخلاء مَدِينَة تنيس وَنقل أَهلهَا إِلَى دمياط وَقطع أَشجَار بساتين دمياط وَإِخْرَاج النِّسَاء مِنْهَا. فخلت تنيس إِلَّا من الْمُقَاتلَة وحفر خَنْدَق دمياط وَعمل جسر عِنْد سلسلة البرج بهَا. وفيهَا كثرت الأراجيف بِالْقَاهِرَةِ ومصر وعظمت الشناعات وَارْتَفَعت الأسعار. وفيهَا ورد الْخَبَر فِي كتاب من الْيمن بِأَن ثَلَاثَة أَنهَار بِالْحَبَشَةِ تَغَيَّرت بَعْدَمَا كَانَت عذبة فَصَارَ أَحدهَا أجاجا وَالْآخر لَبَنًا وَالْآخر دَمًا. وفيهَا مَاتَ قلج ارسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان بن سُلَيْمَان صَاحب قونية وَقد تغلب عَلَيْهِ ابْنه قطب الدّين صَاحب سيواس وأقصرا وَزَاد فِي أَن حجر عَلَيْهِ. وَكَانَ مَوته فِي شعْبَان فولى تونية بعده ابْنه غياث الدّين كيخسرو بن قلج أرسلان وَبقيت أخوته على ولاياتهم من عهد أَبِيهِم فَاخْتَلَفُوا وثار عَلَيْهِ أَخُوهُ ركن الدّين سُلَيْمَان صَاحب ووقاط وَملك سيواس وأقصرا وقيسارية وَهِي أَعمال أَخِيه قطب الدّين ثمَّ ملك قونية من غياث الدّين ففر غياث الدّين وَنزل حلب.
стр. 125
فارغة
стр. 126
سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة أهلت: وَالسُّلْطَان بِدِمَشْق فَخرج الْعَادِل إِلَى الكرك وَقدم من الْيمن الْملك الْمعز إِسْمَاعِيل ابْن سيف الْإِسْلَام ظهير الدّين طغتكين فِي نصف صفر فسربه السُّلْطَان. فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة السبت سادس عشره: نزل بالسلطان مرض فَأمر يَوْم السبت وَلَده الْفضل أَن يجلس على الطَّعَام فَجَلَسَ فِي مرضع السُّلْطَان. وتزايد بِهِ الْمَرَض إِلَى الْيَوْم الْحَادِي عشر من مَرضه فَحلف الْأَفْضَل النَّاس وَاسْتمرّ السُّلْطَان فِي تزايد من الْمَرَض إِلَى لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشري صفر وهى لَيْلَة الثَّانِي عشر من الْمَرَض فاحتضر وَمَات بعد صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمَذْكُور. فَركب الْأَفْضَل وَدَار فِي الْأَسْوَاق وَطيب قُلُوب الْعَامَّة. وَكَانَ ﵀ كثير التَّوَاضُع قَرِيبا من النَّاس كثير الِاحْتِمَال شَدِيد المداراة محبا للفقهاء وَأهل الدّين وَالْخَيْر محسنا إِلَيْهِم مائلا إِلَى الْفَضَائِل يستحسن الشّعْر الْجيد ويردده فِي مَجْلِسه. ومدحه كثير من الشُّعَرَاء وانتجعوه من الْبلدَانِ. وَكَانَ شَدِيد التَّمَسُّك بالشريعة سمع الحَدِيث من أبي الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن الْمُسلم بن بنت أبي سعد وَأبي مُحَمَّد بن بري النَّحْوِيّ وَأبي الْفَتْح مَحْمُود بن أَحْمد الصَّابُونِي وَأبي الطَّاهِر السلَفِي وَابْن عَوْف وَجَمَاعَة غَيرهم. وَكَانَ كَرِيمًا: أطلق من الْخَيل بمرج عكا لمن مَعَه اثْنَي عشر ألف رَأس سوى أَثمَان الْخَيل الَّتِي أُصِيبَت فِي الْجِهَاد. وَلم يكن لَهُ فرس يركبه إِلَّا وَهُوَ موهوب أَو مَوْعُود بِهِ وَصَاحبه ملازم فِي طلبه وَتَأَخر عَنهُ الْأَمِير أَيُّوب بن كنان فِي بعض سفراته لدين لزمَه فَتقبل لغرمائه بِاثْنَيْ عشر ألف دِينَار مصرية. وَكَانَ ورعا رأى يَوْمًا الْعِمَاد الْكَاتِب يكْتب من دَوَاة محلاة بِالْفِضَّةِ فأنكرها وَقَالَ هَذَا حرَام فَلم يعد يكْتب مِنْهَا عِنْده. وَكَانَ لَا يصلى إِلَّا فِي جمَاعَة وَله إِمَام راتب ملازم وَكَانَ يُصَلِّي قبيل الصُّبْح رَكْعَات إِذا اسْتَيْقَظَ وَكَانَ يُسَوِّي فِي المحاكمة بَين أكبر النَّاس وَبَين
стр. 127
خَصمه. وَكَانَ شجاعا فِي الحروب يمر فِي الصُّفُوف وَلَيْسَ مَعَه سوى صبي. وقرىء عَلَيْهِ جُزْء من الحَدِيث بَين الصفين وَهُوَ على ظهر فرسه وَكَانَ ذَاكِرًا لوقائع الْعَرَب وعجائب الدُّنْيَا ومجلسه طَاهِر من المعايب ﵀ وَغفر لَهُ. وَلما مَاتَ جلس الْأَفْضَل للعزاء وَكثر بكاء النَّاس عَلَيْهِ. وغسله الْفَقِيه خطيب دمشق أخرج بعد صَلَاة الظّهْر وَصلى النَّاس عَلَيْهِ أَرْسَالًا وَدفن بداره الَّتِي مرض فِيهَا بالقلعة ثمَّ نقل فِي يَوْم عَاشُورَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة إِلَى تربة بنيت لَهُ بجوار جَامع بني أُميَّة. وَكتب بوفاته إِلَى الْعَزِيز بِمصْر وَإِلَى الْعَادِل بالكرك. وَكَانَ عمره يَوْم مَاتَ نَحوا من سبع وَخمسين سنة مِنْهَا مُدَّة ملكه بعد موت العاضد اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَأَيَّام. وَترك من الْأَوْلَاد سَبْعَة عشر ذكرا وبنتا وَاحِدَة صَغِيرَة وَلم يخلف فِي خزائنه سوى سَبْعَة وَأَرْبَعين درهما وَلم يتْرك دَارا وَلَا عقارا. وَكَانَ القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ البيساني صَاحب سره وبمنزلة الْوَزير مِنْهُ. وفيهَا قتل طغرل بن أرسلان بن طغرل بن السُّلْطَان مُحَمَّد بن ملك شاه بن ألب أرسلان بن جغري بك دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق فِي رَابِع عشري شهر ربيع الأول وَهُوَ أخر من ملك بِلَاد الْعَجم من السلاطين السلجوقية وَابْتِدَاء دولتهم فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وأولهم طغرلبك بن مِيكَائِيل بن سلجوق فَتكون مُدَّة دولتهم مائَة سنة وثمانيا وَخمسين سنة. السُّلْطَان الْملك الْعَزِيز عماد الدّين أَبُو الْفَتْح عُثْمَان