Полный текст (1 016 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قَالَ كَانَ طَاوُوس فَقِيها زاهدا ورعا مُحدثا عابدا ناسكا أدْرك خمسين من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ بِحَيْثُ صحبهم وَأخذ عَنْهُم مِنْهُم عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ومعاذ بن جبل وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَزيد بن ثَابت وَأَبُو هرير ومعظم أَخذه عَن الْأَوَّلين قيل لِعبيد الله بن أبي زيد مَعَ من كنت تدخل على ابْن عَبَّاس فَقَالَ مَعَ عطا والعامة قيل لَهُ فطاووس قَالَ أيهات كَانَ ذَلِك يدْخل مَعَ الْخَواص وَكَانَ عَمْرو بن دِينَار الْآتِي ذكره إِذا ذكر عِنْده طَاوُوس يَقُول مَا رَأَيْت مثله
وروى عَنهُ جمَاعَة من التَّابِعين كمجاهد وَعَطَاء وَعَمْرو بن دِينَار وَابْن الزبير وَابْن الْمُنْكَدر وَابْن مُنَبّه وَالزهْرِيّ مَعَ جمع غَيرهم لَا يُحصونَ كَثْرَة
وَمن رِوَايَته المستحسنة مَا قَالَه الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ أَنه كَانَ يَقُول سَمِعت جَابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح يَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِأَن يخرج الرجل من بَيته صَلَاة الْغَدَاة فيجلس فِي مَجْلِسه يعلم الغلمان السكينَة وَالْوَقار وَحسن الْأَدَب أحب إِلَى الله من أَن يعبده مئتي خريف لَا يسْخط الله عَلَيْهِ وَعرضت هَذَا الْخَبَر على بعض الْفُقَهَاء فَقَالَ لي انْظُر إِلَى أدب النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الْخَبَر كَيفَ لم ينْسب إِلَى الْمعلم غير تَعْلِيم السكينَة وَالْوَقار وَحسن الْأَدَب تأدبا مَعَ الله إِذْ قَالَ الله ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ قَامَ طَاوُوس بِقَضَاء مخلافي الْجند وَصَنْعَاء وَكَانَ يخْتَلف بَينهمَا وَله فِي صنعاء مَسْجِد يعرف بِهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقيم بِهِ أَيَّام لبثه بِصَنْعَاء وَلذَلِك يتَوَهَّم جمَاعَة أَن بَلَده صنعاء وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَنهُ قَالَ ذَلِك عَالم الْيمن
وَكَانَ وُلَاة الْيمن يعولون فِي أُمُورهم الدِّينِيَّة على قَوْله وَذَلِكَ عَن وصاة من مواليهم غَالِبا فَإِنَّهُ قد كَانَ شهرفي الْبَلَد أَنه إِمَام وقته وفقيه مصره وَكَانَ مَتى قيل لَهُ
стр. 37
أمؤمن أَنْت يَقُول آمَنت بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله لَا يزِيد وَكَانَ يَقُول اجتنبوا القَوْل فِي الْقدر فَإِن الْمُتَكَلِّمين فِيهِ لَا بُد من بَيَان مَا يَقُولَانِ بِمَا يتكلمان بِغَيْر علم
خرج ذَات يَوْم من مَدِينَة الْجند يُرِيد أَرضًا لَهُ فَمشى مَعَه رجل يُرِيد الْبركَة فنعق غراب فَقَالَ الرجل على طَرِيق الْعَادة والزجر خير خير فَغَضب طَاوُوس وَقَالَ أَي خير عِنْد هَذَا أَو شَرّ يَا جَاهِل لَا تصحبني وَلَا تسر معي
وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة أَنه صلى الْغَدَاة بِوضُوء الْعشَاء أَرْبَعِينَ سنة وَقَالَ لَقِي عِيسَى ابْن مَرْيَم إِبْلِيس فَقَالَ يَا عِيسَى أما تعلم أَنه لن يصيبك إِلَّا مَا قد قدر عَلَيْك قَالَ نعم قَالَ ارق ذرْوَة هَذَا الْجَبَل فَترد مِنْهُ ثمَّ انْظُر هَل تعيش أم لَا فَقَالَ عِيسَى أوما علمت أَن الله تَعَالَى يَقُول لَا يجربني عَبدِي فَإِنِّي أفعل مَا أَشَاء وَكَانَ يَقُول من السّنة أَن يوقر أَرْبَعَة الْوَالِد والعالم وَذُو شيبَة وَالسُّلْطَان
وَكَانَ يكره الْبَقَاء على الْقُبُور والتغوط عِنْدهَا وَيَقُول لَا تَتَّخِذُوا قُبُور إخْوَانكُمْ حشانا قلت الحشان جمع حش كحش وحشان وَقَالَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة﴾ التثبيت فِي الدُّنْيَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي الْآخِرَة عِنْد المساءلة فِي الْقَبْر وَقَالَ أهل الْجنَّة ينْكحُونَ وَلَا يمنون لَيْسَ بهَا مني
وَقَالَ أعطي النَّبِي ﷺ فِي الْجِمَاع قُوَّة خَمْسَة وَأَرْبَعين وَقَالَ لعطاء بن أبي رَبَاح يَا عَطاء لَا تتركن حَاجَتك لمن يغلق دُونك أبوابه وَيجْعَل عَلَيْهَا حجابه وَلَكِن أنزلهَا بِمن بَابه لَك مَفْتُوح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَمرك أَن تَدْعُو لَهُ بدعوة ضمن لَك أَن يستجيب لَك
وَذكر ابْنه عبد الله وَهُوَ أحد أَئِمَّة الْيمن أَيْضا أَن أَبَاهُ تصدق بأرضه أَو بِبَعْضِهَا على فُقَرَاء أَهله وَإِن لم يكن فيهم فَقير فعلى الْمَسَاكِين من غَيرهم ثمَّ شكّ فِي حسن ذَلِك فَاجْتمع بِحجر المدري وَكَانَ عَالما من أَصْحَاب عَليّ كرم الله وَجهه وَسَيَأْتِي ذكره وَسَأَلَهُ فَقَالَ فعلت حسنا إِن رَسُول الله ﷺ أَمر أَن تصرف صدقته على فُقَرَاء أَهله وَقَالَ كَانَ أبي إِذا سُئِلَ عَن صَحَابِيّ أورد من فَضله حَتَّى يَقُول سامعه هَذَا لَا يعرف إِلَّا هَذَا
وَله مسانيد ومراسيل فَمن مراسيله قَالَ ﷺ إيَّاكُمْ وَالْخُرُوج بعد هدأة اللَّيْل فَإِن لله دوابا يبثها فِي الأَرْض تفعل مَا تُؤمر فَإِذا سمع أحدكُم نهاق الْحمير أَو نباح الْكلاب فليستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم فَإِنَّهُم يرَوْنَ مَا لَا ترَوْنَ
وَمِنْهَا إِذا ذكر
стр. 38
أَصْحَابِي فأمسكوا وَإِذا ذكر الْقدر فأمسكوا وَإِذا ذكر النُّجُوم فأمسكوا وَمِنْهَا قَالَ ﷺ لَو كَانَ لدي مثل أحد ذَهَبا لأحببت أَن لَا تمر بِي ثَلَاث وَعِنْدِي مِنْهُ إِلَّا مَا أرصده لدين
وَمِنْهَا قَالَ ﷺ الرَّحِم شُعْبَة من الرحمان تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة تَتَكَلَّم بِلِسَان طلق فَمن أشارت إِلَيْهِ بوصل وَصله الله وَمن أشارت إِلَيْهِ بِقطع قطعه الله
وَقَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس مَتى سُئِلَ عَن رجل طلق امْرَأَته ثَلَاثًا يَقُول لَو اتَّقى فَاعل ذَلِك لَكَانَ جعل الله لَهُ مخرجا
قَالَ وَسُئِلَ أَيْضا عَن إتْيَان الْمَرْأَة من الدبر فَقَالَ هَذَا سُؤال عَن الْكفْر وَكَانَ مُعظما فِي أهل زَمَانه
حكى أَنه اجْتمع بِمَكَّة بِجَمَاعَة من الْعلمَاء كالحسن الْبَصْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار وَمَكْحُول الشَّامي وَسليمَان بن مُحَمَّد الضَّحَّاك وَكَانُوا حِينَئِذٍ بِمَسْجِد الْخيف بمنى فتذاكروا الْقدر حَتَّى ارْتَفَعت أَصْوَاتهم وَكثر لغطهم فَقَالَ طَاوُوس وَكَانَ فيهم رَضِيا وَقَالَ أَنْصتُوا أخْبركُم مَا سَمِعت فأنصتوا فَقَالَ سَمِعت أَبَا الدَّرْدَاء يخبر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله افْترض عَلَيْكُم فَرَائض فَلَا تضيعوها وحد لكم حدودا فَلَا تعتدوها ونهاكم عَن أَشْيَاء فَلَا تنتهكوها وَسكت عَن أَشْيَاء من غير نِسْيَان فَلَا تتكلفوها رَحْمَة بكم من ربكُم فاقبلوها تَقول مَا قَالَ رَبنَا وَنَبِينَا ﷺ الْأُمُور كلهَا بيد الله وَمن عِنْد الله مصدرها وَإِلَيْهِ مرجعها لَيْسَ للْعَبد فِيهَا تَفْوِيض وَلَا مَشِيئَة فَقَامَ الْقَوْم وهم راضون بِكَلَامِهِ
وَقعد إِلَيْهِ أَيُّوب بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَأَبوهُ إِذْ ذَاك خَليفَة فَلم يحتفل بِهِ بل قَامَ نافرا فَقيل لَهُ جلس إِلَيْك ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلم تلْتَفت إِلَيْهِ فَقَالَ أردْت أَن أعلمهُ أَن لله عبادا يزهدون بِهِ وبأبيه وَبِمَا فِي أَيْديهم
وَكَانَ من أَشد النَّاس ورعا وتنزها عَن مَا فِي أَيدي الْمُلُوك وَغَيرهم
وَكَانَ يكره الْأُمَرَاء ويحذر صحبتهم وَلَا يرى بِجَوَاز الصَّلَاة خَلفهم وَلَا يقبل لَهُم عَطاء وَلَا
стр. 39
يشرب من الْمِيَاه الَّتِي أحدثتها الْمُلُوك بِمَكَّة وطرقاتها حَتَّى أَن بغلته هوت للشُّرْب من بَعْضهَا فَمنعهَا وكبحها باللجام
وَقد أورد الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء والرازي قصَّة عَجِيبَة لَهُ مَعَ هِشَام بن عبد الْملك شهرتها تغني عَن ذكرهَا وَقَالَ فِي صفة الصفوة دخل طَاوُوس ووهب على مُحَمَّد بن يُوسُف أخي الْحجَّاج وَهُوَ إِذْ ذَاك أَمِير أَمِير الْمُؤمنِينَ فأجل طاووسا وبجله وَأَقْعَدَهُ على كرْسِي ثمَّ قَالَ يَا غُلَام هَلُمَّ بالطيلسان فألقه على أبي عبد الرَّحْمَن فجَاء بِهِ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَجعل يُحَرك كَتفيهِ حَتَّى أَلْقَاهُ فَتبين الْغَضَب فِي وَجه الْأَمِير ثمَّ لما خرجا قَالَ لَهُ وهب وَالله إِن كنت لغنيا أَن تغضبه علينا لَو أخذت الطليسان فَبِعْته وَأعْطيت ثمنه الْمَسَاكِين فَقَالَ نعم لَوْلَا أَخَاف أَن يُقَال من بعدِي أَخذه طَاوُوس فَلَا يصنع فِيهِ مَا أصنع لفَعَلت
وَأمر لَهُ مُحَمَّد أَيْضا بِشَيْء من المَال وَقَالَ للرسول إِن أَخذه مِنْك فلك مني كَذَا فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَيْهِ قَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِن الْأَمِير قد وصلك بِمَال وخصك بجعلة من وَجه حَلَال فَقَالَ لَا حَاجَة لي بِهِ أعده إِلَيْهِ
فغافله الرجل ثمَّ تَركه بكوة فِي الْبَيْت من غير علم مِنْهُ وَلَا من غَيره ثمَّ عَاد الرَّسُول فَأخْبر الْأَمِير أَن المَال صَار إِلَى طَاوُوس فَأعْطَاهُ مَا شَرط
ثمَّ بعد ذَلِك بِمدَّة بلغ الْأَمِير أَن طَاوُوس تكلم فِي حَقه كلَاما غير مرضِي فَغَاظَهُ ذَلِك فَطلب الرَّسُول الَّذِي بَعثه بِالْمَالِ وَقَالَ اذْهَبْ إِلَى طَاوُوس واطلب مِنْهُ المَال الَّذِي بَعَثْتُك بِهِ إِلَيْهِ فوصل إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ فَقَالَ لَا علم لي أَيْن تركته قَالَ بِهَذِهِ الكوة
قَالَ انْظُر بهَا فَنظر وَإِذا بالعنكبوت قد بنت عَلَيْهِ
стр. 40
لم يشْعر بِهِ أحد فَأَخذه وَأَعَادَهُ للأمير
وَكَانَ إِذا صلى الْعَصْر مَعَ أَصْحَابه استقبلوا جَمِيعًا الْقبْلَة وابتهلوا بِالدُّعَاءِ وَالذكر وَلم يكلموا أحدا
وَدخل يَوْمًا على مَرِيض يعودهُ فَقَالَ لَهُ الْمَرِيض ادْع لي قَالَ ادْع أَنْت لنَفسك فَإِنَّهُ يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ
وَقَالَ إِن الْمَوْتَى يلبثُونَ فِي قُبُورهم سبعا وَلذَلِك كَانُوا يستحبون أَن يطعم عَن الْمَيِّت تِلْكَ الْأَيَّام وَكَانَ كثير الْحَج حَتَّى كَانَ يُقَال إِنَّه حج أَرْبَعِينَ سنة
وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة يَوْم التَّرويَة عقب خُرُوجه من عِنْد هِشَام سنة سِتّ ومئة وَحضر هِشَام جنَازَته وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَلما حَضرته الْوَفَاة أوصى إِلَى ابْنه فَقَالَ مَتى وَضَعتنِي فِي اللَّحْد ونصبت عَليّ اللَّبن وَلم يبْق غير يسير انظرني فَإِن وجدتني فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَإِن لم تجدني فاحمد الله
فَفعل ابْنه ذَلِك فَلم يعرف الْحَال إِلَّا بتهلل وَجهه وَبلغ عمره بضعا وَتِسْعين سنة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله وهب بن مُنَبّه بن كَامِل بن سنسخ بسينين مهملتين مفتوحتين بَينهمَا نون سَاكِنة ثمَّ خاء مُعْجمَة بعد السِّين الْآخِرَة وَمَعْنَاهُ بلغَة الْفرس الأسوارى أَي الْأَمِير كالبطريق عِنْد الرّوم والقيل عِنْد الْعَرَب وَقد ذكر الرَّازِيّ نسبه إِلَى مُلُوك الْفرس الْمُتَقَدِّمين
ثمَّ قَالَ هُوَ أحد أَبنَاء الْفرس الَّذين قدمُوا مَعَ سيف بن ذِي يزن وَكَانَ جده أحد الأكاسرة وَأما أَبوهُ فَهُوَ من أَصْحَاب معَاذ وَقد ذكرته وَكَانَت أمه من ذِي الْخَلِيل الْحِمْيَرِي وَكَانَت تَقول كلَاما بالحميرية مَعْنَاهُ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي ولدت ابْنا من ذهب فأوله أَبوهُ وعبره أَنَّهَا تَلد ولدا عَظِيم الشَّأْن ومولده ومنشأه صنعاء وَقد نسب إِلَى ذمار وَهُوَ خطأ وميلاده سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَقيل سنة ثَلَاثِينَ وَأورد الرَّازِيّ فِي كِتَابه بِسَنَدِهِ أَن النَّبِي ﷺ اضْطجع ذَات يَوْم بحجرة عَائِشَة فمرت بِهِ سَحَابَة فَقَالَ يَا عَائِشَة أَتَدْرِينَ أَيْن تُرِيدُ هَذِه السحابة فَقَالَ الله وَرَسُوله أعلم
قَالَ موضعا بِالْيمن يُقَال لَهُ صنعاء يكون فِيهِ وهب يهب الله لَهُ الْحِكْمَة
وَفِي رِوَايَة يؤتيه الله
стр. 41
الْحِكْمَة وَفِي أُخْرَى ثلث الْحِكْمَة
قَالَ الرَّازِيّ وروى عبَادَة بن الصَّامِت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ يكون فِي أمتِي رجلَانِ يُقَال لأَحَدهمَا وهب يهب الله لَهُ الْحِكْمَة وَالْآخر غيلَان فتْنَة على أمتِي أَشد من فتْنَة الشَّيْطَان فَكَانَ غيلَان أول من تكلم بِالْقدرِ
وَكَانَ وهب فَقِيها فصيحا مصقعا بليغا فِي الخطابة والفصاحة وَالْمَوْعِظَة لَا يُبَارى وَلَا يجارى لَقِي عشرَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ كَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأخذ عَن جَابر والنعمان الأنصاريين وَأبي هُرَيْرَة وَأخذ عَن طَاوُوس وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة وَعبد الله بن الزبير وغالب أَخذه عَن ابْن عَبَّاس وَكَانَ يَقُول صَحِبت ابْن عَبَّاس قبل أَن يصاب ببصره ثَلَاث عشرَة سنة وَبعد أَن أُصِيب بِهِ وَإِنِّي مَعَه ذَات يَوْم بِمَكَّة إِذْ قَالَ لي يَا ابْن مُنَبّه قدني إِلَى مجْلِس المراء كَانَ قوم يَجْلِسُونَ بَين بَاب بني جمح إِلَى الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ يَتَكَلَّمُونَ بالجبر وَالْقدر فقدته إِلَيْهِم فَلَمَّا وقف عَلَيْهِم سلم فَردُّوا ﵇ ثمَّ قَالُوا أَلا تجْلِس رَحِمك الله فَقَالَ وَالله مَا أَنا بجالس إِلَيْكُم أما تعلمُونَ أَن لله عبادا أسكتتهم خشيَة الله من غير عي وَأَنَّهُمْ لَهُم الفصحاء واللطفاء والنجباء الْأَوْلِيَاء إِذا ذكرُوا عَظمَة الله طاشت عُقُولهمْ وَإِذا أشفقوا بِمَا دروا إِلَى الله الْأَعْمَال الزاكية ثمَّ سكت فَقلت لَهُم إِنِّي قَرَأت شَيْئا من السّنة لعد كتب من كتب الله الَّتِي أنزلهَا الله على أنبيائه من السَّمَاء اثْنَيْنِ وَتِسْعين كتابا مِنْهَا اثْنَان وَسَبْعُونَ من الْكَنَائِس وَعِشْرُونَ فِي أَيدي النَّاس لَا يعلمهَا إِلَّا الْقَلِيل وَوجدت فِي جَمِيعهَا أَن من أضَاف إِلَى نَفسه شَيْئا من الْمَشِيئَة
стр. 42
فقد كفر وَلَقَد شاركت النَّاس فِي علمهمْ وَعلمت كثيرا مِمَّا لم يعلمُوا وَوجدت أعلم النَّاس بِهَذَا الْأَمر الَّذِي تمترون بِهِ أسكتهم عَنهُ وَرَأَيْت أجهلهم بِهِ أنطقهم وَوجدت النَّاظر فِيهِ كالناظر فِي شُعَاع الشَّمْس كلما ازْدَادَ فِيهَا تأملا ازْدَادَ فِيهَا تحيرا وَكَانَ النَّاس إِذْ ذَاك قد أفاضوا فِي ذكر الْقدر وَقد قَرَأت كتب عبد الله بن سَلام وَكتب كَعْب الْأَحْبَار وقرأت التَّوْرَاة فَوجدت فِيهَا أَنا الله خَالق الْخَيْر ومقدره وطوبى لمن قدرته على يَدَيْهِ وَأَنا خَالق الشَّرّ ومقدره فويل لمن قدرته على يَدَيْهِ من خلقي وقرأت الْإِنْجِيل فَوَجَدته كَذَلِك حج سنة مئة وَحج فِيهَا جمع من الْعلمَاء فيهم الْحسن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَغَيرهمَا فَاجْتمعُوا جَمِيعًا إِلَى مَوضِع بِالْحرم وتذاكروا الْعلم ثمَّ أَرَادوا ذكر الْقدر فَقطع عَلَيْهِم وهب الْكَلَام واستفتح فِي ذكر الْحَمد وَالثنَاء وَلم يزل متكلما بذلك حَتَّى طلع الْفجْر وافترقوا وَلم يخوضوا فِي شَيْء
وَحج مرّة فَلَمَّا صَار بِمَكَّة وَقد اجْتمع فِي الحجيج جمَاعَة من الْعلمَاء فَصنعَ لَهُم عَطاء بن أبي رَبَاح طَعَاما فِي منزله ودعاهم إِلَيْهِ فَلَمَّا أَمْسوا وَكَانَ فيهم الْحسن أَيْضا وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس فَتكلم الْحسن وَغَيره فِي وصف الله وعظمته وجلاله ثمَّ قَالَ لوهب تكلم فَأخذ يتَكَلَّم فِي تَعْظِيم الرب وتنزيهه ثمَّ لم يزل كَذَلِك حَتَّى قَامُوا لصَلَاة الصُّبْح وَلم يحل وهب حبوته فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة يَا أَبَا عبد الله كَانَ لنا فِي أَنْفُسنَا قدر فصغرته عندنَا وَجَاء رجل فَقَالَ إِنِّي سَمِعت فلَانا يشتمك فَغَضب وَقَالَ مَا وجد الشَّيْطَان إِلَيّ رَسُولا غَيْرك
ثمَّ إِن الرجل الْمَنْقُول عَنهُ أَتَى عقب ذَلِك وَسلم عَلَيْهِ وأكرمه وَمد يَده وَصَافحهُ وَأَجْلسهُ إِلَى جنبه وَقَالَ الْإِيمَان عُرْيَان لِبَاسه التَّقْوَى وزينته الحيا وجماله الْفِقْه
وَكَانَ يؤم النَّاس بِقِيَام رَمَضَان ويوتر بهم فَإِذا رفع رَأسه قنت فَيَقُول اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد الدَّائِم السرمد حمدا لَا يُحْصِيه الْعدَد وَلَا يقطعهُ الْأَبَد كَمَا يَنْبَغِي لَك أَن تحمد وكما أَنْت لَهُ أهل وكما هُوَ لَك علينا ثمَّ يرفع النَّاس أَصْوَاتهم بِالدُّعَاءِ فَلَا يسمع مَا يَقُول وَكَانَ يرفع يَدَيْهِ حِين التَّكْبِير للرُّكُوع وَحين الرّفْع مِنْهُ وَلَا يفعل ذَلِك فِي
стр. 43
السُّجُود وَكَانَ الْقُرَّاء من أهل صنعاء إِنَّمَا يقرأون عَلَيْهِ وَكَانُوا حِين يَنْصَرِفُونَ عَن الْجَامِع بعد عصر الْجُمُعَة يقصدونه إِلَى دَاره وَهِي بِالْقربِ من الْجَامِع وَكَانَ الْخُشُوع عَلَيْهِم ظَاهرا وَأثر السُّجُود فِي وُجُوههم فَإِذا أَتَوا دَاره وجدوه قَاعِدا فيسلمون عَلَيْهِ ويقعدون إِلَى جنبه
وَلما وصل كتاب الْحجَّاج إِلَى أَخِيه يَأْمُرهُ فِيهِ أَن يقْرَأ الْعلم على أعلم من يجده فِي صنعاء سَأَلَ عَن ذَلِك فَقيل لَهُ وهب فَأرْسل إِلَيْهِ فَلَمَّا أَتَاهُ أعلمهُ بِكِتَاب أَخِيه ثمَّ شرع يقْرَأ عَلَيْهِ وَقَالَ افْتقدَ النَّاس بِالْمَوْعِظَةِ وخوفهم سطوة الله ونقمته فَكَانَ يفعل ذَلِك ثمَّ إِن مُحَمَّد بن يُوسُف أشرك مَعَه عبد الرَّحْمَن بن يزِيد فَكَانَا يتعاقبان ذَلِك من وعظ صباحا أعقبه الآخر عشَاء ثمَّ إِن وهب استعفى من ذَلِك فأعفي
وَكَانَ مَعَ علمه عابدا يُقَال أَقَامَ أَرْبَعِينَ سنة أَو عشْرين يُصَلِّي الصُّبْح بِوضُوء الْعشَاء وَلَقي عَطاء الْخُرَاسَانِي فَقَالَ يَا عَطاء أخْبرت عَنْك أَنَّك تحمل علمك إِلَى أَبْوَاب الْمُلُوك وَأَبْنَاء الدُّنْيَا وَيحك يَا عَطاء تَأتي بَاب من يغلق عَنْك بَابه وَيظْهر لَك فقره ويواري عَنْك غناهُ وَتَدَع من يفتح لَك بَابه وَيظْهر لَك غناهُ وَيَقُول ادعني استجب لَك وَيحك يَا عَطاء أَرض بالدون من الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَة وَلَا ترض بالدون من الْحِكْمَة مَعَ الدُّنْيَا وَيحك يَا عَطاء إِن كَانَ يُغْنِيك مَا يَكْفِيك فَإِن أدنى مَا فِي الدُّنْيَا يَكْفِيك وَيحك يَا عَطاء إِنَّمَا بَطْنك بَحر من البحور وواد من الأودية وَلَيْسَ يملأه إِلَّا التُّرَاب
وَقَالَ إِن فِي الألواح الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى وكتبنا لَهُ فِي الألواح من كل شَيْء يَا مُوسَى اعبدني وَلَا تشرك معي شَيْئا من أهل السَّمَاء وَلَا من أهل الأَرْض فَإِنَّهُم خلقي كلهم وَإِنِّي إِذا أشركت بِي غضِبت وَإِذا غضِبت لعنت واللعنة مني تدْرك الْوَلَد الرَّابِع وَإِذا أَطَعْت رضيت وَإِذا رضيت باركت وَالْبركَة تدْرك الْأمة بعد الْأمة وَقَالَ الصَّدَقَة تدفع ميتَة السوء وتزيد فِي الْعُمر وتزيد فِي المَال وَذكر أهل النُّجُوم يَوْمًا وَقَالَ إِن
стр. 44
ضلالتهم لقديمة أوحى الله إِلَى نَبِي اسْمه شُعَيْب كَانَ قومه يتعاطون معرفَة النُّجُوم وَإِدْرَاك المغيبات مر قَوْمك فيسألوا كهانهم وَأهل النُّجُوم فيهم عَن أَمر أُرِيد إحداثه فليخبروني مَا هُوَ فَسَأَلَهُمْ شُعَيْب عَن ذَلِك فَلم يأتوه بِعلم فَقَالَ يَا رب أَنْت أعلم أَنهم لم يهتدوا إِلَى مَا أَمرتنِي بِهِ فَتصدق عَليّ بتعريفه فَقَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أَحول الْملك فِي الأذلاء وَالْحكمَة فِي أهل الْجفَاء وأحول الأحلام فِي الْفَدادِين وأبعث أعمى فِي عُمْيَان وَأُمِّيًّا فِي أُمِّيين وَأنزل عَلَيْهِ السكينَة وأؤيده بالحكمة بِحَيْثُ لَو يمر سراج لم يطفئه أَو على قصب الرعراع لم يسمع لَهُ صَوت وَقَالَ الْإِيمَان قَائِد وَالْعَمَل سائق وَالنَّفس بَينهمَا حرون فَإِذا قاد الْقَائِد وَلم يسق السَّائِق اتبعته النَّفس طَوْعًا وَكرها وطاب الْعَمَل وَسُئِلَ عَمَّا يَقُول بعد الطَّعَام فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أكرمنا وحملنا فِي الْبر وَالْبَحْر ورزقنا من الطَّيِّبَات وفضلنا على كثير مِمَّن خلق تَفْضِيلًا وَقَالَ مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة من لم يدار عيشه مَاتَ قبل أَجله وَقَالَ فِي التَّوْرَاة الْأَعْمَى ميت وَالْفَقِير ميت واستشاره رجل فِي رجلَيْنِ خطبا ابْنَته وَقَالَ إِن أَحدهمَا من الموَالِي وَهُوَ ذُو مَال وَالْآخر من هَمدَان لكنه فَقير فَقَالَ لَهُ وهب زوج الْهَمدَانِي فَإِن الْأَمْوَال عوار تذْهب وتجيء والأحساب لَا تذْهب فَانْطَلق الرجل وأزوج الْهَمدَانِي وَكَانَ يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ مَا كَانَ أقل من الْعشْرَة فَهُوَ قَلِيل وَكَانَ إِذا دخل مَكَّة أَيَّام ابْن الزبير يُكرمهُ ويبجله ويجله وَإِذا دخل عَلَيْهِ فِي مَجْلِسه قَامَ لَهُ وَأَجْلسهُ مَعَه على سَرِيره لَا يفعل ذَلِك لأحد غَيره حَتَّى كَانَ رُؤَسَاء قُرَيْش وَمن يحضرهُ يحسدونه على ذَلِك ثمَّ إِن بعض أَعْيَان قُرَيْش طمح بتخجيل وهب بِأَن يكلمهُ بِشَيْء فِي مجْلِس ابْن الزبير لَا يُطيق الْجَواب عَنهُ فَقَالَ لَهُ أَيْن أمكُم وَكَانَ وهب لَا لحية لَهُ وَمعنى السُّؤَال إِنَّمَا أَنْت شَبيه بِالنسَاء فتساءل عَمَّا يسْأَل عَنهُ النِّسَاء فَأَجَابَهُ وهب مسرعا أمنا هَاجَرت وَأسْلمت مَعَ سُلَيْمَان لله رب الْعَالمين وَلَكِن أخبرنَا أَيْن أمكُم فَسكت الْقرشِي فَقَالَ قل فِي جيدها حَبل من مسد فَقَالَ ابْن الزبير للقرشي هَذَا وهب بن مُنَبّه سيد
