← Тараджим

Тараджим · id 6668

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الجندي، بهاء الدين

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فمصنفات الشَّيْخ أبي إِسْحَاق هِيَ الْمُقدمَة وَمَعَهَا كتاب الْبَيَان إِذْ نحا نَحْوهَا وحقق تحقيقها وَوجد طريقها وَلم ترد مصنفات الْغَزالِيّ إِلَى الْيمن إِلَّا بعد وجود هَذِه المصنفات واستطارتها بَين الْفُقَهَاء وإقبال النَّاس عَلَيْهَا وَكَانَ أول من قدم بهَا الإِمَام زيد وَأخذت عَنهُ ثمَّ بعده أخذت عَن ابْن عبدويه الْآتِي ذكره ثمَّ لما كَانَ الْأَمر كَذَلِك وَعرض ذكر الشَّيْخ أبي إِسْحَاق وتلميذيه الطَّبَرِيّ والبندنيجي مَعَ ذكر الشَّيْخ زيد اتجه بَيَان اللَّائِق من أَحْوَالهم إِذْ مِنْهُم إِلَى عصرنا لم يكد يتفقه أحد من أهل الْيمن بِغَيْر طريقهم وروايتهم لكتب شيخهم فرأت الْبِدَايَة بِذكر الشَّيْخ إِذْ هُوَ العنصر فَهُوَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن يُوسُف الشِّيرَازِيّ الفيروزاباذي مولده سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة بفيروزأباد قَالَ ابْن خلكان وَهِي بَلْدَة بِفَارِس وَيُقَال هِيَ مَدِينَة جور نَقله عَن الْحَافِظ أبي سعيد السَّمْعَانِيّ فِي كِتَابه الْأَنْسَاب وضبطها بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَضم الرَّاء الْمُهْملَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ زَاي مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ ذال مُعْجمَة قدم بَغْدَاد بعد أَن تفقه بِبَلَدِهِ وَغَيرهَا بعض التفقه فَلَزِمَ مجْلِس أبي القَاضِي الطّيب الطَّبَرِيّ وَكَانَ بِهِ كَمَال تفقه وناب عَنهُ فِي مَجْلِسه ورتبه معيدا فِي حلقته وَلما بنى نظام الْملك مدرسته بِبَغْدَاد سَأَلَهُ أَن يتَوَلَّى تدريسها فَلم يفعل فولاها أَبَا نصر بن الصّباغ مُدَّة ثمَّ إِن الشَّيْخ أجَاب إِلَى توليتها فَلم يزل بهَا حَتَّى مَاتَ قَالَ ابْن خلكان وَله التصانيف الْمُبَارَكَة المفيدة مِنْهَا الْمُهَذّب والتنبيه فِي الْفِقْه واللمع وَشَرحهَا فِي الْأُصُول والنكت والتبصرة فِي الْخلاف والمعونة فِي الجدل وَله الشّعْر الرَّائِق الْحسن مِنْهُ قَوْله ... سَأَلت النَّاس عَن خل وَفِي ... فَقَالُوا مَا إِلَى هَذَا سَبِيل تمسك إِن ظَفرت بود حر ... فَإِن الْحر فِي الدُّنْيَا قَلِيل ... وَمِمَّا سمع من لَفظه متمثلا كثيرا ولمناقبه كتاب قد جمعت فِيهِ وَلَوْلَا الإطالة

стр. 212

لذكرت طرفا جيدا مِنْهَا وَكَانَ فِي غَايَة من الْوَرع والتشدد فِي الدّين وعَلى الْجُمْلَة فمحاسنه أَكثر من أَن تحصر وَسمع من لَفظه ينشد ... يَا سائلي عني فَإِنِّي ... لأهل الْفضل كلهم غُلَام أحبهم لأَنهم قَلِيل ... وَفِي الأنذال والسفل ازدحام ... وَهَذَانِ البيتان حِكْمَة يَنْبَغِي لأهل الْفضل حفظهما وروايتهما وَمن المسموع عَنهُ لغيره ... وَلما وقفنا بالصراة عَشِيَّة ... حيارى لتوديع ورد سَلام وقفنا على رغم الحسود وكلنَا ... يفض على الأشواق كل ختام وشوقني عِنْد الْوَدَاع عفافه ... فَلَمَّا رأى وجدي بِهِ وغرامي تلثم مُرْتَابا بِفضل رِدَائه ... فَقلت هِلَال بعد بدر تَمام فقبلته فَوق اللثام فَقَالَ لي ... هُوَ الْخمر إِلَّا أَنه بفدام ... وَمِنْه أَيْضا ... يَا عبد كم لَك من ذَنْب ومعصية ... إِن كنت ناسيها وَالله أحصاها يَا عبد لَا بُد من يَوْم تقوم لَهُ ... ووقفة مِنْك تدمي الْقلب ذكرَاهَا إِذا عرضت على نَفسِي تذكرها ... وساء ظَنِّي قلت أسْتَغْفر الله ... وَمِمَّا سمع من لَفظه إِلَى هُنَا أَخَذته من الْمُخْتَصر الَّذِي جمع فِي مناقبه وَمَا قبل ذَلِك أَخَذته من كتاب ابْن خلكان وَلم يزل على الْحَال المرضي حَتَّى توفّي لَيْلَة الْأَحَد بعد الْعشَاء حادي عشر من جُمَادَى الْآخِرَة الْكَائِن فِي سنة سِتّ وَسبعين وأربعمئة وَصلى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله ثمَّ وزيره وقاضي الْقُضَاة وَجَمِيع الخدم بِبَاب الفردوس ثمَّ أخرج فصلى عَلَيْهِ صَاحبه أَبُو عبد الله الطَّبَرِيّ وَجَمِيع من فِي الْجَانِبَيْنِ وَدفن فِي حَائِط بُسْتَان ظفر بالجانب الشَّرْقِي بِبَاب أبزرورثاه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم بن باقياء بقصيدة مِنْهَا قَوْله ... أجْرى المدامع بِالدَّمِ المهراق ... خطب أَقَامَ قِيَامَة الْآفَاق مَا لليالي لَا تؤلف شملها ... بعد ابْن بجدتها أبي إِسْحَاق إِن قيل مَاتَ فَلم يمت من ذكره ... حَيّ على مر اللَّيَالِي بَاقِي ...

стр. 213

وَلما استولى الصليحي على ريمة المناخي وطرد أَهله عَنهُ خرج صَاحبه عَمْرو الْأَشْعَرِيّ من الْيمن وَلحق بِبَغْدَاد وَأدْركَ بهَا الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق فصحبه وأحبه وَوَافَقَ ذَلِك وَفَاة خَليفَة وقتهم وافتقر النَّاس إِلَى قيام خَليفَة آخر فاتفقوا على أَن الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى العقد للخليفة وَذَلِكَ سنة سبع وَسِتِّينَ وأربعمئة أَظُنهُ الْمُقْتَدِي على مَا أَظُنهُ ظَاهر بِرِوَايَة ابْن سَمُرَة عَنهُ فَلَمَّا رَضِي الْعلمَاء وأفاضل النَّاس بالشيخ أبي إِسْحَاق وَقد صعد الْمُخْتَار من بني الْعَبَّاس ذرْوَة الْمِنْبَر ووقف ينْتَظر صعُود الشَّيْخ إِلَيْهِ فَلَمَّا صَار بالمنبر سقط فَابْتَدَرَهُ الْخَلِيفَة وَالْعُلَمَاء وَكَانَ الْخَلِيفَة ضليعا فسبقهم إِلَيْهِ وأقامه وأصعده إِلَى رَأس الْمِنْبَر فَلَمَّا اسْتَوَى على رَأسه حمد لله وَصلى على النَّبِي ﷺ وَعقد الْخلَافَة فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ الْخَلِيفَة هَل من حَاجَة قَالَ نعم أَخْبرنِي فلَان عَن فلَان مُسْندًا إِلَى النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا من خَليفَة إِلَّا وَله دَعْوَة مجابة وَأُرِيد أَن تَدْعُو لي فَدَعَا لَهُ من فوره وَأمن الْحَاضِرُونَ وَلِهَذَا عَمْرو الْأَشْعَرِيّ المناخي فِي الشَّيْخ أبي إِسْحَاق مدائح مِنْهَا قَوْله فِي بَعْضهَا ... وَلَقَد رضيت عَن زمَان وَإِن رمى ... قومِي بخطب ضعضع الأركانا لما أَرَانِي طلعة الحبر الَّذِي ... أَحْيَا الْإِلَه بِعِلْمِهِ الأديانا أزكى الورى دينا وَأكْرم شِيمَة ... وأمد فِي طلق الْعُلُوم عنانا وَأَقل فِي الدُّنْيَا البصيرة رَغْبَة ... ولطالما قد أضنت الرهبانا صدق الرَّسُول الطُّهْر فِي إطرائه ... أَبنَاء فَارس جهرة إعلانا فِي كل عصر مِنْهُم علم بِهِ ... يُبْدِي الْإِلَه الرشد والتبيانا مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق مِصْبَاح الْهدى ... وشهاب نور كاشف الأدجانا لله إِبْرَاهِيم أَي مُحَقّق ... صلت إِذْ رب البصيرة لانا فتخاله من زهده ومخافة ... لله قد نظر الْمعَاد عيَانًا ... وَإِنَّمَا ذكرت الأبيات لِأَن ابْن سَمُرَة ذكرهَا وَلِأَن قَائِلهَا من أَعْيَان الْيمن وملوكهم وَلما كَانَ كَمَال تفقهه بِالْقَاضِي أبي الطّيب اتجه أَيْضا بَيَان اللَّائِق من أَحْوَاله إِذْ هُوَ شيخ أهل الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة من أهل الْيمن وَقد قدمنَا بَيَان ذَلِك

