← Тараджим

Тараджим · id 6667

السلوك لمعرفة دول الملوك

المقريزي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(أَنْتُم سكنتم فُؤَادِي وَهُوَ منزلكم وَصَاحب الْبَيْت أدرى بِالَّذِي فِيهِ) وَفِيه يَقُول الْبَهَاء زُهَيْر بن مُحَمَّد من قصيدة عِنْد فتح دمياط: هُوَ الْكَامِل الْمولى الَّذِي إِن ذكرته فيا طرب الدُّنْيَا وَيَا فَرح الْعَصْر بِهِ ارتجعت دمياط قهرا من العدى وطهر بِالسَّيْفِ وَالْملَّة الطُّهْر لَك الله من ملك إِذا جاد أوسطا فناهيك من عرف وناهيك من نكر يقْصد عَنهُ الْمَدْح من كل مادح وَلَو جَاءَ بالشمس المنيرة والبدر وَكَانَ أَوْلَاد الشَّيْخ صدر الدّين بن حمويه هم أكَابِر دولته وأعيانها وهم الْأَمِير فَخر الدّين يُوسُف وعماد الدّين عمر وَكَمَال الدّين أَحْمد ومعين الدّين حسن وَكَانَ فَخر الدّين قد ترك لبس الْعِمَامَة وَلبس الطربوش والقباء ونادم السُّلْطَان وَكَانَ فَاضلا أديباً يُشَارك فِي فنون وَإِخْوَته لَهُم فَضَائِل وإليهم مشيخة الخانقاه الصلاحية سعيد السُّعَدَاء وتدريس الْمدرسَة الناصرية بجوار قبر الشَّافِعِي من القرافة وتدريس المشهد الْحُسَيْنِي بِالْقَاهِرَةِ وَمَا مِنْهُم إِلَّا من تقدم على الجيوش وباشر الْحَرْب وأرضعت أمّهم - وَهِي ابْنة القَاضِي شهَاب الدّين ابْن عصرون - الْملك الْكَامِل فصاروا إخْوَته من الرَّضَاع. فَلَمَّا مَاتَ السُّلْطَان الْكَامِل اتّفق أَوْلَاد الشَّيْخ والأمير سيف الدّين عَليّ بن قلج وَأَخُوهُ الْأَمِير عماد الدّين وَالْملك النَّاصِر دَاوُد وأرباب الدولة على تَحْلِيف الأجناد للْملك الْعَادِل أبي بكر بن الْملك الْكَامِل - وَهُوَ يَوْمئِذٍ يخلف أَبَاهُ بقلعة الْجَبَل - على ديار مصر وَأَن يرتب الْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن مودود بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب فِي نِيَابَة دمشق وكتموا ذَلِك الْأَمر الثَّانِي عَن النَّاصِر دَاوُد وحلفوا على ذَلِك فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري رَجَب وبعثوا الْأَمِير نور الدّين عَليّ بن الْأَمِير فَخر الدّين عُثْمَان الأستادار إِلَى النَّاصِر دَاوُد فَأخْرجهُ من دمشق إِلَى الكرك وَاسْتقر الْجواد بِدِمَشْق نَائِبا لِابْنِ عَمه الْملك الْعَادِل وَسَار الْعَسْكَر من دمشق إِلَى مصر وَتَأَخر بِدِمَشْق أُمَرَاء عدَّة - فِي جمع من عَسْكَر مصر ومماليك الْأَشْرَف - لحفظها ومقدمهم عماد الدّين عمر بن شيخ الشُّيُوخ فبذل الْجواد الْأَمْوَال وطمع فِي الاستبداد بِملك دمشق وألزم الْخَطِيب بِذكرِهِ فِي الْخطْبَة بعد الْعَادِل. السُّلْطَان الْملك الْعَادِل الثَّانِي سيف الدّين أَبُو بكر بن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب. أمه

стр. 282

السِّت السَّوْدَاء الْمَعْرُوفَة ببنت الْفَقِيه نصر ومولده فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة. اسْتَقر الْأَمر لَهُ بسلطنة مصر ودمشق فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشري رَجَب سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة الْمُوَافق لسادس عشر برمهات. وخطب لَهُ بِالْقَاهِرَةِ ومصر فِي رَابِع شعْبَان وَهُوَ السُّلْطَان السَّابِع من بني أبوب بديار مصر فَقدمت عَلَيْهِ القصاد من دمشق بوفاة أَبِيه واستقراره من بعده فشرع الْأَمِير سيف الدّين قلج فِي تَحْلِيف الْأُمَرَاء للْملك الْعَادِل فِي دَاره وَحط الْملك الْعَادِل المكوس ووسع فِي الْعَطاء وَفِي الرَّزَّاق على كل أحد. وَفِي رَابِع شعْبَان: خطب لَهُ بِمصْر وأعلن بِمَوْت الْملك الْكَامِل. وَفِي رَابِع عشر شعْبَان: ضربت السِّكَّة باسمه. وَفِي ثامن عشر رَمَضَان: نقش الدِّينَار وَالدِّرْهَم باسمه. وَفِي عشريه: قرئَ توقيعه على الْمِنْبَر بِإِبْطَال جَمِيع المكوس. وَفِي سَابِع عشري شَوَّال: وصل محيي الدّين أَبُو مُحَمَّد يُوسُف بن الْجَوْزِيّ رَسُولا من بَغْدَاد بتعزية الْملك الْعَادِل وهنأه بِالْملكِ من قبل الْخَلِيفَة وَكَانَ الْعَادِل قد بعث إِلَى دمشق بِالْخلْعِ والسنجق فَركب الْجواد بِالْخلْعِ فِي تَاسِع عشر رَمَضَان. وفيهَا أنْفق الْعَادِل على العساكر. وَفِي ثَانِي ذِي الْقعدَة: اسْتحْلف ابْن الْجَوْزِيّ الْملك الْعَادِل للخليفة الْمُسْتَنْصر. وَفِيه ورد الْخَبَر بِأَن النَّاصِر دَاوُد تحالف هُوَ والجواد وَقد اتفقَا وخرجا عَن طَاعَة الْعَادِل وَوصل النَّاصِر دَاوُد إِلَى غَزَّة وخطب بهَا لنَفسِهِ ثمَّ وَقع بَينه وَبَين الْجواد خلف فأظهر الْجواد أَنه عَاد إِلَى طَاعَة الْملك الْعَادِل وَلما قربت العساكر الْوَارِدَة من دمشق إِلَى الْقَاهِرَة ركب الْعَادِل إِلَى لقائهم وَأكْرمهمْ وسير إِلَيْهِم فِي مَنَازِلهمْ الْأَمْوَال وَالْخلْع والخيول فجددوا لَهُ الْأَيْمَان والعهود فاستقر أمره وَأخرج الْعَادِل الْأَمْوَال وبذلها فِي الأجناد وَأكْثر من الْعَطاء والبذل حَتَّى بدد فِي مُدَّة يسيرَة مَا جمعه أَبوهُ فِي مدد متطاولة وَأخذ فِي إبعاد أُمَرَاء الدولة عَنهُ وَقطع رواتب أَرْبَاب الدولة واختص بِمن أنشأه فنفرت قُلُوب الأكابر مِنْهُ واشتغل هُوَ عَنْهُم لانهماك شرب الْخمر وَكَثْرَة اللَّهْو وَالْفساد وَسَار النَّاصِر وَأَبُو دَاوُد من الكرك وَاسْتولى على غَزَّة والسواحل واستجد عسكراً كَبِيرا وبرز عَن غَزَّة وَبعث إِلَى الْملك الْعَادِل يُرِيد مِنْهُ المساعدة على أَخذ دمشق.

стр. 283

وَقَوي الْمُجَاهِد أَسد الدّين صاخب حمص بعد موت الْكَامِل وأغار على حماة وحصرها واستعد أهل حلب واستجدوا عسكرا من الخوارزمية وعسكراً من الزكمان كَانَ قد صَار إِلَيْهِم عدَّة من أَصْحَاب الْملك الْكَامِل فأكرموهم وبعثوا إِلَى السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو بن كيقباد ملك الرّوم يسألونه إرْسَال نجدة فَأَمَدَّهُمْ بِخِيَار عسكره وَخَرجُوا فملكوا المعرة ونازلوا حماة وقاتلوا المظفر صَاحبهَا فَثَبت لَهُم وَامْتنع عَلَيْهِم وَقَاتلهمْ وَكَانَ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل على الرحبة منازلاً لَهَا فَلَمَّا بلغه موت أَبِيه الْملك الْكَامِل رَحل عَنْهَا فطمع فِيهَا من مَعَه من الخوارزمية وَخَرجُوا عَن طَاعَته وهموا بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فقصد سنجار وَامْتنع بهَا مُدَّة وَترك خزائنه وأثقاله فأنتهبها الخوارزمية وتحكموا فِي الْبِلَاد الجزرية وطمع فِيهِ السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو بن كيقباد - ملك الرومية - وَبعث إِلَى النَّاصِر صَلَاح الدّين أبي المظفر يُوسُف صَاحب حلب توقيعاً بالرها وسروج وَكَانَا مَعَ الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وأقطع الْمَنْصُور نَاصِر الدّين الأرتقي صَاحب ماردين مَدِينَة نجار ومدينة نَصِيبين وهما من بِلَاد الصَّالح أَيْضا وأقطع الْمُجَاهِد أَسد الدّين شيركوه صَاحب حمص بَلْدَة عانة وَغَيرهَا من بِلَاد الخابور وعزم السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو على أَن يَأْخُذ لنَفسِهِ من بِلَاد الصَّالح أَيْضا آمد وسميساط وَصَارَ الْملك الصَّالح محصوراً بسنجار فطمع فِيهِ الْملك الرَّحِيم بدر الدّين لُؤْلُؤ - صَاحب الْموصل - وحصره بسنجار فِي ذِي الْقعدَة وَأَرَادَ حمله إِلَى بَغْدَاد فِي قفص جَدِيد كَرَاهَة فِيهِ لما كَانَ عِنْده من التجبر وَالظُّلم والمكبر فَلَمَّا أشرف بدر الدّين لُؤْلُؤ على أَخذ سنجار بعث الصَّالح إِلَيْهِ القَاضِي بدر الدّين يُوسُف بن الْحسن الزرزاري قَاضِي سنجار بعد مَا حلق لحيته وَدَلاهُ من السُّور. وَكَانَ القَاضِي الزرزاري مُتَقَدما فِي الدولة الأشرفية ولاه الْملك الْأَشْرَف مُوسَى قَضَاء بعلبك ثمَّ بعد موت الْملك الْأَشْرَف ولاه الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب قَضَاء سنجار وَكَانَ كثير التجمل جدا وَاسع الْبر وَالْمَعْرُوف وَله مماليك وغلمان وحواشي لَهُم من التجمل مَا لَيْسَ لغَيرهم فَصَارَ كَأحد الْأُمَرَاء الأكابر وَصَارَ يقْصد لسَائِر من يرد عَلَيْهِ من أهل الْعلم وَذَوي البيوتات فَتوجه القَاضِي فِي خُفْيَة إِلَى الخوارزمية واستمالهم وَطيب خواطرهم بِكَثْرَة مَا وعدهم بِهِ فمالوا إِلَيْهِ بعد مَا كَانُوا قد اتَّفقُوا مَعَ صَاحب ماردين وقصدوا بِلَاد الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب واستولوا على الْعمَّال ونازلوا

стр. 284

حران وَكَانَ الْملك الصَّالح قد ترك بهَا وَلَده المغيث فتح الدّين عمر بن الصَّالح فخاف من الخوارزمية وَسَار مختفياً حَتَّى فَرد إِلَى قلعة جعبر فَسَارُوا خَلفه ونهبوا مَا كَانَ مَعَه وأفلت مِنْهُم فِي شرذمة يسيرَة إِلَى منبج فَاسْتَجَارَ بعمة أَبِيه الصاحبة ضيفة خاتون أم الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب فَلم تقبله فر إِلَى حران وفيهَا أَتَاهُ كتاب أَبِيه يَأْمُرهُ بموافقة الخوارزمية والوصول بهم إِلَيْهِ لدفع بَحر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل فَاجْتمع المغيث عمر وَالْقَاضِي بدر الدّين قَاضِي سنجار بالخوارزمية وَالْتزم لَهُم القَاضِي أَن يقطعوا سنجار وحران والرها فطابت قُلُوبهم وحلفوا للْملك الصَّالح وَقَامُوا فِي خدمَة ابْنه الْملك المغيث وَسَارُوا مَعَه إِلَى سنجار فأفرج عَنْهَا عَسْكَر الْموصل يُرِيدُونَ بِلَادهمْ. وادركهم الخوارزمية وأوقعوا بهم وقْعَة عَظِيمَة فر فِيهَا بدر الدّين لُؤْلُؤ بمفرده على فرس سَابق ثمَّ تلاحق بِهِ عسكره. واحتوت الخوارزمية على سَائِر مَا كَانَ مَعَه فاستغنوا بذلك وَقَوي الْملك الصَّالح بالخوارزمية وَبهَا الْفَتْح قُوَّة زَائِدَة وَعظم شَأْنه وسير الخوارزمية إِلَى آمد وَعَلَيْهَا عَسْكَر السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو صَاحب الرّوم وَبهَا الْمُعظم غياث الدّين تورانشاه بن الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَهُوَ مَحْصُور مِنْهُم فأوقعوا بهم ورحلوهم عَن آمد فَخرج الصَّالح من سنجار إِلَى حسن كيفا وَبعث الْملك الْعَادِل من مصر إِلَى أهل حلب يُرِيد مِنْهُم أَن