стр. 45
قومه مَا كَانَ لَك بِكَلَامِهِ من حَاجَة
وامتحن وهب بِالْقضَاءِ فَكَانَ أَصْحَابه يَقُولُونَ لَهُ كنت تخبرنا أَبَا عبد الله بالرؤيا ترَاهَا فَلَا تلبث أَن تكون كَمَا أخبرتنا وَلم نجدك الْيَوْم كَذَلِك فَقَالَ وهب ذهب عني ذَلِك مُنْذُ وليت الْقَضَاء وَكَانَ نقش خَاتمه أصمت تسلم وَأحسن تغنم
وَأما حكاياته فكثيرة لَا تكَاد تحصى وَكَانَت وَفَاته بِصَنْعَاء سنة عشر وَقيل أَربع عشرَة ومئة وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة وَله ولدان ذكرهمَا الرَّازِيّ يرويان عَنهُ وَعَن غَيره وهما عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَقَالَ الرَّازِيّ وجدت بِخَط القَاضِي هِشَام بن يُوسُف حَدثنَا عبد الرحمن بن وهب بن مُنَبّه عَن ابيه قَالَ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز فِي رجل من أهل صنعاء بلغه أَنه انْتَفَى من وَلَده أَن يلْحق بِهِ وَأَن يسجن حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يُخرجهُ يَعْنِي الْوَلَد وَأَن يذكر بِهِ فِي الاشتهار وَكتب أَيْضا فِي رجل قتل عبدا أَن يغرم ثمنه ويسجن فَلَا يُرْسل حَتَّى يَأْمر بِإِطْلَاقِهِ وَأَن يذكر بِهِ قلت كَأَنَّهُ يُشِير فِي الأولى أَن يكنى بِالْوَلَدِ الَّذِي انْتَفَى مِنْهُ وَالثَّانيَِة يُسمى بِقَاتِل العَبْد وَنَحْوه وَالله أعلم قَالَ وَكتب أَيْضا فِي رجل أغار مَعَ قوم فَقتلُوا رجلا وعقروا دوابا أَن يضمن الْحَدِيد حَتَّى يحكم الله فِيهِ وَأَن يقْضِي مِنْهُ أَمْوَالهم أَثمَان مَا أَصَابُوا من عقر تِلْكَ الدَّوَابّ
وَأما رِوَايَة عبد الله فَإِنَّهُ قَالَ سَافَرت إِلَى مَكَّة أول حجَّة حججتها فَأمرنِي أبي بِالْمُتْعَةِ فَلَمَّا قدمت مَكَّة اجْتمعت بعطاء بن أبي رَبَاح فَذكرت ذَلِك لَهُ فَقَالَ أصَاب أَبوك وَرِوَايَته عَن أبي خَليفَة وَمَعْقِل أغزرهم حَدِيثا سَيَأْتِي مَعَ ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة إخْوَة هم همام ثمَّ معقل ثمَّ غيلَان الْمَعْدُودين فِي رُوَاة الصَّحِيحَيْنِ
стр. 46
همام كنيته أَبُو قدامَة وَكَانَ يُقَال إِنَّه أكبر من وهب صحب الزُّهْرِيّ وَله عَنهُ رِوَايَات جمة مِنْهَا قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول لَيْسَ أحد أَكثر حَدِيثا مني عَن النَّبِي ﷺ غير ابْن عمر لِأَنَّهُ كَانَ يكْتب وَأَنا لَا أكتب وَذكر عَنهُ القَاضِي هِشَام بن يُوسُف الْآتِي ذكره قَالَ حَدثنَا معقل بن همام بن مُنَبّه قَالَ كَانَت حجرات النَّبِي ﷺ مطلات على مَسْجده فَبينا عمر أَيَّام خِلَافَته فِي الْمَسْجِد إِذْ دخل أَعْرَابِي وَالنَّاس حول عمر وَحَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ تنظر من حُجْرَتهَا من وَرَاء ستر فرأت الْأَعرَابِي قد عمد إِلَى الْحلقَة وَسلم على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بإمرة الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ لما رأى من تميزه بالبزة على سَائِر من حضر فَقَالَ لَهُ ابْن عَوْف هَذَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَشَارَ إِلَى عمر ثمَّ كَانَ من الْعَادة أَن عمر إِذا صلى الْعشَاء وَأَرَادَ الِانْصِرَاف إِلَى بَيته يمر بِأَبْوَاب أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ وَيسلم عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا مر تِلْكَ اللَّيْلَة بِبَاب حَفْصَة ابْنَته وَسلم قَالَت يَا أَبَت رَأَيْت أَن أذكر لَك شَيْئا فَلَا تضعه إِلَّا على النصح قَالَ وَمَا ذَاك يَا بنية قَالَت رَأَيْت أَعْرَابِيًا دخل الْمَسْجِد وَشهر ابْن عَوْف بِالسَّلَامِ وَإِنِّي رَأَيْت النَّبِي ﷺ كَانَ يلبس أحسن مَا يقدر عَلَيْهِ وَإِن الله قد فتح عَلَيْك فَإِن رَأَيْت أَن تلبس لباسا حسنا فَإِنَّهُ أبهى لَك فَقَالَ يَا بنية مَا فِي قَوْلك بَأْس وَلَكِن كنت أَنا وصاحباي على طَرِيق ووعدتهما الْمنزل وأخشى إِن سلكت غير طريقهما أَن لَا أوافي منزلهما
وَكَانَ قوم من أهل صنعاء لَهُم أَرض فِي الْبَادِيَة يزدرعونها ثمَّ إِنَّهُم انتقلوا عَن صنعاء ميلًا إِلَى خفَّة المؤونة فِي الْبَادِيَة فَبلغ معقلا ذَلِك فكرهه ثمَّ إِنَّهُم مروا بِهِ يَوْمًا وَهُوَ على بَاب دَاره قَاعِدا فناداهم فَأتوهُ فَقَالَ سكنتم الْبَادِيَة فَقَالُوا نعم يَا أَبَا قدامَة قَالَ قُلْتُمْ لبيتنا وماشيتنا وحطبنا وَمَا نحتاج عَلَيْهِ سهلا قَالُوا نعم قَالَ لَا تَفعلُوا لَا تدعوا الْقَرار فَإِنِّي سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يخبر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من سكن الْقَرار سَاق الله إِلَيْهِ رزق الْقَرار وَمن سكن الْبَادِيَة سَاق الله إِلَيْهِ رزق الْبَادِيَة
وَقَالَ لقِيت ابْن عمر فَسَأَلته عَن النَّبِيذ قلت يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن هَذَا الشَّرَاب مَا تَقول فِيهِ قَالَ كل مُسكر حرَام قلت فَإِن شربت الْخمر فَلم أسكر قَالَ أُفٍّ أُفٍّ مَا بَال الْخمر وَغَضب فتركته حَتَّى انبسط وأسفر وَجهه وَحدث من كَانَ حوله ثمَّ قلت لَهُ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن إِنَّك بَقِيَّة من قد عرفت وَقد يَأْتِي الرَّاكِب فيسألك عَن الشَّيْء وَيَأْخُذ من
стр. 47
قبلك بِتِلْكَ الْكَلِمَة يضْرب بهَا فِي الْآفَاق يَقُول قَالَ ابْن عمر كَذَا وَكَذَا فَقَالَ أعراقي أَنْت قلت لَا قَالَ فَمِمَّنْ قلت من الْيمن قَالَ أما الْخمر فَحَرَام لَا سَبِيل إِلَيْهَا وَأما مَا سواهَا من الْأَشْرِبَة فَكل مُسكر حرَام
وَكَانَت وَفَاته بِصَنْعَاء أَيْضا سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ومئة وَهُوَ آخر إخْوَته موتا إِذْ أَوَّلهمْ وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلَان
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَطاء بن أبي رَبَاح ضَبطه بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف وحاء مُهْملَة واسْمه طَاهِر من موَالِي بني جمح مولده بالجند سنة سبع وَعشْرين وَنَشَأ بِمَكَّة وتفقه بهَا قَالَ ابْن جريج كَانَ الْمَسْجِد لعطاء فراشا عشْرين سنة وتفقه بِجَمَاعَة من الصَّحَابَة أشهرهم ابْن عَبَّاس وَقد ذكرت قَوْله كنت أَدخل على ابْن عَبَّاس مَعَ الْعَامَّة وَكَانَ لمعقل ولد اسْمه عبد الصَّمد كثير الرِّوَايَة عَن عَمه وهب من ذَلِك أَنه قَالَ سَمِعت عمي وهبا يَقُول قَالَ الله فِي بعض كتبه إِن مني الْخَيْر وأقدره لخير عبَادي فطوبى لمن قدرته لَهُ وَإِن مني الشَّرّ وَأَنا أقدره لشر عبَادي فويل لمن قدرته لَهُ وَقد جمعت وهبا وَأَهله فِي مَكَان وَاحِد
وَقدمه الرَّازِيّ على وهب وَكَانَ بِهِ شلل وعرج ثمَّ عمى وَكَانَ من أعلم النَّاس بالمناسك وَكَانَ جليل الْقدر شهير الذّكر حج سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ فَلَمَّا قدما مَكَّة أَتَوْهُ فِي بعض الْأَيَّام فوجدوه قَائِما يُصَلِّي فقعدوا فِي انْتِظَاره حَتَّى فرغ من صلَاته ثمَّ جعلُوا يسألونه عَن الْمَنَاسِك وَهُوَ يُجِيبهُمْ غير مُخْتَلف وَلَا هائب فَلَمَّا فرغ سُؤَالهمْ حول وَجهه عَنْهُم فَقَامَ سُلَيْمَان وَأمر ابنيه بِالْقيامِ فَلَمَّا ولوا عَنهُ قَالَ لابْنَيْهِ يَا ابْني لَا تنيا فِي طلب الْعلم فَإِنِّي لَا أنسى ذلنا بَين يَدي هَذَا العَبْد الْأسود
وَإِلَيْهِ انْتَهَت الْفتيا فِي مَكَّة بعد ابْن عَبَّاس بِحَيْثُ كَانَ فِي زمن بني أُميَّة يأمرون
стр. 48
فِي الحجيج أَلا يُفْتِي النَّاس إِلَّا عَطاء فَإِن لم فعبد الله بن أبي نجيح وَلما بلغه قَول الشَّاعِر ... سل الْمُفْتِي الْمَكِّيّ هَل فِي تزاور ... وضمة مشتاق الْفُؤَاد جنَاح
فَقَالَ معَاذ الله أَن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بِهن جراح ... قَالَ وَالله مَا قلت ذَلِك وَكَانَ يحب الصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة على كل حَال وَيَقُول بَلغنِي عَن ابْن مَسْعُود قَالَ سَيكون عُمَّال لَا يصلونَ الصَّلَاة لمواقيتها فَإِذا فعلوا ذَلِك فصلوها لمواقيتها فَقيل لَهُ هَل لَا تَنْتَهِي إِلَى قَول ابْن مَسْعُود قَالَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيّ مَا لم يفت الْوَقْت وَكَانَ بَعْدَمَا كبر إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة قَرَأَ فِيهَا بِقدر مئتي آيَة وَمَا تَزُول قدماه عَن موضعهما بحركة وَلَا غَيرهَا
وَسُئِلَ عَن قوم يشْهدُونَ على النَّاس بالشرك وَالْكفْر فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ للسَّائِل أَنا أَقرَأ عَلَيْك نعت الْمُؤمنِينَ ثمَّ نعت الْكَافرين ثمَّ نعت الْمُنَافِقين ثمَّ قَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين﴾ حَتَّى بلغ قَوْله ﴿عَذَاب أَلِيم﴾
وَقَالَ إِن من كَانَ قبلكُمْ كَانَ يكره فضول الْكَلَام وَمَتى تكلم بِغَيْر كتاب الله أَو أَمر بِمَعْرُوف أَو نهى عَن مُنكر أَو حَاجَة فِي إصْلَاح دينه ودنياه مِمَّا لَا بُد لَهُ مِنْهَا عد ذَلِك فضولا أتنكرون ﴿إِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين﴾ وَإِن عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد مَا يلفظ من قَول إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيب عتيد أما يستحي أحدكُم وَقد نشرت عَلَيْهِ صَحِيفَته الَّتِي قد أمْلى صدر نَهَاره أَكثر مَا فِيهَا لَيْسَ من أَمر دينه وَلَا دُنْيَاهُ
стр. 49
