← Тараджим

Тараджим · id 6667

السلوك لمعرفة دول الملوك

المقريزي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وفيهَا أَمر الْملك الْكَامِل بتخريب مَدِينَة تنيس فخربت أَرْكَانهَا الحصينة وعمائرها المكينة وَلم يكن بديار مصر أحسن مِنْهَا واستمرت من حِينَئِذٍ خرابا. وَفِي شهر رَجَب من هَذِه السّنة: دَعَا لنَفسِهِ بتونس الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وتلقب بالسلطان السعيد فَلم ينازعه أحد فِي مملكة إفريقية وَكَانَ قد ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن.

стр. 247

فارغة

стр. 248

سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة فِيهَا سير الْملك الْكَامِل شيخ الشُّيُوخ ابْن حمويه بِالْخلْعِ إِلَى ابْن أَخِيه النَّاصِر دَاوُد ابْن الْمُعظم بِدِمَشْق فَحمل الرَّسُول الغاشية بَين يَدَيْهِ ثمَّ حلهَا عماه: الْملك الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب بانياس وَالْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل صَاحب بصرى. وفيهَا استوحش الْملك الْكَامِل من أَخِيه النَّاصِر دَاوُد وعزم على قَصده وَأخذ دمشق مِنْهُ وعهد الْكَامِل إِلَى ابْنه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بالسلطنة من بعده بديار مصر وأركبه بشعار السلطنة - وشق الصَّالح الْقَاهِرَة وحملت الغاشية بَين يَدَيْهِ تداول حملهَا الْأُمَرَاء بالنوبة - وأنزله بدار الوزارة وعمره يَوْمئِذٍ نَحْو اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة. وفيهَا ظلم الأمجد بهْرَام شاه بن عز الدّين فرخشاه - صَاحب بعلبك - وتعدى وَأخذ أَمْوَال أهل بعلبك وَأَوْلَادهمْ فَقَامَ عدَّة من جنده مَعَ الْعَزِيز فَخر الدّين عُثْمَان بن الْعَادِل فِي تَسْلِيمه بعلبك فَسَار الْعَزِيز إِلَيْهَا ونازلها فَقبض الأمجد على أُولَئِكَ الَّذين قَامُوا مَعَه وَقتل بَعضهم واعتقل باقيهم ثمَّ إِن النَّاصِر دَاوُد صَاحب دمشق بعث إِلَيْهِ من رَحْله عَن بعلبك قهرا فَغَضب وَسَار إِلَى الْملك الْكَامِل ملتجئاً إِلَيْهِ فسر بِهِ الْكَامِل ووعده بانتزاع بعلبك من الأمجد وتسليمها إِلَيْهِ. وفيهَا ظلم النَّاصِر دَاوُد أهل دمشق وَأخذ أَمْوَالهم واشتغل باللهو وَأعْرض عَن مصَالح الدولة فشق ذَلِك على الْكَامِل وَجعله سَببا يؤاخذه بِهِ وتجهز فِي شهر رَجَب للسير لمحاربته واستناب على مصر ابْنه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَأقَام مَعَه الْأَمِير فَخر الدّين يُوسُف بن شيخ الشُّيُوخ ليحصل الْأَمْوَال وَيُدبر أُمُور المملكة وَخرج الْكَامِل من الْقَاهِرَة يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شعْبَان - فِي عساكره المتوافرة - وَمَعَهُ المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور وَقد وعده أَن يُسلمهُ حماة وَكَانَت بيد أَخِيه قلج أرسلان وَالْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن مودود بن الْعَادِل وَكَانَ قد رباه عَمه الْملك الْكَامِل بعد موت أَبِيه وأقطعه الْبحيرَة من ديار مصر فَلَمَّا بلغ النَّاصِر

стр. 249

خُرُوج عَمه لم يمل إِلَى استعطافه والتجأ إِلَى عَمه الْأَشْرَف فَسَار الْكَامِل بالعسكر والعربان إِلَى تل العجول وَبعث مِنْهَا إِلَى نابلس والقدس وأعمالها وَشر الْكَامِل الْأَمِير حسام الدّين أَبَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ الهذباني - أحد أَصْحَاب المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود - إِلَى الْقَاهِرَة فاستخدمه الْملك الصَّالح وَجعله أستاداره فاستولت أَصْحَاب الْملك الْكَامِل على نابلس والقدس وَبلغ ذَلِك النَّاصِر فَحلف عسكره واستعد للحرب وَقدم إِلَيْهِ عَمه الصَّالح صَاحب بصرى والأمير عز الدّين أيبك من صرخد وَأَصله مَمْلُوك أَبِيه الْمُعظم فَقَوِيت بهما نَفسه وسير بالناصر يَسْتَدْعِي عَمه الْأَشْرَف من لبلاد الشرقية مَعَ الْأَمِير عماد الدّين بن موسك وفخر الْقُضَاة نصر الله بن بصاقة وأردفهما بالأشرف بن القَاضِي الْفَاضِل فَأجَاب الْأَشْرَف إِلَى معاونته واستناب فِي بِلَاده الْملك الْحَافِظ بن الْعَادِل وَسَار إِلَى دمشق فَتَلقاهُ قلج أرسلان صَاحب حماة من سليمَة بأموال وخيول وتلقاه أَسد الدّين شركوه صَاحب حمص وَأَوْلَاده وَقدم لأشرف إِلَى دمشق فَتَلقاهُ النَّاصِر فِي أخريات شهر رَمَضَان وزين دمشق لقدومه فَدخل القلعة وَعَلِيهِ شاش علم كَبِير وَهُوَ مشدود الْوسط بمنديل وَقد سر النَّاصِر بِهِ سُرُورًا كَبِيرا وَحكمه فِي بِلَاده وأمواله فأعجب الْأَشْرَف بِدِمَشْق وَعمل فِي الْبَاطِن على انتزاعها لنَفسِهِ من النَّاصِر ثمَّ قدم إِلَى خدمَة الْأَشْرَف بِدِمَشْق الْمُجَاهِد أَسد الدّين شركوه بن مُحَمَّد صَاحب حمص وَسَار الْعَزِيز بن الْعَادِل إِلَى خدمَة الْملك الْكَامِل وَهُوَ فِي الطَّرِيق فسر بقدومه وَأَعْطَاهُ شَيْئا كثيرا وسير الْأَشْرَف إِلَى الْكَامِل الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قلج يشفع فِي النَّاصِر وَيطْلب مِنْهُ إبْقَاء دمشق عَلَيْهِ وَيَقُول: إِنَّا كلنا فِي طَاعَتك وَلم نخرج عَن موافقتك فَأكْرم الْملك الْكَامِل الرَّسُول ثمَّ سَار الْأَشْرَف - وَمَعَهُ النَّاصِر - من دمشق يُريدَان ملاقاة الْملك الْكَامِل والترامي عَلَيْهِ ليصلح الْأَشْرَف الْأَمر بَينهمَا فَلَمَّا بلغ الْكَامِل مسيرهما شقّ عَلَيْهِ ورحل من نابلس يُرِيد الْعود إِلَى الْقَاهِرَة فَنزل الْأَشْرَف والناصر بنابلس فَأَقَامَ بهَا النَّاصِر وَمضى الْأَشْرَف والمجاهد إِلَى الْكَامِل فَبَلغهُ قدوم الْأَشْرَف وَهُوَ بتل العجول فَقَامَ إِلَى لِقَائِه وَقدم بِهِ إِلَى مُعَسْكَره وَنزلا فَكَانَ الِاتِّفَاق بَينهمَا على انتزاع دمشق من ابْن أخيهما النَّاصِر دَاوُد وَأَن تكون للْملك الْأَشْرَف وَمَا مَعهَا إِلَى عقبَة فيق وَيكون للكامل مَا بَين عقبَة فيق وغزة من الْبِلَاد والحصون وَهُوَ الْفَتْح الصلاحي بأسره وَيكون للناصر عوضا من دمشق - حران والرقة وسروج رَأس عين وَهِي مَا كَانَ مَعَ

стр. 250

الْأَشْرَف وَأَن تنْزع بعلبك من الأمجد بهْرَام وتعطى لأخيهما الْعَزِيز عُثْمَان وَأَن تنْزع حماة من الْملك النَّاصِر قلج أرسلان بن الْمَنْصُور وتعطى للمظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور وَأَن تُؤْخَذ من المظفر سليمَة وتضاف إِلَى الْمُجَاهِد صَاحب حمص. وفيهَا مَاتَ طاغية الْمغل والتتر جنكزخان بِالْقربِ من صارو بالق وَحمل مَيتا إِلَى كرْسِي ملك الخطا. ورتب بعده ابْنه الْأَصْغَر عوضه خَانا كَبِيرا على كرْسِي مملكة الخطا وَأخذ إخْوَته الثَّلَاثَة بَقِيَّة الأقاليم. وفيهَا خرج التتار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام فَكَانَت لَهُم عدَّة حروب مَعَ السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه كسر فِيهَا غير مرّة ثمَّ ظفر أخيراً بهم وَهَزَمَهُمْ فَلَمَّا خلا سره مِنْهُم سَار إِلَى خلاط - من بِلَاد الْأَشْرَف - فنهب وَسبي الْحَرِيم واسترق الْأَوْلَاد وَقتل الرِّجَال وَخرب الْقرى وَفعل مَا لَا يَفْعَله أهل الْكفْر ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده وَقد زلزل بِلَاد حران والرها وَمَا هُنَالك ورحل أهل سروج إِلَى منبج وَكَانَ قد عزم على قصد بِلَاد الشَّام لَكِن صرفه الله عَنْهَا. وفيهَا قُم الإمبراطور ملك الفرنج إِلَى عكا باستدعاء الْملك الْكَامِل لَهُ - كَمَا تقدم - ليشغل سر أَخِيه الْمُعظم فاتفق موت الْمُعظم وَلما وصل ملك الفرنج إِلَى عكا بعث رَسُوله إِلَى الْملك الْكَامِل وَأمره أَن يَقُول لَهُ: الْملك يَقُول لَك كَانَ الْجيد والمصلحة للْمُسلمين أَن يبلوا كل شَيْء وَلَا أجيء إِلَيْهِم والآن فقد كُنْتُم بذلتم لنائبي - فِي زمن حِصَار دمياط - السَّاحِل كُله وَإِطْلَاق الْحُقُوق بالإسكندرية وَمَا فعلنَا وَقد فعل الله لكم مَا فعل من ظفركم وإعادتها إِلَيْكُم. وَمن نائبي إِن هُوَ إِلَّا أقل غلماني فَلَا أقل من إعطائي مَا كُنْتُم بذلتموه لَهُ. فتحير الْملك الْكَامِل وَلم يُمكنهُ دَفعه وَلَا محاربته لما كَانَ تقدم بَينهمَا من الِاتِّفَاق فراسله ولاطفه وسفر بَينهمَا الْأَمِير فَخر الدّين بن الشَّيْخ وَشرع الفرنج فِي عمَارَة صيداء - وَكَانَت مُنَاصَفَة بَين الْمُسلمين والفرنج وسورها خراب - فعمروها وأزالوا من فِيهَا من الْمُسلمين وَخرجت السّنة والكامل على تل العجول وَملك الفرنج بعكا وَالرسل تَتَرَدَّد بَينهمَا.