стр. 285

يجروا مَعَه على مَا كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ أَبِيه الْملك الْكَامِل - من إِقَامَة الْخطْبَة لَهُ على مَنَابِر حلب وَأَن تضرب لَهُ السِّكَّة - فَلم يجب إِلَى ذَلِك وَقدم رَسُول غياث الدّين كيخسرو ملك الرّوم فزوج غَازِيَة خاتون ابْنة الْعَزِيز السُّلْطَان غياث الدّين وأنكح الْملك النَّاصِر - صَاحب حلب - أُخْت السُّلْطَان غياث الدّين وَتَوَلَّى العقد الصاحب كَمَال الدّين بن أبي جَرَادَة بن العديم وَخرج فِي الرسَالَة إِلَى بِلَاد الرّوم وَعقد للْملك النَّاصِر صَاحب حلب على ملكة خاتون أُخْت السُّلْطَان غياث الدّين فَبعث غياث الدّين رَسُولا إِلَى حلب فأقيمت لَهُ بهَا الْخطْبَة وَخرج الْملك الْجواد من دمشق فِي أول ذِي الْحجَّة يُرِيد محاربة النَّاصِر دَاوُد صَاحب كرك بأذنبا بِالْقربِ من نابلس فانكسر النَّاصِر كسرة قبيحة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر ذِي الْحجَّة وَانْهَزَمَ إِلَى الكرك. فغنم الْجواد مَا كَانَ مَه وَعَاد إِلَى دمشق وَفرق سِتّمائَة ألف دِينَار وَخَمْسَة آلَاف خلعة وأبطل المكوس وَالْخُمُور وَنفى المغاني. وَعَاد من كَانَ فِي دمشق من عَسْكَر مصر وَمَعَهُمْ الْأَمِير عماد الدّين بن شيخ الشُّيُوخ إِلَى الْقَاهِرَة بسناجق النَّاصِر فِي سادس عشري ذِي الْحجَّة فَلم يعجب الْملك الْعَادِل ذَلِك وَخَافَ من تمكن الْملك الْجواد. وفيهَا قصد التتار بَغْدَاد فَبعث إِلَيْهِم الْخَلِيفَة جَيْشًا قتل كثيرا مِنْهُ وفر من بَقِي. وفيهَا مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَهُوَ شمس الدّين أَبُو البكرات يحيي بن هبة الله ابْن الْحسن بن بني الدولة الشَّافِعِي فِي خَامِس ذِي الْقعدَة فأعيد فِي سابعه قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَحْمد بن الْخَلِيل الخويي ورتب مراكز الشُّهُود - وَكَانُوا أَولا بِدِمَشْق وراقين يورقون المكاتيب وَغَيرهَا فَإِذا فرغوا من الوراقة مَشوا إِلَى بيُوت الْعُدُول فيشهدونهم على مَا يُرِيدُونَ واقتدى بعد ذَلِك أهل الْقَاهِرَة ومصر بهم. وفيهَا تولى الشريف شمس الدّين مُحَمَّد بن الْحسن الأرموي قَضَاء الْعَسْكَر ونقابة الْأَشْرَاف بديار مصر وَقُرِئَ سجله بِجَامِع مصر بِحَضْرَة الْأَمِير جمال الدّين مُوسَى ابْن يغمور وَالْملك المسيري. وفيهَا بطلت الْفُلُوس. وفيهَا سَار الْملك الْمَنْصُور نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول من الْيمن يُرِيد مَكَّة أحرق الْأَمِير أَسد الدّين جغريل مَا كَانَ مَعَه من الأثقال وَخرج هُوَ رمن مَعَه من مَكَّة فِي سَابِع شهر رَجَب قبل وُصُول ملك الْيمن بيومين فَالْتَقوا بَين مَكَّة والسرين انهزم الْعَرَب أَصْحَاب الشريف رَاجِح وَأسر الْأَمِير شهَاب الدّين بن عدان من أُمَرَاء

стр. 286

الْيمن فقيده الْأَمِير جغريل وحث بِهِ إِلَى الْقَاهِرَة وَسَار هُوَ إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فَبَلغهُ موت السُّلْطَان الْملك الْكَامِل فَسَار بِمن مَعَه إِلَى الْقَاهِرَة فَدَخَلُوهَا أثْنَاء شهر شعْبَان مُتَفَرّقين وَأقَام عَسْكَر الْيمن بِمَكَّة.

стр. 287

فارغة

стр. 288

سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا قبض الْملك الْجواد على صفي الدّين بن مَرْزُوق وَأخذ مِنْهُ أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار وسجنه بقلعة حمص فَمَكثَ ثَلَاث سِنِين لَا يرى الضَّوْء وَأقَام الْجواد بِدِمَشْق خَادِمًا لزوجته يُقَال لَهُ الناصح فصادر النَّاس وَأخذ مِنْهُم مَالا كثيرا وَقبض الْملك الْجواد على عماد الدّين عمر بن شيخ الشُّيُوخ ثمَّ خَافَ من أَخِيه فَخر الدّين وقلق من ملك دمشق وَقَالَ: إيش أعمل بِالْملكِ باز وكلب أحب إِلَى من هَذَا ثمَّ خرج إِلَى الصَّيْد وَكَاتب الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل على أَن يعوضه عَن دمشق بحصن كيفا وسنجار فسر الصَّالح بذلك وتحرك للمسير إِلَى دمشق. وفيهَا قدم رَسُول ملك الرّوم إِلَى الْقَاهِرَة بالعزاء للْملك الْعَادِل. وفيهَا أفرج أهل حلب عَن حِصَار حماة بعد مَا ضَاقَ الْأَمر على المظفر صَاحب حماة عَنهُ رحلوا عناهم قلعة بارين وَكَانَت حَصِينَة. وفيهَا استوحش الْأُمَرَاء الأكابر من الْملك الْعَادِل لتقريبه الشَّبَاب والترابي وإعطائهم الْأَمْوَال والإقطاعات والاقتداء بآرائهم ولكثرة تحجبه واشتغاله باللهو عَن مصَالح الدولة. فطمع النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك فِي ملك مصر فَسَار إِلَيْهَا وَمَعَهُ تقادم فاخرة: مَا بَين جواري جنكيات وعوديات ورقاصات وأواني للشُّرْب بديعة فَخرج الْعَادِل إِلَى لِقَائِه فِي ثامن شَوَّال وأكرمه وَقدم لَهُ النَّاصِر مَا انتخبه من الْجَوَارِي والأواني وَغَيرهَا فصادف مِنْهُ الْغَرَض ووضه عَنهُ بأمثاله. ولازم النَّاصِر الْقيام بخدمه الْعَادِل وَالْإِقَامَة فِي بَابه: فَتَارَة يعْمل حَاجِب الْبَاب وَتارَة أستاداراً وَتارَة دواداراً ليدْخل فِي كل وَقت عَلَيْهِ ويتوصل مَتى شَاءَ إِلَيْهِ وَهُوَ يظنّ أَنه يستميل الْأُمَرَاء عَن الْعَادِل إِلَى جِهَته فَلَمَّا تمكن النَّاصِر دَاوُد مِنْهُ أَوْهَمهُ من الْأَمِير فَخر الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ بِأَنَّهُ قد اتّفق مَعَ الْملك الْمعز مجير الدّين يَعْقُوب وأمال إِلَيْهِ عدَّة من الْأُمَرَاء وَحسن لَهُ الْقَبْض عَلَيْهِ فانخدع لَهُ الْملك الْعَادِل وَقبض على فَخر الدّين واعتقله بقلعة الْجَبَل وَأخرج عَمه الْملك الْمعز من أَرض مصر وَمَعَهُ أَخُوهُ الأمجد تَقِيّ الدّين عَبَّاس فَلَمَّا تمّ للناصر مَا أَرَادَ خيل الْعَادِل من الْملك الْجواد نَائِبه على دمشق بِأَن الْأُمَرَاء قد مَالَتْ إِلَيْهِ وَقَامَ بأَمْره الْأَمِير عماد الدّين عمر بن شيخ الشُّيُوخ فَبلغ ذَلِك

стр. 289

الْعِمَاد فخاف أَن يتَّفق عَلَيْهِ مَا اتّفق على أَخِيه وَاجْتمعَ بِالْملكِ الْعَادِل وَالْتزم لَهُ بإحضار الْملك الْجواد إِلَى طَاعَته عصر فسيره الْعَادِل من الْقَاهِرَة ليحضر الْملك الْجواد من دمشق فَأكْرمه الْجواد وَأخذ الْعِمَاد فِي التحدث مَعَه فِي الْمسير إِلَى الْملك الْعَادِل فَسَوف بِهِ وماطله حَتَّى فطن الْعِمَاد بامتناعه فَاحْضُرْ حِينَئِذٍ الْوُلَاة والمشدين والنواب والدواوين بِدِمَشْق وأعمالها وَقَالَ لَهُم: قد عزل السُّلْطَان الْملك الْعَادِل الْجواد عَن نِيَابَة دمشق فَلَا تدفعوا إِلَيْهِ مَالا وَلَا تقبلُوا لَهُ قولا فعز ذَلِك على الْملك الْجواد ووكل بعماد الدّين وسجنه بقلعة دمشق وتقرر الْأَمر بَين الْملك الْجواد وَبَين الْمُجَاهِد صَاحب حمص أَن يَكُونَا يدا وَاحِدَة وَوَافَقَهُمَا الْأَمِير عماد الدّين بن قلج نَائِب الْملك الْجواد بِدِمَشْق فَرَأَوْا أَن أَمرهم لَا يتم إِلَّا قتل الْعِمَاد بن شيخ الشُّيُوخ فبعثوا إِلَى نواب الإسماعيلية فِي ذَلِك ودفعوا إِلَيْهِم مَالا وقربة فسيروا فدائيين قتلاه على بَاب الْجَامِع فِي سادس عشري جُمَادَى الأولى وَأشيع أَنَّهُمَا غَلطا فِي قَتله وَإِنَّمَا كَانَا يُريدَان قتل الْملك الْجواد فَإِنَّهُ كَانَ كثير الشّبَه بِهِ فَبلغ ذَلِك الْملك الْعَادِل فشق عَلَيْهِ. وَفِي الْعشْرين من شَوَّال: ورد الْخَبَر بوصول عَسْكَر الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب صُحْبَة وَلَده الْملك المغيث جلال الدّين عمر إِلَى جينين فَجمع الْملك الْعَادِل وَالْملك النَّاصِر الْأُمَرَاء وتحالفوا على قتال الصَّالح وَخرج النَّاصِر دَاوُد من الْقَاهِرَة فِي تَاسِع ذِي الْقعدَة لقِتَال الصَّالح وجهز الْعَادِل جمَاعَة من الْأُمَرَاء وعدة من العساكر بديار مصرة لتأْخذ دمشق وَقدم الْملك الْعَادِل إِلَى الْملك الْجواد رَسُولا بِكِتَاب فِيهِ أَنه يُعْطه قلعه الشوبك وبلادها وثغر الْإسْكَنْدَريَّة وأعمال الْبحيرَة وقيلوب وَعشر قرى من بِلَاد الجيزة بديار مصر لينزل عَن نِيَابَة السلطة بِدِمَشْق ويحضر إِلَى قلعة الْجَبَل ليعْمَل بِرَأْيهِ فِي أُمُور الدولة فَلَمَّا ورفى ذَلِك أَوْهَمهُ نَائِبه عماد الدّين قلج من أَنه مَتى دخل مصر قبض عَلَيْهِ الْملك الْعَادِل وسلبه أَوْلَاد عماد الدّين بن شيخ الشُّيُوخ بدمه فَامْتنعَ من تَسْلِيم دمشق برز الْملك الْعَادِل من الْقَاهِرَة يُرِيد دمشق يَوْم الثُّلَاثَاء سلخ ذِي الْحجَّة وَنزل بلبيس فخاف الْجواد وَعلم عَجزه عَن مقاومة الْعَادِل فَبعث كَمَال الدّين عمر بن أَحْمد بن هبة الله الْمَشْهُور بِابْن العديم الْعقيلِيّ وَابْن طَلْحَة خطيب جَامع دمشق إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب - صَاحب حصن كيفا وديار بكر وغررها من بِلَاد الشرق - يطْلب مِنْهُ أَن يتسلم دمشق ويعرضه عَنْهَا سنجار والرقة وعانة فَوَقع ذَلِك من الْملك الصَّالح أحسن موقع وأجابه إِلَيْهِ وزاده الجديدة وَحلف لَهُ على الْوَفَاء ورتب الْملك الصَّالح ابْنه الْملك الْمُعظم توران شاه على بِلَاد الشرق وألزمه بحصن كيفا وَأقَام نواباً بآمد وديار بكر وَسلم حران والرها وَجَمِيع الْبِلَاد

стр. 290

للخوارزمية الَّذين فِي خدمته وَطلب نجدة من الْأَمِير بدر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل وَكَانَ قد صَالحه - فَبعث إِلَيْهِ بدر الدّين نجدة وَسَار الْملك الصَّالح من الشرق يُرِيد دمشق فَقطع الْجواد اسْم الْملك الْعَادِل من الخطة وخطب للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل وَضرب السِّكَّة باسمه وَدخل الصَّالح إِلَى دمشق فِي مستهل جُمَادَى الأولى وَمَعَهُ الْجواد بَين يَدَيْهِ بالناشية وَقد نَدم الْجواد على مَا كَانَ مِنْهُ وَأَرَادَ أَن يسْتَدرك الْفَائِت فَلم يقدر وَخرج من دمشق وَالنَّاس تلعنه فِي وَجهه لسوء أَثَره فيهم وَبعث الصَّالح إِلَيْهِ برد أَمْوَال النَّاس إِلَيْهِم فأبي وَسَار. وَكَانَ قد وصل مَعَ الصَّالح أَيْضا الْملك المظفر صَاحب حماة وَقد تَلقاهُ الْجواد فَكَانَ دُخُوله يَوْمًا مشهوداً فاستقر فِي قلعة دمشق وَخرج الْجواد إِلَى بِلَاده فَكَانَت مُدَّة نيابته دمشق عشرَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا صرف فِيهَا الْأَمْوَال الَّتِي كَانَت فِي خَزَائِن الْملك الْكَامِل كلهَا وَكَانَت تزيد على سِتّمائَة ألف دِينَار مصرية سوى القماش وَغَيره وَسوى مَا ظلم فِيهِ النَّاس من التُّجَّار وَالْكتاب وَسوى مَا أَخذه من صفي الدّين ابْن مَرْزُوق لما صادره وَكَانَ ينيف على خَمْسمِائَة ألف دِينَار فَلَمَّا اسْتَقر الْملك الصَّالح بِدِمَشْق سَار المظفر إِلَى حماة وقدمت الخوارزمية فنازلوا مَدِينَة حمص - وَهُوَ مَعَهم - مُدَّة ثمَّ فارقوها بِغَيْر طائل وعادوا إِلَى بِلَادهمْ بالشرق. وَقد زوج الْملك الصَّالح أُخْته من أمه وأبوها الْفَارِس قليب مَمْلُوك أَبِيه الْملك الْكَامِل لمقدم الخوارزمية الْأَمِير حسام الدّين بركَة خَان وَفِي أثْنَاء ذَلِك تَوَاتَرَتْ رسل المظفر صَاحب حماة إِلَى الْملك الصَّالح يستحثه على قصد حمص وَكتب الْأَمر من مصر تستدعيه إِلَى الْقَاهِرَة وتعده بِالْقيامِ بتصرفه فبرز الْملك الصَّالح من دمشق إِلَى البثنية وَكَانَت الخوارزمية وَصَاحب حماة على حِصَار حمص فَأرْسل الْمُجَاهِد أَسد الدّين شيركوه مَالا كثيرا فرقه فِي الخوارزمية فرحلوا عَنهُ إِلَى الشرق ورحل صَاحب حماة إِلَى حماة وَعَاد الْملك الصَّالح إِلَى دمشق طَالبا مصر وَخرج مِنْهَا إِلَى الخربة وَعِيد بهَا عيد الْفطر وعسكر تَحت ثنية الْعقَاب وَقد تحير فَلَا يدْرِي أيذهب إِلَى حمص أم إِلَى مصر وَمَا زَالَ بمعسكره إِلَى أول شهر رَمَضَان فَعَاد إِلَى دمشق وَتقدم إِلَى الْأَمِير حسام الدّين أبي عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ الهذباني أستاداره بِدِمَشْق أَن يرحل بطَائفَة من الْعَسْكَر إِلَى جينين فَرَحل وَلم يزل هُوَ تَحت عقبَة الْكُرْسِيّ على بحيرة طبربة إِلَى آخر رَمَضَان. فَلَمَّا وَردت الْأَخْبَار بحركة الْملك الصَّالح إِلَى الْقَاهِرَة خرج من أُمَرَاء مصر سَبْعَة عشر أَمِيرا - مِنْهُم الْأَمِير نور الدّين عَليّ بن فَخر الدّين عُثْمَان الأستادر والأمير عَلَاء الدّين ابْن شهَاب أَحْمد الْأَمِير عز الدّين أيبك الكربدي العادلي والأمير عز الدّين