وَذكر الرَّازِيّ بِسَنَد مُتَّصِل إِلَى مُحَمَّد بن الْمُحْتَرَم أَنه قَالَ سَمِعت الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق وَإِن صَامَ وَصلى وَزعم أَنه مُسلم من إِذا حدث كذب وَإِذا وعد أخلف وَإِذا أؤتمن خَان قَالَ ابْن الْمُحْتَرَم فَقلت لِلْحسنِ يَا أَبَا سعيد لَو كَانَ عَليّ لرجل دين وَسَأَلته وَخفت أَن يحبسني بِهِ فَأهْلك فوعدته بِهِ إِلَى أجل وَلم أقضه بِهِ أفأكون بذلك منافقا أم لَا قَالَ هَكَذَا جَاءَ الحَدِيث أَن ابْن عمر ذكر أَن أَبَاهُ لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ زوجوا فلَانا فَإِنِّي وعدته أَن أزَوجهُ لَا ألْقى الله بِثلث النِّفَاق قلت يَا أَبَا سعيد وَيكون ثلث الرجل منافقا وثلثاه مُؤمنا قَالَ هَكَذَا جَاءَ الحَدِيث قَالَ ابْن الْمُحْتَرَم فَلَمَّا حججْت لقِيت عَطاء بن أبي رَبَاح فَأَخْبَرته بِمَا سَمِعت من الْحسن وَمَا راجعته بِهِ فَقَالَ لي عَطاء أعجزت أَن تَقول لَهُ أَخْبرنِي عَن أخوة يُوسُف ألم يعدوا أباهم فخلفوه وحدثوه فكذبوا وءأتمنهم فخانوه أفمنافقون هم ألم يَكُونُوا أَنْبيَاء وأبوهم نَبِي وجدهم نَبِي قلت لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّد حَدثنِي بِأَصْل هَذَا الْخَبَر خَاصَّة الَّذين حدثوه فَكَذبُوهُ وءأتمنهم فخانوه ووعدوه أَن يخرجُوا مَعَه فِي الْغَزْو فأخلفوه
خرج أَبُو سُفْيَان من مَكَّة فَنزل جِبْرِيل إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ إِن أَبَا سُفْيَان قد جَاءَ من مَوضِع كَذَا فاخرجوا إِلَيْهِ واكتموا فَسمع ذَلِك بعض الْمُنَافِقين فَبعث إِلَى أبي سُفْيَان يُخبرهُ ويحذره فَإِذا أتيت الْحسن فأقرئه
стр. 50
مني السَّلَام وَأخْبرهُ بِأَصْل الحَدِيث وَبِمَا قلت لَك قَالَ ابْن الْمُحْتَرَم فَلَمَّا قدمت على الْحسن أخْبرته الْخَبَر وَقلت لَهُ إِن أَخَاك عَطاء يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك كَذَا وَكَذَا فَأخذ بيَدي وشالها وَقَالَ يَا أهل الْعرَاق أعجزتم أَن تَكُونُوا مثل هَذَا سمع مني حَدِيثا فَلم يقبله حَتَّى استنبط أَصله
صدق عَطاء هَكَذَا الحَدِيث هُوَ فِي الْمُنَافِقين خَاصَّة قلت وَفِي قَول الْحسن صدق عَطاء هَكَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن الْحسن كَانَ عَالما ان الْخَبَر كَمَا قَالَ عَطاء فِي الْمُنَافِقين خَاصَّة
وَيحمل كَلَام الْحسن فِي الأولى على أَنه أَرَادَ التنفير عَن الْخِصَال وَقد فعل ذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء فِي الصَّحَابَة وَغَيرهم
وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك أَيْضا مَا ذكره الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره بِسَنَدِهِ إِلَى مقَاتل أَنه قَالَ كنت بسمرقند فَقَرَأت حَدِيث الْمُقْرِئ يَعْنِي هَذَا الْخَبَر الْمَذْكُور فنازعني عزمي فِيهِ وَخفت على نَفسِي وعَلى جَمِيع النَّاس فَأتيت بُخَارى وَسَأَلت جَمِيع علمائها فَلم أجد فرجا فَأتيت مرو فَسَأَلت كَذَلِك فَلم أجد فرجا فَأتيت نيسابور وَسَأَلت فَلم أجد فرجا ثمَّ بَلغنِي أَن شهر بن حَوْشَب بجرجان فَأَتَيْته وَعرضت عَلَيْهِ قصتي فَقَالَ لي أَنا مُنْذُ سَمِعت هَذَا الْخَبَر كالحبة على المقلى فَعَلَيْك بِابْن جُبَير فَإِنَّهُ بِالريِّ فَأتيت الرّيّ وَعرضت على سعيد الْخَبَر فَقَالَ أَنا كَذَلِك مُنْذُ سَمِعت هَذَا الْخَبَر كالحبة على
стр. 51
المقلى فَعَلَيْك بالْحسنِ الْبَصْرِيّ فارتحلت الْبَصْرَة وأتيت الْحسن وقصصت عَلَيْهِ الْخَبَر وَمَا جرى لي مَعَ من تقدم من الْعلمَاء فَقَالَ رحم الله شهرا وسعيدا بلغهما نصف الْخَبَر وَلم يبلغهما النّصْف الآخر وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ لما قَالَ هَذَا الْخَبَر شغل قُلُوب النَّاس أَصْحَابه وهابوا أَن يسألوه فَأتوا فَاطِمَة ابْنَته وَذكروا لَهَا شغل قُلُوبهم بالْخبر فَأَتَت فَاطِمَة ﵂ النَّبِي ﷺ وأخبرته بذلك فَأمر سلمَان فَنَادَى الصَّلَاة جَامِعَة وَصعد الْمِنْبَر ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنِّي كنت قلت لكم ثَلَاث من كن فِيهِ فَهُوَ مُنَافِق الْخَبَر وَلم أعنكم لَهُ إِنَّمَا عنيت بهَا الْمُنَافِقين أما قولي إِذا حدث كذب فَإِن الْمُنَافِقين أَتَوْنِي وَقَالُوا وَالله إِن إيمَاننَا كإيمانك وتصديق قُلُوبنَا كتصديق قَلْبك فَأنْزل الله فِي ذَلِك ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ إِلَى ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ وَأما قولي إِذا أؤتمن خَان فَإِن الْأَمَانَة الصَّلَاة وَالدّين كُله أَمَانَة قَالَ الله إِن الْمُنَافِقين يخادعون الله وَهُوَ خادعهم وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى يراءون النَّاس وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا وَفِيهِمْ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فويل للمصلين﴾ وَأما قولي إِذا وعد أخلف فَإِن ثَعْلَبَة بن حَاطِب أَتَانِي وَقَالَ إِنِّي مولع بالسائمة ولي غنيمات فَادع الله أَن يُبَارك لي فِيهِنَّ فعلي عهد الله لَئِن بَارك لي فِيهِنَّ لأصدقن ولأكونن من الصَّالِحين فدعوت الله فَنمت وزادت حَتَّى ضَاقَتْ عَنْهَا الفجاج فَسَأَلته الصَّدَقَة فَأبى عَليّ وبخل بهَا فَأنْزل الله فِيهِ ﴿وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله﴾ الْآيَة إِلَى قَوْله ﴿بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ فَسرِّي عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وتصدقوا بِمَال عَظِيم وَهَذَا الْخَبَر فِي الْكتاب من قبيل كَون الحَدِيث شجون وَفِيه فرج لمن كَانَ وقف على الْخَبَر أَو سَمعه وَلم يعرف السَّبَب
стр. 52
وَقَالَ عَطاء سَمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ دخل فِي ذَلِك الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ وَكَانَ لعطاء مصحف لطيف إِذا قَرَأَ بِهِ حمله على يَدَيْهِ وَلَا يَضَعهُ على فَخذيهِ وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة سنة أَربع عشرَة وَقيل خمس عشرَة ومئة وَقد بلغ عمره ثمانيا وَثَمَانِينَ سنة
وَمِنْهُم حجر بن قيس المدري نِسْبَة إِلَى قَرْيَة مدرات وَهِي على نصف مرحلة من الْجند من جِهَة قبليها وَهِي بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة وَالرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ تَاء مثناة من فَوق صحب حجر هَذَا عليا كرم الله وَجهه وَعرف بِصُحْبَتِهِ وَله عَنهُ رِوَايَات وَلَا يعرف إِلَّا بِصُحْبَة عَليّ إِذْ تفقه بِهِ وَصَحبه غَالب زَمَانه وَكَانَ طَاوُوس يُرَاجِعهُ فِي الْمسَائِل الَّتِي يتشكك بهَا
وَقد ذكرت قَول ابْنه فِي الْوَقْف الَّذِي وَقفه وَأَنه لم يطب نفسا بِهِ حَتَّى أفتاه بحبسه
وَذكر الْحَافِظ أَبُو نعيم بِسَنَد إِلَيْهِ أَن عليا قَالَ لَهُ يَوْمًا كنت بك يَا حجر إِذا أمرت بلعني فَقَالَ أَو كَائِن ذَلِك قَالَ نعم قلت فَكيف أصنع قَالَ العني وَلَا تَبرأ مني فَلَمَّا كَانَت ولَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف لمخلافي الْجند وَصَنْعَاء وَحجر إِذْ ذَاك خطيب بِإِحْدَى البلدين صعد فِي بعض الْجمع الْمِنْبَر ثمَّ خطب فَلَمَّا فرغ من الْخطْبَة وَمُحَمّد بن يُوسُف إِذْ ذَاك حَاضر ناداه لَا تنزل حَتَّى تلعن عليا فَتَلَكَّأَ لَحْظَة وَذكر قَول عَليّ فَرفع صَوته وَقَالَ إِن الْأَمِير مُحَمَّد بن يُوسُف أَمرنِي أَن ألعن عليا فالعنوه لَعنه الله وتفرق أهل الْمَسْجِد وَتَفَرَّقُوا شغر بغر كَرَاهِيَة لذَلِك إِلَّا مَا كَانَ من شيخ فَإِنَّهُ فهمها وَقَالَ لَعنه الله وَكَانَ ذَلِك على مِنْبَر صنعاء وَقيل على مِنْبَر الْجند وَهُوَ الَّذِي
стр. 53
حَقَّقَهُ الْحَافِظ العرشاني ﵀
وَالْقَوْل الأول أحب إِلَيّ لكَرَاهَة أَن يكون الْجند شهر بهَا أحد من السّلف مَعَ أَن الْيمن أجمع لم يشهر بهَا ذَلِك مُنْذُ أول الْإِسْلَام إِلَى عصرنا سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة إِذْ برأَ الله الْيمن ونزهها عَن أَمر غلب على كثير من بِلَاد الْإِسْلَام وَهُوَ الرِّدَّة
لما توفّي رَسُول الله ﷺ ارْتَدَّت الْعَرَب إِلَّا مَا كَانَ من أهل مَكَّة وَالْمَدينَة وَصَنْعَاء والجند وغالب الْيمن وارتد قوم من أهل السوَاد حوالي الْمَدِينَة وهم الَّذين قَاتلهم الصّديق وَبَعض طغام نواحي صنعاء وعادوا من غير قتال وَلم يذكر عَن أحد مِنْهُم أَنه أحْوج إِلَى قتال وَلَا كلف وَالِي مصره شَيْئا مِمَّا كلفه عرب الْحجاز بل إِنَّه قد ذكر أَن قوما من كِنْدَة فِي طرف حَضرمَوْت ارْتَدُّوا وتحصنوا بحصن يُقَال لَهُ النُّجَيْر وَكَانَ واليهم لبيد بن زِيَاد البياضي ثمَّ الْأنْصَارِيّ من عِنْد رَسُول الله ﷺ فَحصل بَينه وَبينهمْ شقَاق وَخَرجُوا بِهِ عَن حد طَاعَته فَكتب إِلَى أبي بكر ينتصره فأمده بِجَمَاعَة مِنْهُم عِكْرِمَة بن أبي جهل وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَجَمَاعَة غَيرهم
وَأما الْيمن فَكَانَ بهَا معَاذ بن جبل توفّي رَسُول الله ﷺ وَلم يحك عَنهُ خلاف بَينه وَبَين أَهلهَا وَلَا جَمِيع مخاليفها وَلَو كَانَ لظهر كَمَا فِي غَيرهَا
وَأما صنعاء فَكَانَ بهَا يعلى بن أُميَّة فَحصل بَينه وَبَين عرب السوَاد تنَازع ثمَّ عَادوا إِلَى طَاعَته كَمَا هُوَ مَشْهُور فِي كتب التَّارِيخ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه بل أردْت تَنْزِيه هذَيْن المخلافين صنعاء والجند عَن الرِّدَّة واحتياج الْوُلَاة فِيهَا إِلَى حروب
стр. 54
وعساكر وَلم يحك حُدُوث شَيْء فِي هذَيْن المخلافين من ذَلِك إِلَّا مَا كَانَ فِي بعض نواحي صنعاء كَمَا قدمنَا ذكره
وَأما سبّ السّلف فَلم يعرف إِلَّا مَا كَانَ فِي بعض نواحي صنعاء على زمن الصليحيين فِي مَوضِع اختطوه كجبلة ومواضع حراز لَا صنعاء والجند وَمَا يشابههما كزبيد وعدن إِذْ تغلب على أَهلهَا عدم السب والمبتدع يضيع بَينهم وَلَا يُطيق إِظْهَار بدعته
وَكَانَ السب على عهد بني أُميَّة لعَلي وَآله وَقد اسْتعْمل على مَنَابِر الشَّام وَالْعراق ومصر عدَّة سِنِين حَتَّى كَانَت خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز فأسقطه وَجعل مَكَانَهُ ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى﴾ فَلم يزل مُسْتَعْملا إِلَى عصرنا وَنعم السّنة سنّ فَهَذَا مَا كَانَ من حَال الْيمن فِي ذكر السّلف الصَّالح نفع الله بهم وَهَذَا الْكَلَام كُله دخيل لَيْسَ من غرضنا بل هُوَ ذكر فَضِيلَة أهل الْيمن وتنزيه لَهُم مِمَّا هُوَ قدح فِي من فعل ذَلِك
وَنَرْجِع إِلَى تَتِمَّة ذكر حجر
