Полный текст (1 016 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبِه نستعين
الْحَمد لله الْملك الْعَظِيم الأول الآخر الْقَدِيم باعث نبيه مُحَمَّد مبرهنا طَرِيق التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وداعيا إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فَبلغ ﷺ الرسَالَة على التَّعْمِيم ونهج لمن تبعه الدّين القويم فَوَجَبَ على الكافة تَصْدِيقه وَالْقِيَام بِوَاجِب الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم فَلهُ الْحَمد حمدا يخرج عَن دَرك الإحصاء ويرغم بِهِ أنف من جحد وَعصى وَصلى الله على نبيه الْمُصْطَفى صَلَاة أستأنس بهَا حِين وَحْشَة الْقُبُور وأتميز بهَا فِي الدَّاريْنِ عَن أهل الويل وَالثُّبُور وعَلى جَمِيع إخوانه من النبييين وَالْمُرْسلِينَ وَآل كل والصحب أَجْمَعِينَ
أما بعد لما كَانَ علم التَّارِيخ من الْعُلُوم المفيدة والقلائد الفريدة موصلا علم السّلف إِلَى من خلف مُمَيّزا لِذَوي الْهِدَايَة عَن أهل الصلف يُعِيد ذكر الْأَعْصَار بعد ذهابها وينبه على خطئها من صوابها ويجدد أَخْبَارهَا وآثارها ويميز أخيارها من أشرارها وحالها عَن أحارها فبه يَسْتَفِيد الآخر عقول الأول وَبِه يتَمَيَّز أهل الاسْتقَامَة عَن أهل الزلل ثمَّ يحمد بِهِ النَّاظر اللبيب قَصده وَبِه يعرف أَبَانَا آدم وَمن بعده وَإِن تَأَخّر عَنْهُم وَطَالَ عَهده ثمَّ لولاه لجهلت الْأَنْسَاب واندرست الأحساب وَلم تفرق بَين الجهلة وَذَوي الْأَلْبَاب وَلما عرف من الْمُتَقَدِّمين فضل فَاضل على مفضول وَلَا ميز بَين سَائل ومسؤول ولولاه حَقًا مَاتَت الدول وَلم يصل إِلَيْنَا من أَخْبَار الماضين غير الْأَقَل وَفِي ذكر أَخْبَار الْمُتَقَدِّمين من الإفادة مَا شهد بِهِ نطق الْقُرْآن
стр. 2
وَفِي قَوْله تَعَالَى وكل نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك ثمَّ قد ذكر بعض أَئِمَّة التَّفْسِير فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ أَن مَعْنَاهُ اجْعَل لي جاها وَحسن صيت فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة يبْقى أَثَره إِلَى يَوْم الدّين وَطَرِيق دوَام ذَلِك إِنَّمَا يكون من قبل التَّارِيخ
وَذكر بعض الْعلمَاء الْمُحَقِّقين أَن الله أنزل فِي التَّوْرَاة سفرا من أسفارها مُفردا متضمنا أَحْوَال الْأُمَم السالفة ومدد أعمارها وَبَيَان أنسابها فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك وَثَبت فِي ذهني ذَلِك ووقفت على مَا أوردهُ أَعْيَان الْأَئِمَّة وعلماء الْأمة مِمَّا رَوَوْهُ عَن الْمُخْتَار وقدوة الْأَطْهَار من قَوْله ﷺ الْإِيمَان يمَان وَالْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية أوردهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه يَقُول أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة الْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
وَذكر مُسلم فِي صَحِيحه أَنه قَالَ ﷺ جَاءَ أهل الْيمن هم أرق أَفْئِدَة الْإِيمَان يمَان وَالْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية
ذكر بعض الْعلمَاء أَن الْغَرَض بالْخبر الْمَذْكُور الثَّنَاء على أهل الْيمن لإسراعهم إِلَى الْإِيمَان وَحسن قبولهم لَهُ من غير حَاجَة إِلَى عَسْكَر وَلَا قتال
وَذكر ابْن أبي الصَّيف فِي كِتَابه الميمون المتضمن لبَعض فضل أهل الْيمن أَن القَاضِي أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن عَليّ الصَّيْمَرِيّ ذكر فِي أَخْبَار الإِمَام أَبى حنيفَة وفضائله بِسَنَد إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَاكُم أهل الْيمن هم أرق قلوبا وألين أَفْئِدَة يُرِيد أَقوام أَن يضعوهم ويأبى الله إِلَّا أَن يرفعهم
وَذكر الرَّازِيّ الْآتِي ذكره بكتابه عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه أدْرك من عشيرته من
стр. 3
لَقِي سطحيا وَخَبره أعقاب من لَقِي شقا أَنَّهُمَا سئلا عَن كثير من أَخْبَار الْيمن فأخبرا بأحداث تكون فِيهَا
مِنْهَا أَنَّهُمَا قَالَا بِالْيمن ثَمَانِي بقاع مِنْهَا أَربع مقدسات أَو قَالَا مرحومات وَأَرْبع محرومات أَو قَالَا مشئومات وَثَمَانِية كنوز فالبقاع المرحومات مرامعين وَبِه الْكَثِيب الْأَبْيَض وَهُوَ رِبَاط يخرج إِلَيْهِ النَّاس إِلَى عصرنا هَذَا والجند ومأرب وزبيد
وَالْبِقَاع المحرومات أَو المشئومات ختا الْجَبَل الْأَشْهب سيد جبال النَّار قطب الْيمن إِذا سكن سكنت الْيمن يكون فِيهِ زلازل وَفِي جوَار فوهته دارت سِتّ عشرَة وقْعَة وَتظهر فِيهِ النَّار والخراب وتعوي فِيهِ الذئاب ثمَّ تعمر فِيهِ الدّور وتشيد فِيهِ الْقُصُور ويؤهل فَيكون مصرا من أَمْصَار الْمَنْصُور ويسير بَين يَدَيْهِ رجل من أَهله كَأَن بِهِ رَاجِلا بَين يَدَيْهِ حافيا متذللا لَهُ مسارعا إِلَى طَاعَته نَافِذا فِي أمره وتذل بِهِ الْجبَال من السهول وَيكون أشهر مَا بِالْيمن
وَالثَّانيَِة من المحرومات أَزَال وَالثَّالِثَة تهَامَة وَالرَّابِعَة المعافر قَالَ وَقَالَ ابْن يَعْقُوب وَأما الَّذِي كنت أسمعهُ من شُيُوخ الصنعانيين وعلمائهم ان الملعونات نَجْرَان وصعده وأثافت وضهر ويكلا وَذكر عجائب كَثِيرَة لَيست من ملازم الْكتاب فَمن أرادها نظرها
стр. 4
وَكنت بِحَمْد الله امْرَءًا مِنْهُم مولدا ومنشأ وانضاف إِلَى ذَلِك مَا هُوَ مَعْلُوم من حب الوطن عِنْد الملا ومتعارف بَين الفضلا وَله يَقُول ابْن الرُّومِي شعرًا ... وَمَا الشوق للأوطان من أجل طيبها ... وَلَا شرف فِيهَا وَفضل مقَام
وَلكنه فِي النَّفس طبع لأَجله ... يُجَادِل فِي تفضيلها ويحامي
وَمن ثمَّ يهوى الطِّفْل فِي النَّفس أمه ... ويأبى سواهَا وَهِي ذَات وشام
وَمن غربَة يبكي الْجَنِين إِذا بدا ... وَقد كَانَ فِي ضيق وفرط ظلام ... فَأَحْبَبْت حِينَئِذٍ وضع كتاب أجمع فِيهِ غَالب علمائه وأذكر مَعَ ذكر كل مَا ثَبت من حَاله مولدا ونعتا ووفاة بعد أَن أضم إِلَى ذَلِك إِشَارَة من اعْتقد أَن إِشَارَته حكم وطاعته غنم فاعتمدت ذَلِك متقربا بِالْإِشَارَةِ وراجيا من الله الْإِعَانَة
ثمَّ عرض لي أَن مَتى عرض مَعَ ذكر أحد من الْعلمَاء ذكر أحد من الْأَعْيَان ذكرت من حَاله مَا لَاق ثمَّ أضفت إِلَى ذَلِك طرفا من أَخْبَار الْمُلُوك وَجَعَلته مُخْتَصرا أُرِيد بذلك جعل الْكتاب جَامعا لذكر الْفَرِيقَيْنِ ورؤساء الدَّاريْنِ
وبدأت بالعلماء لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾ وَثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين وأحببت أَن أقدم نبذة من الْأَخْبَار دَالَّة على فضل الْعلمَاء والملوك
فَمن الدَّلِيل على فضل الْعلمَاء مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بِسَنَدِهِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سلك الله بِهِ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رضَا لطَالب الْعلم وَأَن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض حَتَّى الْحيتَان فِي جَوف المَاء
ولفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر على الْكَوَاكِب وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذ بِهِ أَخذ بحظ وافر
قَالَ الْخطابِيّ فِي معالمه فِي معنى وضع الْمَلَائِكَة أَجْنِحَتهَا لأهل الْعلم ثَلَاثَة
стр. 5
أَقْوَال أَحدهَا التَّوَاضُع والخشوع تَعْظِيمًا لَهُ وتوقيرا لعلمه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ وَقيل وضع الْجنَاح مَعْنَاهُ الْكَفّ عَن الطيران وَألْحق بالعالم جليسه لاستماع الذّكر مِنْهُ كَمَا جَاءَ فِي خبر آخر مَا من قوم يَجْلِسُونَ مجْلِس ذكر إِلَّا غشيتهم الرَّحْمَة وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَة
قيل لعطاء بن أبي رَبَاح مَا مجَالِس الذّكر فَقَالَ هِيَ الَّتِي تعرف بهَا كَيفَ تَأْكُل وَكَيف تشرب وَكَيف تنْكح وَكَيف تبيع وَكَيف تبْتَاع وَكَيف تقيم فَرَائض الله عَلَيْك وَسنَن نبيه وَمَتى جَوَازهَا ووجوبها أَلا ترى أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ إِذْ لَا يسْأَل الْجَاهِل عَن أمره الَّذِي لَا يُعلمهُ غير من يُعلمهُ فَنزلت هَذِه الْآيَة على أَن أهل الذّكر هم الْعلمَاء
وَالْقَوْل الثَّالِث أَن معنى فرش الْجنَاح ليحمل الطَّالِب عَلَيْهِ ليبلغه وطره وَيقرب عَلَيْهِ الْبعيد من مقْصده كَمَا شَاهد ذَلِك جمع من الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين وَنقل لنا نقلا متواترا كَمَا سنذكر ذَلِك فِي ذكر الْحَافِظ العرشاني إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَقَوله وَإِن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض حَتَّى الْحيتَان فِي جَوف المَاء فَكَانَ اسْتِغْفَار أهل السَّمَاء لما لَهُم على ألسن الْعلمَاء من الذّكر بجميل الْأَفْعَال واعتقاد التَّفْضِيل لَهُم والتبجيل وتمييز مقربهم عَن غَيرهم وأمد الأَرْض لما لَهُم على ألسن الْعلمَاء من التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْمُسْتَحب وَالْمَكْرُوه فِي الْآدَمِيّين وَمن طَرِيق ذَلِك أمره لَهُم بِحُقُوق من ولوا أمره بِملك أَو اسْتِحْقَاق وَكَيف صفة ذَلِك وَأما الثَّوَاب لفَاعِله وَالْعِقَاب لتاركه ثمَّ تعريفهم للمستباح مِنْهَا أكولا وحمولا وحلوبا وركوبا وَمَا الَّذِي يجمع ذَلِك كَالْإِبِلِ وَمَا لَا يجمعه ثمَّ تعريفهم بِمَا يحل وَبِمَا لَا يحل وَكَيف بَيَان تَحْلِيله من تَحْرِيمه وَمن قبيل هَذِه الْحيتَان وَذكر الشَّارِع ذَلِك مُبَالغَة واستقصاء واستغراقا إِذْ هم المرشدون إِلَى الْمصلحَة فِي بَابهَا والموصون بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَأَن لَا تعَارض عَبَثا وَلذَلِك ألهمت محبتهم وَالِاسْتِغْفَار لَهُم كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر وَالْأَحَادِيث الدَّالَّة على فضل الْعلم وَأَهله يطول ذكرهَا
стр. 6
وَيذكر الْعلمَاء عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْعلم ثَلَاثَة أحرف الْعين من عليين وَاللَّام من اللطف وَالْمِيم من الْملك فَيبلغ بِصَاحِبِهِ أَعلَى الدَّرَجَات من العليين والزلفى بهَا إِلَى اللطف فِي الدَّاريْنِ وَالْملك فيهمَا
وَعَن بعض الْعلمَاء الْعلم نزهة الْقُلُوب وَالْأَدب تحفة الْأَلْبَاب وَأحسن مَا وعى الْمَرْء فِي عمره علم يلْبسهُ للزِّينَة فِي العاجل وينتج عَنهُ سَعَادَة الآجل
وانقضى ذكر مَا أسلفته من الْآثَار فِي فضل الْعلم وَأَهله
وَأُرِيد اتِّبَاع ذَلِك بِمثلِهِ فِي فضل الْمُلُوك وَهُوَ آثَار مِنْهَا قَوْله ﷺ السُّلْطَان ظلّ الله فِي أرضه يأوي إِلَيْهِ كل ملهوف
