Полный текст (1 016 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
جمَاعَة وَمِنْهُم سُلَيْمَان بن فتح وَغَيره وارتحل إِلَى عدن فَأخذ عَنهُ بهَا القَاضِي أَحْمد القريظي مَعَ جمع كثير من المغاربة والإسكندرانيين وَأهل عدن وَله كتاب الزلازل والأشراط اخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم الشَّيْخ يحيى وَكَانَ يبجله ويجله وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ طَاهِر بن يحيى ومقبل الدثيني وَكَانَ الشَّيْخ يحيى يثني عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُ لم أر أحفظ مِنْهُ وَلَا أعرف قيل لَهُ وَلَا بالعراق قَالَ مَا سَمِعت وَكَانَ يحفظ جملَة مستكثرة من الحَدِيث عَن ظهر غيب وَكَانَ راتبه فِي كل لَيْلَة جزأين من الْقُرْآن وَكَانَ يثردد مَا بَين بَلَده وإب والجند وعدن وَله بِكُل من هَذِه الْجِهَات وَأَصْحَاب فَكَانَ يقرىء بِجَامِع عرشان وَرُبمَا أَنه هُوَ الَّذِي أحدثه دَخلته مرَارًا فَوجدت بِهِ أنسا ظَاهرا وَعَلِيهِ جلالة فَعلمت أَن ذَلِك ببركة مَا كَانَ يُتْلَى فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ وقصده أهل الحَدِيث من غَالب أنحاء الْيمن رَغْبَة فِي علمه وَدينه وورعه وأمانته وعلو إِسْنَاده ومعرفته وتواضعه وَكَانَ يكره الْخَوْض فِي علم الْكَلَام وَكَانَ من أَشد النَّاس مُحَافظَة على أَدَاء الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا
وَلَقَد قَالَ مَا فاتتني صَلَاة قطّ إِلَّا لعذر عَظِيم وَكَانَ يُصَلِّي فِي مرض مَوته قَائِما وَقَاعِدا وعَلى جنب وَكَانَ الْفَقِيه عَليّ بن أسعد من عنة يقْرَأ عَلَيْهِ الشَّرِيعَة للآجري مَعَ رجل آخر وَهُوَ فِي مرض مَوته فَكَانَ يغشى عَلَيْهِ ثمَّ يفِيق فيأمر القارىء بِإِعَادَة مَا قَرَأَ فِي حَال الْغَفْلَة ثمَّ لما فرغا من قِرَاءَة الْكتاب وَهُوَ إِذْ ذَاك قد عجز عَن الْكِتَابَة أَمر وَلَده أَحْمد أَن يكْتب لَهما السماع وَلما صَار بالنزع سَمعه جمَاعَة مِمَّن حضر من أَهله وَغَيرهم يَقُول لبيْك لبيْك فَقَالُوا لَهُ من تجيب قَالَ الله دَعَاني ارفعوني إِلَى الله ارفعوني إِلَى الله ارفعوني إِلَى السَّمَاء ثمَّ توفّي عقيب ذَلِك بقريته لعشر بَقينَ من الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وقبره غربي قبلي الْقرْيَة زرته بِحَمْد الله مرَارًا وَكَانَ لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد تفقه مِنْهُم مُحَمَّد وَعبد الله شقيقان ثمَّ أَحْمد وَعمر
فَأَما مُحَمَّد فَكَانَ فَقِيها صَالحا ورعا وَلما ولي أَخُوهُ أَحْمد الْقَضَاء كَانَ يهجره وَلَا يدعس بساطه وَلَا يَأْكُل طَعَامه وعقبه بزبيد يعْرفُونَ ببني قَاضِي الرّفْعَة يتعانون الجندية والتعرز وَفِيهِمْ خير
وَأما عبد الله فَكَانَ فَقِيها لم أتحقق تَارِيخه وَلَا عقب لَهُ غير فَقِيه مَوْجُود الْآن
стр. 247
بعرشان اسْمه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن
توفّي مُحَمَّد وَأَخُوهُ عمر فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وَأما أَحْمد فَسَيَأْتِي ذكره فِي أهل طبقته وَذريته وذرية عمر هم الموجودون بجبلة وعرشان فِي عصرنا يعْرفُونَ بالقضاة وَخرج فيهم فُقَهَاء ومحدثون فِي الْأَكْثَر وهم من أبرك ذَرَارِي الْفُقَهَاء وقبلهم أهل الملحمة آل أبي عمرَان إِذْ هم من أول صدر المئة الرَّابِعَة وَآخر الثَّالِثَة ثمَّ إِلَى عصرنا لم يخل عَن فَقِيه ثمَّ من بعدهمْ ذُرِّيَّة الْهَيْثَم وَابْن ملامس المشيرقيين لَكِن ذُرِّيَّة بني ملامس قد انقرضت وذرية الْهَيْثَم بَقِي مِنْهَا بَقِيَّة
وَمن المشيرق عمر بن الْفَقِيه أسعد بن الْفَقِيه خير بن ملامس قد مضى ذكر آبَائِهِ تفقه عمر بِأَبِيهِ أسعد فَهُوَ من طبقَة الْحَافِظ الْمَذْكُور آنِفا وَبِه تفقه ابْنه عبد الله وَهُوَ آخر من حَقَّقَهُ ابْن سَمُرَة من ذُرِّيَّة ابْن ملامس
وَمن ريمة المناخي وَهُوَ جبل كَبِير سمي بذلك نِسْبَة إِلَى ذِي مناخ قوم من حمير يرجعُونَ إِلَى ذِي مناخ بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون ثمَّ ألف ثمَّ خاء مُعْجمَة لما أَخذ الْجَبَل الصليحي من أَيْديهم شردهم وَقد مضى ذكر الرجل الَّذِي دخل مِنْهُم بَغْدَاد
وَصَحب الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وامتدحه كَانَ بهَا جمَاعَة فضلاء متقدمون ومتأخرون والمتقدمون مِنْهُم بَنو الْخَطِيب كَانَ جدهم خَطِيبًا للصليحيين فنسبوا إِلَيْهِ وهم يعْرفُونَ بذلك إِلَى عصرنا ونسبتهم فِي الأعمور وأصلهم من أحاظة بلد وَاسِعَة تجمع قرى كَثِيرَة وَلَهُم هُنَاكَ قرَابَة
من متقدميهم عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أَحْمد الْخَطِيب الَّذين ينسبون إِلَيْهِ وَعَمه أَبُو بكر بن أَحْمد الْخَطِيب هُوَ أَحْمد بن عبد الله كَانَ هَذَانِ الرّجلَانِ فقيهين فاضلين نزيهين أخذا عَن اللعفي مقدم الذّكر وَلما حجا أخذا بِمَكَّة عَن جمَاعَة بهَا وإليهما قدم الْحَافِظ العرشاني فَأخذ عَنْهُمَا وَكَانَ مسكنهما قَرْيَة شيعان بالشين الْمُعْجَمَة على وزن فعلان جمع فعلة وَلَا عقب لعبد الرَّحْمَن وَكَانَ بهَا عبد الله بن عَليّ الْحرَازِي وَالْقَاضِي أَحْمد بن أبي السُّعُود وَأَخُوهُ ذكر ابْن سَمُرَة جمَاعَة فِي فصل الْقُضَاة
وَمن وصاب عمرَان بن مُوسَى بن يُوسُف أَخذ عَن ابْن عبدويه وَبِه تفقه
стр. 248
القَاضِي التسترِي أَخذ عَنهُ الْمُهَذّب
وَمن المشيرق خير بن عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن تفقه بِابْن عبدويه أَيْضا وَعنهُ أَخذ جمَاعَة هَكَذَا ذكر ابْن سَمُرَة
وَمِنْهُم عِيسَى بن عبد الْملك الْمعَافِرِي أَخذ عَن ابْن عبدويه وعلق عَنهُ أَلْفَاظ الْمُهَذّب الْمُخْتَلف فِي سماعهَا
وَمِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم اليافعي نسبا والجندي بَلَدا مولده سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة أثنى عَلَيْهِ عمَارَة ثَنَاء مرضيا وَكَانَ بِهِ عَارِفًا وَله مخالطا فَقَالَ عِنْد ذكره هُوَ قَاضِي قُضَاة الْيمن المنوط بِهِ أَحْكَام صنعاء وعدن وَزِير الدولتين الزريعية والوليدية تفقه باليفاعي وَأخذ علم الْأَدَب على النعماني والرشيد بن الزبير الأسواني وَكَانَ مزاملا للْإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر فِي بعض قِرَاءَته على شيخهما الإِمَام زيد وَكَانَ يَقُول بلغت عشْرين سنة وَأَنا لَا أكاد أقلد أحدا فِي مَسْأَلَة وَكَانَ مُسَددًا فِي أَحْكَامه وَمَتى تنَازع الخصمان فِي مَسْأَلَة قَالَ لَهما هاتوا جَوَاب القمرين أَو يَقُول مَا قَالَ القمران يَعْنِي عبيد بن يحيى بسهفنة وَيحيى بن أبي الْخَيْر وَكَانَ سخي النَّفس حسن الْأَخْلَاق مؤالفا للأصحاب عالي الهمة باذلا لجاهه وَمَاله فِي مَنَافِع الْإِسْلَام استوهب خراج أَرَاضِي الْفُقَهَاء فِي الأجناد خَاصَّة ثمَّ سُئِلَ التَّخْفِيف فِي ذَلِك من الْأَرَاضِي الَّتِي حول الْمَدِينَة فَجعل ذَلِك حَيْثُ يسمع الْأَذَان وببركته اسْتمرّ ذَلِك إِلَى عصرنا وَكَانَ من فضلاء الْإِسْلَام وأعيان الْأَنَام لَهُ مُخْتَصر فِي النَّحْو يعرف بالمفتاح من الْكتب المفيدة لأهل الْيمن
قَالَ عمَارَة فِي مفيده كَانَ القَاضِي أَبُو بكر الجندي مجيدا وَله بديهة لَا فضل فِي الروية عَلَيْهَا أَدْرَكته خصيصا بملكي الْيمن الْمَنْصُور بن الْمفضل والداعي مُحَمَّد بن سبأ وغالب ديوانه فِي مدحهما وَلَا سِيمَا مَنْصُور وَكَانَ حسن التأتي فِي الْمَقَاصِد سهلها جماعا لجواهر الْفُنُون خَطِيبًا مصقعا كَامِل الْفَضِيلَة وَكَانَ يرتجل الْخطْبَة من سَاعَته مَتى أرادها وديوانه مجلدان معتدلان وشعره حسن رائق يحتوي على جد القَوْل وهزله وَالرَّقِيق الجزل وَكَانَ نزها عَن الْحَسَد الَّذِي يبتلى بِهِ أَكثر مخالطي
стр. 249
الْمُلُوك من الوزراء والرؤساء كَمَا هُوَ مشَاهد لَا يكادون يحبونَ أَن يجْرِي على أَيْديهم شَيْء من الْخَيْر إِلَّا النَّادِر وَهُوَ لَا حكم لَهُ وَرُبمَا أَن الْمُلُوك مَتى عملت خيرا سعوا فِي فَسَاده وتغييره لاسيما إِن عملوه بِغَيْر سعايتهم وإشارتهم وَرُبمَا حملهمْ ذَلِك على أُمُور نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكر مَا كَانَ
وَكَانَ أمره عجيبا فِي عمره يَأْتِي ذكر اللَّائِق من ذَلِك وَولي الْقَضَاء فِي الْجند أَيَّام الْمفضل ثمَّ صَار قَاضِي الْقُضَاة من الْجند إِلَى صنعاء ثمَّ لما صَارَت الْبِلَاد لمُحَمد بن سبأ بالابتياع لَهَا أبقاه وَضم إِلَيْهِ الجؤة وعدن وَأبين ولحج ونواحيها فَصَارَ قَاضِي قُضَاة فِيهَا أجمع فَنزل عدن وَحكم بهَا وَعَاد الْجند واستخلف وَلَده وَلما قدم القَاضِي الرشيد بن الزبير من خلفاء مصر رَسُولا إِلَى مُحَمَّد بن سبأ وَاجْتمعَ بِهِ هَذَا أَبُو بكر ومازحه وَأنس بِهِ وَأحسن إِلَى الرشيد إحسانا تقر بِهِ الْعُيُون وينبىء عَلَيْهِ الْمكنون بِحَيْثُ أَن الرشيد لما عَاد إِلَى مصر وَسُئِلَ عَمَّن بِالْيمن من الْفُضَلَاء قَالَ بهَا جمَاعَة سيدهم أَبُو بكر اليافعي وَقَاه الله ورعاه وَكَانَ يخالط الْمُلُوك وَيكثر مجالستهم ومدحهم وبلغه أَن جمَاعَة عابوه على قَول الشّعْر وَقَالُوا لَيْسَ ذَلِك لائقا بِذِي الْفِقْه فَقَالَ فِي معنى ذَلِك ... كم حَاسِد لي فِي الْأَنَام وغابط ... على منطقي إِذْ كَانَ مَنْطِقه رخوا
يعيرني بالشعر قوم وَبَعْضهمْ ... يوبخني وَالْكل يخبط فِي عشوى
أَرَادوا بِهِ عيبي وَهل هُوَ نَاقص ... إِذا مَا جمعت الْفِقْه وَالشعر والنحوى
وأصبحت فِي علم الْعرُوض مجودا ... وَقدم قولي فِي الْحُكُومَة وَالْفَتْوَى
وَمَا كنت مداحا لنَفْسي وَإِنَّمَا ... لأجعل أكباد العدى بالغضا تكوى ... وَمن منثور كَلَامه فِي خطْبَة الدِّيوَان وَلَا يظنّ ظان أَن ذَلِك جهدي وكل مَا عِنْدِي بل هُنَاكَ همم تسمو إِلَى أرفع من الشّعْر رُتْبَة ومذاكرة بِعلم هُوَ أقدم مِنْهُ محبَّة وَأُمُور نيطت فِي عراها ورسخت لَا يرام قواها وَهَذِه صناعَة لَهَا من أفكاري الفضلات وَمن أوقاتي الغفلات فَإِلَيَّ مِنْهُمَا كإل السقب من بازل النعام وحظها مني كحظ الْمُوَافق من طيف الْمَنَام
стр. 250
.. وَلَوْلَا مَا
تكلفنا اللَّيَالِي ... لطال القَوْل واتسع الروي
وَلَكِن القريض لَهُ معَان ... وَأَوْلَادهَا بِهِ الذّكر الْجَلِيّ ... ثمَّ لما كَانَ مُعظم شعره فِي مدح مَنْصُور بن الْمفضل الوليدي قَالَ يخاطبه ... وَلَو إِن للشكر شخصا يرى ... إِذا مَا تَأمله النَّاظر
لمثلت ذَلِك حَتَّى ترَاهُ ... فتعلم أَنِّي آمرؤ شَاكر ... وَلما توفيت السيدة وَصَارَ التعكر وَحب والأجناد وصبر وبلاد الْحُصُون إِلَى مَنْصُور بن الْمفضل كَانَ دَار ملكه جبلة وَله محبَّة بِهَذَا القَاضِي سَأَلَهُ أَن ينْتَقل من الْجند إِلَيْهِ لكَونه قَاضِي قُضَاة بِلَاده وَلم يقبل مِنْهُ عذرا فِي ذَلِك وجبلة إِذْ ذَاك إِنَّمَا يسكنهَا الرافضة وَأهل السّنة قَلِيل لَا يكادون يعْرفُونَ إِنَّمَا يَجْتَمعُونَ إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي يعرف بِمَسْجِد السّنة وَلَا يعرف بهَا أحد من أَعْيَان الْفُقَهَاء وَأهل السّنة وَمَتى سكنها سَاكن مِنْهُم عيب عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَغَيرهم من أهل السّنة وعابوه وَرُبمَا نسبوه إِلَى الْخُرُوج عَن الْمَذْهَب وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن بانيها عبد الله بن مُحَمَّد الصليحي أَخا عَليّ بن مُحَمَّد والمقتول مَعَه فِي المهجم على مَا سَيَأْتِي فَلم يكد يسكن مَعَه غير أهل مذْهبه فِي الْغَالِب وَإِنَّمَا سكن أهل السّنة بهَا فِي أَيَّام الغز وَلَيْسَ ذكر ذَلِك والإيغال فِي بَيَانه من ملازم الْكتاب
فَذكرُوا أَن القَاضِي أَبَا بكر لما انْتقل عَن الْجند مُوَافقا للسُّلْطَان وَأقَام مَعَه بجبلة كتب الْفَقِيه أَبُو الْفتُوح بن عبد الحميد الفائشي شعرًا يعتبه على ذَلِك ... لم تأت يَا هَذَا بِأَن تنهضا ... فِي النجد أَو فِي الْغَوْر أَو فِي الأضا
حللت فِي ذِي جبلة قَاضِيا ... فبئسها أَرضًا وَبئسَ القضا
تؤم بالطائفة الْمُلْحِدِينَ ... من بعد مَا كنت إِمَام الرِّضَا
بالجند الغراء إِمَامًا بِحَمْد ... الله بل صارمها المنتضا
سميك الصّديق فِي صدقه ... أثنى عَلَيْهِ الله والمرتضا
للشَّافِعِيّ قَولَانِ يَا يافعي ... فَقَوله الآخر لن ينقضا
وَأَنت ذُو فعلين فِيمَا ترى ... وفعلك الآخر قد أمرضا
إيها فَرخص عرضك الْمُنْتَقى ... من دنس أضحى لَهُ محرضا ...