ذكر الْمُزنِيّ فِي مُخْتَصره أَن الشَّافِعِي قَالَ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن طَاوُوس عَن حجر المدري يَعْنِي هَذَا عَن زيد بن ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه جعل الْعمريّ للْوَارِث فَسَأَلت شَيْخي أَبَا الْحسن الأصبحي عَن حجر فَأَخْبرنِي أَنه الْمَذْكُور أَولا وَأَنه مِمَّن صحب عليا وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا وَلَا وقفت عَلَيْهِ بل أوردت مَا ذكرته من أَحْوَاله من كتب شَتَّى فَيعلم أَنه كَانَ مَوْجُودا زمن مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ
وَمِنْهُم الْمُغيرَة بن حَكِيم الصَّنْعَانِيّ الأبناوي مَعْدُود فِي فضلاء صنعاء أَخذ عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عمر وَأَبُو هُرَيْرَة وَغَيرهمَا وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة
стр. 55
وَقَالَ سَافر الْمُغيرَة من صنعاء إِلَى مَكَّة خمسين سفرا حافيا محرما صَائِما لَا يتْرك التَّهَجُّد وَقت السحر بل كَانَ إِذا هُوَ سَائِر فِي الْقَافِلَة فَارقهَا وَأَقْبل يُصَلِّي حَتَّى يطلع الْفجْر ثمَّ يُصَلِّي الصُّبْح ثمَّ يلْحق بالقافلة حَيْثُ كَانَت وَكَانَ يخْتم فِي كل يَوْم الْقُرْآن يقْرَأ بعد صَلَاة الصُّبْح من الْبَقَرَة إِلَى هود ثمَّ من قبل الزَّوَال إِلَى الْعَصْر يقْرَأ من هود إِلَى الْحَج ثمَّ يتم الختمة من الْمغرب إِلَى الْعشَاء
وَمِنْهُم أَبُو رشدين حَنش بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ بَلَدا يُقَال أَصله من بكر وَائِل وَأمه من الْأَبْنَاء وَلذَلِك يظنّ أَنه أبناوي وَلَيْسَ كَذَلِك عده مُسلم فِي تَابِعِيّ الْجند وعده البُخَارِيّ فِي أهل صنعاء وَكَذَلِكَ عبد الْغَنِيّ نسبه إِلَى صنعاء فَقَالَ الصَّنْعَانِيّ الْمصْرِيّ لِأَنَّهُ صَار إِلَى مصر فِي آخر عمره لِأَنَّهُ كَانَ نَائِبا لِابْنِ الزبير على صنعاء فَأسر فِيهَا وَأتي بِهِ الْحجَّاج إِلَى مَكَّة مُقَيّدا فَوجه بِهِ إِلَى عبد الْملك فَلَمَّا وَصله أطلقهُ فانتجع مصر وَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي
قَالَ الْوَاقِدِيّ وَقيل إِنَّه انْتقل من مصر إِلَى الأندلس فَنزل مِنْهَا مَدِينَة سرقسطة وَأسسَ جَامعهَا وَمَات فِيهَا فَقِيرا عِنْد بَابهَا الغربي الْمَعْرُوف بِبَاب الْيَهُود صحب عليا وَابْن عَبَّاس وَأقَام مَعَ عَليّ فِي الْكُوفَة ثمَّ ولاه ابْن الزبير مخلاف صنعاء فَأَقَامَ واليا أَرْبَعَة أشهر وَقتل ابْن الزبير وَوصل نواب الْحجَّاج فَكَانَ مِنْهُم إِلَيْهِ مَا قدمنَا
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عَمْرو بن دِينَار مولى باذان الْفَارِسِي أَمِير الْفرس وَقد ذكرت طرفا من حَاله وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي الْمُلُوك إِن شَاءَ الله مولده صنعاء لبضع وَأَرْبَعين من الْهِجْرَة ثمَّ نَشأ بِمَكَّة وتفقه بهَا على ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بن عبد الله وَجَابِر بن زيد وَمن التَّابِعين بطاووس وَالزهْرِيّ وَابْن جُبَير وَعنهُ أَخذ ابْن عُيَيْنَة وَابْن جريج وَغَيرهمَا قيل لعطاء بن أبي رَبَاح بِمن تَأْمُرنَا بعْدك قَالَ بِعَمْرو بن دِينَار وَقَالَ طَاوُوس لِابْنِهِ إِذا قدمت مَكَّة فجالس عَمْرو بن دِينَار فَإِن أُذُنه قمع للْعُلَمَاء وَقيل
стр. 56
لإياس بن مُعَاوِيَة أَي أهل مَكَّة رَأَيْت أفقه قَالَ أسوأهم خلقا عَمْرو بن دِينَار
توفّي غَالِبا بِمَكَّة سنة سِتّ وَعشْرين وَقيل سنة سبع وَقيل سنة أَربع وَعشْرين ومئة بلغ عمره ثَمَانِينَ سنة
ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة أُخْرَى
مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن يزِيد الصَّنْعَانِيّ وَيُقَال لَهُ الأبناوي لِأَنَّهُ كَانَ من أهل فَارس القادمين مَعَ سيف بن ذِي يزن ذكره الرَّازِيّ وَأثْنى عَلَيْهِ فَقَالَ كَانَ فَاضلا زاهدا وَهُوَ الَّذِي ذكرت أَولا أَن مُحَمَّد بن يُوسُف جعله مَعَ وهب واعظا وَكَانَ إِذا غَابَ إِمَام الْجَامِع خَلفه على الصَّلَاة بِالنَّاسِ
أسْند عَن ابْن عمر وَأورد التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي سنَنه عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا مَا رَوَاهُ الرَّازِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى التِّرْمِذِيّ وَبِسَنَد التِّرْمِذِيّ إِلَى هَذَا عبد الرَّحْمَن عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سره أَن ينظر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فليقرأ ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ و ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ و ﴿إِذا السَّمَاء انفطرت﴾ وَقَالَ أَيْضا قَالَ لي ابْن عمر يَا أَخا الأنباء إِن سُورَة الْجُمُعَة نزلت فِينَا وَفِيكُمْ فِي قتلكم الْكذَّاب ثمَّ قَرَأَ مِنْهَا إِلَى قَوْله وَآخَرين مِنْهُم لم يلْحقُوا بهم وَأخذ عَنهُ القَاضِي هِشَام الْآتِي ذكره وَغَيره من أهل صنعاء وَغَيرهم
وَمِنْهُم عُثْمَان بن يزدويه أدْرك أنس بن مَالك وَكَانَ يَقُول قدمت الْمَدِينَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز واليها فَصليت الصُّبْح خَلفه ومعنا أنس بن مَالك فِيمَن صلى خَلفه فَلَمَّا انْقَضتْ الصَّلَاة قَالَ أنس مَا رَأَيْت أحد أشبه بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ من هَذَا الْفَتى وَأَشَارَ إِلَى عمر قَالَ وَرَأَيْت أنسا عَلَيْهِ ثَوْبَان ممشقان وَبِه وضح وَكَانَ القَاضِي هِشَام يَقُول حَدثنِي عُثْمَان بن يزدويه قَالَ قدمت الْمَدِينَة وَعمر واليها وَذكر الحَدِيث الأول برمتِهِ فَقيل للْقَاضِي هِشَام كَيفَ كَانَت صَلَاة رَسُول الله ﷺ قَالَ نَحْو
стр. 57
من صَلَاتي فحزرنا رُكُوعه وَسُجُوده فَوجدَ من فعل القَاضِي وَأحد بِقدر عشر تسبيحات
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن ماجان حج مَعَ أَبِيه وَهُوَ غُلَام فَرَأى ابْن عمر وَجَابِر بن عبد الله وَأنس بن مَالك وَقَالَ حجت أم سَلمَة زوج رَسُول الله ﷺ بِهَذَا الهودج وَكُنَّا معاشر الصغار ندور حوله وَهِي فِيهِ
وَمِنْهُم مرْثَد بن شُرَحْبِيل أدْرك ابْن عمر وَابْن الزبير وَحضر عمَارَة بن الزبير الْكَعْبَة فَقيل لَهُ مَا حمل ابْن الزبير على خراب الْكَعْبَة وعمارتها فَقَالَ لما جَاءَ الْحصين بن نمير من وقْعَة الْحرَّة بِالْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّة وَبهَا ابْن الزبير عائذا وَقَالَ أصانع فَرمى الْحصين مَكَّة بالمنجنيق وَكَانَت تقع بِالْكَعْبَةِ حَتَّى أضعفت الْبناء وَجَاء خبر يزِيد وَمَوته فارتفع الْحصين بعسكره وَقد أثر المنجنيق بِالْكَعْبَةِ تَأْثِيرا ظَاهرا ثمَّ خلت مَكَّة لِابْنِ الزبير عَن الْمُعَارضَة فعزم على عمارتها عمَارَة مقتنة وَقَالَ أَدخل الْحجر فِيهَا حِين أبنيها ثمَّ لما جد عزمه أحضر سبعين مكبرا من قُرَيْش واستشهدهم فَشَهِدُوا أَنهم سمعُوا عَائِشَة ﵂ تحدث أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَوْلَا حَدَاثَة عهد قَوْمك بالشرك لأعدت هَذَا الْبَيْت على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل هَل تدرين لم قصروا عَنْهَا قلت لَا قَالَ قصرت علهيم النَّفَقَة قلت وَسبب قصرهَا عدم الْحَلَال إِذْ لما عزموا على بنائها قبل مبعث النَّبِي ﷺ بِخمْس سِنِين وَقد صَار ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة كَمَا قدمنَا فِي ذكره ﷺ تَعَاهَدُوا أَن لَا يدخلُوا فِي عمارتها مهر بغي وَلَا
стр. 58
زنى فَلذَلِك عدموا مَا يتممونها بِهِ وَلَوْلَا خشيَة الإطالة لذكرت من ذَلِك الْحَقِيقَة وَأَصله وَلَيْسَ هُوَ أَيْضا من ملازم الْكتاب فنورده وَلَكِن الحَدِيث شجون
ثمَّ أَخذ ابْن الزبير فِي إخرابها والكشف عَن أساسها حَتَّى وَقع على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم وأظهرها للنَّاس فَكَانَت عجبا من الْعجب مشتبكة بَعْضهَا فِي بعض وَتركهَا ابْن الزبير أَيَّامًا مكشوفة ليشهدها النَّاس ويتعجبوا مِنْهَا وَكَانَ الرجل إِذا حرك من نَاحيَة ركنا اهتزت نَاحيَة الرُّكْن الآخر ثمَّ قَالَ اطْلُبُوا من الْعَرَب من يبنيه فَلم يُوجد ثمَّ قَالَ اسْتَعِينُوا بِأَهْل فَارس فَإِنَّهُم ولد إِبْرَاهِيم وَلنْ يرفعهُ إِلَّا وَلَده ثمَّ بنى الْكَعْبَة على الْقَوَاعِد وَجعل لَهَا بَابَيْنِ لاصقين بِالْأَرْضِ شرقيا وغربيا فَكَانَت كَذَلِك حَتَّى غَزَاهَا الْحجَّاج وأخربها وَقتل ابْن الزبير ثمَّ أَعَادَهَا على مَا كَانَت قُرَيْش بنتهَا أَولا
وَمِنْهُم كثير بن أبي الزفاف أدْرك ابْن عمر كَانَ عبد الرَّزَّاق الْفَقِيه الْآتِي ذكره يَقُول سَمِعت حَمَّاد بن سعيد يحدث عَن كثير أَنه قَالَ كنت وصاحبا لي بمنى يَوْم النَّفر فجاءنا رجل وَقَالَ رَأَيْت الْآن ابْن عمر يَرْمِي الْجَمْرَة فَقلت لصاحبي اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ نَسْأَلهُ فَانْطَلَقْنَا فوجدناه قد فرغ من رمي الْجَمْرَة وأنيخت لَهُ رَاحِلَته وَقد وضع رجله بالغرز وَأخذ بوسط الرحل ليركب فَقَالَ لَهُ صَاحِبي واسْمه قيس إِنَّا أخبرنَا عَنْك فَجِئْنَا لنَنْظُر إِلَيْك ونسألك فَإنَّك قد رَأَيْت النَّبِي ﷺ ورجونا بركتك وَلَو كنت على غير هَذَا الْحَال لسألناك فَنزع رجله من الغرز وَيَده من الرحل وَقَالَ سل عَمَّا شِئْت قَالَ مَا تَقول فِي رجل اخْتلف إِلَى هَذَا الْبَيْت نَحوا من أَرْبَعِينَ سنة وَإِذا قدم على أَهله وجدهم قد صَنَعُوا لَهُ من هَذَا النَّبِيذ شَيْئا فَإِن شرب مِنْهُ سكرو إِن مزجه بِالْمَاءِ لم يضرّهُ فَقَالَ لَهُ ابْن عمر أدن مني فَلَمَّا دنا مِنْهُ دفع فِي صَدره حَتَّى وَقع فِي الأَرْض وَقَالَ أَنْت مِمَّن لَا حج لَك وَلَا كَرَامَة فَقَالَ مَا سَأَلتك إِلَّا عَن نَفسِي وَالله لَا أَذُوق مِنْهُ قَطْرَة أبدا
وَاعْلَم أَن من ذكر حجر المدري إِلَى هَذَا أَخَذته من كتاب الرَّازِيّ خَاصَّة وَمن هُنَا إِلَى آخر الْكتاب من المئة الْخَامِسَة إِنَّمَا أَخَذته عَن الْجَمِيع أهل الْكتب الْمَذْكُورين أَولا
стр. 59
وَمِنْهُم أَبُو خَليفَة القارىء أَخذ الْقُرْآن عَن عَليّ كرم الله وَجهه وَأسْندَ عَنهُ أَخْبَارًا مِنْهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق وَيُعْطِي على الرِّفْق مَا لَا يُعْطي على العنف وَعَن هَذَا أَخذ جمَاعَة بِصَنْعَاء الْقُرْآن
وَمِنْهُم عبد الله بن وهب الْمُقدم ذكره مَعَ أَبِيه
وَمِنْهُم هاني الدويري مولى عُثْمَان بن عَفَّان وَله عَنهُ رِوَايَة
وَمِنْهُم الضَّحَّاك بن فَيْرُوز الديلمي أول من ولي لمعاوية الْيمن وَكَانَ مُجْتَهدا قَالَ مؤذنه رَاشد بن أبي الْحَرِيش مَا أتيت الضَّحَّاك أؤذنه الصَّلَاة فِي النَّاس إِلَّا وجدته مستعدا