ابْن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ولد بِالْقَاهِرَةِ فِي ثامن جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَمَات أَبوهُ بِدِمَشْق وَهُوَ على سلطنة ديار مصر مُقيم بِالْقَاهِرَةِ وَعِنْده جلّ العساكر والأمراء من الأَسدِية والصلاحية والأكراد. فَلَمَّا بلغه موت أَبِيه جلس للعزاء وَأخذ بالحزم وَقرر أُمُور دولته وخلع على الْأُمَرَاء وأرباب الدولة يعد انْقِضَاء العزاء. فَقَامَ أَخُوهُ الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بِدِمَشْق وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر يطالعه بوفاة أَبِيه من إنْشَاء الْعِمَاد الْكَاتِب. وَبعث بذلك مَعَ القَاضِي ضِيَاء الدّين أبي الْفَضَائِل الْقَاسِم بن يحيى بن عبد الله الشهرزوري وَمَعَهُ عدد وَالِده وملابسه وخيله وهدية نفيسة. وَسَار الْعَادِل من الكرك إِلَى بِلَاد الْمشرق فَأَقَامَ بقلعة جعبر وَبعث نوابه إِلَى حران والرها واستوزر الْأَفْضَل الْوَزير
стр. 128
ضِيَاء الدّين نصر الله بن مُحَمَّد بن الأئير وفوض إِلَيْهِ أُمُوره كلهَا فَحسن لَهُ إبعاد أُمَرَاء أَبِيه وأكابر أَصْحَابه وَأَن يستجد أُمَرَاء غَيرهم ففارقه جمَاعَة مِنْهُم الْأَمر فَخر الدّين جهاركس وَفَارِس الدّين مَيْمُون القصري وشمس الدّين سنقر الْكَبِير وَكَانُوا عُظَمَاء الدولة فصاروا إِلَى الْملك الْعَزِيز بِالْقَاهِرَةِ فأكرمهم وَولى فَخر الدّين أستاداره وفوض إِلَيْهِ أمره وَجعل فَارس الدّين وشمس الدّين على صيداء وأعمالها وَكَانَ ذَلِك لَهما وزادهما نابلس وبلادها وَسَار القَاضِي الْفَاضِل أَيْضا من دمشق وَلحق بِالْقَاهِرَةِ فَخرج الْعَزِيز إِلَى لِقَائِه وَأجل قدومه وأكرمه فشرع الْقَوْم فِي تَقْرِير قَوَاعِد ملك الْعَزِيز وَالْأَفْضَل فِي شغل عَنْهُم وَكَانَت مَدِينَة الْقُدس مُضَافَة للأفضل فَكتب إِلَى أَخِيه الْعَزِيز يرغب عَنْهَا لَهُ. وَكَانَ ذَلِك من تَدْبِير وزيره ابْن الْأَثِير لِأَنَّهَا كَانَت تحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى أَمْوَال وَرِجَال لمدافعة الفرنج فسر الْعَزِيز بذلك وجهز عشرَة آلَاف دِينَار إِلَى عز الدّين جرديك النوري مُتَوَلِّي الْقُدس لينفقها فِي عَسْكَر الْقُدس فَخَطب لَهُ بِهِ. وخشي الْعَزِيز من نقض الهدنه بَينه وبن الفرنج فَبعث عسكرا إِلَى الْقُدس احْتِرَازًا من الفرنج. ثمَّ بدا للأفضل أَن يعود فِيمَا رغب عَنهُ لِأَخِيهِ من الْقُدس وَرجع عَن ذَلِك فَتغير الْعَزِيز من هَذَا وَأخذ الْأُمَرَاء فِي الإغراء بَينهمَا وحسنوا للعزيز الاستبداد بِالْملكِ وَالْقِيَام مقَام أَبِيه فَبلغ ذَلِك الْأَفْضَل.
стр. 129
فارغة
стр. 130
(سنة تسعين وَخَمْسمِائة)
وَدخلت سنة تسعين: وَقد تنافرت الْقُلُوب وقويت الوحشة بَين الْأَخَوَيْنِ وَاجْتمعت الْأُمَرَاء الصلاحية على أَن يكون الْأَمر كُله للعزيز فاضطربت أَحْوَال الْأَفْضَل. وَخرج الْعَزِيز من الْقَاهِرَة بعساكر مصر من الصلاحية والأسدية والأكراد وَغَيرهم يُرِيد الشَّام وانتزاعها من أَخِيه الْأَفْضَل من أجل أُمُور مِنْهَا أَن جبيل وَهُوَ من جملَة الْفتُوح الصلاحية كَانَ مَعَ رجل كردِي فَقِيه أَقَامَهُ صَلَاح الدّين مستحفظا بهَا فأرغبه الفرنج بِمَال حَتَّى سلمه لَهُم. وَخرج الْأَفْضَل من دمشق ليستنقذه من الفرثج فَتعذر عَلَيْهِ وَظهر الْعَجز عَن استخلاصه فامتعض الْأُمَرَاء لذَلِك وخوفوا الْعَزِيز من عَاقِبَة أَمر الفرنج فَسَار فِي صفر واستخلف أَخَاهُ الْملك الْمُؤَيد نجم الدّين مَسْعُود وَترك بِالْقَاهِرَةِ بهاء الدّين قراقوش الْأَسدي وصيرم وَسيف الدّين يازكج وخطلج فِي تِسْعمائَة فَارس. وَاتفقَ أَن الْأَمِير صارم الدّين قايماز النجمي أحد أكَابِر الْأُمَرَاء الصلاحية استوحش من الْأَفْضَل لإعراضه عَنهُ فَخرج من دمشق يُرِيد إقطاعه وَلحق بالعزيز فَأكْرمه وَرفع مَحَله. وهم الْأَفْضَل بمراسلة أَخِيه الْعَزِيز واستعطافه فَمَنعه من ذَلِك وزيره ابْن الْأَثِير وعدة من أَصْحَابه وحسنوا لَهُ محاربته فَمَال إِلَيْهِم. وَبعث إِلَى عَمه الْعَادِل وَهُوَ بالشرق وَإِلَى أَخِيه الظَّاهِر بحلب وَإِلَى الْمَنْصُور بحماة وَإِلَى الأمجد صَاحب بعلبك وَإِلَى الْمُجَاهِد شيركوه صَاحب حمص يستنجدهم على أَخِيه الْعَزِيز. فوردت رسلهم فِي جُمَادَى الْآخِرَة يعدون بالقدوم عَلَيْهِ. ثمَّ إِنَّه برز من دمشق وَنزل بِرَأْس المَاء. فَلَمَّا وصل الْعَزِيز إِلَى الْقصير من الْغَوْر ضَاقَ الْأَفْضَل وَرجع من الفوار إِلَى رَأس المَاء فأدركت مُقَدّمَة الْعَزِيز ساقته وكادوا يكبسونه فَانْهَزَمَ إِلَى دمشق ودخلها لخمس مضين مِنْهُ. وَنزل الْعَزِيز فِي غده على دمشق فِي قُوَّة قَوِيَّة ونازل الْبَلَد. وَكَانَ الْأَفْضَل قد استعد لقتاله فَقدم الْعَادِل وَالظَّاهِر والمنصور والمجاهد والأمجد إِلَى دمشق. وَبعث الْعَادِل إِلَى ابْن أَخِيه الْملك الْعَزِيز يشفع فِي الْأَفْضَل ويستأذنه فِي الِاجْتِمَاع بِهِ فَأذن لَهُ. وَخرج الْعَادِل فَاجْتمع بالعزيز وكل مِنْهُمَا رَاكب وتحدث مَعَه فِي الصُّلْح وَأَن ينفس الخناق عَن الْبَلَد وَكَانَ قد اشْتَدَّ الْحصار وَقطعت الْأَنْهَار ونهبت الثِّمَار وَالْوَقْت زمن المشمش. فَوَافَقَ الْعَزِيز عَمه وَتَأَخر إِلَى