قَالَ الحريري فِي درة الغواص مَعْنَاهُ ظله السابغ على عباده المسبل على بِلَاده وَقَالَ بعض الْعلمَاء الدّين بِالْملكِ يقوى وَالْملك بِالدّينِ يبْقى وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ عُثْمَان بقوله أَن الله ليزع بالسلطان مَا لَا يَزع بِالْقُرْآنِ وَمن قبيل ذَلِك قَول ابْن الْمُبَارك الْجَمَاعَة حَبل الله فَاعْتَصمُوا مِنْهُ بعروته الوثقى ... الله يدْفع بالسلطان معضلة ... عَن ديننَا رَحْمَة مِنْهُ ودنيانا
لَوْلَا الشَّرِيعَة لم تأمن لنا سبل ... وَكَانَ أضعفنا نهبا لأقوانا ... ثمَّ قد ذكر الْعلمَاء لذَلِك أَعنِي فضل الْعلمَاء من الْمُلُوك آثارا يطول سردها ويسمج شرحها يعرفهَا الْعَارِف وَلَيْسَ غرضي بِوَضْع مَا وضعت من ذَلِك إِلَّا التَّنْبِيه والإذكار لِذَوي الْأَبْصَار ثمَّ تَعْرِيف النَّاظر أَن لَيْسَ غرضي بِذكر الْعلمَاء أخص الْمُحَقِّقين مِنْهُم والمتسمين من أهل الْفَهم فيهم إِذْ ذَاك ينْدر فِي كل جيل لَكِن مرادي غَالِبا ذكر الْفُقَهَاء وَمن رَأس مِنْهُم ودرس وبالصواب أفتى وَهدى إِذْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْعلم مَدِينَة
стр. 7
لَهَا بَابَانِ أَحدهمَا للدراية وَالْآخر للرواية فغرضي أَن أذكر أهل الْبَابَيْنِ الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة لَا من حقق الْعلم وأكمل شُرُوطه وتميز أهل زَمَانه وأوانه بل كَمَا فعل ذَلِك من سبقني من المصنفين لذَلِك المطيلين مِنْهُم والمقصرين وَلَو أَرَادَ أحد حصر تصنيفه بِذكر من أكمل الْعلم معرفَة لعجز
فَإِن ذَلِك أَمر لَا يَنْتَهِي وَالله يَقُول ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ فَوق كل عَالم أعلم مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الله مفيض مَا يَشَاء من علمه على من اخْتصَّ من خلقه وَمن ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْعلم أَكثر من أَن يحفظ فَخُذُوا عَن كل عَالم محاسنه
وَمَا رُوِيَ عَن جَعْفَر بن الْأَشَج أَنه قَالَ الْعلم كَالْمَالِ مَتى كَانَ بيد الْإِنْسَان مِنْهُ شَيْء سمي مُوسِرًا وَكَذَا من حوى شَيْئا من الْعلم سمي عَالما وَكَذَلِكَ يحوي الْإِنْسَان مَالا كثيرا فَلَا يُزَاد على اسْم الْيَسَار كَمَا أَن الْعَالم وَإِن كثر علمه لَا يُزَاد على الْعَالم لَكِن يتميزان بالأفضلية فَيُقَال أغْنى من فلَان كَمَا يُقَال أعلم مِنْهُ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى أَشَارَ الْقَائِل بقوله ... من النَّاس من يدعى الإِمَام حَقِيقَة ... ويدعى كثير بِالْإِمَامِ مجَازًا
وَلَكِن مَتى يخفى الصَّباح إِذا بدا ... وَحل عَن اللَّيْل البهيم طرازا ... ثمَّ قد يَقُول جَاهِل أَو متجاهل مَا الْفَائِدَة الْحَاصِلَة فِي ذكر من أوردته وقص قصَص من توخيته فأجبت الأول بِالسَّلَامِ وَالْآخر أَن فِي ذَلِك فائدتين إِحْدَاهمَا مَا ذكرت أَولا من ذكر الْقُرْآن للأنبياء وأممهم والقرون الْمَاضِيَة وَمن تَبِعَهُمْ وَالْأُخْرَى أَن الْمُتَأَخر مَتى وقف على خبر من تقدمه من الْفُضَلَاء أَو سمع كَيفَ تشميرهم وإقبالهم على الْعلم وَطَلَبه تاقت نَفسه إِلَى الِاقْتِدَاء بهم والانسلاك فِي سلكهم وَالتَّحْقِيق
стр. 8
لتفضيلهم وتجميلهم وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ إِمَام الطريقتين أَبُو الْقَاسِم الْجُنَيْد يَقُول الْأَرْوَاح جنود مجندة من جنود الله يخفى بهَا من قُلُوب العارفين ويصفو بهَا أسرار المريدين فقد يحث الصَّالح الجبان إِلَى المعركة فرسَان الطعان ويهيج الْحَادِي أشواق القوافل وَإِن كَانَ عَن معنى مَا يَأْتِي بِهِ غافل
وَذكر فِي صفة الصفوة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ أَنه قَالَ جَلَست يَوْمًا أحدث فِي حَلقَة فِيهَا سعيد بن السَّائِب الطَّائِفِي فَجعل يبكي حَتَّى رَحمته ثمَّ قلت مَا يبكيك فَقَالَ يَا سُفْيَان إِذا سَمِعت ذكر أهل الْخَيْر وَذكر فعالهم وجدت نَفسِي عَنْهُم بمعزل وَسُئِلَ الْجُنَيْد هَل على كَلَامه الأول دَلِيل قَالَ نعم قَول الله تَعَالَى وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك فَإِذا كَانَ تثبيت فُؤَاده ﷺ بأخبار الرُّسُل فَكيف بِمن عداهُ وَمَتى ذكرت الْفُقَهَاء وَالْأَئِمَّة المتبصرين أوردت مَعَ كل مَا صَحَّ لدي لَهُ من منقبة أَو نعت يحسن إِيرَاده وَإِن لم يكن أَهلا لذَلِك كَانَ إعراضي عَنهُ كَافِيا وَإِلَيْهِ يَقُول ... ولربما كَانَ السُّكُوت عَن الْجَواب جَوَابا
مَعَ أَن المؤرخين قد شحنوا كتبهمْ بِذكر الْعلمَاء وتاريخهم حَتَّى قَالَ المَسْعُودِيّ عَن جمَاعَة مِنْهُم ذكرتهم لنقلهم السّنَن وحاجة أهل الْعلم وَأَصْحَاب الْآثَار إِلَى تَحْقِيق أَحْوَالهم لأخذهم الْعلم عَنْهُم والاستعانة بهم فِي دينهم ودنياهم
стр. 9
وَأَرْجُو أَن الله قد عصمني عَن أَن أرتكب فِي كتابي هَذَا هَوَاء وأميز أحد مِمَّن ذكرته إتباع هَوَاء وأعده من جملَة الملاء وَلَيْسَ لذَلِك أَهلا بل أذكر الْفَقِيه بِمَا ثَبت لَهُ من تَارِيخ أبدأ فِي أول ذكره بميلاده وأختم ذَلِك بوفاته ثمَّ فِي أثْنَاء ذَلِك مَا صَحَّ لي من نعوت ثمَّ مَتى ولي أحد مِنْهُم قَضَاء وَسَار السِّيرَة المرضية قلت محن هَذَا بِالْقضَاءِ وَإِن لم أقل ولي الْقَضَاء سنة كَذَا من قبل فلَان
وَاعْلَم أَنِّي أخذت أَخْبَار الْمُتَقَدِّمين غَالِبا من أحد كتب ثَلَاثَة أكملها فِي ذكر الْعلمَاء وتواريخهم كتاب الْفَقِيه أبي حَفْص عمر بن عَليّ بن سَمُرَة إِذْ ذكر غَالب الْفُقَهَاء بِالْيمن مُنْذُ ظهر بِهِ الْإِسْلَام إِلَى بضع وَثَمَانِينَ وخمسمئة ثمَّ يُقَارِبه كتاب أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ أصلا والصنانعي بَلَدا وَهُوَ كتاب يُوجد كثيرا بأيدي النَّاس يَقُول فِي تَرْجَمَة كل نُسْخَة الْجُزْء الثَّالِث من تَارِيخ الرَّازِيّ ثمَّ يذكر فِي غَالب نُسْخَة مَا لَا يُوجد فِي النّسخ الْأُخْرَى وَبحث جمع كثير من أَعْيَان الْيمن عَن تَحْصِيل النُّسْخَة بكمالها فَلم يَجدوا غير الْجُزْء الْمَذْكُور وَبلغ فِيهِ إِلَى سِتِّينَ وأربعمئة تَقْرِيبًا وحقق فِيهِ جمَاعَة من أهل الْيمن غالبهم من صنعاء والجند وَأورد لَهُم من الْآثَار كثيرا وحقق من أَحْوَالهم
بِخِلَاف مَا ذكره ابْن سَمُرَة ثمَّ إِنِّي تتبعت كِتَابه فَرَأَيْت مَا يدل على كَمَال مُصَنفه ونزاهته عَمَّا ينْسب إِلَيْهِ أهل ناحيته من الاعتزال وَالْقَوْل بِخِلَاف مَا صَحَّ عِنْد أهل الطول فقد طالعت كِتَابه الْمَذْكُور مرَارًا ونقلت مِنْهُ إِلَى كتابي هَذَا أَخْبَارًا وأخبارا
ثمَّ يُقَارِبه تَارِيخ صنعاء لِابْنِ جرير الصَّنْعَانِيّ الزُّهْرِيّ واسْمه إِسْحَاق بن يحيى بن جرير ينتسب إِلَى الْأسود بن عَوْف أخي عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَهُوَ كتاب لطيف الحجم بِهِ فَوَائِد جمة ثمَّ يُقَارِبه تَارِيخ عمَارَة الموسوم بالمفيد فِي أَخْبَار صنعاء وزبيد ثمَّ تَدْعُو الْحَاجة إِلَى ذكر أحد لَيْسَ من الْيمن فَأَخذه فِي الْغَالِب عَن
стр. 10
كتاب القَاضِي أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خلكان الْمَعْرُوف بوفيات الْأَعْيَان إِذْ لم يذكر من الْيمن غيراليسير وَكَانَ قَاضِي قُضَاة الشَّام مُعظما عِنْد الْعَزِيز ثمَّ عزل فِي أَيَّام قلاوون الصَّالِحِي لحَدث كَانَ مِنْهُ وَكتابه على الِانْقِطَاع نَحْو ثَمَانِينَ سنه وستمئة ثمَّ من بضع ثَمَانِينَ وستمئة إِلَى وقتي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة إِنَّمَا أخذت الْغَالِب عَن أهل بَيت مِمَّن أَدْرَكته أَو أدْركْت من أدْركهُ مَعَ أَنِّي لم أقصد فِي ذكر أحد رِيَاء وَلَا أطريته مِمَّا يسْتَحق من ثَنَاء وَالله عَليّ فِي ذَلِك من أكبر الشُّهَدَاء وَلم أحبر على جمع ذَلِك إِلَى رَجَاء حُصُول أجر من الله وثواب وَمن أهل الْإِسْلَام دُعَاء مستجاب أَو ثَنَاء مستطاب ثمَّ تبركا باقتداء أكَابِر من سلك من هَذَا المسلك وَذكروا فِي فضلاء زمانهم وَمن تقدمهم أَقْوَامًا يغلب على الظَّن أَن فِي من تَأَخّر جمَاعَة يفضلون عَلَيْهِم أَو على كثير مِنْهُم بِالْعلمِ وَرُبمَا تحقق ذَلِك فِي كثير ثمَّ قبولا لإشارة شَيْخي أبي الْحسن الأصبحي وَهُوَ الَّذِي ذكرت أَولا أَن إِشَارَته فِي حَقي حكم وطاعته غنم مَعَ تعويلي على أَن مطالع كتابي هَذَا يكون معي عِنْد تَحْقِيقه لزلل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ وَليكن كَمَا قَالَ الأول ... ويغضي عَن الْأَشْيَاء يعلم كنهها ... إِلَى أَن يَقُول النَّاس لَيْسَ بعالم
وَمَا ذَاك من جهل بِهِ غير أَنه ... يجر على الزلات ذيل المكارم ... ثمَّ مَتى تحقق خللا فليصلحه بعد تحوط فَإِنِّي قد أخذت مَا أوردت من مظان جَيِّدَة ورحلت من الْجند فِي طلب ذَلِك إِلَى نواح بعيدَة ثمَّ يعرض مَعَ ذكر أحد من الْعلمَاء ذكر أحد من الْأَعْيَان فأورد من ذكره مَا يشفي النَّفس ويزيل اللّبْس على حسب الطَّاقَة وَمَعَ ذَلِك فالأغراض فِي ذَلِك تبلغ أغراضا مُخْتَلفَة فقد من يُرِيد تَارِيخ
стр. 11
الْعلمَاء وَقد يُرِيد الْمُلُوك وَقد يُرِيد الْأَعْيَان والميل إِلَى الِاخْتِصَار بِقدر الِاسْتِطَاعَة
ثمَّ استفتح ذَلِك بِحَمْد الله جَاعل لُحُوم الْعلمَاء مُحرمَة لأهل السَّفه والشقاء فأعوذ بِهِ من حسد الحاسدين وَاعْتِرَاض المعاندين ثمَّ الصَّلَاة على خير الْأَنْبِيَاء وَجَمِيع أخوانه مِنْهُم وَآل كل والصحب على الِاسْتِقْصَاء
وَرَأَيْت أَن أولى مَا استفتح بِهِ الْكتاب ذكره ﷺ إِذْ هُوَ الْموصل عَن الله الْعلم بِمَا أخبر فابتدأت حِينَئِذٍ بنسبه ثمَّ مولده ثمَّ مَا تحققته من أَحْوَاله بداية وَنِهَايَة على شَرط الإيجاز والاختصار فِيهِ ﷺ إِذْ بِهِ سلكنا الطَّرِيق وَحصل لكل مُسلم التَّوْفِيق ولولاه لم يكن فِي الْأمة عَالم اسْتحْسنَ وَلَا جرى ذكره فِي كتاب وَلَا بعده من الصَّوَاب
وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم كنيته بِولد لَهُ من خَدِيجَة ﵂ جَاءَهُ قبل الْإِسْلَام مُحَمَّد بن عبد الله
مُحَمَّد اسْم عَرَبِيّ يَسْتَعْمِلهُ الْعَرَب فِي الْمُسْتَغْرق للمحامد وَسمي بذلك لِأَن أمه رَأَتْ فِي الْمَنَام قَائِلا يَقُول لَهَا إِنَّك حملت بِسَيِّد هَذِه الْأمة يكون مُسْتَغْرقا لجَمِيع المحامد فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا وَأما أَبوهُ فَقيل كَانَ اسْمه عبد الدَّار وَقيل عبد قصي فَلَمَّا فدي من الذّبْح سَمَّاهُ أَبُو عبد الله وَهُوَ أحد الذبيحين الَّذِي جَاءَ فِي بعض الْأَخْبَار عَنهُ ﷺ أَنا ابْن الذبيحين عَنى أَبَاهُ وجده إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن عبد الْمطلب وَيُقَال لَهُ شيبَة الْحَمد أَي شيبَة الثَّنَاء إِذْ ولد وبرأسه شيبَة ابْن هَاشم واسْمه عَمْرو وَسمي هاشما لِكَثْرَة مَا كَانَ يطعم قومه قَالَ ... عَمْرو الَّذِي هشم الثَّرِيد لِقَوْمِهِ ... وَرِجَال مَكَّة مسنتون عجاف ... وَهُوَ ابْن عبد منَاف واسْمه الْمُغيرَة بن قصي سمي قصيا لِأَن أمه تزوجت فِي غير أَهله فَخرجت بِهِ مَعهَا صَغِيرا فَلَمَّا كبر عَاد بَلَده فرأس بهَا وَجمع بيُوت قُرَيْش وَلذَلِك كَانَ يُسمى مجمع بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة وَهَذَا النَّضر هُوَ قُرَيْش فَمن كَانَ من وَلَده فَهُوَ قرشي وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا غَلَبَة وقهر من القرش حَيَوَان فِي الْبَحْر لِأَن لَهُ قهرا على غَيره وَقيل لتجارته ويساره وتصغيره محبَّة وَسميت قُرَيْش الحمس أَيْضا قيل لتشددها فِي الدّين خَاصَّة وَقيل لتشددها فِيهِ وَفِي غَيره وَقيل من الحمسة وَهِي الْحُرْمَة فَكَانَ يُقَال لَهُم أهل