стр. 214

وَهُوَ أَبُو الطّيب طَاهِر بن عبد الله بن طَاهِر بن عمر الطبرستاني مولده سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلثمائة وَنسبَة الطَّبَرِيّ إِلَى طبرستان بِفَتْح الطَّاء الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ثمَّ سين سَاكِنة مُهْملَة ثمَّ فتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ثمَّ ألف ثمَّ نون قَالَ ابْن خلكان وَهِي ولَايَة كَبِيرَة تشْتَمل على بِلَاد كَثِيرَة خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء وَالنِّسْبَة إِلَى طبرية الشَّام طبراني فَاعْلَم ذَلِك فَإِن كثيرا من النَّاس يغلط فِيهِ وَلذَلِك بَينته وَكَانَ تفقه القَاضِي أبي الطّيب فِي ابْتِدَائه بآمد على أبي عَليّ الزجاجي صَاحب أبي الْعَبَّاس بن الْقَاص ثمَّ على أبي سعيد الْإِسْمَاعِيلِيّ وعَلى أبي الْقَاسِم بن كج بجرجان ثمَّ ارتحل إِلَى نيسابور فَأدْرك أَبَا الْحسن الماسرخسي صَاحب أبي إِسْحَاق الْمروزِي الْمُتَقَدّم الذّكر فَلَزِمَ مَجْلِسه أَربع سِنِين ثمَّ انْتقل إِلَى بَغْدَاد فَأخذ بهَا عَن أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ صَاحب الداركي وَحضر مجْلِس الشَّيْخ أبي حَامِد الإسفرائيني وَلم يثبت أَنه أَخذ عَنهُ أثنى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ لم أر فِيمَن رَأَيْت أكمل اجْتِهَادًا وَأَشد تَحْقِيقا وأجود نظرا فِي الْفِقْه مِنْهُ شرح الْمُخْتَصر وفروع ابْن الْحداد وصنف فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول والجدل كتبا كَثِيرَة لَيْسَ لأحد مثلهَا عمر مئة سنة وسنتين لم يخْتل عقله وَلَا تغير فهمه يُفْتِي مَعَ الْفُقَهَاء ويستدرك عَلَيْهِم الْغَلَط وَيَقْضِي بمحاضرهم فيحضر المواكب فِي دَار الْخلَافَة وَلم يزل فِي ذَلِك حَتَّى توفّي يَوْم السبت لعشر بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمئة فِي بَغْدَاد وَدفن بمقبرة بَاب حَرْب وَأما شُيُوخه الْمُقدم ذكرهم فَأَبُو عَليّ الزجاجي تفقه بِأبي الْعَبَّاس بن الْقَاص

стр. 215

وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء آمد وَلم يذكر أَبُو إِسْحَاق غير مَا ذكرت وتفقه الزجاجي بِأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي أَحْمد عرف بِابْن الْقَاص الطَّبَرِيّ بتفقهه بِابْن سُرَيج وَكَانَ من أَئِمَّة الْمَذْهَب صنف المصنفات البديعة الْمِفْتَاح وأدب الْقَضَاء والمواقيت وَالتَّلْخِيص الَّذِي شَرحه أَبُو عبد الله حسن الْإِسْمَاعِيلِيّ وَقَالَ تمثلت فِيهِ بقول الشَّاعِر ... عقم النِّسَاء فَمَا يلدن بِمثلِهِ ... إِن النِّسَاء بِمثلِهِ عقم ... وَعنهُ أَخذ فُقَهَاء طبرستان وَكَانَت وَفَاته بطرسوس قَالَ ابْن خلكان كَانَ إِمَام وقته فِي طبرستان وَكَانَ يعظ النَّاس فَانْتهى فِي بعض أَسْفَاره إِلَى طرسوس وَعقد لَهُ مجْلِس وعظ وأدركته خشيَة وروعة من ذكر الله تَعَالَى فَخر مغشيا عَلَيْهِ ثمَّ توفّي عقب ذَلِك سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وَعرف وَالِده بالقاص لِأَنَّهُ كَانَ يقص الْأَخْبَار والْآثَار وطرسوس الَّتِي توفّي بهَا قد مضى ضَبطه بَلْدَة بِفَتْح الطَّاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضم السِّين الْمُهْملَة ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ سين مُهْملَة وَشَيْخه ابْن سُرَيج قد مضى اللَّائِق من أَحْوَاله واتصاله بِالْإِمَامِ الشَّافِعِي وَأما ابْن كج فَهُوَ القَاضِي الشَّهِيد أَبُو الْقَاسِم يُوسُف بن أَحْمد بن كج صَاحب أبي الْحسن ابْن القطاني حضر مجْلِس الداركي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي حَقه كَانَ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا جمع بَين رياسة الْفِقْه والفتيا وارتحل النَّاس إِلَيْهِ من الْآفَاق رَغْبَة فِي علمه وجودة فهمه وَله مصنفات كَثِيرَة قَتله العيارون بالدينور لَيْلَة سَابِع وَعشْرين رَمَضَان سنة خمس وأربعمئة وَشَيْخه ابْن الْقطَّان هُوَ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد عرف بِابْن الْقطَّان قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق هُوَ آخر من عَرفْنَاهُ من أَصْحَاب بن سُرَيج درس بِبَغْدَاد وَأخذ عَنهُ الْعلمَاء وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَخمسين وثلثمائة وَأما الْإِسْمَاعِيلِيّ فَهُوَ أَبُو سعيد إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن الْعَبَّاس الْإِسْمَاعِيلِيّ الْمَشْهُور بذلك قَالَ الصاحب بن عباد فِي رِسَالَة كتبهَا إِلَيْهِ

стр. 216

وَأما أَنْت أَيهَا الْفَقِيه أَبَا سعيد فَمن يراك حِين تدرس وتفتي وتحاضر وتروي وتكتب وتملي علم أَنَّك الحبر ابْن الحبر وَالْبَحْر ابْن الْبَحْر والضياء ابْن الْفجْر ثمَّ ذكر مَعَه أَخَاهُ وأباه فَقَالَ رحم الله شيخكم الْأَكْبَر فَإِن الثَّنَاء عَلَيْهِ غنم وَالنِّسَاء بِمثلِهِ عقم فليفخر بكم أهل جرجان مَا سَالَ واديها وَأذن مناديها قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق قدم القَاضِي أَبُو الطّيب جرجان قَاصِدا لِأَبِيهِ فَمَاتَ قبل لِقَائِه فَأخذ عَن هَذَا بِحَق أَخذه عَن أَبِيه قَالَ وبأبيه تفقه فُقَهَاء جرجان ثمَّ أثنى عَلَيْهِ وَقَالَ جمع بَين الْفِقْه والْحَدِيث ورياسة الدّين وَالدُّنْيَا وصنف الصَّحِيح وَتُوفِّي سنة سِتّ وَتِسْعين وثلثمائة وَولده توفّي لنيف وَتِسْعين وثلثمائة وَأما الماسرخسي فَهُوَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عَليّ بن سهل الماسرخسي تفقه بِأبي إِسْحَاق الْمروزِي بتفقهه عَن ابْن سُرَيج وَقد مضى بَيَان ذَلِك وَكَانَ متقنا للْمَذْهَب درس بنيسابور وَعنهُ أَخذ فقهاؤها ومعظم تفقه القَاضِي أبي الطّيب بِهِ لزم مَجْلِسه أَربع سِنِين وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلثمائة وَأما الْخَوَارِزْمِيّ فَهُوَ شَيْخه بِبَغْدَاد وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْخَوَارِزْمِيّ الْبَانِي يرْوى بِالْبَاء الْمُوَحدَة وبالنون سمعناه كَذَلِك تفقه بالداركي أثنى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق وَقَالَ فِي حَقه كَانَ فَقِيها شَاعِرًا أديبا مترسلا كَرِيمًا درس بِبَغْدَاد بعد شَيْخه الداركي وَتُوفِّي سنة ثَمَانِي وَسبعين وثلثمائة وَشَيْخه الإِمَام الداركي هُوَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْعَزِيز بن عبد الله الداركي كَانَ فَقِيها فَاضلا تفقه بِأبي إِسْحَاق قد ذكرت أَن مُعظم طرق الْمروزِي عَنهُ وَإِلَيْهِ انْتهى التدريس بِبَغْدَاد وَعَلِيهِ تفقه الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإسفرائيني وَقد مضى بَيَان طَرِيق الشَّيْخ أبي حَامِد واتصالها بِالْإِمَامِ الشَّافِعِي ثمَّ نعود إِلَى بَيَان اتِّصَال الإِمَام زيد بن عبد الله بالشيخ أبي إِسْحَاق قد ذكرت أَن مُعظم طرق أهل الْيمن فِي الْفِقْه خَاصَّة لَا يكَاد يتَجَاوَز هَذَا الرجل خَاصَّة فِي كتب الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فاتجه بَيَان مَا ثَبت أَولا من ذكر شُيُوخه الموصلة لَهُ بالمصنف وهما الفقيهان الكبيران الطَّبَرِيّ والبندنيجي وَكَانَ الطَّبَرِيّ فِيمَا قيل أعلم الرجلَيْن لَكِن بِهِ ضيق خلق وَلذَلِك وَقل الْأَخْذ عَنهُ بِخِلَاف الْبَنْدَنِيجِيّ والطبري هُوَ أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن عَليّ تفقه بالشيخ أبي إِسْحَاق وَكَانَ متسع الْعلم فَقِيها أصوليا نحويا لغويا وَهُوَ مُصَنف الْعُمْدَة فِي الْفِقْه ولي قَضَاء مَكَّة وَقيل بل