стр. 251

فارغة

стр. 252

سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة فِيهَا غلت الأسعار بالسَّاحل ودمشق ووصلت نجدة من حلب إِلَى الْغَوْر. وفيهَا قفز الْأَمِير عز الدّين أيدمر المعظمي إِلَى الْملك الْكَامِل فَأحْسن إِلَيْهِ. فَفَارَقَ النَّاصِر دَاوُد من نابلس لما بلغه اتِّفَاق الْأَشْرَف مَعَ الْكَامِل عَلَيْهِ وَعَاد إِلَى دمشق فَبلغ الْأَشْرَف وَهُوَ بتل العجول ذَلِك فَسَار ليدركه فوافاه بقصير ابْن معِين الدّين من الْغَوْر تَحت عقبَة فيق وأعلمه الْأَشْرَف - بِحُضُور الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وَالْملك المغيث والأمير عز الدّين أيبك المعظمي - أَنه اجْتمع بِالْملكِ الْكَامِل للإصلاح بَينهمَا. وَأَنه اجْتهد وحرص على أَن يرجع عَنْك فَامْتنعَ وَأبي إِلَّا أَن يَأْخُذ دمشق وَأَنت تعلم أَنه سُلْطَان الْبَيْت وَكَبِيرهمْ وَصَاحب الديار المصرية وَلَا يُمكن الْخُرُوج عَمَّا يَأْمر بِهِ وَقد وَقع الِاتِّفَاق على أَن تسلم إِلَيْهِ دمشق وتعوض عَنْهَا من الشرق كَذَا وَذكر مَا وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ فَلَمَّا فرغ الْأَشْرَف من كَلَامه قَامَ الْأَمِير عز الدّين أيبك وَهُوَ أكبر أَمِير مَعَ النَّاصِر دَاوُد وَقَالَ: لَا كيد وَلَا كَرَامَة وَلَا نسلم من الْبِلَاد حجرا وَاحِدًا وَنحن قادرون على دفع الْجَمِيع ومقاومتهم ومعنا العساكر المتوافرة وَأمر الْملك النَّاصِر بالركوب فركبا وقوضت الْخيام وسارا إِلَى دمشق وتحالف على النَّاصِر عَمه الصَّالح وَابْن عَمه المغيث وَلما وصل النَّاصِر إِلَى دمشق استعد للحصار وَقَامَ مَعَه أهل الْبَلَد لمحبتهم فِي أَبِيه وَسَار الْأَشْرَف بِمن مَعَه وحاصر دمشق وَقطع عَنْهَا أنهارها - باناس والقنوات وَيزِيد وثورا - فَخرج إِلَيْهِ الْعَسْكَر وَأهل الْبَلَد وحاربوه وَفِي أثْنَاء ذَلِك كثر تردد الْأَمِير فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ والشريف شمس الدّين الأرموي قَاضِي الْعَسْكَر بَين الإمبراطور فردريك ملك الفرنج إِلَى أَن وَقع الِاتِّفَاق أَن ملك الفرنج يَأْخُذ الْقُدس من الْمُسلمين ويبقيها على مَا هِيَ من الخراب وَلَا يجدد سورها وَأَن يكون سَائِر قوى الْقُدس للْمُسلمين لَا حكم فِيهَا للفرنج وَأَن الْحرم بِمَا حواه من الصَّخْرَة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى - يكون بأيدي الْمُسلمين لَا يدْخلهُ الفرنج إِلَّا للزيارة فَقَط ويتولاه قوام من الْمُسلمين ويقيمون فِيهِ شعار الْإِسْلَام من الْأَذَان وَالصَّلَاة وَأَن تكون الْقرى الَّتِي فِيمَا بَين عكا وَبَين يافا وَبَين الْقُدس بأيدي الفرنج دون مَا عَداهَا من

стр. 253

قرى الْقُدس وَذَلِكَ أَن الْكَامِل تورط مَعَ ملك الفرنج وَخَافَ من غائلته عَجزا عَن مقاومته فأرضاه بذلك وَصَارَ يَقُول: إِنَّا لم بسمح للفرنج إِلَّا بكنائس وأدر خراب وَالْمَسْجِد على حَاله وشعار الْإِسْلَام قَائِم ووالي الْمُسلمين متحكم فِي الْأَعْمَال والضياع. فَلَمَّا اتفقَا على ذَلِك عقدت الْهُدْنَة بَينهمَا مُدَّة عشر سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَأَرْبَعين يَوْمًا أَولهَا ثامن عشري شهر ربيع الأول من هَذِه السّنة وَاعْتذر ملك الفرنج للأمير فَخر الدّين بِأَنَّهُ لَوْلَا يخَاف انكسار جاهه مَا كلف السُّلْطَان شَيْئا من ذَلِك وَأَنه مَا لَهُ غَرَض فِي الْقُدس وَلَا غَيره وَإِنَّمَا قصد حفظ ناموسه عِنْد الفرنج وَحلف الْملك الْكَامِل وَملك الفرنج على مَا تقرر وَبعث السُّلْطَان فَنُوديَ بالقدس بِخُرُوج الْمُسلمين مِنْهُ وتسليمه إِلَى الفرنج فَاشْتَدَّ الْبكاء وَعظم الصُّرَاخ والعويل وَحضر الْأَئِمَّة والمؤذنون من الْقُدس إِلَى مخيم الْكَامِل وأذنوا على بَابه فِي غير وَقت الْأَذَان فعز عَلَيْهِ ذَلِك وَأمر بِأخذ مَا كَانَ مَعَهم من الستور والقناديل الْفضة والآلات وزجرهم. وَقيل لَهُم: امضوا إِلَى حَيْثُ شِئْتُم فَعظم على أهل الْإِسْلَام هَذَا الْبلَاء وَاشْتَدَّ الْإِنْكَار على الْملك الْكَامِل وَكَثُرت الشناعات عَلَيْهِ فِي سَائِر الأقطار وَبعث الإمبراطور بعد ذَلِك يطْلب تبنين وأعمالها فسلمها الْكَامِل لَهُ فَبعث يسْتَأْذن فِي دُخُول الْقُدس فَأَجَابَهُ الْكَامِل إِلَى مَا طلبه وسير القَاضِي شمس الدّين قَاضِي نابلس فِي خدمته فَسَار مَعَه إِلَى الْمَسْجِد بالقدس وَطَاف مَعَه مَا فِيهِ من المزارات واعجب الأمبراطوار بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وبقبة الصَّخْرَة وَصعد درج الْمِنْبَر فَرَأى قسيساً بِيَدِهِ الْإِنْجِيل وَقد قصد دُخُول الْمَسْجِد الْأَقْصَى فزجره وَأنكر مَجِيئه وَأقسم لَئِن عَاد أحد من الفرنج يدْخل هُنَا بِغَيْر إِذن ليأخذن مَا فِيهِ عَيناهُ فَإِنَّمَا نَحن مماليك هُنَا السُّلْطَان الْملك الْكَامِل وعبيده وَقد نصدق علينا وَعَلَيْكُم بِهَذِهِ الْكَنَائِس على سَبِيل الْأَنْعَام مِنْهُ فَلَا يتَعَدَّى أحد مِنْكُم طوره فَانْصَرف القس وَهُوَ يرعد خوفًا مِنْهُ. ثمَّ نزل الْملك فِي دَار وَأمر شمس الدّين قَاضِي نابلس المؤذنين إِلَّا يؤذنوا تِلْكَ اللَّيْلَة فَلم يؤذنوا الْبَتَّةَ لما اصبح قَالَ الْملك للْقَاضِي: لم لم يُؤذن المؤذنون على المنابر فَقَالَ لَهُ القَاضِي: مَنعهم الْمَمْلُوك إعظاماً لمملك واحتراماً لَهُ. فَقَالَ لَهُ الإمبراطور: أَخْطَأت فِيمَا فعلت وَالله إِنَّه كَانَ أكبر غرضي فِي الْمبيت بالقدس أَن أسمع أَذَان الْمُسلمين وتسبيحهم فِي اللَّيْل. ثمَّ رَحل الإمبراطور إِلَى عكا وَكَانَ هَذَا الْملك عَالما متبحراً فِي علم الهندسة الْحساب والرياضيات وَبعث إِلَى الْملك الْكَامِل بعدة مسَائِل مشكلة فِي الهندسة الْحِكْمَة والرياضة فعرضها على الشَّيْخ علم الدّين قَيْصر الْحَنَفِيّ - الْمَعْرُوف بتعاسيف - غَيره فَكتب جوابها وَعَاد الإمبراطور من عكا إِلَى بِلَاده فِي الْبَحْر آخر جُمَادَى

стр. 254

الْآخِرَة وسير الْكَامِل جمال الدّين الْكَاتِب الْأَشْرَف إِلَى الْبِلَاد الشرقية وَإِلَى الْخَلِيفَة فِي تسكين قُلُوب النَّاس وتطمين خواطرهم من انزعاجهم لأخذ الفرنج الْقُدس. وَفِي خَامِس جُمَادَى الأولى - وَهُوَ يَوْم الْأَحَد -: وَقعت الحوطة على دَار القَاضِي الْأَشْرَف أَحْمد بن القَاضِي الْفَاضِل وحملت خَزَائِن الْكتب جَمِيعهَا إِلَى قلعة الْجَبَل فِي سادس عشريه وَجُمْلَة الْكتب ثَمَانِيَة وَسِتُّونَ ألف مجلدة وَحمل من دَاره - فِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة - خشب خَزَائِن الْكتب مفصلة وَحملهَا تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ جملا وَكَانَت الْجمال الَّتِي حملت الْكتب تِسْعَة وَخَمْسُونَ جملا ثَلَاث دفعات. وَفِي يَوْم السبت ثَانِي عشري رَجَب مِنْهَا: حملت الْكتب والخزائن من القلعة إِلَى دَار الْفَاضِل وَقيل إِن عدتهَا أحد عشر ألف كتاب وَثَمَانمِائَة وَثَمَانِية كتب وَمن جملَة الْكتب الْمَأْخُوذَة كتاب الأيك والغصون لأبي الْعَلَاء المعري فِي سِتِّينَ مجلداً. وفيهَا وصل ملك ملطية فكثرت غاراته وَقَتله وسبيه. وفيهَا اشْتَدَّ تشنيع الْملك النَّاصِر دَاوُد بِدِمَشْق على عَمه الْملك الْكَامِل تَسْلِيمه الْقُدس للفرنج فنفرت قُلُوب الرّعية وَجلسَ الْحَافِظ شمس الدّين سبط ابْن الْجَوْزِيّ بِجَامِع دمشق وَذكر فَضَائِل بَيت الْمُقَدّس وحزن النَّاس على اسْتِيلَاء الفرنج عَلَيْهِ وبشع القَوْل فِي هَذَا الْفِعْل فَاجْتمع فِي ذَلِك الْمجْلس مَا لَا يُحْصى عدده من النَّاس وعلت أَصْوَاتهم بالصراخ وَاشْتَدَّ بكاؤهم وانشد الْحَافِظ شمس الدّين قصيدة أبياتها ثَلَاثمِائَة بَيت مِنْهَا: على قبَّة الْمِعْرَاج والصخرة الَّتِي تفاخر مَا فِي الأَرْض من صخرات

стр. 255

مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة ومنزل وَحي مقفر العرصات فَلم ير بِدِمَشْق أَكثر بكاء من ذَلِك الْيَوْم وَكَانَ الْأَشْرَف على منازلة دمشق فَبعث إِلَى الْكَامِل يستحثه فَرَحل الْكَامِل من تل العجول بعد طول مقَامه بهَا فَتَلقاهُ فِي قَرْيَة يبنا أَخُوهُ الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب بانياس بِابْنِهِ الظَّاهِر غَازِي فوصل الْكَامِل الْعَزِيز بِخَمْسِينَ ألف فِي ينار وَابْنه غَازِي بِعشْرَة آلَاف دِينَار وقماش وخلع سنية وَأمر الْكَامِل فَضربت لَهُ خيمة عَظِيمَة وحولها بيوتات وَسَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْآلَات والخيام برسم أَصْحَابه ومماليكه ثمَّ وصل إِلَيْهِ أَيْضا الْأَمِير عز الدّين أيدمر المعظمي فَدفع إِلَيْهِ الْكَامِل عشرَة آلَاف دِينَار - وَقيل عشْرين ألف دِينَار - وَكتب لَهُ على الْأَعْمَال القوصية بِعشْرين ألف أردب غلَّة وَأَعْطَاهُ أَمْلَاك الصاحب صفي الدّين بن شكر ورباعه وحمامه وَسَار الْكَامِل إِلَى دمشق فَنزل على ظَاهرهَا فِي جُمَادَى الأولى وجد هُوَ والأشرف فِي حصارها حَتَّى اشْتَدَّ عَطش النَّاس فِي دمشق لانْقِطَاع الْأَنْهَار عَنْهُم وَمَعَ ذَلِك فالحرب بَينهم قَائِمَة فِي كل يَوْم إِلَى آخر رَجَب فغلت الأسعار ونفدت = = = أَمْوَال النَّاصِر وفارقه جمَاعَة من أَصْحَابه وصاروا إِلَى الْكَامِل والأشرف وَأخذ النَّاصِر فِي ضرب أَوَانِيهِ من النصب وَالْفِضَّة دَنَانِير ودراهم وفرقها حَتَّى نفد أَكثر مَا كَانَ عِنْده من الذَّخَائِر وناصحته الْعَامَّة مناصحة كَبِيرَة وابلوا فِي عَسْكَر الْكَامِل والأشرف بلَاء عَظِيما. وَفِي أثْنَاء ذَلِك قدم القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد وَمَعَهُ أكَابِر حلب وعدولها من عِنْد الْملك الْعَزِيز مُحَمَّد بن الظَّاهِر غَازِي صَلَاح الدّين صَاحب حلب لتزويج ابْنة الْملك الْكَامِل بِالْملكِ الْعَزِيز خرج الْملك الْكَامِل من مخيمه بِمَسْجِد الْقدَم إِلَى لِقَائِه وأنزله قَرِيبا مِنْهُ ثمَّ أحضرهُ فَقدم لقدمة كَانَت مَعَه من الْملك الْعَزِيز وَعقد العقد للْملك الْعَزِيز على الخاتون فَاطِمَة ابْنة الْملك الْكَامِل الْأَمِير عماد الدّين عمر بن شيخ الشُّيُوخ على صدَاق مبلغه خَمْسُونَ ألف دِينَار فَقبل العقد ابْن شَدَّاد فِي سادس عشر شهر رَجَب فضعف قلب الْملك النَّاصِر دَاوُد وَقلت أَمْوَاله فَخرج لَيْلًا من قلعة دمشق فِي آخر شهر رَجَب وَمَعَهُ نفر يسير وَألقى نَفسه على مخيم الْكَامِل فَخرج إِلَيْهِ الْكَامِل وأكرمه إِكْرَاما زَائِدا وباسطه وَطيب قلبه بعد عتب كثير وَأمره أَن يعود إِلَى القلعة فَعَاد إِلَيْهَا ثمَّ بعد يَوْمَيْنِ بعث الْكَامِل بالأمير فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ إِلَى القلعة - وَكَانَ يَوْم جُمُعَة - فصلى بهَا الْجُمُعَة وَخرج وَمَعَهُ النَّاصِر دَاوُد إِلَى الْملك الْكَامِل