стр. 12
الحمسة أَي أهل الْحُرْمَة
وَقَالَ الْخطابِيّ سُئِلَ بعض الْعلمَاء لم كَانَت قُرَيْش أفضل الْعَرَب وَهِي قَبيلَة من مُضر فَقَالَ لِأَن دارها لم يزل منسكا لحج النَّاس وموسما لَهُم وموردا لقَضَاء نسكهم وَكَانُوا لَا يزالون يتأملون أَحْوَال الواردين ويراعونها يختارون أحسن مَا يشاهدونه ويتكلمون بِأَحْسَن مَا يسمعونه من لغتهم ويتخلقون بِأَحْسَن مَا يرَوْنَ من شمائلهم فبذلك وَهُوَ حسن الِاخْتِيَار الَّذِي هُوَ ثَمَرَة الْعقل صَارُوا أفضل الْعَرَب ثمَّ قَالَ لما بعث الله نبيه ﷺ مِنْهُم تمت لَهُم بِهِ الْفَضِيلَة وكملت بِهِ السِّيَادَة وَإِنَّمَا صَار دَارهم حرما لِأَن الله تَعَالَى لما قَالَ للسماوات وَالْأَرْض ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ كَانَ الْمُجيب لَهُ بذلك من الأَرْض مَوضِع الْكَعْبَة وَمن السَّمَاء مَا قابله فَلذَلِك جعل فِيهِ الْبَيْت الْمَعْمُور وَهَذَا كَلَام دخيل والْحَدِيث شجون
نعود إِلَى بَقِيَّة النّسَب وكنانة هُوَ ابْن خُزَيْمَة بن مدركة واسْمه عَامر بن الْيَأْس بِفَتْح الْهمزَة ضد الرَّجَاء وَقيل بخفضها مُوَافقَة للنَّبِي ﷺ ابْن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان النّسَب إِلَى هُنَا لَا يمتري فِيهِ أحد وَمَا جَاوز ذَلِك من النسابين من قَالَ بِهِ وهم جمَاعَة ابتدأت مِنْهُم بِالْإِمَامِ السُّهيْلي لجلالة قدره وشهرة مَعْرفَته فَقَالَ عدنان بن مقوم بِفَتْح الْوَاو وخفضها بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نبت بن إِسْمَاعِيل الذَّبِيح الثَّانِي على رَأْي جمَاعَة كثيرين وَاخْتَارَ السُّهيْلي أَن الْعَرَب كلهَا من ولد إِسْمَاعِيل الذَّبِيح قَالَ إِذْ هم بَنو نبت وَبَنُو أَيمن ابْني إِسْمَاعِيل فالعدنانية بَنو نبت والقحطانية بَنو أَيمن
وَقيل قيدر بن نبت بن إِسْمَاعِيل وَلَوْلَا الْميل إِلَى الِاخْتِصَار لشرحت مَا شَرحه السُّهيْلي فِي هَذَا الْمَكَان وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَمَعْنَاهُ أَب رَحِيم ولتحقق ذَلِك فِيهِ جعله وَامْرَأَته سارة كافلي أَطْفَال الْمُؤمنِينَ الَّذين يموتون صغَارًا ابْن تارخ وَهُوَ أزر بن ناحور بن ساروح بن راغوا بن فالخ وَقيل فالغ وَمَعْنَاهُ القسام لِأَنَّهُ قسم الأَرْض بَين أَهلهَا ابْن عَابِر وَقيل عبير بياء مثناة من تَحت بدل
стр. 13
الْألف بن سالخ وَمَعْنَاهُ الْوَكِيل بن أرفخشد وَمَعْنَاهُ مِصْبَاح مضيء ابْن سَام بن نوح واسْمه عبد الْغفار وَسُميَّة نوحًا لِكَثْرَة نواحه على نَفسه لتَقْصِيره فِي طاعه ربه وَهُوَ ابْن لامك بِفَتْح الْمِيم وَقيل بِكَسْرِهَا ابْن متوشلخ بالشين الْمُعْجَمَة وَقيل بِالْمُهْمَلَةِ وَاللَّام مَفْتُوحَة وَقيل بخفضها والخا مُعْجمَة وَتَفْسِيره مَاتَ الرَّسُول إِذْ مَاتَ أَبوهُ وَهُوَ فِي بطن أمه بن أَخْنُوخ وَقيل خنوخ بِحَذْف الْألف وخاءين معجمتين بَينهمَا نون مَضْمُومَة ثمَّ وَاو وَهُوَ إِدْرِيس النَّبِي ﷺ أول نَبِي خطّ بالقلم وَأعْطِي النُّبُوَّة بن يرد بن مهليل وَقيل مهلايل وَمَعْنَاهُ الممدوح وَفِي أَيَّامه ظَهرت عبَادَة الْأَصْنَام ابْن قينان بِأَلف بَين النونين وَقيل بحذفه وَمَعْنَاهُ المستوى ابْن نائش وَقيل أنوش وَمَعْنَاهُ الصَّادِق بن شِيث وَمَعْنَاهُ عَطِيَّة الله بن آدم سمي بِهِ لِأَنَّهُ خلق من أَدِيم الأَرْض وكنيته عبد المليك أَبُو الْبشر وَقيل أَبُو مُحَمَّد يعنون بِهِ نَبينَا ﷺ
قَالَ السُّهيْلي وَذكر الطَّبَرِيّ بَين عَابِر وشالخ أَبَا سَمَّاهُ قينان وَأَن الله لم يذكرهُ فِي التَّوْرَاة لِأَنَّهُ كَانَ ساحرا وانقضى ذكر مَا أردناه من النّسَب وَلم يبْق غير ذكر الْأَحْوَال والنعوت بِأَلْفَاظ موجزة فولد يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول وَقيل غير ذَلِك وَكَانَ بعد هَلَاك أَصْحَاب الْفِيل بِخَمْسِينَ لَيْلَة ولد ﷺ مختونا مَسْرُورا فأعجب جده عبد الْمطلب ذَلِك وَقَالَ ليَكُون لِابْني هَذَا شَأْن عَظِيم وَاخْتلف هَل كَانَ أَبوهُ إِذْ ذَاك بَاقِيا أم لَا فَقيل لَا وَقيل نعم عَاشَ شَهْرَيْن بعد وِلَادَته ﷺ وَقيل سنة وَأجْمع المؤرخون أَنه لم يبلغ الثَّلَاث إِلَّا وَقد عدم وَكَانَت أمه تَقول أتيت حِين حملت بِهِ فَقيل لي إِنَّك حملت بِسَيِّد هَذِه الْأمة فَمَتَى وَقع على الأَرْض فَقولِي أُعِيذهُ بِالْوَاحِدِ من شَرّ كل حَاسِد ثمَّ سميه مُحَمَّدًا قَالَت فوَاللَّه مَا رَأَيْت حملا قطّ كَانَ أخف وأيسر ولادَة مِنْهُ
وَلَقَد وَقع وَاضِعا يَدَيْهِ على الأَرْض رَافعا رَأسه إِلَى السَّمَاء فَظهر بميلاده ﷺ من العلامات والبشارات مَا يفوق الْعد كَثْرَة وتبادرت الْكُهَّان إِلَى مَكَّة وَاتَّفَقُوا مَعَ عُلَمَاء الْيَهُود على إعدامه فَأَعْجَزَهُمْ الله ثمَّ أول مُرْضِعَة أَرْضَعَتْه ﷺ أمة ثويبة مولاة لِعَمِّهِ أبي لَهب وَكَانَت قد أرضعت قبله عَمه حَمْزَة ثمَّ أم أَيمن الحبشية
стр. 14
وَهِي أم أُسَامَة بن زيد وَكَانَت مولاة لِأَبِيهِ عبد الْمطلب أعْتقهَا ﷺ وَزوجهَا زيد بن حَارِثَة ثمَّ حليمة وَقيل إِن حليمة أَرْضَعَتْه قبل أم أَيمن ثمَّ لما صَار ابْن سِتّ سِنِين ذهبت بِهِ أمه إِلَى يثرب تزيره أخوال جده عبد الْمطلب من بني النجار ثمَّ لما صَارَت بالأبواء عَائِدَة توفيت هُنَالك وَقد زارها النَّبِي ﷺ عَام الْفَتْح هُنَالك وَالْخَبَر مَذْكُور فِي الْمُهَذّب وَغَيره
فَلَمَّا بلغ الْخَبَر جده عبد الْمطلب أَمر أم أَيمن الْمُرضعَة لَهُ أَن تذْهب من مَكَّة فِي طلبه فَخرجت وَجَاءَت بِهِ فَكَانَ يبره ويكرمه حَتَّى أَن كَانَ أَعْمَامه ليحسدونه على ذَلِك فَيَقُول لَيَكُونن لَهُ شَأْن عَظِيم
فَلَمَّا صَار ابْن ثَمَانِي سِنِين توفّي جده وَقد أوصى بِهِ إِلَى عَمه أبي طَالب لكَونه شَقِيق أَبِيه عبد الله
ثمَّ خرج بِهِ عَمه وَهُوَ ابْن تسع نَحْو الشَّام فَمروا ببحيرى الراهب وَهُوَ بباءين موحدتين مخفوضة ثمَّ مَفْتُوحَة ثمَّ حاء مُهْملَة بعْدهَا يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ رَاء ضَبطنَا ذَلِك على سَمَاعنَا وَسمعت جمَاعَة يصحفونه فأضافهم وَلم يكن قبل ذَلِك يضيفهم وَأوصى أَبَا طَالب بحفظه وحذره عَلَيْهِ من الْيَهُود فَدخل ذَلِك فِي نفس أبي طَالب حَتَّى أَنه لم يكد يكمل سَفَره وَعَاد بِهِ مسرعا إِلَى مَكَّة وَلم يزل بهَا حَتَّى بلغ خمْسا وَعشْرين سنة فَتزَوج خَدِيجَة بنت خويلد من أَبِيهَا وَقيل من عَمها وَأصْدقهَا عشْرين بكرَة فَولدت قبل الْإِسْلَام الْقَاسِم وَبِه كَانَ يكنى وَزَيْنَب ورقية وَأم كُلْثُوم ورقية الْكُبْرَى وَبعد الْإِسْلَام عبد الله والطاهر وَالطّيب وَفَاطِمَة فَهَلَك البنون صغَارًا وَأدْركت الْبَنَات الْإِسْلَام فَحسن فِيهِنَّ وَلم يَأْتِ لَهُ من غَيرهَا ولد غير إِبْرَاهِيم فَإِنَّهُ من جَارِيَة تسمى مَارِيَة بنت شَمْعُون أهداها لَهُ ﷺ الْمُقَوْقس واسْمه جريج بن مينا كَذَا ذكره
стр. 15
السُّهيْلي وَلم يَعش إِبْرَاهِيم غير سنة وَعشرَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام
ثمَّ نرْجِع إِلَى ذكر أَحْوَاله ﷺ وَلما بلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة من عمره بنت قُرَيْش الْكَعْبَة وحكمته أَن يرفع الرُّكْن إِلَى مَوْضِعه فَلَمَّا كملت لَهُ أَرْبَعُونَ سنة ابتدئ بِالْوَحْي مناما لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة وَقيل لعشر خلون من ربيع الأول وَاسْتمرّ الْوَحْي مناما سِتَّة أشهر وَلما كَانَ فِي رَمَضَان أَتَاهُ جِبْرِيل بِالْوَحْي يقظة وَلذَلِك قَالَ ﷺ الرُّؤْيَا الصادقة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة وَأَرَادَ أَن أَعْوَام نبوته إِذا قسمت على سِتَّة أشهر كَانَت سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا إِذْ هِيَ على الصَّحِيح ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيل يقظة أخبر بذلك خَدِيجَة فآمنت وصدقت وَهِي أول النِّسَاء إسلاما وَكَانَت امْرَأَة صدق وصاحبة حق وَكَانَ إِذا جاءها مُكَذبا صدقته أَو مؤذى هونت عَلَيْهِ وَأسلم أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب وَزيد بن حَارِثَة هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة أول من آمن من هَذِه الْأمة بِاتِّفَاق مَعَ اخْتِلَاف فِي السَّابِق مِنْهُم وَوجه بعض الْعلمَاء لذَلِك بِأَن خَدِيجَة أول النِّسَاء إسلاما وَأَبُو بكر أول الرِّجَال وَعلي أول الفتيان وَزيد أول الموَالِي وَلما أسلم أَبُو بكر خبر بِإِسْلَامِهِ ودعا إِلَيْهِ فَأسلم بِإِسْلَامِهِ سِتَّة نفر خَمْسَة من الْعشْرَة وهم عُثْمَان وَالزُّبَيْر وَعبد الرَّحْمَن وَسعد وَطَلْحَة وَالسَّادِس خباب بن الْأَرَت وَأقَام ﷺ وَأَصْحَابه مخفون الْإِسْلَام مترددون فِي إِظْهَاره ثَلَاث سِنِين حَتَّى نزل قَوْله تَعَالَى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ الْآيَة فنابذ ﷺ قومه وجانبهم فعادوه وَقَامَ بنصرته عَمه أَبُو طَالب وذب عَنهُ وَجعل الْمُشْركُونَ يُؤْذونَ أَصْحَابه ويعذبون من قدرُوا عَلَيْهِ مِنْهُم ويفتنونه عَن دينه
وَلما بلغُوا ثَمَانِينَ رجلا وَرَأى رَسُول الله ﷺ مَا هم فِيهِ من أذية الْمُشْركين أَمرهم بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَة فَهَاجَرَ مِنْهُم اثْنَان وَثَمَانُونَ رجلا اخْتلف هَل كَانَ عمار بن يَاسر فيهم ثمَّ بعد ذَلِك أسلم حَمْزَة وَعمر بن الْخطاب فَامْتنعَ بهما من بَقِي بِمَكَّة من الْمُسلمين ثمَّ فِي سنة سِتّ كتبت الصَّحِيفَة على بني هَاشم وَمن دخل مَعَهم من بني الْمطلب وَخرج مِنْهُم أَبُو لَهب ثمَّ سلط الله عَلَيْهَا الأرضة فأتلفتها ثمَّ فِي سنة عشر توفيت خَدِيجَة بنت خويلد وعمرها سِتّ وَخَمْسُونَ سنة برمضان ثمَّ أَبُو طَالب بعْدهَا بِثَلَاث وَهُوَ ابْن سِتّ وَثَمَانِينَ وَقيل تسعين فكثرت أذية الْمُشْركين لرَسُول الله ﷺ وَلم يجد من يصد عَنهُ كَأبي طَالب وَلَا يهون عَلَيْهِ ويسكنه كخديجة رَضِي الله عَنْهَا
стр. 16
فَخرج فِي سنة إِحْدَى عشرَة من النُّبُوَّة إِلَى الطَّائِف يلْتَمس النَّصْر من ثَقِيف فَلم يلق بهم خيرا فَعَاد مَكَّة وَبَات بوادي نَخْلَة ثمَّ قَامَ أثْنَاء اللَّيْل يُصَلِّي جهارا بِالْقُرْآنِ فَمر بِهِ النَّفر الَّذِي قصّ الله خبرهم فِي سُورَة ﴿قل أُوحِي﴾