стр. 217

وليه ابْنه إِبْرَاهِيم وَتُوفِّي على حَيَاة أَبِيه ثمَّ خَلفه أَبوهُ أَيَّامًا وَاعْتذر فعذر وَكَانَت وَفَاته بعد خَمْسمِائَة وَمن ذُريَّته أَبُو البركات بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الْفَقِيه مقدم الذّكر ولي الْقَضَاء وَمِنْهُم جمَاعَة بِمَكَّة قَالَه ابْن سَمُرَة قَالَ وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن الْفَقِيه أَيْضا حُسَيْن الْمَذْكُور وَكَانَ فَقِيها مجودا لَوْلَا أَنه اشْتغل بِالْعبَادَة مَعَ الصُّوفِيَّة لَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه وَالْخلاف قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَ الْفُقَهَاء يكْرهُونَ اشْتِغَال الْعَالم بِالْعبَادَة وَيَقُولُونَ أَنه فرار من الْعلم وَلَعَلَّ الطبريين الْمَوْجُودين الْآن بِمَكَّة من ذُريَّته وَأما الْبَنْدَنِيجِيّ فَهُوَ أَبُو نصر هبة الله بن ثَابت الْبَنْدَنِيجِيّ نِسْبَة إِلَى بلد بِالْقربِ من الْبَصْرَة تسمى بندنيجين بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وخفض النُّون ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة وَفتح الْجِيم ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ نون تفقه بالشيخ أبي إِسْحَق مقدم الذّكر كَمَا تقدم وَكَانَ سهل الْمُقَابلَة لين الْجَانِب صبورا على الإقراء لذَلِك كَانَ الْأَخْذ عَنهُ أَكثر من الْأَخْذ عَن الطَّبَرِيّ وَكَانَ بَينهمَا منافرة ثمَّ اصطلحا وَتُوفِّي قبل الطَّبَرِيّ وَكَانَ قد كف بَصَره وَلما توفّي حضر الصَّلَاة عَلَيْهِ الطَّبَرِيّ واليفاعي ووفاته على رَأس خَمْسمِائَة وَقد مضى بَيَان ذَلِك واتصال شيخهما بِالْإِمَامِ نرْجِع إِلَى ذكر فُقَهَاء الْيمن من أهل طبقَة الشَّيْخ زيد بن عبد الله اليفاعي وهم جمَاعَة مِنْهُم مقبل بن مُحَمَّد بن زُهَيْر بن خلف الْهَمدَانِي تفقه فِي بدايته بِأبي بكر بن جَعْفَر مقدم الذّكر وَأخذ عَن ابْن أبي ميسرَة وارتحل إِلَى كرمان وتفقه بهَا على قطب الدّين وَجَمَاعَة من فقهائها ثمَّ عَاد الْيمن فسكن ذَا أشرق رَغْبَة فِي الْكتب الْمَوْقُوفَة بهَا إِذْ كَانَ قَلِيل الْكتب وَكَانَ فَقِيها زاهدا ورعا متقللا صواما قواما مَشْهُورا باستجابة الدُّعَاء وَسكن فِي آخر عمره قَرْيَة الدمنة شَرْقي ذِي أشرق وَهِي بخفض الدَّال الْمُهْملَة بعد ألف وَلَام ثمَّ سُكُون الْمِيم وَفتح النُّون ثمَّ هَاء سَاكِنة وَله مُخْتَصر حسن فِي الْفَرَائِض وَكَانَ شَيْخه الْفَقِيه أَبُو بكر بن جَعْفَر يَأْتِيهِ إِلَى الدمنة فيجد أَصْحَابه يقرأون

стр. 218

عَلَيْهِ فيعجبه ذَلِك وَيَقُول صدق من سماك مُقبلا ويسأله الدُّعَاء ويحثه على الاسْتقَامَة على ذَلِك وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى توفّي بعد بُلُوغ خمسين سنة من الْعُمر وَكَانَت وَفَاته غَالِبا بعد خَمْسمِائَة سنة لم يتَزَوَّج فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أَنا حر لَا أملك نَفسِي أحدا وَمِنْهُم سَالم بن الْفَقِيه عبد الله بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن سَالم الْمُتَقَدّم الذّكر فِي أَصْحَاب الْقَاسِم وَولده عبد الله غلب تفقهه بِأَبِيهِ وَأخذ عَن ابْن أبي ميسرَة وَهَذَا سَالم هُوَ يعرف عِنْد أَهَالِيهمْ بسالم الْأَصْغَر وَهُوَ أحد شُيُوخ عمر بن إِسْمَاعِيل توفّي بِذِي أشرق فِي شهر الْحجَّة آخر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم عبد الله بن عبد الرَّزَّاق بن حسن بن أَزْهَر كَانَ من أتراب الْفَقِيه سَالم وزامله فِي الْقِرَاءَة عَليّ بن أبي ميسرَة ارتحلا إِلَيْهِ فَأخذ عَنهُ بجبل الصلو نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه للصفار وَذَلِكَ سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ تفقه بِأبي بكر بن جَعْفَر كَانَ فَقِيها جليل الْقدر انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة التدريس وَالْفَتْوَى فِي ذِي أشرق وتفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر بن سَالم وَكَانَت وَفَاته بِذِي أشرق سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة بعد بُلُوغ عمره سِتا وَسِتِّينَ سنة وَمن قَرْيَة العقيرة بِالْعينِ الْمُهْملَة بعد ألف وَلَام ثمَّ قَاف مُشَدّدَة مفتوحتان ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء وَهِي قَرْيَة من معشار التعكر على نصف مرحلة من الْجند كَانَ بهَا فُقَهَاء متقدمون ومتأخرون يعودون إِلَى بطن من يافع يعْرفُونَ باليحويين أول من شهر مِنْهُم الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْأَغَر بن أبي الْقَاسِم بن عَوْف بن عنَاق اليحيوي ثمَّ اليافعي تفقه بِبَعْض بني عَلْقَمَة وَلَعَلَّه بعمر بن إِسْمَاعِيل بن عَلْقَمَة يُقَال حَبسه صَاحب حصن التعكر مُدَّة فَصَارَ

стр. 219

السجْن كَأَنَّهُ مدرسة بِكَثْرَة الْقِرَاءَة وَالصَّلَاة وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة هُنَالك فَلَمَّا علم صَاحب الْحصن خشِي مِنْهُ فَأَطْلقهُ وَله مُصَنف فِي الْفُرُوع أودعهُ جملَة مستحسنة من الدُّرَر وَمن ذُريَّته الْفُقَهَاء اليحيويون الْآتِي ذكر من اسْتحق الذّكر مِنْهُم مَعَ أهل طبقته وَمِنْه الوزراء صدر الدولة المؤيدية وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع خلون من صفر الْكَائِن سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَلم يذكرهُ ابْن سَمُرَة وَإِنَّمَا كتبت إِلَى بعض الْفُقَهَاء فِي ناحيته من ذُريَّته أستخبره عَن من يحققه من أَصْحَابهم فَأَخْبرنِي بِهَذَا وَمَا ذكرته عَنهُ وَمن بعدان إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه يَعْقُوب بن أَحْمد مقدم الذّكر تفقه بِأَبِيهِ وَكَانَ زاهدا ورعا ذكره ابْن سَمُرَة بذلك وَمن قَرْيَة الملحمة وَقد ذكرت أَبُو الْخطاب عمر بن مُحَمَّد بن عمر بن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم مقدم الذّكر كَانَ فَقِيها خيرا من ذُريَّته الْفُقَهَاء بَنو مَضْمُون المعروفون بفقهاء الملحمة قَالَ الْحَافِظ العرشاني الْآتِي ذكره أَخْبرنِي شَيْخي يحيى بن مُحَمَّد عَن جده هَذَا عمر أَنه قَالَ كنت بِمَكَّة عَام كَذَا وَأَرْبَعمِائَة فَكنت يَوْمًا فِي الْحرم عِنْد القيلولة فِي شدَّة الْحر وَمَا فِي المطاف إِلَّا رجل أَو رجلَانِ وَإِذا بِرَجُل عَلَيْهِ طمران مُشْتَمل على رَأسه أقبل يسير رويدا حَتَّى قرب من الرُّكْن الْأسود وَلَا أعلم مَا يُرِيد وَأَنا أنظر إِلَيْهِ فَأخْرج من تَحْتَهُ معولا وَضرب الرُّكْن ضَرْبَة شَدِيد ة حَتَّى خفقه الخفقة الَّتِي فِيهِ ثمَّ رفع يَده يُرِيد يضْربهُ ثَانِيًا ليذهبه فَابْتَدَرَهُ رجل من أهل الْيمن ثمَّ من السكاسك كَانَ فِي الطّواف فطعنه بخنجر كَانَ مَعَه طعنة عَظِيمَة فأسقطه فَأقبل النَّاس من نواحي الْمَسْجِد لينظروه فوجدوه وَقد مَاتَ وَهُوَ رومي مَعَه معول عَظِيم قد حد ليقطع بِهِ الرُّكْن ثمَّ إِن النَّاس أَخْرجُوهُ من الْحرم وجمعوا لَهُ الْحَطب وأحرقوه بالنَّار وَلم أجد لَهُ تَارِيخا وَمن المشيرق ثمَّ من بني ملامس الأخوان مُحَمَّد وَعلي ابْنا أسعد الْفَقِيه بن الْفَقِيه خير بن الإِمَام يحيى بن عِيسَى بن ملامس أخذا عَن أَبِيهِمَا وسمعا عَلَيْهِ البُخَارِيّ من جملَة جمَاعَة فمحمد سَمعه سنة خَمْسمِائَة وَعلي سَمعه من جملَة