стр. 251
.. وَأظْهر التَّوْبَة تطمس بهَا ... مَا قبض الْقلب وَمَا غيضا ... فَأَجَابَهُ القَاضِي بِأَبْيَات وَقَالَ فِيهَا ... أهديت نصحا يَا أَخا فائش ... ونصحك المقبول والمرتضا
وَلَيْسَ عَن قَوْلك يَا أَبَا الْفتُوح ... حراجا أخرج عَنهُ أَو أرى معرضًا
تَأْتِيك أبياتي بِمَا يَنْبَغِي ... مني وتأسو قَلْبك الممرضا
وأنثني عَن مَا تكرهته ... إِن شَاءَ رَبِّي ذَاك أَو قيضا
لست مصرا مثل غَيْرِي وَلَا ... أَعُود إِلَّا مصلحا مَا مضى
هَذَا اعتقادي وبذا نيتي ... لَا بُد للمكروه أَن يرفضا
تَحِيَّة زارتك مني وَلَا ... عدمت نصحا مِنْك لي أبيضا ... ثمَّ لما لبث أَيَّامًا وَاعْتذر إِلَى مَنْصُور فِي سُكْنى جبلة ثمَّ تقدم الْجند فَلم يزل بهَا وَهُوَ يتَرَدَّد إِلَى مَنْصُور وَلما دخل عدن أَيَّام مُحَمَّد بن سبأ على الْقَضَاء كَمَا قدمنَا أَخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي أَحْمد بن عبد الله القريظي أَخذ عَنهُ المقامات للحريري والموطأ وَمن محَاسِن شعره مَا قَالَه وَقد فَارق أصحابا لَهُ بقرية يفرس من نواحي بلد جبا وضبطها بِفَتْح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَسُكُون الْفَاء وَضم الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وجبا بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف بلد كَبِير خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْفُقَهَاء وَهِي أكبر بِلَاد الْيمن فُقَهَاء ومتفقهين مِنْهُم من يَأْتِي إِن شَاءَ الله ذكر المتحقق مِنْهُم ... أستودع الله الَّذِي ودعا ... وَنحن للفرقة نبكي مَعًا
أسبل من أجفانه أدمعا ... لما رَآنِي مسبلا أدمعا
وَقَالَ لي عِنْد وداعي لَهُ ... مَا أعظم الْبَين وَمَا أوجعا ...
стр. 252
.. مَا أَنْت بعدِي بالنوى صانع ... فَقلت لَا أقدر أَن أصنعا
مايصنع الصب الْمَعْنى إِذا ... فَارق إلفا غير أَن يجزعا
فارقتكم يَا سَاكِني يفرس ... ورحت وَالْقلب بكم مُولَعا
ناديت صبري يَوْم فارقتكم ... أجد للبين وَقد أزمعا
يَا صَبر عد يَا صَبر عد قَالَ لَا ... لبيْك لَا لبيْك يَا من دَعَا
وَالله لَا أرجع يَا غادرا ... فِي السّير بالأحباب أَو ترجعا
ولي فؤاد مُنْذُ فارقتكم ... يُمْسِي كئيبا مُولَعا موجعا
وَنَفس صب شهِدت أَنه ... مَا نقض الْعَهْد وَلَا ضيعا
ومقلة مهما تذكرتكم ... تذرف دمعا أَرْبعا أَرْبعا
وَلَيْسَ لي من حِيلَة كلما ... لجت بِي الأشواق إِلَّا الدعا
أسأَل من ألف مَا بَيْننَا ... وَقدر الْفرْقَة أَن يجمعا ... وَمن أحسن مَا أوردهُ فِي ديوانه مدحا لمنصور بن الْمفضل وَذكره إِيَّاه وَأَنه الْجَار لغيل الْجند من خنوة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مخفوضة وَنون سَاكِنة ثمَّ وَاو مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء سَاكِنة وَهُوَ غيل عَجِيب خُصُوصا طَرِيقه فَإِنَّهُ جعلهَا وسط الْجبَال وَقد بَين ذَلِك القَاضِي فِي شعره وَلم أعرف أَن الْمفضل هُوَ الْجَار لَهُ إِلَّا من شعر هَذَا القَاضِي وَقَالَ من قصيدة فِي مدحه فِيهَا ... كثرت يَا ابْن مفضل حسادي ... بصنائع أسديتها وأيادي
وأنلتني بنداك أَسبَاب الْغنى ... فبلغت أوطاري ونلت مرادي
وَفعلت لي مَا لَيْسَ يَفْعَله الْأَب الحاني ... على الْأَوْلَاد للأولاد
فِي كل يَوْم خلعة مَشْهُورَة ... كالروض تسخن أعين الأضداد
ومواهب عدد النُّجُوم فَلَو درت ... زهر النُّجُوم لَكِن من حسادي
وَأحب عِنْدِي من عطائك مَا بدا ... لي فِي ضميرك من صَحِيح وداد
فرضاك والود الَّذِي تبديه لي ... خير من الْإِعْطَاء والإرفاد
حسبي رضاك أعيش فِي الدُّنْيَا بِهِ ... فرضاك عِنْدِي من أجل عتادي
فلأشكرن على الَّذِي أوليتني ... شكر الرياض لمستهل عهاد ...
стр. 253
.. وَأَصَح شكر مَا بدا من شَاكر ... فِي ربه إِثْر الصنيعة بَادِي ... وَمِنْهَا ... فَهُوَ الْجواد ابْن الْجواد وَهل ترى ... ولد الْجواد يكون غير جواد
وَأَبوهُ شاد المكرمات فَأَصْبَحت ... أعلامها فِي النَّاس كالأطواد
وَأَقل مكرمَة لَهُ وفضيلة ... إجراؤه للغيل فِي الأجناد
شقّ الْجبَال الشامخات فَأَصْبَحت ... وكأنما كَانَت ثعاب وهاد
فاليوم أصبح مَاء خنوة وَهِي ... فِي الْجند العزيزة منهل الوراد
فَخر الْمفضل فِي المفاخر كلهَا ... بِمَثَابَة الْأَرْوَاح فِي الأجساد ... وَفِي قَوْله شقّ الْجبَال الشامخات دَلِيل على أَن طَرِيقه مِمَّا لَا يتخيل الذِّهْن أَنَّهَا من أَعمال الْآدَمِيّين فَلَقَد أحسن الْمفضل وَأبقى لَهُ فِي المفاخر فخرا وَفِي الْحَسَنَات ذكرا ثمَّ كَانَ القَاضِي لَهُ مَكَارِم وحمية على أَبنَاء جنسه وَمن صَحبه يقوم بحوائج من قَصده وَكَانَ ذَا حمية وعصبية للْمَذْهَب طَرِيقَته تشبه طَريقَة القَاضِي يحيى بن أَكْثَم الْمَشْهُور الَّذِي يَأْتِي ذكره لَكِن صاحبنا هَذَا يزِيد عَلَيْهِ بإتقان الْأَدَب واشتهاره بِهِ واتساعه بفنونه وَابْن أَكْثَم يشهر بالفقه لَا غير وَمن شعره أَيْضا مَا قَالَه يتوسل بِهِ إِلَى الله بأسمائه وسور الْقُرْآن سُورَة سُورَة من أَوله إِلَى خاتمته وَذكر فِي أَولهَا مَعَاني حَسَنَة وَمَا قَرَأَهَا ذُو كرب إِلَّا فرج الله عَنهُ وَهِي هَذِه ... لَك الشُّكْر يَا من جلّ عَن غَايَة الشُّكْر ... وَلَو أَنه أربى على الرمل والقطر
لَك الشُّكْر يَا باري الْبَريَّة كلهَا ... ورازقها الأرزاق من حَيْثُ لَا تَدْرِي
لَك الشُّكْر وَالْحَمْد الَّذِي أَنْت أَهله ... مَلِيًّا على الْحَالين فِي الْعسر واليسر
فيا خَالِقًا سبعا طباقا وَمثلهَا ... من الأَرْض وَالْمَاء الْمعِين من الصخر
تكفلت بالأرزاق للطير فِي الهوا ... وللوحش فِي بر وللحوت فِي الْبَحْر
وميرتهم شَتَّى فَهَذَا مقتر ... عَلَيْهِ وَهَذَا فِي مكاسبه مثري
وقدرت آجال الْعباد فكلهم ... إِلَى غَايَة لَا علم فِيهَا لَهُ يجْرِي
وأسعدت من أسعدت بِالْخَيرِ وَالْهدى ... وأشقيت من أشقيت فِي الْغَيْب بالْكفْر
وَكنت عليما بالغيوب وَمَا بِهِ ... توسوسه نفس الموسوس فِي الصَّدْر
إلهي قسا قلبِي وَضَاقَتْ مذاهبي ... وأوبقني جهلي وأثقلني وزري ...
стр. 254
.. وأصبحت ذَا غم خلا مِنْهُ مَا خلا ... مضاعا وَمَالِي بالمؤخر من خيري
مضى مَا مضى عني وَلَا علم لي بِهِ ... فَإِن فَاتَنِي الْبَاقِي فيا ضَيْعَة الْعُمر
زماني فِي سَهْو وَلَهو وغفلة ... وَمن خلف ظَهْري هول قاصمة الظّهْر
فإبليس وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي والهوى ... فَكيف احتيالي والتخلص من أَمْرِي
وَكَيف ألذ الْعَيْش وَالْمَوْت طالبي ... وَلَا بُد بعد الْمَوْت من ضمة الْقَبْر
وَلَا بُد من يَوْم الْحساب وهوله ... وَيَا لَيْت شعري مَا جوابي وَمَا عُذْري
إِذا قيل لي اقْرَأ كتابك وَالَّذِي ... كدحت فقد أُوتِيتهُ بَين السطر
وَقد كتبت فِيهِ ذُنُوبِي وأحصيت ... عَليّ فَمن سر خَفِي وَمن جهر
وَقد قَامَت الأشهاد تشهد والورى ... حُفَاة عُرَاة شاخصون لَدَى الْحَشْر
وَقد حَارب الْفضل الْمفضل فِي القضا ... واذعرت الْأَرْوَاح فِيهِ أَيّمَا ذعر
وكل بِهِ من شدَّة الْخَوْف سكرة ... وَمن هول مَا قاسى وَلَيْسَ بِذِي سكر
وَقد فَازَ من أعْطى وَأحسن وَاتَّقَى ... وَصدق بِالْحُسْنَى وَيسر لليسر
إلهي أَسِير الذَّنب يَدْعُوك خَائفًا ... من الذَّنب فَامْنُنْ بالفكاك من الْأسر
بحقك يَا من لَا تخيب آملا ... وَيَا عَالما سري وَيَا كاشفا ضري
أجب دَعْوَتِي واغفر خَطَايَا فإنني ... مقرّ بِمَا قدمت من فَاحش النكر
وهب لي ذُنُوبِي واعف من قبح زلتي ... وَلَا تكشفن حَالي وَلَا تهتكن ستري
بعروتك الوثقى وأسمائك الَّتِي ... تعلمهَا مُوسَى الكليم من الْخضر
بِفَاتِحَة الْقُرْآن وَالسورَة الَّتِي ... تَلِيهَا وَمَا فِيهَا من النَّهْي وَالْأَمر
بِآيَة كرْسِي وَعزة قدرهَا ... ومعظم مَا أنزلت فِي مُحكم الذّكر
وَمَا قلته فِي آل عمرَان والنسا ... وتنزيه عِيسَى عَن مقَال ذَوي الْكفْر
ومائدة نزلتها حجَّة لَهُ ... فقابل مَا أولاه مَوْلَاهُ بالشكر
بِسُورَة أنعام وأعرافها وَمَا ... أبحت من الْأَنْفَال للطاهر الطُّهْر
وبالمجتبى والمصطفى فِي بَرَاءَة ... من الله وَهُوَ الْبر ذُو اللطف وَالْبر
وَيُونُس ذِي الْبلوى وَهود ويوسف ... ورعد وَإِبْرَاهِيم والنحل وَالْحجر
وَسُبْحَان من أسرى وكهف وَمَرْيَم ... وطه وَفضل الْأَنْبِيَاء وهم ذخري
وبالحج والأفلاح ألتمس الرضى ... وَنور وفرقان وفلقك للبحر ...
стр. 255
.. وجامعة والنمل والقصص الَّذِي ... قصصت وَمَا فِي العنكبوت من الزّجر
وروم ولقمان وبالجرز الَّذِي ... تضَاعف أجرا لحاملها على الْأجر
بِسُورَة أحزاب وَذكر مُحَمَّد ... وَمَا كَانَ من نصر الْوَصِيّ على عَمْرو
وَذَات سباء وَالْحَمْد لله فاطر السَّمَاوَات ... م سُبْحَانَ الْقَدِير على الْفطر
وَيس وَالصَّافَّات صفا وزجرها ... وقعتكها بالتاليات وبالذكر
وص وتنزيل الْكتاب وغافر ... تبَارك من يهفو وَيَعْفُو على الْوزر
وَسجْدَة حم وَحُرْمَة فَضلهَا ... وحم عسق فَخر إِلَى فَخر
وزخرف وَالدُّخَان هَذَا وَهَذِه ... وجاثية فِي موقف ضيق وعر
بِسُورَة أحقاف وَفضل مُحَمَّد ... وبشراه بالغفران وَالْفَتْح والنصر
إِلَى حجرات ثمَّ قَاف وفضلها ... وبالذاريات الْجَارِيَات وَمَا تذري
وبالطور أَدْعُو الله والنجم عله ... يسدد من أَمْرِي ويشدد لي أزري
وباقتربت أَدْعُو الْقَرِيب من الدعا ... تَعَالَى وبالرحمن والصمد الْوتر
وواقعة ثمَّ الْحَدِيد وَسورَة ... الْجِدَال وَمَا تتلوه من سُورَة الْحَشْر
شفيعي إِلَى الرب الْوَدُود مَوَدَّة ... وصف كبنيان لَدَى الْكر والفر
وبالجمعة الزهراء وبالسورة الَّتِي ... يكذب بهَا أهل النِّفَاق ذَوُو الْغدر
وأدعوك رَبِّي بالتغابن رَاغِبًا ... وَمَا فِي طَلَاق من حَلَال وَمن حظر
وَمَا قلت فِي فضل الْمحرم أَنه ... لأَفْضَل من نجو السما وَبِه يسري
وَملك وَنون ثمَّ بالحاقة الَّتِي ... تحيق بِأَهْل الْكفْر والنكر وَالْمَكْر
وتبيان مَا بيّنت فِي سَأَلَ سَائل ... ونوح وَقل أُوحِي والمزمل والدثر
وَسورَة لَا أقسم وَسورَة هَل أَتَى ... صدقت على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر
وبالمرسلات العاصفات وشأنها ... وبالنبأ المقروء فِي البدو والحضر
وبالنازعات الناشطات ونشطها ... إِلَى عبس ثمَّ التكور والكدر
وبانفطرت والانشقاق وَذكر مَا ... مقت من التطفيف والكيل والخسر
وَفضل السما ذَات البروج وطارق ... وَسبح علام السرائر والجهر
بغاشية يَا رب يَا رب نجني ... وأسمائك الْحسنى ونورك وَالْفَجْر
وبالبلد المحجوج وَالشَّمْس وَالضُّحَى ... وليل إِذا يغشى وليل إِذا يسري
وبالقسم الْمكنون فِي سُورَة الضُّحَى ... وشرحك من خيرالنبيين للصدر ...