قَالَ الرَّازِيّ وَكَانُوا من قَرْيَة بِالْيمن تعرف بنصيبين وَفِي رَجَب من سنة اثْنَتَيْ عشرَة كَانَ الأسرى فِيهِ هدى من هدى وطرد من طرد
وَكَانَ يعرض نَفسه فِي المواسم وَيَقُول من يؤويني من ينصرني حَتَّى أبلغ كَلَام رَبِّي فَإِن قُريْشًا منعتني من تبليغه
ثمَّ هَاجر أَبُو بكر إِلَى الْيمن فَدخل صنعاء فلقي بهَا ابْن الدغنة وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد القارة فَقَالَ أَيْن تُرِيدُ يَا أَبَا بكر قَالَ أخرجني قومِي فَأُرِيد أسيح فِي الأَرْض وأعبد رَبِّي فَقَالَ لَهُ إِن مثلك لَا يخرج وَلَا يخرج بِفَتْح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَضم الرَّاء فِي الأولى وبضم الْيَاء وَفتح الرَّاء مَا لم يسم فَاعله فِي الثَّانِيَة لِأَنَّك تكسب الْمَعْدُوم وَتصل الرَّحِم وَتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وَتعين على النوائب فَارْجِع واعبد رَبك ببلدك وَأَنا جَار لَك فَعَاد وَأقَام معززا مكرما ثمَّ تقدم سِتَّة نفر من الْأَنْصَار يُرِيدُونَ حلف قُرَيْش على قَومهمْ فَبلغ النَّبِي ﷺ قدومهم فوصلهم وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام وتلا الْقُرْآن فأسلموا وسألوه أَن يبْعَث مَعَهم معلما فَبعث مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف فَكَانَ أول من قدم الْمَدِينَة من الْمُسلمين من مَكَّة ويعد أول الْمُهَاجِرين ثمَّ إِنَّه جَاءَ الْمَوْسِم وَقد فَشَا الْإِسْلَام فيهم وَأسلم جمَاعَة فلقي النَّبِي ﷺ بِالْعقبَةِ مِنْهُم
стр. 17
اثْنَي عشر رجلا فأسلموا وَبَايَعُوهُ بيعَة النِّسَاء وعادوا فَيُقَال إِنَّمَا رَاح مُصعب مَعَ هَؤُلَاءِ وَالله أعلم وَلما قدم مُصعب صَار يجمعهُمْ على الصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن فَأسلم على يَده خلق كثير مِنْهُم أسيد بن حضير وَسعد بن معَاذ وَفَشَا الْإِسْلَام بِيَثْرِب
وَلما كَانَ الْمَوْسِم سنة اثْنَتَيْ عشرَة حج مِنْهُم جمع كثير وواجهوا النَّبِي ﷺ فِي الْعقبَة فِي أواسط أَيَّام التَّشْرِيق وهم إِذْ ذَاك ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ فَبَايعُوهُ مبايعة الْحَرْب ثمَّ لما عَادوا أَمر النَّبِي ﷺ من بَقِي مَعَه بِمَكَّة من أَصْحَابه بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهِم فَهَاجرُوا وَلم يبْق بِمَكَّة غير أبي بكر وَعلي فَإِن الله حماهما بِمَا حمى بِهِ رَسُول الله ﷺ ثمَّ هَاجر النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بكر وعامر بن فهَيْرَة مَوْلَاهُ بِالْفَاءِ وَابْن أريقط دليلهما فَقدما قبَاء ظهيرة يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول من ثَلَاث عشرَة من النُّبُوَّة وَمن ذَلِك جعل التَّارِيخ بسنته عمر فِي خِلَافَته وَكَانَ التَّارِيخ قبله بِمَوْت الْفِيل وهلاك أَصْحَابه ثمَّ قبله بِمَوْت قصي بن كلاب وَلما ولي عمر الْخلَافَة أَمر النَّاس بالتاريخ من الْهِجْرَة فَكَانَت من أوامره الْمُبَارَكَة
ولبث النَّبِي ﷺ بقباء ثَلَاثَة أَيَّام وَخرج فِي الرَّابِع يَوْم الْجُمُعَة إِلَى الْمَدِينَة بعد أَن أسس مَسْجِد قبَاء وَقدم عَلَيْهِ فِيهَا عبد الله بن سَلام وَأسلم وَحسن إِسْلَامه وَهُوَ أحد بني قينقاع بِضَم النُّون وَفتحهَا مَعَ فتح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح الْقَاف بعد النُّون الْمُخْتَلف فِيهَا ثمَّ ألف ثمَّ عين مُهْملَة وأدركته ﷺ الْجُمُعَة فِي بني سَالم بن عَوْف فصلى مَعَهم وَذَلِكَ بالموضع الَّذِي اتخذ مَسْجِدا بوادي رانونا ثمَّ ركب نَاقَته حَتَّى أَتَى دَار بني النجار
стр. 18
أخوال جده فبركت نَاقَته بِموضع بِالْقربِ من بَيت أبي أَيُّوب فَترك رَحْله فِي بَيته بَيْنَمَا بنى مَسْجِدا حَيْثُ بَركت نَاقَته ثمَّ بنيت مساكنه وَدخل بعائشة وأرئي عبد الله بن زيد مَعَ جمَاعَة الْأَذَان وَهَذَا نِسْبَة حَاله من ميلاده إِلَى سنته الَّتِي هَاجر فِيهَا وَبَقِيَّة أَحْوَاله فِي الْمَدِينَة مَعْرُوفَة متحققة يُؤْخَذ كثيرا نقلا وسطرا وَلما كَانَ فِي سنة تسع حج حجَّته الْمَشْهُورَة بِحجَّة الْوَدَاع وَحجَّة الْبَلَاغ لم يشْهد لَهُ غَيرهَا بعد الْهِجْرَة وَلَا يعلم كم حج قبلهَا
ثمَّ فِي مستهل ربيع الأول من سنة عشر بعث ﷺ جَيْشًا إِلَى الشَّام وَأمر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد فَأخذُوا بالتجهيز وَمرض ﷺ مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ والجيش إِذْ ذَاك لم يخرج
قَالَ الرَّازِيّ المؤرخ بِإِسْنَاد أوردهُ عَنهُ ﷺ إِنَّه قَالَ نصرت بِالرُّعْبِ وَأعْطيت جَوَامِع الْكَلَام وخيرت بَين الْبَقَاء وَأبْصر مَا يفتح الله على أمتِي وَبَين التَّعْجِيل فاخترت التَّعْجِيل وَنزل عقب ذَلِك سُورَة الضُّحَى وَإِذا جَاءَ نصر الله بكمالهما
وَتُوفِّي ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر ربيع الأول على تَمام عشر من الْهِجْرَة لَيْسَ لَهُ فِي رَأسه عشرُون شَعْرَة بَيْضَاء إِذا مَشى تقلع كَأَنَّمَا ينحط من صبب أَي يمشي بِقُوَّة والصبب الحدور ثمَّ بَايع بعض النَّاس وَقيل كلهم فِي ذَلِك الْيَوْم لأبي بكر وَلم يتَأَخَّر أحد عَن الْيَوْم الثَّانِي
وَكَانَ لَهُ يَوْم توفّي تسع نسْوَة عَائِشَة وَحَفْصَة وَأم حَبِيبَة وَأم سَلمَة وَسَوْدَة وَزَيْنَب ومَيْمُونَة وَجُوَيْرِية وَصفِيَّة بنت حييّ
وَجُمْلَة من تزوج بِهن ثَلَاث عشرَة أولهنَّ خَدِيجَة ثمَّ الْمَذْكُورَات والحادية عشرَة زَيْنَب بنت خُزَيْمَة مَاتَت فِي حَيَاته وَكَانَت تسمى أم الْمَسَاكِين لشفقتها عَلَيْهِم وَعقد بِاثْنَتَيْنِ وَلم يدْخل بهما
وَقد ذكر فِي سَبَب ذَلِك وَهل كن أَكثر من ثَلَاث عشرَة أم لَا فِيهِ خلاف يطول شَرحه وغالب أصدقهن أربعمئة
стр. 19
دِرْهَم إِلَّا خَدِيجَة وَأم زَيْنَب أصدق خَدِيجَة مَا ذَكرْنَاهُ عِنْد عقدهَا وَأم زَيْنَب وَهِي الواهبة نَفسهَا عِنْد بعض المؤرخين وَقيل هِيَ غَيرهَا أصدقهَا فراشا حشْوَة لِيف وَقَدحًا وصفحة ومجشة وَهِي الرَّحَى وانقضى ذكر مَا استحسنته من أَحْوَاله
وَأحب تعقيبه بِطرف من شمائله ﷺ وَكَانَ دَائِم الْبشر حسن الْخلق لين الْجَانِب لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غليظ وَلَا صخاب وَلَا فحاش وَلَا غياب وَلَا مزاح يتغافل عَمَّا لَا يَشْتَهِي قد ترك نَفسه من ثَلَاث المراء والإكثار وَمَا لَا يعنيه
وَترك النَّاس من ثَلَاث لَا يذم أحدا وَلَا يغيبه وَلَا يطْلب عَوْرَته
وَلَا يتَكَلَّم إِلَّا بِمَا يَرْجُو ثَوَابه
وَكَانَ إِذا تكلم أطرق جُلَسَاؤُهُ وَإِذا سكت تكلمُوا لَا يتنازعون عِنْده يضْحك مِمَّا يَضْحَكُونَ ويتعجب مِمَّا يتعجبون مِنْهُ
يصبر على الْغَرِيب فِي مَنْطِقه ومساءلته جمع لَهُ الْعلم والحلم وَالصَّبْر
أَخذ بِأَرْبَع الْحق ليقتدى بِهِ وَترك الْقَبِيح لينهى عَنهُ واجتهاد الرَّأْي فِيمَا يصلح أمته وَالْقِيَام بِمَا يجمع لَهُ خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَكَانَ يَبْتَدِئ من لقِيه بِالسَّلَامِ وَيعود أَصْحَابه كَمَا يعودونه ويشيعهم كَمَا يشيعونه ويعتنقهم كَمَا يعتنقونه وَيقبل وُجُوههم كَمَا يقبلُونَ وَجهه ويفديهم بِأَبِيهِ وَأمه كَمَا يفدونه وَرُبمَا زار عمَّة وَخَالَة إفضالا مِنْهُ عَلَيْهِمَا فِي كل شَيْء وَيسْعَى إِلَى كل مكرمَة وَكَانَ يتفقد أَصْحَابه وَيسْأل عَن غائبهم
فَإِن كَانَ مَرِيضا عَاده ودعا لَهُ
وَمن مَاتَ اسْترْجع فِي حَقه وترحم عَلَيْهِ ودعا لَهُ
وَمن تخوف مِنْهُ قَالَ لَعَلَّ أَبَا فلَان أَخذ علينا فِي شَيْء أَو رأى منا تقصيرا انْطَلقُوا بِنَا إِلَيْهِ
ثمَّ يَأْتِيهِ منزله ويستطيب قلبه
وَمَتى دَعَاهُ مُسلم
стр. 20
قَالَ لبيْك حرا كَانَ أَو عبدا صَغِيرا أَو كَبِيرا ذكر كَانَ أَو أُنْثَى
وَإِن دَعَاهُ مُشْرك قَالَ لَهُ مَا تشَاء نعْمَة الله كَمَا قَالَ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾
قيل لَهُ وَهُوَ نَازل على قوم يُرِيد حربهم وَقد أجهدوه هلا لعنتهم فَقَالَ إِنَّمَا بعثت رَحْمَة للْعَالمين
لم أبْعث لعانا
وَنَحْو ذَلِك مَا رُوِيَ عَن خباب بن الْأَرَت أَنه قَالَ لما اشْتَدَّ بِنَا أَذَى الْمُشْركين بِمَكَّة وَكَانَ كثير منا بَين مفتون وَبَين معذب ومؤذي أتيت رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّد إزَاره فِي ظلّ الْكَعْبَة فشكوت عَلَيْهِ مَا نَحن فِيهِ وَقلت يَا رَسُول الله أَلا تَدْعُو الله لنا فَقعدَ وَهُوَ محمر الْوَجْه وَقَالَ إِن من كَانَ قبلكُمْ يمشط بِأَمْشَاط الْحَدِيد حَتَّى يذهب مَا دون عِظَامه من لحم وَعصب ليرْجع عَن دينه فَلَا يرجع وَيُوضَع الْمِنْشَار على مفرق رَأسه فينشق نِصْفَيْنِ مَا يصرفهُ ذَلِك عَن دينه وليتمن الله هَذَا الْأَمر حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء إِلَى حضر موت لَا يخَاف إِلَّا الله تَعَالَى أَو الذِّئْب على غنمه
أورد هَذَا الْخَبَر الرَّازِيّ فِي تَارِيخه فِي بَاب مَا ذكر بِهِ النَّبِي ﷺ صنعاء
وَكَانَت غَزَوَاته ﷺ سبعا وَعشْرين غَزْوَة حصل الْقِتَال فِي تسع مِنْهُنَّ بدر وَأحد وَالْخَنْدَق وَقُرَيْظَة والمصطلق وخيبر وَالْفَتْح وحنين والطائف
وسراياه ﷺ اثْنَان وَثَلَاثُونَ سَرِيَّة وَقيل تسع وَثَلَاثُونَ
وَلما اتّفق الْمُسلمُونَ على خلَافَة أبي بكر وبيعته كَانَ أول شَيْء اشْتغل بِهِ النَّاس تجهيز رَسُول الله ﷺ فغسلوه بِقَمِيصِهِ يصبون عَلَيْهِ المَاء ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَيْن يدْفن فَقَالَ الصّديق إِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ قبض ثمَّ استدعى أَبَا طَلْحَة رجل من أهل الْمَدِينَة وطوى لَهُ الْفراش الَّذِي توفّي عَلَيْهِ رَسُول
стр. 21
الله ﷺ وَأمره أَن يحْفر مَكَانَهُ كَمَا يحْفر لأهل الْمَدِينَة قبرا ملحودا وَذَلِكَ فِي الزاوية الْقَرِيبَة من بَيت عَائِشَة ﵂ وَكَانَت قد قَالَت لأَبِيهَا قبل ذَلِك بِمدَّة إِنِّي رَأَيْت ثَلَاثَة أقمار سقطوا فِي حُجْرَتي وغابوا فِي أرْضهَا فَمَا تَأْوِيل ذَلِك قَالَ يدْفن فِي حجرتك ثَلَاث أفطاب خير أهل الأَرْض فَلَمَّا دفن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهَا أَبُو بكر هَذَا أحد أقمارك وَهُوَ خَيرهمْ وَهَذَا آخر مَا أسلفته من أخباره ﷺ متبركا وموجزا
ثمَّ لم يبْق غير الشُّرُوع بِذكر الْعلمَاء بِالْيمن فَأَحْبَبْت تصدير ذَلِك بِمن دخله من فُقَهَاء الصَّحَابَة ﵃ الَّذين شهد لَهُم بالفقه وَأثْنى عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ مِنْهُم أَبُو بكر الصّديق وَعبد الله بن عُثْمَان بن عَامر بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن غَالب يجْتَمع مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مرّة بن كَعْب