стр. 220

جمَاعَة بعلقان الْبَلَد الْمُقدم ذكره فِي مُدَّة آخرهَا جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَمن وَادي ميتم بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ثمَّ مِيم وَهُوَ وَاد كَبِير فِيهِ قرى كَثِيرَة ومزارع عَظِيمَة بِالْقربِ من مَدِينَة إب يسْقِي مَاؤُهُ وَادي لحج وَيُقَال إِنَّه سمي باسم رجل من مُلُوك حمير وَكَذَلِكَ غَالب الْيمن إِنَّمَا هِيَ مُسَمَّاة بهم كَانَ بالوادي من أهل الطَّبَقَة عبد الله بن يزِيد القسمي عرف بالميتمي كَانَ فَقِيها صَالحا زاهدا ورعا رأى لَيْلَة الْقدر فَسَأَلَ الله أَن يرزقه رزقا حَلَالا فرزقه نحلا وَبَارك فِيهِ بِحَيْثُ أَنه كَانَ يَبِيع من عسله وَولده جملَة مستكثرة وَرُوِيَ أَنه سمع هَذَا الدُّعَاء فِي لَيْلَة الْجُمُعَة أَو فِي لَيَال ذكر عَنهُ فضل عَظِيم فِي أُمُور الدَّاريْنِ وَهُوَ اللَّهُمَّ منشىء الْخلق بِحِكْمَتِهِ وممسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا بقدرته يَا من لَيْسَ لأوليته ابْتِدَاء وَلَا لآخرته انْتِهَاء يَا بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَا ذَا الْمَعْرُوف الَّذِي لَا يُنكر أَسأَلك بِأَن الرَّحْمَة فِيك مَوْجُودَة وَأَن الْمَغْفِرَة عنْدك معهودة يَا مولى كل قوي وَضَعِيف وَيَا غياث كل ملهوف يَا الله يَا رحمان ارْحَمْ غربتي فِي الْقَبْر وانقطاعي إِلَيْك وَكَانَ الْفَقِيه يَسْتَعْمِلهُ فِي كل أَمر مُهِمّ فيفرجه الله وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم حَمْزَة بن مقبل بن سَلمَة كَانَ فَقِيها عَالما وَكَانَ قد يجْتَمع مَعَ الْفَقِيه مقبل مقدم الذّكر ذكرُوا أَنَّهُمَا اجْتمعَا بِمَكَّة وعَلى عَرَفَات فَكَانَ يسْأَل مقبل الدُّعَاء وَأَنه سُئِلَ بِعَرَفَات فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَبسط يَدَيْهِ وَلم أعلم من أَي بلد هُوَ وَلَعَلَّه من الْجند ونواحيها وَمِنْهُم أَبُو بكر بن عبد الله بن صبيح الأصبحي مَسْكَنه قَرْيَة الذنبتين كَانَ فَاضلا وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَن ابْن أبي ميسرَة سنَن أبي قُرَّة بِمَسْجِد الْجند سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 221

وَمِمَّنْ قدم الْيمن وعد من علمائها فَانْتَفع بِهِ أَهلهَا فِي طبقَة الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبدويه المهروباني فعبدويه اسْم أعجمي نَحْو سِيبَوَيْهٍ ونفطويه وَهُوَ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَالْوَاو وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ هَاء والمهروباني لَا أَدْرِي إِلَى مَا هَذِه النِّسْبَة هَل هِيَ إِلَى بلد أوجد وَهُوَ بميم مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام وَسُكُون الْهَاء وَضم الرَّاء وَيكون الْوَاو وَفتح الْبَاء ثمَّ ألف ثمَّ نون ثمَّ يَاء نِسْبَة سَأَلت عَن ذَلِك بعض من يَدعِي الْخِبْرَة فَقَالَ لَعَلَّه نسب إِلَى بلد بساحل الْبَصْرَة يُقَال لَهُ ماهروبان وبميم مَفْتُوحَة ثمَّ ألف وَفتح الْهَاء ثمَّ رَاء ثمَّ وَاو سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ نون مولده سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ دُخُوله الْيمن تَقْرِيبًا فِي آخر المئة الْخَامِسَة وَكَانَ قد تفقه بالشيخ أبي إِسْحَاق بِبَغْدَاد وَحدث فِي بعض الْأَسَانِيد أَنه كَانَ فَرَاغه لقِرَاءَة الْمُهَذّب على مُصَنفه ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَأول بلد ورده من الْيمن مَدِينَة عدن ثمَّ صَار إِلَى زبيد وَنزل الْمفضل بن أبي البركات إِلَيْهَا يُرِيد نصر بعض مُلُوك الْحَبَش على ابْن عَم لَهُ قد نازعه فَدخل الْمفضل زبيد بِجَيْش عَظِيم وانتهب للفقيه جملَة مستكثرة ثمَّ إِنَّه انْتقل بعد ذَلِك إِلَى جَزِيرَة بالبحر تعرف بكمران بِفَتْح الْكَاف وَالْمِيم وَالرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ نون وَذَلِكَ سنة خمس وَخَمْسمِائة وَكَانَ ذَلِك بعد نهب زبيد بأشهر وَلم يكد يفلح الْمفضل بعد أَن نهب زبيد وَلَا عَاشَ غير شهر أَو نَحوه وَسَيَأْتِي تَارِيخ ذَلِك عِنْد ذكر أَيَّامه وَقد بَقِي مَعَه بَقِيَّة من المَال فَاشْترى جلابة وسفر موَالِي لَهُ إِلَى الْحَبَشَة والهند وَمَكَّة وعدن فعادوا غَانِمِينَ سَالِمين ثمَّ فتح الله عَلَيْهِ وَبَارك لَهُ فَبلغ مَاله سِتِّينَ ألف دِينَار وَكَانَ سكناهُ فِي الجزيرة من سنة خمس وَخَمْسمِائة إِلَى أَن توفّي بهَا على مَا يَأْتِي تَارِيخ ذَلِك وَلما اسْتَقر بكمران وشاع علمه قصد من أنحاء الْيمن بتهامتها ونجدها وَكَانَ الإِمَام اليفاعي إِذْ ذَاك بِمَكَّة مُقيما وَلَوْلَا ذَاك لم يَقْصِدهُ أَصْحَابه خَاصَّة وَكَانَ كريم النَّفس بَعيدا عَن اللّبْس فَمِمَّنْ وَصله من الْبِلَاد ثمَّ من نَاحيَة الْجند

стр. 222

عبد الله بن أَحْمد الزبراني وَعبيد بن يحيى من سهفنة وَعمر بن عَليّ السلالي من ذِي أشرق وَيحيى بن مُحَمَّد من الملحمة وَزيد بن الْحسن من وحاظة وَمُحَمّد وَخير ابْنا أسعد بن الْهَيْثَم من المشيرق وَعِيسَى بن عبد الْملك الْمعَافِرِي وَمن أبين عمر وَعبد الله ابْنا عبد الْعَزِيز بن أبي قُرَّة وَعبد الله بن الْأَبَّار وراجح بن كهلان من زبيد وَمن ناحيتها ثمَّ من الهرمة عبد الله بن عِيسَى بن أَيمن وَمن نَاحيَة حيس حسن الشَّيْبَانِيّ مَسْكَنه الخوهة وَيحيى بن عَطِيَّة أَظُنهُ من نواحي المهجم وَاخْتلف أَصْحَابه هَل مُحَمَّد بن كنَانَة أدْركهُ وَأخذ عَنهُ أم لَا فالنقل الصَّحِيح أَنه لم يَأْخُذ إِلَّا عَن ابْن عَطِيَّة وعَلى الْجُمْلَة فأصحابه أَكثر من أَن يحصوا كَثْرَة لَكِن هَؤُلَاءِ فِي الْغَالِب هم أعيانهم وَكَانَ يقوم بكفاية المنقطعين من أَصْحَابه وَكَانَ متحريا فِي مطعمه بِحَيْثُ أَنه لَا يَأْكُل إِلَّا الْأرز الَّذِي يجلبه عبيده من بلد الْكفَّار وَكَانَ التُّجَّار وَغَيرهم يقصدونه إِلَى الجزيرة للتبرك وَرُبمَا جَاءُوا بِنذر للدرسة وَكَانَ بِقرب السَّاحِل الَّذِي تخلص مِنْهُ إِلَى الجزيرة رجل صوفي اسْمه مُحَمَّد بن يُوسُف بن أبي الْخلّ صحب الْفَقِيه وَأكْثر زيارته وَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض التَّنْبِيه ثمَّ حصل بَينهمَا ألفة قَوِيَّة فأزوجه بابنة لَهُ فأولدت لَهُ ثَلَاثَة بَنِينَ هم عبد الله وَأحمد وَعبد الحميد وَلَهُم الذُّرِّيَّة الَّذين يعْرفُونَ بالفقهاء بني أبي الْخلّ يَأْتِي بَيَان ذَلِك عِنْد ذكرهم فِي طبقتهم إِن شَاءَ الله وامتحن هَذَا الْفَقِيه بالعمى ثمَّ رد إِلَيْهِ بَصَره قَالَ الإِمَام سيف السّنة فِيمَا وجدته بِخَطِّهِ أَخْبرنِي الْفَقِيه عَبَّاس بن الْحسن بن بشر الشرعبي من مخلاف الشّرف وَكَانَ من أهل الدّيانَة والورع والصدق وَمِمَّنْ قَرَأَ عَليّ كتاب الْغَرِيب بِمَدِينَة إب فِي جُمَادَى الأولى من سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة قَالَ أَخْبرنِي الْفَقِيه أَبُو بكر الْحَرْبِيّ من الْمَحَلِّيَّة بِمحل عشمل من وَادي الكدرى قَالَ كنت مِمَّن يقْرَأ على الشَّيْخ الإِمَام مُحَمَّد بن عبدويه بِجَزِيرَة كمران وَقد كف بَصَره فَجئْت مرّة من بلدي أَزورهُ فَدخلت المهجم فَوجدت بهَا طَبِيبا فَأَخْبَرته بِحَال الْفَقِيه وَسَأَلته السّير معي إِلَيْهِ ليعْمَل بمداواته وبذلت لَهُ على ذَلِك دِينَارا فَأَجَابَنِي