стр. 291

بلبان والأمير حسام الدّين لُؤْلُؤ المَسْعُودِيّ والأمير سيف الدّين بِشَطْر الْخَوَارِزْمِيّ والأمير عز الدّين قضيب البان الْعَادِل والأمير شمس الدّين سنقر الدنيسري - فِي عدَّة كَبِيرَة من أتباعهم وأجنادهم وَخلق من مقدمي الْحلقَة والمماليك السُّلْطَانِيَّة وَسَارُوا يُرِيدُونَ الْملك الصَّالح بِدِمَشْق. وَذَلِكَ أَن الْملك الْعَادِل تقدم بتوجه الْعَسْكَر إِلَى السَّاحِل وَقدم عَلَيْهِ الرُّكْن الهيجاري وَأنْفق فيهم فَلَمَّا نزلُوا بلبيس اخْتلفُوا وخامر جُمُعَة من الْأُمَرَاء على الْعَادِل وعزموا على الْمسير إِلَى الْملك الصَّالح فَبعث الْعَادِل إِلَيْهِم الْأَمِير فَخر الدّين بن شيخ الشُّيُوخ وبهاء الدّين مليكيشو ليطيب خواطرهم فَلم يجيبوا وَخرج من الْقَاهِرَة عدَّة من الْحلقَة وَمَعَهُمْ طَائِفَة وَمنعُوا من غلق بَاب النَّصْر وَسَارُوا طَائِفَة بعد طَائِفَة على حمية فبطق الْعَادِل إِلَى من بَقِي مَعَه من الْأُمَرَاء الأكراد بمحاربة من خامر عَلَيْهِ ببلبيس قبل قدوم هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم فاقتتل الأكراد مَعَ الأتراك ببلبيس وانكسر الأتراك المخامرون وَأخذ مِنْهُم أَمِير وَانْهَزَمَ باقيهم وهم فِي طَلَبهمْ إِلَى نَاحيَة سنيكسة. فلحق بهم من خرج من الْحلقَة ومضوا جَمِيعًا إِلَى تل العجول وعادت الخزانة الَّتِي كَانَت مَعَهم سَالِمَة إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ بعثوا يطْلبُونَ من الْعَادِل الْعَفو فَأَمنَهُمْ وَحلف لَهُم فَلم يرجِعوا وَسَارُوا إِلَى الْملك الصَّالح فَلَمَّا بلغُوا غَزَّة أَمر الْملك الصَّالح أستاداره بِالْعودِ إِلَى خوبة اللُّصُوص وَخرج هُوَ بِبَقِيَّة عسكره من دمشق لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان وَنزل الْملك الصَّالح الخربة وَوصل الْأَمِير نور الدّين بن فَخر الدّين بِمن مَعَه فسر بهم سُرُورًا كثيرا وَأخذُوا فِي تَقْوِيَة عزمه على قصد مصر فَرَحل وَاسْتولى على نابلس والأغوار. وأعمال الْقُدس والسواحل وَبعث ابْنه الْملك المغيث فتح الدّين عمر إِلَى دمشق وأقطع من قدم عَلَيْهِ من أُمَرَاء مصر نابلس وأعمالها ليتقووا بمغلها فَخرج النَّاصِر دَاوُد من مصر وَصَارَ إِلَى الكرك فانزعج الْملك الْعَادِل وَأمه لقدوم الصَّالح انزعاجاً عَظِيما وخافاه خوفًا كَبِيرا واضطربت مصر اضطراباً زَائِدا وَخرج فَخر الْقُضَاة فِي الدّين بن بصاقة فِي الرسَالَة إِلَى الْملك الصَّالح من الكرك عَن النَّاصِر دَاوُد بِأَنَّهُ فِي نصْرَة الْملك الصَّالح ومعاونته ويسأله دمشق وَجَمِيع مَا كَانَ لِأَبِيهِ فَلم تقع مُوَافقَة على ذَلِك فَسَار النَّاصِر إِلَى الْملك الْعَادِل وَنزل بدار الوزراة من الْقَاهِرَة ليعينه على محاربة أَخِيه الْملك الصَّالح فَقدم فِي ذِي الْحجَّة الصاحب محيي الدّين بن الْجَوْزِيّ برسالة الْخَلِيفَة إِلَى الْملك الصَّالح لصالح أَخَاهُ الْملك الْعَادِل فأجل الْملك الصَّالح قدومه إجلالاً كثيرا وَمَعَ ذَلِك فَإِن كتب الْأُمَرَاء - وَغَيرهم - ترد فِي كل قَلِيل على الْملك الصَّالح من مصر تعده بِالْقيامِ مَعَه وَأَن الْبِلَاد فِي يَده لِاتِّفَاق الْكَلِمَة على سلطنته.

стр. 292

وفيهَا مَاتَ الْمَنْصُور نَاصِر الدّين أرتق بن أرسلان التركماني الأرتقي صَاحب ماردين قَتله ابْنه وَهُوَ سَكرَان وَاسْتولى بعده على ماردين. وفيهَا وَقعت بَين جرم وجذام وثعلبة بالشرقية حروب قتل فِيهَا كثير مِنْهُم وَقتل شيخهم شمخ بن نجم فَجرد الْملك الْعَادِل إِلَيْهِم الْأَمِير بهاء الدّين بن ملكيشو ليصلح بَينهم وَكَانَ السُّلْطَان فِي بلبيس قد خرج فِي سلخ ذِي الْحجَّة من قلعة الْجَبَل بعساكر مصر.

стр. 293

فارغة

стр. 294

سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أهلت وَالْملك الْعَادِل على بلبيس بعساكره يُرِيد الشَّام لمحاربة أَخِيه الْملك الصَّالح فَأَقَامَ على بلبيس فقصد الْأُمَرَاء الْقَبْض عَلَيْهِ وَعمل بَعضهم دَعْوَة وَحضر إِلَيْهِ الْعَادِل فَفطن بِمَا هم عَلَيْهِ فَقَامَ وَدخل الخريشته لقَضَاء الْحَاجة وَخرج من ظهر الحريشته وَركب فرسا وسَاق إِلَى القلعة فَبعث إِلَيْهِ الْأُمَرَاء يطلبونه فأظهر أَنه مَا دخل الْقَاهِرَة إِلَّا لكسرة الخليج وَأَنه سيعود إِلَيْهِم ثمَّ ألجاته الضَّرُورَة حَتَّى خرج إِلَى العباسة فِي رَابِع عشري الْمحرم وَقبض على جمَاعَة من الْأُمَرَاء. وَفِي نصف صفر: توجه النَّاصِر دَاوُد من العباسة إِلَى الكرك وصحبته الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قلج وَجَمَاعَة من أُمَرَاء مصر فَبلغ الْعَادِل عَن فَخر الدّين يُوسُف بن شيخ الشُّيُوخ أَنه يُكَاتب الصَّالح فَقبض عَلَيْهِ واعتقله هَذَا ومحيي الدّين أَبُو المظفر يُوسُف بن الشَّيْخ جمال الدّين أبي الْفرج عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ أَخذ فِي الْإِصْلَاح بَين الْمُلُوك على أَن تكون دمشق للصالح نجم الدّين أَيُّوب ومصر للعادل وَأَن يرد إِلَى النَّاصِر دَاوُد مَا أَخذ من بِلَاده وَكَانَ محيي الدّين بن الْجَوْزِيّ مُقيما عِنْد الصَّالح وَابْنه شرف الدّين يتَرَدَّد من نابلس إِلَى مصر فِي السفارة حَتَّى تقَارب الْأَمر. ثمَّ قدم محيي الدّين إِلَى مصر وَمَعَهُ جمال الدّين يحيى بن مطروح نَاظر ديوَان الجيوش للْملك الصَّالح فأديا الرسَالَة وَأَقَامَا عِنْد الْملك الْعَادِل وَكَانَ قد أَخذ الصَّالح يُكَاتب عَمه الْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل فِي الْوُصُول إِلَيْهِ بنابلس وَبعث إِلَيْهِ الطّيب سعد الدّين الدِّمَشْقِي وَمَعَهُ حمام ليسرح إِلَيْهِ بالبطائق على جناحها مَا يَتَجَدَّد فاتفق أَمر عَجِيب: وَهُوَ أَنه لما وصل سعد الدّين إِلَى قلعة بعلبك أنزل الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل بدار وَبدل عرض الْحمام الَّذِي فِي قفص سعد الدّين بحمام آخر من حمام القلعة ببعلبك وَأخذ الصَّالح عماد الدّين فِي التَّدْبِير على أَخذ دمشق وانتزاعها من يَد ابْن أَخِيه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَأرْسل جواسيسه سرا إِلَى ابْن أَخِيه الْملك الْعَادِل بِمَا عزم عَلَيْهِ من أَخذ دمشق وَأَنه منتم إِلَيْهِ وَفِي طَاعَته وَإِذا ملك دمشق خطب لَهُ على منابرها وَضرب السِّكَّة باسمه وَكتب الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل أَيْضا إِلَى الْمُجَاهِد - صَاحب حمص - فِي معاونته وَهُوَ يواصل كتبه مَعَ ذَلِك إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين يعده بالوصول إِلَى نصرته وَشرع الصَّالح عماد الدّين فِي جمع الرّحال فَفطن بذلك الطَّبِيب سعد الدّين وَكتب البطائق على أَجْنِحَة الْحمام بِهَذَا الْأَمر إِلَى الْملك

стр. 295

الصَّالح نجم الدّين فَكَانَ كلما سرح سعد الدّين مِنْهَا طائراً وَقع فِي برجه بقلعة بعلبك فَأتى بِهِ البراج إِلَى الْملك الصَّالح عماد الدّين ثمَّ إِن الصَّالح عماد الدّين زور بطاقة عَن الطَّبِيب سعد الدّين فِيهَا إِن الْمولى الْملك الصَّالح عماد الدّين فِي الاهتمام للمسير إِلَى المعسكر الْمَنْصُور وَإنَّهُ بَاقٍ على الطَّاعَة وسرح هَذِه البطاقة المزورة على جنَاح طائرة من الطّور الَّتِي وصلت مَعَ الطَّبِيب سعد الدّين فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا الْملك الصَّالح نجم الدّين ظن أَنَّهَا من عِنْد رَسُوله فطاب قلبه ووالى الصَّالح عماد الدّين إرْسَال البطائق المزورة وَكلما سرح الطّيب طائرا ببطاقة وَقع فِي قلعة بعلبك فيصل إِلَى الصَّالح عماد الدّين. وَاتفقَ مَعَ ذَلِك أَمر آخر من عَجِيب مَا يجْرِي: وَهُوَ أَن المظفر صَاحب حماة كَانَ منتمياً إِلَى الصَّالح نجم الدّين ومهتما بنصرته ويخطب لَهُ فِي بِلَاده وَكَانَ الحلبيون والمجاهد صَاحب حمص معاندين لَهُ ومساعدين عَلَيْهِ فَعلم المظفر صَاحب حماة مَا عَلَيْهِ خَاله الصَّالح عماد الدّين - صَاحب بعلبك - من قصد دمشق وموافقة الْمُجَاهِد صَاحب حمص لَهُ وَكَانَت عَسَاكِر دمشق مَعَ الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب على نابلس وهم خَمْسَة آلَاف وَلَيْسَ بِدِمَشْق من يحفظها فخاف الْملك المظفر صَاحب حماة على دمشق وباطن الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أبي عَليّ الهذباني على أَنه يظْهر الحرد عَلَيْهِ وفارقه ويوهم أكَابِر الْبَلَد بِأَن المظفر قد عزم على تَسْلِيم حماة إِلَى الفرنج لما حصل عِنْده من الْغبن من المجاورين لَهُ وَأخذ بِلَاده مِنْهُ وَقصد المظفر بِهَذِهِ الْحِيلَة مكيدة صَاحب حمص وَأَن الْأَمِير سيف الدّين إِذا ذهب بالعسكر وأكابر الرّعية إِلَى دمشق أَقَامُوا بهَا وحفظوها حَتَّى يتَوَجَّه الْملك الصَّالح إِلَى مصر أَو يعود إِلَى دمشق فأظهر سيف الدّين الْغَضَب على المظفر وَأخذ قِطْعَة من الْعَسْكَر وَمن أكَابِر حماة وَخرج فَسَار حَتَّى نزل على حمص عِنْد بحيرة قدس فَلم يخف على الْمُجَاهِد صَاحب حمص مَا دبره المظفر من مكيدته وَخرج من حمص وَبعث إِلَى الْأَمِير سيف الدّين يُرِيد الِاجْتِمَاع بِهِ فَأَتَاهُ سيف الدّين مُنْفَردا واعلمه بِأَنَّهُ كره مجاورة المظفر لما هُوَ عَلَيْهِ من الْميل للفرنج والعزم على تسليمهم حماة فأظهر لَهُ الْملك الْمُجَاهِد الْبشر ولاطفه واستدعاه إِلَى ضيافته بداخل حمص فَلَمَّا صَار بِهِ إِلَى القلعة استدعى أَصْحَابه لينزلوا فِي الْبَلَد فَدخل بَعضهم وَامْتنع بَعضهم من الدُّخُول إِلَى حمص فَلَمَّا تمكن الْمُجَاهِد من الْأَمِير سيف الدّين قبض عَلَيْهِ واعتقله هُوَ وَمن دخل من أَصْحَابه وفر الْبَاقُونَ فعاقب الْمُجَاهِد من صَار فِي قَبضته أَشد الْعقُوبَة واستصفى أَمْوَالهم ومازال بِسيف الدّين حَتَّى هلك فضعف المظفر لتلف رجال عسكره.