стр. 131
داريا وَنزل على العوج وسير الْأَمِير فَخر الدّين جهاركس الأستادار وَهُوَ يَوْمئِذٍ أجل الصلاحية إِلَى الْعَادِل فقرر الصُّلْح على شُرُوط وَعَاد إِلَى الْعَزِيز فَرَحل وَنزل مرج الصفر فَحدث لَهُ مرض شَدِيد وأرجف بِمَوْتِهِ ثمَّ أبل مِنْهُ. وَأمر بِعَمَل نُسْخَة الْيمن وهى جَامِعَة لمقترحات جَمِيع الْمُلُوك وحسم مواد الْخلاف وَأَن الْملك الأمجد بهْرَام شاه بن عز الدّين فرخشاه وَالْملك الْمُجَاهِد شيركوه يكونَانِ مؤازرين للْملك الْأَفْضَل وتابعين لَهُ وَأَن الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة يكون فِي حيّز الْملك الظَّاهِر صَاحب حلب ومؤزرا لَهُ. وَبعث كل من الْمُلُوك أَمِيرا من أمرائه ليحضر الْحلف فَاجْتمعُوا يَوْم السبت ثَانِي عشر شهر رَجَب وَجَرت أُمُور آلت إِلَى الْحلف على دخن. وَتزَوج الْعَزِيز بابنة عَمه الْعَادِل وَقبل العقد عَنهُ القَاضِي المرتضى مُحَمَّد بن القَاضِي الجليس عبد الْعَزِيز السَّعْدِيّ. ووكل الْعَادِل القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن شرف الدّين بن عصرون فِي تَزْوِيج ابْنَته من ابْن عَمها الْملك الْعَزِيز وَعقد بَينهمَا قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين. وَكتب الْعِمَاد الْكَاتِب الْكتاب فِي ثوب أطلس وَقُرِئَ بَين يَدي الْملك الظَّاهِر وَعقد العقد عِنْده. فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أول شعْبَان: خرج الْملك الظَّاهِر غَازِي صَاحب حلب لوداع أَخِيه فَركب الْعَزِيز إِلَى لِقَائِه وأنزله مَعَه وأكلا ثمَّ تفَرقا بعد مَا أهْدى كل مِنْهُمَا لِأَخِيهِ هَدِيَّة سنية. ثمَّ خرج الْعَادِل لوداع الْعَزِيز فِي خواصه ثمَّ خرج الْأَفْضَل فودعه أَيْضا وَهُوَ آخر من ودعه. ورحل الْعَزِيز من مرج الصفر فِي ثَالِث شعْبَان يُرِيد مصر فَلَمَّا كَانَ ثَالِث عشره عمل الْأَفْضَل دَعْوَة عَظِيمَة لِعَمِّهِ وَبَقِيَّة الْمُلُوك ووادعهم ثمَّ رحلوا من الْغَد إِلَى بِلَادهمْ إِلَّا الْعَادِل فَإِنَّهُ أَقَامَ إِلَى تَاسِع شهر رَمَضَان ثمَّ رَحل إِلَى بِلَاده بالشرق. وَقدم الْعَزِيز إِلَى الْقَاهِرَة فِي يَوْم وَأما الْأَفْضَل فَإِنَّهُ هم بمكاتبة الْعَزِيز بِمَا يُؤَكد أَسبَاب الصُّلْح فأماله عَن ذَلِك خواصه وأغروه بأَخيه ورموا جمَاعَة من أمرائه بِأَنَّهُم يكاتبون الْعَزِيز فاستوحش مِنْهُم وفطنوا بذلك فَتَفَرَّقُوا عَنهُ. وَسَار الْأَمِير عز الدّين أُسَامَة صَاحب كَوْكَب وعجلون عَن الْأَفْضَل وَلحق بالعزيز فَأكْرمه غَايَة الْإِكْرَام وَأخذ يحرضه على الْفضل ويحثه على الْمسير إِلَى دمشق وانتزاعها مِنْهُ وَيَقُول لَهُ: إِن الْأَفْضَل قد غلب على اخْتِيَاره وَحكم عَلَيْهِ وزيره الضياء ابْن الْأَثِير الْجَزرِي وَقد افسد أَحْوَال دولته بِرَأْيهِ الْفَاسِد وَيحمل أَخَاك على مقاطعتك وَيحسن لَهُ نقض الْيمن فَإِن
стр. 132
من شَرطهَا صفو الوداد وَصِحَّة النِّيَّة وَلم يُوجد ذَلِك فحنثهم فِي الْيَمين قد تحقق وبرئت أَنْت من الْعهْدَة فاقصد الْبِلَاد فَإِنَّهَا فِي يدك قبل أَن يحصل فِي الدولة من الْفساد مَا لَا يُمكن تلافيه وَبينا هُوَ فِي ذَلِك إِذْ فَارق الْأَفْضَل الْأَمِير شمس الدّين أيدمر بن السلار وصل إِلَى الْعَزِيز فساعد الْأَمر أُسَامَة على قَصده ثمَّ وصل أَيْضا إِلَى الْعَزِيز القَاضِي محيي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن الشَّيْخ شرف الدّين عبد الله بن هبة الله بق أبي عصرون فاحترمه وولاه قَضَاء الديار المصرية وَضم إِلَيْهِ نظر الْأَوْقَاف. وَأَقْبل الْأَفْضَل بِدِمَشْق على اللّعب ليله ونهاره وتظاهر بلذاته وفوض الْأُمُور إِلَى وزيره ثمَّ ترك اللّعب من غير سَبَب وَتَابَ وأزال الْمُنْكَرَات وأراق الْخُمُور وَأَقْبل على الْعِبَادَة وَلبس الخشن من الثِّيَاب وَشرع فِي نسخ مصحف بِخَطِّهِ وَاتخذ لنَفسِهِ مَسْجِدا يَخْلُو فِيهِ بِعبَادة ربه وواظب على الصّيام وجالس الْفُقَرَاء وَبَالغ فِي التقشف حَتَّى صَار يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل. وَأما الْعَزِيز فَإِنَّهُ قطع خبز الْفَقِيه الْكَمَال الْكرْدِي من مصر فأفسد جمَاعَة على السُّلْطَان وَخرج إِلَى الْعَرَب فَجمع وَنهب الْإسْكَنْدَريَّة فَسَار إِلَيْهِ الْعَسْكَر فَلم يظفروا بِهِ. وَقطع الْعَزِيز أَيْضا خبز الْجنَاح وعلكان ومجد الدّين الْفَقِيه وَعز الدّين صهر الْفَقِيه فَسَارُوا من الْقَاهِرَة إِلَى دمشق فأقطعهم الْملك الْأَفْضَل الإقطاعات. وَفِي شهر رَمَضَان: كسر بَحر أبي المنجا بعد عيد الصَّلِيب بسبعة أَيَّام وتجاهر النَّاس فِيهِ وَفِيه وَقعت الآفة فِي الْبَقر وَالْجمال وَالْحمير مهلك مِنْهَا كثير. وَفِيه كثر حمل الْغلَّة من الْبحيرَة إِلَى بِلَاد الْمغرب لشدَّة الغلاء بهَا وَكَثُرت بَين الْأُمَرَاء إِشَاعَة أَن إقطاعاتهم تُؤْخَذ مِنْهُم فقصروا فِي عمَارَة الْبِلَاد. وارتفع السّعر بالإسكندرية وَنقص مَاء النّيل بَعْدَمَا بلغ اثْنَيْنِ وَعشْرين إصبعا من سَبْعَة عشر ذِرَاعا فَرفعت الأسعار وشرقت الْبِلَاد وَبلغ الْقَمْح كل أردب بِدِينَار وَأخذ فِي الزِّيَادَة وَتعذر وجود الْخبز وضج النَّاس وَكَثُرت الْمُنْكَرَات وغلا سعر الْعِنَب لِكَثْرَة من يعصره. وأقيمت طاحون لطحن الْحَشِيش بالمحمودية وحميت بيُوت المزر وَجعل عَلَيْهَا ضَرَائِب فَمِنْهَا مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْيَوْم سِتَّة عشر دِينَارا وَمنع من عمل المزر البيوتي وتجاهر الكافة بِكُل قَبِيح فترقب أهل الْمعرفَة حُلُول الْبلَاء. وفيهَا قدم رَسُول متملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة يطْلب صَلِيب الصلبوت فأحضر من الْقُدس