стр. 223

وَخرج معي من المهجم ثمَّ ركبنَا الْبَحْر حَتَّى أَتَيْنَا الجزيرة فَجئْت الْفَقِيه فَسلمت عَلَيْهِ وأخبرته بقدومي بالطبيب وَقَالَ لَا بَأْس ثمَّ لما كَانَ فِي آخر الْيَوْم الَّذِي قدمنَا بِهِ دَعَا بِابْن ابْن لَهُ وَقَالَ اكْتُبْ ثمَّ أمْلى عَلَيْهِ شعرًا ... وَقَالُوا قد دهى عَيْنَيْك سوء ... فَلَو عالجته بالقدح زَالا فَقلت الرب مختبري بِهَذَا ... فَإِن أَصْبِر أنل مِنْهُ النوالا وَإِن أجزع حرمت الْأجر مِنْهُ ... وَكَانَ حصيصتي مِنْهُ الوبالا وَإِنِّي صابر رَاض شكور ... وَلست مغيرا مَا قد أنالا صَنِيع مليكنا حسن جميل ... وَلَيْسَ لصنعه شَيْء مِثَالا وربي غير متصف بحيف ... تَعَالَى رَبنَا عَن ذَا تَعَالَى ... وَلما بلغ قَوْله وَإِنِّي صابر رَاض الْبَيْت رد الله عَلَيْهِ بَصَره وأضاء لَهُ الْمَسْجِد وعاين ابْن ابْنه وَهُوَ يكْتب وتكامل بَصَره بِفضل الله تَعَالَى فَقَالَ لي أعْط الطَّبِيب مَا شرطت لَهُ فقد حصل الشِّفَاء بِإِذن الله تَعَالَى لَا بمداواته وَأورد لَهُ ابْن سَمُرَة شعرًا من الْمُنَاجَاة ... لَيْتَني مت قبل ذَنبي فَإِنِّي ... كلما قلت قد قربت بَعدت لَيْتَني عِنْدَمَا عصيتك رَبِّي ... لهواني على الرماد ذبحت لَيْتَني عِنْدَمَا هَمَمْت بذنب ... بوقود الغضا حرقت ففت يَا رَحِيم الْعباد طرا أَغِثْنِي ... وأجرني فإنني قد هَلَكت يَا رَحِيم الْعباد إِن لم تُجِرْنِي ... فلنفسي إِذا خسرت خسرت يَا رَحِيم الْعباد اجْعَل جوابي ... يَا عَبِيدِي قد رحمت رحمت يَا رَحِيم الْعباد كن لي مجيبا ... لَا تخفني وَقل غفرت غفرت يَا رَحِيم الْعباد ارْحَمْ خضوعي ... ونداي وَقل عَفَوْت عَفَوْت ... وَكَانَت وَفَاته بالجزيرة على الْحَال المرضي لَيْلَة الْخَمِيس لعشر خلون من ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة بعد أَن بلغ عمره ثمانيا وَثَمَانِينَ سنة وقبر إِلَى جنب مَسْجده من جِهَة الْمشرق وَكَانَ لَهُ ابْن اسْمه عبد الله فَقِيه عَالم بالفقه وَالْأُصُول حسن التَّصَرُّف فِي ذَلِك تفقه بِأَبِيهِ وَكَانَ من الْكِرَام يدان على الْمُرُوءَة ومواساة المحتاجين وَذَوي الِانْقِطَاع

стр. 224

وَكَانَ مِمَّن يقْصد للامتياح وَكَانَ غَالب أوقاته مديونا حَتَّى مَاتَ وَعَلِيهِ دين عَظِيم لم يقضه غير وَلَده وَكَانَ مبلغه ألف دِينَار ورثاه تلميذ أَبِيه الْفَقِيه عمر السلالي بقصيدة كَبِيرَة مِنْهَا ... أَمن بعد عبد الله نجل مُحَمَّد ... يصون دموع الْعين من كَانَ مُسلما وَقد غاض بَحر الْعلم مذ غَابَ شخصه ... وَلَكِن بحرالجود من بعده طمى تضعضع بُنيان الْعُلُوم لفقده ... وَأصْبح وَجه الدّين أَرْبَد أقتما غَدا كل نور فِي الجزيرة جَامِدا ... وَأصْبح ركن الْعلم ثمَّ مهدما فيا منهلا يروي الْقُلُوب بورده ... شهِدت لقد أورثتها بعْدك الظما فيا أَيهَا الشَّيْخ الإِمَام تصبرا ... وَإِن كنت أهْدى من سواك وأحلما هُوَ الدَّهْر لَا يبْقى على حَالَة مَعًا ... يُدِير على أهليه بؤسا وأنعما فحينا نرَاهُ باسر الْوَجْه عَابِسا ... وحينا نرَاهُ ضَاحِكا مُتَبَسِّمًا فَمَا أبقت الدُّنْيَا مُطَاعًا مسودا ... وَلَا ملكا فِي السَّابِقين مكرما فَأَيْنَ جديس أَيْن طسم وجرهم ... ألم تطمس الْأَيَّام طسما وجرهما أما أهلكت عَاد وَمن كَانَ قبلهَا ... وَمن بعْدهَا من ذَا من الْقدر احتمى ... قَالَ ابْن سَمُرَة والمرثاة طَوِيلَة تزيد على خمسين بَيْتا لم يُورد مِنْهَا غير مَا أوردته وذكرته اسْتِشْهَادًا على فضل قَائِلهَا وَمن قيلت فِيهِ إِذْ الْقَائِل فَقِيه صَالح لَا يسْتَحل مدح من لَا يسْتَحق وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله وَمن أهل صنعاء أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ صَاحب التَّارِيخ الْمَذْكُور فِي الْخطْبَة كَانَ إِمَامًا عَارِفًا بالفقه والْحَدِيث مولده صنعاء لَكِن أَظن أَهله من الرّيّ فنسب إِلَيْهَا وَكَانَ فَقِيها سنيا وَكتابه يدل على ذَلِك وعَلى سَعَة نَقله وَكَمَال عقله وَمن غَرِيب مَا أوردهُ عَن هاني مولى عُثْمَان بن عَفَّان بِسَنَد مُتَّصِل أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْقَبْر أول منزل من منَازِل الْآخِرَة فَمن نجا مِنْهُ فَمَا بعده أيسر مِنْهُ وَمن لم ينج فَمَا بعده أشر قَالَ وَكَانَ ﷺ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت قَالَ اسْتَغْفرُوا

стр. 225

لصاحبكم واسألوا الله تَعَالَى لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل قَالَ وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على وجوب تلقين الْمَيِّت إِذا ألحد بِالشَّهَادَتَيْنِ وحققت أَنه قَارب فِي تَارِيخه إِلَى آخرالمئة الْخَامِسَة وَمِنْهُم مُسلم بن الْفَقِيه أبي بكر بن الْفَقِيه أَحْمد بن عبد الله الصعبي قد ذكرته أثْنَاء ذكرالإمام زيد أَنه كَانَ القَاضِي من أَصْحَابه وَهُوَ أحد شُيُوخ الإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر وارتحل إِلَيْهِ من الْجند بعد وَفَاة شَيْخه الإِمَام زيد فَوقف عِنْده بسهفنة وَأخذ عَنهُ كتابي المراغي المعروفين بالحروف السَّبْعَة وشيئا من الْكتب المسموعات وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ هما مُحَمَّد وأسعد تفقها بأبيهما وَغَيره وَأخذ مُحَمَّد عَن ابْن أبي ميسرَة موطأ مَالك وَعنهُ أَخذ الْفَقِيه عبد الله بن يحيى الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله ثمَّ صَار الْفِقْه إِلَى طبقَة أُخْرَى وغالب أَهلهَا من تلاميذ هذَيْن الْإِمَامَيْنِ اليفاعي وَابْن عبدويه وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن أبي عبد الله الْهَمدَانِي نسبا والزبراني بَلَدا نِسْبَة إِلَى قَرْيَة من بادية الْجند يُقَال لَهَا زبران بِفَتْح الزَّاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء ثمَّ ألف وَنون وَهِي على أكمة مُرْتَفعَة من جِهَة يمن مغرب الْجند أثنى ابْن سَمُرَة على هَذَا الْفَقِيه ثَنَاء كليا فَقَالَ حِين ذكر أَصْحَاب الْإِمَامَيْنِ من أعلاهم رُتْبَة وأكملهم طبقَة الإِمَام الْعَلامَة ثمَّ ذكره قَالَ وَكَانَ فَقِيها فَاضلا وكما ذكر شهير الذّكر أَخذ فِي بدايته عَن أبي بكر بن جَعْفَر مقدم الذّكر ثمَّ كَانَ أول من لزم الدَّرْس على الإِمَام زيد وتفقه بِهِ وَلما علم كَمَاله وعدالته أذن لَهُ بالفتوى وَإِطْلَاق خطه عَن النَّوَازِل وَكَانَ يفضله على كَافَّة أَصْحَابه وَهُوَ أحد شُيُوخ صَاحب الْبَيَان وَلما هَاجر شَيْخه زيد بن عبد الله إِلَى مَكَّة ترافقا هُوَ والفقيه عبيد بن يحيى السهفني إِلَى تهَامَة فلحقا بِابْن عبدويه فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُهَذّب ومصنفه الْإِرْشَاد فِي أصُول الْفِقْه ثمَّ عادا إِلَى بلديهما وَلما عَاد الإِمَام زيد إِلَى