стр. 296

وَسَار الصَّالح عماد الدّين - وَمَعَهُ الْمُجَاهِد - إِلَى دمشق فِي جمع كَبِير وأخذاها وأظهرا طَاعَة الْملك الْعَادِل صَاحب مصر وَكَانَ ذَلِك فِي سَابِع عشري صفر ثمَّ ملكا قلعه دمشق واعتقلا المغيث بن الصَّالح نجم الدّين فَبلغ ذَلِك الصَّالح وَهُوَ بنابلس فكتم الْخَبَر وَقدم الْأَمِير حسام الدّين مُحَمَّد بن أبي عَليّ الهذاباني أستاداره فِي جمَاعَة وَسَار بعده يُرِيد دمشق فَلَمَّا وصل ابْن أبي عَليّ إِلَى الْكسْوَة علم بِأخذ دمشق من يدهم فَرجع إِلَى الصَّالح - وَقد نزل بيسان - فاعلمه الْخَبَر وَسَار مَعَه حَتَّى وصل الْقصير اللعيني من النُّور فاشتهر عِنْد الْعَسْكَر أَخذ دمشق فورود مكاتبات الصَّالح عماد الدّين إِلَيْهِم باستمالتهم إِلَيْهِ ففسدت نياتهم وطمعوا فِي الْملك الصَّالح نجم الدّين لتلاشي أمره وفارقوه فَبَقيَ الصَّالح نجم الدّين فِي دون الْمِائَة من أمرائه وأجناده وَتَركه من كَانَ مَعَه من أهل بَيته وأقاربه وَتَركه أَيْضا بدر الدّين قَاضِي سنجار - وَكَانَ أخص أَصْحَابه وصاروا كلهم إِلَى دمشق وَقد أيسوا من أَن يقوم بعْدهَا الصَّالح نجم الدّين قَائِمَة وَثَبت مَعَه الْأَمِير حسام الدّين بن أبي عَليّ أستادراه وزين الدّين أَمِير جانداره وشهاب الدّين بن سعد الدّين كوجبا - وَكَانَ أَبوهُ سعد الدّين ابْن عمَّة الْملك الْكَامِل - والأمير شهَاب الدّين البواشقي وَنَحْو الثَّمَانِينَ من مماليكه وَثَبت مَعَه أَيْضا كَاتبه بهاء الدّين زُهَيْر وهرب الطواشي شهَاب الدّين فاخر وَأخذ مَعَه شَيْئا كثيرا من قماش الصَّالح وعدة من مماليكه الصغار وغلمانه وَصَارَ مَعَ من لحق بِدِمَشْق ففت فِي عضد الصَّالح مُفَارقَة الْعَسْكَر لَهُ وأيقن بِزَوَال أمره ورحل فِي اللَّيْل فَلَقِيَهُ طَائِفَة من العربان يُرِيدُونَ أَخذه فحاربهم بِمن مَعَه حَتَّى خلص مِنْهُم إِلَى نابلس فَنزل بظاهرها وَلما وصل الْعَسْكَر المخامر على الصَّالح نجم الدّين إِلَى دمشق قبض الْملك الصَّالح عماد الدّين على أَخَوَيْهِ الْملك الْمعز مجير الدّين يَعْقُوب وَالْملك الأمجد تَقِيّ الدّين عَبَّاس واعتقل الْأُمَرَاء المصريين أَيْضا: وهم عز الدّين أيبك الْكرْدِي وَعز الدّين قضيب البان وسنقر الدينسري وبلبان المجاهدي وَتوجه نور الدّين بن عُثْمَان إِلَى بَغْدَاد وَاتفقَ تغير الْملك الْعَادِل على النَّاصِر دَاوُد فقارقه من بلبيس - وصحبته الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قلج - وَسَار إِلَى الكرك وَكَاتب الصَّالح نجم الدّين ووعده النُّصْرَة وَكَانَ ذَلِك خدعة مِنْهُ ثمَّ سَار النَّاصِر إِلَى نابلس بعساكره وَقبض على الْملك الصَّالح نجم الدّين وَيُقَال بل بعث إِلَيْهِ من أَخذه بعد مَا صَار وَحده وأركبه على بلغَة فِي إهانة بِغَيْر مهماز وَلَا مقرعة فِي لَيْلَة السبت ثَانِي عشر ربيع الأول وَبعث النَّاصِر بِهِ إِلَى الكرك وَلم يزل مَعَه غير مَمْلُوك وَاحِد يُقَال لَهُ ركن الدّين بيبرس وَبعث مَعَه جَارِيَته شجر الدّرّ أم وَلَده

стр. 297

خَلِيل وأنزله بالقلعة وَقَامَ لَهُ بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ بِحَيْثُ لم يحتل من حَاله سوى أَنه فقد الْملك فَقَط وَأقَام بهاء الدّين زُهَيْر عِنْد النَّاصِر دَاوُد هُوَ وَجَمَاعَة الممالك بعد مَا خَيرهمْ فَاخْتَارُوا الْإِقَامَة عِنْده وَطلب الْأَمِير حسام الدّين بن أبي عَليّ وزين الدّين أَمِير جاندار من النَّاصِر الْمسير إِلَى دمشق فسيرهما وعندما قدما دمشق اعتقلهما الصَّالح عماد الدّين. (وَفِي سَابِع عشر ربيع الأول) عَاد الْملك الْعَادِل إِلَى الْقَاهِرَة بعد مَا بعث الرُّكْن الهبجاوي على جمَاعَة لحفظ السَّاحِل فَلَمَّا بلغ الْملك الْعَادِل مَا جرى على أَخِيه - من أَخذه ذليلاً وَنهب أحر وسجنه بالكرك - سره ذَلِك سُرُورًا كثيرا وَظن أَنه قد أَمن وَنُودِيَ بزينة الْقَاهِرَة ومصر فزينتا وَعمل سماطاً عَظِيما فِي الميدان الْأسود تَحت قلعة الْجَبَل وَعمل قصوراً من حلوى وأحواضاً من سكر وليمون وألفاً وَخَمْسمِائة رَأس شواء وَمثلهَا طَعَاما فَكَانَ مَا عمل من السكر ألف وَخَمْسمِائة أبلوجة ونادى الْملك الْعَادِل فِي الْعَامَّة بالحضور إِلَى السماط فَحَضَرَ الْجَلِيل والحقير وَبلغ ذَلِك الصَّالح نجم الدّين وَهُوَ معتقل بالكرك. وَلم يقنع الْملك الْعَادِل بسجن أَخِيه حَتَّى أَنه بعث الْأَمِير عَلَاء الدّين بن النابلس إِلَى النَّاصِر دَاوُد يطْلب مِنْهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بأَخيه الصَّالح فِي قفص حَدِيد تَحت الاحتفاظ ويبذل لَهُ فِي مُقَابلَة إرْسَاله أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار ودمشق وَحلف على ذَلِك أيماناً عَظِيمَة فَلَمَّا وصل الْكَاتِب إِلَى النَّاصِر أوقف عَلَيْهِ الْملك الصَّالح وَأدْخل إِلَيْهِ بالقاصد الَّذِي أحضرهُ ثمَّ كتب النَّاصِر إِلَى الْملك الْعَادِل: وصل كتاب السُّلْطَان وَهُوَ يطْلب أَخَاهُ إِلَى عِنْده فِي قفص حَدِيد وَأَنَّك تُعْطِينِي أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار مصرية وَتَأْخُذ دمشق مِمَّن هِيَ بِيَدِهِ وتعطني إِيَّاهَا فَأَما الذَّهَب فَهُوَ عنْدك كثير وَأما دمشق فَإِذا أَخَذتهَا مِمَّن هِيَ مَعَه وسلمتها إِلَيّ سلمت أَخَاك إِلَيْك وَهنا جوابي وَالسَّلَام. فَلَمَّا ورد هُنَا الْجَواب على الْملك الْعَادِل أَمر بتجهيز العساكر ليخرج إِلَى الشَّام وَخرج محيي الدّين بن الجرزي من الْقَاهِرَة وَمَعَهُ جمال الدّين بن مطروح رَسُول الصَّالح نجم

стр. 298

الدّين وَكَانَ قد استجار بِهِ بَعْدَمَا قبض على الصَّالح نجم الدّين وسجن بالكرك وَكتب النَّاصِر دَاوُد إِلَى ابْن عَمه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَهُوَ مَحْبُوس عِنْده بالكرك: وَإِذا مسك الزَّمَان بضر عظمت عِنْده الخطوب وجلت فاصطبر وانتظر بُلُوغ الْأَمَانِي فالرزايا إِذا توالت تولت وَهَذِه الأبيات لغيره فَكتب إِلَيْهِ الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب يشكره وَكتب فِيمَا كتب أَبْيَات شمس الْمَعَالِي قَابُوس وشمكير: قل للَّذي بصروف الدَّهْر عيرنَا هَل حَارب الدَّهْر إِلَّا من لَهُ خطر أما ترى الْبَحْر تطفو فَوْقه جيف ويستقر بأقصى قَعْره الدُّرَر وَإِن تكن عبثت أَيدي الزَّمَان بِنَا وَمَا لنا من تَمَادى بوسه ضَرَر فَفِي السَّمَاء نُجُوم لَا عماد لَهَا وَلَيْسَ يكسف إِلَّا الشَّمْس وَالْقَمَر وازداد فِيهَا الرشيد النابلسي: وَكم على الأَرْض من خضراء مورقة وَلَيْسَ يرْجم إِلَّا مَا لَهُ ثَمَر وَفِي أثْنَاء هَذَا الِاخْتِلَاف بَين الْمُلُوك عمر الفرنج فِي الْقُدس قلعة وَجعلُوا برج دَاوُد أحد أبراجها وَكَانَ قد ترك لما خرب الْملك الْمُعظم أسوار الْقُدس فَلَمَّا بلغ النَّاصِر دَاوُد عمَارَة هَذِه القلعة سَار إِلَى الْقُدس وَرمى عَلَيْهَا بالمجانيق حَتَّى أَخذهَا بعد أحد وَعشْرين يَوْمًا - فِي يَوْم تَاسِع جُمَادَى الأولى - عنْوَة بِمن مَعَه من عَسْكَر مصر وَتَأَخر أَخذ برج دَاوُد إِلَى خَامِس عشرَة فَأخذ من الفرنج صلحا على أنفسهم دون أَمْوَالهم وَعمر النَّاصِر برج دَاوُد وَاسْتولى على الْقُدس وَأخرج مِنْهُ الفرنج. فَسَارُوا إِلَى بِلَادهمْ وَاتفقَ يَوْم فتح الْقُدس وُصُول محيي الدّين بن الْجَوْزِيّ إِلَى الْملك النَّاصِر دَاوُد وَمَعَهُ جمال الدّين بن مطروح فَقَالَ جمال الدّين بن مطروح يمدح الْملك النَّاصِر دَاوُد وَيذكر مضاهاته لِعَمِّهِ النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف فِي فتح الْقُدس مَعَ اشتاركهما

стр. 299

فِي اللقب وَالْفِعْل وَهُوَ معنى لطيف مليح: الْمَسْجِد الْأَقْصَى لَهُ عَادَة سَارَتْ فَصَارَت مثلا سائراً إِذا غَدا بالْكفْر مستوطنا أَن يبْعَث الله لَهُ ناصرا فناصر طهره أَولا وناصر طهره آخرا وَفِي يَوْم الْأَحَد رَابِع عشر ربيع الأول: وَمَعَ بَين الفرنج وَبَين الْعَسْكَر الْمصْرِيّ الْمُقِيم بالسَّاحل حَرْب انحسر فِيهَا الفرنج وَأخذ من الفرنج مُلُوكهمْ وأكنادهم وَثَمَانُونَ فَارِسًا ومائتان وَخَمْسُونَ رَاجِلا - وصلوا إِلَى الْقَاهِرَة وَقتل مِنْهُم ألف وَثَمَانمِائَة وَلم يقتل من الْمُسلمين غير عشر ثمَّ سَار ابْن الْجَوْزِيّ إِلَى دمشق وحاول إصْلَاح الْحَال بَين الصَّالح عماد الدّين وَبَين النَّاصِر دَاوُد وبن الْملك الْعَادِل فَلم يتأت لَهُ ذَلِك فَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فِي رَمَضَان وَقد وصل الْملك ابْن سنقر بخلعة الْملك الْعَادِل وَابْنه وَأمه وَامْرَأَته وكاتبه وَنزل ابْن مطروح عِنْد المظفر بحماة فَبَعثه فِي الرسَالَة إِلَى الخوارزمية بالشرق يستحثهم على الْقيام بنصرة الْملك الصَّالح نجم الدّين واستصحب مَعَه أَيْضا رِسَالَة النَّاصِر دَاوُد وَمِنْه: إِنِّي لم أترك الْملك الْمصَالح بالكرك إِلَّا صِيَانة لمهجته خوفًا عَلَيْهِ من أَخِيه الْملك الْعَادِل وَمن عَمه الْملك الصَّالح عماد الدّين وسأخرجه وأملكه الْبِلَاد فتحركوا على بِلَاد حلب وبلاد حمص. فَسَار إِلَيْهِم ابْن مطروح وَقضي الْأَمر مَعَهم وَعَاد إِلَى حماة فاتفق موت الْملك الْمُجَاهِد أَسد الدّين شيركوه بن نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه - صَاحب حمص - يَوْم التَّاسِع عشر من شهر رَجَب فَكَانَت مُدَّة ملكه بحمص نَحوا من سِتّ وَخمسين سنة وَقَامَ من بعده ابْنه الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين إِبْرَاهِيم وَاتفقَ مَعَ الصَّالح عماد الدّين على المعاضدة فَصَارَ النَّاصِر دَاوُد مواحشاً للْملك الْعَادِل بِسَبَب أَنه لم يُوَافقهُ على أَخذ دمشق وَالْملك الْعَادِل مواحشه لِأَنَّهُ لم يُسلمهُ الْملك الصَّالح نجم الدّين والناصر أَيْضا مواحش للصالح عماد الدّين ويهدده بِأَنَّهُ يُطلق الْملك الصَّالح نجم الدّين وَيقوم مَعَه فِي أَخذ الْبِلَاد والمظفر صَاحب حماة لَا يخْطب للعادل من حِين قطع الْخطْبَة للصالح نجم الدّين لميله الْملك الصَّالح نجم الدّين. فَلَمَّا دخل شهر رَمَضَان: سير المظفر القَاضِي شهَاب الدّين إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن عبد الْمُنعم بن أبي الدَّم - قَاضِي حماة - رَسُولا إِلَى الْملك الْعَادِل بِمصْر وَحمله فِي الْبَاطِن رِسَالَة إِلَى النَّاصِر دَاوُد بالكرك أَن يُطلق الصَّالح نجم الدّين ويساعده على أَخذ الْبِلَاد فَبلغ القَاضِي شهَاب الدّين الْملك النَّاصِر ذَلِك وَتوجه إِلَى مصر فأفرج النَّاصِر دَاوُد عَن الْملك الصَّالح نجم الدّين فِي سَابِع عشر من رَمَضَان واستدعاه إِلَيْهِ وَهُوَ بنابلس فَلَمَّا