стр. 256
.. وبالتين واقرأ باسم رَبك الَّذِي ... شرحت وَمَا أنزلت فِي لَيْلَة الْقدر
وَفِي لم يكن سر خَفِي وزلزلت ... لمن هُوَ ذُو لب لَبِيب وَذُو حجر
وبالعاديات الموريات وضبحها ... وقارعة ثمَّ التكاثر وَالْعصر
بِسُورَة هماز وبالفيل بعْدهَا ... لِإِيلَافِ فِيهَا وفر إِلَى الوفر
ومقتك دع الْيَتِيم وخاب من ... يدع يَتِيما خَابَ ذُو الدع والقهر
وتشريفك الْمُخْتَار مِنْك بكوثر ... وأشرف من يقْرَأ لديك وَمن يقري
وَسورَة قل يَا أَيهَا ثمَّ بعْدهَا ... إِذا جَاءَ نصر الله فاشكر لذِي النَّصْر
بتبت وَالْإِخْلَاص أخْلص سريرتي ... بتوحيد رب وَاحِد صَمد وتر
وبالفلق الْمَحْفُوظ يَا رب نجني ... من السحر والنفاث فِي عقد السحر
وبالناس رب النَّاس حظي من البلى ... وَمن شَرّ وسواس يوسوس فِي الصَّدْر
وَكن بِي حفيا يَوْم تقضي منيتي ... رؤوفا رحِيما فِي الْقِيَامَة والحشر
وَلَا تحرقن بالنَّار جسمي فَلَيْسَ لي ... على الْقَبْر صَبر لَا وَلَا أيسر الْحر
بِفَضْلِك يَا ذَا الْجُود جد لي بِنِعْمَة ... بِفَضْلِك يَا ذَا الْفضل أفضل على فقري
تعاليت يَا من لَا يُحِيط بوصفه ... صِفَات أخي وصف وَلَا شعر ذِي شعر
تعاليت يَا من لَيْسَ يُحْصى ثَنَاؤُهُ ... غَلطت وَلَا عشر العشير من الْعشْر
تَبَارَكت يَا من جلّ قدر جَلَاله ... وَعظم آيَاته عَن النّظم والنثر
لَك الْعِزّ والنعماء وَالْقُدْرَة الَّتِي ... يقصر عَن إِدْرَاكهَا فكر ذِي فكر ... تمت القصيدة وَهِي مباركة وَلذَلِك استوعبتها وعددها ثَلَاثَة وَثَمَانُونَ بَيْتا قل من قَرَأَهَا رَاغِب أَو رَاهِب إِلَّا حصل لَهُ مَقْصُوده وَكَانَت وَفَاة قَائِلهَا بِمَدِينَة الْجند مبطونا وَقد عد ﷺ المبطون شَهِيدا وَذَلِكَ لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَلما نعي إِلَى الإِمَام يحيى وَهُوَ بِذِي أشرق اسْترْجع ثمَّ قَالَ مَاتَت الْمُرُوءَة الْآن ثمَّ نزل الْجند وَحضر قبرانه فِي جمع كثير من أَصْحَابه
وَقد عرض مَعَ ذكره جمَاعَة من الْأَعْيَان مِنْهُم يحيى بن أَكْثَم والرشيد بن الزبير
стр. 257
فأبدأ بِيَحْيَى لكَونه من أَعْيَان النَّاس علما وَعَملا ولتقدم زَمَانه وسلامته من الْبِدْعَة قَالَ ابْن خلكان فِي حَقه هُوَ أَبُو مُحَمَّد يحيى بن أَكْثَم بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْكَاف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَبعدهَا مِيم بن مُحَمَّد بن قطن بن سمْعَان بن مشينج التَّمِيمِي الأسيدي الْمروزِي من ولد أَكْثَم بن صَيْفِي التَّمِيمِي حَكِيم الْعَرَب والأسيدي الْمروزِي بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين الْمُهْملَة وخفض الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وتشديدها ثمَّ دَال مُهْملَة ثمَّ يَاء نِسْبَة إِلَى بطن من تَمِيم وَكَانَ سني الْمَذْهَب سليما من الْبِدْعَة وَكَانَ أحد أَعْلَام الدُّنْيَا سمع من ابْن الْمُبَارك وَابْن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا وَرُبمَا قد ذكرت قصَّته مَعَ ابْن عُيَيْنَة حِين ذكرته وَكَانَ مِمَّن اشْتهر أمره وَعرف خَيره وَلم يسْتَتر عَن الصَّغِير وَالْكَبِير من النَّاس فَضله وَعلمه ورئاسته وسياسته لأَمره وَأمر أهل زَمَانه من الْخُلَفَاء والملوك وَاسع الْعلم بالفقه كثير الْأَدَب حسن الْعَارِضَة قَائِم بِكُل معضلة غلب على الْمَأْمُون حَتَّى لم يتقدمه أحد عِنْده من النَّاس جَمِيعًا وقلده قَضَاء الْقُضَاة وتدابير المملكة وَكَانَ أول ولَايَة تولاها الْبَصْرَة سنة اثْنَتَيْنِ ومئتين بعد إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن الإِمَام أبي حنيفَة وَكَانَ يَقُول من قَالَ إِن الْقُرْآن مَخْلُوق استتيب فَإِن تَابَ وَإِلَّا ضربت عُنُقه
وَيُقَال كَانَ ليحيى هَذَا يَوْم فِي الْإِسْلَام وَلم يكن لأحد مثله وَالْعجب كَيفَ أسقط الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق ذكره من طبقاته وَكَانَت كتبه فِي الْفِقْه أجل كتب تَركهَا النَّاس لطولها وَله كتب فِي الْأُصُول كتاب أوردهُ عَن الْعِرَاقِيّين سَمَّاهُ التَّنْبِيه وَجرى بَينه وَبَين دَاوُد بن عَليّ الظَّاهِرِيّ مناظرات كَثِيرَة وَكَانَ من أدهى النَّاس وَأخْبرهمْ بالأمور سَأَلَهُ رجل وَهُوَ على الْقَضَاء فَقَالَ أصلح الله القَاضِي كم آكل فَقَالَ فَوق الْجُوع وَدون الشِّبَع فَقَالَ فكم أضْحك فَقَالَ حَتَّى يسفر وَجهك وَلَا يَعْلُو صَوْتك قَالَ فكم أبْكِي قَالَ لَا تمل الْبكاء من خشيَة الله قَالَ فكم أُخْفِي عَمَلي قَالَ مَا اسْتَطَعْت قَالَ فكم أظهر مِنْهُ قَالَ مَا يَقْتَدِي بك الْبر الْخَيْر ويؤمن عَلَيْك قَول النَّاس فَقَالَ سُبْحَانَ الله قَول فاطن وَعمل طَاعن
وَأما يَوْمه الَّذِي يعد لَهُ وَأَنه لم يكن لأحد مثله فَذكرُوا أَن الْمَأْمُون أَمر مناديا يُنَادي بِحل نِكَاح الْمُتْعَة فشق ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ لمُحَمد بن
стр. 258
مَنْصُور وَلأبي العينا إِذا كَانَ الْغَد فبكرا إِلَيْهِ يعْنى الْمَأْمُون فَإِن رَأَيْتُمَا لِلْقَوْلِ وَجها فقولا وَإِلَّا فاسكتا إِلَى أَن أَدخل قَالَ فَدَخَلْنَا على الْمَأْمُون فوجدناه يستاك وَيَقُول وَهُوَ مغتاظ متعتان كَانَتَا على عهد رَسُول الله ﷺ وعَلى عهد أبي بكر ﵁ وَأَنا أنهى عَنْهُمَا وَمن أَنْت يَا جعل حَتَّى تنْهى عَن مَا فعله رَسُول الله ﷺ وعَلى عهد أبي بكر ﵁ فَأَوْمأ أَبُو العينا إِلَى مُحَمَّد بن مَنْصُور رجل يَقُول فِي عمر مَا يَقُول نكلمه نَحن وأمسكنا إِذْ بِيَحْيَى بن أَكْثَم فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا فَقَالَ الْمَأْمُون لَهُ مَالِي أَرَاك متغيرا قَالَ لما حدث فِي الْإِسْلَام قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تحل الزِّنَا قَالَ الزِّنَا قَالَ نعم قَالَ وَكَيف ذَلِك فَقَالَ سَمِعت مناديك يُنَادي بِحل الْمُتْعَة وَهِي زنا قَالَ وَمن أَيْن قلت هَذَا قَالَ من كتاب الله وَحَدِيث رَسُول الله ﷺ قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثمَّ تَلا إِلَى حافظون ثمَّ إِلَى العادون يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ زَوْجَة الْمُتْعَة ملك يَمِين قَالَ لَا قَالَ فَهِيَ الزَّوْجَة الَّتِي عِنْد الله تَرث وتورث وَيلْحق الْوَلَد وَلها شرائطها قَالَ لَا قَالَ فقد صَار متجاوز هذَيْن من العادين وَهَذَا الزُّهْرِيّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ روى عَن عبد الله وَالْحسن ابْني مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة عَن أَبِيهِمَا عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه قَالَ أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أنادي بِالنَّهْي عَن الْمُتْعَة وتحريمها بعد أَن كَانَ أَمر بهَا قَالَ فَالْتَفت الْمَأْمُون إِلَيْنَا وَقَالَ أمحفوظ هَذَا من حَدِيث الزُّهْرِيّ قُلْنَا نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم مَالك فَقَالَ الْمَأْمُون أسْتَغْفر الله بَادرُوا بِتَحْرِيم الْمُتْعَة فبادروا إِلَى ذَلِك وَلم يكن لَهُ شَيْء يطعن بِهِ عَلَيْهِ غير أَنه كَانَ لَا يرى بَأْسا بخلطة الْمَأْمُون وَكَانَ ابْن حَنْبَل يجله ويؤثم من يَقُول فِيهِ
стр. 259
شَيْئا قبيحا وينكر ذَلِك إنكارا شَدِيدا وَلم أتحقق تَارِيخه ولعلي أبحث عَنهُ فِي مظانه إِن شَاءَ الله مَعَ أَنه يدْرك من كَونه مَوْجُودا فِي زمن الْمَأْمُون
وَمن أحسن مَا يذكر من بديهته وَسُرْعَة إجَابَته بِالْجَوَابِ أَنه لما أَرَادَ الْمَأْمُون أَن يوليه قَضَاء الْبَصْرَة استحضره ثمَّ سَأَلَهُ عَن هَالك خلف ابْنَتَيْن وأبوين ثمَّ هَلَكت إِحْدَى الابنتين وخلفت زوجا وَهَؤُلَاء الْوَرَثَة فَقَالَ تبين أَمِير الْمُؤمنِينَ من الْمَيِّت فِي الأولى فَعلم الْمَأْمُون أَنه أصَاب وَهَذِه مَسْأَلَة يسميها الفرضيون بالمأمونية وَلما دخل الْبَصْرَة اجْتمع إِلَيْهِ فقهاؤها وَهُوَ إِذْ ذَاك ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة فَقَالُوا مَا سنّ القَاضِي يُرِيدُونَ استصغاره فَقَالَ سنّ عتاب بن أسيد يَوْم ولاه النَّبِي ﷺ مَكَّة ففهموا
وَأما الرشيد فَهُوَ أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد ابْن عَليّ بن القَاضِي الرشيد أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الزبير الغساني الأسواني بَلَدا نِسْبَة إِلَى بلد بصعيد مصر يُقَال لَهَا أسوان بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو ثمَّ ألف ثمَّ نون وَقيل بِفَتْح الْهمزَة وَلَيْسَ بِشَيْء
قَالَ ابْن خلكان فِي حَقه كَانَ من أكابرالفضلاء وَذَوي الْفضل والنباهة والرئاسة صنف كتاب الْجنان ورياض الأذهان وَذكر فِيهِ جمَاعَة من مشاهير الْفُضَلَاء وَله ديوَان شعر وَكَانَ مجيدا فِي نثره ونظمه مِنْهُ مَا أوردهُ ابْن خلكان وَقَالَ هُوَ معنى لطيف غَرِيب ... وَترى المجرة فِي السَّمَاء كَأَنَّهَا ... تَسْقِي الرياض بجدول ملآن
لَو لم تكن نَهرا لما عامت بهَا ... أبدا نُجُوم الْحُوت والسرطان ...
стр. 260
وَله من قصيدة ... وَمَالِي إِلَى مَاء سوى النّيل غلَّة ... وَلَو أَنه اسْتغْفر الله زَمْزَم ... قَالَ ابْن سَمُرَة لما قدم الْيمن اسْتَفَادَ عَلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَابنَا وَكَانَ عَالما بفنون شَتَّى قَالَ وَيُقَال إِن المقامة الحصيبية لَهُ وَهِي تدل على فضل وَاسع قَالَ ابْن خلكان ذكره الْحَافِظ أَبُو الطَّاهِر ﵀ فِي بعض تعاليقه وَقَالَ ولي النّظر بثغر الْإسْكَنْدَريَّة بِغَيْر اخْتِيَاره سنة تسع وَخَمْسمِائة وَقتل ظلما وعدوانا فِي الْمحرم سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
ثمَّ نرْجِع إِلَى ذكر عُلَمَاء الْيمن فَمن أهل الطَّبَقَة أَبُو الْحسن أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلمَة بن يُوسُف بن إِسْمَاعِيل البريهي ثمَّ السكْسكِي ثمَّ الْكِنْدِيّ الْمَعْرُوف بَين فُقَهَاء الْيمن المعتبرين سيف السّنة أثنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة ثَنَاء مرضيا وَقَالَ عِنْد ذكره وَمِنْهُم الإِمَام الأوحد سيف السّنة زين الحنبلية أَحْمد بن مُحَمَّد سكن إبا وأفضت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِيهَا جمع بَين الزّهْد والورع وَالْفِقْه والْحَدِيث تفقه بِجَمَاعَة كثيرين غير ابْن سَمُرَة قد عده فِي أَصْحَاب الشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر وَلم يكن بعد الشَّيْخ للفقهاء صدر غَيره إِلَيْهِ يرجعُونَ وَعَلِيهِ فِي النَّوَازِل يعولون قَصده الطّلبَة من مَوَاضِع شَتَّى وانتفعوا بِهِ وَكَانَ عَارِفًا مَعَ الْفِقْه والْحَدِيث بالنحو واللغة والأصولين وَله كتب عدَّة فِي الْأُصُول يرد بهَا على الْمُعْتَزلَة والأشعرية وَكَانَ كَبِير الْقدر شهير الذّكر صَاحب كرامات عديدة وَكتب مفيدة من أحسن الْفُقَهَاء ضبطا للكتب وتحقيقا لَهَا وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن الإِمَام زيد اليفاعي وَعَن الشَّيْخ يحيى أَيْضا وَأخذ عَن الْحَافِظ العرشاني البُخَارِيّ كَمَا قدمنَا ذَلِك مَعَ ذكره وَلما كَانَ فِي بعض الْأَيَّام دخل رجل من الْمُحدثين الْجند وَأَنا إِذْ ذَاك صَغِير فَاجْتمع إِلَيْهِ فقهاؤها وسألوه أَن يسمعهم صَحِيح مُسلم فَقَالَ لَا نُسْخَة معي فَقيل لَهُ هُنَا نُسْخَة جَيِّدَة فطلبها وتصفحها وَأذن لَهُم بِالْقِرَاءَةِ فَكَانُوا إِذا مروا على شَيْء قد سَمعه بِخِلَاف مَا هُوَ مضبوط بالنسخة وَأَرَادُوا إصْلَاح مَا فِي النُّسْخَة عَن سَمَاعه قَالَ لَا تَفعلُوا فقد بَلغنِي أَن ضَابِط هَذِه النُّسْخَة كَانَ إِمَامًا كَبِيرا وَلم يضْبط إِلَّا عَن أَمر تحَققه وَكَانَت هَذِه النُّسْخَة نُسْخَة هَذَا الإِمَام سيف السّنة وَهِي إِلَى الْآن مَوْجُودَة بالجند بيد بعض ذُريَّته من جملَة كتبه الَّتِي وَقفهَا وَذَلِكَ أَنه
стр. 261
وقف كتبا عديدة على الطّلبَة من خطه وَضَبطه يكْتب على كل كتاب مِنْهَا ... هَذَا الْكتاب لوجه الله مَوْقُوف ... منا إِلَى الطَّالِب السّني مَصْرُوف
