← Тараджим

Тараджим · id 6667

السلوك لمعرفة دول الملوك

المقريزي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من أعجب الاتفاقات أَن الْملك الْأَفْضَل عَليّ بن صَلَاح الدّين يُوسُف لم يملك مملكة إِلَّا وَأَخذهَا عَمه الْعَادِل مِنْهُ: فَأول ذَلِك أَن أَبَاهُ أقطعه حران والرها وميافارقن فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَسَار إِلَيْهَا حَتَّى إِذا بلغ حلب رده أَبوهُ وَبعث الْملك الْعَادِل بدله ثمَّ ملك الْأَفْضَل بعد أَبِيه دمشق فَأَخذهَا الْعَادِل مِنْهُ ثمَّ ملك مصر بعد ذَلِك فَأَخذهَا مِنْهُ الْعَادِل ثمَّ ملك صرخد فَأَخذهَا مِنْهُ الْعَادِل وعوضه قلعة نجم وسروج ثمَّ استرجعهما مِنْهُ بعد ذَلِك. فَلَمَّا تمهدت للْملك الْعَادِل الممالك قسمهَا بَين أَوْلَاده فَملك هُوَ وَأَوْلَاده من خلاط إِلَى الْيمن وَرَأى الْعَادِل فِي أَوْلَاده مَا يحب من اتساع الممالك وَكَثْرَة الظفر بالأعداء بِحَيْثُ لم يسمع عَن ملك أَنه رأى فِي أَوْلَاده مَا رَآهُ الْعَادِل فَإِنَّهُ اجْتمع فِي كل مِنْهُم من النجابة والنبل والكفاية والمعرفة والفضيلة وعلو الهمة مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ ودانت لَهُم الْعباد وملكوا خِيَار الْبِلَاد وَكَانَ كثيرا مَا يتَرَدَّد الْعَادِل فِي ممالك أَوْلَاده وَأكْثر أوقاته يصيف بِدِمَشْق ويشتي بِمصْر وَكَانَ أكولا نهما يَأْكُل خروفا مشويا بمفرده وَله اقتدار زَائِد على النِّكَاح ومتع فِي دُنْيَاهُ بأرغد عَيْش وَتمكن من السَّعَادَة فِي سَائِر أَحْوَاله وَكَانَ حميد السِّيرَة حسن العقيدة كثير السياسة صَاحب معرفَة بدقائق الْأُمُور قد حنكته التجارب فسعدت آراؤه ونجحت تدبيراته وَكَانَ لَا يرى محاربة أعدائه وَيسْتَعْمل فِي مقاصده المكائد والخدع فهادنته الفرنج لقُوَّة حزمه وَشدَّة تيقظه وغزارة عقله وَقُوَّة كَيده ومكره ومداومته على المخادعة والمخاتلة وَكَثْرَة صبره وحلمه وأناته بِحَيْثُ إِنَّه كَانَ إِذا سمع مايكره يغضي عَنهُ تجاوزا وصفحا كَأَنَّهُ لم يبلغهُ وَكَانَ لَا يخرج المَال إِلَّا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى إِخْرَاجه فيسمح حِينَئِذٍ بِبَدَل الْكثير مِنْهُ وَلَا يتَوَقَّف فِيمَا ينْفق فَإِذا لم يحْتَج إِلَى أخرج المَال ضن بِهِ وأمسكه فثابت لَهُ بذلك أغراضه كَمَا يجب وانقادت لَهُ الْأُمُور مثل مَا يخْتَار وَكَانَ يحافظ على أَدَاء الصَّلَوَات فِي أَوْقَاتهَا وَيُحب السّنة وَيكرم الْعلمَاء مَعَ العظمة وَقُوَّة المهابة المتمكنة فِي الْقُلُوب وَله صنف الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ كتاب تأسيس التَّقْدِيس وَبعث بِهِ إِلَيْهِ من بِلَاد خُرَاسَان. وَمَات الْملك الْعَادِل عَن خمس وَسبعين وَقيل ثَلَاث وَسبعين سنة وَترك مَالا كثيرا مِنْهُ فِي خزائنه الَّتِي استولى عَلَيْهَا ابْنه الْمُعظم سَبْعمِائة ألف دِينَار مصرية سوى مَا كَانَ لَهُ فِي الكرك فاحتوى عَلَيْهِ أَيْضا الْملك الْمُعظم وَكتب الْمُعظم إِلَى أخوته بِمَوْت أَبِيه فَجَلَسَ الْملك الْكَامِل للعزاء فِي مُعَسْكَره بِظَاهِر دمياط وارتاع لمَوْت أَبِيه خوفًا من الفرنج.

стр. 212

السُّلْطَان الْملك الْكَامِل نَاصِر الدّين أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب سادس مُلُوك مصر من الأيوبيين اسْتَقل بمملكة مصر بعد موت أَبِيه بعهده إِلَيْهِ فِي حَيَاته وَكَانَت سلطنته بعد السَّابِع من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة عِنْدَمَا وصل إِلَيْهِ نعي أَبِيه وَهُوَ بالمنزلة العادلية على محاربة الفرنج وَقد ملكوا الْبر الغربي واستولوا على برج السلسلة وَقَطعُوا السلَاسِل الْمُتَّصِلَة بِهِ لتعبر مراكبهم فِي بَحر النّيل ويتمكنوا من أَرض مصر فنصب الْملك الْكَامِل عوضا من السلَاسِل جِسْرًا عَظِيما يمْنَع الفرنج من عبور النّيل فقاتل الفرنج عَلَيْهِ قتالا كثيرا حَتَّى قطعوه وَكَانَ قد أنْفق على هَذَا البرج والجسر مَا ينيف على سبعين ألف دِينَار فَأمر الْكَامِل بتغريق عدَّة من المراكب فِي النّيل منعت الفرنج من سلوكه فَعدل الفرنج إِلَى خليج هُنَاكَ يعرف بالأزرق كَانَ النّيل يجرى فِيهِ قَدِيما فحفروه حفرا عميقا وأجروا فِيهِ المَاء إِلَى الْبَحْر الْملح فجرت سفنهم فِيهِ إِلَى نَاحيَة بورة على أَرض جيزة دمياط تجاه الْمنزلَة الَّتِي فِيهَا الْكَامِل ليقاتلوه من هُنَاكَ فَلَمَّا استقروا فِي بورة حاذوه وقاتلوه فِي المَاء وزحفوا إِلَيْهِ غير مرّة فَلم ينالوا مِنْهُ غَرضا طائلا وَلم يضر أهل دمياط ذَلِك لتواصل الأمداد والميرة إِلَيْهِم وَكَون النّيل يحجز بَينهم وَبَين الفرنج بِحَيْثُ كَانَت أَبْوَاب الْمَدِينَة مفتحة وَلَيْسَ عَلَيْهَا حصر وَلَا ضيق أَلْبَتَّة. هَذَا والعربان تخطف الفرنج فِي كل لَيْلَة بِحَيْثُ مَنعهم ذَلِك من الرقاد خوفًا من غاراتهم فتكالب الْعَرَب عَلَيْهِم حَتَّى صَارُوا يختطفونهم نَهَارا وَيَأْخُذُونَ الخيم بِمن فِيهَا فأكمن لَهُم الفرنج عدَّة كمناء وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وَأدْركَ النَّاس الشتَاء فهاج الْبَحْر على معسكر الْمُسلمين وغرق الخيم فَعظم الْبلَاء وَاشْتَدَّ الكرب وألح الفرنج فِي الْقِتَال وَلم يبْق إِلَّا أَن يملكُوا الْبِلَاد فَأرْسل الله سُبْحَانَهُ ريحًا قطعت مراسي مرمة كَانَت للفرنج من عجائب الدُّنْيَا فمرت تِلْكَ المرمة إِلَى الْبر الَّذِي فِيهِ الْمُسلمُونَ فملكوها فَإِذا هِيَ مصفحة بالحديد لَا تعْمل فِيهَا النَّار ومساحتها خَمْسمِائَة ذِرَاع

стр. 213

وفيهَا من المسامير مَا زنة الْوَاحِد مِنْهَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ رطلا وَبعث السُّلْطَان إِلَى الْآفَاق سبعين رَسُولا يستنجد أهل الْإِسْلَام على قتال الفرنج ويستحثهم على إنقاذ الْمُسلمين مِنْهُم واغاثتهم ويخوفهم من تغلب الفرنج على مصر فَإِنَّهُ مَتى ملكوها لَا يمْتَنع عَلَيْهِم شَيْء من الممالك بعْدهَا فسارت الرُّسُل فِي شَوَّال فَقدمت النجدات من حماة وحلب إِلَّا أَنه لما قدم على المعسكر موت الْعَادِل وَقع الطمع فِي الْملك الْكَامِل وثار الْعَرَب بنواحي أَرض مصر وَكثر خلافهم وَاشْتَدَّ ضررهم وَاتفقَ مَعَ ذَلِك قيام الْأَمِير عماد الدّين أَحْمد بن الْأَمِير سيف الدّين أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الهكاري وَالْمَعْرُوف بِابْن المشطوب وَكَانَ أجل الْأُمَرَاء الأكابر وَله لفيف من الأكراد الهكارية ينقادون إِلَيْهِ ويطيعونه مَعَ أَنه كَانَ وافر الْحُرْمَة عِنْد الْمُلُوك معدودا بَينهم كواحد مِنْهُم مَعْرُوفا بعلو الهمة وَكَثْرَة الْجُود وسعة الْكَرم والشجاعة تهابه الْمُلُوك وَله وقائع مَشْهُورَة فِي الْقيام عَلَيْهِم وَلما مَاتَ أَبوهُ وَكَانَت نابلس إقطاعا لَهُ أرصد ثلثهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب لمصَالح الْقُدس وأقطع ابْنه عماد الدّين هَذَا بقيتها فَلم يزل قَائِم الجاه من الْأَيَّام الصلاحية فاتفق عماد الدّين مَعَ جمَاعَة من الأكراد والجند على خلع الْملك الْكَامِل وتمليك أَخِيه الفائز إِبْرَاهِيم ليصير لَهُم التحكم فِي المملكة وَوَافَقَهُ على ذَلِك الْأَمِير عز الدّين الْحميدِي والأمير أَسد الدّين الهكاري والأمير مُجَاهِد الدّين وعدة من الْأُمَرَاء فَلَمَّا بلغ الْكَامِل ذَلِك دخل عَلَيْهِم فَإِذا هم مجتمعون وَبَين أَيْديهم الْمُصحف وهم يحلفُونَ لِأَخِيهِ الفائز فعندما رَأَوْهُ تفَرقُوا فخشي على نَفسه مِنْهُم وَخرج فاتفق قدوم الصاحب صفي الدّين بن شكر من آمد فَإِنَّهُ كَانَ قد استدعاه الْكَامِل بعد موت أَبِيه فَتَلقاهُ الْكَامِل وأكرمه وَأَوْقفهُ على مَا فِيهِ جمَاعَة الْأُمَرَاء فشجعه وَضمن لَهُ تَحْصِيل المَال وتدبير الْأُمُور فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْل ركب الْكَامِل من الْمنزلَة العادلية فِي اللَّيْل جَرِيدَة وَسَار إِلَى أشموم طناح فَنزل بهَا وَأصْبح الْعَسْكَر وَقد فقدوا السُّلْطَان فَركب كل أحد هَوَاهُ وَلم يعرج وَاحِد مِنْهُم على آخر وَتركُوا أثقالهم وخيامهم وَأَمْوَالهمْ وأسلحتهم وَلم يَأْخُذ كل أحد إِلَّا مَا خف حمله فبادر الفرنج عِنْد ذَلِك وعبروا بر دمياط وهم آمنون من غير مُنَازع وَلَا مدافع وَأخذُوا كل مَا كَانَ فِي معسكر الْمُسلمين وَكَانَ شَيْئا لَا يقدر قدره وَذَلِكَ لبضع عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْقعدَة فَكَانَ نزُول الفرنج قبالة دمياط فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي شهر ربيع الأول سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة ونزولهم فِي الْبر الشَّرْقِي حَيْثُ مَدِينَة