стр. 300

قدم عَلَيْهِ التقاه وأجله وَضرب لَهُ دهليز السلطة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ مماليكه وَأَصْحَابه الَّذين عنوا عِنْد النَّاصِر: مِنْهُم الْأَمِير شهَاب الدّين بن كَعْب كوجبا وشهاب الدّين الْغَرْس وكاتبه بهاء الدّين زُهَيْر وَتقدم النَّاصِر للخطيب بنابلس فِي يَوْم عيد الْفطر فَدَعَا الْملك الصَّالح وأشاع ذكره وَسَار النَّاصِر دَاوُد والصالح نجم الدّين إِلَى الْقُدس وتحالفا على أَن تكون ديار مصر للْملك الصَّالح وَالشَّام والشرق للناصر وَأَن يُعْطه مِائَتي ألف دِينَار فَكَانَت مُدَّة اعتقال الْملك الصَّالح سَبْعَة أشهر وأياماً ثمَّ سارا إِلَى غَزَّة فورد الْخَبَر بذلك على الْملك الْعَادِل بِمصْر فانزعج وَأمر بِخُرُوج الدهليز السلطاني والعساكر وبرز إِلَى بلبيس فِي نصف ذِي الْعقْدَة وَكتب إِلَى الصَّالح عماد الدّين أَن يخرج بعساكر دمشق فَخرج الصَّالح عماد الدّين بعساكره إِلَى الغوار فخاف الْملك الصَّالح وَالْملك النَّاصِر من التقاء عَسَاكِر مصر وَالشَّام عَلَيْهِمَا ورجعا من غَزَّة إِلَى نابلس ليتحصنا بالكرك وَكَانَ الْملك الْعَادِل قد شَره فِي اللّعب وَأكْثر من تَقْدِيم الصّبيان والمساخر وَأهل اللَّهْو حَتَّى حسبت نفقاته فِي هَذَا الْوَجْه خَاصَّة فَكَانَت سِتَّة آلَاف ألف وَعشْرين ألف ألف دِرْهَم وَأعْطى الْعَادِل عبدا أسوداً عمله طشت دَاره يعرف بِابْن كرسون منشوراً بِخَمْسِينَ فَارِسًا فَلَمَّا خرج بِهِ من بَاب الْقلَّة بقلعة الْجَبَل وجده الْأَمِير ركن الدّين الهيجاري أحد الْأُمَرَاء الأكابر فَأرَاهُ المنشور فحنق وَمَكَّة فِي وَجهه وَأخذ مِنْهُ المنشور وَصَارَ بَين الْأُمَرَاء وَبَين الْملك الْعَادِل وَحْشَة شَدِيدَة ونفرة عَظِيمَة وَاتفقَ مَا تقدم ذكره إِلَى أَن نزل الْعَادِل ببلبيس فَقَامَ الْأَمِير عز الدّين أيبك الأسمر - مقدم الأشرقية - وباطن عدَّة من الْأُمَرَاء والمماليك الأشرفية على خلع الْعَادِل وَالْقَبْض عَلَيْهِ وَوَافَقَهُمْ على هَذَا جَوْهَر التوبي وشمس الْخَواص - وهما من الخدام الكاملية وَجَمَاعَة أخر من الكاملية وهم مسرور الكاملي وكافور الفائزي وركبوا لَيْلًا وَأَحَاطُوا بدهليز الْملك الْعَادِل ورموه وقبضوا عَلَيْهِ ووكلوا بِهِ من يحفظه فِي خيمة فَلم يَتَحَرَّك أحد لنصرته إِلَّا أَن الأكراد هموا بِالْقيامِ لَهُ فَمَال عَلَيْهِم الأتراك والخدام ونهبوهم فَانْهَزَمَ الأكراد إِلَى الْقَاهِرَة وَيُقَال إِنَّه بلغ أيبك الأسمر أَن الْملك الْعَادِل سكر مَعَ شبابه وخواصه وَقَالَ لَهُم: عَن قَلِيل تشربون من دم أيبك الأسمر وَهَؤُلَاء العبيد السوء فلَان وَفُلَان وَسَمَّاهُمْ فَاجْتمعُوا على خلعه لاسيما لما طلب ابْن كرسون مِنْهُ أَن يُسلمهُ الْأَمِير شجعاع الدّين بن بزغش - وَإِلَى قوص - فأمكنه مِنْهُ وعاقبه أَشد عُقُوبَة وتنوع فِي عَذَابه وَلم يقبل فِيهِ شَفَاعَة أحد من الْأُمَرَاء وَكَانَ الْملك الْعَادِل قد قربه تَقْرِيبًا زَائِدا حَتَّى كَانَ يقْضِي عِنْده الْحَوَائِج الجليلة فأنفت الْأَنْفس من ذَلِك وخلع الْعَادِل فِي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع شَوَّال فَكَانَت مُدَّة ملكه سنتَيْن وشهرين وَثَمَانِية عشر يَوْمًا

стр. 301

أَولهَا يَوْم الْخَمِيس وَآخِرهَا يَوْم الْخَمِيس تَاسِع شَوَّال سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أسرف فِيهَا إسرافاً أفرط فِيهِ بِحَيْثُ أَن أَبَاهُ الْملك الْكَامِل ترك مَا ينيف على سِتَّة آلَاف ألف دِينَار مصرية وَعشْرين ألف ألف دِرْهَم فرقها كلهَا وَكَانَ الْعَادِل يحمل المَال إِلَى الْأُمَرَاء وَغَيرهم على أقفاص الحمالين وَلم يبْق أحد فِي دولته إِلَّا وشمله إنعامه فَكَانَت أَيَّامه بِمصْر كلهَا أفراح ومسرات للَّذين جَانِبه وَكَثْرَة إحسانه قَالَ الأديب أَبُو الْحُسَيْن الجزار فِي الْملك الْعَادِل أبي بكر بن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب: هُوَ اللَّيْث يخْشَى بأسه كل مجتر هُوَ الْغَيْث يرجوه كل مجتدي لقد شاد ملكا أسسه جدوده فَأصْبح ذَا ملك أثيل مشيد وَصَحَّ بِهِ الْإِسْلَام حَتَّى لقد غَدَتْ بسلطانه أهل الْحَقَائِق تقتدي فَقل للَّذي قد شكّ فِي الْحق إِنَّمَا أَطعْنَا أَبَا بكر بِأَمْر مُحَمَّد يُشِير بذلك إِلَى أَخِيه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب فَإِن أباهما الْكَامِل مُحَمَّدًا أَقَامَ الْعَادِل هَذَا بِمصْر وَبعث الصَّالح أَيُّوب إِلَى الشرق وَقَالَ الْبُرْهَان بن الْفَقِيه نصر لما اسْتَقر الْعَادِل فِي السلطنة بعد أَبِيه. قل للَّذي خَافَ من مصر وَقد أمنت مَاذَا يؤمله مِنْهَا وخيفته إِن كَانَ قد مَاتَ عَن مصر محمدها فقد أَقَامَ أَبَا بكر خَلِيفَته أَبُو الْفتُوح نجم الدّين أَيُّوب بن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب لما قبض على أَخِيه الْملك الْعَادِل كَانَ الْأَمِير عز الدّين أيبك الأسمر يمِيل إِلَى الْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل - صَاحب دمشق - وَكَانَت الخدام والمماليك الكاملية تميل إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين - وهم الْأَكْثَر - فَلم يطق عز الدّين مخالفتهم فاتفقوا كلهم وَكَتَبُوا إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين يستدعونه فَأَتَتْهُ كتبهمْ وَقد بلغ هُوَ والناصر دَاوُد الْغَايَة من الْخَوْف وزلزلاً زلزالاً شَدِيدا لضعفهما عَن مقاومة عَسَاكِر مصر وَالشَّام فأتاهما من الْفرج مَا لم يسمع بِمثلِهِ وقاما لوقتهما وسارا إِلَى مصر فَلَمَّا دخلا الرمل لم ينزلا منزلَة إِلَّا وَقدم عَلَيْهِمَا من أُمَرَاء مصر طَائِفَة حَتَّى نزلا بلبيس يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع بَعْدَمَا خطب لَهُ بِالْقَاهِرَةِ ومصر يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشرَة ومنذ فارقا غَزَّة تغير النَّاصِر

стр. 302

دَاوُد على الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وتحدث فِي قَتله فَلَمَّا نزلا بلبيس سكر الْملك النَّاصِر وَمضى إِلَى الْعَادِل وَقَالَ لَهُ: كَيفَ رَأَيْت مَا أَشرت بِهِ عَلَيْك وَلم تقبل مني فَقَالَ لَهُ الْعَادِل: يَا خوندا التَّوْبَة فَقَالَ النَّاصِر: طيب قَلْبك السَّاعَة أطلقك ثمَّ جَاءَ النَّاصِر وَدخل على الْملك الصَّالح ووقف فَقَالَ لَهُ الصَّالح: بِسم الله اجْلِسْ قَالَ: مَا أَجْلِس حَتَّى تطلق الْعَادِل فَقَالَ لَهُ: أعد وَهُوَ يُكَرر الحَدِيث فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى نَام فَقَامَ من فوره الْملك الصَّالح وَسَار فِي اللَّيْل وَمَعَهُ الْعَادِل فِي محفة وَدخل بِهِ إِلَى الْقَاهِرَة وَاسْتولى على قلعة الْجَبَل يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشري شَوَّال بِغَيْر تَعب وَجلسَ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب على سَرِير الْملك واعتقل الْعَادِل بِبَعْض دوره واستحلف الْأُمَرَاء وزينت الْقَاهِرَة ومصر وظواهرهما وقلعة الْجَبَل زِينَة عَظِيمَة وسر النَّاس بِهِ سُرُورًا كثيرا لنجابته وشهامته وَنزل النَّاصِر دَاوُد بدار الوزارة من الْقَاهِرَة وَلم يركب الْملك الصَّالح يَوْم عيد النَّحْر لما بلغه من خلف الْعَسْكَر. وَفِي ذِي الْحجَّة: أحضر الْملك الصَّالح إِلَيْهِ الْملك الْعَادِل وَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء ثمَّ كشف بَيت المَال والخزانة السُّلْطَانِيَّة فَلم يجد سوى دِينَار وَاحِد وَألف دِرْهَم. وَقيل لَهُ عَمَّا أتْلفه أَخُوهُ فَطلب الْقُضَاة والأمراء الَّذين قَامُوا فِي الْقَبْض على أَخِيه وَقَالَ لَهُم: لأي شَيْء قبضتم على سلطانكم فَقَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ سَفِيها فَقَالَ: يَا قُضَاة السَّفِيه يجوز تصرفه فِي بَيت مَال الْمُسلمين قَالُوا: لَا قَالَ: أقسم بِاللَّه مَتى لم تحصروا مَا أَخَذْتُم من المَال كَانَت أرواحكم عوضه. فَخَرجُوا وأحضروا إِلَيْهِ سَبْعمِائة ألف وَخَمْسَة وَثَمَانِينَ ألف دِينَار وَألْفي ألف وثلاثمائة ألف دِرْهَم ثمَّ أمهلهم قَلِيلا وَقبض عَلَيْهِم وَاحِد بعد وَاحِد واستدعى الْملك الصَّالح بِالْقَاضِي شهَاب الدّين إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن عبد الْمُنعم بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن أبي الدَّم - وَكَانَ بِمصْر مُنْذُ قَامَ من عِنْد المظفر صَاحب حماة وَبعث بِهِ مكرماً إِلَى حماة وخلع عَليّ ابْن الْجَوْزِيّ رَسُول الْخَلِيفَة وَكتب مَعَه إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز يشكو مِنْهُ وَكَانَت الْخلْع الخليفتية قد وصلت إِلَى الْقَاهِرَة فلبسهما الْملك الصَّالح وَنصب منبراً صعد عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ وَقَرَأَ تَقْلِيد الْملك الصَّالح وَالْملك الصَّالح قَائِم بَين يَدي الْمِنْبَر على قَدَمَيْهِ حَتَّى فرغ من قراعته وشيع الْملك الصَّالح أَيْضا الصاحب كَمَال الدّين بن العديم رَسُول حلب وتخوف السُّلْطَان من النَّاصِر دَاوُد لِكَثْرَة مَا بلغه عَنهُ من اجتماعه بالأمراء سرا وَلِأَنَّهُ سَأَلَهُ أَن يُعْطه قلعة الشوبك فَامْتنعَ السُّلْطَان من ذَلِك واستوحش النَّاصِر فَطلب الْأذن بالرحيل إِلَى الكرك فَخرج من الْقَاهِرَة وَهُوَ متغيظ وَقد بلغه أَن الصَّالح إِسْمَاعِيل خرج من دمشق وَوَافَقَ الفرنج على أَن يسلمهم السَّاحِل وَوصل الفرنج إِلَى النابلس وَتَأَول

стр. 303

السُّلْطَان أَنه مَا حلف للناصر بالقدس إِلَّا مكْرها لِأَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاك تَحت حكمه وَفِي طَاعَته فَلَمَّا وصل النَّاصِر إِلَى الكرك طلب من السُّلْطَان مَا الْتزم لَهُ بِهِ من المَال فَحَمله إِلَيْهِ وماطله بتجريد العساكر مَعَه لفتح دمشق مُسْتَندا لما تَأَوَّلَه وَفِي أثْنَاء ذَلِك تحدث الأشرفية بالوثوب على السُّلْطَان فخافهم وَامْتنع من الرّكُوب فِي الموكب مُدَّة واستوزر السُّلْطَان الصاحب معِين الدّين الْحسن بن الشَّيْخ وَسلم إِلَيْهِ أُمُور المملكة كلهَا وَهُوَ ببركة الْحَاج فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشر ذِي الْقعدَة قبل الظّهْر فشرع الصاحب معِين الدّين فِي تَدْبِير المملكة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْبِلَاد. وَولدت شجر الدّرّ من الْملك الصَّالح ولدا سَمَّاهُ خَلِيلًا ولقبه بِالْملكِ الْمَنْصُور وعندما نزل الْملك الصَّالح العباسة فِي يَوْم الْحَج سَابِع عشر ذِي الْقعدَة قبض على الرُّكْن الهيجاري العادلي فِي وفيهَا زار الشَّيْخ عز الدّين عبد الْعَزِيز بن عبد السَّلَام بن أبي الْقَاسِم خطابة دمشق فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث ربيع الآخر ولاه الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل وخطب لصَاحب الرّوم. وفيهَا قتل عُثْمَان بن عبد الْحق بن محيو بن أبي بكر بن حمامة أَمِير بني مرين وَأول من عظم أمره مِنْهُم وَغلب على ريف الْمغرب وَوضع على أَهله المغارم فَبَايعهُ أَكثر الْقَبَائِل وامتدت يَده إِلَى أَمْصَار الْمغرب مثل فاس وتازا ومكناسة وَفرض عَلَيْهَا ضَرَائِب تحمل إِلَيْهِ وَقَامَ بعد عُثْمَان أَخُوهُ مُحَمَّد بن عبد الْحق. وفيهَا قدم الشريف شيحة بن قَاسم أَمِير الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فِي ألف فَارس من عَسْكَر مصر فَبعث ابْن رَسُول ملك الْيمن بالشريف رَاجِح وعسكر ففر شيحة من مَكَّة وملكها عَسْكَر الْيمن.