مَا للأشاعرة الضلال فِي حسبي ... حق وَلَا للَّذي فِي الزيغ مَعْرُوف ... وبيتا آخر تركته من يتوق إِلَيْهِ نظره فِيهَا وَحج سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَقَرَأَ كتاب مُسلم على الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ الْهَرَوِيّ إِمَام الْحَنَابِلَة بِالْحرم فَقَالَ فِي كتب السماع من اللَّفْظ مَا مِثَاله سمع عَليّ الشَّيْخ الإِمَام السَّيِّد الْفَقِيه الزَّاهِد العابد سيف السّنة أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد وأرخ ذَلِك أَنه كَانَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ فِي شهر الْمحرم وَوجدت بِالْكتاب أَيْضا مَا مِثَاله إجَازَة من الشَّيْخ عبد الله بن عمر بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن إِبْرَاهِيم الْوراق فَقَالَ فِيهَا أَيْضا مَا مِثَاله استخرت الله الْعلي الْعَظِيم وأجزت الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل السَّيِّد الْفَقِيه نَاصِر السّنة أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد ولأولاده الْكِرَام يحيى وَعِيسَى وَإِسْمَاعِيل وَمُحَمّد وَعلي أَن يرووا عني مسموعاتي وإجازاتي وأرخ كَون ذَلِك فِي الْحجَّة سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ لما عَاد إِلَى بَلَده أَقَامَ بهَا إِلَى رَجَب ثمَّ نزل الْجند فلازمه جمع كثير وسمعوا عَلَيْهِ
من أعيانهم إِبْرَاهِيم بن حديق وَمُحَمّد بن أَحْمد الْخَولَانِيّ وَأحمد وَمَنْصُور أَبنَاء مُحَمَّد بن مُوسَى العمرانيان وَفَاتَ مَنْصُور شَيْء من الْجُزْء الأول وإجازة لَهُ وَمُحَمّد بن كُلَيْب النمر الْخَولَانِيّ وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَرْوَان الْأمَوِي وَعبد الله بن مُحَمَّد بن زيد العريقي وَمُحَمّد بن سعيد المحابي وَأحمد بن مقبل الدثني وَأَبُو بكر بن يحيى بن إِسْحَاق الجبائي وأسعد بن عمر الأصبحي وَالْمُسلم بن عَليّ بن أسعد بن مُسلم الْعَنسِي ثمَّ الصعبي وَابْن عَمه مُحَمَّد بن مُوسَى بن عبد الله وَابْنه إِسْمَاعِيل وَيحيى بن عَليّ بن أبي بكر بن سَالم وَأحمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سَالم الشعبانيان وَمُحَمّد بن أسعد بن أبي الْخَيْر
اليافعي الجبائي وَمُحَمّد بن عمر بن جَعْفَر الكلَاعِي والأديب سلمَان بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الجنديان وَقَالَ بِخَطِّهِ فِي صدر السماع مَا مِثَاله سمع مني الْفُقَهَاء الأجلاء السَّادة الْفُضَلَاء مَالك الْكتاب يَعْنِي إِبْرَاهِيم
стр. 262
الحديقي وَعطف الْمَذْكُورين عَلَيْهِ وَذَلِكَ برجب سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَبعد أَن كتب السَّنَد قَالَ أَيْضا سمع عَليّ جَمِيع الْكتاب الشَّرِيعَة سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة الْفَقِيه أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور أَولا وَسمع مَعَه جمع من الْفُقَهَاء الَّذين سمعُوا صَحِيح مُسلم غير عبد الله بن زيد وَأحمد بن مقبل وَمُحَمّد بن عَليّ المحابي وَسمع مَعَ الْمَذْكُورين عَليّ بن عبد الله بن حسركة السكْسكِي وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الزَّيْلَعِيّ والمقرىء قَاسم بن مُحَمَّد والفقيه عبد الله بن أَيمن بن مُحَمَّد الْأمَوِي وَلما صَار فِي أثْنَاء الْقِرَاءَة بِجَامِع الْجند وَردت عَلَيْهِم مَسْأَلَة فِي رجل اقتطع مَال مُسلم وَحلف عَلَيْهِ أَو أَنه فعل شَيْئا وَحلف عَلَيْهِ أَنه لم يكن فعله فَأجَاب الإِمَام سيف السّنة أَنه لَا شَيْء على فَاعل ذَلِك غير الْكَفَّارَة وَوَافَقَهُ كَافَّة الْفُقَهَاء الْحَاضِرين غير مُحَمَّد بن أَحْمد الجماعي فَإِنَّهُ امْتنع وَقَالَ ابْن سَمُرَة فَلَمَّا كمل سماعهم كتب الْإِجَازَة لجميعهم غير مُحَمَّد بن أَحْمد الجماعي وَهَذَا نقل لم أره يَصح وَإِن صَحَّ فَكيف عده فِيمَن سمع وَأَجَازَهُ ثمَّ لَا يظنّ بِسيف السّنة أَنه بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَة اجتهادية يمْتَنع من حق وَاجِب لأمر مُحْتَمل فقد ذهب مُحَمَّد بن أَحْمد إِلَى مَذْهَب مَالك وَأَرَادَ بذلك حسم مَادَّة المتجرئين على الْيَمين فقد فعل ابْن عَبَّاس ذَلِك إِذْ ثَبت أَن رجلا سَأَلَهُ هَل للْقَاتِل تَوْبَة فَقَالَ لَا ثمَّ أَتَاهُ آخر فَسئلَ كَذَلِك فَقَالَ نعم فَقيل لَهُ كَيفَ يخْتَلف جوابك فَقَالَ رَأَيْت فِي وَجه الأول الشَّرّ فَخَشِيت أَن أجرئه وَرَأَيْت فِي وَجه الثَّانِي النَّدَم فَخَشِيت أَن أقنطه فَيَنْبَغِي أَن يسْلك مُحَمَّد بن أَحْمد غير هَذَا المسلك
وَكَانَ الإِمَام سيف السّنة من عُظَمَاء عُلَمَاء الْمُسلمين وَأَصْحَابه أَكثر من نشر الْفِقْه بِنَاحِيَة المخلاف وَكَانُوا أعيانا
مِنْهُم مُحَمَّد بن مَضْمُون وَيحيى بن فضل وَأحمد بن مقبل وَأَبُو بكر بن يحيى ابْن إِسْحَاق وَعبد الله بن مُحَمَّد بن حميد وَعبد الله بن زيد وَحسن بن قعيش وَمُحَمّد بن عمر بن فليح وَابْن عَمه مُحَمَّد بن مُوسَى وَعبد الله بن مُحَمَّد من ذِي الْبَارِي وَبِالْجُمْلَةِ فأصحابه كَثِيرُونَ لَا يكَاد يدركهم الْحصْر وَكَانَ زاهدا ورعا صَاحب كرامات
стр. 263
من أحسن مَا ذكر عَن ورعه أَن الشَّيْخ عَليّ ابْن الْمعلم كَانَ مُلْتَزما للمخلاف من مصابيح إِلَى ضَرْبَة عمر بِخَمْسِينَ ألف دِينَار فِي أَيَّام سيف الْإِسْلَام الْآتِي ذكره فصادر أَقْوَامًا على مَال وَأَرَادَ أَن يَشْتَرِي بِهِ شَيْئا من أَمْوَالهم ووافقوه على ذَلِك اتقاء سطوته فَلَمَّا وثق مِنْهُم بالإجابة استدعى أَعْيَان فُقَهَاء المخلاف إِلَى دَاره بِذِي جبلة وَقيل بغَيْرهَا ثمَّ لما اجْتمع النَّاس عمل لَهُم سماطا فَأَكَلُوا وَكَانَ الْفَقِيه من جُمْلَتهمْ ثمَّ لما حَضَرُوا للْبيع أمتنع الْفَقِيه من حُضُور بيعهم فَقَالَ لَهُ بعض الْفُقَهَاء مَتى خرجت تغير النظام فَوقف على كره ثمَّ لما سَأَلُوهُ أَن يكْتب على الْوَثِيقَة شَهَادَته امْتنع فَقيل لَهُ كَيفَ أكلت الطَّعَام وَلم تشهد فَقَالَ ثَبت أَن النَّبِي ﷺ أكل أَطْعِمَة الْكَفَرَة وَكَذَلِكَ أَصْحَابه وَسَأَلَ عَن الشَّهَادَة فَأَشَارَ إِلَى الشَّمْس وَقَالَ على مثلهَا فَأشْهد ثمَّ خرج فَقَالَ ابْن الْمعلم من هَذَا الْفَقِيه فَقيل لَهُ سيف السّنة فَقَالَ صدق من سَمَّاهُ بذلك وَكفى بذلك فضلا وَأما مَا ذكر من كراماته فكثير مِنْهَا مَا ثَبت بِنَقْل صَحِيح أَنه خرج يَوْمًا من بَيته إِلَى أَرض لَهُ يُرِيد ينظر الزَّرْع إِذْ رأى عجورة فِي أَسْفَلهَا عقد وأعلاها شجنان فِي كل شجن سنبلة فَعجب الْفَقِيه وَمد يَده يُرِيد أَخذهَا من أَسْفَلهَا فَوَقَعت يَده على الْأَيْسَر فانسلخ بِيَدِهِ فَتَأَمّله فَإِذا فِيهِ مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله بِخَط بَين معجب قَالَ فعجبت من ذَلِك وَنظرت مُقَابِله من الْأُخْرَى وَإِذا فِيهِ مُحَمَّد رَسُول الله فَلم يُمكن إِلَّا كَسره وإيصاله إِلَى إب لأعجب مِنْهُ الدرسة والأهل وَالْأَصْحَاب فأوصله وتعجب النَّاس مِنْهُ وَكَانَ اشْتِغَاله بالتدريس وَمَعَ ذَلِك ينْسَخ الْكتب حَتَّى أَنه كَانَ ينْسَخ فِي كل عَام نُسْخَة بَيَان ونسخة الْمُهَذّب ونسخة كَافِي الصردفي وَرُبمَا التَّنْبِيه أَيْضا وَيَأْمُر بِالْجَمِيعِ إِلَى
стр. 264
مَكَّة يبعن ويشترى لَهُ بأثمانهن ورق مصري أَو بغدادي وغالب كتبه من ذَلِك الْوَرق وَكَانَ لَهُ مَسْجِد صَغِير بِالْقربِ من بَيته يدرس فِيهِ وَقد أَقَامَ بجبلة أشهرا ودرس فِيهَا بِمَسْجِد السّنة وَله بِهِ كتب مَوْقُوفَة من ذَلِك الْوَقْت وَكَانَ مهما حصل لَهُ من كيلة الْمَسْجِد أَخذ بِهِ وَرقا وحبرا وَنسخ بِهِ كتبا ووقفها على الْمَسْجِد وَله مصنفات فِي الْأُصُول الدِّينِيَّة وَكَانَ يُنكر على من يُخَالف مَذْهَب السّلف ويعتقد خلاف مَذْهَبهم وَلما أظهر طَاهِر مَا أظهر من الْمُخَالفَة للفقهاء وَنقض التَّوْبَة الَّتِي كَانَ أظهرها أَيَّام أَبِيه وَقد مضى بَيَانهَا كثر إِظْهَاره لذَلِك أجمع الْفُقَهَاء على هجره وَالْإِنْكَار عَلَيْهِ مشافهة ومراسلة ومكاتبة وَكَانَ هَذَا من أعظمهم فِي ذَلِك ثمَّ القَاضِي مَسْعُود وَلِهَذَا فِي الرَّد عَلَيْهِ كتاب كَبِير وأخباره يطول ذكرهَا وَكَانَ مَعَ كَمَال الْعلم لَهُ فَتَاوَى نافعة تُوجد بيد كثير من الْفُقَهَاء وَكتبه الَّتِي وَقفهَا تزيد على المئة فقد مِنْهَا بَعْضهَا وَهِي بِمَدِينَة إب وَمِنْهَا بَقِيَّة بالجند وَهُوَ صَحِيح مُسلم وكافي الصردفي وَكتب على صَحِيح مُسلم بِخَطِّهِ مَا مِثَاله وَقفه أَحْمد بن مُحَمَّد بِجَمِيعِ الْكتب المنسوبة إِلَيْهِ من الحَدِيث وَالْأُصُول وَالْفُرُوع والفرائض وَالتَّفْسِير واللغة والنحو وَهِي ثَمَانُون كتابا على أهل السّنة يقدم فِيهَا من يُوجد فِيهِ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة يعين ببيتيه اللَّذين ذكرت أَحدهمَا فِيمَا تقدم فِيهَا من يَأْخُذ فِيهِ وَتركت الآخر لشهرته وَعدم رضى كثير من الْأَشْخَاص بِهِ ثمَّ قَالَ من ذَلِك ذُريَّته أَي يتَقَدَّم من وجد فِيهِ شَرط الْبَيْتَيْنِ من ذُريَّته ونسله وبنيهم ونسلهم ثمَّ قراباته من عصباته أَي يتَقَدَّم من قراباته من عصباته فَمن خرج عَن الشَّرْط ببدعة أَو مَا يرد بِهِ الشَّهَادَة خرج من الْوَقْف فَإِن تَابَ عَاد اسْتِحْقَاقه وَلَا حق فِي الْوَقْف لمبتدع وَإِذا لم يبْق مُسْتَحقّ من نَسْله فَأهل السّنة فِيهَا سَوَاء أبدا مَا بقيت لعن الله من يتملكها أَو يملكهَا أَو يسْعَى فِي فَسَاد الْوَقْف أَو يكتمها وعَلى من يَسْتَحِقهَا أَن يعيرها من ينْتَفع بهَا إِذا سُئِلَ بِشَرْط الْحِفْظ كتبه أَحْمد بن مُحَمَّد تقبل الله مِنْهُ كَانَ الْوَقْف سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَلم يزل على الْحَال المرضي وامتحن بِقَضَاء السحول وَكَانَ يَسْتَنِيب فِيهِ ابْنه إِسْمَاعِيل وَمَا أحقه بقول الْحرَّة تقية فِي حق الْحَافِظ السلَفِي
стр. 265
.. كَيفَ لي أَن أقبل الْيَوْم رجلا ... سلكت دهرها الطَّرِيق الحميدة ... وَكَانَ لَهُ مَعَ كَمَال الْعلم شعر رائق مِنْهُ قصيدة زهدية ... ألالص عَقْلِي للتشاغل سَارِق ... وَقد جَاءَنِي بالنعي فِي الْيَوْم طَارق ... وَمِنْه لما هدمت مَدِينَة إب ... خليلي من ذَا عيشه قبلنَا طابا ... فَلَا تجزعا إِن نَاب أَب الَّذِي نابا
فآدم فِي الفردوس مَا طَابَ عيشه ... وَلَا طَابَ فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ قد تابا ... وَمِنْه مدح الْبَيَان الَّذِي نسخه وَوَقفه قَالَ فِي آخِره ... سقى الله يحيى سلسبيلا وَخَصه ... بقصر من الْيَاقُوت أَعلَى جنان
لتصنيفه هَذَا الْكتاب الَّذِي حوى ... تصانيف أهل الْفِقْه قاص ودان
وَسَماهُ بِالِاسْمِ الَّذِي هُوَ أَهله ... بَيَانا وَمَا فِي الأَرْض مثل بَيَان ... وَمِنْه ... يَا خَادِم الْجِسْم كم تسْعَى لخدمته ... لتطلب الرِّبْح فِيمَا فِيهِ خسران
أقبل على النَّفس فاستكمل فضائلها ... فَأَنت بِالنَّفسِ لَا بالجسم إِنْسَان ... وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ فِي الثُّلُث الْأَخير من لَيْلَة الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من الْقعدَة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وقبر بِرُكْن مَسْجده من خَارجه وَلأَهل الْبَلَد وَغَيرهم بقبره مُعْتَقد عَظِيم فيتكررون لزيارته فِي غَالب أوقاتهم وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَاصَّة يَنْصَرِفُونَ بأجمعهم من الْجَامِع إِلَى تربته وَلما دفن وَعمل على قَبره أَحْجَار ليتبينه الزائر كتب على بَعْضهَا ... أيا قبر غَابَ الْفِقْه فِيك وَرُبمَا ... يكذب فِي هذي الْمقَالة جَاهِل ... وَقد اندرس ذَلِك لطول الزَّمَان وَكَانَت أَيَّامه من الْأَيَّام المباركات وتربته من
стр. 266
الترب المقصودات لطلب الْخيرَات واندفاع المضرات زرتها بِحَمْد الله مرَارًا وَرَأَيْت من بركاتها آثارا