стр. 214

دمياط يَوْم الثُّلَاثَاء سادس ذِي الْقعدَة سنة سِتّ عشرَة فتزلزل الْملك الْكَامِل وهم بمفارقة أَرض مصر ثمَّ تثبت فتلاحق بِهِ الْعَسْكَر وَبعد يَوْمَيْنِ وصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الْملك الْمُعظم عِيسَى صَاحب دمشق وَهُوَ بأشموم فِي ثامن عشر ذِي الْقعدَة فَقَوِيت بِهِ شوكته وأعلمه بِمَا كَانَ من أَمر ابْن المشطو ب فوعده بإزالته عَنهُ. ثمَّ ركب الْمُعظم إِلَى خيمة ابْن المشطوب واستدعاه للرُّكُوب مَعَه للمسايرة فاستمهله حَتَّى يلبس خفيه وثيابه فَلم يمهله وأعجله فَركب مَعَه وَهُوَ آمن وسايره حَتَّى خرج بِهِ من المعسكر وَبعد عَنهُ فَالْتَفت إِلَيْهِ الْمُعظم وَقَالَ. يَا عماد الدّين! هَذِه الْبِلَاد لَك أشتهي أَن تهبها لنا. وَأَعْطَاهُ نَفَقَة وأسلمه إِلَى جمَاعَة من أَصْحَابه يَثِق بهم كَانَ قد أعدهم لهَذَا الْأَمر وَأمرهمْ أَن يلازموه إِلَى أَن يخرج من الرمل ويحتفظوا بِهِ إِلَى أَن يدْخل إِلَى الشَّام فَمَا وجد ابْن المشطوب سَبِيلا إِلَى الِامْتِنَاع وَلَا قدر على المدافعة لِأَنَّهُ بمفرده بَينهم فَسَارُوا بِهِ على تِلْكَ الْحَالة إِلَى الشَّام فَنزل بحماة عِنْد الْملك الْمَنْصُور وسه أَرْبَعَة من خدمه وَلما سَار ابْن المشطوب رَجَعَ الْمُعظم إِلَى أَخِيه الْكَامِل وَتقدم إِلَى أَخِيه الفائز بِأَن يمْضِي إِلَى الْمُلُوك الأيوبية بِالشَّام والشرق رَسُولا عَن الْملك الْكَامِل بِسَبَب إرْسَال عَسَاكِر الْإِسْلَام لاستنقاذ دمياط وَأَرْض مصر من الفرنج وَكتب الْكَامِل إِلَى أَخِيه الْأَشْرَف مُوسَى شاه أرمن يامسعدي إِن كنت حَقًا مسعفي فانهض بِغَيْر تلبث وَتوقف واحثث قلوصك مرقلا أَو موجفا بتجشم فِي سَيرهَا وتعسف واطو الْمنَازل مَا اسْتَطَعْت وَلَا تنخ إِلَّا على بَاب المليك الْأَشْرَف واقر السَّلَام عَلَيْهِ من عبد لَهُ متوقع لقدومه متشوف وَإِذا وصلت إِلَى حماة فَقل لَهُ عني بِحسن توصل وتلطف إِن تأت عَبدك عَن قَلِيل تلقه مَا بَين كل مهند ومثقف أَو تبط عَن إنجاده فلقاؤه بل فِي الْقِيَامَة فِي عراص الْموقف فَسَار الفائز وَكَانَ الْغَرَض إِخْرَاجه من أَرض مصر فَمضى إِلَى دمشق ورحل إِلَى حماة ثمَّ سَار إِلَى الشرق فانتظم أَمر الْكَامِل وقوى ساعده وترتبت قَوَاعِد ملكه وَسَار عَنهُ الْمُعظم هَذَا والفرنج قد أحاطوا بدمياط من الْبَحْر وَالْبر وَأَحْدَقُوا بهَا وحصروها وضيقوا على أَهلهَا وَمنعُوا الأقوات أَن تصل إِلَيْهِم وحفروا على معسكرهم الْمُحِيط بدمياط خَنْدَقًا وبنوا عَلَيْهِ سورا وَأهل دمياط يقاتلونهم أَشد قتال وَأنزل الله عَلَيْهِم الصَّبْر فثبتوا مَعَ قلَّة الأقوات عِنْدهم وَشدَّة غلاء الأسعار وَأخذ الْكَامِل فِي محاربة الفرنج وهم قد حالوا بَينه وَبَينهَا وَلم يصل إِلَيْهَا أحد من عِنْده

стр. 215

سوى رجل من الجاندارية وَكَانَ هَذَا الرجل قد قدم إِلَى الْقَاهِرَة من بعض قرى حماة وَيُسمى شمايل فتوصل حَتَّى صَار يخْدم فِي الركاب السلطاني جاندار وَكَانَ يخاطر بِنَفسِهِ ويسبح فِي النّيل ومراكب الفرنج بِهِ مُحِيطَة والنيل قد امْتَلَأت بِهِ شواني الفرنج فَيدْخل إِلَى مَدِينَة دمياط وَيَأْتِي السُّلْطَان بأخبار أَهلهَا فَإِذا دخل إِلَيْهَا قوى قُلُوب أَهلهَا وَوَعدهمْ بِقرب وُصُول النجدات فحظي بذلك عِنْد الْكَامِل وَتقدم تقدما كثيرا وَجعله أَمِير جانداره وَسيف نقمته وولاه الْقَاهِرَة وَإِلَيْهِ تنْسب خزانَة شمايل وَكَانَ فِي دمياط من أَهلهَا الْأَمِير جمال الدّين الْكِنَانِي فَكتب هَذِه الأبيات وَأَلْقَاهَا إِلَى الْملك الْكَامِل فِي سهم نشاب وهى: يَا مالكي دمياط ثغر هدمت الله ضَامِن أجره وكفيلهشرفاته يقريك من أزكى السَّلَام تَحِيَّة كَادَت تجث أُصُوله وَيَقُول عَن بعد وَإنَّك سامع كالمسك طَابَ دقيقه وجليله يأيها الْملك الَّذِي مَا إِن يرى حَتَّى كَأَنَّك جَاره ونزيله هَذَا كتاب موضح من حالتي بِي الْمُلُوك شبيهه وعديله أَشْكُو إِلَيْك عَدو سوء أحدقت مَا لَيْسَ يمكنني لديك أقوله فالبر قد منعت إِلَيْهِ طَرِيقه بِجَمِيعِهِ فرسانه وخيوله وَلَو اسْتَطَاعَ لأم بابك لائذا وحنينه وبكاؤه وعويله وَرَسُوله فِي أَن تجيب دعاءه لكنه سدت عَلَيْهِ سَبيله فقد انْتَهَت أدواؤه وتحكمت دين الْإِلَه وخلقه وَرَسُوله وَبَقِي لَهُ رَمق يسيريرتجى علاته ونحا عَلَيْهِ نحوله فاحرس حماك بعزمة تشفى بهَا أَن يشتفي لما دعَاك عليله فَالله أَعْطَاك الْكثير بفضله دَاء لمثلك يرتجى تَعْلِيله فالعذر فِي نصر الْإِلَه وَدينه وَرضَاهُ من هَذَا الْكثير قَلِيله والثغر ناظره إِلَيْك محدق مَا سَاغَ عِنْد الْمُسلمين قبُوله وَلَئِن قعدت عَن الْقيام بنصره مَا إِن يمل من الدُّمُوع هموله ووهت قوى الْقُرْآن فِيهِ وَرفعت جَفتْ نضارته وَبَان ذبوله وَعلا صدى الناقوس فِي أرجائه صلبانه وتلى بِهِ إنجيله هَذَا وحقك وصف صُورَة حَاله وخفي على سمع الورى تهليله (وَكَفاك يَابْنَ الأكرمين بِأَنَّهُ حَقًا وَجُمْلَته وَذَا تَفْصِيله حقق رَجَاء فِيك يَا من ام تجب أضحى عَلَيْك من الورى تعويله واذخر ليَوْم فعلا صَالحا أبدا لراجي جوده تأميله)

стр. 216

فَلَمَّا وقف السُّلْطَان على هَذِه الأبيات أَمر أهل الْقَاهِرَة ومصر بالنفير للْجِهَاد وَخرجت السّنة وَالْحَال على ذَلِك. وفيهَا استدعى الْملك الْغَالِب كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان ملك الرّوم بِالْملكِ الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بن صَلَاح الدّين يُوسُف وَكَانَ بسميساط ويخطب للْملك الْغَالِب فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ أكْرمه وَحمل إِلَيْهِ شَيْئا كثيرا من المَال وَالْخَيْل وَالسِّلَاح وَغَيره وتحالفا على الْمسير إِلَى المملكة الحلبية وَأَخذهَا بِشَرْط أَن يَدْفَعهَا الْملك الْغَالِب هِيَ وَسَائِر مَا يَفْتَحهُ إِلَى الْملك الْأَفْضَل ليقيم لَهُ فِيهَا الْخطْبَة وَالسِّكَّة وَيصير فِي طَاعَته فَإِذا تمّ ذَلِك سارا إِلَى الشرق وأخذا حران والرها وَغَيرهَا فسارا يالعساكر وأخذا قلعة رعبان فتسلمها الْأَفْضَل وَمَال إِلَيْهِ النَّاس واجتمعوا على الْملك الْغَالِب لمحبتهم فِي الْأَفْضَل ثمَّ سَار إِلَى قلعة تل بَاشر فحصراها حَتَّى ملكاها فَلم يُسَلِّمهَا الْملك الْغَالِب للأفضل وَأقَام نَائِبا من قبله فنفر مِنْهُ الْأَفْضَل وفترت همته وَعلم أَن هذأ أول الْغدر وَأعْرض أهل الْبِلَاد أَيْضا عَن الْملك الْغَالِب واستعد أهل حلب واستدعوا الْملك الْأَشْرَف من بحيرة قدس وَكَانَ نازلا عَلَيْهَا تجاه الفرنج فَقدم إِلَيْهِم بعساكره وَحَضَرت عرب طَيء وَغَيرهَا إِلَى ظَاهر حلب فَحسن الْأَفْضَل للْملك الْغَالِب التَّوَجُّه إِلَى منبج فسارا إِلَيْهَا فواقع الْعَرَب مُقَدّمَة الْملك الْغَالِب إِلَى بِلَاده وَسَار الْأَشْرَف فاستولى على رعبان وتل بَاشر.

стр. 217

وفيهَا مَاتَ الْملك القاهر عز الدّين مَسْعُود بن أرسلان شاه بن مَسْعُود بن مودود بن عماد الدّين زنكي آقسنقر صَاحب الْموصل لثلاث بَقينَ من ربيع الأول وَكَانَت مُدَّة ملكه سبع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَقَامَ من بعده ابْنه نور الدّين أرسلان شاه وعمره عشر سِنِين فدبر أمره الْأَمِير بدر الدّين لُؤْلُؤ الأتابك فأقرهما الْخَلِيفَة النَّاصِر.