стр. 256

فتحالفاً وعوضه الْكَامِل عَن دمشق بالكرك والشوبك وأعمالهما مَعَ الصَّلْت والبلقاء والأغوار جَمِيعهَا ونابلس وأعمال الْقُدس وَبَيت جِبْرِيل ثمَّ نزل النَّاصِر عَن الشوبك للكامل فقبلها وَصَارَ للكامل مَعَ الشوبك بلد الْخَلِيل ﵇ وطبرية وغزة وعسقلان والرملة ولد وَمَا بأيدي الْمُسلمين من السَّاحِل. وَفتحت أَبْوَاب دمشق فِي أول يَوْم من شعْبَان فشق ذَلِك على أهل دمشق وتأسفوا على مُفَارقَة النَّاصِر وَكثر بكاؤهم ثمَّ تسلمها الْملك الْأَشْرَف وَبعث الْكَامِل قصاده لتسلم بِلَاد الْأَشْرَف وهم الْأَمِير فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ وَالْخَادِم شمس الدّين صَوَاب وَجَمَاعَة فتسلما حران والرها وسروج وَرَأس عين والرمة وَغير ذَلِك وسافر النَّاصِر دَاوُد بأَهْله إِلَى الكرك وَسَار الْكَامِل إِلَى حماة وَبهَا النَّاصِر صَلَاح الدّين قلج أرسلان بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب. وَقدم مَعَ الْكَامِل المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب فِي جمَاعَة فنازل حماة حَتَّى سلم صَاحبهَا النَّاصِر قلج أرسلان وَسبق إِلَى الْملك الْكَامِل وَهُوَ بسليمة فأهانه واعتقله وتسلم المظفر حماة فَكَانَت مُدَّة النَّاصِر بحماة تسع سِنِين تنقص شَهْرَيْن وَبعث الْكَامِل بالناصر صَاحب حماة إِلَى مصر فاعتقل بهَا ثمَّ سَار الْكَامِل يُرِيد الْبِلَاد الشرقية فَقطع الْفُرَات وَدخل قلعة جعبر ثمَّ توجه إِلَى الرقة وخافه مُلُوك الشرق فعيد بالرقة عيد الْفطر وَسَار إِلَى حران والرها واستخدم بهَا عسكراً عدته نَحْو ألفي فَارس فَقدمت عَلَيْهِ رسل ماردين وآمد والموصل وإربل وَحضر إِلَيْهِ أَيْضا عدَّة مُلُوك وَبعث الْكَامِل فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ إِلَى الْخَلِيفَة وَأطلق ابْن أَخِيه الْملك النَّاصِر قلج ارسلان من اعتقاله وخلع عليع وَأَعْطَاهُ بارين وَكتب لَهُ بهَا توقيعاً وَأمر أَن يحمل إِلَيْهِ مَا كَانَ فِي قلعة حماة - وَهُوَ أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم - وَكتب إِلَى المظفر تَقِيّ الدّين بِتَسْلِيم ذَلِك إِلَيْهِ. فوصل النَّاصِر إِلَى بارين وتسلمها ثمَّ ورد الْخَبَر على الْكَامِل بِأَن جلال الدّين خورازم شاه نَازل خلاط وَنصب عَلَيْهَا عشْرين منجنيقاً وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا فِي نصف شَوَّال وَكَانَت خلاط للْملك الْأَشْرَف وَبهَا عسكره فأرسلوا إِلَى الْملك الْكَامِل يسْأَلُون فِي نجدة فَلم يُرْسل الْكَامِل إِلَيْهِم أحدا وَورد الْخَبَر بِإِقَامَة الْخطْبَة فِي

стр. 257

ماردين للْملك الْكَامِل وَضربت السِّكَّة بأحده هُنَاكَ. ثمَّ توالت الرُّسُل من خلاط وَكلهَا تطلب إِلَى الْكَامِل أَن يبْعَث الْأَشْرَف لنجدة الْبَلَد فَبعث الْكَامِل يطْلب عَسَاكِر حلب وحماة وحمص فَخرجت عَسَاكِر حلب إِلَى خلاط وَمَعَهَا الْأَشْرَف ثمَّ ورد الْخَبَر بِأَن الفرنج قد أغارت على بارين وَأَنَّهُمْ نهبوا مَا بهَا وأسروا وَسبوا. وفيهَا مَاتَ الْملك المسعود يُوسُف بن الْملك الْكَامِل بِمَكَّة عَن سِتّ وَعشْرين سنة مِنْهَا مُدَّة ملكه بِالْيمن أَربع عشرَة سنة وَهُوَ آخر مُلُوك بني أَيُّوب بِبِلَاد الْيمن وَترك المسعود ابْنا يُقَال لَهُ صَلَاح الدّين يُوسُف ولقب بِالْملكِ المسعود ولقب أَبِيه وَبَقِي يُوسُف هَذَا حَتَّى مَاتَ فِي سلطنة عَمه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب صَاحب مصر. ثمَّ ولي ابْنه مُوسَى بن يُوسُف بن يُوسُف بن الْكَامِل مملكة مصر ولقب بالأشرف شركَة مَعَ الْمعز أيبك كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَاشْتَدَّ حزن الْملك الْكَامِل على وَلَده يُوسُف وتسلم مماليكه وخزائنه وَأَوْلَاده وَلبس لشدَّة حزنه الْبيَاض وَكَانَ المسعود قد اسْتخْلف على الْيمن نور الدّين عَليّ بن رَسُول التركماني فتغلب عَلَيْهَا وَبعث إِلَى الْملك الْكَامِل عدَّة هَدَايَا وَقَالَ: أَنا نَائِب السُّلْطَان على الْبِلَاد فاستمر ملك الْيمن فِي عقبه بعد ذَلِك.

стр. 258

(سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة) أهلت وَالْملك الْكَامِل بحران والخوارزمي على خلاط والأشرف محاصر بعلبك. وفيهَا قدم الْأَمِير فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ من بَغْدَاد. وفيهَا ورد رَسُول الإمبراطور ملك الفرنج بكتابه إِلَى الْملك الْكَامِل بحران وَمَعَهُ أَيْضا كتاب للأمير فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ. وفيهَا سَار الْكَامِل من حران إِلَى الرقة. وفيهَا استولى الْأَشْرَف بن الْعَادِل على بعلبك بَعْدَمَا أَقَامَ على حصارها عشرَة أشهر وَعوض الأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن نجم الدّين أَيُّوب بن شادي عوضا من بعلبك وأعمالها قصير دمشق والزبداني فَكَانَت مُدَّة ملكه بعلبك تسعا وَأَرْبَعين سنة فَبعث الْكَامِل الْأَمِير فَخر الدّين عُثْمَان الأستادار إِلَى الْأَشْرَف فِي مهمات تتَعَلَّق بِهِ وَولي كَمَال الدّين بن شيخ نَائِبا بالجزيرة. وفيهَا قدم رَسُول السُّلْطَان عَلَاء الدّين كيقباد السلجوقي - صَاحب الرّوم - على الْملك الْكَامِل وَأخْبرهُ بِأَنَّهُ جهز خَمْسَة وَعشْرين ألفا إِلَى أرزنجان وَعشرَة آلَاف إِلَى ملطية وَأَنا حَيْثُ تَأمر. فطاب قلب السُّلْطَان الْكَامِل بذلك وَكَانَ مهتماً من أَمر الْخَوَارِزْمِيّ. وفيهَا سَار الْأَشْرَف صَاحب دمشق من الشَّام إِلَى جِهَة الشرق فوصل إِلَى الْكَامِل وَهُوَ بالرقة وَوصل أَيْضا مَانع بن حَدِيثَة أَمِير الْعَرَب. وفيهَا ملك الْخَوَارِزْمِيّ مَدِينَة خلاط بِحَدّ حِصَار طَوِيل وقتال شَدِيد فِي ثامن

стр. 259

عشري جُمَادَى الأولى فَوضع السَّيْف فِي النَّاس وأسرف فِي الْقَتْل والنهب فَرَحل الْملك الْكَامِل يُرِيد مصر لأمور مِنْهَا أَنه بلغه موت وَلَده الْملك المسعود صَاحب الْيمن فكتمه وَكَانَ قد ورد عَلَيْهِ أَيْضا من أم وَلَده الْعَادِل كتاب تَشْكُو فِيهِ من ابْنه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَأَنه قد عزم على التوثب على الْملك وَاشْترى جمَاعَة كَبِيرَة من المماليك الأتراك وَأَنه أَخذ مَالا جزيلاً من التُّجَّار وأتلف جملَة من مَال بَيت المَال وَمَتى لم تتدارك الْبِلَاد وَإِلَّا غلب عَلَيْهَا وأخرجني أَنا وابنك الْملك الْعَادِل مِنْهَا فانزعج الْكَامِل لذَلِك وَغَضب غَضبا شَدِيدا ثمَّ ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بَان ابْنه الصَّالح اشْترى ألف مَمْلُوك فعزم على الرحيل إِلَى مصر فرتب الطواشي شمس الدّين صَوَاب العادلي نَائِبا فِي أَعمال الْمشرق وَأَعْطَاهُ إقطاع أَمِير مائَة فَارس زِيَادَة على مَا بِيَدِهِ من الديار المصرية وَهِي أَعمال أخميم بكمالها وقاي والقايات ودجوة بإمرة مِائَتَيْنِ وَخمسين فَارِسًا فَصَارَ أَمِير ثَلَاثمِائَة وَخمسين فَارِسًا ورتب الْملك الْكَامِل كَمَال الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ وزيرا وَتوجه الْكَامِل إِلَى مصر فَدَخلَهَا فِي رَجَب وَتغَير على ابْنه الْملك الصَّالح تغيراً كثيرا وَقبض على جمَاعَة من أَصْحَابه وسجنهم وألزمهم إِحْضَار الْأَمْوَال الَّتِي فرط فِيهَا الْملك الصَّالح وخلع الصَّالح من ولَايَة الْعَهْد. وفيهَا وَاقع الْملك عَلَاء الدّين كيقباد السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه وكسره وَقتل كثيرا مِمَّن كَانَ مَعَه وخلص جلال الدّين فِي عدَّة من أَصْحَابه إِلَى تبريز وَكَانَ ذَلِك فِي سَابِع عشري رَمَضَان فَملك الْأَشْرَف - صَاحب دمشق - مَدِينَة خلاط.

стр. 260

وفيهَا بلغ قاع النّيل بمقياس مصر ذراعين وانتهت زِيَادَة مَاء النّيل ثَلَاثَة عشر ذِرَاعا وَثَلَاثَة عشر إصبعا لَا غير فارتفعت الأسعار. وفيهَا قصد الفرنج حماة فأوقع بهم المظفر تَقِيّ الدّين وَقتل عدَّة مِنْهُم وَأسر كثيرا وَذَلِكَ فِي رَمَضَان. وفيهَا مَاتَ الْملك الأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن نجم الدّين أَيُّوب - صَاحب بعلبك - لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر شَوَّال وَكَانَت مُدَّة ملكه تسعا وَأَرْبَعين سنة وَكَانَ أديباً شَاعِرًا. وَمَات الْملك الظافر خضر بن صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ يعرف بالمشمر.