стр. 133
وَكَانَ مرصعا بالجوهر وَسلم إِلَيْهِ على أَن يُعَاد ثغر جبيل من الفرنج. وَتوجه الْأَمِير شمس الدّين جَعْفَر بن شمس الْخلَافَة بذلك. سنة تسعين وَخَمْسمِائة تَتِمَّة سنة تسعين وَخَمْسمِائة فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع محرم: عقد مجْلِس بِحَضْرَة السُّلْطَان حَضَره أَصْحَاب الدَّوَاوِين. وَفِي عاشره: قدم الْأَمِير حسام الدّين بِبِشَارَة من عِنْد الْملك الْعَادِل وَبَقِيَّة الْأَوْلَاد الناصرية فَتَلقاهُ السُّلْطَان والأمراء وَحمل إِلَيْهِ سماط السلطنة فَطلب الْمُوَافقَة بَين الْأَهْل. وَفِي سادس عشره: ركب السُّلْطَان للصَّيْد بالجيزة وَمر بِبَاب زويلة فَأنْكر بروز مصاطب الحوانيت فِي الْأَسْوَاق ورسم بهدمها فهدمت بِمُبَاشَرَة محتسب الْقَاهِرَة. وَمر بصناعة العمائر فرسم بسد طلقات الدّور الْمُجَاورَة للنيل فَسدتْ. وَفِي صفر: غيرت وُلَاة الْأَعْمَال. وَفِي عاشره: حلف الْعَزِيز لِعَمِّهِ الْعَادِل. وَفِي ثَالِث عشريه: عَاد الْعَزِيز من الصَّيْد بالجيزة. وَفِي هَذَا الشَّهْر: غلت الأسعار فَبلغ كل مائَة أردب ثَمَانِينَ دِينَارا. وَفِي خَامِس عشره: قدم فَارس الدّين مَيْمُون القصري مقطع صيداء وَسيف الدّين سنقر المشطوب وشمس الدّين سنقر الْكَبِير مقطع الشقيف مفارقين الْملك الْأَفْضَل فَدفع الْعَزِيز لميمون خَمْسمِائَة دِينَار ولسنقر أَرْبَعمِائَة دِينَار وللمشطوب ثَلَاثمِائَة دِينَار. وَفِي ربيع الأول: اشْتَدَّ الْأَمر فِي للزحام على الْخبز لقلته فِي الْأَسْوَاق وَوَقع الْحَرِيق فِي عدَّة مراضع بِالْقَاهِرَةِ. وَفِي ثَالِث عشره: انحل السّعر قَلِيلا وَوجد الْخبز فِي الْأَسْوَاق. وَفِي نصفه: ورد كتاب علم الدّين قَيْصر بِأَنَّهُ تسلم الْقُدس من جرديك فِي تاسعه وتسلم صَلِيب الصلبوت وَقرر أَيْضا إِعَادَة جبيل من الفرنج.
стр. 134
وَفِي سادس عشره: قدم بدر الدّين لُؤْلُؤ بِكِتَاب الْأَفْضَل بِخَبَر جبيل وَسبب قدوم مَيْمُون ورفيقيه. وَفِيه نزع السّعر وَبلغ كل مائَة أردب إِلَى مائَة وَخَمْسَة وَسبعين دِينَارا وَعظم ضجيج النَّاس من الْجُوع. وَفِي سَابِع عشريه: وصل صَلِيب الصلبوت من الْقُدس وَهُوَ خَشَبَة مرصعة بجواهر فِي ذهب. وَفِي ثامن عشريه: ولى زين الدّين عَليّ بن يُوسُف الدِّمَشْقِي قَضَاء الْقُضَاة بديار مصر عوضا عَن صدر الدّين بن درباس بعناية جمَاعَة من المماليك بِهِ وخلع عَلَيْهِ. وَفِي سلخه: قدم رَسُول الْملك الْعَادِل. وَفِي تَاسِع ربيع الآخر: هدم الْمُحْتَسب حوانيت وإصطبلا كَانَ صدر الدّين بن درباس أَنْشَأَهَا فِي زِيَادَة الْجَامِع الْأَزْهَر بجوار دَاره وَرفع صدر الدّين نقض ذَلِك إِلَى دَاره. وَقَوي عزم السُّلْطَان على السّفر وَبعث بهْرَام يقترض لَهُ مَالا من تجار الْإسْكَنْدَريَّة وَطلب من قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين أَن يقْرضهُ مَال الْأَيْتَام وَكَانَ يبلغ أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار فَحملت إِلَى الخزانة. وكنب السُّلْطَان خطه بذلك وَأشْهد عَلَيْهِ وأحال بِهِ على بَيت المَال وَقرر استخراجه مِنْهُ وَأمر بِحمْلِهِ إِلَى القَاضِي. هَذَا وَقد تَأَخّر الْقَرْض الَّذِي كَانَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين أقْرضهُ فِي نوبَة عكا وَهُوَ ثَلَاثُونَ ألف دِينَار فَلم يوف مِنْهُ إِلَّا يَسِيرا. وَفِي سادس عشره: توجه جَعْفَر بن شمس الْخلَافَة إِلَى الفرنج لإعادة جبيل. وَفِي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشره: خرج السُّلْطَان إِلَى مخيمه ببركة الْجب واستناب فِي غيبته بهاء الدّين قراقوش وَمَعَهُ ثَلَاثَة عشر أَمِيرا وَنَحْو سَبْعمِائة فَارس. وَتوجه مَعَ السُّلْطَان سَبْعَة وَعِشْرُونَ أَمِيرا فِي ألفي فَارس وَألف من الْحلقَة.
стр. 135
وَفِي ثَالِث جُمَادَى الأولى: اسْتَقل السُّلْطَان بِالْمَسِيرِ وَنزل على دمشق فِي تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة ورحل عَنْهَا فِي ثامن عشريه بشفاعة عَمه الْملك الْعَادِل. وَفِي تَاسِع رَجَب: دخل الْأَفْضَل دمشق بعد أَن تقرر الصُّلْح بَينه وبن أَخِيه الْملك الْعَزِيز فِي سادسه. وَفِي رَابِع شعْبَان: دقَّتْ البشائر بِالْقَاهِرَةِ فَرحا بِالصُّلْحِ بَين الْأَوْلَاد الناصرية وزينت الْأَسْوَاق. وَقدم السُّلْطَان الْملك الْعَزِيز إِلَى الْقَاهِرَة سلخ شعْبَان. وَفِي سَابِع رَمَضَان: وصل الْملك الْمُعظم توران شاه وَإِخْوَته وعيالهم من دمشق والديوان فِي ضائقة شَدِيدَة فعجزوا عَن إِقَامَة وظائفهم ومطابخهم وجراياتهم فنزلوا فِي الدَّار العزيزية. ونزعت الأسعار فِي المأكولات كلهَا. وَفِي تَاسِع عشره: وصل عز الدّين أُسَامَة مفارقا للأفضل.