стр. 226

الْجند لزم أَيْضا مَجْلِسه وَلم يُفَارِقهُ حَتَّى توفّي وَكَانَت وَفَاته بقرية زبران سنة ثَمَانِي عشرَة وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عُمَيْر العريقي تفقه باليفاعي وَلما حج أدْرك الْبَنْدَنِيجِيّ فَأخذ عَنهُ مُصَنفه الْمُعْتَمد فِي الْخلاف وَهُوَ شيخ الشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر فِيهِ وَكَانَ مَشْهُورا بالورع وَمِنْهُم أَبُو حَامِد بن الْفَقِيه أبي بكر بن عبد الله بن صبيح الأصبحي مقدم الذّكر تفقه باليفاعي وَمِنْهُم زيد بن أسعد مَسْكَنه حَسَنَات وَمِنْهُم مُوسَى بن عَليّ الصعبي سكن ذَا الْحفر من عزلة نعيمة فتح النُّون وخفض الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح الْمِيم ثمَّ هَاء والحفر بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة بعد ألف وَلَام وَسُكُون الْفَاء ثمَّ الرَّاء ونعيمة عزلة مَشْهُورَة من مخلاف جَعْفَر وتعرف بنعيمة المسواد إِضَافَة إِلَى حصن عِنْدهَا يعرف بالمسواد بميم مخفوضة بعد ألف وَلَام ثمَّ سين سَاكِنة وواو مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ودال مُهْملَة وَكَانَ من الْحُصُون المعدودة أخربه المظفر بن رَسُول سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة وَهُوَ على ذَلِك إِلَى الْآن سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَهُوَ على الْقرب من مَدِينَة جبلة وَهَذَا الْكَلَام دخيل وَإِنَّمَا أوردته لِأَنِّي كنت أصحفه وأتوهم بتحقيقه وَكَانَ تفقه مُوسَى هَذَا الْمَذْكُور بالفقيه مقبل بن زُهَيْر وَمن بلد أحاظة الأديبان الفاضلان الأخوان عِيسَى وَإِسْمَاعِيل ابْنا إِبْرَاهِيم الربعِي كَانَا إمامي وقتهما فِي الْأَدَب فعيسى رَأس الطَّبَقَة فِي اللُّغَة والمحقق لمشكلها وَكتابه الموسوم بنظام الْغَرِيب يدل على ذَلِك أَنه مجود فِي النَّقْل كَامِل

стр. 227

فِي الْفضل وَعَلِيهِ يعول كثير من أهل الْيمن من وَقت وجوده إِلَى هَذَا الزَّمن من لَا يقرأه ويتكرر فِيهِ لَا يعده كثير من النَّاس لغويا وَقد أَخذه عَنهُ زيد بن الْحسن الفائشي وَكَانَت وَفَاته بِبَلَدِهِ سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأما أَخُوهُ إِسْمَاعِيل فَكَانَ مثله أَو يُقَارِبه فِي الْمعرفَة وَله القصيدة الْمَشْهُورَة بِقَيْد الأوابد وَله شعر حسن وَترسل مستحسن وَفَاته بعد أَخِيه بأيام وَمِنْهُم أَبُو أَحْمد زيد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد بن مَيْمُون بن عبد الله بن أبي أَيُّوب الفائشي ثمَّ الْحِمْيَرِي والفائشي نِسْبَة إِلَى ذِي فائش أحد أذواء حمير وَهُوَ بِالْفَاءِ بعد ذِي بذال مُعْجمَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ فَاء ثمَّ همزَة مخفوضة ثمَّ شين مُعْجمَة سَاكِنة نِسْبَة إِلَى وَاد يُقَال لَهُ الفائش واسْمه سَلامَة بن يزِيد بن مرّة بن عَمْرو بن عريب بن يريم بن مرْثَد بن حمير وَمن ذُريَّته الْقَبِيلَة الَّتِي تعرف فِي الْيمن بالأفيوش وهم جمع كَبِير أهل عز ومنعة وإياه عَنى ابْن خمرطاش حِين عدد الأذواء فَقَالَ ... وَمِنْهُم سَلامَة ذُو فائش ... من ملك الأقطار طرا واجتبى ... نرْجِع إِلَى ذكر الْفَقِيه إِذْ هَذَا الْكَلَام دخيل وَكَانَ مولده لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف شَوَّال سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ رجلا عَارِفًا بعلوم شَتَّى مِنْهَا علم الْقرَاءَات بطرِيق أبي معشر فِي مَكَّة أَخذهَا عَنهُ وَأخذ عَن الْبَنْدَنِيجِيّ التَّبْصِرَة فِي علم الْكَلَام وَكَانَ يقرئها فِي مدرسته وَكَذَلِكَ الإِمَام زيد اليفاعي كَانَ يقرئها أَيْضا وَأخذ عَن ابْن عبدويه وَغَيره وَكَانَ يرتحل إِلَى الْعلمَاء فِي أماكنهم فَيَأْخُذ عَنْهُم وَكَانَ عَارِفًا بالدور والحساب وَالْأُصُول وَعلم الْكَلَام وَكَانَ كثير الْحَج وَرُبمَا جاور فَأخذ بِمَكَّة وَالْمَدينَة عَن من لقِيه فيهمَا من الْعلمَاء فَمن شُيُوخه فِيهَا الْبَنْدَنِيجِيّ وَأَبُو مخلد الطَّبَرِيّ وَإِمَام الْمقَام عبد الْملك بن أبي مُسلم النهاوندي

стр. 228

وَأما شُيُوخه بِالْيمن فأولهم أسعد بن الْهَيْثَم وَخير بن يحيى المشيرقيان وَقد مضى بَيَان ذَلِك والصردفي بقرية سير وَأَبُو بكر بن جَعْفَر الظرافي وَيَعْقُوب بن أَحْمد البعداني وَفِي اللُّغَة عِيسَى بن إِبْرَاهِيم الربعِي ومقبل بن مُحَمَّد بن زُهَيْر وَإِسْمَاعِيل بن المبلول من ذِي أشرق ودمنتها وَأخذ عَن إِبْرَاهِيم بن أبي عباد النَّحْو وَأخذ اللُّغَة عَن الربعِي مؤلف النظام وَكَانَ جوالا فِي أنحاء الْيمن وَلذَلِك كثر علمه واتسع فَضله وجمعت خزانته من كتب الْعلم مَا يزِيد على خَمْسمِائَة كتاب وَكَانَ ورده كل لَيْلَة بِصَلَاتِهِ سبع الْقُرْآن وَله كتاب فِي الْفِقْه سَمَّاهُ التَّهْذِيب نقل عَنهُ شَيخنَا أَبُو الْحسن الأصبحي فِي معينه عدَّة تصاحيح ورأيته فِي المشيرق مَعَ ذُرِّيَّة الْفَقِيه الْهَيْثَم بمجلدين لطيفين وتفقه بِهِ جمع كَبِير مِنْهُم عمر بن عَلْقَمَة وَيحيى بن أبي الْخَيْر مَعَ جمع كَبِير لَا يكَاد يحصرهم الْعدَد وَذَلِكَ للين عريكته وكرم طَبِيعَته وَصَلَاح سُلْطَان بَلَده ومحبته للْعلم وَأَهله وَكَانَ يدرس بِجَامِع الجعامي قَرْيَة من وحاظة بِفَتْح الْجِيم وَالْعين الْمُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ مِيم ثمَّ يَاء مثناة من تَحت وَهِي قَرْيَة من معشار يفوز حصن قديم بِفَتْح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَضم الْفَاء ثمَّ وَاو ثمَّ زَاي وَله مَعَ كَمَال الْعلم أشعار مستحسنة مِنْهَا مَا ذكر أَن السُّلْطَان أسعد بن وَائِل عتب عَلَيْهِ فِي بعض الْأَحْوَال وَكَانَ قد ولاه حكم الشَّرِيعَة بأحاظة فَامْتنعَ فَقَالَ لَهُ الْقَضَاء مُتَعَيّن عَلَيْك فأصر على الِامْتِنَاع فَلَمَّا بلغ الْفَقِيه عتب السُّلْطَان ارتحل عَن الجعامي يُرِيد بَلَده الَّذِي خرج مِنْهَا وَهِي دمت وَبهَا قومه إِلَى الْآن وَكتب إِلَى السُّلْطَان مَا مِثَاله ... إِلَّا إِن لي مولى وَقد خلت أنني ... أُفَارِق طيب الْعَيْش حِين أفارقه جفاني فأقصاني بعيد جفائه ... وصرت بلحظ من بعيد أسارقه وأرقب عَقبي للوداد جميلَة ... وصبرا إِلَى أَن يرقع الْخرق فاتقة وَمَا كَانَ سيري لاختيار فِرَاقه ... وَلكنه ميل إِلَى مَا يُوَافقهُ ...