أسْند عَن أبي هُرَيْرَة وَغَيره وَأَبوهُ قدم على النَّبِي ﷺ وَأسلم وَحسن إِسْلَامه
وَمِنْهُم صَفْوَان بن يعلى بن أبي عبيد يعرف أَبوهُ بيعلى بن أُميَّة أحد وُلَاة صنعاء صدر الْإِسْلَام وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله فِي الْوُلَاة وَله ولأبيه رِوَايَات دخلت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
أسْند عَن أَبِيه وَغَيره وَقد أَخذ عَنهُ أَيْضا عَطاء بن أبي رَبَاح
وَمِنْهُم سعيد بن عبد الله بن عَاقل عرف بالأعرج كَانَ معينا ليعلى بِإِشَارَة عمر
وَحكي أَنه قدم على عمر فَلَمَّا سلم سَأَلَهُ عمر أَيْن تُرِيدُ قَالَ الْعرَاق
قَالَ ارْجع إِلَى صَاحبك يعلى فَإِن عملا صَالحا بِحَق جِهَاد وَإِذا صَدقْتُمْ الْمَاشِيَة فَلَا تعينُوا الْحَسَنَة وَلَا ترزأوا بهَا صَاحبهَا وأقسموها أَثلَاثًا ويختار صَاحب الْغنم ثلثا واختاروا الصَّدَقَة من الثُّلثَيْنِ الباقيين قَالَ فَقبلت من عمر وعدت إِلَى صنعاء وَبعثت إِلَى مَعُونَة يعلى واعتمدنا مَا قَالَ عمر وَمَتى اجْتمع مَعنا شَيْء فرقناه فِي مَوْضِعه على فقرائه ثمَّ نرْجِع وَلَيْسَ مَعنا إِلَّا أسواطنا
стр. 60
وَمِنْهُم الْوَلِيد بن السوري أدْرك أنس بن مَالك وَقَالَ قدمت الْمَدِينَة وَصليت خلف عمر بن عبد الْعَزِيز وَهُوَ إِذْ ذَاك واليها فصلى صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا فرغ قَالَ لي رجل إِلَى جَنْبي مَا أشبه صَلَاة هَذَا بِصَلَاة رَسُول الله ﷺ فَأخذت بِثَوْبِهِ وَقلت من أَنْت الَّذِي أدْركْت رَسُول الله ﷺ قَالَ أنس بن مَالك قَالَ فحزرت لبث عمر فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَوَجَدته بِقدر مَا يسبح كل وَاحِد منا عشر تسبيحات قلت وَهَذَا مُوَافق لما رَوَاهُ عُثْمَان بن يزدويه لِأَن مخرجهما وَاحِد ونهايتهما متفقة
وَمِنْهُم زِيَاد بن جيل أدْرك ابْن الزبير وَقَالَ سمعته يَقُول سَمِعت خَالَتِي عَائِشَة تَقول قَالَ لي رَسُول الله ﷺ لَوْلَا حَدِيث عهد قَوْمك بالشرك لرددت الْكَعْبَة على أساس إِبْرَاهِيم فَإِن للحجر من الْكَعْبَة أذرعا فَلَمَّا كَانَ الْعَام الَّذِي أخربها فِيهِ الْحصين وجند الشَّام ثمَّ لما عَادوا وجد ابْن الزبير إِلَى بنائها سَبِيلا ظَاهرا فَأمر بكشف الْقَوَاعِد فَوجدَ ربض الْكَعْبَة صخرا مثل البخت فحركوا صَخْرَة فبرقت بارقة فَقَالَ دَعُوهَا كَمَا هِيَ ثمَّ وجد لوح مَكْتُوب بالعبراني فَاسْتَحْضر لَهُ جمَاعَة من أَحْبَار الْيَهُود وأحلفهم بِاللَّه ليصدقنه وَلَا يكتمونه مِمَّا فِيهِ شَيْئا ثمَّ ناولهم إِيَّاه فَقَالُوا إِن فِيهِ مَكْتُوبًا أَنا الله ذُو بكة صنعتها بيَدي يَوْم صنعت الشَّمْس وَالْقَمَر حففتها بسبعة أَمْلَاك حَقًا وَجعلت رزقها يَأْتِيهَا من طرق شَتَّى باركت لَهُم فِي المَاء وَاللَّحم أَنا الله ذُو بكة خلقت الرَّحِم وَجعلت فِيهَا سَبْعَة من اسْمِي من وَصلهَا وصلته وَمن قطعهَا أبنته خلقت الْخَيْر وَالشَّر فطوبى لمن خلقت الْخَيْر على يَدَيْهِ وويل لمن خلقت الشَّرّ على يَدَيْهِ
وَقَالَ زِيَاد سَمِعت ابْن الزبير قَرَأَ فَاتِحَة الْكتاب فَقَالَ اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط من أَنْعَمت عَلَيْهِم
وَزِيَاد هَذَا هُوَ الَّذِي ذكر أصيل الْقَتِيل فِي خلَافَة عمر بِصَنْعَاء على مَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي ذكر الْخُلَفَاء وَمَا لَاق من الْحَوَادِث فِي أيامهم إِن شَاءَ الله
стр. 61
وَمِنْهُم فنج بن دحرج بِضَم الْفَاء وَفتح النُّون وَسُكُون الْجِيم ثمَّ فتح الدَّال وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الرَّاء ثمَّ جِيم الْفَارِسِي من الْأَبْنَاء ذكره الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي المؤتلف والمختلف قَالَ وَلَا نَظِير لَهُ فِي الْأَسْمَاء
أسْند الْحَافِظ فِي كِتَابه إِلَى عبد الله بن وهب بن مُنَبّه مقدم الذّكر أَنه أخبر عَن أَبِيه عَن فنج هَذَا أَنه قَالَ كنت أعمل بالدينباذ وأعالج فِيهَا فَلَمَّا قدم يعلى بن مُنَبّه أَمِيرا على صنعاء جَاءَ مَعَه رجال فَجَاءَنِي ذَات يَوْم رجل مِنْهُم وَأَنا أصرف المَاء فِي الزَّرْع وَكَانَ فِي كمه جوز فَجَلَسَ على ساقية من المَاء وَهُوَ يكسر من ذَلِك الْجَوْز وَجعل يخرج الْجَوْز من كمه ويأكله حَبَّة فحبة بعد كسرهَا ثمَّ ناداني يَا فَارسي هَلُمَّ فدنوت مِنْهُ فَقَالَ يَا فنج أتأذن لي أَن أغرس من هَذَا الْجَوْز على هَذَا المَاء فَقلت وَمَا نفعي بذلك قَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من نصب شَجَرَة وصبر على حفظهَا وَالْقِيَام عَلَيْهَا حَتَّى تثمر كَانَ لَهُ بِكُل مَا يصاب من ثَمَرهَا صَدَقَة عِنْد الله فَقلت لَهُ أَنْت سَمِعت ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم يَا فنج أَنا أضمنها لله ثمَّ غرس جوزة وَسَار
وَقَالَ الرَّاوِي لما أورد الْخَبَر أَن الغارس الْمخبر هُوَ وبر بن يحنس قَالَ فنج أول من غرس الْجَوْز بِصَنْعَاء
قَالَ الْحَافِظ وَأَخْبرنِي الرَّاوِي أَنَّهَا تُؤْكَل إِلَى الْآن بِصَنْعَاء وَقد أخرت هَذَا وَهُوَ من أَعْيَان الطَّبَقَة الأولى وَلكنه غير ذِي شهرة بِالْعلمِ والإسناد إِنَّمَا يعرف لَهُ هَذَا الْخَبَر
ثمَّ صَار الْعلم فِي طبقَة غير من تقدم ذكره
مِنْهُم عبد الله بن الْفَقِيه طَاوُوس الْمُقدم ذكره أول طبقَة التَّابِعين كَانَ إِمَامًا كَبِيرا وقصده النَّاس للْعلم
стр. 62
قَالَ معمر الْآتِي ذكره لما عزمت على دُخُول الْيمن متجردا لطلب الْعلم قَالَ لي أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ إِن كنت راحلا فَإلَى عبد الله بن طَاوُوس أَو فَالْزَمْ تجارتك وَكَانَ مَعَ فقهه عالي الهمة كَبِير الْقدر لما توفى أَبوهُ وَعَلِيهِ دين فبادر إِلَى بيع تركته بِثمن وَغير ثمن على غَرَض الْقَضَاء عَن أَبِيه بعجل فَقيل لَهُ لَو انتظرت الْغُرَمَاء حَتَّى تبيع الْأَشْيَاء بأثمانها وَرُبمَا حصلت الزِّيَادَة فَقَالَ لَا أفعل وَأَبُو عبد الله مَحْبُوس عَن منزله فِي الْجنَّة
قَالَ الرَّازِيّ وَلم أر فَقِيها كَابْن طَاوُوس قيل وَلَا هِشَام بن عُرْوَة قَالَ لم يكن مثله وَتُوفِّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ ومئة
وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ فقيهان هما طَاوُوس وَمُحَمّد لم أَقف على شئ من أحوالهما غير أَنَّهُمَا كَانَا يذكران بالفقه وَقد عرض مَعَ ذكر أَبِيهِمَا ذكر رجلَيْنِ من الْفُضَلَاء هما معمر وَأَيوب فمعمر يَأْتِي ذكره وَأَيوب هُوَ أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة السّخْتِيَانِيّ لقبه أَبُو بكر من موَالِي قضاعة كَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ يَقُول فِي حَقه أَيُّوب سيد شباب الْبَصْرَة وَقَالَ هِشَام بن عُرْوَة مَا رَأَيْت فِي الْبَصْرَة مثل السّخْتِيَانِيّ وَقَالَ شُعْبَة أَيُّوب سيد الْفُقَهَاء أَخذ عَنهُ مَالك وَالثَّوْري توفى سنة ١٣١ هـ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ومئة
وَمِنْهُم حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان تفقه بطاووس وَمِنْهُم عبد الله بن عِيسَى عده الْحَافِظ فِي أهل الْجند وَمن الْجند عمر بن مُسلم الجندي
وَمِنْهُم سماك بن الْفضل الْخَولَانِيّ وَقيل الشهابي وَهُوَ الَّذِي تصدى لجواب فتيا الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك حِين وَردت الْيمن وَهُوَ أَن الْوَلِيد لما كَانَ ولي
стр. 63
عهد أَبِيه بعد عَمه هِشَام قَالَ لامْرَأَته وَكَانَت ابْنة خَالِد بن أسيد مَا رَأَيْت أحسن مِنْك قَالَت لَو رَأَيْت أُخْتِي لرأيت أحسن مني فَقَالَ أرينيها قَالَت أَخَاف تتركني وتتزوجها فَقَالَ إِن تَزَوَّجتهَا فَهِيَ طَالِق فظنت أَنَّهَا تحرم بذلك وأرته إِيَّاهَا فَلَمَّا رَآهَا شغف بهَا فَخَطَبَهَا من أَبِيهَا بعد أَن طلق أُخْتهَا فَقَالَ أَتُرِيدُ أَن تكون فحلا لبناتي فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَى الْوَلِيد رغب خَالِد فِي زواجته وَاسْتعْمل من فاتحه فِي ذَلِك فَكتب الْوَلِيد إِلَى عَامله فِي الْيمن وَهُوَ إِذْ ذَاك خَاله مَرْوَان بن مُحَمَّد بن يُوسُف ابْن أخي الْحجَّاج يُخبرهُ بِيَمِينِهِ ويأمره باستفتاء الْفُقَهَاء بِالْيمن فحين وصل الْكتاب جمع الْمُفْتِينَ من أهل الْيمن مِنْهُم هَذَا سماك وَعبد الله بن طَاوُوس وَإِسْمَاعِيل بن سروس الصَّنْعَانِيّ وخلاد بن عبد الرَّحْمَن وَعبد الله بن سعيد ثمَّ أخْبرهُم بِكِتَاب الْوَلِيد وسؤاله فابتدر سماك وَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنَّمَا النِّكَاح عقد يعْقد ثمَّ يحل بِالطَّلَاق وَإِن هَذَا حلف قبل أَن يعْقد فَلَا يتَعَلَّق بذلك تَحْرِيم وَأجْمع مَعَه الْفُقَهَاء الْبَاقُونَ على ذَلِك فأعجب مَرْوَان ذَلِك وَقَالَ لسماك قد وليتك الْقَضَاء ثمَّ كتب إِلَى الْوَلِيد يُخبرهُ أَن القَاضِي قبلي قَالَ كَذَا وَكَذَا فحين وصل كِتَابه إِلَى الْوَلِيد استدعى خَالِد بن أسيد وَأَوْقفهُ عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ وأزوجه وَلم أتحقق لَهُ وَلَا لفقهاء الْملَّة الْمَذْكُورين تَارِيخا وَأما ابْن طَاوُوس فقد ذكرته أَولا بل تعرف نهايتهم بِزَمَان الْوَلِيد بن يزِيد إِذا كَانَ فِي بعض سنة خمس وَعشْرين إِلَى بعض سنة سِتّ وَعشْرين ومئة إِذْ كَانَت ولَايَته سنة وشهرين
وَمِنْهُم عَمْرو بن عبيد حيرد إِمَام أهل صنعاء أدْرك ابْن الزبير وَصلى خَلفه وَلما قدم ابْن جريج صنعاء أَخذ عَنهُ وَكَانَ من أَصْحَابه إِبْرَاهِيم بن خَالِد
стр. 64
أحد عباد صنعاء ومؤذنها
حُكيَ أَنه صلى الْعشَاء وَأخذ فِي الْعِبَادَة حَتَّى طلع الْفجْر وَصلى الصُّبْح بِوضُوء الْعشَاء وَرجل يرمقه من أول اللَّيْل فَلَمَّا طلعت الشَّمْس جَاءَ الرجل الَّذِي بَات يرمقه فَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ لم لَا نمت البارحة قَالَ وجعلتني بَالا قَالَ نعم قَالَ فَإِنِّي رمقت ابْن دريه صلى الْعَتَمَة ثمَّ أوتر فَرفع يَدَيْهِ نَحْو السَّمَاء وشخص ببصره فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى طلع الصُّبْح بِوضُوء الْعَتَمَة وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه عَليّ يَأْتِي ذكره فِي أَصْحَاب معمر وَمِنْهُم مُحَمَّد بن سميع عده الإِمَام أَحْمد فِي تَابِعِيّ الْيمن وَلم ينْسبهُ إِلَى مخلاف مِنْهَا