стр. 261

فارغة

стр. 262

سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وفيهَا انْفَرد الْعَزِيز صَاحب حلب بِالْملكِ وَقد بلغ ثَمَانِي عشرَة سنة وتسلم الخزائن من أتابكه شهَاب الدّين طغريل ففام بتدبير الْملك قيَاما مشكوراً وسير القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد إِلَى الْملك الْكَامِل بِسَبَب إِحْضَار صَفِيَّة خاتون ابْنة الْكَامِل - وَهِي زَوْجَة الْعَزِيز - فَأَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة وفيهَا قدم الْأَشْرَف من دمشق على الْملك الْكَامِل وَمَعَهُ الْملك الْمُعظم - صَاحب الجزيرة - فِي عَاشر جُمَادَى الأولى فسر السُّلْطَان بقدومهما. وفيهَا سَار الْملك الْكَامِل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَترك الْأَشْرَف بِالْقَاهِرَةِ واستصحب مَعَه صَاحب الجزيرة بَعْدَمَا أنعم عَلَيْهِ إنعاماً موفوراً. وفيهَا تحرّك التتر. وفيهَا قدم الْملك مجير الدّين بن الْعَادِل إِلَى الْقَاهِرَة وَكَانَ مأسوراً عِنْد الْخَوَارِزْمِيّ فسر بِهِ الْكَامِل وأكرمه هُوَ وَأَخُوهُ تَقِيّ الدّين عَبَّاس. وفيهَا مَاتَ السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه بَعْدَمَا هَزَمه التتر بِبَعْض قرى ميافارقين قَتله بعض الأكراد. وفيهَا وصل التتر إِلَى إربل وَقتلُوا من الْمُسلمين مَا لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا خالقهم. وفيهَا شرع الْملك الْكَامِل فِي حفر بَحر النّيل الَّذِي فِيمَا بَين المقياس وبر مصر وَعمل فِيهِ بِنَفسِهِ وَاسْتعْمل الْمُلُوك والأمراء والجند فَلَمَّا فرغ من الْحفر صَار فِي أَيَّام احتراق النّيل يمشي من المقياس وَالرَّوْضَة إِلَى بر الجيزة وَاسْتمرّ المَاء فِيمَا بَين مصر وَالرَّوْضَة لَا يَنْقَطِع فِي زمن الاحتراق الْبَتَّةَ وَكَانَ السُّلْطَان قد قسط حفر هَذَا الْبَحْر على الدّور الَّتِي بِالْقَاهِرَةِ ومصر وَالرَّوْضَة بالمقياس وَاسْتمرّ الْعَمَل فِيهِ - من مستهل شعْبَان إِلَى آخر شَوَّال - مُدَّة ثَلَاثَة أشهر.

стр. 263

وفيهَا قدم رَسُول الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بِالْخلْعِ والتقليد للْملك الْكَامِل وميز بِزِيَادَات كَثِيرَة لم تفعل فِي حق غَيره من السلجوقية وَغَيرهم ووردت خلع للْملك الْأَشْرَف أَيْضا. وفيهَا تسلطن عمر بن عَليّ بن رَسُول بِالْيمن وَنشر دَعوته.

стр. 264

سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة فيهمَا تكمل اسْتِيلَاء التتر على إقليم أرمينية وخلاط وَسَائِر مَا كَانَ بيد الْخَوَارِزْمِيّ. فاهتم الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه غَايَة الاهتمام وسير عدَّة رسل يستنجد الْأَشْرَف من مصر ويستنجد العربان وَغَيرهم وَأخرج الْخَلِيفَة الْأَمْوَال فَوَقع الِاسْتِخْدَام فِي جَمِيع الْبِلَاد لحركة التتر. وفيهَا خرج الْملك الْكَامِل من الْقَاهِرَة فِي جُمَادَى الْآخِرَة واستخلف على مصر ابْنه الْملك الْعَادِل أَبَا بكر وَأَسْكَنَهُ قلعة الْجَبَل مَعَ أمه واخرج الصَّالح أَيُّوب مَعَه وَقدم الْأَشْرَف - والمعظم صَاحب الجزيرة - بالعساكر وَمضى الْكَامِل جَرِيدَة إِلَى الشوبك والكرك وَسَار إِلَى دمشق وَمَعَهُ النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك بعساكره وَقد زوجه بابنته عَاشُورَاء خاتون وَعقد عقده عَلَيْهَا بِمَنْزِلَة اللجون وَأقَام الْكَامِل بِدِمَشْق يسرح العساكر وَجعل فِي مقدمتها ابْنه الْملك الصَّالح أَيُّوب وَورد الْخَبَر بِدُخُول التتر بِلَاد خلاط فأسرع الْكَامِل فِي الْحَرَكَة وَخرج من دمشق فَنزل سليمَة - وَقد اجْتمع فِيهَا بعساكر يضيق بهَا الفضاء - وَسَار مِنْهَا فِي أخريات رَمَضَان على الْبَريَّة وَتَفَرَّقَتْ العساكر فِي عدَّة طرق لكثرتها فَهَلَك مِنْهَا عدَّة كَثِيرَة من النَّاس وَالدَّوَاب لقلَّة المَاء وأتته رسل مُلُوك الْأَطْرَاف وهم عز الدّين بيقرا وفخر الدّين بن الدَّامغَانِي رسل الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وألبسوه خلعة السلطنة فاستدعي الْكَامِل عِنْد ذَلِك رسل الْخَوَارِزْمِيّ وَرَسُول الكرج ورسل حماة وحمص وَرَسُول الْهِنْد ورسل الفرنج ورسل أتابك سعد صَاحب شيراز ورسل صَاحب الأندلس وَلم تَجْتَمِع هَذِه الرُّسُل عِنْد ملك فِي يَوْم وَاحِد قطّ غَيره وَقدم عَلَيْهِ بهاء اللين اليزدي - شيخ رِبَاط الخلاطية - من بَغْدَاد وَجَمَاعَة من النخاس يحثونه على الْغُزَاة. فَرَحل التتر عَن خلاط بعد منازلتها عدَّة أَيَّام وَجَاء الْخَبَر برحيلهم والكامل بحران فَجهز عماد الدّين بن شيخ الشُّيُوخ رَسُولا إِلَى الْخَلِيفَة وَسَار إِلَى الرها وَقدم العساكر إِلَى آمد وَسَار بعدهمْ فَنزل على آمد وَنصب عَلَيْهَا عدَّة مجانيق فَبعث إِلَيْهِ صَاحبهَا يستعطفه ويبذل لَهُ مائَة ألف وللأشرف عشْرين ألف دِينَار فَلم يقبل ومازال عَلَيْهَا حَتَّى أَخذهَا فِي سادس عشري ذِي الْحجَّة وَحضر صَاحبهَا إِلَيْهِ بِأَمَان فَوكل بِهِ حَتَّى سلم جَمِيع حصونها فاعطى السُّلْطَان حصن كيفا لِابْنِهِ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب - وفيهَا وَردت هَدِيَّة من ماردين.

стр. 265

وفيهَا سَار ابْن شَدَّاد من الْقَاهِرَة بالستر العالي الصاحبة غَازِيَة خاتون ابْنة الْكَامِل وَزَوْجَة الْملك المظفر صَاحب حماة والستر العالي الصاحبة فَاطِمَة ابْنة الْكَامِل وَزَوْجَة الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب وَخرج مَعهَا أَيْضا الْأَمِير فَخر الدّين البانياسي والشمريف شمس الدّين قَاضِي الْعَسْكَر. وفيهَا مَاتَ الْأَمِير فَخر الدّين عُثْمَان بن قزل أستادار الْملك الْكَامِل وَصَاحب المدوسة الفخرية بِالْقَاهِرَةِ فِي ثامن عشر ذِي الْحجَّة بحران. وفيهَا بعث الْملك الْمَنْصُور عمر بن عَليّ بن رَسُول صَاحب الْيمن عسكراً إِلَى مَكَّة فِيهِ الشريف رَاجِح بن قَتَادَة فملكها من الْأَمِير شُجَاع الدّين طغتكين نَائِب الْملك الْكَامِل فِي ربيع الآخر. وفر شُجَاع الدّين إِلَى نَخْلَة ثمَّ إِلَى يَنْبع وَكتب يعلم الْملك الْكَامِل بذلك فَبعث إِلَيْهِ الْكَامِل عسكراً سَار هم إِلَى مَكَّة فقدموها فِي شهر رَمَضَان وملكوها بَعْدَمَا قتلوا جمَاعَة، (وَكَانَ مقدم الْعَسْكَر الْأَمِير فَخر الدّين يُوسُف بن الشَّيْخ.)

стр. 266

سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا أنعم الْكَامِل على ابْنه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بحصن كيفا وسيره إِلَيْهَا وَعَاد هُوَ إِلَى الديار المصرية وَمَعَهُ الْملك المسعود صَاحب آمد فَلَمَّا وصل قلعة الْجَبَل أفرج عَنهُ وَأحسن إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ إمرة بديار مصر. وفيهَا قبض الْكَامِل على جمَاعَة من الْأُمَرَاء المصرية. وفيهَا استولى الْملك المظفر صَاحب حماة على حصن بارين وانتزعه من أَخِيه النَّاصِر قلج أرسلان فَسَار قلج أرسلان إِلَى خَاله الْكَامِل فَقبض عَلَيْهِ واعتقله فِي قلعة الْجَبَل حَتَّى مَاتَ. وفيهَا جهز الْملك الْكَامِل عسكراً من الغز والعربان إِلَى يَنْبع من أَرض الْحجاز - عَلَيْهِم عَلَاء الدّين آق سنقر الزَّاهدِيّ - فِي شَوَّال وعدتهم سَبْعمِائة وَسبب ذَلِك وُرُود الْخَبَر بمسير الشريف رَاجِح من الْيمن بعسكر إِلَى مَكَّة وَأَنه قدمهَا فِي صفر وَأخرج من بهَا من المصريين بِغَيْر قتال فَقدم الزَّاهدِيّ فِي الْمَوْسِم وتسلم مَكَّة وَحج بِالنَّاسِ وَترك بِمَكَّة ابْن محلي وَمَعَهُ خَمْسُونَ فَارِسًا وَرجع إِلَى مصر. وفيهَا توفّي الْفَخر سُلَيْمَان بن مَحْمُود بن أبي غَالب الدِّمَشْقِي كَاتب الْإِنْشَاء. فَاسْتَحْضر الْملك الْكَامِل نَاسِخا يُقَال لَهُ الْأمين الْحلَبِي كَانَ عِنْد الْأَمِير عز الدّين أيبك - أستادار الْملك الْمُعظم - فِي خدمته يكْتب لَهُ فَلَمَّا حضر الْأمين ليكتب بَين يَدَيْهِ خلع عَلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى صَاحبه فتزهد استحياء من النَّاس وَبعث الْكَامِل إِلَى ميافارقين فأحضر الْجلَال بن نباتة ليستكنبه فَلَمَّا حضر خلع عَلَيْهِ وَأَعَادَهُ وَلم يستكتبه الْأَشْرَف صَاحب دمشق. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر رَمَضَان: سلطن الْملك الْكَامِل وَلَده الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبَا بكر وأركبه بشعار السلطنة وشق بِهِ الْقَاهِرَة وعمره يَوْمئِذٍ إِحْدَى عشرَة سنة وَكَانَ الْكَامِل يُحِبهُ وَيُحب أمه حبا زَائِدا.

стр. 267

وَفِي ذِي الْقعدَة: وصل محيي الدّين يُوسُف بن الْجَوْزِيّ من بَغْدَاد بالتقليد من الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه للْملك الْكَامِل. وفيهَا أبطل السُّلْطَان الْمُعَامَلَة بالفلوس فِي الْقَاهِرَة ومصر فَتلف مَال كثير للنَّاس. وفيهَا مَاتَ الْأَمِير حسام الدّين مَانع بن حَدِيثَة أَمِير العربان من آل فضل فَأمر الْأَشْرَف بعده ابْنه مهنا. وفيهَا قدم النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك إِلَى مصر فَنزل بدار الوزارة من الْقَاهِرَة وَركب فِي خدمَة عَمه الْملك الْكَامِل. وفيهَا مَاتَ الْعَزِيز فَخر الدّين عُثْمَان بن الْعَادِل بِدِمَشْق يَوْم الِاثْنَيْنِ عَاشر رَمَضَان. فِيهَا مَاتَ الْملك الْمُعظم مظفر الدّين كوكبري بن زين الدّين عَليّ كوجك ملك إربل فِي تَاسِع عشري شعْبَان عَن أَربع وَثَمَانِينَ سنة وَكَانَ يهتم بِعَمَل المولد النَّبَوِيّ فِي كل سنة اهتماماً زَائِدا فتسلم إربل من بعده نواب الْخَلِيفَة وَصَارَت مُضَافَة إِلَى مملكة بَغْدَاد.