стр. 229

فحين وقف السُّلْطَان على الْكتاب أَمر برد الْفَقِيه من الطَّرِيق وَإِن كره وَقَالَ لَهُ حِين وصل يَا سَيِّدي الْفَقِيه أَنا أسْتَغْفر الله عَن عتابك وَلَك مني نصف ألف دِينَار وَأَرْض الموحار ودولة اللَّيْل من مَال المسوى فَقبل مِنْهُ الأَرْض وَلم تزل بِيَدِهِ وَيَد ذُريَّته حَتَّى انقرض أعيانهم وضعفوا وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد ثَلَاثَة هم أَحْمد وَأَبُو الْقَاسِم وَعلي أَخذ عَنهُ فِي حَيَاته وَكَانَ يَقُول أَحْمد أقرأكم وَعلي أكتبكم وقاسم أفقهكم وَلم يزل هَذَا الإِمَام على الْحَال المرضي من الْقِرَاءَة والإقراء والقرى حَتَّى توفّي بالجعامي فِي شهر رَجَب من سنة تسعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ ابْن تسعين سنة ثمَّ وَلَده على مَا يَأْتِي ذكره فِي أَصْحَاب الإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر إِذْ عده ابْن سَمُرَة فيهم وَقد عرض مَعَ ذكره ذكر سُلْطَان بَلَده هُوَ أسعد بن وَائِل بن عِيسَى الوايلي ثمَّ الكلَاعِي من ولد ذِي الكلاع الْحِمْيَرِي أثنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة وَقَالَ كَانَ هَذَا السُّلْطَان وَأَبوهُ سَالِمين من الابتداع يؤثرون مَذْهَب السّنة وَعمارَة الْمَسَاجِد ومحبة الْقُرَّاء وَالْعُلَمَاء والعباد ويعظمون السّلف الصَّالح ويتبركون بذكرهم ويهتدون بذكرهم وأفعالهم وَلذَلِك كَانَت أحاظة فِي ذَلِك الْوَقْت وَسَاعَة الأرزاق نضيرة الْبَسَاتِين والأسواق ببركة عبادها وَعدل سلطانها وَكَانَت عامرة الْمَسَاجِد كَامِلَة المصادر والموارد وَكَانَ السُّلْطَان وَائِل هُوَ الَّذِي بنى حصن يفوز وَذَلِكَ بعد قتل الصليحي وَهُوَ أحد من سلم من الْمُلُوك الَّذين حَضَرُوا قَتله على مَا سَيَأْتِي بَيَانه وَكَانَت وَفَاة السُّلْطَان أسعد مقتولا فِي جُمَادَى الأولى سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وقبر بِجَامِع الجعامي وَقَالَ الْفَقِيه عمَارَة بَنو وَائِل من ولد ذِي الكلاع لَهُم رئاسة متأثلة قَالَ وَمِنْهُم أسعد بن وَائِل صَاحب الْكَرم العريض وَالثنَاء المستفيض يَعْنِي هَذَا الَّذِي عده ابْن سَمُرَة وَكَانَ ابْن سَمُرَة أثنى عَلَيْهِ الثَّنَاء المرضي ثمَّ عمَارَة كَذَلِك وَكَانَ محبا للفقهاء ومحسنا إِلَيْهِم اتجه ذكره فيهم لقَوْله ﷺ الْمَرْء مَعَ من أحب وجد من المسودة الجيدة الْقَرِيبَة وَنَرْجِع إِلَى ذكر الْفُقَهَاء فَمن ذِي أشرق أَبُو الْخطاب عمر بن عَليّ بن الْفَقِيه

стр. 230

أسعد بن أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم السلالي فقد مضى بعض ذكره مَعَ عَم أَبِيه عمر وَذَلِكَ السلالي أول من ذكر فِي أول ذكر ذِي أشرق وَأَنه تفقه وتهذب بخاله الصردفي وَكَانَ عمر هَذَا مَشْهُورا بِالْعلمِ وَالْفِقْه وَرُبمَا زَادَت شهرته على أَبِيه وَعَمه وتفقه أَولا بِالْجَبَلِ على عبد الله بن عُمَيْر وَغَيره من فُقَهَاء الْجَبَل ثمَّ ارتحل تهَامَة وَقدم كمران فأكمل تفقهه بِابْن عبدويه وَأخذ عَنهُ أصُول الْفِقْه وَعَاد بَلَده فَأخذ عَنهُ النَّاس وَلما بلغه وَفَاة ابْن شَيْخه فِي الجزيرة رثاه بالقصيدة الَّتِي تقدم ذكر بَعْضهَا وَله غَيرهَا وَمِمَّنْ تفقه بِهِ عبد الله بن مَسْعُود وَعبد الرَّحْمَن بن يحيى الخليدي وأسعد بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم يحيى بن عبد الله الْمليكِي من عرب يُقَال لَهُم الأملوك وَهُوَ قبيل كَبِير من مذْحج تفقه بِالْيمن وَكَانَ مَسْكَنه قَرْيَة وقير من الشوافي بِفَتْح الْوَاو وخفض الْقَاف وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ رَاء وَفِيه مَسْجِد مبارك عَلَيْهِ وقف يسْتَحقّهُ مدرس ودرسة تغير بأيام بني مُحَمَّد بن عمر وزراء الدولة المويدية لما أحدثوه فِي الْأَوْقَاف من نظر الدولة إِلَيْهَا وَلما حج أَخذ عَن الْبَنْدَنِيجِيّ التَّبْصِرَة فِي علم الْكَلَام وَغَيرهَا وَلما عَاد الْيمن أَخذهَا عَنهُ الإِمَام سيف السّنة وَهُوَ طريقنا إِلَى هَذَا المُصَنّف وَمِنْهُم حُسَيْن بن الْفَقِيه عمر السلال مقدم الذّكر وَأَن أَبَاهُ هُوَ ابْن أُخْت الصردفي تفقهه بِأَبِيهِ عمر غَالِبا وَكَانَت وَفَاته بِإِحْدَى الربيعين من سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسبعين سنة

стр. 231

وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن يحيى بن أبي الْهَيْثَم بن عبد السَّمِيع الصعبي ثمَّ الْعَنسِي بالنُّون نِسْبَة ثمَّ السهفني والسهفني بَلْدَة نِسْبَة إِلَى الْقرْيَة الْمَذْكُورَة وَيعرف بعبيد الله على طَرِيق التصغير لعبد الله كَانَ فَقِيها جَلِيلًا شهير الذّكر معدودا فِي أهل النّظر وَكَانَ الشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر يثني عَلَيْهِ وَيَقُول فِي حَقه عبد الله بن يحيى شيخ الشُّيُوخ تفقه باليفاعي ثمَّ لما غَابَ وَأقَام بِمَكَّة ارتحل هُوَ والزبراني كَمَا قدمنَا إِلَى ابْن عبدويه فأخذا عَنهُ وَلما عَاد بَلَده أَخذ عَن مُحَمَّد بن الْمُسلم بن أبي بكر الصعبي وَسَأَلَهُ القَاضِي مُسلم أَن يدرس لَهُ بسهفنة فامتثل وَكَانَ زاهدا ورعا متبحرا فِي الْفِقْه وأصوله وأصول الدّين وصنف كتاب التَّعْرِيف فِي الْفِقْه واحتراز الْمُهَذّب وَفِي أصُول الدّين كتابا سَمَّاهُ إِيضَاح الْبَيَان وَنور على مَذْهَب السّلف وَله عقيدة على منواله ذكر ذَلِك ابْن سَمُرَة قَالَ وَبِه تفقه جمَاعَة كَأبي مَسْعُود بن خيران من الملحمة وَمُحَمّد بن أَحْمد بن عَلْقَمَة من ذِي السفال وَسعد بن عبد الله البحري وَأحمد بن أسعد الكلالي من الشعبانية وَأحمد بن عبد الْملك التباعي من علقان وَعبد الله بن عَليّ قَاضِي ريمة مَعَ جمع لَا يكَاد يحصرهم عد لَكِن هَذَا ذكر أعيانهم وَكَانَ الْفَقِيه صَاحب كرامات منقولة مِنْهَا أَنه حصل بَين أهل قريته وَبَين بني مليك سباب وعداوة فغزا الأملوك سهفنة ونهبوها وَقتلُوا وجرحوا ثمَّ وَقع الْفَقِيه مَعَ قوم من جُمْلَتهمْ فَضَربهُ جمَاعَة مِنْهُم بِالسُّيُوفِ محدوبة فَلم تقطع شَيْئا فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ كنت أَقرَأ سُورَة يس وَقيل بل قَالَ كنت أَقرَأ هَذِه الْآيَات ﴿وَلَا يؤوده حفظهما وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ ﴿فَالله خير حَافِظًا وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ ﴿وحفظا من كل شَيْطَان مارد﴾ وحفظا من كل شَيْطَان رجيم ﴿وحفظا ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ ﴿إِن بَطش رَبك لشديد﴾ إِلَى

стр. 232

آخر السُّورَة وَهَذِه الرِّوَايَة أشهر وَكَانَ يَقُول إِنَّمَا عرفت فضل هَذِه الْآيَات بِيَوْم خرجت إِلَى الْبَريَّة مَعَ جمَاعَة فلقينا شَاة عجفاء مَعهَا ذِئْب يلاعبها وَلَا يَضرهَا فَدَنَوْنَا مِنْهَا فنفر الذِّئْب منا فتأملنا الشَّاة فَوَجَدنَا فِي بعنقها كتابا مربوطا فحللناه فَوَجَدنَا بِهِ هَذِه الْآيَات وَكَانَ يَصْحَبهُ رجل من يافع ثمَّ من بني يحيى من أهل حرض اسْمه عَليّ بن زِيَاد كَانَ ذَا دنيا ومحبا للْعُلَمَاء وَكَانَ يقوم بِجَمِيعِ حوائج الْفَقِيه فِي الأعياد وَغَيرهَا بِحَيْثُ كَانَ الْفَقِيه لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى شَيْء وَكَانَت وَفَاته فِي قريته الْمَذْكُورَة فِي شهور سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة بعد أَن بلغ عمره ثَمَانِي وَتِسْعين سنة وَقيل ثَمَانِينَ وَلَيْسَ بِشَيْء إِذْ ثَبت أَنه كَانَ يَقُول لأَصْحَابه إِن بلغت ثَمَانِينَ عملت لكم شكرانه فَمَاتَ وَلم يعْمل فَحَضَرَ قبرانه الشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر فِي جمع من أَصْحَابه وقبره بالمقبرة الْقبلية من قريته الَّتِي يمر بهَا الطالع ذِي السفال والتعكر وقبره يزار وَيَقُول أهل الْقرْيَة قَبره عِنْد قبر عبيد وَلَا يعْرفُونَ من عبيد وَقد زرته بِحَمْد الله مرَارًا وَمِنْهُم أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن حمد بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم مَعَ فتحهَا ثمَّ دَال مُهْملَة كَانَ قَاضِيا بالمعافر وَلذَلِك يُقَال لَهُ الْمعَافِرِي وَمِنْهُم أَبُو الْخطاب عمر بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن عبد الله بن عَلْقَمَة الجماعي ثمَّ الْخَولَانِيّ من قوم يُقَال لَهُم بَنو جمَاعَة بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم ثمَّ ألف وَفتح الْعين ثمَّ هَاء سَاكِنة مِنْهُم بَقِيَّة يسكنون على قرب من حصن المجمعة أحد حصون بلد الشوافي بشين مُشَدّدَة مُعْجمَة بعد ألف وَلَام ثمَّ فتح الْوَاو ثمَّ ألف ثمَّ خفض الْفَاء ثمَّ يَاء نِسْبَة يَاء النّسَب تفقه فِي بدايته بسالم