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أَجمعت الْأمة على تَقْدِيمه للخلافة بعد النَّبِي وَلَا يقدم إِلَّا إِمَام عَالم وَكَانَ يُفْتِي بِحَضْرَة النَّبِي ﷺ وَلَا يقدم على الْفتيا بِحَضْرَتِهِ ﷺ مَعَ عظم الْقدر وجلالة الْمحل إِلَّا الموثوق بِعِلْمِهِ والمتحقق لفضله
وَقد ذكرت فِيمَا تقدم دُخُوله صنعاء ورجوعه بجوار ابْن الدغنة كَمَا مضى توفّي على الْحَالة المرضية سنة ثَلَاث عشرَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة خِلَافَته سنتَانِ وَأشهر
ثمَّ عَليّ بن أبي طَالب وَاسم أبي طَالب عبد منَاف بن عبد الْمطلب وَبَقِيَّة النّسَب مُحَقّق فِي ذكر النَّبِي ﷺ دخل حَاكما ومفقها كَانَ يَقُول لما بَعَثَنِي النَّبِي ﷺ الْيمن قلت يَا رَسُول الله أتبعثني الْيمن وَأَنا شَاب وهم كهول وَلَا علم لي بِالْقضَاءِ قَالَ انْطلق فَإِن الله سيهدي قَلْبك وَيثبت لسَانك وَقيل قَالَ اللَّهُمَّ اهد قلبه فَلَمَّا صرت بِالْيمن وحكمت بَين أَهله لم أتعايا فِي حكم قطّ ببركة دُعَائِهِ ﷺ وَكَانَ نُزُوله على أم سعيد بنت بزرج امْرَأَة داذوية أَمِير الْفرس بعد باذان لِأَنَّهُ كَانَ ابْن أَخِيه
стр. 22
فاستخلفه حِين نزل بِهِ الْمَوْت وَقد كَانَ أسلم وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله من ذكره فِي الْمُلُوك مَا يَلِيق وَكَانَ من وصل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا يصل إِلَى داذويه فينزله عِنْد هَذِه الْمَرْأَة فَذكر المؤرخون لأخبار الْيمن أَنَّهَا أول من أسلم من أهل صنعاء وَقَرَأَ الْقُرْآن فَيُقَال إِن عليا كرم الله وَجهه لبث بِصَنْعَاء أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَدخل أَمَاكِن من الْيمن مِنْهَا عدن أبين وعدن لاعة من بِلَاد حجَّة قد خربَتْ مُنْذُ زمن طَوِيل وَمِنْهَا ظهر مَنْصُور الْيمن بالدعوة للعبيديين وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله فِي مَوْضِعه وَدخل عَليّ مرّة أُخْرَى فِي أَيَّام أبي بكر وتأمره وَكَانَ من أجلاء فُقَهَاء الصَّحَابَة وَكفى شَاهدا لَهُ قَوْله ﷺ أَنا مَدِينَة الْعلم وَعلي بَابهَا
وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول أعطي عَليّ تِسْعَة أعشار الْعلم وَأَنه لأعْلم بالعشر الْبَاقِي
وَكَانَت وَفَاته جريحا من جِرَاحَة جرحه بهَا ابْن ملجم لَيْلَة الْجُمُعَة سحرًا لسبع عشرَة لَيْلَة مَضَت من شهر رَمَضَان الْكَائِن فِي سنة أَرْبَعِينَ وَقد بلغ عمره ثَمَانِي وَخمسين سنة وَقيل ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة
وَاخْتلف فِي مَوضِع دَفنه فَذهب كثير إِلَى أَنه دفن بقصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ وغيب قَبره وَقيل بِموضع يُقَال لَهُ الغريين وَقيل إِن ابْنه الْحسن حمله يُرِيد بِهِ الْمَدِينَة ليدفنه هُنَالك فَلَمَّا صَار خَارج الْكُوفَة لَيْلًا وَأَرَادَ نَقله سرا أَقبلت ريح وظلمة مَعَ رذاذ أذهل النَّاقة فَلم يعلم أَيْن تَوَجَّهت وَظهر فِي أثْنَاء المئة السَّادِسَة من الْهِجْرَة قبر بِموضع بِالْقربِ من الْكُوفَة على مَا قيل وَاسم الْموضع النجف فشهر أَنه قَبره كرم الله وَجهه وَتحقّق ذَلِك أَنه مَا أَتَاهُ مبتلى إِلَّا عوفي سَوَاء كَانَ بِهِ عاهة أَو لَهُ حَاجَة فتزول وتقضى
ثمَّ أَبُو عُبَيْدَة عَامر بن الْجراح بن هِلَال بن أهيب بن ضبة بن الْحَارِث بن فهر
стр. 23
يجْتَمع مَعَ رَسُول الله ﷺ فِيهِ بَعثه إِلَى نَجْرَان إِذْ سَأَلَهُ أهل نَجْرَان وهم إِذْ ذَاك نَصَارَى أَن يبْعَث مَعَهم بعض أَصْحَابه ليحكم بَينهم فِي أَشْيَاء اشتجروا عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُم ﷺ لَأَبْعَثَن مَعكُمْ أَمينا مَأْمُونا فَاسْتَبْشَرَ بذلك أكَابِر الصَّحَابَة حَتَّى قَالَ عمر مَا أَحْبَبْت الْإِمَارَة إِلَّا يَوْمئِذٍ ثمَّ قَالَ ﷺ قُم يَا أَبَا عُبَيْدَة فَلَمَّا قَامَ قَالَ النَّبِي ﷺ لكل أمة أَمِين وَهَذَا أَمِين هَذِه الْأمة ثمَّ أمره بِالْمَسِيرِ مَعَهم وَالْحكم بَينهم فَفعل وَخرج فِي جند الشَّام فَتوفي بوادي الْأُرْدُن فِي طاعون عمواس سنة ثَمَانِي عشرَة وَدفن هُوَ ومعاذ بن جبل بِموضع وَاحِد
وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة من خَواص أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وأخيارهم من الْعشْرَة الَّذين شهد لَهُم بِالْجنَّةِ وَقد دخل مَعَهم جمَاعَة مَعَ عَليّ وَبَعْضهمْ مَعَ معَاذ أَيْضا وَمُتَفَرِّقِينَ لَكِن المُرَاد ذكر الْعلمَاء مِنْهُم ثمَّ بعث ﷺ من الْأَنْصَار أَبَا عبد الرَّحْمَن معَاذ بن جبل بن عَمْرو بن أَوْس بن عَابِد بن عدي بن كَعْب الْأنْصَارِيّ الخزرجي كَانَ جميل الْوَجْه براق الثنايا وَجهه ﷺ فِي رببيع الأول من سنة تسع وَقيل غير ذَلِك ثمَّ إِن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَى مُلُوك حمير وَإِلَى السكاسك وهم أهل مخلاف الْجند وَكَانَت رياستهم إِذْ ذَاك لقوم مِنْهُم يُقَال لَهُم بَنو الْأسود ووصاهم بإعانته على بِنَاء مَسْجِد الْجند ووعد من أَعَانَهُ على ذَلِك خيرا كثيرا
هَكَذَا نَقله المعنيون بذلك وَكَانَ معَاذ يَقُول لما خرجت من الْمَدِينَة شيعني رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ يَا معَاذ إِذا قدمت عَلَيْهِم الْيمن فاحتكموا إِلَيْك فَبِمَ تحكم بَينهم قلت بِكِتَاب الله قَالَ فَإِن لم تَجِد
стр. 24
قلت بِسنة رَسُول الله فَإِن لم تَجِد قلت أجتهد رَأْيِي فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي وفْق رَسُول رَسُول الله ثمَّ قَالَ يَا معَاذ إِذا قدمت عَلَيْهِم فزين الْإِسْلَام بعدلك وحلمك وصفحك وعفوك وَحسن خلقك فَإِن النَّاس ناظرون إِلَيْك وقائلون خيرة رَسُول الله ﷺ فَلَا يرى لَك سقطة يستريب بهَا أحد فِي حلمك وعدلك وعلمك فَإِن الرُّسُل من الْمُرْسلين وَيَا معَاذ أوصيك بتقوى الله وَصدق الحَدِيث ووفاء الْعَهْد وَأَدَاء الْأَمَانَة وَترك الْخِيَانَة وَرَحْمَة الْيَتِيم وَحفظ الْجَار وكظم الغيظ ولين الْكَلَام وبذل السَّلَام وَلُزُوم الإِمَام والتفقه بِالْقُرْآنِ وَحب الْآخِرَة والجزع من الْحساب وَقصر الأمل وَحسن الْعَمَل وأنهاك أَن تَشْتُم مُسلما أَو تصدق كَاذِبًا أَو تكذب صَادِقا أَو تَعْصِي إِمَامًا عادلا وَأَن تفْسد فِي الأَرْض يَا معَاذ اذكر الله عِنْد كل شجر وَحجر وأحدث لكل ذَنْب تَوْبَة السِّرّ بالسر وَالْعَلَانِيَة بالعلانية وَيسر وَلَا تعسر وَبشر وَلَا تنفر وستقدم على قوم أهل كتاب يَسْأَلُونَك عَن مَفَاتِيح الْجنَّة فَقل شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ
ثمَّ لما وَدعنِي بَكَيْت فَقَالَ مَا يبكيك فَقلت أبْكِي لفراقك بِأبي وَأمي أَنْت فَقَالَ لَا تبك فَإِن الْبكاء فتْنَة
فَذكرُوا أَن معَاذًا قدم الْجند فِي جُمَادَى الْآخِرَة وأوصل كتاب رَسُول الله ﷺ إِلَى بني الْأسود وَقد كَانُوا أَسْلمُوا ثمَّ إِنَّهُم اجْتَمعُوا فِي أول جُمُعَة من رَجَب وخطبهم وَفِيهِمْ جمع من الْيَهُود فَسَأَلُوهُ عَن مَفَاتِيح الْجنَّة فَقَالَ صدق رَسُول الله ﷺ مفاتيحها شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ فَقَالُوا عجبنا من إصابتك الْجَواب وقولك صدق رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُم إِن رَسُول الله ﷺ أَخْبرنِي بسؤالكم هَذَا وَكَانَ قَوْله لَهُم سَببا لإسلام من تَأَخّر من الْيَهُود وَكَانَ ذَلِك فِي محفل عَظِيم قد اجْتمع فِيهِ النَّاس من أَمَاكِن شَتَّى وَمن ثمَّ ألف النَّاس إتْيَان الْجند فِي أول جُمُعَة من رَجَب يصلونَ بهَا الصَّلَاة الْمَشْهُورَة ويشاهد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بَرَكَات وَلَا تكَاد تَخْلُو لَيْلَة الْجُمُعَة الأولى من رَجَب أَو يَوْم خميسها من مطر هَذَا غَالب الزَّمن
وَكَانَ معَاذ يتَرَدَّد بَين مخلافي الْجند وحضرموت وَعنهُ أَخذ جمَاعَة من أَهلهَا وصحبوه وتفقهوا بِهِ وَخَرجُوا مَعَه الْحجاز ثمَّ الشَّام وَكَانَ عَمْرو بن مَيْمُون الأودي من خَواص أَصْحَابه فروى عَنهُ أَنه قدم علينا معَاذ من عِنْد رَسُول الله ﷺ طَرِيق الشحر
стр. 25
رَافعا صَوته بالتهليل وَالتَّكْبِير وَكَانَ حسن الصَّوْت فألقيت عَلَيْهِ محبتي فصحبته وَلم أفارقه حَتَّى حثوت عَلَيْهِ التُّرَاب بِالشَّام وَقَالَ صلى معَاذ بِالنَّاسِ صَلَاة الصُّبْح وَذَلِكَ بِالْيمن وَقَرَأَ سُورَة النِّسَاء فَلَمَّا تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ قَالَ رجل من خَلفه قرت عين أم إِبْرَاهِيم وَهُوَ مَعْدُود من أكابرالصحابة وَقَالَ ﷺ فِي حَقه معَاذ أعلم أمتِي بالحلال وَالْحرَام
وَلما خطب عمر بالجابية قَالَ من أَرَادَ الْفِقْه فليأت معَاذًا وَكَانَ الصَّحَابَة مَتى تحدثُوا وَهُوَ فيهم نظرُوا إِلَيْهِ هَيْبَة لَهُ
وَلما حضرت عمر الْوَفَاة قَالَ لَو كَانَ معَاذ حَيا لَاسْتَخْلَفْته فَإِن سَأَلَني الله تَعَالَى عَن ذَلِك قلت سَمِعت نبيك ﷺ يَقُول إِن الله يَبْعَثهُ يَوْم الْقِيَامَة لَهُ رتوة بَين أَيدي الْعلمَاء وَلَو لم يكن من فقهه إِلَّا مَا رَوَاهُ الرَّازِيّ عَنهُ وَهُوَ أَنه كَانَ بِمَجْلِس عمر بن الْخطاب من جملَة جمَاعَة كثيرين إِذْ رفع رجل امْرَأَته وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ غبت عَن هَذِه زَوْجَتي سنتَيْن ثمَّ جِئْت وَهِي حَامِل فَاسْتَشَارَ عمر برجمها فَقَالَ لَهُ معَاذ إِن كَانَ لَك عَلَيْهَا سَبِيل فَمَا لَك على مَا فِي بَطنهَا من سَبِيل دعها حَتَّى تضع فَلَمَّا وضعت بعد أَيَّام عرف زَوجهَا شبهه بِالْوَلَدِ وَقَالَ ابْني وَرب الْكَعْبَة إِذْ وَلدته جفرا لَهُ سنتَانِ فَقَالَ عمر حِينَئِذٍ عجز النِّسَاء أَن يلدن كمعاذ لَوْلَا معَاذ لهلك عمر
وَقَالَ لأهل الْيمن يُوشك أَن تعرفوا فِيكُم أهل الْجنَّة من أهل النَّار وَيَمُوت فِيكُم الْمَيِّت فيثنى عَلَيْهِ بِخَير فَهُوَ من أهل الْجنَّة وَيَمُوت الْمَيِّت فيثنى عَلَيْهِ بشر فَهُوَ من أهل النَّار وَكَانَ يَقُول السُّلْطَان ذِئْب ابْن آدم كذئب الْغنم يَأْخُذ الشاردة والناخبة والقاصية فَعَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة والمساجد
стр. 26
شهد معَاذ بيعَة الْعقبَة الْكُبْرَى وبدرا وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وَتُوفِّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَانِي عشرَة وَقد بلغ عمره ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة
وَيُقَال إِن عِيسَى ﷺ رفع إِلَى السَّمَاء وَهُوَ بِهَذِهِ السن وَأخْبر الثِّقَة أَنه وجد بوادي الْأُرْدُن من أَرض الشَّام قبَّة فِيهَا قبران لَهُ وَلأبي عُبَيْدَة مَكْتُوب على كل قبر اسْم صَاحبه وَنسبه وتاريخه وَكَانَ أَصْحَابه لما توفّي دخلُوا الْعرَاق وصحبوا ابْن مَسْعُود لمؤاخاة كَانَت بَينهمَا وَكَانُوا هم المقدمين بِالْكُوفَةِ على فَتْوَى الْحَلَال وَالْحرَام وتنفيذ الْأَحْكَام وَكَانَ معظمهم من النخع حَتَّى كَانَ بعض أكَابِر التَّابِعين يَقُول إِنِّي لأعرف سمت معَاذ فِي أذواء النخع