стр. 136
سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَدخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين والعزيز على عزم الْمسير إِلَى الشَّام فَاسْتَشَارَ الْأَفْضَل أَصْحَابه فَمنهمْ من أَشَارَ عَلَيْهِ بمكاتبة الْعَزِيز واسترضائه وَأَشَارَ الْوَزير ابْن الْأَثِير عَلَيْهِ بالاعتصار بِعَمِّهِ الْعَادِل واستنجاده على الْعَزِيز فأصغى إِلَيْهِ وَكَثُرت الإشاعة بِقصد الْعَزِيز إِقَامَة الْخطْبَة فِي دمشق باسمه وَضرب السِّكَّة لَهُ. فانزعج الْأَفْضَل وَخرج من دمشق فِي رَابِع عشر جُمَادَى الأولى وَسَار جَرِيدَة إِلَى عَمه الْعَادِل فَلَقِيَهُ بصفين فَلَمَّا نزلا ألحف الْأَفْضَل فِي الْمَسْأَلَة لَهُ أَن ينزل عِنْده بِدِمَشْق ليجيره من أَخِيه الْعَزِيز فَأَجَابَهُ وأنزله بقلعة جعبر ثمَّ سَار مَعَه إِلَى دمشق أول جُمَادَى الْآخِرَة فوصل إِلَيْهَا فِي تاسعه وَدخل الْأَفْضَل إِلَى حلب على الْبَريَّة مستصرخا بأَخيه الْملك الظَّاهِر فَتَلقاهُ وَحلف لَهُ على مساعدته ثمَّ رَحل عَنهُ إِلَى حماة فَتَلقاهُ ابْن عَمه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن المظفر وَحلف لَهُ ثمَّ سَار عَنهُ إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي ثَالِث عشره وَبهَا الْعَادِل
стр. 137
فأفضى إِلَيْهِ بأسراره. وَعلم الْعَادِل اختلال أَحْوَال الْأَفْضَل وَسُوء تَدْبيره وقبيح سيرته فانحرف عَنهُ وَنَهَاهُ فَلم ينْتَه إِلَّا أَنه مبالغ فِي كَرَامَة عَمه حَتَّى أَنه ترك لَهُ السنجق. وَصَارَ الْعَادِل يركب بالسنجق السلطاني فِي كل يَوْم ويركب الْأَفْضَل فِي خدمته. فَمَا هُوَ إِلَّا أَن اسْتَقر ذَلِك إِذْ حدث بَين الظَّاهِر صَاحب حلب وَبَين أَخِيه الْأَفْضَل وَعَمه الْعَادِل وَحْشَة من أجل ميل الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة إِلَى الْعَادِل. فسير الظَّاهِر إِلَى أَخِيه الْعَزِيز يحرضه على قصد الشَّام ووعده بالمساعدة لَهُ على الْأَفْضَل فَوَافَقَ ذَلِك غَرَضه وَخرج من الْقَاهِرَة بعساكره. فَلَمَّا قَارب الْعَزِيز دمشق كَاتب الْملك الْعَادِل الْأُمَرَاء سرا واستمالهم وَكَانَ الْأُمَرَاء الصلاحية قد وَقع بَينهم وَبَين الْأُمَرَاء الأَسدِية تنافس لتقديم الْعَزِيز الصلاحية على الأَسدِية. فَعمِلت حيل الْعَادِل حَتَّى وَقعت الوحشة بَين الطَّائِفَتَيْنِ ونفرت الأَسدِية من الْملك الْعَزِيز. وَكَاتب الْعَادِل الْعَزِيز سرا يخوفه من الأَسدِية ويحثه على إبعادهم عَنهُ وَكَاتب الأَسدِية يخوفهم من الْعَزِيز ويستميلهم إِلَيْهِ. فحاق مَا مكره وَتمّ لَهُ مَا دبره وعزموا على مُفَارقَة الْعَزِيز وحسنوا للأكراد والمهرانية موافقتهم فانقادوا إِلَيْهِم. وَكَانَ مقدم أُمَرَاء الأكراد الْأَمِير حسام الدّين أَبُو الهيجاء السمين فَاجْتمع بالأكراد مَعَ الأَسدِية وَاتَّفَقُوا بأجمعهم على مُفَارقَة الْعَزِيز والانضمام إِلَى الْعَادِل وَالْأَفْضَل ومضايقة الْعَزِيز وعقدوا النِّيَّة على مُكَاتبَة من بَقِي مِنْهُم بِمصْر أَن يستقبلوا الْعَزِيز ويحولوا بَينه وَبَين الْقَاهِرَة فَيصير بذلك بَين الْفَرِيقَيْنِ وَيُؤْخَذ بِالْيَدِ. فَلَمَّا كَانَ فِي عَشِيَّة الرَّابِع من شَوَّال: رَحل الْأَمِير أَبُو الهيجاء بالأكراد والمهرانية والأسدية وهم لابسون لَامة الْحَرْب وَلَحِقُوا بالعادل فسر بهم لأَنهم مُعظم الْجَيْش. فَلَمَّا أصبح نَهَار الْخَامِس من شَوَّال رَحل الْعَزِيز يُرِيد مصر وَهُوَ متخوف من الأَسدِية المقيمين بِالْقَاهِرَةِ. وَكَانَ نَائِبه بهَا الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش الْأَسدي فَلم يتَغَيَّر على الْعَزِيز وَوصل إِلَى الْقَاهِرَة فاستقر بهَا. ثمَّ إِن الْعَادِل خرج بالأفضل من دمشق وَمَعَهُ العساكر يُرِيد اخذ الْقَاهِرَة لما دَاخله من الطمع فِي الْعَزِيز وَاتفقَ مَعَ الْأَفْضَل على أَن يكون للعادل ثلث الْبِلَاد المصرية وَيكون ثلثاها للأفضل. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ورحلا من دمشق وَخرج مَعَهم أَيْضا الْمَنْصُور صَاحب حماة وَعز الدّين بن
стр. 138
الْمُقدم وسابق الدّين عُثْمَان بن الداية صَاحب شيزر واستخلف الْأَفْضَل بِدِمَشْق أَخَاهُ الْملك الظافر خضر صَاحب بصرى وانضم إِلَيْهِم عز الدّين جرديك النوري نَائِب الْقُدس فَلَمَّا وصلوا تل العجول أَخْلَع الْأَفْضَل على جَمِيع الأَسدِية وعَلى الأكراد الْأَفْضَلِيَّة وَأَعْطَاهُمْ الكوسات. وَسَار الْأَفْضَل إِلَى الْقُدس وتسلمه من جرديك وَأَعْطَاهُ بيسان وكوكب والجولان والمنيحة ثمَّ سَار الْعَسْكَر حَتَّى نزل على بلبيس وَبهَا جموع الصلاحية والعزيزية ومقدمهم فَخر الدّين جهاركس على الصلاحية والأمير هكدري ابْن يعلي الْحميدِي على طَائِفَة الأكراد فنازلهم الْعَادِل وَالْأَفْضَل. وَكَانَت أَيَّام زِيَادَة مَاء النّيل والأسعار غَالِيَة والعلف مُتَعَذر فَبلغ الْعَسْكَر الْوَاصِل الْجهد وَنَدم أكابرهم على مَا كَانَ مِنْهُم هَذَا والعزيز يمد أهل بلبيس بالمراكب المشحونة بِالرِّجَالِ وَالْعدَد فَبلغ ذَلِك الأَسدِية فَرَكبُوا إِلَى المراكب وَأخذُوا بَعْضهَا وغرقوا بَعْضهَا وأسروا خلقا وَسلم ثَمَانِيَة مراكب عَادَتْ إِلَى الْقَاهِرَة وَاشْتَدَّ الحصارعلى بلبيس حَتَّى كَادَت تُؤْخَذ وضاق الْعَزِيز بِالْقَاهِرَةِ وَقلت الْأَمْوَال عِنْده وَكَانَ محببا إِلَى الرّعية لما فِيهِ من حسن السِّيرَة وَكَثْرَة الْكَرم والرفق فَلَمَّا نَازل الْعَادِل وَالْأَفْضَل بلبيس احْتَاجَ إِلَى اسْتِخْدَام الرِّجَال فَلم يجد عِنْده مَالا فبذل لَهُ الْأَغْنِيَاء جملَة أَمْوَال فَلم يقبلهَا وَكَانَ القَاضِي قد تنزه عَن مُلَابسَة الدولة ومخالطة أَهلهَا وَاعْتَزل لما رأى من اختلال الْأَحْوَال وَكَانَ عبد الْكَرِيم بن عَليّ البيساني يتَوَلَّى الحكم والإشراف فِي الْبحيرَة مُدَّة طَوِيلَة فَحصل من ذَلِك مَالا جما. ثمَّ حدثت بَينه وَبَين أَخِيه القَاضِي الْفَاضِل مشاجرة اقْتَضَت اتضاع حَاله عِنْد النَّاس بعد احترامهم إِيَّاه فصرف عَن عمله. وَكَانَ متزوجا بِامْرَأَة موسرة من بنى ميسر فسكن بهَا فِي ثغر الْإسْكَنْدَريَّة وأساء عشرتها لسوء خلق كَانَ فِيهِ فَسَار أبرها إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَأثبت عِنْد قاضيها ضَرَر ابْنَته فَمضى القَاضِي بِنَفسِهِ إِلَى الدَّار فَلم يقدر على فتح الْبَاب الَّذِي من دَاخله الْمَرْأَة