стр. 268

سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا قصد السُّلْطَان عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو السلجوقي صَاحب بِلَاد الرّوم مَدِينَة خلاط فَخرج الْملك الْكَامِل من الْقَاهِرَة بعسكره لَيْلَة السبت خَامِس شعْبَان واستناب ابْنه الْملك الْعَادِل فوصل إِلَى دمشق وَكتب إِلَى مُلُوك بني أَيُّوب يَأْمُرهُم بالتجصز للمس! ر بعساكرهم إِلَى بِلَاد الرّوم وَخرج الْكَامِل من دمشق فَنزل على سليمَة فِي شهر رَمَضَان ورتب عساكره وَسَار إِلَى منبج فَقدم عَلَيْهِ عَسْكَر حلب وَغَيره من العساكر فَسَار وَقد صَار مَعَه سِتَّة عشر دهليزاً لسِتَّة عشر ملكا - وَقيل بل كَانُوا ثَمَانِيَة عشر ملكا فعرضهم الْكَامِل على إلبيرة أطلابا بأسلحتهم فلكثرة مَا أعجب بِنَفسِهِ قَالَ: هَذِه العساكر لم تَجْتَمِع لأحد من مُلُوك الْإِسْلَام. وَأمر بهَا فسارت شَيْئا بعد شَيْء نَحْو الدربند وَقد جد السُّلْطَان عَلَاء الدّين فِي حفظ طرقاته بالمقاتله وَنزل الْكَامِل على النَّهر الْأَزْرَق وَهُوَ بِأول بلد الرّوم وَنزل عَسَاكِر الرّوم فِيمَا بَينه وَبَين الدربند وأخفوا عَلَيْهِ رَأس الدربند وبنوا علمه سوراً يمْنَع العساكر من الطُّلُوع وقاتلوا من اعلاه فَقلت الأقوات عِنْد عَسْكَر الْكَامِل وَاتفقَ - مَعَ قلَّة الأقوات وَامْتِنَاع الدربند - نفور مُلُوك بني أَيُّوب من الْملك الْكَامِل بِسَبَب أَنه حفظ عَنهُ أَنه لما أَعْجَبته كَثْرَة عساكره بالبيرة قَالَ لخواصه: إِن صَار لنا ملك الرّوم فَإنَّا نعوض مُلُوك الشَّام والشرق مملكة الرّوم بدل مَا بِأَيْدِيهِم ونجعل الشَّام والشرق مُضَافا إِلَى ملك مصر. فحذر من ذَلِك الْمُجَاهِد صَاحب حمص وَأعلم بِهِ الْأَشْرَف مُوسَى صَاحب دمشق فأوجس فِي نَفسه خيفة مُوسَى وأحضر بني عَمه وأقاربه من الْمُلُوك وأعلمهم ذَلِك فاتفقوا على الْملك الْكَامِل وَكَتَبُوا إِلَى السُّلْطَان عَلَاء الدّين بالميل مَعَه وخذلان الْكَامِل وسيروا الْكتب بذلك فاتفق وُقُوعهَا فِي يَد الْملك الْكَامِل فكتمها ورحل رَاجعا فَأخذ السُّلْطَان عَلَاء الدّين طيقباد - ملك الرّوم - قلعة خرتبرت وست قلاع أخر كَانَت مَعَ الْمُلُوك الأرتقية فِي ذِي الْقعدَة فَاشْتَدَّ حنق الْملك الْكَامِل لما حصل على أمرائه وعساكره من صَاحب الرّوم فِي قلاع خرتبرت وَنسب ذَلِك إِلَى أَهله من الْمُلُوك فتنكر مَا بَينه وَبينهمْ.

стр. 269

وفيهَا مَاتَ الْملك الْمفضل قطب الدّين مُوسَى بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فِي ذِي وفيهَا بعث الْمَنْصُور عمر بن على بن رَسُول - ملك الْيمن - عسكراً وخزانة مَال إِلَى الشريف رَاجِح بن قَتَادَة فَأخْرج من بِمَكَّة من المصريين. وفيهَا حضر الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الْقُرْطُبِيّ جماعاً بزقاق الطباخ بِمَدِينَة مصر فِي أول يَوْم من شهر رَجَب وَكَانَ هُنَاكَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله الْقرشِي وَأَبُو عَبَّاس الْقُسْطَلَانِيّ وَجَمَاعَة غَيرهمَا فَلَمَّا أنْشد القوال صفق أَبُو يُوسُف الدهماني بيدَيْهِ وارتفع عَن الأَرْض متربعا إِلَى أَن بلغ إِلَى أنبدارية الْمجْلس وَدَار ثَلَاث دورات ثمَّ نزل إِلَى مَكَانَهُ فَقَامَ الشَّيْخ الْقُرْطُبِيّ وَقدر ارْتِفَاع الأنبدارية فَكَانَ أطول من قامته رَافعا يَدَيْهِ.

стр. 270

سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا عَاد الْملك الْكَامِل إِلَى قلعة الْجَبَل من بِلَاد الشرق - فِي جُمَادَى الأولى - وَقد توحش مَا بَينه وَبَين أَخِيه الْأَشْرَف - صَاحب دمشق - وَغَيره من الْمُلُوك. فَقبض الْكَامِل على المسعود صَاحب آمد واعتقله فِي برج هُوَ وَأَهله يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس عشر جُمَادَى الأولى لممالأته لَهُم فَملك صَاحب الرّوم وحران بِالسَّيْفِ وَعَاد إِلَى بِلَاده بعد مَا استولى على مَا كَانَ بهما من الْأَمْوَال فَلَمَّا بلغ الْكَامِل ذَلِك أَمر العساكر أَن تتجهز للمسير إِلَى الشرق وأقطع ابْن الْأَمِير صَلَاح الدّين الإربلي صنافير بالقليوبية وَجعل أقَارِب وَالِده ومماليكه مَعَه وعدتهم سَبْعَة عشر رجلا. وفيهَا بعث ابْن رَسُول إِلَى الشريف رَاجِح بن قَتَادَة بخزانة مَال ليستخدم عسكراً فَلم يتَمَكَّن من ذَلِك لِأَنَّهُ بلغه أَن السُّلْطَان الْملك الْكَامِل بعث الْأَمِير أَسد الدّين جغريل أحد المماليك الكاملية إِلَى مَكَّة بسبعمائة فَارس وَحضر جغريل إِلَى مَكَّة ففر مِنْهُ الشريف رَاجِح بن قَتَادَة إِلَى الْيمن وَملك جغريل مَكَّة فِي شهر رَمَضَان وَأقَام الْعَسْكَر بهَا. وفيهَا مَاتَ الْملك الزَّاهِر أَبُو سُلَيْمَان مجير الدّين دَاوُد بن صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب - صَاحب البيرة - فِي سَابِع صفر فاستولى الْعَزِيز - صَاحب حلب - عَلَيْهَا من بعده. وفيهَا مَاتَ الْأَمِير شمس الدّين صَوَاب - الطواشي الكاملي - بحران فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان.

стр. 271

فارغة

стр. 272

سنة ثَالِث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا اسْتمرّ وباء كثير بِمصْر مُدَّة ثَلَاثَة أشهر فَمَاتَ بِالْقَاهِرَةِ ومصر خلق كثر بلغت عدتهمْ زِيَادَة على اثْنَي عشر ألفا سوى من مَاتَ بالريف. وفيهَا سَار التتر إِلَى جِهَة الْموصل فَقتلُوا ونهبوا وَسبوا. وفيهَا سَار النَّاصِر دَاوُد - صَاحب الكرك - إِلَى الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه خوفًا من عَمه الْملك الْكَامِل فَإِنَّهُ كَانَ قد ألزمهُ حَتَّى طلق ابْنة الْكَامِل فخشي أَن ينتزع مِنْهُ الكرك فوصل إِلَى بَغْدَاد فَأكْرمه الْخَلِيفَة وَمنعه من الِاجْتِمَاع بِهِ رِعَايَة للْملك الْكَامِل ثمَّ اجْتمع بِهِ سرا وخلع عَلَيْهِ وَبعث مَعَه رَسُولا مشربشاً من خواصه إِلَى الْكَامِل يشفع فِيهِ فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَى الْكَامِل تَلقاهُ وَقبل الشَّفَاعَة. وفيهَا سَار الْملك الْكَامِل من الْقَاهِرَة بعساكره يُرِيد بِلَاد الشرق فنازل الرها حَتَّى أَخذهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى وَأسر مِنْهَا زِيَادَة على ثَمَانمِائَة من الْأُمَرَاء وَهدم قلعتها ونازل حران وَأَخذهَا بعد حِصَار وقتال فِي رَابِع عشر جُمَادَى الآخر وَأسر من كَانَ بهَا من أجناد السُّلْطَان عَلَاء الدّين وأمرائه ومقدميه الصوباشية وَكَانُوا سَبْعمِائة وَخَمْسَة وَعشْرين رجلا فَمَاتَ كثير مِنْهُم فِي الطرقات ثمَّ نزل الْكَامِل على دنيسر وخربها. فورد عَلَيْهِ الْخَبَر بِأَن التتر قد وصلوا إِلَى سنجار فِي مائَة طلب كل طلب خَمْسمِائَة فَارس وَأخذ الْكَامِل قلعة السويداء عنْوَة وَأسر من بهَا فِي سَابِع عشر جُمَادَى الآخر وهدمها وَأخذ قطينا وَأسر من بهَا فِي رَجَب. وَفِي تَاسِع عشره: بعث الْكَامِل جَمِيع الأسرى إِلَى ديار مصر وعدتهم تزيد على الثَّلَاثَة آلَاف وفيهَا هدمت دنيسر وعدة بِلَاد كَثِيرَة من بِلَاد صَاحب ماردين. وفيهَا خرج عَسْكَر الرّوم بعد عود الْكَامِل وحاصر آمد وأخرب

стр. 273

دَارا فِي خَامِس ذِي الْقعدَة. وفيهَا استولى الفرنج على مَدِينَة قرطبة بالأندلس. وفيهَا قدم أنبا كيرلس دَاوُد بن لقلق بطركا على الْإسْكَنْدَريَّة لليعاقبة فِي يَوْم الْأَحَد ثَالِث عشري بؤونة سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة للشهداء الْمُوَافق لتاسع عشري رَمَضَان فَأَقَامَ فِي البطركية سبع سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وَكَانَ عَالما محباً للرياسة وَجمع المَال وَأخذ الشرطونية وَكَانَت أَرض مصر قد خلت من الأساقفة قبل اعتلائه كرْسِي البطركية فَقدم جمَاعَة من الأساقفة بِمَال كَبِير وَمَرَّتْ بِهِ شَدَائِد كَثِيرَة فَإِن الراهب عماد المرشار كَانَ قد سعى فِي ولَايَته البطركية وَشرط عَلَيْهِ أَلا يقدم أسقفا إِلَّا بِرَأْيهِ فَلم يَفِ لَهُ وَلَا الْتفت إِلَيْهِ فانحرف عَنهُ ورافعه فَوكل عَلَيْهِ وعَلى عدَّة من أَقَاربه وألزامه وَقَامَ أَيْضا عَلَيْهِ الشَّيْخ السّني بن التعبان الراهب وعانده وَذكر مثالبه وَأَنه إِنَّمَا تقدم بالشوة وَأَنه أَخذ الشرطونية فَلَا تصح لَهُ كهنوتية على حكم القوانين وَمَال مَعَه جمَاعَة وعقدوا لَهُ مَجْلِسا بِحُضُور الصاحب - معِين الدّين بن شيخ الشُّيُوخ فِي أَيَّام الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وأثبتوا عَلَيْهِ أموراً شنعة وعزموا على خلعه فَقَامَ مَعَه الْكتاب المستوفون بديار مصر وتحدثوا مَعَ الصاحب معِين الدّين فقرر مَالا حمله البطريك إِلَى السُّلْطَان وَاسْتمرّ أنبا كيرلس على

стр. 274

بطركيته حَتَّى مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشر برمهات سنة تِسْعمائَة وتسع وَخمسين للشهداء الْمُوَافق لسابع رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وخلا الْكُرْسِيّ بعده سبع سِنِين وَسِتَّة أشهر وَسِتَّة وَعشْرين يَوْمًا. وفيهَا بعث الْملك الْمَنْصُور عمر بن عَليّ بن رَسُول - ملك الْيمن - عسكراً إِلَى مَكَّة مَعَ الشهَاب بن عبد الله وَمَعَهُ خزانَة مَال فقاتله المصريون وأسروه وَحَمَلُوهُ إِلَى الْقَاهِرَة مُقَيّدا.