стр. 218

(سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة) فِيهَا قدم الْملك المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب - صَاحب حماة - إِلَى الْملك الْكَامِل نجدة فِي عَسْكَر كثيف وَمَعَهُ الطواشي مرشد المنصوري فَتَلقاهُ السُّلْطَان وَأعظم قدره وأنزله على مينته وَهِي الْمنزلَة الَّتِي كَانَت لِأَبِيهِ وجده عِنْد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف وَوصل الفائز إِبْرَاهِيم بن الْعَادِل إِلَى أَخِيه الْأَشْرَف مُوسَى برسالة أخيهما الْكَامِل للاستنجاد على الفرنج فَأكْرمه وأمسكه عِنْده فَإِن الْغَرَض إِنَّمَا كَانَ إِخْرَاجه من أَرض مصر. وفيهَا اشْتَدَّ قتال الفرنج وعظمت نكايتهم لأهل دمياط وَكَانَ فِيهَا نَحْو الْعشْرين ألف مقَاتل فنهكتهم الْأَمْرَاض وغلت عِنْدهم الأسعار حَتَّى أبيعت الْبَيْضَة الْوَاحِدَة من بيض الدَّجَاج بعدة دَنَانِير وامتلأت الطرقات من الْأَمْوَات وعدمت الأقوات وَصَارَ السكر فِي عزة الْيَاقُوت وفقدت اللحوم فَلم يقدر عَلَيْهَا بِوَجْه وآلت بِالنَّاسِ الْحَال إِلَى أَن لم يبْق عِنْدهم غير شَيْء يسير من الْقَمْح وَالشَّجر فَقَط فتسور الفرنج السُّور وملكوا مِنْهُ الْبَلَد يَوْم الثُّلَاثَاء لخمس بَقينَ من شعْبَان فَكَانَت مُدَّة الْحصار سِتَّة عشر شهرا واثنين وَعشْرين يَوْمًا وعندما أخذُوا دمياط وضعُوا السَّيْف فِي النَّاس فَلم يعرف عدد من قتل لكثرتهم ورحل السُّلْطَان بعد ذَلِك بيومين وَنزل قبالة طلخا على رَأس بَحر أكوم وَرَأس بَحر دمياط وخيم بالمنزلة الَّتِي عرفت بالمنصورة وحصن

стр. 219

الفرنج أسوار فِي مياط وَجعلُوا جَامعهَا كَنِيسَة وبثوا سراياهم فِي الْقرى يقتلُون وَيَأْسِرُونَ فَعظم الْخطب وَاشْتَدَّ الْبلَاء وَندب السُّلْطَان النَّاس وفرقهم فِي الأَرْض فَخَرجُوا إِلَى الْآفَاق يستصرخون النَّاس لاستنقاذ أَرض مصر من أَيدي الفرنج وَشرع السُّلْطَان فِي بِنَاء الْحور والفنادق والحمامات والأسواق بِمَنْزِلَة المنصورة وجهز الفرنج من حصل فِي أَيْديهم من أُسَارَى الْمُسلمين فِي الْبَحْر إِلَى عكا وبرزوا من مَدِينَة دمياط يُرِيدُونَ أَخذ مصر والقاهرة فنازلوا السُّلْطَان تجاه المنصورة وَصَارَ بَينهم وَبَين الْعَسْكَر بَحر أشموم وبحر دمياط وَكَانَ الفرنج فِي مِائَتي ألف رجل وَعشرَة آلَاف فَارس فَقدم السُّلْطَان الشواني تجاه المنصورة وَهِي مائَة قِطْعَة وَاجْتمعَ النَّاس من أهل ومصر وَسَائِر النواحي مَا بَين أسوان إِلَى الْقَاهِرَة وَوصل الْأَمِير حسام الدّين يُونُس والفقيه تَقِيّ الدّين طَاهِر الْمحلي فأخرجا النَّاس من الْقَاهِرَة ومصر وَنُودِيَ بالنفير الْعَام وَألا يبْقى أحد وَذكروا أَن ملك الفرنج قد أقطع ديار مصر لأَصْحَابه. فَقَالَ: يهددونا بِأَهْل عكا أَن يملكونا وَأهل يافا وَمن لنا أَن يلوا علينا فالروم خير من الريافا يَعْنِي أهل الرِّيف فَإِنَّهُ كَانَ قد كثر تسلطهم وطمعوا فِي أَمر السُّلْطَان واستخفوا بِهِ لشغله بالفرنج عَنْهُم وَخرج الْأَمِير عَلَاء الدّين جِلْدك والأمير جمال الدّين بن صيرم لجمع النَّاس مِمَّا بَين الْقَاهِرَة إِلَى آخر الحوف الشَّرْقِي فأجمع من الْمُسلمين عَالم لَا يَقع عَلَيْهِ حصر وَأنزل السُّلْطَان على نَاحيَة شار مساح ألفي فَارس فِي آلَاف من العربان ليحولوا بَين الفرنج وَبَين دمياط وسارت الشواني - وَمَعَهَا حراقة كَبِيرَة - إِلَى رَأس بَحر الْمحلة وَعَلَيْهَا الْأَمِير بدر الدّين بن حسون فَانْقَطَعت الْميرَة عَن الفرنج من الْبر وَالْبَحْر وقدمت النجمات للْملك الْكَافِي من بِلَاد الشَّام وَخرجت أُمَم الفرنج من

стр. 220

دَاخل الْبَحْر تُرِيدُ مدد الفرنج على دمياط فَوَافى دمياط مِنْهُم طوائف لَا يحصي لَهُم عدد فَلَمَّا تَكَامل جمعهم بدمياط خَرجُوا مِنْهَا فِي حَدهمْ وحديدهم وَقد زين لَهُم سوء عَمَلهم أَن يملكُوا أَرض مصر ويستولوا مِنْهَا على مماليك البسيطة كلهَا فَلَمَّا قدمت النجدات كَانَ أَولهَا قدومًا الْملك الْأَشْرَف مُوسَى بن الْعَادِل وَآخِرهَا على السِّكَّة الْملك الْمُعظم عِيسَى وَفِيمَا بَينهمَا بَقِيَّة الْمُلُوك: وهم الْمَنْصُور صَاحب حماة والناصر صَلَاح الدّين قلج أرسلان والمجاهد صَاحب حمص والأمجد بهْرَام شاه صَاحب بعلبك وَغَيرهم فهال الفرنج مَا رَأَوْا وَكَانَ قدوم هَذِه النجدات فِي ثَالِث عشري جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان عشرَة وتتابع قدوم النجدات حَتَّى بلغ عدد فرسَان الْمُسلمين نَحْو الْأَرْبَعين ألفا فحاربوا الفرنج فِي الْبر وَالْبَحْر وأخفوا مِنْهُم سِتّ شواني وجلاسة وبطسة وأسروا مِنْهُم أَلفَيْنِ ومائتي رجل ثمَّ ظفروا أَيْضا بِثَلَاث قطائع فتضعضع الفرنج لذَلِك وضاق بهم الْمقَام وبعثوا يسْأَلُون فِي الصُّلْح كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله. وفيهَا مَاتَ قطب الدّين مُحَمَّد بن عماد الدّين زنكي بن مودود صَاحب سنجار وَقَامَ من بعده ابْنه عماد الدّين شاهنشاه ثمَّ قَتله أَخُوهُ الأمجد عمر. وَمَات نور الدّين أرسلان شاه صَاحب الْموصل فَقَامَ من بعده الْأَمِير بَحر الدّين لُؤْلُؤ بِأَمْر أَخِيه نَاصِر الدّين مَحْمُود بن القاهر عز الدّين وعمره ثَلَاث سِنِين. وفيهَا أَمر الْملك الْمُعظم عِيسَى بتخريب الْقُدس خوفًا من اسْتِيلَاء الفرنج عَلَيْهَا فخربت أسوار الْمَدِينَة وأبراجها كلهَا إِلَّا برج دَاوُد - وَكَانَ من غربي الْبَلَد - فَإِنَّهُ أبقاه وَخرج مُعظم من كَانَ فِي الْقُدس من النَّاس وَلم يبْق فِيهِ إِلَّا نفر يسير وَنقل الْمُعظم مَا كَانَ فِي الْقُدس من الأسلحة وآلات الْقِتَال فشق على الْمُسلمين تخريب الْقُدس وَأخذ دمياط. وفيهَا هدم الْمُعظم أَيْضا قلعة الطّور الَّتِي بناها أَبوهُ الْعَادِل وَعفى أثارها. وفيهَا خرجت كتب الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله إِلَى سَائِر الممالك بإنجاد الْملك الْكَامِل بدمياط. وفيهَا مَاتَ عز الدّين كيكاوس بن غياث الدّين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان ملك قونية بَعْدَمَا ملك أرزن الرّوم من عَمه طغرل شاه

стр. 221

ابْن قلج شاه بن قلج أرسلان وَملك أنكورية من أَخِيه كيقباد فَصَارَ سُلْطَان الرّوم وَقَامَ من بعده أَخُوهُ عَلَاء الدّين كيقباد. وفيهَا ابْتَدَأَ ظُهُور التتار - ومساكنهم جبال طمغاج من أَرض الصين بَينهَا وَبَين بِلَاد التركستان مَا يزِيد على سِتَّة أشهر - واستولوا على كثير من بِلَاد الْإِسْلَام وَكَانُوا لَا يدينون بدين إِلَّا أَنهم يعْرفُونَ بِاللَّه تَعَالَى من غير اعْتِقَاد شَرِيعَة فملكوا الصين - وَكَانَ ملكهم يُقَال لَهُ جنكزخان - ثمَّ سَارُوا إِلَى تركستان وكاشغر فملكوا تِلْكَ الْبِلَاد وأغاروا على أَطْرَاف بِلَاد السُّلْطَان عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن خوارزم شاه تكش بن ألب أرسلان مُحَمَّد بن جغري بك دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق ثمَّ استولوا على بخاري وَغَيرهَا من بِلَاد الْعَجم.

стр. 222

سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة أهلت وَانْقَضَت وَالْحَرب قَائِمَة بَين الْمُسلمين وَبَين الفرنج على دمياط فِي منزلَة المنصورة. وفيهَا استولى التتر على سَمَرْقَنْد وهزموا السُّلْطَان عَلَاء الدّين وملكوا الرّيّ وهمذان وقزوين وحاربوا الكرج وملكوا فرغانة والترمذ وخوارزم وخراسان

стр. 223

ومرو ونيسابور وطوس وهراة وغزنة. وفيهَا ملك الْأَشْرَف مُوسَى بن الْعَادِل ماردين وسنجار. وفيهَا مَاتَ الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب بن شادي صَاحب حماة - وَكَانَ إِمَامًا مفتياً فِي عدَّة عُلُوم وَله شعر جيد - فِي ذِي الْقعدَة عَن خمسين سنة مِنْهَا مُدَّة ملكه ثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ ابْنه الْأَكْبَر الْملك المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود فِي معسكر خَاله الْملك الْكَامِل بالمنصورة على مقاتلة الفرنج فَقَامَ بمملكة حماة الْملك النَّاصِر قلج أرسلان بن الْمَنْصُور وَكَانَ عمره سبع عشرَة سنة فشق بذلك على أَخِيه المظفر وَاسْتَأْذَنَ الْملك الْكَامِل فِي الْعود إِلَى حماة ظنا مِنْهُ أَنه يملكهَا فَإِنَّهُ كَانَ ولي عهد أَبِيه فَأذن لَهُ الْملك الْكَامِل وَسَار فلقى الْملك الْمُعظم فِي الْغَوْر فخوفه من التَّعَرُّض إِلَى أَخِيه فَأَقَامَ بِدِمَشْق ثمَّ رَجَعَ المظفر إِلَى الْملك الْكَامِل فأقطعه إقطاعاً وَأقَام فِي خدمته. وفيهَا كثرت مصادرة الصاحب صفي الدّين بن شكر أَرْبَاب الْأَمْوَال بِمصْر والقاهرة من التُّجَّار وَالْكتاب: وَقرر التَّبَرُّع على الْأَمْلَاك وَهُوَ مَال جبي من النَّاس وأحدث ابْن شكر حوادث كَثِيرَة وَحصل مَالا جماً. وفيهَا قوي طمع الفرنج فِي ملك ديار مصر وعزموا على التَّقَدُّم إِلَى الْمُسلمين