وَمِنْهُم سُلَيْمَان بن دَاوُود بن قيس أَخذ الْعلم عَن الْقَاسِم بن عبد الْوَاحِد الْمَكِّيّ وَطَلْحَة بن عَمْرو وَهُوَ أحد أَشْيَاخ الْفَقِيه عبد الرَّزَّاق الْآتِي ذكره
وَكَانَ يفضل بِمَعْرِِفَة الْكتب على وهب وَهُوَ عِنْد أهل صنعاء بِمَنْزِلَة وهب وَهَمَّام بن نَافِع
وَمِنْهُم عريف بن إِبْرَاهِيم الصَّنْعَانِيّ وَالنضْر بن كثير يروي عَن طَاوُوس وَسماك بن الْوَلِيد الجيشاني قَالَ ابْن سَمُرَة وَمِمَّنْ عده الدَّارَقُطْنِيّ من أهل الْيمن طَاوُوس وَزَمعَة بن صَالح وَعبد الله بن عِيسَى مقدم الذّكر وَعبيد بن بحير بن ريسان الْآتِي ذكره بِأَبِيهِ فِي الْوُلَاة وَسَلام ابْن وهب وتلميذه زيد بن الْمُبَارك الصَّنْعَانِيّ وعَلى بن عبد الحميد أَخذ عَن طَاوُوس وَأخذ عَنهُ ابْن جريج وَقَالَ مِمَّن
стр. 65
نقل عَنهُ الْفِقْه والْحَدِيث قبل ظُهُور مَذْهَب الشَّافِعِي مُحَمَّد بن يُوسُف الجذامي روى عَنهُ أَبُو سعيد الجندي مَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن عمرَان الْبَصْرِيّ مَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْحسن من فقه أبي حنيفَة
وانقضى ذكر من حَقَّقَهُ الرَّازِيّ وَابْن سَمُرَة من فُقَهَاء الْيمن فِي الطَّبَقَة الأولى ثمَّ الثَّانِيَة ثمَّ الثَّالِثَة ثمَّ صَار الْعلم فِي دَرَجَة رَابِعَة إِمَام أَهلهَا أَبُو عُرْوَة معمر بن رَاشد مولده الْبَصْرَة سنة ثَلَاث وَتِسْعين وبتاريخه ولد مَالك وَالثَّوْري وَكَانَ تَاجِرًا وَهُوَ يرى النَّاس يعظمون الْحسن الْبَصْرِيّ
وَلما توفّي الْحسن عظم أَسف النَّاس عَلَيْهِ فغبطه معمر على ذَلِك وَسَأَلَ عَن سَببه فَقيل كَونه عَالما فَانْتدبَ لطلب الْعلم وجد فِيهِ وَترك التِّجَارَة وَكَانَ الْعلم فِي الْيمن أشهر من سواهُ وَقد ذكرت قَول أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ لَهُ فِي ذكر ابْن طَاوُوس
فَلَمَّا قدم الْيمن أَخذ عَن ابْن طَاوُوس وَغَيره كهشام بن عُرْوَة وَقَتَادَة وَإِلَيْهِ قدم السُّفْيانَانِ الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهم وَعنهُ أَخذ جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم عبد الرَّزَّاق وَالْقَاضِي هِشَام وَله كتاب فِي السّنَن مُفِيد يقرب مأخذه وَوَضعه من الْمُوَطَّأ وَمن سنَن أبي قُرَّة وَهُوَ أقدم مِنْهُمَا وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يَقُول فُقَهَاء الْعَرَب سِتَّة أفقه السِّتَّة ثَلَاثَة أفقه الثَّلَاثَة معمر
وَكَانَ معمر لُزُوما للسّنة نفورا عَن الْبِدْعَة لَا يرى السَّيْف على أهل الْقبْلَة وَذكر الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن يُوسُف بن زِيَاد أَنه قَالَ لعبد الرَّزَّاق من الْقَائِل لمعمر وَأَنْتُم فِي صرح الْمَسْجِد يَا أَبَا عُرْوَة إِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك تصلي خلف هَذَا الظَّالِم يعنون ابْن زَائِدَة وَلَا تَعْتَد بهَا فَقَالَ أَنْت رجل صنعاني يَنْبَغِي لَك أَولا أَن تعرف مذهبي
стр. 66
إِنِّي مَا أحب أَن لي ملْء هَذَا الْمَسْجِد ذَهَبا يخرج من شرفاته وتفوتني صَلَاة الْجَمَاعَة قَالَ مُؤَلفه غفر الله لَهُ قَوْله أَنْت رجل صنعاني خرج من معمر على طَرِيق الْإِنْكَار كَمَا قَالَت أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة لامْرَأَة سَأَلتهَا مَا بَال الْحَائِض تُؤمر بِقَضَاء الصَّوْم وَلَا تُؤمر بِقَضَاء الصَّلَاة أحرورية إنت نسبتها إِلَى بلد ظهر مِنْهَا الْخَوَارِج وَمن عاداتهم الصدْق فِي السُّؤَال والإيغال فِي الْمقَال وَكَذَلِكَ صنعاء أول بلد فِي الْيمن أنكر أَهلهَا الصَّلَاة خلف الظلمَة وَأَن من صلى خلف أحد مِنْهُم أعَاد ثَانِيَة وَذَلِكَ الْغَالِب فِيهَا وَفِي نَوَاحِيهَا مُنْذُ أول الْإِسْلَام إِلَى عصرنا سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسبعمئة وَذَلِكَ أَنهم فِي الْغَالِب لَا يحْضرُون للصَّلَاة وَلَا يأتمون إِلَّا بِمن يتحققون نزاهته عَن الْمعاصِي والنجاسات
وَالْمذهب الْحق الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْإِسْلَام أَن الْمُسلم لَهُ معرفَة الْأَحْكَام فِي جَوَاز الصَّلَاة خلف من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا مَا حُكيَ عَن طَاوُوس وَقد مضى وَوَافَقَهُ على ذَلِك أَئِمَّة الزيدية وَمن قَالَ بقَوْلهمْ وَهُوَ قَول غَالب أهل صنعاء ونواحيها وَقد يخرج من الْبَلَد قَلِيل أما الشَّافِعِيَّة وهم الَّذين يَجْتَمعُونَ للصَّلَاة بالجامع وإسماعيلية وَكَانُوا يَقُولُونَ لكل عَالم هفوة وهفوة طَاوُوس عدم استجازة الصَّلَاة خلف الظلمَة
وَكَانَت مُدَّة إِقَامَة معمر بِصَنْعَاء عشْرين سنة وَتُوفِّي فِيهَا برمضان سنة ثَلَاث وَخمسين ومئة بذلك أخبر إِبْرَاهِيم بن خَالِد الْمُؤَذّن بِجَامِع صنعاء وَقَالَ صليت عَلَيْهِ وَله ثَمَان وَخَمْسُونَ سنة
قَالَ الكاشغري قَالَ مُحَمَّد بن بسطَام وَكَانَ من أفاضل
стр. 67
النَّاس رَأَيْت معمرا وَشهِدت جنَازَته وَأعرف قَبره فِي الحقل بخزيمة مَقْبرَة صنعاء وَهُوَ أول من قبر هُنَاكَ فَسَأَلته أَن يذهب معي ليرينيه فَذهب وَأَنا مَعَه وأوقفني بمَكَان دارس على قرب من مَسْجِد عَليّ بن أبي بكر الَّذِي يصلى فِيهِ على الْمَوْتَى المقبورين فِي الْمقْبرَة
وَأهل الْعرَاق يَزْعمُونَ أَن معمرا مَفْقُود وَلَيْسَ كَذَلِك وَقد عرض ذكر الْحسن الْبَصْرِيّ والسفيانان
وَالْحسن هُوَ أَبُو سعيد الْحسن بن أبي الْحسن بن يسَار الْبَصْرِيّ بِالْوَلَاءِ ولد لِسنتَيْنِ بَقِيَتَا من خلَافَة عمر وَكَانَت أمه خادمة لأم سَلمَة زوج رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا ولد عِنْدهَا أخرجته إِلَى عمر فَدَعَا لَهُ وَقَالَ اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وحببه إِلَى النَّاس وَكَانَت أمه مَتى راحت تقضي لسيدتها حَاجَة وَبكى جعلت ثديها فِي فَمه تشغله بذلك حَتَّى تَأتي أمه وَرُبمَا درت عَلَيْهِ وَكَانَ النَّاس يرَوْنَ أَن سَبَب بركته من ذَلِك وَكَانَ أنس كثيرا مَا يسْأَل عَن أَمر فَيَقُول اسألوا مَوْلَانَا الْحسن فَإِنَّهُ سمع وَسَمعنَا وَحفظ ونسينا وَكَانَ قَتَادَة الْعَدوي يَقُول الزموا هَذَا الشَّيْخ وَيُشِير إِلَيْهِ فَمَا رَأَيْت أحد أشبه رَأيا بعمر مِنْهُ وَقَالَ أَبُو بردة الْأَشْعَرِيّ وَقد ذكرت أَصْحَاب عمر فَمَا رَأَيْت أحدا أشبههم كَهَذا الشَّيْخ يَعْنِي الْحسن وَقَالَ عَليّ بن زيد أدْركْت عُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن الْمسيب وَيحيى بن جعدة وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وسالما وَآخَرين فَلم أر مثله فيهم وَلَو أَن الْحسن أدْرك أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ رجل لاحتاجوا إِلَى رَأْيه رأى ابْن سِيرِين كَأَن الجوزاء تقدّمت الثريا فَقَالَ يَمُوت الْحسن وأموت بعده وَهُوَ أشرف مني فَكَانَ كَمَا قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ سنة عشر ومئة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَمَانِينَ سنة وَسَيَأْتِي ذكر السُّفْيانَانِ وَمِنْهُم أَبُو خُلَيْد مُحَمَّد بن ماجان وَيعرف
стр. 68
بِصَاحِب معمر وصهره إِذْ تزوج معمر أُخْته أَخذ الْقِرَاءَة عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء حِين قدم صنعاء فَارًّا من الْحجَّاج وَأحب إِيرَاد نبذه من أَحْوَال أبي عَمْرو فَهُوَ أَبُو عَمْرو أختلف فِي اسْمه فَقيل زبان وَقيل الْعُرْيَان وَقيل يحيى وَقيل كنيته أَبُو عمار بن عبد الله بن الْحصين بن الْحَارِث بن جلهم بن خزاعى التَّمِيمِي نسبا كَانَ عَمه عَاملا للحجاج فصادره فهرب وَدخل صنعاء وعدن وَقَالَ كنت لَيْلَة مفكرا فِي حَالي مَعَ الْحجَّاج إِذْ سَمِعت منشدا ... رُبمَا تجزع النُّفُوس من الْأَمر لَهُ فُرْجَة كحل العقال
ثمَّ توفّي عقيب ذَلِك بِالْكُوفَةِ سنة أَربع وَخمسين ومئة
وَمِنْهُم عبد الله بن كثير الْمقري مولى عبد الله بن السَّائِب المَخْزُومِي وَكَانَت قِرَاءَته على مُجَاهِد بن جُبَير أبي الْحجَّاج بِأَخْذِهِ عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ أقدم الْقُرَّاء السَّبْعَة وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة بعد أَن قَامَ بهَا دهرا وقراءته الْغَالِبَة على أَهلهَا وَذَلِكَ سنة سِتّ وَعشرَة وَقيل بعد عشْرين ومئة
وَمِنْهُم رَبَاح بن زيد كَانَ ذَا فضل وَدين وَمَعْرِفَة للْقِرَاءَة سجن بَصَره آخر عمره فَكَانَ لَا يزَال وَاضِعا رَأسه على رُكْبَتَيْهِ فَإِذا دخل عَلَيْهِ أحد وَسلم رفع رَأسه إِلَيْهِ وَفتح عَيْنَيْهِ ورد عَلَيْهِ ثمَّ أعَاد رَأسه إِلَى رُكْبَتَيْهِ
стр. 69
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن مقسم أدْرك أَصْحَاب وهب وَأخذ عَنْهُم وَكَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَة
وَمِنْهُم أَبُو الْأَشْعَث شرَاحِيل بن شُرَحْبِيل بن كُلَيْب بن أزدشير من الْأَبْنَاء نزل أخيرا دمشق وَمَات بهَا وعده الْحَاكِم فِي تَابِعِيّ الْيمن من نَقله الْآثَار
وَمِنْهُم عَطاء بن مركيوذ وَضبط مركيوذ بِفَتْح الْمِيم وَقيل بخفضها وَسُكُون الرَّاء وَضم الْكَاف وَالْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَسُكُون الْوَاو ثمَّ ذال مُعْجمَة أَيْضا
قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي طبقاته هُوَ أول من جمع الْقُرْآن يَعْنِي من أهل الْيمن وَأما الرَّازِيّ فَقَالَ أول من جمع الْقُرْآن بِصَنْعَاء أَبُو شرِيف العابد واسْمه عبد الله بن بريد كَانَ عابدا محققا وَكَانَ معاصرا لوهب بن مُنَبّه روى الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنهُ أَنه قَالَ رَأَيْت لَيْلَة الْقدر مرَّتَيْنِ مرّة بِمَسْجِد صنعاء وَأُخْرَى بِمَكَّة
فَقيل لَهُ أَي لَيْلَة رَأَيْتهَا فَقَالَ لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين من الْعَام الأول وَفِي الثَّانِي لَيْلَة أَربع وَعشْرين فَقيل أَي سَاعَة من اللَّيْل فَقَالَ فِي الثُّلُث الْأَوْسَط قيل كَيفَ رَأَيْتهَا قَالَ رَأَيْت السَّمَاء منفرجة وَدخل عَلَيْهِ سامك وَلم يكن بِدُونِهِ فِي الْعِبَادَة فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو شرِيف أحَدثك بِشَيْء إِن قُمْت من مرضِي هَذَا فَلَا أحب أَن تذكره وَإِن مت فافعل مَا شِئْت خطر ببالي ذكر الْحور الْعين وَسَأَلت الله أَن يزوجني مِنْهُنَّ وَكنت مغطيا رَأْسِي فَكشفت عَنهُ فَإِذا عِنْد وِسَادَتِي مِنْهُنَّ وَاحِدَة فكلمتني وكلمتها