стр. 275

فارغة

стр. 276

سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا سَار الْملك الْكَامِل من دمشق يُرِيد الْقَاهِرَة فوصل إِلَيْهَا وَصعد قلعة الْجَبَل فِي ثمَّ خرج إِلَى دمياط فَقدم عَلَيْهِ محيي الدّين يُوسُف بن الْجَوْزِيّ رَسُولا من الْخَلِيفَة وَهُوَ بهَا وسافر محيي الدّين إِلَى السُّلْطَان عَلَاء الدّين كيقباد بن غياث الدّين كيخسرو بن قلج أرسلان - صَاحب الرّوم - وَمَعَهُ الْحَافِظ زكي الدّين عبد الْعَظِيم المنفري رَسُولا من جِهَة الْملك الْكَامِل. وفيهَا مَاتَ الْملك الْعَزِيز غياث الدّين مُحَمَّد بن الظَّاهِر غَازِي بن صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب - صَاحب حلب - يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشري شهر ربيع الأول عَن ثَلَاث وَعشْرين سنة وَأشهر وَقَامَ من بعده ابْنه النَّاصِر صَلَاح الدّين أَبُو المظفر يُوسُف وعمره نَحْو السَّبع سِنِين وَقَامَ بتدبير أمره الأميران لُؤْلُؤ الأميني وَعز الدّين عمر بن محلي وَبَينهمَا وَزِير الدولة جمال الدّين الأكرم يُرَاجع السّتْر الرفيع صَفِيَّة خاتون ابْنة الْملك الْعَادِل على لِسَان جمال الدولة إقبال وَحضر الْأَمِير بدر الدّين بدر بن أبي الهيجاء وزين الدّين قَاضِي حلب إِلَى الْملك الْكَامِل بزردية الْعَزِيز وكزا غنده وخوذته ومركوبه فأظهر الْكَامِل الْأَلَم لمَوْته وَقصر فِي إكرامهما وَحلف للناصر وَشرط أَشْيَاء وَأعَاد الرسولين ثمَّ أرسل خلعة للناصر بِغَيْر مركوب وَمَعَهَا عدَّة خلع لِلْأُمَرَاءِ الحلبيين وخلعة للصالح صَلَاح الدّين أَحْمد بن الظَّاهِر غَازِي صَاحب عينتاب فاستوحشت أم الظَّاهِر من أَخِيهَا الْكَامِل وَلم توَافق على لبس أحد من الْأُمَرَاء الْخلْع فَلبس النَّاصِر وَحده خلعة الْكَامِل ورد الرَّسُول الْوَارِد إِلَى الصَّالح صَلَاح الدّين بخلعته. وفيهَا تنكر الْأَشْرَف - صَاحب دمشق - على الْملك الْكَامِل وراسل أهل حلب فوافقوه على منع الْكَامِل من بِلَاد الشَّام ومكاتبة السُّلْطَان عَلَاء الدّين صَاحب الرّوم ليَكُون مَعَهم فانتظمت كلمة مُلُوك الشَّام على مُخَالفَة الْملك الْكَامِل فانزعج الْملك الْكَامِل وَعز ذَلِك عَلَيْهِ وَكَانَ حييّ بلغه الْخَبَر بالإسكندرية فَخرج مِنْهَا لَيْلًا وَسَار إِلَى قلعة الْجَبَل وَشرع فِي تَدْبِير أمره فاتفق موت السُّلْطَان عَلَاء الدّين كيقباد بن غياث الدّين كيخسرو بن قلج أرسلان - ملك الرّوم - وَقيام وَلَده غياث الدّين كيخسرو بن عَلَاء الدّين كيقباد من بعده فِي سَابِع شَوَّال قبل اجتماعه بِالْحَافِظِ زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ رَسُول السُّلْطَان فَبعث مُلُوك الشَّام رسلهم إِلَى السُّلْطَان

стр. 277

غياث الدّين كيخسرو بن عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقي - صَاحب الرّوم - يعزونه فِي أَبِيه ويحلفونه على مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من مُخَالفَة الْملك الْكَامِل وَشر الْكَامِل أفضل الدّين مُحَمَّد الخونجي يعزي غياث الدّين بِأَبِيهِ وَمَعَهُ ذهب برسم الصَّدَقَة عَنهُ وَثيَاب أطلس برسم أغشية الْقَبْر. وفيهَا كَانَ الوباء أَشد من السّنة الْمَاضِيَة. وفيهَا ضرب الْملك الْكَامِل الْفُلُوس. وفيهَا بعث الْملك الْكَامِل القَاضِي الْأَشْرَف بن القَاضِي الْفَاضِل إِلَى الْملك النَّاصِر دَاوُد - صَاحب الكرك - يَدعُوهُ إِلَى مُوَافَقَته. فَرَحل الْملك النَّاصِر إِلَى الْقَاهِرَة مَعَ القَاضِي الْأَشْرَف فسر الْكَامِل بقدومه وَركب إِلَى لِقَائِه وأنزله بحار الوزارة وَقدم لَهُ أَشْيَاء كَثِيرَة وخلع عَلَيْهِ وقلده الْكَامِل دمشق وَأمر من عِنْده من الْأُمَرَاء والملوك الأيوبية فحملوا الغاشية بَين يَدَيْهِ بالنوبة فَكَانَ أول من حملهَا الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن الْكَامِل ثمَّ الْبَقِيَّة وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن صعد قلعة الْجَبَل وجدد النَّاصِر عقده على مطلقته عَاشُورَاء خاتون ابْنة الْكَامِل فِي تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة فَلَمَّا بلغ الْأَشْرَف ذَلِك أوقع الحوطة على نابلس وَأخذ مَا كَاد فِيهَا للناصر دَاوُد. وفيهَا سير الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل صَاحب حصن كيفا يسْتَأْذن أَبَاهُ فِي اسْتِخْدَام من خَالف السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو - صَاحب الرّوم - من الخوارزمية فَأذن لَهُ فِي ذَلِك واستخدمهم عِنْده بالبلاد الجزرية فتقوى بهم. وفيهَا استولى التتار على إربل وَقتلُوا كل من فِيهَا وَسبوا ونهبوا حَتَّى نتنت من كَثْرَة الْقَتْلَى ثمَّ رحلوا عَنْهَا. وفيهَا قدم من جِهَة مُلُوك الشَّام إِلَى الْملك الْكَامِل رَسُول فَبَلغهُ عَنْهُم أَنهم قَالُوا: إِنَّا اتّفقت كلمتنا عَلَيْك فَلَا تخرج من مصر إِلَى الشَّام واحلف لنا على ذَلِك. فاتفق مرض الْأَشْرَف بِالْقربِ فَكَانَ لَا يسْتَقرّ بباطنه طَعَام الْبَتَّةَ حَتَّى انْقَضتْ السّنة وَهُوَ مَرِيض من شهر رَجَب. وفيهَا قدم عَسْكَر من الْيمن إِلَى مَكَّة فحاربهم الْأَمِير أَسد الدّين جغريل وكسرهم فَقدم الْملك الْمَنْصُور عمر بن رَسُول وَملك مَكَّة بِغَيْر قتال وَتصدق بِمَال وَترك بهَا جمَاعَة فَقدم الشريف شيحة بن قَاسم - أَمِير الْمَدِينَة - وَملك مَكَّة مِنْهُم ونهبهم وَلم يقتل أحدا.

стр. 278

(سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة) فِيهَا مَاتَ الْأَشْرَف مُوسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب - صَاحب دمشق بهَا - يَوْم الْخَمِيس رَابِع الْمحرم وعمره نَحْو من سِتِّينَ سنة وَمُدَّة ملكه بِدِمَشْق ثَمَانِي سِنِين وَأشهر وَلم يتْرك سوى ابْنة تزَوجهَا الْملك الْجواد يُونُس بن مودود بن الْملك الْعَادِل فَقَامَ من بعده بِدِمَشْق أَخُوهُ الْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل صَاحب بصرى بِعَهْد من أَخِيه لَهُ فاستوفى الْملك الصَّالح عماد الدّين على دمشق وبعلبك وَبعث ابْنه الْملك الْمَنْصُور مَحْمُودًا إِلَى الشرق ليتسلم سنجار ونصيبين والخابور من نواب الشرق وَبعث إِلَى الْمُجَاهِد صَاحب حمص وَالِي المظفر صَاحب حماة وَإِلَى الحلبيين أَيْضا ليحلفوا لَهُ ويتفقوا مَعَه - على الْقَاعِدَة الَّتِي تقررت بَينهم وَبَين الْأَشْرَف - على مُخَالفَة الْكَامِل فَأَجَابُوا إِلَّا صَاحب حماة فَإِنَّهُ مَال مَعَ الْكَامِل وَبعث إِلَيْهِ يُعلمهُ بميله إِلَيْهِ فسر الْكَامِل بذلك ثمَّ إِن الْملك الصَّالح عماد الدّين صادر جمَاعَة من الدماشقة الَّذين قيل عَنْهُم إِنَّهُم مَعَ الْملك الْكَامِل مِنْهُم الْعلم تعاسيف وَأَوْلَاد مزهر وحبسهم فِي بصرى فتجهز الْكَامِل وَخرج من قلعة الْجَبَل بعساكره بكرَة يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشري صفر واستناب على مصر ابْنه الْملك الْعَادِل وَأخذ مَعَه النَّاصِر دَاوُد وَهُوَ لَا يشك أَن الْملك الْكَامِل يسلم إِلَيْهِ دمشق لما كَانَ قد تقرر بَينهمَا. فكاتب الْكَامِل نَائِب قلعة عجلون حَتَّى سلمهَا وَنزل على دمشق بِمَسْجِد الْقدَم فِي ثَالِث عشري ربيع الأول وَقد تخصنت وأتتها النجدات فحاصرها وَقطع عَنْهَا الْمِيَاه وضايقها حَتَّى غلت بهَا الأسعار وأحرق العقيبة والطواحين وألح على أَهلهَا بِالْقِتَالِ وَكَانَ الْوَقْت شتاء فَأذن الصَّالح إِسْمَاعِيل وَسلم دمشق لِأَخِيهِ الْكَامِل فَعوضهُ عَنْهَا بعلبك وَالْبِقَاع وَبصرى والسواد. وَكَانَ السفير بَينهمَا الصاحب محيي الدّين أَبُو المظفر يُوسُف بن الشَّيْخ أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ - رَسُول الْخَلِيفَة - الْوَارِد ليوقع الصُّلْح بَين مُلُوك بني أَيُّوب فتسلم الْكَامِل دمشق فِي عَاشر جُمَادَى الأولى وَسَار الصَّالح إِسْمَاعِيل إِلَى بعلبك لإحدى عشرَة بقيت من جُمَادَى الأولى فَنزل الْملك الْكَامِل بالقلعة وَأمر بِنصب الدهليز بِظَاهِر دمشق وسير المظفر صَاحب حماة إِلَى حمص وَأطلق الْفلك المسيري من سجن قلعة دمشق - وَكَانَ