وَمِنْهُم بعدن وَلَيْسَ من أَهلهَا إِسْمَاعِيل بن عبد الْملك بن مَسْعُود الدينَوَرِي الْبَغْدَادِيّ كَانَ فَقِيها مُحدثا وَغلب عَلَيْهِ فن الحَدِيث وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي أَحْمد القريظي وَكَانَ عابدا شهرت لَهُ كرامات كَثِيرَة وَصَحبه الْخضر وجد بِخَط الْفَقِيه سُفْيَان الأبيني مَا مِثَاله حدث المقرىء يُوسُف الصدائي وَكَانَ إِمَامًا لمَسْجِد هَذَا الْفَقِيه أَنه قَالَ لَهُ يَوْمًا يَا مقرىء أُرِيد أَن أريك آيَة من آيَات الله المحجوبة عَن كثير من النَّاس فَقَالَ نعم فَأمره بالدنو مِنْهُ فَلَمَّا دنا مِنْهُ مسح بِيَدِهِ على وَجهه وَقَالَ لَهُ ارْفَعْ بَصرك إِلَى السَّمَاء فَرفع فَرَأى آيَة الْكُرْسِيّ مَكْتُوبَة بِنور يكَاد يخطف الْأَبْصَار أَولهَا بالمشرق ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ وَآخِرهَا بالمغرب ﴿الْعلي الْعَظِيم﴾ وَقَالَ المقرىء بِهَذِهِ الشَّهَادَة اشْهَدُوا على شهادتي قَالَ وَسَأَلته يَعْنِي الْفَقِيه إِسْمَاعِيل هَل رَأَيْت الْخضر ﵇ قطّ قَالَ نعم فَقلت لَهُ إِنِّي أقسم عَلَيْك بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَّا مَا عملت لي بِرُؤْيَتِهِ وَالنَّظَر إِلَيْهِ فَقَالَ إِذا وفْق الله وُصُوله سَأَلت لَك ذَلِك ثمَّ مكثنا مُدَّة يسيرَة وصلينا الْعشَاء لَيْلَة ثمَّ دخلت خلْوَة لي مُنْفَرِدَة فَقَرَأت مَا شَاءَ الله من الْقُرْآن وأقفلت عَليّ الْخلْوَة ثمَّ نمت فَبَيْنَمَا أَنا فِي أحسن النّوم إِذْ رَأَيْت بَاب شَمْطَاء تقطر مَاء وَهُوَ ينفضها بِيَدِهِ ثمَّ جَاءَ حَتَّى وقف عِنْد رَأْسِي وَسلم عَليّ ودعا لي بدعوات حفظت مِنْهَا وفقك الله وأرشدك وأصلحك وسددك أبشر فَإنَّك على الْحق والعقيدة الَّتِي قرأتها شَرِيعَة الْإِسْلَام وَدين الْأَنْبِيَاء ﵈ فأبشر وَبشر كل من كَانَ على مَا أَنْت عَلَيْهِ أَنه على الْحق الْمُسْتَقيم وَالسّنة الَّتِي اصطفاها الله لِعِبَادِهِ الصَّالِحين وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله تَعَالَى نزل على رَسُوله ﷺ بِصَوْت يسمع وحروف تكْتب وَمعنى يفهم على ذَلِك نحيا وَعَلِيهِ نموت وَعَلِيهِ نبعث هَذِه عقيدة الدّين تمسكوا بهَا ثمَّ وَدعنِي وَمضى وَعَاد سقف الْخلْوَة وبابها على حَالهَا فَيقدر إِنَّمَا يكون وسط الْبَيْت إِذا سَمِعت صَوت الْفَقِيه إِسْمَاعِيل يدق الْبَاب فأجبته فَقَالَ يَا مقرئ أَتَاك الرجل قلت يَا سَيِّدي الَّذِي رَأَيْته أَنْت فِي الْيَقَظَة رَأَيْته أَنا فِي الْمَنَام فَقَالَ لي أبشر فقد
стр. 267
نلْت مَا لم ينل سواك ثمَّ قلت لَهُ من أَيْن جَاءَ فِي هَذِه اللَّيْلَة قَالَ أَخْبرنِي أَنه جَاءَ من عِنْد الْفَقِيه الزَّاهِد عمر بن إِسْمَاعِيل من ذِي السفال وَذكر أَنه أمْلى عَلَيْهِ من الْمُهَذّب من بَاب مَوَاقِيت الصَّلَاة قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ وَهَذَا يُؤَيّد مَا ذكرته عِنْد ذكر الْفَقِيه عمر فِيمَا تقدم وَأَنه كَانَ يصحب الْخضر ويملي عَلَيْهِ شَيْئا من الْمُهَذّب فِي أثْنَاء نسخه لَهُ
قَالَ المقرىء الصدائي وَكَانَ مُعظم رغبتي بالاجتماع بالخضر لأسأله عَن صِحَة المعتقد الَّذِي أَنا عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنِّي كنت قَرَأت التَّبْصِرَة رِوَايَة الزنجاني عَن عبد الْوَاحِد الشِّيرَازِيّ وَكتاب الشَّرِيعَة للآجري واعتقدت مَا فيهمَا ثمَّ كَانَ قد تطرقني تشويش فيهمَا من بعض الْمُخَالفين فَلَمَّا رَأَيْت مَا رَأَيْت فِي الْمَنَام تثبت فِي معتقدي وَعلمت أَنه الْحق
قَالَ الْفَقِيه الصَّالح سُفْيَان نفع الله بِهِ كَانَ هَذَا المقرىء رجلا فَاضلا بالقراءات وَالْفِقْه والنحو وَقد أَخْبرنِي أَنه مُنْذُ رأى فِي الْمَنَام كَانَ كثير المجانبة لمن يتهم باعتقاد خلاف مُعْتَقد الْكِتَابَيْنِ الْمَذْكُورين وَلَا يُمَيّز كَبِيرا وَلَا ذَا جاه لذَلِك وَلما هرب أهل زبيد خوفًا من ابْن مهْدي إِلَى عدن وسواها كَانَ من جملَة من وصل عدن الْفَقِيه حُسَيْن المقيبعي فوصل مرّة إِلَى بَاب المقرىء وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَلم يَأْذَن لَهُ وَعَاد خائبا فَقيل للمقرىء مَا كَانَ يَنْبَغِي رد هَذَا الْفَقِيه من بابك فَلم يجب قَائِل ذَلِك فألح عَلَيْهِ جمَاعَة من خواصه بالسؤال عَن سَبَب رده وَرُبمَا أَقْسمُوا عَلَيْهِ ليخبرهم عَن ذَلِك فَقَالَ إِنِّي لما فرغت من كتاب التَّبْصِرَة قِرَاءَة متقنة ثمَّ قَرَأت بعده كتاب الشَّرِيعَة للآجري ومعتقدهما وَاحِد وتقرر عِنْدِي معتقدهما وَصِحَّته سَافَرت لِلْحَجِّ فرافقني فَقِيه من أهل تهَامَة وعادلني فِي محمل من السّير فَجعلنَا نتذاكر الْعلم وأنست نَفسِي إِلَيْهِ ثمَّ إِنَّا خضنا يَوْمًا فِي المعقتد فَمَا زَالَ بِي ذَلِك الْفَقِيه اللعين حَتَّى أفسد عَليّ مَا ثَبت عِنْدِي من المعتقد فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل ونمت رَأَيْت كَأَنِّي بواد مظلم وَبِه ملك رِجْلَاهُ بتخوم الأَرْض وَرَأسه فِي السَّمَاء وَهُوَ يَصِيح يَا معشر القرود يَا معشر القرود فَأقبل إِلَيْهِ قرود كَثِيرَة فَقَالَ لَهُم صكوا وَجه هَذَا المقرىء وَدبره وَقُولُوا يَا مُرْتَد يَا مُرْتَد فَجعلُوا يضْربُونَ وَجْهي ودبري كَمَا أَمرهم وَيَقُولُونَ مَا قَالَ لَهُم حَتَّى وجدت لضربهم ألما عَظِيما كَمَا لَو كَانَ باليقظة وَلم أنتبه حَتَّى تورم وَجْهي وَانْتَفَخَتْ عَيْنَايَ وَفِي يَدي جروح كَثِيرَة من أَيدي القردة فَعلمت أَن ذَلِك بِتَغَيُّر معتقدي إِذْ لم أحدث شَيْئا غَيره فَلَمَّا أَصبَحت أخذت هدادي واعتزلت عَن معادلي وعزمت على معاودة معتقدي فَلَمَّا نمت اللَّيْلَة الثَّانِيَة رَأَيْت ذَلِك الْملك بِعَيْنِه يَقُول يَا مقرىء اسْتَأْنف الْعَمَل فَإِن الله قد أحبط عَمَلك الْمَاضِي بِمَا حل فِي باطنك من رِوَايَة ذَلِك الملحد وَقبُول كَلَامه واستحسانه فنسأل الله الْعِصْمَة من عقيدة تخَالف العقيدة الَّتِي
стр. 268
قرأتها وعلمتها وَأعلم كل من خالفها أَن لَهُ أَشد من هَذَا واعمل بِمَا قَالَ الله تَعَالَى فِيمَن كَانَ مثل حَالهم ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره﴾ ثمَّ استيقظت وعاهدت الله على هجر كل من ينتسب إِلَى هَذِه الْمَذْهَب الَّذِي يجانب مَذْهَب السّلف
قَالَ الْفَقِيه سُفْيَان فعذر المقرىء من كَانَ عتب عَلَيْهِ فِي رد المقيبعي ثمَّ بعد أَيَّام التقى المقرىء مُنَاجَاة وَقد كَانَ بلغه الْخَبَر فَسلم ثمَّ حلف للمقرىء أَنه بَرِيء من المعتقد الَّذِي اتهمه بِهِ وَكَانَ وجود ذَلِك فِي عشر سِنِين وَخَمْسمِائة وَلم أتحقق لإسماعيل والصدائي تَارِيخا
وَمن أبين ثمَّ من الطرية عمر بن عبد الْعَزِيز بن أبي قُرَّة وَأَخُوهُ عبيد الله تفقها بِابْن عبدويه ومحن عمر بِالْقضَاءِ فِي بِلَاده وَتُوفِّي بالسرين عَائِدًا من الْحَج وَبِه تفقه مُحَمَّد بن سعيد بن معن القريظي الْآتِي ذكره وَكَانَ فَاضلا بالفقه وَالْأُصُول وَلَهُمَا أَخ يذكر بالفقه اسْمه أَبُو قُرَّة عبد الْعَزِيز وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَأما أَخَوَاهُ الْأَوَّلَانِ فَلم أكد أجد لَهما تَارِيخا قَالَ ابْن سَمُرَة وَمن لحج عَمْرو بن بيش قلت هُوَ بخفض الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ شين مُعْجمَة وَهُوَ أحد شُيُوخ الإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر وَقد ذكرته وَكَانَ صَالحا تقيا وبحثت من اجْتمعت بِهِ من أهل ناحيته فَقَالَ لَا يعرف ذَلِك فَسَأَلت أهل أبين فَقيل لي فِي مَقَابِر الْمحل قُبُور جمَاعَة يزارون ويعرفون بقبور الْفُقَهَاء بني بيش فغلب على ظَنِّي أَن ابْن سَمُرَة سَهَا بنسبتهم إِلَى لحج إِذْ لَو كَانُوا كَمَا قَالَ لم يخف وَيحْتَمل أَنه كَانَ مِنْهُم فِي كل جِهَة من يذكر
وَمن زبيد جمَاعَة مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي الْقَاسِم بن حسن عرف بِابْن الْأَبَّار تفقه بِابْن عبدويه وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة التدريس وَالْفَتْوَى بزبيد وَكَانَ كَبِير الْقدر
стр. 269
شهير الذّكر بِهِ تفقه جمع كثير من زبيد وَغَيرهَا وَحج فَأدْرك الْبَنْدَنِيجِيّ مقدم الذّكر بِمَكَّة فَأخذ عَنهُ ذكره عمَارَة فِي مفيده وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر أَنه تفقه عَلَيْهِ وَقَالَ وَكَانَ مُعظما عِنْد النَّاس وقف الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالغرنوق وَقد اغتص مَجْلِسه بالزحام من الطّلبَة فَأحب أَن يقْعد بَينهم فَلم يجد فَأَنْشد يُخَاطب الْفَقِيه مرتجلا ... مجلسك الرحب من تزاحمه ... لَا يسع الْمَرْء فِيهِ مَقْعَده
كل على قدره ينَال فَذا ... يلقط مِنْهُ وَذَاكَ يحصده ... فَقَالَ الْفَقِيه أفرجوا لَهُ يقْعد فأفرجوا لَهُ فَقعدَ وَبِه تفقه جمع كثير مِنْهُم عبد الله بن عِيسَى الهرمي وَمُحَمّد بن عَطِيَّة وَغَيرهمَا فِيمَن لَا يُحْصى وَكَانَ لَهُ مَعَ كَمَال فَضله شعر مِنْهُ مَا رَأَيْته بِخَط شَيْخي أبي الْحسن الأصبحي يَقُول لِابْنِ الْأَبَّار فِي مدح ابْن الصّباغ وشامله وَهُوَ ... أَحْيَا الإِمَام أَبُو نصر بشامله ... علم ابْن إِدْرِيس ذِي الفخرين محتسبا
وأوضح الْحجَج اللَّاتِي إِذا قرعت ... سمع آمرىء قد شدا فِي علمه طَربا
إِذا تصَوره ذُو فطنة وذكا ... حوى علوما وَحَازَ الْعلم مكتسبا
وَصَارَ صَدرا إِذا مَا مُشكل نزلت ... سَمِعت مِنْهُ لَدَيْهَا منطقا عجبا
فَالله يجْزِيه بِالْحُسْنَى ويأجره ... فِيمَا ابتغاه وَيُعْطِيه الَّذِي طلبا ... وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مَنْصُور بن مُفْلِح الْوَزير الفاتكي أَعنِي أَبَاهُ وَلَعَلَّ يَأْتِي من ذكره مَا لَاق فِي أَعْيَان الدول وَأما مَنْصُور فَكَانَ فَقِيها ذَا فصاحة وصباحة وسماحة ذكره عمَارَة فِي مفيده وَقَالَ كَانَ النَّاس يَقُولُونَ لَو كَانَ مَنْصُور قرشيا لكملت فِيهِ شُرُوط الْخلَافَة وَكَانَت وَفَاته مقتولا ظلما وعدوانا سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة تَقْرِيبًا الْوَزير الَّذِي وزر بعد أَبِيه
وَمِنْهُم عُثْمَان بن الصفار وَمُحَمّد بن عَليّ السهامي كَانَا إمامين لَا سِيمَا فِي علم الْفَرَائِض والدور والجبر والمقابلة قَالَ عمَارَة كَانُوا يرَوْنَ أَن ابْن اللبان يَعْنِي الفرضي من أتباعهم فِي ذَلِك
وَمِنْهُم أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحسن بن خلف بن الْحُسَيْن
стр. 270
المقيبعي الَّذِي ذكرت أَنه وصل إِلَى الصدائي كَانَ فَقِيها فروعيا حديثيا لما دخل عدن خَائفًا من ابْن مهْدي أَخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي أَحْمد القريظي وَعلي بن عبد الله الْمليكِي وَغَيرهمَا وسافر بلد السودَان وزيلع وَعَاد إِلَى عدن فِي مركب عصفته الرّيح إِلَى سَاحل أنحاء بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون والحاء الْمُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ ألف توفّي فِيهِ وقبر هُنَاكَ منتصف شَوَّال سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَمن باديتها عبد الله بن عِيسَى بن أَيمن الهرمي نِسْبَة إِلَى قَرْيَة تعرف بالهرمة على وزن الفعلة بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْعين قَالَ ابْن سَمُرَة نسبهم إِلَى نزار وَأَصله من العماقي إِحْدَى قرى مَدِينَة الْجند وَكَانَ لَهُ بهَا قرَابَة انقرضوا بزماننا وَمن نَسْله جمَاعَة يسكنون بِهَذِهِ الْقرْيَة الْمَذْكُورَة من وَادي زبيد وينتسبون إِلَى بني أُميَّة
وَمِنْهُم مُوسَى وَأَبوهُ الْآتِي ذكرهمَا وليا قَضَاء زبيد من قبل بني عمرَان
أدْركْت مُوسَى حَاكما بزبيد
وَأما عبد الله هَذَا فَكَانَ فَقِيها صَالحا ورعا مرجو الدعْوَة وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة وَقَالَ أَصله من العماقي وَقَالَ من جلة الْفُقَهَاء عبد الله تفقه بِابْن الْأَبَّار غَالِبا وَرُبمَا قيل بِابْن عبدويه وَكَانَ تِلْمِيذه الْأَحْنَف الْآتِي ذكره أثنى عَلَيْهِ ثَنَاء بليغا وَقَالَ مَا رَأَيْت أحفظ للمهذب وَلَا أذكر مِنْهُ لَهُ وَلَا أورع وَكَانَ مَتى طعم عِنْد قوم قَالَ اللَّهُمَّ اعمر منزلهم بالتقوى ووسعه بالرزق وَيُقَال أَن ابْن مهْدي قَتله ظلما وَلما حج أَخذ عَن الشريف العثماني الْأَرْبَعين المقدسية بِأَخْذِهِ لَهَا عَن مؤلفها أبي نصر الْمَقْدِسِي وَله ولدان فاضلان تفقها بِهِ مُحَمَّد وَعلي وَسَيَأْتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله وَأول من وصل مِنْهُم أَبُو حسان بكتب كَثِيرَة فسكن الخوهة فَكَانَ فَقِيها محققا مدققا رُبمَا ذكر لَهُ تصنيف وَخلف حُسَيْن مَعَ إِبْرَاهِيم ثَلَاثَة آخَرين عبد الله وفاتح وَعلي فعبد الله غلب عَلَيْهِ الشّعْر وَمَعْرِفَة أَخْبَار الْعَرَب حَتَّى كَانَ يَقُول مَا سَقَطت مقرعة أَيَّام الْجَاهِلِيَّة وَلَا قيل شعر إِلَّا وَأَنا أعرف قَائِله وَقد ذكرت فِي غير هَذَا الْموضع مَا أمكن وَأما فاتح فَكَانَ فَقِيها فِي ذُريَّته الْفُقَهَاء يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله
وَمن الخوهة قَرْيَة بساحل حيس على وزن قيس والقرية فتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وخفض الْوَاو وَفتح الْهَاء الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن أبي بكر بن أبي حسان الشَّيْبَانِيّ مولده
стр. 271
أول شهور سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة تفقه بالهرمي وَأخذ عَن ابْن عبدويه من أول التَّنْبِيه إِلَى النِّكَاح وَهَذَا آخر من عَرفته أَخذ عَن ابْن عبدويه وَكَانَ فَاضلا بالفقه والْحَدِيث ومشكله على الْمُهَذّب يدل على ذَلِك وَكَانَ يتَرَدَّد مَا بَين بَلَده وعدن وزبيد وَعرض عَلَيْهِ قَضَاء زبيد أَيَّام توران شاه فَامْتنعَ ثمَّ عرضه عَلَيْهِ أَيَّام سيف الْإِسْلَام القَاضِي الْأَثِير فَامْتنعَ أَيْضا فَقَالَ لَهُ إِن لم تفعل فدلنا على من يصلح لذَلِك فدلهم على عبد الله بن مُحَمَّد العقامي فولاه الْأَثِير فَلم يزل على ذَلِك وَولده إِلَى أَن توفّي فِي صدر الدولة المظفرية
قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَ يَعْنِي الشَّيْبَانِيّ لَهُ غزارة علم ومصنفات مفيدة غير الْمُشكل لزم مجْلِس الطويري سبع سِنِين وَكَانَ رَفِيقه فِي الرحلة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَحْنَف اجْتمع بِهِ ابْن سَمُرَة فِي عدن سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَلَا أعرف لوفاته تَارِيخا وَتُوفِّي وَقد خلف ثَلَاثَة أَوْلَاد تفقهوا بِهِ
وَشهر مِنْهُم إِبْرَاهِيم عمر عمرا طَويلا حَتَّى أدْرك زمن المظفر وزاره بمنزله بالخوهة فبشره بِأَخْذِهِ للْملك وسامحه بأراضيه وأراضي أَهله ونخيلهم ذكر من حضر مجْلِس السُّلْطَان مَعَه أَنه ضرب على كتفه وَقَالَ الْملك لَك بِالسَّيْفِ لَا أَسد الدّين وَلَا فَخر الدّين وَلَا قطب الدّين وَكَانَ يصحب الْجِنّ ويقرأون عَلَيْهِ وَله مَعَهم أَخْبَار يتناقلها أهل قريته وَقد دَخَلتهَا وَأَنا مَرِيض فِي أحد شهور سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة وقبورهم متجاورة لم أستطع زيارتهم لما كَانَ بِي من الْمَرَض فَالله أَحْمد على كل حَال وَأَعُوذ بِهِ من حَال أهل النَّار
وَمن هَذِه الطَّبَقَة ثمَّ من أَصْحَاب الفقيهين الْمَذْكُورين اللَّذين خصصت هَذِه الطَّبَقَة بِتَقْدِيم أصحابهما وهما اليفاعي وَابْن عبدويه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ اليهاقري بياء مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام وهاء مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ قَاف مخفوضة ثمَّ رَاء وَهِي قَرْيَة غربي مَدِينَة الْجند إِحْدَى قراها الْمُعْتَمدَة الْقَدِيمَة قَالَ ابْن سَمُرَة تفقه بشيوخ الْجند وَوجدت سَنَد هـ بالمهذب وَأَنه قَرَأَهُ على الْفَقِيه سَالم بن حسن الزوقري مقدم الذّكر أثنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة ثَنَاء كَامِلا وَقَالَ فِي التعليقة الَّتِي ذكر بهَا شُيُوخه فَقَالَ أَوَّلهمْ شَيْخي عَليّ بن أَحْمد مَسْكَنه اليهاقر بادية الْجند تفقه بشيوخ
стр. 272
الْبَلَد كزيد بن عبد الله اليفاعي وَزيد الفائشي وَهُوَ أول من علقت عَنهُ فِي الْفِقْه وَلما حصل فِي الأجناد الْخَوْف من ابْن مهْدي انْتقل هَذَا الْفَقِيه إِلَى قَرْيَة الانصال من بلد العوادر فَتوفي بهَا سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وقبره بمقبرة الكريف وَهُوَ آخر من حَقَّقَهُ ابْن سَمُرَة من أَصْحَاب اليفاعي قَالَ ابْن سَمُرَة وَفِي هَذِه السّنة دخل الْمهْدي بن عَليّ الْجند فَقتل بعض أَهلهَا وأحرق مَسْجِدهَا وَعَاد إِلَى زبيد فَمَاتَ وقبر بمشهدهم الْمَعْرُوف بزيارة الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس
وَمِنْهُم أسعد بن أبي بكر بن بلاوه الْجَعْدِي تفقه بِعَبْد الله الزبراني وَكَانَ يحضر حَلقَة الإِمَام اليفاعي بِمَدِينَة الْجند ومسكنه ذُو السمكر إِحْدَى قرى الْجند الْمُعْتَمدَة بِضَم الذَّال الْمُعْجَمَة وواو سَاكِنة وَفتح السِّين الْمُشَدّدَة بعد ألف وَلَام ثمَّ مِيم سَاكِنة وكاف مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء وَابْن عَمه عمر بن أَحْمد بن بلاوه تفقه بشيوخ الْجند وَكَانَ هُوَ وَابْن عَمه تربين وَلم أجد لَهما تَارِيخا لَكِن عرفت أَنَّهُمَا من أهل الطَّبَقَة لكَون ابْن سَمُرَة عدهما فِي الَّذين كَانُوا يحْضرُون مجْلِس الشَّيْخ زيد اليفاعي وَلَهُمَا قرَابَة بقريبتهما الْمَذْكُورَة وذرية إِلَى الْآن وَرُبمَا جَاءَ فيهم مُسْتَحقّ للذّكر فأذكره إِن شَاءَ الله
وَمِنْهُم الأخوان عَليّ وَعبد الرَّحْمَن ابْنا الْفَقِيه يحيى بن عبد الْعَلِيم الْمُقدم ذكره أَخذ عَن الْحَافِظ العرشاني الْأَرْبَعين الآجرية فِي رَجَب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَلَا أعلم تَارِيخ أَخِيه
وَمِنْهُم ابْن أخيهما عبد الله بن عمر بن الْفَقِيه يحيى بن عبد الْعَلِيم قَالَ ابْن سَمُرَة كَانَ فَقِيها زاهدا ورعا قَتله أهل الْفساد بقريتهم حجرَة الَّتِي تقدم ذكرهَا وَذَلِكَ بتاريخ سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن الْفَقِيه أَحْمد بن عبد الله بن أبي عمرَان مقدم الذّكر مولده سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة تفقه بِابْن عَم أَبِيه يحيى الْمُقدم ذكره
стр. 273
وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد مقبل بن عُثْمَان بن مقبل بن عُثْمَان بن صنديد بن زيد بن أسعد العلهي نسبا إِلَى جد اسْمه عله بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَسُكُون الْهَاء وَإِلَيْهِ ينْسب جمَاعَة من دثينة وَلذَلِك يُقَال لَهُ الدثيني إِلَى صقع من الْيمن يعرف بدثينة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وخفض الثَّاء الْمُثَلَّثَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ نون مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء سَاكِنة خرج هَذَا الْفَقِيه مِنْهَا فقصد بِلَاد الأعروق وَسكن مَعَهم فِي قَرْيَة الظفر وَكَانَ مَعَه دنيا فَتزَوج امْرَأَة مِنْهُم وَكَانَت بلدهم يغلب عَلَيْهَا البداوة وعَلى أَهلهَا الْجَهْل فانتقل عَنْهُم بامرأته
إِلَى ذِي أشرق فَلم يزل بهَا وأولدت لَهُ امْرَأَته وَلدين مُحَمَّد وَأحمد وَكَانَا قد تفقها بِبَلَدِهِ بعض تفقه وَلما طلع ذَا أشرق أَخذ عَن الْحَافِظ العرشاني وَغَيره ثمَّ فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة حج وَمَعَهُ وَلَده مُحَمَّد فَلَمَّا عادا توفّي لثمان بَقينَ من الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي وَلَده مُحَمَّد بعده بِيَسِير وانتقل ابْنه الآخر أَحْمد إِلَى قَرْيَة عرج وتديرها وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك مَعَ ذكره إِن شَاءَ الله
وَمن تهَامَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن قُرَيْظَة عرف بالتهامي شهر بالفقه وَحسن التدريس وَهُوَ أحد شُيُوخ الْأَحْنَف بِكِتَاب الْوَسِيط وَلما هرب من زبيد إِلَى عدن لخوف ابْن مهْدي أَخذ عَنهُ بعده جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن مُفْلِح وَمُحَمّد بن عِيسَى الميتمي كتاب الْوَسِيط وَقد ذكرته فِي حَلقَة ابْن الْأَبَّار كَمَا ذكره عمَارَة لَكِن هُنَا أوسع ذكرا
وَمِنْهُم أَبُو عمرَان مُوسَى بن مُحَمَّد الطويري نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من قرى حيس تعرف بالطوير على تَصْغِير طير تفقه بِعَبْد الله الهرمي وَبِه تفقه السويريان مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا وَولده إِبْرَاهِيم والشيباني أَيْضا وَنسب آبَائِهِ فِي أصابح الذنبتين الْمُقدم ذكرهَا
стр. 274
فِي قرى الْجند وَله احْتِرَاز الْمُهَذّب يشهر بِهِ وَكَانَ لَهُ ابْن فَقِيه اسْمه حسن
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل عرف بالأحنف لحنف كَانَ بِهِ مَسْكَنه قَرْيَة الصو من عزلة اللامية بوادي سِهَام مولده سنة تسع وَخَمْسمِائة وتفقه بالهرمي مقدم الذّكر وبالطويري أَيْضا وَكَانَ بَينه وَبَين مؤلف الْبَيَان مكاتبات فِيمَا يشكل عَلَيْهِمَا من الْفِقْه وَلما قَرَأَ على السهامي كتاب الْوَسِيط كَانَ السهامي يَقُول لَا أَدْرِي أَيّنَا انْتفع بِصَاحِبِهِ وَلما وضع شَيْخه الهرمي فِي السؤالات المشكلة فِي الْمُهَذّب وَلم يجب عَلَيْهَا أجَاب هُوَ عَلَيْهَا وسماها كتاب ثَمَرَة الْمُهَذّب وَكَانَ فَقِيها جليل الْقدر مَقْصُودا للزيارة ذكرُوا أَن الشَّيْخ أَبَا الْغَيْث ابْن جميل الصُّوفِي مر بقريته الْمَذْكُورَة فَلبث مَعَه بعض اللّّبْث ثمَّ ودعه فَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض الطّلبَة بَاب صفة الصَّلَاة فَلَمَّا بلغ قَول الشَّيْخ فِي دُعَاء الاستفتاح حَنِيفا مُسلما قَالَ الْفَقِيه مَا معنى الحنيف فَقَالَ اتبع الشَّيْخ واسأله عَن ذَلِك وَكَانَ عَاده فَارقه فَتَبِعَهُ وَقَالَ يَا شيخ الْفَقِيه يسلم عَلَيْك وَيَقُول لَك مَا معنى الحنيف فِي استفتاح الصَّلَاة فَقَالَ هُوَ المائل عَن كل دين إِلَى دين الْإِسْلَام ثمَّ لما عَاد إِلَى الْفَقِيه وَأخْبرهُ كبر وَقَالَ لقد أُوتِيَ هَذَا الرجل أمرا عَظِيما وَتُوفِّي وَخلف ثَلَاثَة بَنِينَ أحدهم أَبُو بكر ذكره ابْن سَمُرَة وَكَانَ يترشح للْفَتْوَى ويتصدر للسؤال فِي أَيَّام أَبِيه والآخران أَخْبرنِي بهما بعض الخبراء وهما إِسْمَاعِيل وَعبد الله رَأْسا فِي الْفِقْه ودرسا فِيهِ وَلم أتحقق لأحد مِنْهُم تأريخا وَلَعَلَّ الله يَسُوقهُ
ثمَّ قد عرض لي مَعَ ذكره رجل من أَعْيَان الْأَعْيَان وأفراد الزَّمَان فَيَنْبَغِي أَن نذْكر من أَحْوَاله بعض مَا صَحَّ ونورد من أَقْوَاله مَا نستدل بِهِ على فَضله فَهُوَ أَبُو الْغَيْث بن جميل الملقب شمس الشموس وَهَذَا لقب عَليّ ملقب بِاسْتِحْقَاق وَكَانَ فِي بدايته يقطع الطَّرِيق فَذكرُوا أَن سَبَب تَوْبَته أَنه صعد شَجَرَة يُرِيد أَن ينظر إِلَى السّفر إِذا أقبل فَبينا هُوَ بِأَعْلَى الشَّجَرَة يتَأَمَّل الطَّرِيق إِذْ سمع قَائِلا يَقُول يَا صَاحب الْعين عَلَيْك عين فَكَأَنَّمَا وقر ذَلِك فِي قلبه فَنزل عَن الشَّجَرَة مستكين الْقلب وَنَفسه تنازعه فِي الْإِنَابَة فَلم يجد لذَلِك طَرِيقا غير الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن عبد الْملك بن أَفْلح بزبيد فوصله وَعرض أمره عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ الْيَد فَأخذ عَلَيْهِ وألزمه الْخدمَة للزاوية فَأَقَامَ يخدمها بالحطب وَالْمَاء وَفِي بَيت الْخَلَاء دهرا ثمَّ كَانَ الشَّيْخ يتَبَيَّن مِنْهُ
стр. 275
مخائل النجابة ثمَّ بعد ذَلِك تقدم إِلَى المراوعة إِلَى الشَّيْخ الأهدل فَأَقَامَ عِنْده أَيَّامًا هذبه بهَا تهذيبا مرضيا وَكَانَ يَقُول خرجت من ابْن أَفْلح لؤلؤة عجماء فثقفني الأهدل ثمَّ بعد ذَلِك طلع الْجبَال الشامية وَظهر لَهُ أَحْوَال خارقة حَتَّى مَال إِلَيْهِ عَالم عَظِيم من الْعَامَّة والرؤساء وَصَحب جمعا من الْفُقَهَاء ثمَّ لما قويت الزيدية بنواحي تِلْكَ الْبِلَاد لقِيَام عبد الله بن حَمْزَة أَو غَيره من أئمتهم نزل الشَّيْخ إِلَى تهَامَة وَنزل بنزوله الْفَقِيه عَليّ بن مَسْعُود الْآتِي ذكره فسكن الشَّيْخ مَعَ الْفَقِيه أَحْمد بَيت عَطاء من قريته على كره من أَهله وَلم يزل الشَّيْخ فِي بَيته حَتَّى توفّي وبلغه أَن الشَّيْخ مسموع القَوْل مَقْبُول الْإِشَارَة
وَمن عَجِيب مَا بلغ من خَبره أَن الشريف أَحْمد بن الْحُسَيْن القاسمي لما أَقَامَ بإمامة أهل مذْهبه وأطاعه غَالب الْبِلَاد يُقَال كتب إِلَيْهِ ابْن علوان الْآتِي ذكره فِي أهل جبا أما بعد فَإِنِّي أخْبرك أَنِّي ... جزت الصُّفُوف إِلَى الْحُرُوف إِلَى الهجا ... حَتَّى انْتَهَيْت مَرَاتِب الإبداع
لَا باسم ليلى أستعين على السرى ... كلا وَلَا ليلى تقل شراعي ... فَأَجَابَهُ أَبُو الْغَيْث بن جميل من الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى أبي الْغَيْث بن جميل غذي نعْمَة الله فِي مَحل الحضرة أما بعد فَإِنِّي أخْبرك أَنِّي ... تجلى لي الِاسْم الْقَدِيم باسمه ... فانشقت الْأَسْمَاء من أسمائي
وحباني الْملك الْمُهَيْمِن وارتضى ... فالأرض أرضي وَالسَّمَاء سمائي ... يَا ابْن علوان أَبَت المراهم الشافية أَن تقع على جرحك الْخَبيث حَتَّى تقدم
стр. 276
مميزات العقاقير فخيل فِي ذهنه أَنه يكْتب للشَّيْخ كتابا يستعطفه وَمَتى مَال مَعَه فَأهل تهَامَة مائلون مَعَه فَكتب إِلَى الشَّيْخ كتابا صَدره بِالْآيَةِ يَا أهل الْكتاب تعالو إِلَى كلمة إِلَى آخر الْآيَة ثمَّ قَالَ الْقَصْد يَا شيخ الْإِجْمَاع على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالسَّلَام ثمَّ بعث بِالْكتاب مَعَ رجل من الشِّيعَة فَلَمَّا دخل على الشَّيْخ سلم وناوله الْكتاب فَقَالَ الشَّيْخ لبَعض أَصْحَابه اقْرَأ كتاب الشريف فقرأه فَلَمَّا فرغ قَالَ يَا غُلَام عَليّ بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاس فَلَمَّا حضرا قَالَ اكْتُبْ ﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم﴾ إِلَى آخرهَا ثمَّ قَالَ اكْتُبْ الْحَمد لله فالق الإصباح ومرسل نسيم الرِّيَاح إِلَى فسحة مبدأ عَالم الأشباح وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْأَنَام ومصباح الظلام وعَلى آله وَأَصْحَابه السَّادة الْكِرَام