فَمِمَّنْ صَحبه من أهل الْيمن واشتهر بِالْعلمِ وَالْعَمَل جمَاعَة مِنْهُم عَمْرو بن مَيْمُون الأودي الْمُقدم ذكره فأصله من حضر موت وَقيل من الدثينة كَانَ معدودا من الْأَوْلِيَاء والعباد ذكره أَبُو نعيم فِي الْحِلْية وَابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة وَقَالَ إِنَّه حج مئة حجَّة مَا بَين عمْرَة وَحجَّة وَكَانَ يَقُول مَا سرني أَن أَمْرِي يَوْم الْقِيَامَة إِلَى أَبَوي أسْند عَن معَاذ وَعمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي أَيُّوب وَأبي مَسْعُود وَعقبَة بن عَمْرو وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس فِي آخَرين وَكَانَت وَفَاته غَالِبا فِي الْكُوفَة سنة أَربع وَقيل سنة خمس وَسبعين وَمِنْهُم الْأسود بن يزِيد بن قيس بن عبد الله وَكَانَ يكنى أَبَا عَمْرو وَقَالَ فِي صفة الصفوة كَانَ يخْتم الْقُرْآن فِي كل لَيْلَتَيْنِ
стр. 27
من رَمَضَان ويختمه فِي كل سِتّ من غَيره وَحج ثَمَانِينَ حجَّة مَا بَين عمْرَة وَحجَّة وَكَانَ يجْهد نَفسه بِالصَّوْمِ حَتَّى يخضر جسده ويصفر فَيَقُول لَهُ عَمه عَلْقَمَة بن قيس لم تعذب هَذَا الْجَسَد فَيَقُول إِن الْأَمر جد إِن الْأَمر جد
وَكَانَ يُقَال انْتهى الزّهْد إِلَى ثَمَانِيَة فيعد هَذَا مِنْهُم فَلَمَّا احْتضرَ بَكَى فَقيل لَهُ مِم تجزع فَقَالَ وَمن أَحَق بذلك مني وَالله لَو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الْحيَاء مِنْهُ مِمَّا قد صنعت إِن الرجل ليَكُون بَينه وَبَين الرجل الذَّنب الصَّغِير فيعفو عَنهُ فَلَا يزَال مستحيا مِنْهُ هَذَا فعل من ذهبت إِحْدَى عَيْنَيْهِ من الصَّوْم وَمَا كَانَ إِلَّا رَاهِبًا من الرهبان وَكَانَ لَا يزَال صَائِما
أسْند عَن معَاذ وَأبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَأبي مُوسَى وسلمان الْفَارِسِي وَعَائِشَة وَلم يرو عَن عُثْمَان شَيْئا وَفَاته كَانَت بِالْكُوفَةِ سنة خَمْسَة وَسبعين
وَمِنْهُم عَمْرو بن شُرَحْبِيل كنيته أَبُو ميسرَة وَنسبه فِي هَمدَان قَالَ بعض السّلف مَا رَأَيْت همدانيا أحب إِلَيّ أَن أكون فِي مسلاخه من أبي ميسرَة قيل وَلَا مَسْرُوق قَالَ وَلَا مَسْرُوق وَكَانَ يَقُول لَيْت أَنِّي لم أكن شَيْئا قطّ
أسْند عَن معَاذ وَعمر وَابْن مَسْعُود وخباب بن الْأَرَت وَغَيرهم وَلم أجد لَهُ تَارِيخا وَمِنْهُم شُرَيْح بن الْحَارِث بن قيس القَاضِي كنيته أَبُو أُميَّة وَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة مَضْمُومَة وَالرَّاء مَفْتُوحَة ثمَّ الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت سَاكِنة ثمَّ حاء مُهْملَة كَانَ كَبِير الْقدر معدودا فِي عُلَمَاء التَّابِعين ولاه عمر قَضَاء الْكُوفَة فَلم يزل على ذَلِك إِلَى زمن زِيَاد بن أَبِيه ثمَّ استقاله عَنهُ فأقاله بعد أَن استشاره بِمن يحل مَكَانَهُ فَأَشَارَ بِأبي
стр. 28
بردة بن أبي مُوسَى وَكَانَ يَقُول سَيعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَظّ من يعصوا إِن الظَّالِم يتنظر الْعقَاب والمظلوم ينْتَظر النَّصْر
قَالَ ابْن سِيرِين سَمِعت شريحا يحلف بِاللَّه مَا ترك عِنْده شَيْئا لله فَوجدَ فَقده ثمَّ قَالَ وَلَا أرَاهُ حلف إِلَّا على علم وَقضى على رجل بِإِقْرَارِهِ فَقَالَ قضيت عَليّ بِغَيْر بَيِّنَة فَقَالَ أَخْبرنِي بذلك ابْن أُخْت خَالك وَقَالَ لَهُ ابْن لَهُ إِن بيني وَبَين قوم خُصُومَة فَانْظُر فِي قصتي فَإِن كَانَ الْحق لي خاصمتهم وَإِلَّا تَركتهم
ثمَّ قصّ عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ لَهُ انْطلق فخاصمهم فَانْطَلق وخاصمهم ورافعهم إِلَى أَبِيه فَقضى عَلَيْهِ فَلَمَّا صَار بِالْبَيْتِ عاتبه ابْنه وَقَالَ لَو لم أتقدم إِلَيْك لم ألمك لقد فضحتني
فَقَالَ لَهُ وَالله يَا بني لأَنْت أحب إِلَيّ من ملك الأَرْض وَمِنْهُم وَالله أعز عَليّ مِنْك إِنَّنِي خشيت إِن أَخْبَرتك أَن الْقَضَاء عَلَيْك فتذهب فتصالحهم وَيذْهب بعض حَقهم
وَقَالَ الشّعبِيّ شهِدت شريحا وَقد أَتَتْهُ امْرَأَة تخاصم رجلا فَأرْسلت عينيها بالبكاء فَقلت يَا أَبَا أُميَّة مَا أظنها إِلَّا مظلومة فَقَالَ يَا شعبي إِن أخوة يُوسُف جَاءُوا أباهم عشَاء يَبْكُونَ وافتقد يَوْمًا ابْنا لَهُ فَبعث فِي طلبه فجيء بِهِ فَقَالَ لموصله أَيْن أصبته فَقَالَ يهارش الْكلاب فَقَالَ لِابْنِهِ صليت فَقَالَ فَأرْسلهُ إِلَى الْمُؤَدب وَقَالَ لرَسُوله قل للمؤدب شعرًا ... ترك الصَّلَاة لأكلب يسْعَى لَهَا ... طلب الهراش مَعَ الغواة النحس
فَإِذا أَتَاك فعرضنه بملامة ... وعظه موعظة الصَّبِي الْكيس ...
стр. 29
.. وَإِذا هَمَمْت بضربه فبدرة ... وَإِذا ضربت بهَا ثَلَاثًا فاحبس
وَاعْلَم بأنك مَا أتيت فنفسه ... مَعَ مَا تجرعني أعز الْأَنْفس ... وَحكى أَنه خرج يَوْمًا من عِنْد زِيَاد بن أبي فَلَقِيَهُ رجل وَقَالَ لَهُ كبر سنك ودق عظمك وارتشى ابْنك فَرجع إِلَى زِيَاد فَأخْبرهُ فَسَأَلَهُ عَن قَائِل ذَلِك قَالَ لَا أعرفهُ فاعفني قَالَ لَا أعفيك حَتَّى تُشِير عَليّ بِرَجُل أجعله مَكَانك فَقَالَ عَلَيْك بِأبي بردة فاستدعاه زِيَاد وولاه الْقَضَاء وَتُوفِّي سنة سِتّ وَقيل ثَمَان وَسبعين بعد أَن بلغ عمره مئة سنة وثماني سِنِين
أسْند عَن معَاذ وَعلي وَعمر وَغَيرهم
وَمِنْهُم مَسْرُوق بن الأجدع بن مَالك يكنى أَبَا عَائِشَة همداني سرق وَهُوَ صَغِير ثمَّ وجد فَسُمي مسروقا أسلم أَبوهُ وَلَقي مَسْرُوق عمر بن الْخطاب فَقَالَ لَهُ مَا اسْمك قَالَ مَسْرُوق بن الأجدع
وَوَجَدته مضبوطا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بِخَط من يعْتَمد ضَبطه فَقَالَ لَهُ عمر إِن الأجدع شَيْطَان أَنْت عبد الرَّحْمَن فَثَبت عَلَيْهِ وَكَانَ مَسْرُوق من أكَابِر التَّابِعين وأفراد الزاهدين كَانَ يَقُول بِحَسب الْمَرْء من الْجَهْل أَن يعجب بِعَمَلِهِ وَحسب الْمُؤمن من الْعلم أَن يخْشَى الله وَقَالَ إِذا بلغ أحدكُم أَرْبَعِينَ سنة فليأخذ حذره من الله وَحج فَلم ينم إِلَّا سَاجِدا حَتَّى رَجَعَ قلت فَإِن قَالَ قَائِل بِأخذ قَول الشَّافِعِي إِنَّه لم ينم لم يكن بِهِ بَأْس فَإِن على قَول الشَّافِعِي الْقَدِيم من نَام فِي شَيْء من أَحْوَال الصَّلَاة كَانَ بِمَنْزِلَة من لم ينم فَلَا ينْتَقض وضوؤه وَلما وجد مِنْهُ شدَّة الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة قيل لَهُ لَو أَنَّك قصرت عَن الْكَلَام على بعض مَا تصنع فَقَالَ وَالله لَو أَتَانِي آتٍ فَأَخْبرنِي أَن الله لَا يُعَذِّبنِي لاجتهدت فِي الْعِبَادَة قيل لَهُ فَكيف ذَلِك قَالَ حَتَّى
стр. 30
تعذرني نَفسِي إِن دخلت جَهَنَّم لَا ألومها أما بلغك قَوْله تَعَالَى فَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة إِنَّمَا لاموا أنفسهم حِين صَارُوا إِلَى جَهَنَّم واعتنقتهم الزَّبَانِيَة وحيل بَينهم وَبَين مَا يشتهون وانقطعت عَنْهُم الْأَمَانِي وَرفعت عَنْهُم الرَّحْمَة وَأَقْبل كل امْرِئ مِنْهُم يلوم نَفسه قَالَ إِنِّي أحسن مَا أكون ظنا حِين يَقُول الْخَادِم لَيْسَ فِي قلب الْبَيْت قفيز وَلَا دِرْهَم وَقَالَ إِن الْمَرْء لحقيق أَن يكون لَهُ مجَالِس يَخْلُو فِيهَا ويتذكر ذنُوبه ويستغفر مِنْهَا مَاتَ بِالْكُوفَةِ سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ إِسْنَاده عَن معَاذ وَعمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وخباب وَأبي وَزيد بن ثَابت والمغيرة وَعبد الله بن عمر وَعَائِشَة
وَقد صحب معَاذًا غير هَؤُلَاءِ من أهل الْيمن غير أَن هَؤُلَاءِ جماهيرهم والمفتون مِنْهُم وَصَحبه مُنَبّه بن كَامِل وَالِد وهب وَقد أطلت الْكَلَام فِي ذكر معَاذ وَأَصْحَابه اليمنيين وَحِينَئِذٍ أشرع بِذكر أهل طبقته أَيْضا فهم جمَاعَة مِنْهُم أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ معدودا فِي فُقَهَاء الصَّحَابَة أَصله من الْيمن من وَادي زبيد وَفِي الْوَادي أَرض تعرف بِهِ إِلَى الْآن
وَهُوَ أحد من بَعثه النَّبِي ﷺ مفقها لأهل الْيمن وَلما خدعه عَمْرو بن الْعَاصِ نزل شعبًا بِمَكَّة فِيهِ شَيْء من الْقُبُور يعرف بشعب أبي الدّرّ وَقَالَ أجاور قوما لَا يغدرون وَلم يزل حَتَّى توفّي فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَقيل سنة خمسين وَقيل توفّي بِالْكُوفَةِ
وانقضى ذكر الْفُقَهَاء من الصَّحَابَة الَّذين دخلُوا الْيمن وَمن طبقتهم جمَاعَة أدركوا زمن النَّبِي ﷺ وَلم يجتمعوا بِهِ وَأَسْلمُوا وصاروا عُلَمَاء بأخذهم عَن الصَّحَابَة وعاملين مِنْهُم أويس بن عَامر بن جُزْء بن مَالك بن عَمْرو بن سعد بن عَمْرو بن حوران بن عصوان بن قرن بن ردمان بن وَائِل بن الْغَوْث بن جيدان بن قطن بن عريب بن زُهَيْر بن أَيمن بن الهميسع بن حمير وَفِي اسْم أَبِيه وَنسبه اخْتِلَاف هَذَا أَصَحه عِنْد أهل الْيمن وجده قرن بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء بطن من مُرَاد وَهُوَ قرن بن ردمان بن نَاجِية
стр. 31
وَيُقَال إِن مُرَاد اسْمه زيد بن مَالك بن أدد بن يشجب بن يعرب بن زيد بن كهلان بن سبأ هَكَذَا ذكره النواوي فِي شرح مُسلم وَهَذَا وَإِن لم يكن من أصل شرطنا مِمَّن رَأس ودرس فَهُوَ مِمَّن رَأس بِمَعْرِِفَة الله وَقدس وَكَانَ يَقْصِدهُ الصَّحَابَة لكنه يكره الشُّهْرَة وَلم يمنعهُ من الْوُصُول إِلَى رَسُول الله ﷺ فِي الْحَيَاة غير أَنه كَانَت لَهُ وَالِدَة هُوَ بر بهَا وَكَانَ يكره فراقها خشيَة أَن يعقها
ثَبت بأسانيد متواترة فِي الْكتب الصِّحَاح أَن عمر بن الْخطاب كَانَ إِذا أَتَت عَلَيْهِ أَمْدَاد أهل الْيمن قَالَ لَهُم هَل فِيكُم أويس بن عَامر حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ
قَالَ أَنْت أويس قَالَ نعم
قَالَ هَل لَك وَالِدَة قَالَ نعم
قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَأْتِي إِلَيْكُم أويس بن عَامر مَعَ أَمْدَاد أهل الْيمن من مُرَاد ثمَّ من قرن كَانَ بِهِ برص فبرئ مِنْهُ إِلَّا مَوضِع دِرْهَم لَهُ وَالِدَة هُوَ بهَا بر لَو أقسم على الله لَأَبَره فَإِن اسْتَطَعْت يَا عمر أَن يسْتَغْفر لَك فافعل فَاسْتَغْفر لي فَاسْتَغْفر لَهُ ثمَّ قَالَ لَهُ أَيْن تُرِيدُ قَالَ الْكُوفَة
قَالَ أَلا أكتب لَك إِلَى عاملها أستوصيه بك قَالَ لِأَن أكون فِي غبر النَّاس أحب إِلَيّ ثمَّ سَافر فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل حج رجل من أَشْرَافهم فوافقه عمر فَسَأَلَهُ عَن أويس كَيفَ تَركه قَالَ رث الثِّيَاب قَلِيل الْمَتَاع فَقَالَ عمر سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يَأْتِي عَلَيْكُم أويس بن عَامر مَعَ أَمْدَاد أهل الْيمن من مُرَاد ثمَّ من قرن كَانَ بِهِ برص فبرئ مِنْهُ إِلَّا مَوضِع دِرْهَم لَهُ وَالِدَة هُوَ بهَا بر لَو أقسم على الله لَأَبَره فَإِن اسْتَطَعْت أَن يسْتَغْفر لَك فافعل فَلَمَّا قدم الرجل الْكُوفَة أَتَى أويسا وَقَالَ اسْتغْفر لي فَقَالَ لَهُ أَنْت أحدث عهد بسفر صَالح فَاسْتَغْفر لي ألقيت عمر نعم