стр. 279

قد سجنه الْملك الْأَشْرَف - وَنقل الْأَشْرَف إِلَى تربته وَأمر الْكَامِل فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس جُمَادَى الْآخِرَة أَلا يُصَلِّي أحد من أَئِمَّة الْجَامِع الْمغرب سويى الإِمَام الْكَبِير فَقَط لِأَنَّهُ كَانَ يَقع بصلاتهم تشويش كَبِير على الْمُصَلِّين وَورد الْخَبَر باستيلاء الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل على سنجار ونصيبين والخابور وَقدم رَسُول الْخَلِيفَة بِمَال إِلَى الْملك الْكَامِل ليستخدم بِهِ عسكراً للخليفة فَإِنَّهُ بلغه توجه التتر إِلَى بَغْدَاد فَقَامَ الْملك الْكَامِل لما سلم إِلَيْهِ كتاب الْخَلِيفَة وَوَضعه على رَأسه وَكَانَ جملَة مَا حضر من المَال مائَة ألف دِينَار مصرية فَأمر الْملك الْكَامِل أَن يخرج من بَيت المَال مِائَتَا ألف دِينَار ليستخدم بهَا العساكر وَأَن يجرد من عَسَاكِر مصر وَالشَّام عشرَة آلَاف نجدة للخليفة وَأَن يكون مقدم العساكر النَّاصِر دَاوُد وَألا يصرف مِمَّا حضر من المَال شَيْء بل يُعَاد بِكَمَالِهِ إِلَى خزانَة الْخَلِيفَة فَتَوَلّى اسْتِخْدَام الأجناد الأميران ركن الدّين الهيجاوي وعماد الدّين بن موسك وَأَن يَكُونَا مَعَ النَّاصِر دَاوُد فِي خدمته فاستخدم النَّاصِر الْعَسْكَر وَسَار إِلَى بَغْدَاد وهم نَحْو ثَلَاثَة آلَاف فَارس وَشرع الْكَامِل يتجهز لأخذ حلب فخاف الْمُجَاهِد صَاحب حمص وَبعث ابْنه الْمَنْصُور إِبْرَاهِيم فتقرر الْأَمر على أَن يحمل الْمُجَاهِد كل سنة للْملك الْكَامِل ألفي ألف دِرْهَم فَعَفَا عَنهُ. وَكَانَ مُنْذُ دخل الْكَامِل إِلَى قلعة دمشق قد حدث لَهُ زكام فَدخل فِي ابْتِدَائه إِلَى الْحمام وصب على رَأسه المَاء الْحَار فاندفعت المُرَاد إِلَى معدته فتورم وَعرضت لَهُ حمى فَنَهَاهُ الْأَطِبَّاء عَن الْقَيْء وحفروه مِنْهُ فاتفق أَنه تقيا لوقته فِي آخر نَهَار الْأَرْبَعَاء حادي عشري شهر رَجَب بقاعة الْفضة من قلعة دمشق فحفن بهَا بكرَة الْغَد وعمره نَحْو من سِتِّينَ سنة وَذَلِكَ بعد موت أَخِيه الْأَشْرَف بِنَحْوِ سِتَّة أشهر فَكَانَت مُدَّة ملكه دمشق هَذِه الْمرة أحدا وَسبعين يَوْمًا وَمُدَّة مَمْلَكَته بِمصْر - بعد موت أَبِيه - عشْرين سنة وَثَلَاثَة وَأَرْبَعين يَوْمًا - وَقيل وَخَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا - وَكَانَت فِي أَيَّام أَبِيه نَحْوهَا فَحكم مصر قَرِيبا من أَرْبَعِينَ سنة ومولده فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة. وَكَانَ يحب أهل الْعلم ويؤثر مجالستهم وشغف بِسَمَاع الحَدِيث النَّبَوِيّ وَحدث بِالْإِجَازَةِ من أبي مُحَمَّد بن بري وَأبي الْقَاسِم البوصيري وعدة من المصريين وَغَيرهم وَتقدم عِنْده أَبُو الْخطاب بن دحْيَة وَبني لَهُ دَار الحَدِيث الكاملية بِالْقَاهِرَةِ وَجعل عَلَيْهِمَا

стр. 280

أوقافاً وَكَانَ يناظر الْعلمَاء وَعِنْده مسَائِل غَرِيبَة من فقه وَنَحْو يمْتَحن بهَا فَمن أجَاب عَنْهَا قدمه وحظي عِنْده وَكَانَت تبيت عِنْده بالقلعة جمَاعَة من أهل الْعلم: كالجمال اليمني النَّحْوِيّ والفقيه عبد الظَّاهِر وَابْن دحْيَة والأمير صَلَاح الدّين الإربلي - كَانَ أحد الْفُضَلَاء - فينصب لَهُم أسرة ينامون عَلَيْهَا بِجَانِب سَرِيره ليسامروه فنفقت الْعُلُوم والآداب عِنْده وقصده أَرْبَاب الْفَضَائِل فَكَانَ يُطلق لمن يَأْتِيهِ مِنْهُم الأرزاق الوافرة الدارة فَمِمَّنْ قَصده التَّاج بن الأرموي وَأفضل الدّين الخونجي وَالْقَاضِي الشريف شمس الدّين الأرموي - قَاضِي الْعَسْكَر - وَهَؤُلَاء أَئِمَّة وقتهم فِي الْمَنْقُول والمعقول وَكَانَ مهيباً حازماً سديد الآراء حسن التَّدْبِير لمماليكه عفيفاً عَن الدِّمَاء وَبلغ من مهابته أَن الرمل - فِيمَا بَين الْعَريش ومصر - كَانَ يمر فِيهِ الْوَاحِد بِالذَّهَب الْكثير والأحمال من الثِّيَاب من غير خوف وسرق مرّة فِيهِ بِسَاط فَاحْضُرْ الْكَامِل العربان الَّذين يخرون الطَّرِيق وألزمهم بإحضاره وإحضار سارقه فبذلوا عوضه شَيْئا كثيرا وَهُوَ يَأْبَى إِلَّا إِحْضَار السَّارِق أَو إِتْلَاف أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بدله فَلم يَجدوا بدا من إِحْضَار السَّارِق والبساط وَكَانَ يُبَاشر أُمُور الْملك بِنَفسِهِ من غير اعْتِمَاد على وَزِير وَلَا غَيره واستوزر أَولا الصاحب صفى الدّين بن شكر سِتّ سِنِين وانكف بَصَره وَهُوَ يُبَاشر الوزارة حَتَّى مَاتَ وَكَانَ الْأَمِير فَخر الدّين عُثْمَان الأستادار يتَرَدَّد إِلَيْهِ فِي الأشغال فَلَمَّا مَاتَ الصاحب صفي الدّين لم يستوزر الْكَامِل بعده أحدا بل كَانَ يستنهض من يخْتَار فِي تَدْبِير الأشغال: فَأَقَامَ معِين الدّين بن شيخ الشُّيُوخ مُدَّة وَسَماهُ نَائِب الوزارة وَمرَّة أَقَامَ تَاج الدّين يُوسُف بن الصاحب صفي الدّين وَمرَّة جمال الدّين البوري وَصَارَ يُبَاشر أُمُور الدولة بِنَفسِهِ ويحضر عِنْده الدَّوَاوِين فيحاقهم ويحاسبهم وَإِذا ابتدأت زِيَادَة النّيل خرج بِنَفسِهِ وكشف الجسور ورتب فِي كل جسر من الْأُمَرَاء من يَتَوَلَّاهُ وَيجمع الرِّجَال لعمله ثمَّ يشرف على الجسور بعد ذَلِك فَمَتَى اخْتَلَّ جسر عاقب متوليه أَشد الْعقُوبَة فعمرت أَرض مصر فِي أَيَّامه عمَارَة زَائِدَة. وَأخرج الْكَامِل من زكوات الْأَمْوَال - الَّتِي كَانَت تجبى - سهمي الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وجعلهما مصروفين ورتب عَلَيْهِمَا جامكيات الْفُقَهَاء والفقراء والصلحاء وَكَانَ يَجْعَل فِي كل لَيْلَة جُمُعَة مَجْلِسا لأهل الْعلم عِنْده وَيجْلس مَعَهم للمباحثة وَكَانَت كثير السياسة وَأقَام فِي كل طَرِيق خفراء تحفظ الْمُسَافِرين إِلَّا أَنه كَانَ معري بِجمع المَال مُجْتَهدا فِي تَحْصِيله وأحدث فِي الْبِلَاد حوادث سَمَّاهَا الْحُقُوق لم تكن فِي أَيَّام من تقدمه وَله شعر مِنْهُ قَوْله: إِذا تحققتم مَا عِنْد صَاحبكُم من الغرام فَذَاك الْقدر يَكْفِيهِ

стр. 281

(أَنْتُم سكنتم فُؤَادِي وَهُوَ منزلكم وَصَاحب الْبَيْت أدرى بِالَّذِي فِيهِ) وَفِيه يَقُول الْبَهَاء زُهَيْر بن مُحَمَّد من قصيدة عِنْد فتح دمياط: هُوَ الْكَامِل الْمولى الَّذِي إِن ذكرته فيا طرب الدُّنْيَا وَيَا فَرح الْعَصْر بِهِ ارتجعت دمياط قهرا من العدى وطهر بِالسَّيْفِ وَالْملَّة الطُّهْر لَك الله من ملك إِذا جاد أوسطا فناهيك من عرف وناهيك من نكر يقْصد عَنهُ الْمَدْح من كل مادح وَلَو جَاءَ بالشمس المنيرة والبدر وَكَانَ أَوْلَاد الشَّيْخ صدر الدّين بن حمويه هم أكَابِر دولته وأعيانها وهم الْأَمِير فَخر الدّين يُوسُف وعماد الدّين عمر وَكَمَال الدّين أَحْمد ومعين الدّين حسن وَكَانَ فَخر الدّين قد ترك لبس الْعِمَامَة وَلبس الطربوش والقباء ونادم السُّلْطَان وَكَانَ فَاضلا أديباً يُشَارك فِي فنون وَإِخْوَته لَهُم فَضَائِل وإليهم مشيخة الخانقاه الصلاحية سعيد السُّعَدَاء وتدريس الْمدرسَة الناصرية بجوار قبر الشَّافِعِي من القرافة وتدريس المشهد الْحُسَيْنِي بِالْقَاهِرَةِ وَمَا مِنْهُم إِلَّا من تقدم على الجيوش وباشر الْحَرْب وأرضعت أمّهم - وَهِي ابْنة القَاضِي شهَاب الدّين ابْن عصرون - الْملك الْكَامِل فصاروا إخْوَته من الرَّضَاع. فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان الْكَامِل اتّفق أَوْلَاد الشَّيْخ والأمير سيف الدّين عَليّ بن قلج وَأَخُوهُ الْأَمِير عماد الدّين وَالْملك النَّاصِر دَاوُد وأرباب الدولة على تَحْلِيف الأجناد للْملك الْعَادِل أبي بكر بن الْملك الْكَامِل - وَهُوَ يَوْمئِذٍ يخلف أَبَاهُ بقلعة الْجَبَل - على ديار مصر وَأَن يرتب الْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن مودود بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب فِي نِيَابَة دمشق وكتموا ذَلِك الْأَمر الثَّانِي عَن النَّاصِر دَاوُد وحلفوا على ذَلِك فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري رَجَب وبعثوا الْأَمِير نور الدّين عَليّ بن الْأَمِير فَخر الدّين عُثْمَان الأستادار إِلَى النَّاصِر دَاوُد فَأخْرجهُ من دمشق إِلَى الكرك وَاسْتقر الْجواد بِدِمَشْق نَائِبا لِابْنِ عَمه الْملك الْعَادِل وَسَار الْعَسْكَر من دمشق إِلَى مصر وَتَأَخر بِدِمَشْق أُمَرَاء عدَّة - فِي جمع من عَسْكَر مصر ومماليك الْأَشْرَف - لحفظها ومقدمهم عماد الدّين عمر بن شيخ الشُّيُوخ فبذل الْجواد الْأَمْوَال وطمع فِي الاستبداد بِملك دمشق وألزم الْخَطِيب بِذكرِهِ فِي الْخطْبَة بعد الْعَادِل. السُّلْطَان الْملك الْعَادِل الثَّانِي سيف الدّين أَبُو بكر بن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب. أمه