стр. 139
فَأمر بنقب الدَّار وَأخرج الْمَرْأَة وَسلمهَا لأَبِيهَا وَأعَاد بِنَاء النقب فَغَضب عبد الْكَرِيم وَسَار إِلَى الْقَاهِرَة وبذل للأمير فَخر الدّين جهاركس خَمْسَة آلَاف دِينَار مصرية ووعد خزانَة الْملك الْعَزِيز بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار على ولَايَة قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة وَحمل ذَلِك بأجمعه إِلَى فَخر الدّين جهاركس. فَأحْضرهُ جهاركس إِلَى الْعَزِيز وَهُوَ حِينَئِذٍ فِي غَايَة الضَّرُورَة إِلَى المَال وَقَالَ: هَذِه خزانَة مَال قد أَتَيْتُك بهَا من غير طلب وَلَا تَعب وعرفه الْخَبَر. فَأَطْرَقَ الْعَزِيز مَلِيًّا ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ: أعد المَال إِلَى صَاحبه وَقل لَهُ إياك وَالْعود إِلَى مثلهَا فَمَا كل ملك يكون عادلا وعرفه أَنِّي إِذا قبلت هَذَا مِنْهُ أكون قد بِعْت بِهِ أهل الْإسْكَنْدَريَّة وَهَذَا لَا افعله أبدا. فَلَمَّا سمع هَذَا جهاركس وجم وَظهر فِي وَجهه التَّغَيُّر. فَقَالَ لَهُ الْعَزِيز: أَرَاك واجما أَظُنك أخذت على الوساطة شَيْئا. قَالَ: نعم خَمْسَة آلَاف دِينَار. فَأَطْرَقَ الْعَزِيز ثمَّ قَالَ: أَعْطَاك مَالا تنْتَفع بِهِ وَأَنا أُعْطِيك فِي قبالته مَا تنْتَفع بِهِ مَرَّات عديدة ثمَّ وَقع لَهُ بِخَطِّهِ إِطْلَاق جِهَة طنبدة ومغلها فِي السّنة سَبْعَة آلَاف دِينَار فلامه أَصْحَابه وألحوا عَلَيْهِ فِي الِاقْتِرَاض من القَاضِي الْفَاضِل فاستدعاه إِلَى مَجْلِسه بمنظرة من دَار الوزارة كَانَت تشرف على الطَّرِيق فعندما عاين القَاضِي الْفَاضِل استحيا مِنْهُ وَمضى إِلَى دَار الْحرم احتراما لَهُ من مخاطبته فِي الْقَرْض فَلم يزل الْأُمَرَاء بِهِ حَتَّى أَخْرجُوهُ من عِنْد الْحرم. فَلَمَّا اجْتمع بالفاضل قَالَ لَهُ بعد أَن أطنب فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ: قد علمت أَن الْأُمُور قد ضَاقَتْ عَليّ وَقلت الْأَمْوَال عِنْدِي وَلَيْسَ لي إِلَّا حسن نظرك وَإِصْلَاح الْأَمر إِمَّا بِمَالك أَو بِرَأْيِك أَو بِنَفْسِك. فَقَالَ القَاضِي الْفَاضِل: جَمِيع مَا أَنا فِيهِ من نعمتكم وَنحن نقدم أَولا الرَّأْي وَالْحِيلَة وَمَتى احْتِيجَ إِلَى المَال فَهُوَ فِي يَديك. وَاتفقَ أَن الْعَادِل لما اشْتَدَّ على أَصْحَابه الغلاء والضيق استدعى القَاضِي الْفَاضِل برَسُول قدم مِنْهُ على الْعَزِيز فسيره إِلَيْهِ. وَقد قيل إِن الْعَزِيز لما جرى على المراكب الَّتِي جهزها إِلَى بلبيس مَا جرى خَافَ على الْملك أَن يخرج من يَده فسير إِلَى عَمه فِي السِّرّ يعرفهُ أَنه قد أَخطَأ وَأَنه قد عزم على اللحاق بِبِلَاد الْمغرب ويسأله الاحتفاظ بحرمه وَأَوْلَاده. فرق لَهُ الْعَادِل واستدعى القَاضِي الْفَاضِل فَلَمَّا قرب مِنْهُ ركب إِلَى لِقَائِه وأكرمه ومازالا حَتَّى تقرر الْأَمر على أَن الأَسدِية والأكراد يرجعُونَ إِلَى خدمَة الْعَزِيز من غير أَن يؤاخذهم بِشَيْء وَيرد عَلَيْهِم إقطاعاتهم وَيحلف الْعَزِيز لَهُم ويحلفون لَهُ وَأَن يكون الْعَادِل مُقيما بِمصْر عِنْد الْعَزِيز ليقرر قَوَاعِد ملكه وَأَن الْعَزِيز وَالْأَفْضَل يصطلحان ويستقر كل مِنْهُمَا على مَا بِيَدِهِ. فَعَاد القَاضِي الْفَاضِل وَقد تقرر الْأَمر على مَا ذكر وَحلف كل مِنْهُم لصَاحبه على الْوَفَاء.
стр. 140
وَخرج الْعَزِيز من الْقَاهِرَة إِلَى بلبيس فالتقاه عَمه الْعَادِل وَأَخُوهُ الْأَفْضَل وَوَقع الصُّلْح التَّام فِي الظَّاهِر. ورحل الْأَفْضَل يُرِيد الشَّام وَمَعَهُ الْأَمِير أَبُو الهيجاء السمين وَصَارَ السَّاحِل جَمِيعه مَعَ الْأَفْضَل وَعَاد الْعَزِيز إِلَى الْقَاهِرَة وصحبته عَمه الْعَادِل فأنزله فِي الْقصر من الْقَاهِرَة. وَأخذ الْعَادِل فِي إصْلَاح أُمُور مصر وَالنَّظَر فِي ضياعها ورباعها وَأظْهر من محبَّة الْعَزِيز شَيْئا زَائِدا وَصَارَ إِلَيْهِ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْحكم وَالتَّصَرُّف فِي سَائِر أُمُور الدولة جليلها وحقيرها وَصرف القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن أبي عصرون عَن قَضَاء مصر وَولى زين الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن عبد الله بن بنْدَار الدِّمَشْقِي. وفيهَا جدد الْعَزِيز الصُّلْح بَينه وَبَين الفرنج. وفيهَا ورد كتاب ملك الرّوم يتَضَمَّن أَن كلمة الرّوم اجْتمعت عَلَيْهِ وَأَنه أحسن إِلَى الْمُسلمين وَأمرهمْ بِإِقَامَة الْجَامِع فأقيمت الصَّلَاة فِيهِ يَوْم الْجُمُعَة الصَّلَاة مَعَ الْخطْبَة وَأَنه عمر جانبا مِنْهُ كَانَ انْهَدم من مَاله فَتمكن من فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة من الْمُسلمين من إِقَامَة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة بهَا. وَالْتمس ملك الرّوم الْوَصِيَّة بالبطرك وَالنَّصَارَى وَأَن يمكنوا من إِخْرَاج موتاهم بالشمع الموقد وفيهَا عزل زين الدّين عَليّ بن يُوسُف بن بنْدَار عَن الْقَضَاء فِي حادي عشر جُمَادَى الأولى بمحيي الدّين أبي حَامِد مُحَمَّد بن عبد الله بن هبة الله بن عصرون.