أما بعد فقد وصلنا كتاب الشريف يَدْعُونَا إِلَى إجَابَته ولعمري أَنَّهَا طَرِيق سلكها الْأَولونَ وَأَقْبل عَلَيْهَا الْأَكْثَرُونَ غير أَنا نَقْرَأ مُنْذُ سمعنَا قَوْله تَعَالَى لَهُ دَعْوَة الْحق لم يبْق فِينَا متسع لإجابة الْخلق فَلَيْسَ لأحد يَد أَن يشهر سَيْفه على نَفسه وَأَن يفرط فِي يَوْمه بعد أمسه فَليعلم السَّيِّد قلَّة فراغنا لما رام وليبسط الْعذر وَالسَّلَام فَذكرُوا أَن الرَّسُول وقف مَعَ الشَّيْخ وَبعث بِكِتَاب الإِمَام رَسُولا وَكَانَ الشَّيْخ جليل الْقدر شهير الذّكر حكى صَاحب تربته أَنه كَانَ ذَا عبَادَة ومجاهدة قل وجود مثله بل لم يكد يُوجد نَظِيره وفضائله يعز إحصاؤها ويندر استقصاؤها وَإِنَّمَا ذكرته هُنَا لِأَن هَذَا أول مَوضِع عرض فِيهِ ذكره وَإِن كَانَ سيعرض ذَلِك فِي مَوَاضِع أُخْرَى وَمن كَلَامه قَوْله سكونك إِلَى مَا فِي يدك دَلِيل على قلَّة ثقتك بِاللَّه ورجوعك فِي حَال الشدَّة إِلَى المخلوقين دَلِيل على أَنَّك لَا تعرف الله وفرحك بالشَّيْء تناله من الدُّنْيَا دَلِيل على بعْدك من الله
وَقد ذكر أَن هَذَا من كَلَام أبي يزِيد أَو أحد نظرائه فَالله أعلم
فَيحْتَمل أَن الْكل قد قَالَ بِهِ على طَرِيق الاختراع لَكِن جَاءَ الآخر بِهِ من طَرِيق اتِّفَاق الخاطر مَعَ الخاطر كَمَا قد يَقع الْحَافِر على الْحَافِر وَيحْتَمل أَن الآخر قَالَه على سَبِيل التّبعِيَّة
стр. 277
والوعظية وَلم يسْندهُ وَذَلِكَ يَفْعَله كثير من النَّاس فِي تمثيلاتهم
وَسُئِلَ ﵀ عَن الْمُسْتَحق لاسم الصُّوفِي فَقَالَ هُوَ من صفا سره من الكدر وامتلأ قلبه من العبر وَانْقطع إِلَى الله عَن الْبشر واستوى عِنْده الذَّهَب والمدر وَسُئِلَ عَن ذَلِك مرّة أُخْرَى فَقَالَ الصُّوفِي من هُوَ بِعَهْد الله موفي وَمن دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك يَا روح روح الرّوح
وَيَا لب لب اللب وَيَا قلب قلب الْقلب هَب لي قلبا أعيش بِهِ مَعَك فقد جعلت كل مَا هُوَ دُونك لِأَجلِك فاجعله لمن شِئْت من هَذِه الْجُمْلَة
رُوِيَ عَن الْفَقِيه إِسْمَاعِيل الْحَضْرَمِيّ الْآتِي ذكره أَنه قَالَ جرى بيني وَبَين بعض أَصْحَاب الشَّيْخ كَلَام من أَجله فَقلت لَهُ قد كَانَ الشَّيْخ يخطىء فِي بعض كَلَامه فِي الْمجَالِس فَقَالَ لَا وَأنكر عَليّ إنكارا شَدِيدا فَرَأَيْت الشَّيْخ بِاللَّيْلِ بعد الْعشَاء تمثلت لي صورته بعضه فَقَالَ بلَى أَخْطَأنَا كثيرا ووقعنا كثيرا وَلَكِن قبلت منا العزائم ومحيت عَنَّا الجرائم وساءني دَاء الْبدع الموصوفون بصبرهم إِلَّا من كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال أَن يكون لله لَا لَهُ للنَّاس لَا لنَفسِهِ سالك طَريقَة وَاحِدَة هِيَ طَريقَة مُخَالفَة النَّفس متجها جِهَة وَاحِدَة هِيَ جِهَة الرب تبَارك الله رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام
ثمَّ قَالَ لي احذر بنيات الطَّرِيق فَإِنَّهُنَّ يلتمسن اللمحة والنظرة فَسئلَ الْفَقِيه عَن بنيات الطَّرِيق فَقَالَ هِيَ الكرامات الَّتِي تعرض للسالك فِي طَرِيقه مَتى لاحظها حجب عَن مَقْصُوده وَكَانَت وَفَاته على الْحَال المرضي عازفا عَن السماع مُنْذُ مُدَّة نَهَار الْأَرْبَعَاء لخمس بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة وَله تربه مَشْهُورَة جعل عَلَيْهَا ابْن خطلبا التَّاجِر قبَّة وصندوقا وَجعل خَلِيفَته فيروزا من أَصْحَاب الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي بكر الْحكمِي صَاحب عواجة الْآتِي ذكره
وَكَانَ كَبِير الْقدر سالكا الطَّرِيق الْكَامِل وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين بعد أَن اسْتخْلف ابْنه عليا فَتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة وخليفته ابْنه يُوسُف وَهُوَ على ذَلِك إِلَى عصرنا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَفِي عصره هجم الرِّبَاط وخرقت حرمته وَأمْسك المتجورون من التربة غير أَن فَاعل ذَلِك لم يفلح بل سلط الله عَلَيْهِ جور السُّلْطَان
ثمَّ صَار الْفِقْه بعد من تقدم ذكرهم فِي جمَاعَة من أَصْحَاب الْمَذْكُورين ومعظمهم
стр. 278
أَصْحَاب الإِمَام يحيى إِذْ النَّاظر إِذا نظر فِي أهل الطَّبَقَة رَآهُمْ كَمَا قَالَ ابْن اللبان لَيْسَ فِي الأَرْض فَرضِي إِلَّا من أَصْحَابِي وَأَصْحَاب أَصْحَابِي وَلَا يعرف شَيْئا كَذَلِك لم يكن فِي الطَّبَقَة وَمن بعْدهَا فَقِيه إِلَّا من أَصْحَابه وَأَصْحَاب أَصْحَابه أَو من يتَّصل بهم بالسند أَو لَا يعرف شَيْئا وَلما كَانَ كَذَلِك مَعَ كَونهم كَانُوا هم الْأَعْيَان فِي الْمُفْتِينَ والمدرسين والصدور فِي كل الْوَقْت والحين وَبَدَأَ ابْن سَمُرَة بهم فِي الطَّبَقَة هَذِه وَقَالَ معنى كَلَام ابْن اللبان فيهم فَيَنْبَغِي الْبِدَايَة مِنْهُم بأكثرهم شهرة وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْحُسَيْن بن أسعد بن عبد الله يجْتَمع مَعَ شَيْخه فِي أسعد بن عبد الله وَبَقِيَّة نسبهما قد مضى ولد سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ أول من لزم مجْلِس الإِمَام يحيى ودرس عَلَيْهِ وَكَانَ ابتداؤه للْقِرَاءَة فِي سنة سبع عشرَة وَخَمْسمِائة وَقد أَخذ عَن عمر بن إِسْمَاعِيل وَكَانَ فَقِيها محققا مدققا عَارِفًا بفنون شَتَّى مِنْهَا الْفِقْه والنحو واللغة والْحَدِيث والأصولين والفرائض والحساب والدور وَكَانَ الشَّيْخ يحيى يثني عَلَيْهِ بجودة الْفِقْه وَنَقله وَيَقُول ذاكرت الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُوسَى فِي الْجُزْء الأول وَأكْثر الثَّانِي من الْبَيَان غيبا فَوَجَدته حَافِظًا متقنا وَكَانَ نظيف الْفِقْه زاهدا عفيفا حسن الْأَخْلَاق متنزها عَن الشقاق مُلْتَزما سلوك عبَادَة الخلاق رَأس ودرس أَيَّام شَيْخه الإِمَام يحيى وَبِه تفقه جمَاعَة كَثِيرُونَ مِنْهُم ابناه حسان وَأحمد وَعلي بن هَارُون البرعي وَعبد الله بن أَحْمد الْجَعْدِي وأسعد بن مُحَمَّد المري وَمُحَمّد بن أبي بكر بن مفلت من آنامر وَعمر بن سَمُرَة هَؤُلَاءِ الَّذين تفقهوا بِهِ تفقها جيدا وَعرفُوا بِصُحْبَتِهِ واعترفوا بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ أسعد بن مُحَمَّد من أروس بجبل الصلو
وَعبد الله بن عُثْمَان بن رَحِيم وَمُحَمّد بن يُوسُف وَابْنه أَبُو حَامِد من دمت وَلم يكن لأحد من فُقَهَاء الذُّرِّيَّة الْمُتَّصِلَة بالفقه من عصره إِلَى عصرنا مثله إِلَى وَقت وجودهم وَمِنْهُم قُضَاة الْجند وَالسَّلَف
وَذكر ابْن سَمُرَة مِنْهُم ابْنه أَحْمد وَقَالَ هُوَ القَاضِي فِي الْجند يَعْنِي فِي عصره وَله ابْن ثَالِث اسْمه مَنْصُور تأهل فِي أعروق الظفر وَمَات هُنَالك وَلَعَلَّ يَأْتِي من ذكره وَذكر أخوته مَا لَاق وَلم يكد يَنْقَطِع الْقَضَاء مِنْهُم إِلَّا فِي رَمَضَان سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة ببني مُحَمَّد بن عمر يَأْتِي بَيَان ذَلِك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله وَكَانَت وَفَاة الْفَقِيه
стр. 279
مُحَمَّد بن مُوسَى بمصنعه سير ضحوة نَهَار الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شعْبَان الْكَائِن فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بعد أَن بلغ عمره كعمر شَيْخه
وَمِنْهُم ابْنه أَبُو الطّيب طَاهِر بن يحيى مولده سنة ثَمَانِي عشرَة وَخَمْسمِائة تفقه بِأَبِيهِ وَكَانَ يثني عَلَيْهِ ثَنَاء كليا وَيَقُول طَاهِر فَقِيه شافي الذّكر لَكِن أخمل ذكره بلد السوء وَقَالَ بعض فُقَهَاء زَمَانه إِنَّمَا أخمل ذكره معارضته لمعتقد أَبِيه وَسَائِر فُقَهَاء زَمَانه وبلاده وَذَلِكَ قد مضى ذكره مَعَ ذكر أَبِيه لما كَانَ أظهر التَّوْبَة مِنْهُ فهجره الْفُقَهَاء فَلَمَّا تَعب من الْهِجْرَة والمراسلة بالأقاويل الشنيعة سَافر إِلَى مَكَّة وَأقَام بهَا مجاورا سنة أَو سنتَيْن فَأخذ بهَا الْعلم عَن القاطنين بِمَكَّة والواردين إِلَيْهَا فتضلع من الْعُلُوم تضلعا جيدا حَتَّى كَانَ يَقُول أَنا ابْن ثَمَانِيَة عشر علما وَكَانَ سَفَره إِلَى مَكَّة بأَهْله اللازمين من الْبَنَات والبنين ووصلته الإجازات من الشُّيُوخ فِي الْبلدَانِ ثمَّ حصلت بَين وُلَاة مَكَّة منافسات أوجبت عَلَيْهِ النفور وَالْخُرُوج من مَكَّة إِلَى بَلَده وَذَلِكَ أَيَّام عبد النَّبِي بن عَليّ بن مهْدي فَذكرُوا أَنه لما دنا من زبيد بلغ عبد النَّبِي الْخَبَر وَقيل لَهُ هَذَا فَقِيه الْجَبَل وَابْن فقيهه اللَّذَان عَلَيْهِمَا معول الشَّافِعِيَّة فطمع فِي إفحامه وعجزه عَن مناظرة فُقَهَاء مذْهبه إِذْ كَانَ على مَذْهَب أبي حنيفَة فَأمر من لقِيه إِلَى خَارج زبيد وَأدْخل عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك يَوْم جُمُعَة فألزمه أَن يخْطب بالجامع فتمنع فَلم يعذرهُ فَيُقَال إِنَّه ارتجل خطْبَة عَجِيبَة غَرِيبَة وخطب وَكَانَ ظن عبد النَّبِي أَنه يعجز لكَونه إِثْر سفر وَلما انْقَضتْ الصَّلَاة جمع عبد النَّبِي بَينه وَبَين فَقِيه مَذْهَبهم الَّذِي يعرف بِمُحَمد بن أبي بكر بن المدحدح بِضَم الْمِيم وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ حاء مُهْملَة فتناظرا فَقَطعه طَاهِر فِي عدَّة مسَائِل وَاسْتظْهر عَلَيْهِ بِقُوَّة حفظه واستحضاره لمسائل الْخلاف وأدلتها وَكَانَ ابْن المدحدح رَأس طبقَة الْحَنَفِيَّة إِذْ ذَاك فَلَمَّا وجده عبد النَّبِي كَامِلا ولاه قَضَاء مدينتي جبلة وإب ونواحيها يَسْتَنِيب من شَاءَ وَيحكم حَيْثُ شَاءَ وَكَانَت الْخطْبَة والمناظرة بِجَامِع بني مهْدي الْمَعْرُوف بالمشهد إِذْ قُبُور غالبهم فِيهِ وَلم يبْق مِنْهُ إِلَى عصرنا مَا يدل عَلَيْهِ غير المنارة الَّتِي تعرف بمنارة المشهد وَأَكْثَره خراب واندراس قبوره من كَون الْأَشْرَف بن المظفر كَانَ لَهُ دَار بِالْقربِ مِنْهُ فَجعله إصطبلا لدوابه وَكَانَ سَبَب ذَلِك اندراسه وَلم يزل مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء فِي الْأَمَاكِن الْمَذْكُورَة إِلَى دُخُول سيف الْإِسْلَام ثمَّ حدث عَلَيْهِ مَا أوجب انْفِصَاله فانفصل وَله مصنفات فَمِنْهَا
стр. 280
مَقَاصِد اللمع فِي أصُول الْفِقْه وحد الْفِكر بخفض الْفَاء وَفتح الْكَاف جمع فكرة ضمنه الرَّد على الْمُعْتَزلَة فِي نفي الْقدر وَكتاب مَنَاقِب الشَّافِعِي وَكتاب مَعُونَة الطلاب فِي مَعَاني كَلَام الشهَاب وَغير ذَلِك
وَفِي مدحه قَالَ بعض فُقَهَاء حضر موت من آل أبي الْحبّ ... أجل مَا العلى إِلَّا لسَيِّدهَا الحبر ... وَمَا الْعلم إِلَّا إِرْث آل أبي الْخَيْر ... تفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم ابناه مُحَمَّد وأسعد وَغَيرهمَا وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة وعَلى مكارمه وَكَانَت وَفَاته بقرية سير لَيْلَة الْأَرْبَعَاء من إِحْدَى الربيعين من سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم ابْن عَمه وخال وَلَده عُثْمَان بن أسعد بن عُثْمَان بن أسعد ولد سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ فَقِيها صَالحا عابدا يقوم كل لَيْلَة بِسبع من الْقُرْآن وَهُوَ أحد شُيُوخ ابْن سَمُرَة وَمِمَّنْ أثنى عَلَيْهِ وَأخذ عَن من أَخذ عَنهُ الْحَافِظ العرشاني توفّي بالمصنعة سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم ابْن عَمه أَيْضا مُسلم بن أسعد وَأَظنهُ أَخا لعُثْمَان الْمَذْكُور آنِفا وقف كتبا جليلة وَجعلهَا على يَد أَهله قَالَ ابْن سَمُرَة فَهُوَ إِذْ ذَاك بيد القَاضِي طَاهِر
وَمن الْجند عُثْمَان بن أبي رزام كَانَ فَقِيها فَاضلا وَعَلِيهِ تفقه ابْنه وَغَيره ولي بعض ذُريَّته قَضَاء الْجند لما صَار قَضَاء الْقَضَاء إِلَى أبي بكر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى واسْمه عبد الرَّحْمَن
وَمِنْهُم الأخوان أَبُو عبد الله مُحَمَّد وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْنا سَالم بن زيد بن إِسْحَاق الأصبحيان نسبا البعدانيان بَلَدا فمحمد مولده سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ فَقِيها فَاضلا وَهُوَ الْأَكْبَر تفقه بِيَحْيَى بن مُحَمَّد الْمُقدم ذكره فِي أَصْحَاب اليفاعي وَابْن عبدويه وَكَانَ فَقِيها فَاضلا جليل الْقدر شهير الذّكر بِهِ تفقه جمَاعَة وَمِنْهُم أَخُوهُ عبد الله وَفضل بن يحيى وَغَيرهمَا وَلما قدمت الملحمة بحثت عَن شَيْء من أخبارهما فَقيل كَانُوا يسكنون موضعا من جبل بعدان ثمَّ نزل هَذَانِ إِلَى الملحمة لأجل التفقه ومخالطة أَهله وَلم يَزَالَا بهَا حَتَّى توفيا فمحمد لزم مجْلِس التدريس بعد شَيْخه الْفَقِيه يحيى بن عمرَان ﵀ وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا نظيف الْفِقْه حسن الدّيانَة بِهِ تفقه جمَاعَة مِنْهُم أَخُوهُ عبد الله الَّذِي عده ابْن سَمُرَة فِي