стр. 224

ليدفعوهم عَن مَنْزِلَتهمْ ويستولوا على الْبِلَاد فانقضت السّنة وهم تجاه الْمُسلمين على رَأس بَحر أشموم ودمياط. وفيهَا غلت الأسعار بِأَرْض مصر فَبلغ الْقَمْح ثَلَاثَة دَنَانِير كل أردب فَكَانَت من أشق السنين وأشدها على أهل مصر. وفيهَا مَاتَ الشريف أَبُو عَزِيز قَتَادَة بن أبي مَالك إِدْرِيس بن مطاعن بن عبد الْكَرِيم ابْن عِيسَى بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن على بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عبد الله ابْن مُوسَى بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن على بن أبي طَالب ﵁ سُلْطَان مَكَّة فِي أخر جُمَادَى الْآخِرَة بِمَكَّة عَن تسعين سنة وَله شعر جيد وَقدم مصر غير مرّة وَمَعَهُ أَخُوهُ أَبُو مُوسَى عِيسَى وَكَانَت وِلَادَته ومرباه بالينبع. وَملك مَكَّة بعده ابْنه حسن بن قَتَادَة فَسَار رَاجِح بن قَتَادَة مغاضباً لَهُ وَقطع الطَّرِيق فِي الْمَوْسِم بَين مَكَّة وعرفة فَقبض عَلَيْهِ أقباش أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ فَبعث الشريف حسن لأقباش يعده بِمَال ليسلمه راجحاً فوعده رَاجِح بِأَكْثَرَ من ذَلِك فعزم أقباش على أَن يُسلمهُ مَكَّة وَتقدم لمقاتلة أميرها فَقتل أقباش وفر رَاجِح إِلَى الْملك المسعود بِالْيمن.

стр. 225

فارغة

стр. 226

سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة فِيهَا اشتدت قُوَّة الفرنج بِكَثْرَة من قدم إِلَيْهِم فِي الْبَحْر فتابع الْملك الْكَامِل الرُّسُل فِي طلب النجدات فَقدمت عَلَيْهِ الْمُلُوك كَمَا تقدم وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ برا وبحراً وَقد اجْتمع من الفرنج وَالْمُسْلِمين مَا لَا يعلم عَددهمْ إِلَّا الله وَكَانَت الْعَامَّة تكر على الفرنج أَكثر مَا يكر عَلَيْهِم الْعَسْكَر وَتقدم جمَاعَة من الْعَسْكَر إِلَى خليج من النّيل فِي الْبر الغربي يعرف ببحر الْمحلة وقاتلوا الفرنج مِنْهُ وَتَقَدَّمت الشواني الإسلامية فِي بَحر النّيل لتقاتل شواني الفرنج فأخفوا مِنْهَا ثَلَاث قطع برحالها وأسلحتها. هَذَا وَالرسل تَزْدَدْ من عِنْد الفرنج فِي طلب الصُّلْح بِشُرُوط: مِنْهَا أَخذ الْقُدس وعسقلان وطبرية وجبلة واللاذقية وَسَائِر مَا فَتحه السُّلْطَان صَلَاح الدّين من بِلَاد السَّاحِل فأجابهم الْمُلُوك إِلَى ذَلِك ماخلا الكرك والشوبك فَأبى الفرنج وَقَالُوا: لَا نسلم دمياط حَتَّى تسلموا ذَلِك كُله فَرضِي الْكَامِل فَامْتنعَ الفرنج وَقَالُوا: لَا بُد أَن تعطونا خَمْسمِائَة ألف دِينَار لنعمر بهَا مَا خربتم من أسوار الْقُدس مَعَ أَخذ مَا ذكر من الْبِلَاد وَأخذ الكرك والشوبك أَيْضا فاضطر الْمُسلمُونَ إِلَى قِتَالهمْ ومصابرتهم وَعبر جمَاعَة من الْمُسلمين فِي بَحر الْمحلة إِلَى الأَرْض الَّتِي عَلَيْهَا معسكر الفرنج وفتحوا مَكَانا عَظِيما فِي النّيل وَكَانَ الْوَقْت فِي قُوَّة الزِّيَادَة فَإِنَّهُ كَانَ أول لَيْلَة من توت والفرنج لَا معرفَة لَهُم بِحَال أَرض مصر وَلَا بِأَمْر النّيل فَلم يشْعر الفرنج إِلَّا وَالْمَاء قد غرق أَكثر الأَرْض الَّتِي هم عَلَيْهَا وَصَارَ حَائِلا بَينهم وَبَين دمياط وَأَصْبحُوا وَلَيْسَ لَهُم جِهَة يسلكونها سوي جِهَة وَاحِدَة ضيقَة فَأمر السُّلْطَان فِي الْحَال بِنصب الجسور عِنْد بَحر أشموم طناح فتهيأ الْفَرَاغ مِنْهَا وعبرت العساكر الإسلامية عَلَيْهَا وملكت الطَّرِيق الَّتِي تسلكها الفرنج إِلَى دمياط فانحصروا من سَائِر الْجِهَات وَقدر الله سُبْحَانَهُ بوصول فرقة عَظِيمَة فِي الْبَحْر للفرنج وحولها عدَّة حراقات تحميها وسائرها مشحونة بالميرة وَالسِّلَاح وَسَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فأوقع بهَا شواني الْإِسْلَام وَكَانَت بَينهمَا حَرْب أنزل الله فِيهَا نَصره على الْمُسلمين فظفروا بهَا وَبِمَا مَعهَا من الحراقات ففت ذَلِك فِي أعضاد الفرنج وَأُلْقِي فِي قُلُوبهم الرعب والذلة بَعْدَمَا كَانُوا فِي غَايَة الِاسْتِظْهَار والعنت على الْمُسلمين وَعَلمُوا أَنهم مأخوذون لَا محَالة وعظمت نكاية الْمُسلمين بهم

стр. 227

برميهم إيَّاهُم بِالسِّهَامِ وَحَملهمْ على أَطْرَافهم فاجمعوا أَمرهم على مناهضة الْمُسلمين ظنا مِنْهُم أَنهم يصلونَ إِلَى دمياط فخربوا خيامهم ومجانيقهم وعزموا على أَن يحطموا حطمة وَاحِدَة. فَلم يَجدوا إِلَى ذَلِك سَبِيلا لِكَثْرَة الوحل والمياه الَّتِي قد ركبت الأَرْض من حَولهمْ فعجزوا عَن الْإِقَامَة لقلَّة الأزواد عِنْدهم ولاذوا إِلَى طلب الصُّلْح وبعثوا يسْأَلُون الْملك الْكَامِل - وَإِخْوَته الْأَشْرَف والمعظم - الْأمان لأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّهُمْ يسلمُونَ دمياط بِغَيْر عوض فَاقْتضى رَأْي الْملك الْكَامِل إجابتهم وَاقْتضى رَأْي غَيره من إخْوَته مناهضتهم واجتثاث أصلهم الْبَتَّةَ فخاف الْملك الْكَامِل إِن فعل ذَلِك أَن يمْتَنع من بَقِي مِنْهُم بدمياط أَن يُسَلِّمهَا وَيحْتَاج الْحَال إِلَى منازلتها مُدَّة فَإِنَّهَا كَانَت ذَات أسوار منيعة وَزَاد الفرنج عِنْدَمَا استولوا عَلَيْهَا فِي تحصينها وَلَا يُؤمن فِي طول محاصرتها أَن يفد مُلُوك الفرنج نجدة لمن فِيهَا وطلباً لثأر من قتل من أكابرهم هَذَا وَقد ضجرت عَسَاكِر الْمُسلمين وملت من طول الْحَرْب فَإِنَّهَا مُقِيمَة فِي محاربة الفرنج ثَلَاث سِنِين وأشهراً وَمَا زَالَ الْكَامِل قَائِما فِي تَأْمِين الفرنج إِلَى أَن وَافقه بَقِيَّة الْمُلُوك على أَن يبْعَث الفرنج برهائن من مُلُوكهمْ - لَا من أمرائهم - إِلَى أَن يسلمُوا دمياط فَطلب الفرنج أَن يكون ابْن الْملك الْكَامِل عِنْدهم رهينة إِلَى أَن تعود إِلَيْهِم رهائنهم فتقرر الْأَمر على ذَلِك وَحلف كل من مُلُوك الْمُسلمين والفرنج فِي سَابِع شهر رَجَب وَبعث الفرنج بِعشْرين ملكا من مُلُوكهمْ رهنا مِنْهُم يوحنا صَاحب عكا ونائب البابا وَبعث الْملك الْكَامِل إِلَيْهِم بِابْنِهِ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَله من الْعُمر يَوْمئِذٍ خمس عشرَة سنة وَمَعَهُ جمَاعَة من خواصه وعندما قدم مُلُوك الفرنج جلس لَهُم الْملك الْكَامِل مَجْلِسا عَظِيما ووقف الْمُلُوك من اخوته وَأهل بَيته بَين يَدَيْهِ بِظَاهِر البرمون فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع عشر من شهر رَجَب فهال الفرنج مَا شاهدوا من تِلْكَ العظمة وبهاء ذَلِك الناموس وقدمت قسوس الفرنج وَرُهْبَانهمْ إِلَى دمياط ليسلموها إِلَى الْمُسلمين فتسلمها الْمُسلمُونَ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع عشر من شهر رَجَب فَلَمَّا تسلمها الْمُسلمُونَ قدم فِي ذَلِك الْيَوْم من الفرنج نجدة عَظِيمَة يُقَال أَنَّهَا ألف مركب فعد تأخرهم إِلَى مَا بعد تَسْلِيمهَا من الفرنج صنعا جميلاً من الله سُبْحَانَهُ وَشَاهد الْمُسلمُونَ عِنْدَمَا تسلموا دمياط من تحصين الفرنج لَهَا مَا لَا يُمكن أَخذهَا بِقُوَّة الْبَتَّةَ وَبعث السُّلْطَان بِمن كَانَ عِنْده فِي الرَّهْن من الفرنج وَقدم الْملك الصَّالح وَمن كَانَ مَعَه