стр. 141
فارغة
стр. 142
(سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة)
وأهلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين: فَفِي أَولهَا: وصل الْملك الْأَفْضَل إِلَى دمشق وَتَفَرَّقَتْ العساكر إِلَى بلادها وَلزِمَ الْأَفْضَل الزّهْد وَأَقْبل على الْعِبَادَة وَصَارَت أُمُور الدولة بأسرها مفوضة إِلَى وزيره ضِيَاء الدّين ابْن الْأَثر فاختلت بِهِ الْأَحْوَال غَايَة الاختلال وَكثر شاكوه. وَضبط الْعَادِل أُمُور مملكة مصر وَغير الإقطاعات ووفر الارتفاعات وعمال الْأَعْمَال وثمر الْأَمْوَال وَقرب إِلَى الْعَزِيز الْأَمِير عز الدّين أُسَامَة فَصَارَ صَاحب سره وحاجبه والواسطة بَينه وَبَين عَمه. واختص الْأَمِير صارم الدّين قايماز النجمي بالعادل وَصَارَ صفوته. وَفِي يَوْم السبت ثَانِي عشر الْمحرم: رفعت يَد ابْن أبي عصرون وأيدي نوابه من الحكم وَأمر أَن يعتزل فِي بَيته وَأَن يخرج عَن مصر فأغلق بَابه وَشرع فِي تجهيز نَفسه وتوسل فِي إِقَامَته. وَفِي سَابِع عشريه: خلع عَليّ زين الدّين عَليّ بن يُوسُف بن بنْدَار وأعيد إِلَى الْقَضَاء عوضا وَفِي أول صفر: حبس الْملك الْعَزِيز نَاحيَة الخربة من المنوفية على زَاوِيَة الإِمَام الشَّافِعِي بالجامع العميق بِمصْر وَفرض تدريسها إِلَى الْبَهَاء بن الجميزي. وَفِي صفر وَشهر ربيع الأول: كثرت الطرحى من الْأَمْوَات على الطرقات وزادت عدتهمْ بِمصْر والقاهرة فِي كل يَوْم عَن مِائَتي نفس وَبَقِي بِمصْر من لم يُوجد من يُكَفِّنهُ وَأَكْثَرهم يَمُوت جوعا. وانْتهى الْقَمْح إِلَى مائَة وَثَمَانِينَ دِينَارا الْمِائَة أردب وَالْخبْز إِلَى ثَلَاثَة أَرْطَال بدرهم وَعمد الضُّعَفَاء إِلَى شِرَاء الجرار وغدوا إِلَى الْبَحْر وترددوا إِلَيْهِ ليستقوا مِنْهُ فِي الجرار ويبيعوها بِثمن دِرْهَم الجرة وَقد لَا يَجدونَ من يَشْتَرِيهَا مِنْهُم فيصيحون: من يتَصَدَّق علينا بِثمن هَذِه الجرة وَمن يَشْتَرِيهَا منا بكسرة. وَزَاد السّعر وضاق الخناق وَهلك
стр. 143
الضُّعَفَاء وَفَشَا الْمَوْت وَأَكْثَره فِي الجياع. وَصَارَت الأقفاص الَّتِي يحمل فِيهَا الطَّعَام يحمل فِيهَا الْأَمْوَات وَلَا يقدر على النعوش إِلَّا بالنوبة وامتدت الْأَيْدِي إِلَى خطف أَلْوَاح الْخبز وَيضْرب من ينهب ويشج رَأسه ويسال دَمه وَلَا يَنْتَهِي وَلَا يَرْمِي مَا فِي يَده مِمَّا خطفه وَعدم الْقَمْح إِلَّا من جِهَة الشريف ابْن ثَعْلَب فَإِن مراكبه تتواصل وتبيع بشونه. وَورد الْخَبَر فِي تَاسِع صفر بِأَن تَابُوت الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين نقل فِي يَوْم عَاشُورَاء من قلعة وَفِي تَاسِع عشريه: قدم الْملك الزَّاهِر دَاوُد مجير الدّين صَاحب البيرة وسابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيرز وبهاء الدّين بن شَدَّاد قَاضِي حلب فَخرج الْعَادِل لتلقيهم ببركة الْجب وَقدم الْعِمَاد الْكَاتِب أَيْضا. وَورد الْخَبَر بِأَن عربان الغرب هَبَطُوا إِلَى الْبحيرَة واشتروا الْقَمْح كل ويبة بِدِينَار وَأَن بِلَاد الغرب قد عدمت فِيهَا الأقوات فِي السّنة الخالية وانقطعت عَنْهَا الأمطار السّنة الْحَاضِرَة وَزَاد الْجَرَاد بِالشَّام وَعظم خطبه وَكَثُرت بِمصْر والقاهرة الْأَمْرَاض الحادة والحميات المحرقة وزادت وأفرطت. وغلت الْأَشْرِبَة وَالسكر وعقاقير الْعَطَّار وبيعت بطيخة بأَرْبعَة وَعشْرين درهما وَصَارَ لفروج لَا يقدر عَلَيْهِ وانْتهى سعر الْقَمْح إِلَى مِائَتي دِينَار كل مائَة أردب وَغلظ الْأَمر فِي الغلاء وَعدم الْقُوت وَكثر السُّؤَال وَكَثُرت الْمَوْتَى بِالْجُوعِ. وخطف الْخبز مَتى ظهر وشوهد من يستف التُّرَاب وَمن يَأْكُل الزبل. وازدحم النَّاس على الطير الَّذِي يرْمى من مطابخ السكر. وَكَثُرت الْأَمْوَات أَيْضا بالإسكندرية وتزايد وجود الطرحى بهَا على الطرقات وعدمت الْمُوَاسَاة وَعظم هَلَاك الْأَغْنِيَاء والفقراء وانكشاف الْأَحْوَال وشوهد من يبْحَث الْمَزَابِل الْقَدِيمَة على قشور الترمس وعَلى نقاضات الموائد وكناسات الآدر وَمن يقفل بَابه وَيَمُوت وَمن عمي من الْجُوع وَيقف على الحوانيت وَيَقُول: أشموني رَائِحَة الْخبز. واستخدم رجل فِي ديوَان الزَّكَاة وَكتب خطه بمبلغ اثْنَيْنِ وَخمسين ألف دِينَار لسنة وَاحِدَة من مَال الزَّكَاة وَجعل الطواشي ببهاء الدّين قراقوش الشاد فِي هَذَا المَال وَألا يتَصَرَّف فِيهِ وَأَن يكون فِي صندوق مودعا للمهمات الَّتِي يُؤمر بهَا. وَوَقع لِابْنِ ثَعْلَب الشريف الْجَعْفَرِي بِخبْز مبلغه فِي السّنة سِتُّونَ ألف دِينَار وَدفع لَهُ كوس وَعلم وَآل الْأَمر إِلَى وقُوف وَظِيفَة الدَّار العزيزية عَلَيْهِ من لحم وخبز وَإِلَى أَن يتمحل فِي بعض الْأَوْقَات لَا كلهَا لبَعض مَا يتبلغ بِهِ أَهلهَا من خبز وَكثر ضجيجهم وشكواهم فَلم يسمع.