стр. 304

سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فِيهَا شرع السُّلْطَان الْملك الصَّالح أَيُّوب فِي النّظر فِي مصَالح دولته وتمهيد قَوَاعِد مَمْلَكَته وَنظر فِي عمَارَة أَرض مصر وَبعث زين الدّين بن أبي زكري على عَسْكَر إِلَى الصَّعِيد لقِتَال الْعَرَب وتتبع من قَامَ فِي قبض أَخِيه الْملك الْعَادِل فَقبض عَلَيْهِم واستصفى أَمْوَالهم وَقتل عدَّة مِنْهُم وفر عدَّة من الأشرفية وَقبض على الْأَمِير عز الدّين أيبك الأسمر الأشرفي بالإسكندرية وَنُودِيَ بِالْقَاهِرَةِ وظواهرها: من أخْفى أحدا من الأشرفية نهب مَاله. ذكر أغلاق أَبْوَاب الْقَاهِرَة وأغلقت أَبْوَاب الْقَاهِرَة كلهَا ثَلَاثَة أَيَّام مَا خلا بَاب زويلة حرصاً على أَخذ الأشرفية فَأخذُوا وأودعوا السجون وَقبض على جَوْهَر النوبي وشمس الحواص مسرور بدمياط - وَكَانَ من الخدام الكاملية وَمِمَّنْ أعلن على خلع الْعَادِل وَقبض على شبْل الدولة كافور الفائزي بالشرقية وسجن بقلعة الْجَبَل وَقبض على جمَاعَة من الأتراك وَمن أجناد الْحلقَة وعَلى عدَّة من الْأُمَرَاء الكاملية. وَصَارَ السُّلْطَان الْملك الصَّالح أَيُّوب كلما قبض على أَمِير أعْطى خَبره لمملوك من مماليكة وَقدمه فَبَقيَ مُعظم أُمَرَاء الدولة مماليكه لِثِقَتِهِ بهم واعتماده عَلَيْهِم فَتمكن أمره وَقَوي جأشه. وَفِي سلخ ربيع الآخر وَهُوَ يَوْم السبت: ولد للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب من حظيته ولد ذكر وَأحب الصَّالح أَن يبقي لَهُ ذكرا فَأمر بِبِنَاء قلعة الجزيرة - الْمَعْرُوفَة بالروضة - قبالة مصر الْفسْطَاط وَشرع فِي حفر أساسها يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس شعْبَان وابتدئ ببنائها فِي آخر السَّاعَة الثَّالِثَة من يَوْم الْجُمُعَة سادس عشره. وَفِي عَاشر ذِي الْقعدَة: وَقع الْهدم فِي الدّور والقصور والمساجد الَّتِي كَانَت بِجَزِيرَة الرَّوْضَة وتحول النَّاس من مساكنهم الَّتِي كَانَت بهَا وَبنى الْملك الصَّالح فِيهَا الْحور السُّلْطَانِيَّة وشيد أسوراها وَأنْفق فِيهَا أَمْوَالًا تتجاوز الْوَصْف فَلَمَّا تَكَامل بناؤها تحول السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل إِلَيْهَا وسكنها بأَهْله وَحرمه ومماليكه وَكَانَ مغرى بالعمائر. وفيهَا عَاد الْعَسْكَر الَّذِي قصد الْمسير إِلَى الْيمن فِي رَمَضَان خوفًا من المماليك الأشرفية وأتباعهم وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قد عزموا على الْخُرُوج من الْقَاهِرَة وَنهب الْعَسْكَر ببركة الْجب فَبَطل سفرهم وَبعث السُّلْطَان مِنْهُم ثَلَاثمِائَة مَمْلُوك إِلَى مَكَّة

стр. 305

لأخذها من أهل الْيمن وَعَلَيْهِم الْأَمِير مجد الدّين بن أَحْمد بن التركماني والأمير مبارز الدّين عَليّ بن الْحسن بن برطاس وَذَلِكَ أَن الْخَيْر ورد بِأَن ملك الْيمن بعث جَيْشًا لأخذ مَكَّة فَسَارُوا آخر شهر رَمَضَان ودخلوا مَكَّة فِي أثْنَاء ذِي الْقعدَة ففر من كَانَ بهَا من أهل الْيمن. وفيهَا عَاد القَاضِي بدر الدّين قَاضِي سنجار من بِلَاد الرّوم وَكَانَ قد توجه إِلَيْهَا برسالة الْملك الصَّالح عماد الدّين صَاحب دمشق فَبَلغهُ أَن الْملك الصَّالح نجم الدّين ملك مصر فَخرج من بِلَاد الرّوم وَقد عزم أَلا يدْخل دمشق فَمضى إِلَى مصياف من بِلَاد الإسماعيلية وَأخذ يتحيل فِي الْوُصُول إِلَى مصر فَبلغ ذَلِك الصَّالح إِسْمَاعِيل فَأرْسل إِلَيْهِ ليحضر فَامْتنعَ من الْحُضُور وأستجار بالإسماعيلية فأجاروه وَمنعُوا الصَّالح إِسْمَاعِيل مِنْهُ وأوصلوه إِلَى حماة فَأكْرمه المظفر وأنزله عِنْده وَكَانَ قد نزل عِنْده أَيْضا جمال الدّين بن مطروح فَصَارَت حماة ملْجأ لكل من انْتَمَى للسُّلْطَان الصَّالح نجم الدّين وَمِنْهَا يرد إِلَيْهِ عصر كل مَا يَتَجَدَّد بِالشَّام والشرق. وفيهَا أيس النَّاصِر دَاوُد من إِعْطَاء الْملك الصَّالح نجم الدّين لَهُ دمشق فانحرف عَنهُ وَمَال إِلَى الصَّالح إِسْمَاعِيل والمنصور صَاحب حمص وَاتَّفَقُوا جَمِيعًا على الصَّالح نجم الدّين. وفيهَا أغار الخوارزمية على بِلَاد قلعة جعبر وبالس ونهبوها وَقتلُوا كثيرا من النَّاس ففر من بَقِي إِلَى حلب ومنبج وَاسْتولى بدر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل على شجار وَأخرج مِنْهَا الْملك الْجواد يُونُس بن مودود بن الْعَادِل بن نجم الدّين أَيُّوب فَسَار الْجواد إِلَى الشَّام حَتَّى صَار فِي يَد النَّاصِر دَاوُد فَقبض عَلَيْهِ بغزة يَوْم الْأَحَد ثامن عشر ذِي الْحجَّة وَبعث بِهِ إِلَى الكرك وانضمت الخوارزمية على صَاحب الْموصل فصاروا نَحْو الاثْنَي عشر ألفا وقصدوا حلب فَخرج إِلَيْهِم من حلب فانكسر وَقتل أَكْثَره وغنم الخوارزمية مَا مَعَهم فَامْتنعَ النَّاس بِمَدِينَة حلب وانتهبت أَعمال حلب وَفعل فِيهَا كل قَبِيح من السَّبي وَالْقَتْل والتخريب وَوَضَعُوا السَّيْف فِي أهل منبج وَقتلُوا فِيهَا مَا لَا يُحْصى عدده من النَّاس وخربوا وارتكبوا الْفَوَاحِش بِالنسَاء فِي الْجَامِع عَلَانيَة وَقتلُوا الْأَطْفَال وعادوا وَقد خرب مَا حول حلب وَكَانَ الخوارزمية يظهرون للنَّاس أَنهم يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ خدمَة لصَاحب مصر فَإِن أهل حلب وحمص ودمشق كَانُوا حزباً على الصَّالح صَاحب مصر. فَسَار الْمَنْصُور إِبْرَاهِيم ابْن الْملك الْمُجَاهِد صَاحب حمص عساكره وعساكر حلب ودمشق وَقطع الْفُرَات إِلَى سروج والرها وأوقع بالخوارزمية

стр. 306

وكسرهم وَاسْتولى على مَا مَعَهم ومضوا هاربين إِلَى عانة. وفيهَا خَافَ الصَّالح عماد الدّين من الْملك الصَّالح نجم الدّين فكاتب الفرنج وَاتفقَ مَعَهم على معاضدته ومساعدته ومحاربة صَاحب مصر وَأَعْطَاهُمْ قلعة صفد وبلادها وقلعة الشقيف وبلادهما ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالها وجبل عاملة وَسَائِر بِلَاد السَّاحِل وعزم الصَّالح عماد الدّين على قصد مصر لما بلغه من الْقَبْض على المماليك الأشرفية والخدام ومقدمي الْحلقَة وَبَعض الْأُمَرَاء وَأَن من بَقِي من أُمَرَاء مصر خَائِف على نَفسه من السُّلْطَان فتجهز وَبعث إِلَى الْمَنْصُور صَاحب حمص وَإِلَى الحلبيين وَإِلَى الفرنج يطْلب مِنْهُم النجدات وَأذن الصَّالح إِسْمَاعِيل للفرنج فِي دُخُول دمشق وَشِرَاء السِّلَاح فَأَكْثرُوا من ابتياع الأسلحة وآلات الْحَرْب من أهل دمشق فَأنْكر الْمُسلمُونَ ذَلِك ومشي أهل الدّين مِنْهُم إِلَى الْعلمَاء واستفتوهم فَأفْتى الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام بِتَحْرِيم بيع السِّلَاح للفرنج وَقطع من الْخطْبَة بِجَامِع دمشق الدُّعَاء للصالح إِسْمَاعِيل وَصَارَ وَيَدْعُو فِي الْخطْبَة بِدُعَاء مِنْهُ: اللَّهُمَّ أبرم لهَذِهِ الْأمة إبرام رشد تعز فِيهِ أولياءك وتذل فِيهِ أعداءك وَيعْمل فِيهِ بطاعتك وَيُنْهِي فِيهِ معصيتك وَالنَّاس يضجون بِالدُّعَاءِ. وَكَانَ الصَّالح غَالِبا عَن دمشق فكوتب بذلك فورد كِتَابه بعزل بن عبد السَّلَام عَن الخطابة واعتقاله هُوَ وَالشَّيْخ أبي عَمْرو بن الْحَاجِب لِأَنَّهُ كَانَ قد أنكر فاعتقلا ثمَّ لما قدم الصَّالح أفرج عَنْهُمَا وألزم بن عبد السَّلَام بملازمة دَاره وَألا يُفْتى وَلَا يجْتَمع بِأحد الْبَتَّةَ فاستأذنه فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَأَن يعبر إِلَيْهِ طَبِيب أَو مزين إِذا احْتَاجَ إِلَيْهِمَا وَأَن يعبر الْحمام فَأذن لَهُ فِي ذَلِك وَولي خطابة دمشق بعد عز الدّين عبد السَّلَام علم الدّين دَاوُد بن عمر بن يُوسُف بن خطيب بَيت الْآبَار وبرز الصَّالح من دمشق وَمَعَهُ عَسَاكِر حمص وحلب وَغَيرهَا وَسَار حَتَّى نزل بنهر العوجاء فَبَلغهُ أَن النَّاصِر دَاوُد قد خيم على البلقاء فَسَار إِلَيْهِ وأوقع بِهِ فانكسر النَّاصِر وَانْهَزَمَ إِلَى الكرك وَأخذ الصَّالح أثقاله وَأسر جمَاعَة من أَصْحَابه وَعَاد إِلَى العوجاء وَقد قوي ساعده واشتدت شوكته فَبعث يطْلب نجدات الفرنج على أَنه يعطيهم جَمِيع مَا فَتحه السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف ورحل وَنزل تل العجول فَأَقَامَ أَيَّامًا وَلم يسْتَطع عبور مصر فَعَاد إِلَى دمشق وَذَلِكَ أَن الْملك الصَّالح نجم الدّين لما بلغه حَرَكَة الصَّالح إِسْمَاعِيل من دمشق وَمَعَهُ الفرنج جرد العساكر إِلَى لِقَائِه فألقاهم. وعندما تقَابل العسكران ساقت عَسَاكِر الشَّام إِلَى عَسَاكِر مصر طَائِعَة ومالوا جَمِيعًا على الفرنج فهزموهم وأسروا مِنْهُم خلقا لَا يُحصونَ وبهؤلاء الأسرى عمر السُّلْطَان الْملك الصَّالح نجم الدّين قلعة الرَّوْضَة والمدارس الصالحية بِالْقَاهِرَةِ.

стр. 307

وفيهَا تمّ الصُّلْح مَعَ الفرنج وَأطلق الْملك الصَّالح الأسرى بِمصْر من الْجنُود والفرسان والرجالة. وَفِي ذِي الْقعدَة: كَانَت وقْعَة بَين أُمَرَاء الْملك الصَّالح أَيُّوب المقيمين بغزة وَبَين الْجواد والناصر وَكسر أَصْحَاب الْملك الصَّالح وَكسر كَمَال الدّين بن الشَّيْخ. وفيهَا اسْتَقر الصُّلْح بَين الْملك الصَّالح والناصر ورحل النَّاصِر عَن غَزَّة بعد قَبضه على الْجواد. وَفِي ذِي الْقعدَة: وصل الْجواد إِلَى العباسة وَمَعَهُ الصَّالح بن صَاحب حمص فأنعم عَلَيْهِمَا الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَلم يمكنهما من دُخُول الْقَاهِرَة فَعَاد الْجواد ولجأ إِلَى النَّاصِر فَقبض عَلَيْهِ. وفيهَا عزل القَاضِي عبد الْمُهَيْمِن عَن حسبَة الْقَاهِرَة فِي تَاسِع الْمحرم وَاسْتقر فِيهَا القَاضِي شرف الدّين مُحَمَّد بن الْفَقِيه عَبَّاس خطيب القلعة. وَفِي رَابِع عشره: شرع السُّلْطَان الْملك الصَّالح نجم الدّين فِي بِنَاء القنطرة الَّتِي على الخليج الْكَبِير المجاور لبستان الخشاب الَّتِي تعرف الْيَوْم بقنطرة السد خَارج مَدِينَة مصر. وَفِي سادس عشره أَمر السُّلْطَان الْملك الصَّالح أَيُّوب بتجهيز زرد خاناه وشواني وحراريق إِلَى بَحر القلزم لقصد الْيمن وجرد جمَاعَة من الْأُمَرَاء والأجناد بِسَبَب ذَلِك.