стр. 228

وتقررت الْهُدْنَة بَين الفرنج وَبَين الْمُسلمين مُدَّة ثَمَانِي سِنِين على أَن كلا من الْفَرِيقَيْنِ يُطلق مَا عِنْده من الأسرى وَحلف السُّلْطَان وَإِخْوَته وَحلف مُلُوك الفرنج على ذَلِك وتفرق من كَانَ قد حضر لِلْقِتَالِ فَكَانَت مُدَّة اسْتِيلَاء الفرنج على دمياط سنة وَاحِدَة وَعشرَة أشهر وَأَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ دخل الْملك الْكَامِل إِلَى دمياط بعساكره وَأَهله وَكَانَ لدُخُوله مَسَرَّة عَظِيمَة وابتهاج زَائِد ثمَّ سَار الفرنج إِلَى بِلَادهمْ وَعَاد السُّلْطَان إِلَى قلعة الْجَبَل فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر شهر ومضان وَدخل الْوَزير الصاحب صفي الدّين عبد الله بن عَليّ بن شكر فِي الْبَحْر وَأطلق من كَانَ بِمصْر من الأسرى وَكَانَ فيهم من أسر من الْأَيَّام الصلاحية وَأطلق الفرنج من كَانَ فِي بِلَادهمْ من أسرى الْمُسلمين وَاتفقَ أَنه لما رَحل الفرنج اجْتمع فِي لَيْلَة عِنْد الْملك الْكَامِل أَخَوَاهُ الْمُعظم عِيسَى والأشرف مُوسَى على حَالَة أنس فَأمر الْأَشْرَف جَارِيَته سِتّ الْفَخر فغنت على عودهَا: وَلما طَغى فِرْعَوْن عكا ببغيه وَجَاء إِلَى مصر ليفسد فِي الأَرْض أَتَى نحوهم مُوسَى وَفِي يَده الْعَصَا فأغرقهم فِي اليم بَعْضًا على بعض فطرب الْأَشْرَف وَقَالَ لَهَا: كرري فشق ذَلِك على الْملك الْكَامِل وأمرها فَسَكَتَتْ وَقَالَ لجاريته: غن أَنْت فغنت على الْعود: أيا أهل دين الْكفْر قومُوا لتنظروا لما قد جرى فِي وقتنا وتجددا أعباد عِيسَى إِن عِيسَى وَقَومه ومُوسَى جَمِيعًا ينْصرُونَ مُحَمَّدًا فأعجب الْكَامِل بهَا وَأمر لَهَا بِخَمْسِمِائَة دِينَار ولجارية أَخِيه الْأَشْرَف بِخَمْسِمِائَة دِينَار فَنَهَضَ القَاضِي الْأَجَل هبة الله بن محَاسِن قَاضِي غَزَّة وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ وانشد: حبانا إِلَه الْخلق فتحنا لنا بدا مُبينًا وإنعاماً وَعزا مجددا وَلما طَغى الْبَحْر الْخصم بأَهْله ال - طغاة وأضحى بالمراكب مزبدا أَقَامَ لهَذَا الدّين من سل عزمه صقيلاً كَمَا سل الحسام المجردا فَلم تَرَ إِلَّا كل شلو مجدل ثوى مِنْهُم أَو من ترَاهُ مُقَيّدا

стр. 229

ونادى لِسَان الْكَوْن فِي الأَرْض رَافعا عقيرته فِي الْخَافِقين ومنشدا أعباد عِيسَى إِن عِيسَى وَحزبه ومُوسَى جَمِيعًا ينصران مُحَمَّدًا وَيُقَال إِن هَذَا الْمجْلس كَانَ بالمنصورة وَلما اسْتَقر الْملك الْكَامِل على تخت ملكه سَارَتْ الْمُلُوك إِلَى ممالكها وعمت بِشَارَة أَخذ الْمُسلمين دمياط أَفَاق الأَرْض فَإِن التتار كَانُوا قد دمروا ممالك الشرق وكادت مصر مَعَ الشَّام يستأصل شأفة أَهلهَا الفرنج حَتَّى من الله بجميل صنعه وخفي لطفه وَنصر عباده الْمُؤمنِينَ وأيدهم بجنده بَعْدَمَا ابتلى الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالاً شَدِيدا وقدمت على الْملك الْكَامِل تهاني الشُّعَرَاء بهَا الْفَتْح فَكَانَ أَوَّلهمْ إرْسَالًا شرف الدّين بن عنين بكلمته الَّتِي أَولهَا: سلوا صهوات الْخَيل يَوْم الوغى عَنَّا إِذا جهلت آيَاتنَا والقنا اللدنا غَدَاة الْتَقَيْنَا دون دمياط جحفلاً من الرّوم لَا يُحْصى يَقِينا وَلَا ظنا قد اجْتَمعُوا رَأيا وديناً وهمة وعزماً وَإِن كَانُوا قد اخْتلفُوا سنا وأطمعهم فِينَا غرور فأرقلوا إِلَيْنَا سرَاعًا بِالْجِهَادِ وأرقلنا فَمَا بَرحت سمر الرماح تنوشهم بأطرافها حَتَّى استجاروا بِنَا منا سقيناهم كأساً نفت عَنْهُم الْكرَى وَكَيف ينَام اللَّيْل من عدم الأمنا لقد صَبَرُوا صبرا جميلاً ودافعوا طَويلا فَمَا أجدى دفاع وَلَا أغْنى بِمَا الْمَوْت من زرق الأسنة أحمرا فَألْقوا بِأَيْدِيهِم إِلَيْنَا فأحسنا وَمَا برح الْإِحْسَان منا سجية نورثها من صيد آبَائِنَا الإبنا وَقد جربونا قبلهَا فِي وقائع تعلم غمر الْقَوْم منا بهَا الطعنا أسود وغى لَوْلَا وقائع سمرنا لما لبسوا فِيمَا وَلَا سكنوا سجنا وَكم يَوْم حر مَا وقينا هجيره وَكم يَوْم قر مَا طلبنا لَهُ كُنَّا فَإِن نعيم الْملك فِي وَسطه الشقا ينَال وحلو الْعَيْش من مره يجنى يسير بِنَا من آل أَيُّوب ماجد أبي عزمه أَن يسْتَقرّ بِنَا مغنى كريم الثنا عَار عَن الْعَار باسل جميل الْمحيا كَامِل الْحسن وَالْحُسْنَى منحناهم منا حَيَاة جَدِيدَة فعاشوا بأعناق مقلدة منا وَلَو ملكونا لاستباحوا دمائنا ولوغا وَلَكنَّا ملكنا فأسجحنا

стр. 230

وَقَالَ: قسما بِمَا ضمت أباطح مَكَّة وبمن حواه من الحجيج الْموقف لَو لم يقم مُوسَى بنصر مُحَمَّد لرقى على درج الْخطب الأسقف لولاه مَا ذل الصَّلِيب وَأَهله فِي ثغر دمياط وَعز الْمُصحف ووردت أَيْضا قصيدة القَاضِي الْأَجَل بهاء الدّين زُهَيْر بن مُحَمَّد بن عَليّ القَاضِي وَغَيره من الشُّعَرَاء. وفيهَا ملك التتر مراغة وهمذان وأفربيجان وتبريز. وفيهَا مَاتَ الْملك الصَّالح نَاصِر الدّين مَحْمُود بن مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق الأرتقي صَاحب حصن كيفا وَقَامَ من بعده ابْنه الْملك المسعود دَاوُد. وفيهَا ركب الْملك الْكَامِل من قلعة الْجَبَل إِلَى منظرة الصاحب صفي الدّين بن شكر - الَّتِي على الخليج بِمصْر - فِي ذِي الْقعدَة وتحدث مَعَه فِي نفي الْأُمَرَاء الَّذين وافقوا الفائز وَكَانُوا فِي جيزة دمياط لعمارتها فَكتب لَهُم بالتوجه من أَرض مصر إِلَى حَيْثُ شَاءُوا فَمَضَوْا بأجمعهم من الجيزة إِلَى الشَّام وَلم يتَعَرَّض الْملك الْكَامِل لشَيْء من موجودهم وَفرق أخبازهم على مماليكه. وفيهَا مَاتَ أَمِين الدّين مُرْتَفع بن الشعار وَالِي مصر فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث محرم. وَمَات مُتَوَلِّي تونس وبلاد إفريقية الْأَمِير أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص عمر بن يحيى بن أبي حَفْص عمر بن ونودين الهنتاتي فِي يَوْم الْخَمِيس أول الْمحرم وَكَانَ قد

стр. 231

ولي تونس من قبل النَّاصِر أبي عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن يُوسُف العسري بن عبد الْمُؤمن ملك الْمُوَحِّدين فِي سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد قد قدم أكبر بنيه الشَّيْخ أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن بن عبد الْوَاحِد فَقَامَ بِأَمْر تونس حَتَّى قدم أَخُوهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الْوَاحِد مُتَوَلِّيًا إفريقية من قبل الْعَادِل عبد الله بن الْمَنْصُور يَعْقُوب ملك الْمُوَحِّدين فِي خَامِس رَمَضَان مِنْهَا فاستمر أَبُو مُحَمَّد عبد الله حَتَّى قَامَ أَخُوهُ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد. هَذَا والأمير أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص هُوَ أول من قَامَ من الحفصيين بإمرة تونس وَهُوَ جد مُلُوك تونس الحفصيين.

стр. 232

سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة فِيهَا قدم الْأَشْرَف مُوسَى إِلَى مصر فَأَقَامَ بهَا عِنْد أَخِيه السُّلْطَان الْملك الْكَامِل مُدَّة ثمَّ عَاد فِي رَمَضَان. وفيهَا أوقع التتر بالكرج. وفيهَا قدم الْملك المسعود يُوسُف بن الْكَامِل من الْيمن إِلَى مَكَّة فِي ربيع الأول وَقد وَحل عَنْهَا الشريف حسن بن قَتَادَة وَقدم مَعَه رَاجِح بن قَتَادَة إِلَى مَكَّة فَرد الْملك المسعود على أهل الْحجاز أَمْوَالهم ونخلهم وَمَا أَخذ لَهُم من الْحور بِمَكَّة والوادي ثمَّ عَاد إِلَى الْيمن بَعْدَمَا حج وَمنع أَعْلَام الْخَلِيفَة من التَّقَدُّم وَقدم أَعْلَام أَبِيه على أَعْلَام الْخَلِيفَة وبدا مِنْهُ بِمَكَّة مَا لَا يحمد من رمي حمام الْحرم بالبندق من فَوق زَمْزَم وَنَحْو ذَلِك فهم أهل الْعرَاق بقتاله فَلم يقدروا على ذَلِك عَجزا عَنهُ واستناب الْملك المسعود بِمَكَّة الْأَمِير نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول ورتب مَعَه ثَلَاثمِائَة فَارس وَكَانَ الشريف حسن بن قَتَادَة قد نزل يَنْبع وَولي الْملك المسعود أَيْضا راحج بن قَتَادَة السرين وحلى وَنصف المخلاف فَجمع الشريف حسن وَسَار إِلَى مَكَّة وَكسر ابْن رَسُول وَملك مِنْهُ مَكَّة. وفيهَا مَاتَ الْأَمِير عماد الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأَمِير سيف الدّين أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد الهكاري الْمَعْرُوف بِابْن المشطوب أحد الْأُمَرَاء الصلاحية فِي الاعتقال بحران فِي ربيع الآخر.

стр. 233

فارغة

стр. 234

سنة عشْرين وسِتمِائَة فِيهَا أَخذ الْمُعظم عِيسَى المعرة وسليمة ونازل حماة فشق ذَلِك على أَخِيه الْأَشْرَف - وَكَانَ بِمصْر - وتحدث مَعَ الْكَامِل فِي إِنْكَار ذَلِك فَبعث السُّلْطَان الْكَامِل إِلَى الْمُعظم يسْأَله فِي الرحيل عَن حماة فَتَركهَا وَهُوَ حنق. وفيهَا حج الْملك الْجواد وَالْملك الفائز من الْقَاهِرَة وقدما علم الْخَلِيفَة على علم السُّلْطَان الْملك الْكَامِل فِي طُلُوع عَرَفَة. وفيهَا خرج الْأَشْرَف من مصر إِلَى بِلَاده وَمَعَهُ خلع الْملك الْكَامِل والتقليد بسلطة حلب للعزيز نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الظَّاهِر غَازِي فوصل إِلَى حلب فِي شَوَّال وتلقاه الْعَزِيز - وعمره عشر سِنِين - فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْخلْع الكاملية وَحمل الغاشية بَين يَدَيْهِ وَأقَام عِنْده أَيَّامًا ثمَّ سَار إِلَى حران. وفيهَا عَم الْجَرَاد بِلَاد الْعرَاق والجزيرة وديار بكر وَالشَّام. وفيهَا أوقع التتر بالروس. وفيهَا شنق سهم الدّين عِيسَى وَالِي الْقَاهِرَة نَفسه - وَهُوَ معتقل بدار الوزارة - لَيْلَة الْخَمِيس سادس شَوَّال.