فَاسْتَغْفر لَهُ ثمَّ فطن لَهُ النَّاس فَصَارَ يكثر التواري مِنْهُم والتغيب وكساه بَعضهم كسَاء فَكَانَ إِذا رَآهُ إِنْسَان قَالَ من أَيْن لأويس هَذَا الكساء قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة انْفَرد بِإِخْرَاج هَذَا الحَدِيث مُسلم وَأورد ابْن
стр. 32
الْجَوْزِيّ فِيهَا من مناقبه كثيرا من ذَلِك قصَّته مَعَ هرم بن حَيَّان وَهِي طَوِيلَة غير أَن مِنْهَا أَن هرم لما بلغه قَول النَّبِي ﷺ يدْخل الْجنَّة بشفاعة أويس مثل ربيعَة وَمُضر قَالَ قدمت الْكُوفَة فِي طلبه فَوَجَدته جَالِسا على شاطئ الْفُرَات نصف النَّهَار يتَوَضَّأ فعرفته بالنعت الَّذِي نعت لي وَإِذا بِهِ رجل نحيل آدم شَدِيد الأدمة محلوق الرَّأْس مهيب المنظر فَسلمت عَلَيْهِ فَرد وَنظر إِلَيّ فمددت يَدي لأصافحه فَأبى فَقلت رَحِمك الله يَا أويس وَغفر لَك كَيفَ أَنْت ثمَّ خنقتني الْعبْرَة من حبي لَهُ ورقتي لما رَأَيْت من حَاله حَتَّى بَكَيْت وَبكى
ثمَّ قَالَ وَأَنت حياك الله يَا هرم بن حَيَّان كَيفَ أَنْت يَا أخي من دلك عَليّ قلت الله
قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله سُبْحَانَ الله رَبنَا إِن كَانَ وعد رَبنَا لمفعولا فَقلت من أَيْن عرفت اسْمِي وَاسم أبي وَمَا رَأَيْتُك قبل الْيَوْم وَلَا رَأَيْتنِي قَالَ أنبأني الْعَلِيم الْخَبِير عرف روحي روحك حِين كلمت نَفسِي نَفسك إِن الْمُؤمنِينَ يعرف بَعضهم بَعْضًا ويتحابون بِروح الله وَإِن لم يلتقوا وَإِن ناءت بهم الدَّار وَتَفَرَّقَتْ بهم الْمنَازل فَقلت لم لم تُحَدِّثنِي رَحِمك الله عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنِّي لم أدْرك رَسُول الله وَلم يكن لي مَعَه صُحْبَة بِأبي هُوَ وَأمي وَلَكِنِّي قد رَأَيْت رجَالًا رَأَوْهُ وَلست أحب أَن أفتح على نَفسِي هَذَا الْبَاب لَا أكون مُحدثا وَلَا مفتيا وَلَا قَاصا فِي نَفسِي شغل عَن النَّاس ثمَّ كَانَ بَينهمَا حَدِيث يطول شَرحه من جملَته أَنه أخبر هرم بِمَوْت عمر قَالَ لَهُ هرم إِن عمر لم يمت قَالَ بلَى نعاه إِلَيّ رَبِّي ونعى إِلَيّ نَفسِي ثمَّ دَعَاني وأوصاني أَن لَا أُفَارِق الْجَمَاعَة وَقَالَ إِن فَارَقْتهمْ فَارَقت دينك وَأَنت لَا تعلم وَدخلت النَّار ثمَّ قَالَ لَا أَرَاك بعد الْيَوْم فَإِنِّي أكره الشُّهْرَة والوحدة أحب إِلَيّ لِأَنِّي كثير الْغم مَا دمت مَعَ هَؤُلَاءِ النَّاس حَتَّى لَا يسْأَل عني وَلَا يطلبني أحد وَأعلم أَنَّك مني على بَال وَإِن لم أرك وترني واذكرني وادع لي فَإِنِّي سأدعو لَك وأذكرك إِن شَاءَ الله فَانْطَلق أَنْت هَاهُنَا حَتَّى آخذ أَنا هَاهُنَا فحرصت على أَن أَمْشِي مَعَه سَاعَة فَأبى عَليّ ففارقته أبْكِي ويبكي وَجعلت أنظر إِلَيْهِ حَتَّى دخل بعض السكَك ثمَّ كنت أسأَل عَنهُ بعد ذَلِك فَلم أجد مخبرا وَمَا أَتَت عَليّ جُمُعَة إِلَّا ورأيته فِي مَنَامِي مرّة أَو مرَّتَيْنِ وَأسْندَ ابْن الْجَوْزِيّ بِكِتَاب الصفوة إِلَى أَسِير بن جَابر أَنه قَالَ كَانَ أويس إِذا حدث
стр. 33
يَقع حَدِيثه فِي قُلُوبنَا موقعا مَا يَقع حَدِيث غَيره مثله وَأسْندَ أَيْضا عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ مر رجل من مُرَاد على أويس الْقَرنِي فَقَالَ لَهُ كَيفَ أَصبَحت قَالَ أَحْمد الله قَالَ كَيفَ الزَّمَان عَلَيْك قَالَ كَيفَ هُوَ على رجل إِن أصبح ظن أَنه لَا يُمْسِي وَإِن أَمْسَى ظن أَنه لَا يصبح فمبشر بِالْجنَّةِ أَو بالنَّار يَا أَخا مُرَاد إِن الْمَوْت وَذكره لم يتْرك لمُؤْمِن فَرحا وَإِن علمه بِحُقُوق الله لم يتْرك لَهُ فضَّة وَلَا ذَهَبا وَإِن قِيَامه لله بِالْحَقِّ لم يتْرك لَهُ صديقا
وَأسْندَ أَيْضا إِلَى عمر بن الْأَصْبَغ أَنه قَالَ لم يمْنَع أويسا عَن الْقدوم إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَّا مَا كَانَ من بره بِأُمِّهِ فقد بَان لَك بِمَا ذَكرْنَاهُ هُنَا صِحَة مَا تقدم من أَنه لم يتَأَخَّر عَن الالتقاء بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مَا كَانَ من بره بِأُمِّهِ
ثمَّ إِنَّه كَانَ عَالما غير أَنه كَانَ كَمَا قَالَ لهرم لَا أحب أَن أكون قَاصا وَلَا مُحدثا وَلَا مفتيا رَغْبَة فِي الخمول وميلا عَن الشُّهْرَة
وَأسْندَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا عَن النَّضر بن إِسْمَاعِيل أَنه قَالَ كَانَ أويس يلتقط الْكسر من الْمَزَابِل فيغسلها وَيَأْكُل بَعْضهَا وَيتَصَدَّق بِبَعْضِهَا وَيَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أبرئ إِلَيْك من كل كبد جَائِع وَلما هم بالفراق لهرم قَالَ لَهُ أوصني قَالَ يَا هرم توسد الْمَوْت إِذا نمت واجعله نصب عَيْنك مَتى قُمْت وادع الله أَن يصلح قَلْبك ونيتك وَلنْ تعالج شَيْئا أَشد عَلَيْك مِنْهُمَا بَينا قَلْبك مقبل إِذْ هُوَ مُدبر وَبينا هُوَ مُدبر إِذْ هُوَ مقبل وَلَا تنظر فِي صغر الْمعْصِيَة وَلَكِن انْظُر إِلَى عَظمَة غضب الله
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ كَانَ أويس مَشْغُولًا بِالْعبَادَة عَن الرِّوَايَة غير أَنه قد أرسل الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي فَإِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يلعن آخر هَذِه الْأمة أَولهَا وَعند ذَلِك يَقع المقت على الأَرْض وَأَهْلهَا فَمن أدْرك ذَلِك فليضع سَيْفه على عَاتِقه ثمَّ ليلق ربه شَهِيدا فَإِن لم يفعل فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه
وَكَانَت وَفَاته على الشَّهَادَة يَوْم صفّين فِي أَصْحَاب عَليّ كرم الله وَجهه فِي
стр. 34
شهور سبع وَثَلَاثِينَ وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق فِي مشتبه النِّسْبَة إِنَّه أخبر النَّبِي ﷺ قبل وجوده وَشهد مَعَ عَليّ صفّين وَكَانَ من خِيَار النَّاس وَقيل إِنَّه توفّي فِي زمن عمر وَالْأول أصح بِدَلِيل يَوْم هرم أَنه نعى إِلَيّ رَبِّي عمر
وَمِنْهُم كَعْب بن ماتع عرف بكعب الْأَحْبَار من حمير نسبا وَفِي الدّين يَهُودِيّا قَالَ نشوان فِي شمس الْعُلُوم كَانَ من عُلَمَاء التَّابِعين من حمير ثمَّ من آل ذِي رعين وَهُوَ من المخضرمين بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة وضاد مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ رَاء مخفوضة ثمَّ مِيم بعْدهَا يَاء وَنون قَالَ ابْن خلكان وَقد سمع بِالْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء وأصل ذَلِك يُطلق على من أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِيمَن أدْرك دولتين خرج كَعْب من الْيمن يُرِيد الْمَدِينَة ويتحقق أَحْوَال الْإِسْلَام فَقَدمهَا زمن عمر فَعلم صِحَة الْإِسْلَام بعلامات يعرفهَا وَأسلم ثمَّ خرج إِلَى الشَّام فِي إِسْلَامه خلاف مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ وهم مِنْهُ إِذْ حدث مَا ذكرته هُنَا من كتب الْحَافِظ المقبول نقلهم كَأبي نعيم صَاحب الْحِلْية وَابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة والواقدي مطعون فِي رِوَايَته
وَمِنْهُم مُنَبّه بن كَامِل وَالِد وهب الْآتِي ذكره صحب معَاذًا وَقد عددته من أَصْحَابه
وَمِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن بزرج كَانَ كَبِير الْقدر شهير الذّكر كَانَ من توفيقه أَيَّام الْجَاهِلِيَّة أَنه كَانَ يدْخل فِي جمَاعَة من فتيَان صنعاء على ابْنة باذام رَئِيس الْفرس وَكلهمْ يسْجد لَهَا دونه فَكَانَت تضربه لذَلِك ثمَّ لما جَاءَ الْإِسْلَام كَانَ من أحْسنهم لَهُ تعرفا وأقرئهم لكتاب الله وأقومهم بحقوقه وَلَقَد كَانَ أهل صنعاء يعْجبُونَ مِنْهُ وَمن اجْتِهَاده وَأُخْته أم سعيد ابْنة بزرج الَّتِي كَانَ ينزل عِنْدهَا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ
стр. 35
جد قوم بِصَنْعَاء يعْرفُونَ ببني الشيعي قَالَه الرَّازِيّ مِنْهُم صَاحب الدعْوَة للفاطميين بالمغرب وَأَخُوهُ النُّعْمَان أسلم وَهُوَ ابْن ثَلَاثِينَ سنة وَعمر طَويلا تسعين سنة فِي الْإِسْلَام سَأَلَهُ عبد الْملك قَالَ أَيْن كنت يَوْم قتل الْكذَّاب قَالَ احتملت أُمِّي على عنقِي حَتَّى أدخلتها قصر غمدان مَعَ المتفرجين فَقَالَ عبد الْملك حِينَئِذٍ لرجل
ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة ثَانِيَة من عُلَمَاء الْيمن
مِنْهُم أَبُو عبد الرَّحْمَن طَاوُوس بن أبي حنيفَة كيسَان وَقيل ذكْوَان ولقب بطاووس لِأَنَّهُ كَانَ طَاوُوس قراء وفتيا من أَصْحَاب عَليّ وَابْن عَبَّاس وَأجْمع الْحفاظ كَابْن الْجَوْزِيّ والحافظ أبي نعيم والرازي وَغَيرهم أَنه كَانَ مَسْكَنه الْجند حَتَّى قَالَ بَعضهم الْجند بِفَتْح الْجِيم وَالنُّون من مخاليف الْيمن مولده فِي خلَافَة أبي بكر
قَالَ الرَّازِيّ سُئِلَ ابْنه عبد الله مِمَّن أَنْتُم فَإِنَّهُ بلغنَا أَنكُمْ إِلَى هَمدَان فَقَالَ لَا وَلَكِن إِلَى خولان وَإِنَّمَا تزوج جد طَاوُوس مولاة لآل هَوْذَة الحميريين فسموا موَالِي لَهُم وَلَيْسوا بموال وَقد أورد جمَاعَة من الْفُضَلَاء من أَخْبَار طَاوُوس نبذا وَلَكِن عولت من ذَلِك على مَا رَوَاهُ الرَّازِيّ فَإِنَّهُ أخبر بِأَهْل الْيمن إِذْ هُوَ مِنْهُم مولدا ومنشأ وَقد تقدم ذكره
стр. 36
قَالَ كَانَ طَاوُوس فَقِيها زاهدا ورعا مُحدثا عابدا ناسكا أدْرك خمسين من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بِحَيْثُ صحبهم وَأخذ عَنْهُم مِنْهُم عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ومعاذ بن جبل وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَزيد بن ثَابت وَأَبُو هرير ومعظم أَخذه عَن الْأَوَّلين قيل لِعبيد الله بن أبي زيد مَعَ من كنت تدخل على ابْن عَبَّاس فَقَالَ مَعَ عطا والعامة قيل لَهُ فطاووس قَالَ أيهات كَانَ ذَلِك يدْخل مَعَ الْخَواص وَكَانَ عَمْرو بن دِينَار الْآتِي ذكره إِذا ذكر عِنْده طَاوُوس يَقُول مَا رَأَيْت مثله
وروى عَنهُ جمَاعَة من التَّابِعين كمجاهد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار وَابْن الزبير وَابْن الْمُنْكَدر وَابْن مُنَبّه وَالزهْرِيّ مَعَ جمع غَيرهم لَا يُحصونَ كَثْرَة