стр. 308

وَفِي خَامِس عشريه: نزل خمس نفر فِي اللَّيْل من الطاقات الزّجاج إِلَى المشهد النفيسي وأخفوا من فَوق الْقَبْر سِتَّة عشر قِنْدِيلًا من فضَّة فَقبض عَلَيْهِم من الفيوم وأحضروا فِي رَابِع صفر فاعترف أحدهم بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي نزل من طاقات الْقبَّة الزّجاج وَأخذ الْقَنَادِيل وبرأ بَقِيَّة أَصْحَابه فشنق تجاه المشهد فِي عاشره وَترك مُدَّة متطاولة على الْخشب حَتَّى صَار عظاماً. وَفِي سَابِع عشري وَبيع الأول: ولي الْملك الصَّالح الْأَمِير بدر الدّين باخل الْإسْكَنْدَريَّة وَنَقله إِلَيْهَا من ولَايَة مصر. وَفِي شهر ربيع الآخر: رتب السُّلْطَان نواباً عَنهُ بدار الْعدْل يَجْلِسُونَ لإِزَالَة الْمَظَالِم. فَجَلَسَ لذَلِك افتخار الدّين ياقوت الجمالي وشاهدان عَدْلَانِ وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء: مِنْهُم الشريف شمس الدّين الأرموي نقيب الْأَشْرَاف وقاضي الْعَسْكَر ومدرس الْمدرسَة الناصرية بِمصْر وَالْقَاضِي فَخر الدّين بن السكرِي والفقيه عز الدّين عَبَّاس فهرع النَّاس لدار الْعدْل من كل جَانب وَرفعُوا ظلاماتهم فَكشفت واستراح السُّلْطَان من وقُوف النَّاس إِلَيْهِ وَاسْتمرّ هَذَا عصر. وَفِي ذِي الْحجَّة سَار القَاضِي بدر الدّين أَبُو المحاسن يُوسُف السنجاري على السَّاحِل إِلَى مصر فَلَمَّا قدم على السُّلْطَان أكْرمه غَايَة الْإِكْرَام وَكَانَ قَضَاء ديار مصر بيد القَاضِي شرف الدّين ابْن عين الدولة الإسكندري فَصَرفهُ السُّلْطَان عَن قَضَاء مصر وَالْوَجْه القبلي وفوض ذَلِك للْقَاضِي بدر الدّين السنجاري وأبقي مَعَ ابْن عين الدولة قَضَاء الْقَاهِرَة وَالْوَجْه البحري. وفيهَا ظهر بِبِلَاد الرّوم رجل ادّعى النُّبُوَّة يُقَال لَهُ البابا من التركمان. وَصَارَ لَهُ اتِّبَاع وَحمل اتِّبَاعه على أَن يَقُولُوا: لَا اله إِلَّا الله البابا رَسُول الله فَخرج إِلَيْهِ جَيش صَاحب الرّوم فَقَاتلهُمْ وَقتل بَينه وَبينهمْ أَرْبَعَة آلَاف نفر ثمَّ قتل البابا فانحل أمره. وفيهَا وصل رَسُول التتار من ملكهم خاقَان إِلَى الْملك المظفر شهَاب الدّين غاري بن الْعَادِل صَاحب ميافارقين وَمَعَهُ كتاب إِلَيْهِ وَإِلَى مُلُوك الْإِسْلَام عنوانه: من نَائِب رب السَّمَاء سامح وَجه الأَرْض ملك الشرق والغرب قاقان. فَقَالَ الرَّسُول لشهاب الدّين صَاحب مياقارفين: قد جعلك قاقان سلَاح دَاره وأمرك أَن تخرب أسوار بلدك فَقَالَ لَهُ شهَاب الدّين: أَنا من جملَة الْمُلُوك وبلادي حقيرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرّوم وَالشَّام ومصر فَتوجه إِلَيْهِم وَمَا فَعَلُوهُ فعلته. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر ذِي الْقعدَة: رسم الصَّالح إِسْمَاعِيل أَن يخْطب على

стр. 309

مِنْبَر دمشق للسُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو بن كيقباد بن كيخسرو ملك الرّوم فَخَطب لَهُ ونثر على ذَلِك الدَّنَانِير والدارهم وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَحضر رسل الرّوم وأعيان الدولة وخطب الْملك فِي جَوَامِع الْبَلَد وأنعم على الرَّسُول وخلع عَلَيْهِ.

стр. 310

(سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة) فِيهَا شرع الْملك الصَّالح فِي عمَارَة الْمدَارِس الصالحية بَين القصرين. وفيهَا غلت الأسعار بِمصْر وأبيع الْقَمْح كل أردب بدينارين وَنصف وَقدم جمال الدّين بن مطروح من طرابلس - فِي الْبَحْر - إِلَى الْقَاهِرَة وَكَثُرت قصاد المظفر صَاحب حماة إِلَى مصر. وَفِي يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشري ربيع الأول: كسف جَمِيع جرم الشَّمْس وأظلم الجو وَظَهَرت الْكَوَاكِب وشغل النَّاس السَّرْح بِالنَّهَارِ. وفيهَا قدم الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام إِلَى مصر وَقد أخرجه الصَّالح إِسْمَاعِيل من دمشق فَأكْرمه الْملك الصَّالح نجم الدّين وولاه خطابة جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر وقلده قَضَاء مصر وَالْوَجْه القبلي يَوْم عرف عوضا عَن قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين ابْن عين الدولة عِنْدَمَا كتب السُّلْطَان بِخَطِّهِ إِلَى ابْن عين الدولة فِي يَوْم الْجُمُعَة عَاشر ربيع الآخر مَا نَصه: إِن الْقَاهِرَة لما كَانَت دَار المملكة وأمراء الدولة وأجنادها مقيمون بهَا وحاكمها مُخْتَصّ بِحُضُور دَار الْعدْل تقدمنا أَن يتوفر القَاضِي على الْقَاهِرَة وعملها لَا غير. وفوض السُّلْطَان قَضَاء الْقُضَاة بِمصْر وعملها - وَهُوَ الْوَجْه الْقبل - لبدر الدّين أبي المحاسن يُوسُف السنجاري: الْمَعْرُوف بقاضي سنجار. فَلَمَّا مَاتَ ابْن عين الدولة اسْتَقر الْبَدْر السنجاري فِي قَضَاء الْقَاهِرَة وفوض قَضَاء مصر والوجع القبلي لِابْنِ عبد السَّلَام.

стр. 311

وفيهَا كثر تردد النَّاس إِلَى فَخر الدّين يُوسُف ابْن شيخ الشُّيُوخ بَعْدَمَا أطلقهُ السُّلْطَان فِي السجْن فكره السُّلْطَان ذَلِك وَأمره أَن يلازم دَاره. وفيهَا بلغ السُّلْطَان أَن النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك قد وَافق الصَّالح إِسْمَاعِيل صَاحب دمشق والمنصور إِبْرَاهِيم صَاحب حمص وَأهل حلب على محاربته فسير السُّلْطَان كَمَال الدّين بن شيخ الشُّيُوخ على عَسْكَر إِلَى الشَّام فَخرج إِلَيْهِ النَّاصِر وقاتله بِبِلَاد الْقُدس وأسره فِي عدَّة من أَصْحَابه ثمَّ أطلقهُم وعادوا إِلَى الْقَاهِرَة. وَكَانَ من خبر ذَلِك أَنه فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر صفر وَقع عَسْكَر النَّاصِر دَاوُد على الْأَمِير عز الدّين أيبك صَاحب صرخد وَقد نزل على الغوار فَكَسرهُ وَأخذ الأثقال وَكَانَ مَعَه الْأَمِير شمس الدّين شرف - الْمَعْرُوف بالسبع مجانين - وشمس الدّين أَبُو الْعَلَاء الكرديان وَشرف الدّين بن الصارم صَاحب بَنِينَ وَكَانَ مقدم عَسْكَر النَّاصِر سيف الدّين بن قلج وَجَمَاعَة من الأيوبية من عَسْكَر مصر. وفيهَا سَار الخوارزمية إِلَى الْموصل فسالمهم صَاحبهَا بَحر الدّين لُؤْلُؤ نَصِيبين وَوَافَقَهُمْ المظفر شهَاب الدّين غَازِي بن الْعَادِل صَاحب ميافارقين ثمَّ سَارُوا إِلَى آمد فَخرج إِلَيْهِم عَسْكَر حلب عَلَيْهِ الْمُعظم فَخر الدّين توران شاه بن صَلَاح الدّين فدفعوهم عَنْهَا ونهبوا بِلَاد ميافارقين وَجَرت بَينهم وَبَين الخوارزمية وقائع ثمَّ عَاد الْعَسْكَر إِلَى حلب فغار الخوارزمية على رساتيق الْموصل. وفيهَا فلج المظفر صَاحب حماة فِي شعْبَان وَهُوَ جَالس بَغْتَة فَأَقَامَ أَيَّامًا ملقي لَا يَتَحَرَّك وَلَا يتَكَلَّم ثمَّ أَفَاق وَبَطل شقَّه الْأَيْمن فسير إِلَيْهِ الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب من مصر بطبيب يعرف بالنفيس بن طليب النَّصْرَانِي فَلم ينجح فِيهِ دَوَاء وَاسْتمرّ كَذَلِك سِنِين وشهوراً حَتَّى مَاتَ.

стр. 312

وَفِي خَامِس عشر ذِي الْقعدَة: قدم الْأَمِير ركن الدّين ألطونبا الهيجاري من الْقَاهِرَة إِلَى دمشق وَكَانَ الْملك الصَّالح نجم الدّين قد بَعثه فِي شهر رَمَضَان إِلَى النَّاصِر دَاوُد ليصلح بَينه وَبَين الْملك الْجواد حَتَّى بقى على طَاعَة الصَّالح نجم الدّين فَلَمَّا وصل إِلَى غَزَّة هرب إِلَى دمشق وَأخذ مَعَه جمَاعَة من الْعَسْكَر وَلحق الْجواد بالفرنج وَأقَام عِنْدهم. وفيهَا وصل الْملك الْمَنْصُور نور الدّين عمر بن عَليّ رَسُول من الْيمن فِي عَسْكَر غير إِلَى مَكَّة فِي شهر رَمَضَان ففر المصريون بَعْدَمَا أحرقوا دَار الْإِمَارَة بِمَكَّة حَتَّى تلف مَا كَانَ بهَا من سلَاح وَغَيره.

стр. 313

فارغة

стр. 314

سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة فِي ربيع الأول: أبطلت خطة ملك الرّوم من دمشق وخطب للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الأولى: دخل الفرنج من عكا إِلَى نابلس ونهبوا وَقتلُوا وأسروا وَأخذُوا مِنْبَر الْخَطِيب وَخَرجُوا يَوْم الْأَحَد بعد مَا أفسدوا أَمْوَالًا كَثِيرَة. وَفِي يَوْم السبت ثامن عشر الْمحرم: وصل إِلَى الْقَاهِرَة الشريف عَلَاء الدّين عَالم بن الْأَمِير السَّيِّد عَليّ. وفيهَا وصل التتار إِلَى أرزن الرّوم وأوقع الْملك المظفر غَازِي صَاحب ميلادقين بالخوارزمية. وفيهَا مَاتَت ضيفة خاتون ابْنة الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب لَيْلَة الْجُمُعَة لإحدى عشرَة خلت من جُمَادَى الأولى فاستبد ابْن ابْنهَا النَّاصِر يُوسُف بن الظَّاهِر غَازِي بمملكة حلب بعْدهَا وَقَامَ بتدبيره بعد جدله الْأَمِير شمس الدّين لُؤْلُؤ الأتابك والأمير جمال الدّين الْعَادِل الْأسود الْحسن الخاتون والوزير الأكرم جمال الدّين بن النفطي وَخرج إقبال من حلب بعسكر وَحَارب الخوارزمية ثمَّ عَاد. وفيهَا مَاتَ الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه جَعْفَر الْمَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله أبي نصر مُحَمَّد ابْن النَّاصِر لدين الله أَحْمد الْعَبَّاس أَمِير الْمُؤمنِينَ بكرَة يَوْم الْجُمُعَة لعشر خلون من جُمَادَى الْآخِرَة وَكَاد سَبَب مَوته أَنه فصد بمبضع مَسْمُوم. فَكَانَت خِلَافَته سبع عشرَة سنة وَشهر وَقيل مَاتَ فِي ثَانِي عشريه وَكَانَت مدَّته خمس عشرَة سنة وَأحد عشر شهرا وَخَمْسَة أَيَّام وَله من الْعُمر إِحْدَى وَخَمْسُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام. وَكَانَ حازماً عادلاً وَفِي أَيَّامه عمرت بَغْدَاد عمَارَة عَظِيمَة وَبني بهَا المحرسة المستنصرية وَفِي أَيَّامه قصد التتر بَغْدَاد فاستخدم العساكر حَتَّى قيل إِنَّهَا زَادَت عدتهَا على مائَة ألف إِنْسَان. فَقَامَ من بعده فِي الْخلَافَة ابْنه المستعصم بِاللَّه أَبُو أَحْمد عبد الله وَقَامَ بأَمْره أهل الدولة وحسنوا لَهُ جمع الْأَمْوَال وَإِسْقَاط أَكثر الأجناد فَقطع كثيرا من العساكر وَسَالم التتر وَحمل إِلَيْهِم المَال.

стр. 315

وفيهَا بني بعض غلْمَان الصاحب معِين الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ وَزِير الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بِنَاء بِأَمْر مخدومه على سطح مَسْجِد بِمصْر وَجعل فِيهِ طبلخاناه عماد الدّين ابْن شيخ الشُّيُوخ فَأنْكر ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بن عبد السَّلَام وَمضى بِنَفسِهِ وَأَوْلَاده حَتَّى هدم الْبناء وَنقل مَا على السَّطْح ثمَّ أشهد قَاضِي الْقُضَاة على نَفسه أَنه قد أسقط شَهَادَة الْوَزير معِين الدّين وَأَنه قد عزل نَفسه من الْقَضَاء فَلَمَّا فعل ذَلِك ولي الْملك الصَّالح عوضه قَضَاء مصر صدر الدّين أَبَا مَنْصُور موهوب ابْن عمر بن موهوب بن إِبْرَاهِيم الْجَزرِي الْفَقِيه الشَّافِعِي وَكَانَ يَنُوب عَن ابْن عبد السَّلَام فِي الحكم فِي ثَالِث عشري ذِي الْقعدَة. وفيهَا قدم مَكَّة الْحَاج من بَغْدَاد بَعْدَمَا انْقَطع ركب الْعرَاق سبع سِنِين عَن مَكَّة وَكَانَ من خبر مَكَّة - شرفها الله تَعَالَى - أَن السُّلْطَان الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بعث ألف فَارس عَلَيْهِم الشريف شيحة بن قَاسم أَمِير الْمَدِينَة فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ فَبعث الْملك الْمَنْصُور نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول من الْيمن بِابْن النصيري وَمَعَهُ الشريف رَاجِح إِلَى مَكَّة فِي عَسْكَر كَبِير ففر الشريف شيحة بِمن مَعَه وَقدم الْقَاهِرَة فَجهز السُّلْطَان الْملك الصَّالح مَعَه عسكراً قدم بهم مَكَّة فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وحجوا بِالنَّاسِ فَبعث ابْن رَسُول من الْيمن عسكراً كَبِيرا فَطلب عَسْكَر مصر من السُّلْطَان الْملك الصَّالح نجدة فَبعث إِلَيْهِم بالأمير بارز الدّين عَليّ بن الْحُسَيْن برطاس والأمير مجد الدّين أَحْمد بن التركماني فِي مائَة وَخمسين فَارِسًا فَلَمَّا بلغ ذَلِك عَسْكَر الْيمن أَقَامُوا على السرين وَكَتَبُوا إِلَى ابْن رَسُول بذلك فَخرج بِنَفسِهِ فِي جمع كَبِير يُرِيد مَكَّة ففر المصريون على وُجُوههم وأحرقوا مَا فِي دَار السُّلْطَان بِمَكَّة من سلَاح وَغَيره فَقدم الْملك الْمَنْصُور نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول مَكَّة وَصَامَ بهَا شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ واستناب بِمَكَّة مَمْلُوكه فَخر الدّين الشلاح.