стр. 235

فارغة

стр. 236

سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة فِيهَا ملك التتر قُم وقاشان وهمذان. وفيهَا اخْتلف الْحَال بَين المظفر غَازِي صَاحب إربل وَبَين أَخِيه الْأَشْرَف فَخرج الْمُعظم من دمشق يُرِيد محاربة الْأَشْرَف فَبعث إِلَيْهِ الْكَامِل يَقُول لَهُ: إِن تحركت من بلدك سرت وأخذته مِنْك. فخاف وَعَاد إِلَى دمشق. وفيهَا مَاتَ الْوَزير الْأَعَز أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْمَعْرُوف بفخر الدّين مِقْدَام بن شكر فِي آخر شعْبَان بِالْقَاهِرَةِ. وفيهَا أَخذ عَسْكَر مصر يَنْبع من بني حسن وَكَانُوا قد اشتروها بأَرْبعَة آلَاف مِثْقَال فَلم تزل بيد المصريين إِلَى سنة ثَلَاثِينَ.

стр. 237

فارغة

стр. 238

سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة فِيهَا فر الْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن مودود من مصر فِي الْبَحْر خوفًا من عَمه الْملك الْكَامِل وَلحق بعده الْمُعظم. وفيهَا تخوف الْكَامِل من أمرائه لميلهم إِلَى أَخِيه الْملك الْمُعظم فَقبض على جمَاعَة وَبعث إِلَى الطرقات من يحفظها وَبعث عدَّة رسل إِلَى الْمُلُوك الَّذين فِي خدمَة أَخِيه الْأَشْرَف يَأْمُرهُم بالِاتِّفَاقِ وَألا يخالفوه. وفيهَا عَاد السُّلْطَان جلال الدّين بن خورازم شاه عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن تكش إِلَى بِلَاده وَقَوي أمره على التتر وَاسْتولى على عراق الْعَجم وَسَار إِلَى ماردين وَأَخذهَا وَسَار إِلَى خوزستان وشاقق جلال الدّين الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله وَسَار حَتَّى وصل بعقوبا وَبَينهَا وَبَين بَغْدَاد سَبْعَة فراسخ فاستعد الْخَلِيفَة للحصار وَنهب جلال الدّين الْبِلَاد وَأخذ مِنْهَا مَا لَا يَقع عَلَيْهِ حصر وَفعل أشنع مَا يَفْعَله التتر فكاتبه الْملك الْمُعظم وأتفق مَعَه معاندة لِأَخِيهِ الْكَامِل ولأخيه الْملك الْأَشْرَف صَاحب الْبِلَاد الشرقية فسير السُّلْطَان جلال الدّين بن القَاضِي مجد الدّين - قَاضِي الممالك - فِي الرسَالَة إِلَى الْملك الْأَشْرَف ثمَّ إِلَى الْملك الْمُعظم ثمَّ إِلَى الْملك الْكَامِل فَظَاهر بأنواع الفسوق وَسَار جلال الدّين إِلَى عراق الْعَجم فَملك همذان وتيريز وأوقع بالكرج. وفيهَا مَاتَ الْملك الْأَفْضَل عَليّ بن صَلَاح الدّين يُوسُف صَاحب سميساط فَجْأَة بسميساط فِي صفر ومولده بِمصْر يَوْم عيد الْفطر سنة خمس - وَقيل سِتّ - وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَهُوَ أكبر أَوْلَاد أَبِيه وَإِلَيْهِ كَانَت ولَايَة عَهده وَسمع الْأَفْضَل من ابْن عَوْف وَابْن بري واستقل بمملكة دمشق بعد موت أَبِيه فَلم يَنْتَظِم لَهُ أَمر لقلَّة حَظه وَأَخذهَا مِنْهُ أَخُوهُ الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب مصر ثمَّ صَار الْأَفْضَل أتابكاً للمنصور بن الْعَزِيز بِمصْر وَحصر دمشق وَبهَا عَمه الْعَادِل وأشرف على أَخذهَا مِنْهُ فَقطع عَلَيْهِ سوء الْحَظ وَعَاد إِلَى مصر وَفِي أَثَره عَمه الْعَادِل فَانْتزع مِنْهُ مصر وَلم يبْق مَعَه سوى صرخد ثمَّ قصد الْأَفْضَل دمشق ثَانِيًا مَعَ أَخِيه الظَّاهِر غَازِي صَاحب حلب فَلم يتم أَمرهمَا لاختلافهما وَصَارَ بِيَدِهِ سميساط لَا غير. فَلَمَّا مَاتَ أَخُوهُ الظَّاهِر طمع فِي حلب وَخرج إِلَيْهَا مَعَ السُّلْطَان عز الدّين كيكاوس السلجوقي ملك الرّوم فَلم يتم

стр. 239

لَهما أَمر وَعَاد الْأَفْضَل إِلَى سميساط فَلم يزل بهَا يتجرع الْغصَص حَتَّى مَاتَ كمداً وَكَانَ فَاضلا أديباً حَلِيمًا حسن السِّيرَة متجاوزاً يكْتب الْخط الْمليح جَامعا لعدة مَنَاقِب إِلَّا أَنه كَانَ قَلِيل الْحَظ وشعره جيلط كتب إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله - لما انتزع مِنْهُ دمشق أَخُوهُ عُثْمَان وَعَمه الْعَادِل أَبُو بكر - فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة كتابا يشكو إِلَيْهِ اغتصابهما مِيرَاثه من أَبِيه وأوله. مولَايَ إِن أَبَا بكر وَصَاحبه عُثْمَان قد أَخذ بِالسَّيْفِ إِرْث عَليّ فَانْظُر إِلَى حَظّ ههذا اقْسمْ كَيفَ لقى من الْأَوَاخِر مَا لاقي من الأول وَله أَيْضا فِي مَعْنَاهُ: أما آن للسعد الَّذِي أَنا طَالب لإدراكه يَوْمًا يرى وَهُوَ طالبي ترى هَل يريني الدَّهْر أَيدي شيعتي تمكن يَوْمًا من نواصي النواصب فَأَجَابَهُ الْخَلِيفَة بقوله. غصبوا عليا حَقه إِذْ لم يكن بعد النَّبِي لَهُ بِيَثْرِب نَاصِر فابشر فَإِن غَدا يكون حسابهم واصبر فناصرك الإِمَام النَّاصِر وَمن شعره: أيا من يسود شعره بخضابه لعساه من أهل الشبيبة يحصل هَا فاختضب بسواد حظي مرّة وَلَك اللمان بِأَنَّهُ لَا ينصل وَقَامَ من بعده بسميساط أَخُوهُ الْملك الْمفضل قطب الدّين مُوسَى شقيقه فَاخْتلف عَلَيْهِ أَوْلَاد الْأَفْضَل. وفيهَا مَاتَ الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن المستضيئ بِأَمْر الله الْحسن بن المستنجد بِاللَّه يُوسُف فِي ثَانِي شَوَّال ومولده فِي الْعَاشِر من شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَخمسين وخمسائة وَله فِي الحلافة سبع وَأَرْبَعُونَ سنة غير سِتَّة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَكَانَت أمه أم ولد يُقَال لَهَا زمرد وَقيل نرجس وَكَانَ شهماً أبي النَّفس حازماً متيقظاً صَاحب فكر صائب ودهاء ومكر وَكَانَ مهيباً وَله أَصْحَاب أَخْبَار - بالعراق وَفِي الْأَطْرَاف - يطالعونه بجزئيات الْأُمُور وكلياتها فَكَانَ لَا يخفى عَلَيْهِ أَكثر أَحْوَال رَعيته حَتَّى أَن أهل الْعرَاق يخَاف الرجل مِنْهُم أَن يتحدث مَعَ امْرَأَته لما يظنّ أَن ذَلِك يطلع عَلَيْهِ

стр. 240

الخليقة فيعاقب عَلَيْهِ وَعمل شخص دَعْوَة بِبَغْدَاد وَغسل يَده قبل أضيافه فَعلم الْخَلِيفَة بذلك من أَصْحَاب أخباره فَكتب فِي الْجَواب: سوء أدب من صَاحب الْبَلَد وفضول من كَاتب المطالعة. وَكَانَ رَدِيء السِّيرَة فِي رَعيته ظَالِما عسوفاً خرب الْعرَاق فِي أَيَّامه وتفرق أَهله فِي الْبِلَاد فَأخذ أملاكهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ يحب جمع المَال ويباشر الْأُمُور بِنَفسِهِ ويركب بَين النَّاس ويجتمع بهم مَعَ سفكه للدماء وَفعله للأشياء المتضادة: فيغتصب الْأَمْوَال وَيتَصَدَّق وشغف برمي الطير بالبندق وَلبس سراويلات الفتوة وَحمل أهل الْأَمْصَار على ذَلِك وَعمل سَالم بن نصر الله بن وَاصل الْحَمَوِيّ فِي ذَلِك رِسَالَة بديعة وصنف النَّاصِر لدين الله كتابا فِي مروياته سَمَّاهُ روح العارفين وأعده للفقهاء بِمصْر وَالشَّام وَله شعر وَفِي خِلَافَته خرب التتر بِلَاد الْمشرق حَتَّى وصلوا إِلَى همذان وَكَانَ هُوَ السَّبَب فِي ذَلِك فَإِنَّهُ كتب إِلَيْهِم بالعبور إِلَى الْبِلَاد خوفًا من السُّلْطَان عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن خوارزم شاه لما هم بِالِاسْتِيلَاءِ على بَغْدَاد وَأَن يَجْعَلهَا دَار ملكه كَمَا كَانَت السلجوقية وَلم يمت الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله حَتَّى عمي وَقيل كَانَ يبصر بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقَامَ من بعده فِي الْخلَافَة ابْنه الظَّاهِر بِأَمْر الله أَبُو نصر مُحَمَّد - بِعَهْد من أَبِيه - يَوْم مَاتَ أَبوهُ وعمره مَا ينيف على خمسين سنة وَكَانَ يَقُول من يفتح دكانه الْعَصْر مَتى يستفتح. وَلما ولي أظهر الْعدْل وأزال عدَّة مظالم وَأطلق أهل السجون وَظهر للنَّاس وَكَانَ من قبله من الْخُلَفَاء لَا يظهرون إِلَّا نَادرا. وفيهَا وصل الْملك المسعود من الْيمن إِلَى مَكَّة وَمضى إِلَى الْقَاهِرَة من طَرِيق عيذاب فَقدم على أَبِيه الْكَامِل بقلعة الْجَبَل وَمَعَهُ هَدَايَا جليلة. وفيهَا مَاتَ الْوَزير الصاحب صفي الدّين عبد الله بن أبي الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْخَالِق بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن مَنْصُور بن إِبْرَاهِيم بن عمار بن مَنْصُور بن عَليّ الشيبي أَبُو مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن شكر الْفَقِيه الدَّمِيرِيّ الْمَالِكِي فِي يَوْم الْجُمُعَة ثامن شعْبَان - وَقيل شَوَّال - بِالْقَاهِرَةِ وَدفن برباطه مِنْهَا وَكَانَ مولده بدميرة إِحْدَى قرى مصر البحرية فِي تَاسِع صفر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَجمع من ابْن عَوْف وَغَيره وَحدث وَكَانَ جباراً جباها عاتياً عانيا بتقدمة الأراذل وَتَأَخر الأماثل أفقر علقاً كثيرا. وفيهَا قدم الشريف قَاسم الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة بعسكر إِلَى مَكَّة وحصرها نَحْو شهر وَبهَا نواب الْملك الْكَامِل فَلم يتَمَكَّن مِنْهَا بل قتل.