стр. 144
وَفِي شهر ربيع الآخر: صرف صارم الدّين خطلج الْغَزِّي عَن شدّ الْأَمْوَال بالدواوين وَسلم الشد إِلَى بهاء الدّين قراقوش مُضَافا إِلَى شدّ الزكوات فكمل شدّ المَال لَهُ. وَفِيه كثر الْمَوْت بِحَيْثُ لم تبْق دَار إِلَّا وفيهَا جَنَازَة أَو مناحة أَو مَرِيض وَاشْتَدَّ الْأَمر وغلت العقاقير وَعدم الطَّبِيب وَصَارَ من يُوجد من الْأَطِبَّاء لَا يخلص إِلَيْهِ من شدَّة الزحام وَصَارَ أَمر الْمَوْتَى أكئر أشغال الْأَحْيَاء وَمَا يَنْقَضِي يَوْم إِلَّا عَن عدَّة جنائز من كل حارة. وَعدم من يحْفر وَإِذا وجد لم يعمق الْحفر فَلَا يلبث الْمَيِّت أَن تظهر لَهُ رَائِحَة وَصَارَت الجبانات لَا يُسْتَطَاع مقالتها وَلَا زِيَارَة قبورها وَأخذت الأسعار فِي الانحلال. وَفِي جُمَادَى الأولى: تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار باختلال الْحَال بِدِمَشْق فَوَقع الْعَزْم على الْمسير إِلَى الشَّام وَوَقع الشُّرُوع فِي الْإِنْفَاق فِي الْحَاشِيَة فقبضوا شهرا وَاحِدًا وَكَانَ قد اسْتحق لَهُم أَرْبَعَة عشر شهرا فَإِن الْمَادَّة قصرت عَن نَفَقَة ذَلِك لَهُم فأحيل بَعضهم على جِهَات. وَامْتنع الجاندارية من قبض شهر وأنهى ذَلِك إِلَى الْعَزِيز فَكتب إِلَى خطلبا بإخراجهم إِلَى المخيم وَمن تقاعد عَن الْخُرُوج قَيده الطواشي قراقوش واستخدمه فِي السُّور فَخَرجُوا بأنفس غير طيبَة وألسنة بالشكوى معلنة وَكَاد المَال الَّذِي أنْفق فِي الْحَاشِيَة قد افْترض من الْأُمَرَاء وأحيل بِهِ على الجوالي لسنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخرج الْعَزِيز إِلَى المخيم وحرك الْأُمَرَاء تحريكا قَوِيا وسير الحجات إِلَى الْبِلَاد تَحت الأجناد فتتابع خُرُوج النَّاس وَوَقع الرحيل من بركَة الْجب فِي ثامنه فَرَحل السُّلْطَان الْعَادِل والعزيز وَجَمِيع الأَسدِية والمماليك. وفشت الْأَمْرَاض الحادة فَمَا يَنْقَضِي وَقت إِلَّا عَن عدد كثير من الْجَنَائِز. وغلت الْأَدْوِيَة وَبلغ الْفروج إِلَى ثَلَاثِينَ درهما والبطيخة إِلَى مائَة دِرْهَم. وَورد الْخَبَر بِأَن قوص وأعمالها فِيهَا أمراض فَاشِية وأموات لَا تتلاحق. وَكثر الوباء وَالْمَوْت بالإسكندرية. وَفِي آخِره: انْحَلَّت الأسعار وَنزلت الْغلَّة إِلَى ثَمَانِينَ دِينَارا كل مائَة أردب وأبيع الْخبز سَبْعَة أَرْطَال بدرهم. وَقل السُّؤَال وارتفع الموتان بعد أَن جلب من قو ص فراريج أبيع كل عشرَة فراريج بسبعة دَنَانِير وَهَذَا لم يسمع بِمثلِهِ فِي مصر قبل ذَلِك. وَفِيه نُودي فِي الْقَاهِرَة ومصر بِأَن الشريف ابْن ثَعْلَب مقدم على الْحَاج فليتجهز أَرْبَاب النيات.
стр. 145
وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة: وقف الْحَال فِيمَا ينْفق فِي دَار السُّلْطَان وَفِيمَا يصرف إِلَى عِيَاله وَفِيمَا يقتات بِهِ أَوْلَاده وأفضى الْأَمر إِلَى أَن يُؤْخَذ من الْأَسْوَاق مَا لَا يُوزن لَهُ ثمن وَمَا يغصب من أربابه وأفض هَذَا إِلَى غلاء أسعار المأكولات فَإِن المتعيشين من أَرْبَاب الدكاكين يزِيدُونَ فِي الأسعار الْعَامَّة بِقدر مَا يُؤْخَذ مِنْهُم للسُّلْطَان فَاقْتضى ذَلِك النّظر فِي المكاسب الخبيثة. وَضمن بَاب المزر وَالْخمر بِاثْنَيْ عشر ألف دِينَار وفسح فِي إِظْهَاره وَبيعه فِي القاعات والحوانيت وَلم يقدر أحد على إِنْكَار ذَلِك وَصَارَ مَا يُؤْخَذ من هَذَا النيحت ينْفق فِي طَعَام السُّلْطَان وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَصَارَ مَال الثغور والجوالي إِلَى من لَا يُبَالِي من أَيْن أَخذ المَال. وَفِيه وصل الْعَادِل والعزيز إِلَى الداروم وَأمر بإخراب حصنها فقسم على الْأُمَرَاء والجاندارية فشق على النَّاس تجريبه لما كَانَ بِهِ من الرِّفْق للمسافرين وانْتهى الْملكَانِ إِلَى دمشق وَقد استعد الْأَفْضَل للحرب فِي أول شهر رَجَب فحاصراها إِلَى أَن ملكاها فِي الْعشْرين مِنْهُ بعد عدَّة حروب خَان الْأَفْضَل فِيهَا أمراءه فَلَمَّا أَخذ الْمَدِينَة نزل الْأَفْضَل من القلعة إِلَيْهِمَا فاستحيا الْعَادِل مِنْهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حمل الْعَزِيز على ذَلِك ليوطيء لنَفسِهِ كَمَا يَأْتِي. وَأمره الْعَادِل أَن يعود إِلَى القلعة فَلم يزل بهَا أَرْبَعَة أَيَّام حَتَّى بعث إِلَيْهِ الْعَزِيز أيبك فطيس أَمِير جاندار وصارم الدّين خطلج الأستادار فأخرجاه عِيَاله وعيال أَبِيه. وَأنزل الْأَفْضَل فِي مَكَان وأوفي مَا كَانَ عَلَيْهِ من دين وَمَا للحواشي من الجوامك. فَبلغ ذَلِك نيفا وَعشْرين ألف دِينَار بيع فِيهَا بركه وجماله وبغاله وَكتبه ومماليكه وَسَائِر مَاله فَلم توف بِمَا عَلَيْهِ وقسا عَلَيْهِ أَخُوهُ وَعَمه لسوء حَظه ثمَّ بعث إِلَيْهِ عَمه الْعَادِل يَأْمُرهُ أَن يسير إِلَى صرخد فَلم يجد عِنْده من يسير بأَهْله حَتَّى بعث إِلَيْهِ جمال الدّين محَاسِن عشرَة أوصلوه إِلَى صرخد. وَأخذت من الْملك الظافر مظفر الدّين خضر بصرى وَأعْطيت للْملك الْعَادِل وَأمر الظافر أَن يسير إِلَى حلب فلحق بأَخيه الظَّاهِر صَاحبهَا. وَيُقَال إِن الْعَادِل كَانَ قد قرر مَعَ الْملك الْعَزِيز وَهُوَ بِالْقَاهِرَةِ أَن الْملك الْعَزِيز إِذا غلب أَخَاهُ الْأَفْضَل على دمشق وَأَخذهَا مِنْهُ أَن يُقيم بهَا وَيعود الْعَادِل
следующие страницы →