وَمن رِوَايَته المستحسنة مَا قَالَه الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول سَمِعت جَابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح يَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن يخرج الرجل من بَيته صَلَاة الْغَدَاة فيجلس فِي مَجْلِسه يعلم الغلمان السكينَة وَالْوَقار وَحسن الْأَدَب أحب إِلَى الله من أَن يعبده مئتي خريف لَا يسْخط الله عَلَيْهِ وَعرضت هَذَا الْخَبَر على بعض الْفُقَهَاء فَقَالَ لي انْظُر إِلَى أدب النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر كَيفَ لم ينْسب إِلَى الْمعلم غير تَعْلِيم السكينَة وَالْوَقار وَحسن الْأَدَب تأدبا مَعَ الله إِذْ قَالَ الله ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ قَامَ طَاوُوس بِقَضَاء مخلافي الْجند وَصَنْعَاء وَكَانَ يخْتَلف بَينهمَا وَله فِي صنعاء مَسْجِد يعرف بِهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقيم بِهِ أَيَّام لبثه بِصَنْعَاء وَلذَلِك يتَوَهَّم جمَاعَة أَن بَلَده صنعاء وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَنهُ قَالَ ذَلِك عَالم الْيمن
وَكَانَ وُلَاة الْيمن يعولون فِي أُمُورهم الدِّينِيَّة على قَوْله وَذَلِكَ عَن وصاة من مواليهم غَالِبا فَإِنَّهُ قد كَانَ شهرفي الْبَلَد أَنه إِمَام وقته وفقيه مصره وَكَانَ مَتى قيل لَهُ
стр. 37
أمؤمن أَنْت يَقُول آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله لَا يزِيد وَكَانَ يَقُول اجتنبوا القَوْل فِي الْقدر فَإِن الْمُتَكَلِّمين فِيهِ لَا بُد من بَيَان مَا يَقُولَانِ بِمَا يتكلمان بِغَيْر علم
خرج ذَات يَوْم من مَدِينَة الْجند يُرِيد أَرضًا لَهُ فَمشى مَعَه رجل يُرِيد الْبركَة فنعق غراب فَقَالَ الرجل على طَرِيق الْعَادة والزجر خير خير فَغَضب طَاوُوس وَقَالَ أَي خير عِنْد هَذَا أَو شَرّ يَا جَاهِل لَا تصحبني وَلَا تسر معي
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة أَنه صلى الْغَدَاة بِوضُوء الْعشَاء أَرْبَعِينَ سنة وَقَالَ لَقِي عِيسَى ابْن مَرْيَم إِبْلِيس فَقَالَ يَا عِيسَى أما تعلم أَنه لن يصيبك إِلَّا مَا قد قدر عَلَيْك قَالَ نعم قَالَ ارق ذرْوَة هَذَا الْجَبَل فَترد مِنْهُ ثمَّ انْظُر هَل تعيش أم لَا فَقَالَ عِيسَى أوما علمت أَن الله تَعَالَى يَقُول لَا يجربني عَبدِي فَإِنِّي أفعل مَا أَشَاء وَكَانَ يَقُول من السّنة أَن يوقر أَرْبَعَة الْوَالِد والعالم وَذُو شيبَة وَالسُّلْطَان
وَكَانَ يكره الْبَقَاء على الْقُبُور والتغوط عِنْدهَا وَيَقُول لَا تَتَّخِذُوا قُبُور إخْوَانكُمْ حشانا قلت الحشان جمع حش كحش وحشان وَقَالَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ التثبيت فِي الدُّنْيَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي الْآخِرَة عِنْد المساءلة فِي الْقَبْر وَقَالَ أهل الْجنَّة ينْكحُونَ وَلَا يمنون لَيْسَ بهَا مني
وَقَالَ أعطي النَّبِي ﷺ فِي الْجِمَاع قُوَّة خَمْسَة وَأَرْبَعين وَقَالَ لعطاء بن أبي رَبَاح يَا عَطاء لَا تتركن حَاجَتك لمن يغلق دُونك أبوابه وَيجْعَل عَلَيْهَا حجابه وَلَكِن أنزلهَا بِمن بَابه لَك مَفْتُوح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَمرك أَن تَدْعُو لَهُ بدعوة ضمن لَك أَن يستجيب لَك
وَذكر ابْنه عبد الله وَهُوَ أحد أَئِمَّة الْيمن أَيْضا أَن أَبَاهُ تصدق بأرضه أَو بِبَعْضِهَا على فُقَرَاء أَهله وَإِن لم يكن فيهم فَقير فعلى الْمَسَاكِين من غَيرهم ثمَّ شكّ فِي حسن ذَلِك فَاجْتمع بِحجر المدري وَكَانَ عَالما من أَصْحَاب عَليّ كرم الله وَجهه وَسَيَأْتِي ذكره وَسَأَلَهُ فَقَالَ فعلت حسنا إِن رَسُول الله ﷺ أَمر أَن تصرف صدقته على فُقَرَاء أَهله وَقَالَ كَانَ أبي إِذا سُئِلَ عَن صَحَابِيّ أورد من فَضله حَتَّى يَقُول سامعه هَذَا لَا يعرف إِلَّا هَذَا
وَله مسانيد ومراسيل فَمن مراسيله قَالَ ﷺ إيَّاكُمْ وَالْخُرُوج بعد هدأة اللَّيْل فَإِن لله دوابا يبثها فِي الأَرْض تفعل مَا تُؤمر فَإِذا سمع أحدكُم نهاق الْحمير أَو نباح الْكلاب فليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَإِنَّهُم يرَوْنَ مَا لَا ترَوْنَ
وَمِنْهَا إِذا ذكر
стр. 38
أَصْحَابِي فأمسكوا وَإِذا ذكر الْقدر فأمسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فأمسكوا وَمِنْهَا قَالَ ﷺ لَو كَانَ لدي مثل أحد ذَهَبا لأحببت أَن لَا تمر بِي ثَلَاث وَعِنْدِي مِنْهُ إِلَّا مَا أرصده لدين
وَمِنْهَا قَالَ ﷺ الرَّحِم شُعْبَة من الرحمان تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة تَتَكَلَّم بِلِسَان طلق فَمن أشارت إِلَيْهِ بوصل وَصله الله وَمن أشارت إِلَيْهِ بِقطع قطعه الله
وَقَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس مَتى سُئِلَ عَن رجل طلق امْرَأَته ثَلَاثًا يَقُول لَو اتَّقى فَاعل ذَلِك لَكَانَ جعل الله لَهُ مخرجا
قَالَ وَسُئِلَ أَيْضا عَن إتْيَان الْمَرْأَة من الدبر فَقَالَ هَذَا سُؤال عَن الْكفْر وَكَانَ مُعظما فِي أهل زَمَانه
حكى أَنه اجْتمع بِمَكَّة بِجَمَاعَة من الْعلمَاء كالحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار وَمَكْحُول الشَّامي وَسليمَان بن مُحَمَّد الضَّحَّاك وَكَانُوا حِينَئِذٍ بِمَسْجِد الْخيف بمنى فتذاكروا الْقدر حَتَّى ارْتَفَعت أَصْوَاتهم وَكثر لغطهم فَقَالَ طَاوُوس وَكَانَ فيهم رَضِيا وَقَالَ أَنْصتُوا أخْبركُم مَا سَمِعت فأنصتوا فَقَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء يخبر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله افْترض عَلَيْكُم فَرَائض فَلَا تضيعوها وحد لكم حدودا فَلَا تعتدوها ونهاكم عَن أَشْيَاء فَلَا تنتهكوها وَسكت عَن أَشْيَاء من غير نِسْيَان فَلَا تتكلفوها رَحْمَة بكم من ربكُم فاقبلوها تَقول مَا قَالَ رَبنَا وَنَبِينَا ﷺ الْأُمُور كلهَا بيد الله وَمن عِنْد الله مصدرها وَإِلَيْهِ مرجعها لَيْسَ للْعَبد فِيهَا تَفْوِيض وَلَا مَشِيئَة فَقَامَ الْقَوْم وهم راضون بِكَلَامِهِ
وَقعد إِلَيْهِ أَيُّوب بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَأَبوهُ إِذْ ذَاك خَليفَة فَلم يحتفل بِهِ بل قَامَ نافرا فَقيل لَهُ جلس إِلَيْك ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلم تلْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ أردْت أَن أعلمهُ أَن لله عبادا يزهدون بِهِ وبأبيه وَبِمَا فِي أَيْديهم
وَكَانَ من أَشد النَّاس ورعا وتنزها عَن مَا فِي أَيدي الْمُلُوك وَغَيرهم
وَكَانَ يكره الْأُمَرَاء ويحذر صحبتهم وَلَا يرى بِجَوَاز الصَّلَاة خَلفهم وَلَا يقبل لَهُم عَطاء وَلَا
стр. 39
يشرب من الْمِيَاه الَّتِي أحدثتها الْمُلُوك بِمَكَّة وطرقاتها حَتَّى أَن بغلته هوت للشُّرْب من بَعْضهَا فَمنعهَا وكبحها باللجام
وَقد أورد الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء والرازي قصَّة عَجِيبَة لَهُ مَعَ هِشَام بن عبد الْملك شهرتها تغني عَن ذكرهَا وَقَالَ فِي صفة الصفوة دخل طَاوُوس ووهب على مُحَمَّد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج وَهُوَ إِذْ ذَاك أَمِير أَمِير الْمُؤمنِينَ فأجل طاووسا وبجله وَأَقْعَدَهُ على كرْسِي ثمَّ قَالَ يَا غُلَام هَلُمَّ بالطيلسان فألقه على أبي عبد الرَّحْمَن فجَاء بِهِ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَجعل يُحَرك كَتفيهِ حَتَّى أَلْقَاهُ فَتبين الْغَضَب فِي وَجه الْأَمِير ثمَّ لما خرجا قَالَ لَهُ وهب وَالله إِن كنت لغنيا أَن تغضبه علينا لَو أخذت الطليسان فَبِعْته وَأعْطيت ثمنه الْمَسَاكِين فَقَالَ نعم لَوْلَا أَخَاف أَن يُقَال من بعدِي أَخذه طَاوُوس فَلَا يصنع فِيهِ مَا أصنع لفَعَلت
وَأمر لَهُ مُحَمَّد أَيْضا بِشَيْء من المَال وَقَالَ للرسول إِن أَخذه مِنْك فلك مني كَذَا فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَيْهِ قَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن الْأَمِير قد وصلك بِمَال وخصك بجعلة من وَجه حَلَال فَقَالَ لَا حَاجَة لي بِهِ أعده إِلَيْهِ
فغافله الرجل ثمَّ تَركه بكوة فِي الْبَيْت من غير علم مِنْهُ وَلَا من غَيره ثمَّ عَاد الرَّسُول فَأخْبر الْأَمِير أَن المَال صَار إِلَى طَاوُوس فَأعْطَاهُ مَا شَرط
ثمَّ بعد ذَلِك بِمدَّة بلغ الْأَمِير أَن طَاوُوس تكلم فِي حَقه كلَاما غير مرضِي فَغَاظَهُ ذَلِك فَطلب الرَّسُول الَّذِي بَعثه بِالْمَالِ وَقَالَ اذْهَبْ إِلَى طَاوُوس واطلب مِنْهُ المَال الَّذِي بَعَثْتُك بِهِ إِلَيْهِ فوصل إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ فَقَالَ لَا علم لي أَيْن تركته قَالَ بِهَذِهِ الكوة
قَالَ انْظُر بهَا فَنظر وَإِذا بالعنكبوت قد بنت عَلَيْهِ
стр. 40
لم يشْعر بِهِ أحد فَأَخذه وَأَعَادَهُ للأمير
وَكَانَ إِذا صلى الْعَصْر مَعَ أَصْحَابه استقبلوا جَمِيعًا الْقبْلَة وابتهلوا بِالدُّعَاءِ وَالذكر وَلم يكلموا أحدا
وَدخل يَوْمًا على مَرِيض يعودهُ فَقَالَ لَهُ الْمَرِيض ادْع لي قَالَ ادْع أَنْت لنَفسك فَإِنَّهُ يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ
وَقَالَ إِن الْمَوْتَى يلبثُونَ فِي قُبُورهم سبعا وَلذَلِك كَانُوا يستحبون أَن يطعم عَن الْمَيِّت تِلْكَ الْأَيَّام وَكَانَ كثير الْحَج حَتَّى كَانَ يُقَال إِنَّه حج أَرْبَعِينَ سنة
وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة يَوْم التَّرويَة عقب خُرُوجه من عِنْد هِشَام سنة سِتّ ومئة وَحضر هِشَام جنَازَته وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَلما حَضرته الْوَفَاة أوصى إِلَى ابْنه فَقَالَ مَتى وَضَعتنِي فِي اللَّحْد ونصبت عَليّ اللَّبن وَلم يبْق غير يسير انظرني فَإِن وجدتني فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَإِن لم تجدني فاحمد الله
فَفعل ابْنه ذَلِك فَلم يعرف الْحَال إِلَّا بتهلل وَجهه وَبلغ عمره بضعا وَتِسْعين سنة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله وهب بن مُنَبّه بن كَامِل بن سنسخ بسينين مهملتين مفتوحتين بَينهمَا نون سَاكِنة ثمَّ خاء مُعْجمَة بعد السِّين الْآخِرَة وَمَعْنَاهُ بلغَة الْفرس الأسوارى أَي الْأَمِير كالبطريق عِنْد الرّوم والقيل عِنْد الْعَرَب وَقد ذكر الرَّازِيّ نسبه إِلَى مُلُوك الْفرس الْمُتَقَدِّمين
ثمَّ قَالَ هُوَ أحد أَبنَاء الْفرس الَّذين قدمُوا مَعَ سيف بن ذِي يزن وَكَانَ جده أحد الأكاسرة وَأما أَبوهُ فَهُوَ من أَصْحَاب معَاذ وَقد ذكرته وَكَانَت أمه من ذِي الْخَلِيل الْحِمْيَرِي وَكَانَت تَقول كلَاما بالحميرية مَعْنَاهُ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي ولدت ابْنا من ذهب فأوله أَبوهُ وعبره أَنَّهَا تَلد ولدا عَظِيم الشَّأْن ومولده ومنشأه صنعاء وَقد نسب إِلَى ذمار وَهُوَ خطأ وميلاده سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَقيل سنة ثَلَاثِينَ وَأورد الرَّازِيّ فِي كِتَابه بِسَنَدِهِ أَن النَّبِي ﷺ اضْطجع ذَات يَوْم بحجرة عَائِشَة فمرت بِهِ سَحَابَة فَقَالَ يَا عَائِشَة أَتَدْرِينَ أَيْن تُرِيدُ هَذِه السحابة فَقَالَ الله وَرَسُوله أعلم
قَالَ موضعا بِالْيمن يُقَال لَهُ صنعاء يكون فِيهِ وهب يهب الله لَهُ الْحِكْمَة
وَفِي رِوَايَة يؤتيه الله
следующие страницы →