стр. 241

فارغة

стр. 242

(سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة) فِيهَا تأكدت الوحشة بَين الْمُعظم وَبَين أَخَوَيْهِ الْكَامِل والأشرف. وفيهَا بعث الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِأَمْر الله التشاريف لملوك بني أَيُّوب على يَد محيي الدّين أبي المظفر بن الْحَافِظ جمال الدّين أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ: فبمَا بالأشرف مُوسَى صَاحب الْبِلَاد الشرقية وأفاض عَلَيْهِ الْخلْع الخليفتية ثمَّ بالعزيز غياث الدّين مُحَمَّد بن الظَّاهِر صَاحب حلب فَأَفَاضَ عَلَيْهِ فرجية وَاسِعَة الْكمّ سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء مذهبَة وثوباً مطرزاً بِالذَّهَب أَيْضا ثمَّ ألبس الْمُعظم عِيسَى صَاحب دمشق بِدِمَشْق. وَسَار إِلَى الْقَاهِرَة بالتقليد وَالْخلْع للْملك الْكَامِل ولأولاده الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَالْملك المسعود وللصاحب صفي الدّين بن شكر فبرز الْملك الْكَامِل إِلَى ظَاهر الْقَاهِرَة وَلبس الْخلْع الخليفتية هُوَ وولداه. وَكَانَ الصاحب صفي الدّين قد مَاتَ فألبس الْكَامِل الخلعة الَّتِي باسمه للْقَاضِي فَخر الدّين سُلَيْمَان بن مَحْمُود بن أبي غَالب أبي الرّبيع الدِّمَشْقِي كَاتب الْإِنْشَاء وَعبر الْكَامِل من بَاب النَّصْر وشق الْقَاهِرَة إِلَى أَن صعد قلعة الْجَبَل فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وفيهَا قبض الْملك الْكَامِل على أَوْلَاد الصاحب صفي الدّين بن شكر وأحاط بِجَمِيعِ موجوده واعتقل ابنيه تَاج الدّين يُوسُف وَعز الدّين مُحَمَّد فِي قاعة سهم الدّين بدرب الأسواني من الْقَاهِرَة وَلم يستوزر الْكَامِل بعد ابْن شكر أحدا. وفيهَا سَافر الْملك المسعود من الْقَاهِرَة إِلَى الْيمن. وفيهَا كثر وهم الْملك الْكَامِل من عسكره فَإِن الْمُعظم أرسل إِلَيْهِ فِي جملَة كَلَام:

стр. 243

وَإِن قصدتني لَا آخذك إِلَّا بعسكرك. فَوَقع فِي نَفسه الْخَوْف مِمَّن مَعَه وهم آن يخرج من مصر فَلم يَجْسُر وَخرج الْمُعظم فنازل حمص وَخرب قراها ومزارعها وَلم ينل من قلعتها شَيْئا لامتناعها هِيَ وَالْمَدينَة عَلَيْهِ فَلَمَّا طَال مقَامه على حمص رَحل عَنْهَا لما أصَاب عسكره ودوابه من الْمَوْت وَقدم عَلَيْهِ أَخُوهُ الْأَشْرَف جَرِيدَة فسر بِهِ سرُور عَظِيما وأكرمه زَائِدا. وفيهَا مَاتَ الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِأَمْر الله أَبُو نصر مُحَمَّد بن النَّاصِر فِي رَابِع عشر شهر رَجَب فَكَانَت خِلَافَته تِسْعَة أشهر وَتِسْعَة أَيَّام وَكَانَ حسن السِّيرَة كثير الْمَعْرُوف وَاسْتقر فِي الْخلَافَة من بعده ابْنه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وعمره عشرُون سنة فوردت عَلَيْهِ رسل مُلُوك الْأَطْرَاف وَبعث الْملك الْكَامِل فِي الرسَالَة معِين الدّين حسن بن شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين بن حمويه فَلَمَّا قدم بَغْدَاد قَالَ نِيَابَة عَن الْملك الْكَامِل وَهُوَ بَين يَدي الْوَزير مؤيد الدّين أبي الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد القمي: عبد الدولة المقدسة المستنصرية يقبل العتبات الَّتِي يستشفي بتقبيل ثراها ويستكفي بتمسكه من عبوديتها بأوثق عراها ويوالي شكر الله تَعَالَى على إمَاطَة ليل العزاء الَّذِي عَم مصابه بصبح الهناء الَّذِي تمّ نصابه حَتَّى تزحزح عَن شمس الْهدى شفق الإشفاق فَجعل كلمتها الْعليا وَكلمَة معاديها السفلي وزادها شرفاً فِي الْآخِرَة وَالْأولَى. وفيهَا قدم رَسُول عَلَاء الدّين كيقباد ملك الرّوم بتقدمة جليلة إِلَى الْملك الْكَامِل.

стр. 244

سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة فِيهَا سَافر الْأَشْرَف إِلَى بِلَاده من دمشق بَعْدَمَا حلف للمعظم أَنه يعاضده على أَخِيه الْملك الْكَامِل وعَلى الْملك الْمُجَاهِد صَاحب حمص والناصر صَاحب حماة. وفيهَا سَافر رَسُول عَلَاء الدّين كيقباد ملك الرّوم من مصر إِلَى مخدومه. وفيهَا تأكدت الوحشة بَين الْكَامِل وَبَين أَخَوَيْهِ الْمُعظم والأشرف وَخَافَ الْكَامِل من انتماء أَخِيه الْمُعظم إِلَى السُّلْطَان جلال الدّين بن خوارزم شاه فَبعث الْأَمِير فَخر الدّين يُوسُف بن شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين بن حمويه إِلَى ملك الفرنج يُرِيد مِنْهُ أَن يقدم إِلَى عكا ووعده أَن يُعْطه بعض مَا بيد الْمُسلمين من بِلَاد السَّاحِل ليشغل سر أَخِيه الْمُعظم فتجهز الإمبراطور ملك الفرنج لقصد السَّاحِل وَبلغ ذَلِك الْمُعظم فَكتب إِلَى السُّلْطَان جلال الدّين يسْأَله النجدة على أَخِيه الْكَامِل ووعده أَن يخْطب لَهُ وَيضْرب السِّكَّة بأسمه فسير إِلَيْهِ جلال الدّين خلعة لبسهَا وشق بهَا دمشق وَقطع الْخطْبَة للْملك الْكَامِل فَبلغ ذَلِك الْكَامِل فَخرج من الْقَاهِرَة بعساكره وَنزل بلبيس فِي شهر رَمَضَان فَبعث إِلَيْهِ الْمُعظم: إِنِّي نذرت لله تَعَالَى أَن كل مرحلة ترحلها لقصدي أَتصدق بِأَلف دِينَار فَإِن جَمِيع عسكرك معي وكتبهم عِنْدِي وَأَنا آخذك بعسكرك وَكتب الْمُعظم مُكَاتبَة بِهَذَا فِي السِّرّ وَمَعَهَا مُكَاتبَة فِي الظَّاهِر فِيهَا: بِأَنِّي مملوكك وَمَا خرجت عَن محبتك وطاعتك وحاشاك أَن تخرج وتقابلني وَأَنا أول من أنجدك وَحضر إِلَى خدمتك من جَمِيع مُلُوك الشَّام والشرق فأظهر الْكَامِل هَذَا بَين الْأُمَرَاء وَرجع من العباسة إِلَى قلعة الْجَبَل وَقبض على عدَّة من الْأُمَرَاء ومماليك أَبِيه لمكاتبتهم الْمُعظم: مِنْهُم فَخر ألطبنا الحبيشي وفخر الدّين ألطن الفيومي - وَكَانَ أَمِير جانداره وَقبض أَيْضا على عشرَة أُمَرَاء من البحرية العادلية واعتقلهم وَأخذ سَائِر موجودهم وَأنْفق فِي الْعَسْكَر ليسير إِلَى دمشق. وفيهَا وصل رَسُول ملك الفرنج بهدية سنية وتحف غَرِيبَة إِلَى الْملك الْكَامِل وَكَانَ فِيهَا عدَّة خُيُول مِنْهَا فرس الْملك بمركب ذهب مرصع بجوهر فاخر فَتَلقاهُ الْكَامِل بالإقامات من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى الْقَاهِرَة وتلقاه بِالْقربِ من الْقَاهِرَة بِنَفسِهِ وأكرمه إِكْرَاما زَائِدا وأنزله فِي دَار الْوَزير صفي الدّين بن شكر واهتم الْكَامِل بتجهيز هَدِيَّة سنية إِلَى ملك الفرنج فِيهَا من تحف الْهِنْد واليمن وَالْعراق وَالشَّام ومصر والعجم مَا قِيمَته أَضْعَاف مَا سيره وفيهَا سرج من ذهب وفيهَا جَوْهَر بِعشْرَة آلف دِينَار مصرية وَعين الْكَامِل للسير بِهَذِهِ الْهَدِيَّة جمال الدّين بن منقذ الشيزري.

стр. 245

وفيهَا وصل رَسُول الأشكري فِي الْبَحْر إِلَى الْملك الْكَامِل فَسَار الْمُعظم من دمشق لتخريب الْقُدس فخرب قلاعا وعدة صهاريج بالقدس لما بلغه من حَرَكَة ملك الفرنج. وفيهَا جهز الْملك الْكَامِل كَمَال الدّين ومعين الدّين ولدى شيخ الشُّيُوخ ابْن حمويه - ومعهما الشريف شمس الدّين الأرموي قَاضِي الْعَسْكَر - إِلَى الْمُعظم وَأمر السُّلْطَان الْكَامِل أَن يسير الْكَمَال بِجَوَاب الْمُعظم إِلَى الْملك الْمُجَاهِد أَسد الدّين شركوه بحمص ويعرفه الْحَال وَأَن يتَوَجَّه الْمعِين إِلَى بَغْدَاد برسالة إِلَى الْخَلِيفَة فتوجها فِي شعْبَان. وفيهَا اتّفق عيد الْفطر يَوْم عيد الْيَهُود وَعِيد النَّصَارَى. وفيهَا ختن الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن الْملك الْكَامِل فِي تَاسِع شَوَّال. وفيهَا مَاتَ الْملك الْمُعظم أَبُو الْفَتْح عِيسَى بن الْملك الْعَادِل صَاحب دمشق يَوْم الْجُمُعَة سلخ ذِي الْقعدَة بِدِمَشْق وَدفن بقلعتها ثمَّ نقل إِلَى الصالحية ومولده بِدِمَشْق فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ قد خافه الْملك الْكَامِل فسر بِمَوْتِهِ وَكَانَ كَرِيمًا شجاعاً أديباً لينًا فَقِيها متغالياً فِي التعصب لمنصب أبي حنيفَة ﵀ وشارك فِي النَّحْو وَغَيره وَقَالَ لَهُ أَبوهُ مرّة: كَيفَ اخْتَرْت مَذْهَب أبي حنيفَة وَأهْلك كلهم شافعية فَقَالَ: ياخوند أما ترغبون أَن يكون فِيكُم رجل وَاحِد مُسلم. وصنف كتابا سَمَّاهُ السهْم الْمُصِيب فِي الرَّد على الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ أبي بكر أَحْمد بن ثَابت فِيمَا تكلم بِهِ فِي حق أبي حنيفَة وَفِي تَارِيخ بَغْدَاد. وَكَانَ مقداماً لَا يفكر فِي عَاقِبَة جباراً مطرحاً للملابس وَهُوَ الَّذِي أطمع الْخَوَارِزْمِيّ فِي الْبِلَاد وَكَانَت مُدَّة ملكه - بعد أَبِيه - ثَمَانِي سِنِين وَسَبْعَة أشهر غير ثَمَانِيَة أَيَّام فَقَامَ من بعده ابْنه الْملك النَّاصِر دَاوُد وعمره إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وسير النَّاصِر كتبه إِلَى عَمه الْملك الْكَامِل فَجَلَسَ الْكَامِل للعزاء وَشر إِلَيْهِ الْأَمِير عَلَاء الدّين بن شُجَاع الدّين جِلْدك المظفري التَّقْوَى بالخلعة وسنجق السلطة وَكتب مَعَه بِمَا طيب قلبه فَلبس النَّاصِر خلعة الْكَامِل وَركب بالسنجق ثمَّ أرسل إِلَيْهِ الْكَامِل يُرِيد مِنْهُ أَن يتْرك لَهُ قلعة الشوبك ليجعلها خزانَة لَهُ فَامْتنعَ من ذَلِك وَبِهَذَا وَقعت الوحشة بَينه وَبَين عَمه الْكَامِل.