стр. 316

سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فِيهَا قدم التتر بِلَاد الرّوم وأوقعوا بالسلطان غياث الدّين كيخسرو بن كيقباد بن يخسرو بن قلج أرسلان وهزموه وملكوا بِلَاد الرّوم وخلاط وآمد فَدخل غياث الدّين فِي طاعتهم على مَال يحملهُ إِلَيْهِم وملكوا أَيْضا سيواس وقيسارية بِالسَّيْفِ وقرروا على صَاحبهمَا فِي كل سنة أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار ففر غياث الدّين مِنْهُم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقَامَ من بعده ركن الدّين ابْنه - وَهُوَ صَغِير - إِلَى أَن قتل. وفيهَا تَكَرَّرت المراسلة بَين الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَبَين عَمه الصَّالح إِسْمَاعِيل صَاحب دمشق وَبَين الْمَنْصُور صَاحب حمص على أَن تكون دمشق وأعمالها للصالح إِسْمَاعِيل ومصر للصالح أَيُّوب وكل من صَاحب حمص وحماة وحلب على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَأَن تكون الخطة وَالسِّكَّة فِي جَمِيع هَذِه الْبِلَاد للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَأَن يُطلق الصَّالح إِسْمَاعِيل الْملك المغيث فتح الدّين عمر بن الْملك الصَّالح نجم الدّين من الاعتقال وَأَن يخرج الْأَمِير حسام الدّين أَبُو عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ باشاك الهذباني الْمَعْرُوف بِابْن أبي عَليّ من اعتقاله ببعلبك وَأَن ينتزع الصَّالح إِسْمَاعِيل الكرك من الْملك النَّاصِر دَاوُد فَلَمَّا تقرر هَذَا خرج من الْقَاهِرَة الْخطب أصيل الدّين الإسعردي - إِمَام السُّلْطَان - فِي جمَاعَة وَسَار إِلَى دمشق فَخَطب للسُّلْطَان الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بِجَامِع دمشق وبحمص وَأَفْرج عَن المغيث ابْن السُّلْطَان وأركب ثمَّ أُعِيد إِلَى القلعة حَتَّى يتم بَينهمَا الْحلف وَأَفْرج عَن الْأَمِير حسام الدّين وَكَانَ قد ضيق عَلَيْهِ وَجعل فِي جب مظلم فَلَمَّا وصل حسام الدّين إِلَى دمشق خلع عَلَيْهِ الصَّالح إِسْمَاعِيل وَسَار إِلَى مصر وَمَعَهُ رَسُول الصَّالح إِسْمَاعِيل وَرَسُول صَاحب حمص - وَهُوَ القَاضِي عماد الدّين بن القطب قَاضِي حماة - وَرَسُول صَاحب حلب فقدموا على الْملك الصَّالح نجم الدّين وَلم يَقع اتِّفَاق وعادت الْفِتْنَة بَين الْمُلُوك فاتفق النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك مَعَ الصَّالح إِسْمَاعِيل صَاحب دمشق على محاربة الْملك الصَّالح نجم الدّين وَعَاد رَسُول حلب وَتَأَخر ابْن القطب بِالْقَاهِرَةِ فَبعث النَّاصِر دَاوُد والصالح إِسْمَاعِيل ووافقا الفرنج على أَنهم يكونُونَ عوناً لَهُم على الْملك الصَّالح نجم الدّين ووعداهم أَن يسلما إِلَيْهِم الْقُدس وسلماهم طبرية وعسقلان أَيْضا فعمر الفرنج قلعتيهما وحصونهما

стр. 317

وَتمكن الفرنج من الصَّخْرَة بالقدس وجلسوا فَوْقهَا بِالْخمرِ وعلقوا الجرس على الْمَسْجِد الْأَقْصَى. فبرز الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب من الْقَاهِرَة وَنزل بركَة الْجب وَأقَام عَلَيْهَا وَكتب إِلَى الخوارزمية يستدعيهم إِلَى ديار مصرة لمحاربة أهل الشَّام فَخَرجُوا من بِلَاد الشرق. وَفِي يَوْم عيد النَّحْر: صرف الْملك الصَّالح نجم الدّين قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين موهوب الْجَزرِي وقلد الْأَفْضَل الخونجي قَضَاء مصر وَالْوَجْه القبلي. وفيهَا هرب الصارم المَسْعُودِيّ من قلعة الْجَبَل وَقد صبغ نَفسه حَتَّى صَار أسوداً على صُورَة عبد كَانَ يدْخل إِلَيْهِ بِالطَّعَامِ فَأخذ من بلبيس وأعيد إِلَى معتقله. وفيهَا أنشأ شهَاب الدّين ريحَان - خَادِم الْخَلِيفَة - رِبَاط الشرابي بِمَكَّة وَعمر بِعَرَفَة أَيْضا.

стр. 318

سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فِيهَا ورد إِلَى دمشق كتاب بدر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل وَفِيه يَقُول: إِنِّي قررت على أهل الشَّام قطيعة التتر فِي كل سنة من الْغَنِيّ عشرَة دَرَاهِم وَمن الْمُتَوَسّط خَمْسَة دَرَاهِم وَمن الْفَقِير دِرْهَم فَقَرَأَ القَاضِي محيي الدّين بن زكي الدّين الْكتاب على النَّاس وَوَقع الشُّرُوع فِي جباية المَال. وفيهَا قطع الخوارزمية الْفُرَات ومقدموهم: الْأَمِير حسام الدّين بركَة خَان وخان بردى وصاروخان وكشلوخان وهم زِيَادَة على عشرَة آلَاف مقَاتل فسارت مِنْهُم فرقة على بقاع بعلبك وَفرْقَة على غوطة دمشق وهم ينهبون وَيقْتلُونَ ويسبون فانجفل النَّاس من بَين أَيْديهم وتحصن الصَّالح إِسْمَاعِيل بِدِمَشْق وَضم عساكره إِلَيْهِ بَعْدَمَا كَانَت قد وصلت غَزَّة وهجم الخوارزمية على الْقُدس وبذلوا السَّيْف فِي من كَانَ بِهِ من النَّصَارَى حَتَّى أفنوا الرِّجَال وَسبوا النِّسَاء وَالْأَوْلَاد وهدموا المباني الَّتِي فِي قمامة ونبشوا قُبُور النَّصَارَى وأحرقوا رممهم وَسَارُوا إِلَى غَزَّة فنزلوها وسيروا إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب - فِي صفر - يخبرونه بقدومهم فَأَمرهمْ بِالْإِقَامَةِ فِي غَزَّة وَوَعدهمْ بِبِلَاد الشَّام بَعْدَمَا خلع على رسلهم وسير إِلَيْهِم الْخلْع وَالْخَيْل وَالْأَمْوَال وَتوجه فِي الرسَالَة إِلَيْهِم جمال الدّين أقوش النجيبي وجمال الدّين بن مطروح وجهز الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب عسكراً من الْقَاهِرَة عَلَيْهِ الْأَمِير ركن الدّين بيبرس أحد مماليكه الأخصاء الَّذين كَانُوا مَعَه وَهُوَ مَحْبُوس بالكرك فَسَار إِلَى غَزَّة وانضم إِلَى الخوارزمية جمَاعَة من القميرية كَانُوا قد قدمُوا مَعَهم من الشرق ثمَّ خرج الْأَمِير حسام الدّين أَبُو عَليّ - بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ الهذباني بعسكر ليقيم على نابلس. وجهز الصَّالح إِسْمَاعِيل عسكراً من دمشق عَلَيْهِ الْملك الْمَنْصُور صَاحب حمص فَسَار الْمَنْصُور جَرِيدَة إِلَى عكا وَأخذ الفرنج ليحاربوا مَعَه عَسَاكِر مصر وَسَارُوا إِلَى نَحْو غَزَّة وأتتهم نجدة النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك مَعَ الظهير بن سنقر الْحلَبِي والوزيري فَالتقى الْقَوْم مَعَ الخوارزمية بِظَاهِر غَزَّة وَقد رفع الفرنج الصلبان على عَسْكَر دمشق وَفَوق رَأس الْمَنْصُور صَاحب حمص والأقسة تصلب وبأيديهم أواني الْخمر تَسْقِي الفرسان وَكَانَ فِي الميمنة الفرنج وَفِي الميسرة عَسْكَر الكرك وَفِي الْقلب الْمَنْصُور صَاحب حماة فساق الخوارزمية وعساكر مصر ودارت بَين الْفَرِيقَيْنِ حَرْب شَدِيدَة

стр. 319

فانكسر الْملك الْمَنْصُور وفر الوزيري وَقبض على الظهير وجرح. وأحاط الخوارزمية بالفرنج وَوَضَعُوا فيهم السَّيْف حَتَّى أَتَوا عَلَيْهِم قتلا وأسراً وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا من شرد فَكَانَ عدَّة من أسر مِنْهُم ثَمَانمِائَة رجل وَقتل مِنْهُم وَمن أهل الشَّام زِيَادَة على ثَلَاثِينَ ألفا وَحَازَ الخوارزمية من الْأَمْوَال مَا يجل وَصفه وَلحق الْمَنْصُور بِدِمَشْق فِي نفر يسير. وقدمت الْبشَارَة إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين بذلك فِي خَامِس عشر جُمَادَى الأولى فَأمر بزينة الْقَاهِرَة ومصر وظواهرهما وقلعتي الْجَبَل وَالرَّوْضَة فَبَالغ النَّاس فِي الزِّينَة وَضربت البشائر عدَّة أَيَّام. وقدمت أسرى الفرنج ورءوس الْقَتْلَى وَمَعَهُمْ الظهير بن سنقر وعدة من الْأُمَرَاء والأعيان وَقد أركب الفرنج الْجمال وَمن مَعَهم من المقدمين على الْخُيُول وشقوا الْقَاهِرَة فَكَانَ دُخُولهمْ يَوْمًا مشهوداً وعلقت الرُّءُوس على أَبْوَاب الْقَاهِرَة وملئت الحبوس بالأسرى وَسَار الْأَمِير بيبرس والأمير ابْن أبي عَليّ بعساكرهما إِلَى عسقلان ونازلاها فامتنعت عَلَيْهِم لحصانتها فَسَار ابْن أبي عَليّ إِلَى نابلس وَأقَام بيبرس على عسقلان واستولت نواب الْملك الصَّالح نجم الدّين على غَزَّة والسواحل والقدس والخليل وَبَيت جِبْرِيل والأغوار وَلم يبْق بيد النَّاصِر دَاوُد سوى الكرك والملقاء والصلت وعجلون. فورد الْخَيْر بِمَوْت الْملك المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور بن تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب حماة فِي يَوْم السبت ثامن جُمَادَى الأول فَاشْتَدَّ حزن الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب عَلَيْهِ ثمَّ ورد الْخَبَر بِمَوْت ابْنه الْملك المغيث عمر بقلعة دمشق فَزَاد حزنه وَقَوي غَضَبه على عَمه الصَّالح إِسْمَاعِيل وَقدم إِلَى الْقَاهِرَة الْخَطِيب زين الدّين أَبُو البركات عبد الرَّحْمَن بن موهوب من حماة بِسيف الْملك المظفر وَمَعَهُ تقدمة من عِنْد ابْن الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين مُحَمَّد لتسْع مضين من شَوَّال. وَخرج الصاحب معِين الدّين الْحسن بن شيخ الشُّيُوخ على العساكر من الْقَاهِرَة وَمَعَهُ الدهليز السلطاني والخزائن وأقامه السُّلْطَان مقَام نَفسه وَأذن لَهُ أَن يجلس على رَأس السماط ويركب كَمَا هِيَ عَادَة الْمُلُوك وَأَن يقف الطواشي شهَاب الدّين رشيد أستادار السُّلْطَان فِي خدمته على السماط وَيقف أَمِير جاندار والحجاب بَين يَدَيْهِ كعادتهم فِي خدمَة السُّلْطَان وَكتب إِلَى الخوارزمية أَن يَسِيرُوا فِي خدمته. فَسَار الصاحب معِين الدّين من الْقَاهِرَة بالعساكر إِلَى غَزَّة وانضاف إِلَيْهِ الخوارزمية والعسكر

стр. 320

إِلَى غَزَّة وانضاف إِلَيْهِ الخوارزمية والعسكر وَسَار إِلَى بيسان فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ سَار إِلَى دمشق فنازلها وَقد امْتنع بهَا الصَّالح إِسْمَاعِيل والمنصور إِبْرَاهِيم صَاحب حمص وعاثت الخوارزمية فِي أَعمال دمشق فَبعث الصَّالح إِسْمَاعِيل إِلَى ابْن شيخ الشُّيُوخ بسجادة وإبريق وعكاز وَقَالَ لَهُ: اشتغالك بِهَذَا أولى من اشتغالك بِقِتَال الْمُلُوك. فَلَمَّا وصل ذَلِك إِلَيْهِ جهز إِلَى الصَّالح إِسْمَاعِيل جنكا وزمراً وغلالة حَرِير وَقَالَ: السجادة والإبريق والعكاز يليقون بِي وَأَنت أولى بالجنك وَالزمر والغلالة وَاسْتمرّ الصاحب معِين الدّين على محاصرة دمشق فَبعث الْخَلِيفَة بمحيي الدّين بن الْجَوْزِيّ إِلَى الْملك الصَّالح نجم الدّين وَمَعَهُ خلعة وَهِي عِمَامَة سَوْدَاء وفرجية مذهبَة وثوبان ذهب وَسيف بِذَهَب وطوق ذهب وعلمان حَرِير وحصان وترس ذهب فَلبس الْملك الصَّالح نجم الدّين الخلعة على الْعَادة وَكَانَت الْأَقَاوِيل بِمصْر قد كثرت لمجيئه وَتَأَخر قدومه فَقَالَ الصّلاح بن شعْبَان الإربلي: قَالُوا الرَّسُول أُتِي قَالُوا إِنَّه مَا رام يَوْمًا عَن دمشق نزوحا ذهب الزَّمَان وَمَا ظَفرت بِمُسلم يروي الحَدِيث عَن الرَّسُول صَحِيحا وفيهَا قتل أَمِير بني مرين مُحَمَّد بن عبد الْحق محيو بن أبي بكر بن حمامة فِي حربه مَعَ عَسْكَر الْمُوَحِّدين وَولي بعده أَخُوهُ أَبوهُ يحيي بن عبد الْحق. وفيهَا ورد كتاب بدر الدّين لُؤْلُؤ من الْموصل بجباية قِطْعَة التتر من دمشق فَقَرَأَ كتاب القَاضِي محيي الدّين من الزكي على الْعَادة. وفيهَا استوزر الْخَلِيفَة أستاداره مؤيد الدّين مُحَمَّد بن العلقمي فِي ثامن ربيع الأول عوضا عَن نصير الدّين أبي الْأَزْهَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْعَاقِد. وفيهَا استولي التتر على شهر زور. وفيهَا بلغ الأردب الْقَمْح بِمصْر أَرْبَعمِائَة دِرْهَم نقرة.
следующие страницы →