стр. 282

السِّت السَّوْدَاء الْمَعْرُوفَة ببنت الْفَقِيه نصر ومولده فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة. اسْتَقر الْأَمر لَهُ بسلطنة مصر ودمشق فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري رَجَب سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة الْمُوَافق لسادس عشر برمهات. وخطب لَهُ بِالْقَاهِرَةِ ومصر فِي رَابِع شعْبَان وَهُوَ السُّلْطَان السَّابِع من بني أبوب بديار مصر فَقدمت عَلَيْهِ القصاد من دمشق بوفاة أَبِيه واستقراره من بعده فشرع الْأَمِير سيف الدّين قلج فِي تَحْلِيف الْأُمَرَاء للْملك الْعَادِل فِي دَاره وَحط الْملك الْعَادِل المكوس ووسع فِي الْعَطاء وَفِي الرَّزَّاق على كل أحد. وَفِي رَابِع شعْبَان: خطب لَهُ بِمصْر وأعلن بِمَوْت الْملك الْكَامِل. وَفِي رَابِع عشر شعْبَان: ضربت السِّكَّة باسمه. وَفِي ثامن عشر رَمَضَان: نقش الدِّينَار وَالدِّرْهَم باسمه. وَفِي عشريه: قرئَ توقيعه على الْمِنْبَر بِإِبْطَال جَمِيع المكوس. وَفِي سَابِع عشري شَوَّال: وصل محيي الدّين أَبُو مُحَمَّد يُوسُف بن الْجَوْزِيّ رَسُولا من بَغْدَاد بتعزية الْملك الْعَادِل وهنأه بِالْملكِ من قبل الْخَلِيفَة وَكَانَ الْعَادِل قد بعث إِلَى دمشق بِالْخلْعِ والسنجق فَركب الْجواد بِالْخلْعِ فِي تَاسِع عشر رَمَضَان. وفيهَا أنْفق الْعَادِل على العساكر. وَفِي ثَانِي ذِي الْقعدَة: اسْتحْلف ابْن الْجَوْزِيّ الْملك الْعَادِل للخليفة الْمُسْتَنْصر. وَفِيه ورد الْخَبَر بِأَن النَّاصِر دَاوُد تحالف هُوَ والجواد وَقد اتفقَا وخرجا عَن طَاعَة الْعَادِل وَوصل النَّاصِر دَاوُد إِلَى غَزَّة وخطب بهَا لنَفسِهِ ثمَّ وَقع بَينه وَبَين الْجواد خلف فأظهر الْجواد أَنه عَاد إِلَى طَاعَة الْملك الْعَادِل وَلما قربت العساكر الْوَارِدَة من دمشق إِلَى الْقَاهِرَة ركب الْعَادِل إِلَى لقائهم وَأكْرمهمْ وسير إِلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ الْأَمْوَال وَالْخلْع والخيول فجددوا لَهُ الْأَيْمَان والعهود فاستقر أمره وَأخرج الْعَادِل الْأَمْوَال وبذلها فِي الأجناد وَأكْثر من الْعَطاء والبذل حَتَّى بدد فِي مُدَّة يسيرَة مَا جمعه أَبوهُ فِي مدد متطاولة وَأخذ فِي إبعاد أُمَرَاء الدولة عَنهُ وَقطع رواتب أَرْبَاب الدولة واختص بِمن أنشأه فنفرت قُلُوب الأكابر مِنْهُ واشتغل هُوَ عَنْهُم لانهماك شرب الْخمر وَكَثْرَة اللَّهْو وَالْفساد وَسَار النَّاصِر وَأَبُو دَاوُد من الكرك وَاسْتولى على غَزَّة والسواحل واستجد عسكراً كَبِيرا وبرز عَن غَزَّة وَبعث إِلَى الْملك الْعَادِل يُرِيد مِنْهُ المساعدة على أَخذ دمشق.

стр. 283

وَقَوي الْمُجَاهِد أَسد الدّين صاخب حمص بعد موت الْكَامِل وأغار على حماة وحصرها واستعد أهل حلب واستجدوا عسكرا من الخوارزمية وعسكراً من الزكمان كَانَ قد صَار إِلَيْهِم عدَّة من أَصْحَاب الْملك الْكَامِل فأكرموهم وبعثوا إِلَى السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو بن كيقباد ملك الرّوم يسألونه إرْسَال نجدة فَأَمَدَّهُمْ بِخِيَار عسكره وَخَرجُوا فملكوا المعرة ونازلوا حماة وقاتلوا المظفر صَاحبهَا فَثَبت لَهُم وَامْتنع عَلَيْهِم وَقَاتلهمْ وَكَانَ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل على الرحبة منازلاً لَهَا فَلَمَّا بلغه موت أَبِيه الْملك الْكَامِل رَحل عَنْهَا فطمع فِيهَا من مَعَه من الخوارزمية وَخَرجُوا عَن طَاعَته وهموا بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فقصد سنجار وَامْتنع بهَا مُدَّة وَترك خزائنه وأثقاله فأنتهبها الخوارزمية وتحكموا فِي الْبِلَاد الجزرية وطمع فِيهِ السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو بن كيقباد - ملك الرومية - وَبعث إِلَى النَّاصِر صَلَاح الدّين أبي المظفر يُوسُف صَاحب حلب توقيعاً بالرها وسروج وَكَانَا مَعَ الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وأقطع الْمَنْصُور نَاصِر الدّين الأرتقي صَاحب ماردين مَدِينَة نجار ومدينة نَصِيبين وهما من بِلَاد الصَّالح أَيْضا وأقطع الْمُجَاهِد أَسد الدّين شيركوه صَاحب حمص بَلْدَة عانة وَغَيرهَا من بِلَاد الخابور وعزم السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو على أَن يَأْخُذ لنَفسِهِ من بِلَاد الصَّالح أَيْضا آمد وسميساط وَصَارَ الْملك الصَّالح محصوراً بسنجار فطمع فِيهِ الْملك الرَّحِيم بدر الدّين لُؤْلُؤ - صَاحب الْموصل - وحصره بسنجار فِي ذِي الْقعدَة وَأَرَادَ حمله إِلَى بَغْدَاد فِي قفص جَدِيد كَرَاهَة فِيهِ لما كَانَ عِنْده من التجبر وَالظُّلم والمكبر فَلَمَّا أشرف بدر الدّين لُؤْلُؤ على أَخذ سنجار بعث الصَّالح إِلَيْهِ القَاضِي بدر الدّين يُوسُف بن الْحسن الزرزاري قَاضِي سنجار بعد مَا حلق لحيته وَدَلاهُ من السُّور. وَكَانَ القَاضِي الزرزاري مُتَقَدما فِي الدولة الأشرفية ولاه الْملك الْأَشْرَف مُوسَى قَضَاء بعلبك ثمَّ بعد موت الْملك الْأَشْرَف ولاه الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب قَضَاء سنجار وَكَانَ كثير التجمل جدا وَاسع الْبر وَالْمَعْرُوف وَله مماليك وغلمان وحواشي لَهُم من التجمل مَا لَيْسَ لغَيرهم فَصَارَ كَأحد الْأُمَرَاء الأكابر وَصَارَ يقْصد لسَائِر من يرد عَلَيْهِ من أهل الْعلم وَذَوي البيوتات فَتوجه القَاضِي فِي خُفْيَة إِلَى الخوارزمية واستمالهم وَطيب خواطرهم بِكَثْرَة مَا وعدهم بِهِ فمالوا إِلَيْهِ بعد مَا كَانُوا قد اتَّفقُوا مَعَ صَاحب ماردين وقصدوا بِلَاد الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب واستولوا على الْعمَّال ونازلوا

стр. 284

حران وَكَانَ الْملك الصَّالح قد ترك بهَا وَلَده المغيث فتح الدّين عمر بن الصَّالح فخاف من الخوارزمية وَسَار مختفياً حَتَّى فَرد إِلَى قلعة جعبر فَسَارُوا خَلفه ونهبوا مَا كَانَ مَعَه وأفلت مِنْهُم فِي شرذمة يسيرَة إِلَى منبج فَاسْتَجَارَ بعمة أَبِيه الصاحبة ضيفة خاتون أم الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب فَلم تقبله فر إِلَى حران وفيهَا أَتَاهُ كتاب أَبِيه يَأْمُرهُ بموافقة الخوارزمية والوصول بهم إِلَيْهِ لدفع بَحر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل فَاجْتمع المغيث عمر وَالْقَاضِي بدر الدّين قَاضِي سنجار بالخوارزمية وَالْتزم لَهُم القَاضِي أَن يقطعوا سنجار وحران والرها فطابت قُلُوبهم وحلفوا للْملك الصَّالح وَقَامُوا فِي خدمَة ابْنه الْملك المغيث وَسَارُوا مَعَه إِلَى سنجار فأفرج عَنْهَا عَسْكَر الْموصل يُرِيدُونَ بِلَادهمْ. وادركهم الخوارزمية وأوقعوا بهم وقْعَة عَظِيمَة فر فِيهَا بدر الدّين لُؤْلُؤ بمفرده على فرس سَابق ثمَّ تلاحق بِهِ عسكره. واحتوت الخوارزمية على سَائِر مَا كَانَ مَعَه فاستغنوا بذلك وَقَوي الْملك الصَّالح بالخوارزمية وَبهَا الْفَتْح قُوَّة زَائِدَة وَعظم شَأْنه وسير الخوارزمية إِلَى آمد وَعَلَيْهَا عَسْكَر السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو صَاحب الرّوم وَبهَا الْمُعظم غياث الدّين تورانشاه بن الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَهُوَ مَحْصُور مِنْهُم فأوقعوا بهم ورحلوهم عَن آمد فَخرج الصَّالح من سنجار إِلَى حسن كيفا وَبعث الْملك الْعَادِل من مصر إِلَى أهل حلب يُرِيد مِنْهُم أَن

стр. 285

يجروا مَعَه على مَا كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ أَبِيه الْملك الْكَامِل - من إِقَامَة الْخطْبَة لَهُ على مَنَابِر حلب وَأَن تضرب لَهُ السِّكَّة - فَلم يجب إِلَى ذَلِك وَقدم رَسُول غياث الدّين كيخسرو ملك الرّوم فزوج غَازِيَة خاتون ابْنة الْعَزِيز السُّلْطَان غياث الدّين وأنكح الْملك النَّاصِر - صَاحب حلب - أُخْت السُّلْطَان غياث الدّين وَتَوَلَّى العقد الصاحب كَمَال الدّين بن أبي جَرَادَة بن العديم وَخرج فِي الرسَالَة إِلَى بِلَاد الرّوم وَعقد للْملك النَّاصِر صَاحب حلب على ملكة خاتون أُخْت السُّلْطَان غياث الدّين فَبعث غياث الدّين رَسُولا إِلَى حلب فأقيمت لَهُ بهَا الْخطْبَة وَخرج الْملك الْجواد من دمشق فِي أول ذِي الْحجَّة يُرِيد محاربة النَّاصِر دَاوُد صَاحب كرك بأذنبا بِالْقربِ من نابلس فانكسر النَّاصِر كسرة قبيحة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر ذِي الْحجَّة وَانْهَزَمَ إِلَى الكرك. فغنم الْجواد مَا كَانَ مَه وَعَاد إِلَى دمشق وَفرق سِتّمائَة ألف دِينَار وَخَمْسَة آلَاف خلعة وأبطل المكوس وَالْخُمُور وَنفى المغاني. وَعَاد من كَانَ فِي دمشق من عَسْكَر مصر وَمَعَهُمْ الْأَمِير عماد الدّين بن شيخ الشُّيُوخ إِلَى الْقَاهِرَة بسناجق النَّاصِر فِي سادس عشري ذِي الْحجَّة فَلم يعجب الْملك الْعَادِل ذَلِك وَخَافَ من تمكن الْملك الْجواد. وفيهَا قصد التتار بَغْدَاد فَبعث إِلَيْهِم الْخَلِيفَة جَيْشًا قتل كثيرا مِنْهُ وفر من بَقِي. وفيهَا مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَهُوَ شمس الدّين أَبُو البكرات يحيي بن هبة الله ابْن الْحسن بن بني الدولة الشَّافِعِي فِي خَامِس ذِي الْقعدَة فأعيد فِي سابعه قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَحْمد بن الْخَلِيل الخويي ورتب مراكز الشُّهُود - وَكَانُوا أَولا بِدِمَشْق وراقين يورقون المكاتيب وَغَيرهَا فَإِذا فرغوا من الوراقة مَشوا إِلَى بيُوت الْعُدُول فيشهدونهم على مَا يُرِيدُونَ واقتدى بعد ذَلِك أهل الْقَاهِرَة ومصر بهم. وفيهَا تولى الشريف شمس الدّين مُحَمَّد بن الْحسن الأرموي قَضَاء الْعَسْكَر ونقابة الْأَشْرَاف بديار مصر وَقُرِئَ سجله بِجَامِع مصر بِحَضْرَة الْأَمِير جمال الدّين مُوسَى ابْن يغمور وَالْملك المسيري. وفيهَا بطلت الْفُلُوس. وفيهَا سَار الْملك الْمَنْصُور نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول من الْيمن يُرِيد مَكَّة أحرق الْأَمِير أَسد الدّين جغريل مَا كَانَ مَعَه من الأثقال وَخرج هُوَ رمن مَعَه من مَكَّة فِي سَابِع شهر رَجَب قبل وُصُول ملك الْيمن بيومين فَالْتَقوا بَين مَكَّة والسرين انهزم الْعَرَب أَصْحَاب الشريف رَاجِح وَأسر الْأَمِير شهَاب الدّين بن عدان من أُمَرَاء
следующие страницы →