стр. 246

وفيهَا أَمر الْملك الْكَامِل بتخريب مَدِينَة تنيس فخربت أَرْكَانهَا الحصينة وعمائرها المكينة وَلم يكن بديار مصر أحسن مِنْهَا واستمرت من حِينَئِذٍ خرابا. وَفِي شهر رَجَب من هَذِه السّنة: دَعَا لنَفسِهِ بتونس الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وتلقب بالسلطان السعيد فَلم ينازعه أحد فِي مملكة إفريقية وَكَانَ قد ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن.

стр. 247

فارغة

стр. 248

سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة فِيهَا سير الْملك الْكَامِل شيخ الشُّيُوخ ابْن حمويه بِالْخلْعِ إِلَى ابْن أَخِيه النَّاصِر دَاوُد ابْن الْمُعظم بِدِمَشْق فَحمل الرَّسُول الغاشية بَين يَدَيْهِ ثمَّ حلهَا عماه: الْملك الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب بانياس وَالْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل صَاحب بصرى. وفيهَا استوحش الْملك الْكَامِل من أَخِيه النَّاصِر دَاوُد وعزم على قَصده وَأخذ دمشق مِنْهُ وعهد الْكَامِل إِلَى ابْنه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بالسلطنة من بعده بديار مصر وأركبه بشعار السلطنة - وشق الصَّالح الْقَاهِرَة وحملت الغاشية بَين يَدَيْهِ تداول حملهَا الْأُمَرَاء بالنوبة - وأنزله بدار الوزارة وعمره يَوْمئِذٍ نَحْو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة. وفيهَا ظلم الأمجد بهْرَام شاه بن عز الدّين فرخشاه - صَاحب بعلبك - وتعدى وَأخذ أَمْوَال أهل بعلبك وَأَوْلَادهمْ فَقَامَ عدَّة من جنده مَعَ الْعَزِيز فَخر الدّين عُثْمَان بن الْعَادِل فِي تَسْلِيمه بعلبك فَسَار الْعَزِيز إِلَيْهَا ونازلها فَقبض الأمجد على أُولَئِكَ الَّذين قَامُوا مَعَه وَقتل بَعضهم واعتقل باقيهم ثمَّ إِن النَّاصِر دَاوُد صَاحب دمشق بعث إِلَيْهِ من رَحْله عَن بعلبك قهرا فَغَضب وَسَار إِلَى الْملك الْكَامِل ملتجئاً إِلَيْهِ فسر بِهِ الْكَامِل ووعده بانتزاع بعلبك من الأمجد وتسليمها إِلَيْهِ. وفيهَا ظلم النَّاصِر دَاوُد أهل دمشق وَأخذ أَمْوَالهم واشتغل باللهو وَأعْرض عَن مصَالح الدولة فشق ذَلِك على الْكَامِل وَجعله سَببا يؤاخذه بِهِ وتجهز فِي شهر رَجَب للسير لمحاربته واستناب على مصر ابْنه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَأقَام مَعَه الْأَمِير فَخر الدّين يُوسُف بن شيخ الشُّيُوخ ليحصل الْأَمْوَال وَيُدبر أُمُور المملكة وَخرج الْكَامِل من الْقَاهِرَة يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شعْبَان - فِي عساكره المتوافرة - وَمَعَهُ المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور وَقد وعده أَن يُسلمهُ حماة وَكَانَت بيد أَخِيه قلج أرسلان وَالْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن مودود بن الْعَادِل وَكَانَ قد رباه عَمه الْملك الْكَامِل بعد موت أَبِيه وأقطعه الْبحيرَة من ديار مصر فَلَمَّا بلغ النَّاصِر

стр. 249

خُرُوج عَمه لم يمل إِلَى استعطافه والتجأ إِلَى عَمه الْأَشْرَف فَسَار الْكَامِل بالعسكر والعربان إِلَى تل العجول وَبعث مِنْهَا إِلَى نابلس والقدس وأعمالها وَشر الْكَامِل الْأَمِير حسام الدّين أَبَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ الهذباني - أحد أَصْحَاب المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود - إِلَى الْقَاهِرَة فاستخدمه الْملك الصَّالح وَجعله أستاداره فاستولت أَصْحَاب الْملك الْكَامِل على نابلس والقدس وَبلغ ذَلِك النَّاصِر فَحلف عسكره واستعد للحرب وَقدم إِلَيْهِ عَمه الصَّالح صَاحب بصرى والأمير عز الدّين أيبك من صرخد وَأَصله مَمْلُوك أَبِيه الْمُعظم فَقَوِيت بهما نَفسه وسير بالناصر يَسْتَدْعِي عَمه الْأَشْرَف من لبلاد الشرقية مَعَ الْأَمِير عماد الدّين بن موسك وفخر الْقُضَاة نصر الله بن بصاقة وأردفهما بالأشرف بن القَاضِي الْفَاضِل فَأجَاب الْأَشْرَف إِلَى معاونته واستناب فِي بِلَاده الْملك الْحَافِظ بن الْعَادِل وَسَار إِلَى دمشق فَتَلقاهُ قلج أرسلان صَاحب حماة من سليمَة بأموال وخيول وتلقاه أَسد الدّين شركوه صَاحب حمص وَأَوْلَاده وَقدم لأشرف إِلَى دمشق فَتَلقاهُ النَّاصِر فِي أخريات شهر رَمَضَان وزين دمشق لقدومه فَدخل القلعة وَعَلِيهِ شاش علم كَبِير وَهُوَ مشدود الْوسط بمنديل وَقد سر النَّاصِر بِهِ سُرُورًا كَبِيرا وَحكمه فِي بِلَاده وأمواله فأعجب الْأَشْرَف بِدِمَشْق وَعمل فِي الْبَاطِن على انتزاعها لنَفسِهِ من النَّاصِر ثمَّ قدم إِلَى خدمَة الْأَشْرَف بِدِمَشْق الْمُجَاهِد أَسد الدّين شركوه بن مُحَمَّد صَاحب حمص وَسَار الْعَزِيز بن الْعَادِل إِلَى خدمَة الْملك الْكَامِل وَهُوَ فِي الطَّرِيق فسر بقدومه وَأَعْطَاهُ شَيْئا كثيرا وسير الْأَشْرَف إِلَى الْكَامِل الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قلج يشفع فِي النَّاصِر وَيطْلب مِنْهُ إبْقَاء دمشق عَلَيْهِ وَيَقُول: إِنَّا كلنا فِي طَاعَتك وَلم نخرج عَن موافقتك فَأكْرم الْملك الْكَامِل الرَّسُول ثمَّ سَار الْأَشْرَف - وَمَعَهُ النَّاصِر - من دمشق يُريدَان ملاقاة الْملك الْكَامِل والترامي عَلَيْهِ ليصلح الْأَشْرَف الْأَمر بَينهمَا فَلَمَّا بلغ الْكَامِل مسيرهما شقّ عَلَيْهِ ورحل من نابلس يُرِيد الْعود إِلَى الْقَاهِرَة فَنزل الْأَشْرَف والناصر بنابلس فَأَقَامَ بهَا النَّاصِر وَمضى الْأَشْرَف والمجاهد إِلَى الْكَامِل فَبَلغهُ قدوم الْأَشْرَف وَهُوَ بتل العجول فَقَامَ إِلَى لِقَائِه وَقدم بِهِ إِلَى مُعَسْكَره وَنزلا فَكَانَ الِاتِّفَاق بَينهمَا على انتزاع دمشق من ابْن أخيهما النَّاصِر دَاوُد وَأَن تكون للْملك الْأَشْرَف وَمَا مَعهَا إِلَى عقبَة فيق وَيكون للكامل مَا بَين عقبَة فيق وغزة من الْبِلَاد والحصون وَهُوَ الْفَتْح الصلاحي بأسره وَيكون للناصر عوضا من دمشق - حران والرقة وسروج رَأس عين وَهِي مَا كَانَ مَعَ

стр. 250

الْأَشْرَف وَأَن تنْزع بعلبك من الأمجد بهْرَام وتعطى لأخيهما الْعَزِيز عُثْمَان وَأَن تنْزع حماة من الْملك النَّاصِر قلج أرسلان بن الْمَنْصُور وتعطى للمظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور وَأَن تُؤْخَذ من المظفر سليمَة وتضاف إِلَى الْمُجَاهِد صَاحب حمص. وفيهَا مَاتَ طاغية الْمغل والتتر جنكزخان بِالْقربِ من صارو بالق وَحمل مَيتا إِلَى كرْسِي ملك الخطا. ورتب بعده ابْنه الْأَصْغَر عوضه خَانا كَبِيرا على كرْسِي مملكة الخطا وَأخذ إخْوَته الثَّلَاثَة بَقِيَّة الأقاليم. وفيهَا خرج التتار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام فَكَانَت لَهُم عدَّة حروب مَعَ السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه كسر فِيهَا غير مرّة ثمَّ ظفر أخيراً بهم وَهَزَمَهُمْ فَلَمَّا خلا سره مِنْهُم سَار إِلَى خلاط - من بِلَاد الْأَشْرَف - فنهب وَسبي الْحَرِيم واسترق الْأَوْلَاد وَقتل الرِّجَال وَخرب الْقرى وَفعل مَا لَا يَفْعَله أهل الْكفْر ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده وَقد زلزل بِلَاد حران والرها وَمَا هُنَالك ورحل أهل سروج إِلَى منبج وَكَانَ قد عزم على قصد بِلَاد الشَّام لَكِن صرفه الله عَنْهَا. وفيهَا قُم الإمبراطور ملك الفرنج إِلَى عكا باستدعاء الْملك الْكَامِل لَهُ - كَمَا تقدم - ليشغل سر أَخِيه الْمُعظم فاتفق موت الْمُعظم وَلما وصل ملك الفرنج إِلَى عكا بعث رَسُوله إِلَى الْملك الْكَامِل وَأمره أَن يَقُول لَهُ: الْملك يَقُول لَك كَانَ الْجيد والمصلحة للْمُسلمين أَن يبلوا كل شَيْء وَلَا أجيء إِلَيْهِم والآن فقد كُنْتُم بذلتم لنائبي - فِي زمن حِصَار دمياط - السَّاحِل كُله وَإِطْلَاق الْحُقُوق بالإسكندرية وَمَا فعلنَا وَقد فعل الله لكم مَا فعل من ظفركم وإعادتها إِلَيْكُم. وَمن نائبي إِن هُوَ إِلَّا أقل غلماني فَلَا أقل من إعطائي مَا كُنْتُم بذلتموه لَهُ. فتحير الْملك الْكَامِل وَلم يُمكنهُ دَفعه وَلَا محاربته لما كَانَ تقدم بَينهمَا من الِاتِّفَاق فراسله ولاطفه وسفر بَينهمَا الْأَمِير فَخر الدّين بن الشَّيْخ وَشرع الفرنج فِي عمَارَة صيداء - وَكَانَت مُنَاصَفَة بَين الْمُسلمين والفرنج وسورها خراب - فعمروها وأزالوا من فِيهَا من الْمُسلمين وَخرجت السّنة والكامل على تل العجول وَملك الفرنج بعكا وَالرسل تَتَرَدَّد بَينهمَا.
следующие страницы →