стр. 281
أَصْحَاب الشَّيْخ يحيى وَلذَلِك أوردتهما مَعًا إِذْ لم أستليق تَقْدِيم الْأَصْغَر على الْأَكْبَر والإسناد وذرية هذَيْن الفقيهين يسكنون فِي عصرنا بقرية على قرب من الملحمة تعرف بالعراهد بِعَين مُهْملَة مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام وَفتح الرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ خفض الْهَاء ثمَّ دَال مُهْملَة يذكر عَن جمَاعَة فيهم الْخَيْر وَالدّين المتين وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة
وَأما عبد الله فمولده سنة خمس وَخَمْسمِائة وتفقه بأَخيه وَأخذ عَن الإِمَام يحيى وَلذَلِك عده ابْن سَمُرَة فِي أَصْحَابه وتفقه أَيْضا بِيَحْيَى بن أبي عمرَان قَالَ ابْن سَمُرَة وَأكْثر أَخذه عَن أَخِيه الْفَقِيه الزَّاهِد مُحَمَّد بن سَالم وَكَانَ الْمدرس فِي الملحمة والمفتي فِيهَا مُدَّة حَيَاته
هَذَا كَلَامه وَبِه تفقه جمَاعَة مِنْهُم صهره تزوج على ابْنَته يحيى بن فضل وَاسم ابْنَته الَّتِي تزَوجهَا منيرة وَكَانَت من صالحي زمانها وَأَوْلَاده مِنْهَا الَّذين يعْرفُونَ بالفقهاء بني يحيى بن فضل خرج فيهم جمَاعَة عرفُوا بالفقه المتقن يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم وَكَانَت وَفَاته فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة تَقْرِيبًا وَمِنْهُم أَبُو السُّعُود بن خيران مولده سنة ثَمَانِي عشرَة وَخَمْسمِائة بقرية الملحمة أَخذ عَن الإِمَام يحيى وتفقه بِعَبْد الله بن يحيى الصعبي مِمَّا أَخذ عَن الإِمَام مُعْتَمد الْبَنْدَنِيجِيّ وغريب أبي عبيد ومختصر الْعين للحوافي وَكَانَ فَقِيها متفننا فِي فنون الْقرَاءَات وَالْفِقْه والنحو واللغة وَهُوَ أحد شُيُوخ ابْن سَمُرَة أَخذ عَنهُ الْمُعْتَمد بتاريخ سنة أَربع وَسبعين وَلم أعرف تَارِيخ وَفَاته
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه أبي عمرَان مقدمي الذّكر مولده سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَكَانَ فَقِيها فَاضلا متأدبا شَاعِرًا أورد ابْن سَمُرَة من شعره أبياتا مدح بهَا عبد النَّبِي بن مهْدي لم يُعجبنِي إيرادها لما كَانَ فِي ابْن مهْدي من عدم اسْتِحْقَاق الْمَدْح وَلَا سِيمَا بِمثل أَبْيَات الْفَقِيه لَكِن حمل الْفَقِيه على مدحه اتقاء شَره والرجاء لخيره فِي خراج أرضه وأرود لَهُ بَيْتَيْنِ قالهما حِين عز عَلَيْهِ وجود العفص بمدينتي إب وجبلة إِذْ مِنْهَا يَأْخُذ أهل ناحيته مَا شَاءُوا إِذْ
стр. 282
هما مصراهما وَكَانَ مُرَاده نسخ إحْيَاء عُلُوم الدّين فَعمل الحبر من شجر هُنَالك يُقَال لَهُ الكلبلاب والبيتان هما ... قولا لأَب وَلِذِي جبلة ... إِن عدم العفص وشحابه
قد أنبت الله فِي شواحطنا ... بحرا غزيرا من كلبلابه ... وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عِيسَى بن سَالم الميتمي قد تقدم بَيَان هَذِه النِّسْبَة مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة تفقه بِأَهْل هَذِه الطَّبَقَة طبقَة الإِمَام يحيى وَمن كَانَ بهَا ثمَّ نزل عدن فَوجدَ الْفَقِيه المقيبعي فَأخذ عَنهُ وسيط الْغَزالِيّ كَمَا قدمنَا ثمَّ عَاد الْجَبَل فسكن الجبابي بجيم مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام ثمَّ بَاء مَفْتُوحَة مُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ خفض الْبَاء ثمَّ يَاء كياء النّسَب مُدَّة ثَمَانِي عشرَة سنة وَهُوَ جبل على قرب من مَدِينَة جبلة من جِهَة ذِي عقيب ثمَّ استدعاه الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن أبي الْأمان إِلَى ذِي جبلة فوصلها ودرس لَهُ بمدرسة أحدثها بِمَدِينَة جبلة وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَلما عرض ذكر ابْن أبي الْأمان وَكَانَ من محبي أهل الْفِقْه والمحسنين إِلَيْهِم وأعيان زَمَانه فاسمه قد مضى
وَكَانَ لَهُ دنيا ينيل مِنْهَا بنى مدرسة بجبلة وَكَانَ لَهُ بهَا دور كَثِيرَة وَلما حصل عَلَيْهِ فِي بعض الْأَوْقَات ضيم خرج عَن جبلة وَلحق بأبين فسكنها وَسكن قَرْيَة تعرف بالحسون وَله بهَا ذُرِّيَّة يسكنون الْمحل من أبين وَبَعض بعدن وَبَعض بِبَيْت حُسَيْن من قرى المهجم
نرْجِع إِلَى أَخْبَار الْفُقَهَاء وتتمة أَصْحَاب الإِمَام يحيى وَإِن كَانَ قد دخل مَعَهم جمَاعَة ينتسبون فِي التفقه إِلَى غَيره وَهُوَ من الأصابح لَكِن ابْن سَمُرَة رتب كَذَلِك ويأبى الله أَن يكمل على الْغَرَض إِلَّا كِتَابه فَمن تَأَخّر ذكره جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وتفقه بِالْإِمَامِ يحيى وَأخذ نظام الْغَرِيب عَن قَاسم بن زيد الفائشي
وتفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم
стр. 283
مُحَمَّد بن مَضْمُون وَغَيره وَمِنْهُم سُلَيْمَان بن فتح بن مِفْتَاح الصليحي بِالْوَلَاءِ كَانَ أَبوهُ من خواصي الملكة السيدة ابْنة أَحْمد ولته حصن التعكر لما استعادته من الَّذين أَخَذُوهُ على الْمفضل فغدر بِهِ بَنو الزر وأخذوه مِنْهُ بعد أَن كَانَ تغلب عَلَيْهِ ولد ابْنه سُلَيْمَان لنيف وَعشْرين وَخَمْسمِائة وتفقه بِالْإِمَامِ يحيى
وَلما فرغ من قِرَاءَة كتب الْفِقْه المسموعات قَرَأَ عَلَيْهِ مُخْتَصر الْعين وغريب الحَدِيث واللغة فَقَالَ لَهُ يَا سُلَيْمَان لقد أخذت من الْفِقْه مَا ينفع قلب عارفه سكن الشوافي ودرس فِيهَا بمدرسة أحدثها الشَّيْخ حسن بن عِيسَى بن عمر بن أبي النهى وَذَلِكَ فِي أَيَّام شَيْخه وتفقه بِهِ جمَاعَة من نواح شَتَّى
وَمِنْهُم عَليّ بن عمر الدباري وَأَبُو بكر بن يحيى بن فضل وَمُحَمّد بن أَحْمد الصعبي من سهفنة وَسَيَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله وَمِنْهُم عمر بن حمير بن عبد الحميد التباعي ثمَّ السحولي المخادري كَانَ من أَعْيَان الْفُقَهَاء وعبادهم وزهادهم وَكَانَ نظيف الْفِقْه كثير الْحَج وَرُبمَا أَقَامَ مجاورا فَأخذ عَن مُحَمَّد بن مُفْلِح العجيبي كتب الْغَزالِيّ الفروعية كالوسيط وَالْوَجِيز وجدنَا أَن آخر قِرَاءَته للوجيز يَوْم الْخَمِيس ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَلما فرغ من قِرَاءَة مصنفاته فِي الْفُرُوع فَقيل لَهُ نَقْرَأ مصنفاته فِي الْأُصُول وَقَالَ شعرًا ... أحب فروعه وألح فِيهَا ... وأكره مَا يصنف فِي الْأُصُول
لِأَن مقاله فِيهِ مقَال ... لأرباب الشَّرِيعَة والعقول
فلست بخائض مَا عِشْت فِيهَا ... لأسلم من خطيرات الدُّخُول
أدين أصُول أَحْمد طول عمري ... وَلست إِلَى سوى قلبِي يمِيل ... وَله كتب مَوْقُوفَة مِنْهَا الْبَيَان عَلَيْهِ سَمَاعه على المُصَنّف وإجازته بِهِ مِنْهُ وَلما دخلت قَرْيَة المخادر سَأَلت عَن تربته فَقيل إِنَّه مَاتَ بِمَكَّة فِي آخر المئة السَّادِسَة تَقْرِيبًا
وَمِنْهُم حُسَيْن بن عَليّ بن جسمر بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم ثمَّ رَاء سَاكِنة من دمت بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم ثمَّ تَاء مثناة من فَوق وَهُوَ صقع متسع يحتوي على قرى كَثِيرَة قبلي تعز على نصف مرحلة مِنْهَا تَقْرِيبًا
стр. 284
كَانَ الإِمَام يحيى يثني عَلَيْهِ بالمعرفة وجودة الْحِفْظ وَهُوَ أحد أَشْيَاخ إِبْرَاهِيم بن أسعد الوزيري الْآتِي ذكره توفّي نَهَار الْجُمُعَة مستهل ربيع الآخر الْكَائِن فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم الْفَقِيه بن جسمر وَأَخُوهُ أَبُو السُّعُود وَمُحَمّد بن حُسَيْن وَأَخُوهُ أَبُو بكر وَعبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق وَولده عبد الرَّزَّاق وَمُحَمّد بن أَحْمد بن أبي عُثْمَان بن أسعد بن سَالم بن دُحَيْم وَابْنه عبد الله من أَصْحَاب الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُوسَى وَهَؤُلَاء لم يَكُونُوا معدودين فِي أَصْحَاب الشَّيْخ يحيى إِنَّمَا ألحقتهم بِأَهْل بلدهم
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن مُفْلِح الْحَضْرَمِيّ كَانَ من خَواص أَصْحَابه وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِخطْبَة الْمُشكل حَيْثُ قَالَ سَأَلَني بعض من يعز عَليّ سُؤَاله ويعظم عِنْدِي قدره وحاله
وَمِنْهُم صهره أَبُو عبد الله عمر بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن السّري من ريمة المناخي مولده سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة تفقه عَلَيْهِ ثمَّ أزَوجهُ ابْنة لَهُ فَمَاتَتْ عِنْده نفاسا فأزوجه أُخْرَى فَحملت أَيْضا فَلَمَّا دنا ولادها خشِي الْفَقِيه عَلَيْهَا الْمَوْت فَرَأى النَّبِي ﷺ فبشره بخلاصها بِولد ذكر وَأمره أَن يُسَمِّيه مُحَمَّدًا الجسيم وَذَلِكَ سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَأخْبرهُ أَنَّهَا تضع بعده غُلَاما فليسمه إِسْمَاعِيل وَكَانَ ذَلِك سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ فَقِيها ورعا زاهدا مُجْتَهدا فِي طلب الْعلم وَهُوَ مِمَّن حضر مجْلِس السماع مَعَ شَيْخه بِذِي أشرق حِين سمعُوا عَليّ الْحَافِظ العرشاني كَمَا تقدم بثر فاستشعر من ذَلِك وَوصل من بَلَده إِلَى ذِي جبلة قَاصِدا الطَّبِيب يُرِيد عرضه عَلَيْهِ فَلَمَّا بَات بِذِي جبلة أول لَيْلَة عَازِمًا على قصد الطَّبِيب فِي صبيحتها فَلَمَّا نَام رأى الْمَسِيح عِيسَى ﷺ فَقَالَ لَهُ يَا روح الله امسح لي على وَجْهي وادع الله لي بالشفاء فَفعل الْمَسِيح ذَلِك فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَامَ للْوُضُوء فَلَمَّا أَمر يَده على وَجهه لم يجد شَيْئا من البثور الَّتِي يعهدها فَاسْتَبْشَرَ بالعافية وَحمد الله على ذَلِك وَصدق الرُّؤْيَا ثمَّ لما أصبح استدعى بالمرآة وَنظر فِيهَا فَلم ير فِي وَجهه بَأْسا بل رأى عَلَيْهِ أنوارا ساطعة فَعَاد إِلَى بَلَده قبل لِقَاء الْحَكِيم بلطف الْعَلِيم وَتُوفِّي بِمَكَّة سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه سُلَيْمَان بن عبد الله كَانَ فَقِيها مقرئا زاهدا مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَلم أجد لوفاته تَارِيخا وَمن نَاحيَة جبل عنة ثمَّ من أهل الصّفة جمَاعَة
стр. 285
متقدمون ذكرهم ابْن سَمُرَة مِنْهُم عَليّ بن مُحَمَّد العريقي وَأحمد بن مُوسَى العريقي وَعلي بن الْحسن الْجَعْدِي هَؤُلَاءِ ألحقتهم مَعَ أَصْحَاب الإِمَام يحيى على طَرِيق التّبعِيَّة بِالْبَلَدِ على حكم الْجوَار وَلم يعدهم ابْن سَمُرَة مَعَهم
وَمِنْهُم أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن الْحُسَيْن الماربي سكن دلال وَكَانَ فَقِيها فَاضلا محققا إِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْفَتْوَى بدلال وَهُوَ صقع يجمع قرى كَثِيرَة معظمها قَرْيَة تيثد خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْفُضَلَاء ودلال بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَاللَّام وَألف ثمَّ لَام وتيثد بخفض التا الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت مَعَ همزَة وخفض الثَّاء الْمُثَلَّثَة ثمَّ دَال مُهْملَة وَهَذِه النَّاحِيَة تنْسب إِلَى جبل بعدان الْمُقدم الذّكر من مخلاف جَعْفَر قدمت هَذِه النَّاحِيَة سنة ثَلَاث عشرَة وَدخلت الْقرْيَة الْمَذْكُورَة فَلم أجد من يُحَقّق لي شَيْئا من حَال هَذَا الْفَقِيه بل أَخْبَار الْمُتَأَخِّرين على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا أخذت ذكره من كتاب ابْن سَمُرَة وَمن النَّاحِيَة يحيى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن مِسْكين مولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة تفقه بِالْإِمَامِ أَيْضا وَأخذ عَن غَيره
وَمِنْهَا مُسلم بن مَسْعُود وَالزُّبَيْر بن عَليّ بن أبي بكر من بني مهلا كَانَ مدرسا بتيثد وَعبد الله بن مُحَمَّد التهامي توفّي هُنَالك بعد سبعين وَخَمْسمِائة وَمن جبل بعدان ثمَّ من قَرْيَة جري بِفَتْح الْجِيم وخفض الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت سعيد بن مُحَمَّد وَمن السحول ثمَّ من قَرْيَة المخادر الأخوان عبد الله وَمُحَمّد ابْنا أسعد بن أبي زيد وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التباعيون تفقهوا بِالْإِمَامِ أَيْضا وَمن المشيرق أَبُو الْحسن عَليّ بن الإِمَام زيد بن الْحسن الفائشي كَانَ فَقِيها فَاضلا تفقه بِأَبِيهِ وكمل تفقهه بِالْإِمَامِ يحيى
يعد من أَصْحَابه وَذريته قُضَاة حرض مُنْذُ دهر إِلَى عصرنا وَذَلِكَ سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَهُوَ الَّذِي ذكرت أَن أَبَاهُ كَانَ يَقُول لإخوانه عَليّ أكتبكم وَالْغَالِب أَن هَذَا كَانَ قبل كَمَال تفقهه وَخَلفه ابْن لَهُ وَهُوَ مُحَمَّد بن
следующие страницы →