стр. 70
قَالَ الرَّازِيّ وَرَأى رجل من أهل صنعاء ملكَيْنِ قد نزلا من السَّمَاء على صنعاء خَاصَّة فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر أُرِيد أخسف بِهَذِهِ الْبَلدة فَقَالَ وَكَيف تخسف بهَا وَبهَا أَبُو شرِيف ووهب بن مُنَبّه
وَمِنْهُم زِيَاد سميركوش أَي قصير الْأذن عده مُسلم فِي تَابِعِيّ الْيمن
وَمِنْهُم إِسْمَاعِيل بن شروس لَقِي أَصْحَاب ابْن عَبَّاس كوهب وَعَطَاء وَعِكْرِمَة ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة خَامِسَة يَنْبَغِي أَن نبدأ من أَهلهَا بِالْإِمَامِ المرحول إِلَيْهِ من الْآفَاق وَهُوَ أَبُو بكر عبد الرَّزَّاق بن همام بن نَافِع الْحِمْيَرِي بِالْوَلَاءِ قَالَ الرَّازِيّ هُوَ مولى المغيثيين وهم قوم يسكنون بَلَدا يُقَال لَهَا دروان من مخلاف ذمار ينسبون إِلَى ذِي مغيث بن ذِي الثوجم الْأَوْزَاعِيّ ثمَّ الْهَمدَانِي مولده سنة سِتّ وَعشْرين ومئة تفقه بِمَعْمَر وَأخذ عَن همام بن مُنَبّه وَعَن عبد الله بن عِيسَى الجندي مقدم الذّكر وسُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن جريج وَأدْركَ ابْن طَاوُوس وَهُوَ ابْن عشر سِنِين فَيُقَال إِنَّه أَخذ عَنهُ وَإِلَيْهِ قدم ابْن رَاهَوَيْه وَأحمد بن حَنْبَل وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين قَالَ الْحَافِظ فِي حَقه لم يرحل إِلَى أحد بعد رَسُول الله ﷺ فِي طلب الْعلم كَمَا رَحل إِلَى عبد الرَّزَّاق وَله تصنيف أَخذه عَنهُ الإِمَام أَيْضا وَأحمد وَهُوَ مَوْجُود بِبَغْدَاد من
стр. 71
الْحَنَابِلَة وَله تارخ أَيْضا أَخذه عَنهُ الإِمَام أَيْضا وَأَخذه غَيره عدَّة مفرقات وَهُوَ أحد أَئِمَّة الْأَمْصَار الْمَعْدُودين توفّي بِصَنْعَاء غَالِبا سنة اثْنَتَيْ عشرَة ومئتين
وَقد عرض مَعَ ذكره جمَاعَة من أَعْيَان النَّاس الْعلمَاء فأذكر من أَحْوَالهم بعض مَا صَحَّ مَعَ ذكر تواريخهم فَمنهمْ همام وسُفْيَان وَابْن جريج أحد من أَخذ عَنْهُم
فسفيان هُوَ أَبُو عبد الله سُفْيَان بن شُعْبَة بن مَسْرُوق بن حبيب بن رَافع بن عبد الله بن موهبة بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الْحُوَيْرِث بن مَالك بن ملكان بن ثَوْر بن عبد مَنَاة الثَّوْريّ نِسْبَة إِلَى جده هَذَا ثَوْر
مولده سنة خمس وَقيل سبع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة مَعْدُود من أكَابِر الْأَئِمَّة من أهل الْأَمْصَار على الْعُمُوم وَمن أهل الْكُوفَة على الْخُصُوص وَيُقَال لَهُ الْكُوفِي أَيْضا لِأَنَّهَا بِلَاده ومنشأه أجمع النَّاس على دينه وورعه وزهده وثقته وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين
قَالَ ابْن عُيَيْنَة مَا رَأَيْت رجلا أعلم بالحلال وَالْحرَام من سُفْيَان وَيُقَال إِن الشَّيْخ الْجُنَيْد كَانَ على مذْهبه وَالأَصَح أَنه كَانَ على مَذْهَب أبي ثَوْر وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا نعلم على وَجه الأَرْض أعلم من سُفْيَان الثَّوْريّ وَكَانَ رَأس النَّاس فِي زَمَانه وَقَبله الشّعبِيّ وَقَبله ابْن عَبَّاس وَقَبله عمر
وَمُسْنَده عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي وَالْأَعْمَش وَمن فِي طبقتهما وَسمع مِنْهُ الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جريج وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَمَالك
وَتلك الطَّبَقَة وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ متواريا عَن السُّلْطَان وَذَلِكَ سنة إِحْدَى
стр. 72
وَسِتِّينَ ومئة فِي خلَافَة الْمهْدي دخل فِي أَيَّام تواريه على جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق فَقَالَ لَهُ يَا سُفْيَان أَيْن تدخل وَالسُّلْطَان يطلبك وَنحن نتوقاه قَالَ حَدثنِي حَتَّى أخرج عَنْك قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ من أنعم الله عَلَيْهِ فليشكر الله وَمن استبطأ الرزق فليستغفر الله وَمن أحزنه أَمر فليكثر من لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَدفن عشَاء ﵀ وَلم يعقب وَالثَّوْري بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَبعدهَا وَاو سَاكِنة ثمَّ رَاء ثمَّ يَاء نِسْبَة إِلَى بطن من تَمِيم وَثمّ ثوري آخر إِلَى بطن من بطُون هَمدَان
وَأما ابْن جريج فَهُوَ أَبُو الْوَلِيد عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْقرشِي بِالْوَلَاءِ الْمَكِّيّ وجريج بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ جِيم أَيْضا وَكَانَ عبدا لآل أم حبيب بنت جُبَير
مولده سنة ثَمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ وَكَانَ معدودا فِي أَعْيَان عُلَمَاء مَكَّة وَيُقَال إِنَّه أول من صنف الْكتب فِي الْإِسْلَام قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق ابْن جريج مَا دون هَذَا الْعلم تدويني أحد جالست عَمْرو بن دِينَار بَعْدَمَا فرغت من عَطاء سبع سِنِين وَقَالَ لم يغلبني أحد على يسَار عَطاء عشْرين سنة قيل فَمَا مَنعك من يَمِينه قَالَ كَانَت قُرَيْش تغلبني عَلَيْهِ وَدخل أَيْضا الْيمن كسفيان ووفد على ابْن زَائِدَة فَأكْرمه وَأحسن إِلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَخمسين ومئة
وَأما همام فقد سبق ذكره فِي أول طبقته
стр. 73
وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وقصده إِلَى صنعاء جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هِلَال بن أَسد بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت مشدودة ثمَّ ألف ثمَّ نون بن عبد الله بن سِنَان الشَّيْبَانِيّ نِسْبَة إِلَى جده هَذَا الْمَرْوِيّ الأَصْل خرجت بِهِ أمه حَامِلا بِهِ من مرو فولدته بِبَغْدَاد فِي أحد الربيعين من سنة أَربع وَسِتِّينَ ومئة وبلغه عَن إِبْرَاهِيم بن أبان الْآتِي ذكره فِي عدن فضل فقصده فَلم يجده كَمَا قيل فَقَالَ فِي سَبِيل الله الدريهمات الَّتِي أنفقناها فِي السّفر إِلَى إِبْرَاهِيم ثمَّ قدم إِلَى عبد الرَّزَّاق فِي صنعاء فَأخذ عَنهُ وَأقَام عِنْده مُدَّة وَسُئِلَ عَنهُ عبد الرَّزَّاق فَقَالَ مَا رَأَيْت أفقه مِنْهُ وَلَا أورع مِنْهُ بَلغنِي أَن نَفَقَته نفدت وَأَنه أكرى نَفسه من الحمالين حَتَّى قدم صنعاء فَأخذت عشرَة دَنَانِير وخلوت بِهِ وَقلت لَهُ إِنَّه لَا يجْتَمع عندنَا الدَّنَانِير وَقد وجدت مَعَ النِّسَاء عشرَة دَنَانِير فَخذهَا أنفقها فَإِنِّي أَرْجُو أَن لَا تنفد حَتَّى قد تهَيَّأ غَيرهَا فَتَبَسَّمَ وَقَالَ يَا أَبَا بكر لَو قبلت شَيْئا من النَّاس قبلت مِنْك
وَأخذ عَن عبد الْملك الذمارِي وَقَالَ سَأَلته أَيْن بلد طَاوُوس فَقَالَ هُوَ من أهل الْجند وَكَانَ ذَا علم شهير وَفقه كثير أحد أَعْيَان الْإِسْلَام وفضلاء الْأَنَام وَكتابه الْمسند وَمَا جمع فِيهِ من الْأَحَادِيث الَّتِي لم تتفق لغيره يدلان على تميزه على سَائِر الْفُقَهَاء والمحدثين وَذكروا أَنه يحفظ ألف ألف حَدِيث
وَلما قدم الشَّافِعِي بَغْدَاد صَحبه واختص بِهِ وَلما خرج من بَغْدَاد سُئِلَ عَن من خَلفه فِيهَا فَقَالَ مَا خلفت بهَا أتقى وَلَا أفقه من ابْن حَنْبَل
ودعي إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَامْتنعَ وَحبس وَضرب لَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَى ثبوتا على نفي الْخلق عَنهُ وَكَانَ حسن الْوَجْه ربعَة يختضب بِالْحِنَّاءِ خضابا لَيْسَ بالقاني فِي لحيته شَعرَات سود
أَخذ عَنهُ جمَاعَة من أَمْثَال مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يكن لَهُ فِي آخر عمره نَظِير فِي سَعَة الْعلم ودقة الْعَمَل إِلَى أَن توفّي نَهَار الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ومئتين
стр. 74
وَلما قبض صَاح النَّاس وعلت أَصْوَاتهم بالبكاء حَتَّى كَأَن الدُّنْيَا ارتجت وَلم يبْق أحد فِي جَانِبي بَغْدَاد إِلَّا حضر قبرانه غير أهل مَسْجِد الْحَارِث بن أَسد المحاسبي فهجروه على ذَلِك دهرا وحزر من حضر جنَازَته للصَّلَاة من الرِّجَال فَكَانُوا ثمانمئة ألف من النِّسَاء سِتِّينَ ألفا وَأسلم إِذْ ذَاك عشرُون ألفا من يَهُودِيّ وَنَصْرَانِي ومجوسي وَرَآهُ بعد ذَلِك من كَانَ يَصْحَبهُ وَعَلِيهِ حلتان خضراوان وعَلى رَأسه تَاج من نور وَهُوَ يتبختر فِي مشيته فَقَالَ يَا سَيِّدي مَا هَذِه المشية الَّتِي لم أكن أعرفهَا فِيك فَقَالَ الإِمَام مشْيَة الخدام فِي دَار السَّلَام إِن رَبِّي حاسبني يَسِيرا وحباني وقربني وأبلغني النّظر وتوجني بِهَذَا التَّاج وَقَالَ يَا أَحْمد هَذَا تَاج الْوَقار توجتك بِهِ لِقَوْلِك بِالْقُرْآنِ كَلَامي غير مَخْلُوق
وَمِنْهُم ابْن رَاهَوَيْه أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن أبي الْحسن إِبْرَاهِيم بن مخلد بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي الْمروزِي مولده أحد شهور سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَقيل سنة سِتّ وَسِتِّينَ ومئة
وراهويه لقب لِأَبِيهِ إِذْ ولد بطرِيق مَكَّة وَالطَّرِيق بِالْفَارِسِيَّةِ رَاه وويه بِمَعْنى وجد بِالطَّرِيقِ وَضَبطه بِفَتْح الرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ هَاء سَاكِنة وواو مَفْتُوحَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ هَاء سَاكِنة وَقيل غَيره وَهَذَا أشهر ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَبعدهَا دَال مُهْملَة والحنظلي نِسْبَة إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك إِلَى فَخذ من تَمِيم والمروزي نِسْبَة إِلَى مَدِينَة عَظِيمَة بخراسان تعرف بمرو الشاهجان إِذْ هُنَاكَ مَدِينَة أُخْرَى تسمى مروروذ إِذْ بنيت على نهر فَإِن النَّهر بلغَة الْفرس الروذ والشاهجان زوج الْملك لِأَن الْملك الَّذِي بناها كَانَ مغرما بهَا فسميت بِهِ خرج من هَاتين المدينتين جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء فَلذَلِك أَحْبَبْت بيانهما وَقدر
стр. 75
الْمسَافَة بَينهمَا أَرْبَعُونَ فرسخا فالنسبة إِلَى مرو الشاهجان مروزي وَإِلَى مرو الروذ مروروذي لغَرَض الْفرق فَإِذا اجتمعتا قيل المروان وَذكر فِي الشّعْر كثيرا من ذَلِك قَول الأخطل حِين دخل على يزِيد بن الْمُهلب وَهُوَ فِي أسر الْحجَّاج ... أَبَا خَالِد ضَاقَتْ خُرَاسَان بعدكم ... وَقَالَ ذَوُو الْحَاجَات أَيْن يزِيد
فَلَا قطرت بالمرو بعْدك قَطْرَة ... وَلَا أَخْضَر بالمروين بعْدك عود
فَمَا لسرير بعد ملكك بهجة ... وَلَا لجواد بعد جودك جود ...
следующие страницы →