стр. 233

الأشرقي مقدم الذّكر ثمَّ ترافق هُوَ وَالشَّيْخ يحيى بن أبي الْخَيْر إِلَى بلد وحاظة فأخذا عَن الإِمَام زيد بن الْحسن الْمُهَذّب وشيئا فِي الْأُصُول واللغة كغريب أبي عبيد ومختصر الْعين ونظام الْغَرِيب وَأدْركَ الْحسن بن أبي عباد فَأخذ عَنهُ مُخْتَصره ثمَّ لما عَاد هُوَ وَالشَّيْخ يحيى إِلَى بَلَده ذِي السفال قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّيْخ يحيى كَافِي الصفار والجمل فِي النَّحْو وَأخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم مُحَمَّد بن مُوسَى العمراني نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه للصفار وَأخذ عَنهُ أَبُو السُّعُود بن خيران مَعَاني الْقُرْآن للصفار وَالْمُعْتَمد للبندنيجي وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح وصحبة أبي الْعَبَّاس الْخضر بِحَيْثُ كَانَ يُوجد عِنْده فِي أثْنَاء ذَلِك ويمليه شَيْئا من ذَلِك وَالَّذِي حقق عَنهُ أَنه أملاه بَاب الْأَذَان وَقيل غَيره وبالأول أَخْبرنِي الْفَقِيه الصَّالح الْآتِي ذكره وَلما انقرضت ذُريَّته وَبلغ السُّلْطَان سُلْطَان الْبَلَد وَهُوَ يَوْمئِذٍ المظفر يُوسُف بن عمر الْآتِي ذكره اشْترى الْكتاب بِثمن واف وَأَوْقفهُ بمدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا بمغربة تعز وَتُوفِّي بقريته ذِي السفال سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة وقبر بمقبرة فِي غربي الْقرْيَة وقبره يزار ويتبرك بِهِ وَقد زرته مرَارًا وَمِنْهُم أَبُو الْفتُوح بن عُثْمَان بن أسعد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عمرَان العمراني أول من شهر من بني عمرَان بالفقه وَهُوَ خَال الشَّيْخ يحيى وَأول من أَخذ عَنهُ كَافِي الصردفي بِحَق أَخذه لَهُ عَن مُصَنفه وَمِنْهُم القَاضِي عَليّ بن مُحَمَّد بن شَيبَان أَخذ علم الْأَدَب عَن ابْن حمد مقدم الذّكر وَإِبْرَاهِيم بن عباد وَكَانَ فَاضلا وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن وليد كَانَ فَقِيها فَاضلا وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن يحيى بن مُحَمَّد بن عمر بن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه أبي عمرَان مقدمي الذّكر من قَرْيَة الملحمة مولده سنة سِتّ

стр. 234

وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وتفقه باليفاعي وَابْن عبدويه وبمقبل بن زُهَيْر وَأخذ عَن أسعد ابْن خير بن ملامس وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا جليل الْقدر متضلعا من الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة والحديثية والنحوية واللغوية وَله القصيدة الْمَشْهُورَة فِي الإِمَام زيد وَقد ذكرتها مَعَ ذكره وَكَانَ بِهِ مُعظم تفقهه وَعَلِيهِ تفقه جمَاعَة كَثِيرُونَ وَكَانَ ذَا عبَادَة وكرامات واشتهر عَنهُ أَنه كَانَ يقرىء الْجِنّ وَلما دخلت الملحمة سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة لغَرَض زِيَارَة تربته وترب أَهله والتبرك بآثارهم والفحص عَن أخبارهم اجْتمعت بِرَجُل من متفقهة أَهله أَخْبرنِي أَنه سمع متقدميهم ينقلون الخالف عَن السالف أَنه كَانَ إِذا تهور اللَّيْل خرج عَن الْقرْيَة إِلَى مَوضِع هُنَاكَ يعرف بعارضة الْمِيزَاب فيتوضأ بِمَاء هُنَالك ثمَّ يصله جمَاعَة من الْجِنّ فيقرأون عَلَيْهِ وَهُوَ أحد شُيُوخ الْحَافِظ العرشاني وَبِه تفقه مُحَمَّد بن سَالم وَعلي بن عِيسَى الأصبحيان وَأحمد بن إِبْرَاهِيم اليافعي مَعَ جمع غَيرهم وَمن الشّعْر الْمَنْسُوب إِلَيْهِ أَن شَيْخه الإِمَام زيد اليفاعي لما عَاد من مَكَّة فِي الْمرة الأولى وَأَرَادَ الْعود إِلَيْهَا خشيَة الْفِتْنَة كَمَا قدمنَا قَالَ ... إِن الْعُيُون الَّتِي قرت بِرُؤْيَتِهِ ... كَادَت تعود سخينات لفرقته وأنفسا أنست بِالْقربِ مِنْهُ فقد ... كَادَت تقطع حسرات لوحشته لَوْلَا أعلل نَفسِي أَن فرقته ... لَا تستديم وَأَرْجُو يمن طلعته عددت نَفسِي شقيا والرجاء بِمَا ... يقْضِي بتشتيت شَمل جمع ألفته وَأَن يمن بِتَوْفِيق ومغفرة ... على الْجَمِيع وتسديد برحمته ... وَكَانَ وَفَاته بقريته سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم ابْن عَمه أَحْمد بن عبد الله بن عمر بن الْفَقِيه أَحْمد الْمَذْكُور أَولا يجْتَمع مَعَ يحيى مقدم الذّكر فِي جدهما عمر بن الْفَقِيه أَحْمد مولده سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة تفقه باليفاعي وبأبي بكر المحابي وبابن عبدويه وَهُوَ أكبر من يحيى لَكِن شهرة يحيى أَكثر من شهرته وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حميد بن أبي الْحُسَيْن بن نمر بن عبد الله بن

стр. 235

هِلَال بن أَحْمد بن نمر من بَيت رئاسة كَبِيرَة يعْرفُونَ بالسلاطين بني نمر وهم بطن من الركب وهم يعْرفُونَ بالزواقر وَالِده حميد بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ ذال مُهْملَة وَذَلِكَ تَصْغِير من سمى مُحَمَّد على اصْطِلَاح طَائِفَة من أهل الْيمن وجده أَبُو الْحُسَيْن مولده سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وبالغت فِي ضبط أَبِيه وجده إِذْ يَقع فيهمَا اللّبْس لَا سِيمَا فِي الْجد وَرُبمَا وجد فِي بعض نسخ الطَّبَقَات أبي الْخَيْر وأقمت أتردد فِي ذَلِك حَتَّى اجْتمعت بِبَعْض ذُريَّته فَأَخْبرُونِي بِصِحَّة ذَلِك وَذريته قُضَاة الموسكة وبلد قَومهمْ ونواحيها يَأْتِي مُسْتَحقّ الذّكر مِنْهُم وتفقه بزيد اليفاعي والفائشي وَلما حج أَخذ عَن أَحْمد الْمَكِّيّ وَعَن المقرىء الْحبرِي وَكَانَ فَقِيها زاهدا ورعا متنقلا حُكيَ أَنه رأى فِي الْمَنَام لَيْلَة الْقدر فَلم يسْأَل الله شَيْئا غير الْجنَّة وَتَمام قوت سنته وعَلى قَبره شَجَرَة سدر يقطع مِنْهَا أهل العاهات ويغتسلون بذلك فِيمَن الله عَلَيْهِم بالعافية وَإِن قطع مِنْهَا أحد شَيْئا عَبَثا لم يكد يسلم من عاهة تصيبه وَكَانَت وَفَاته حَيْثُ كَانَ مَسْكَنه قَرْيَة تعرف بِذِي المليد من أَعمال قياض عزلة من أَعمال تعز وَضبط ذِي المليد بخفض الذَّال الْمُعْجَمَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ مِيم مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام ثمَّ لَام بعْدهَا سَاكِنة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ومفتوحة ثمَّ دَال مُهْملَة وقياض بِضَم الْقَاف وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ ألف وضاد مُعْجمَة وَفَاته

стр. 236

بشوال سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة وقبره هُنَالك مَشْهُور يقْصد للزِّيَادَة وَعند السِّدْرَة الْمَذْكُورَة أَولا وَمِنْهُم أسعد بن أبي زيد التباعي أَخذ عَن يحيى بن عمر مقدم الذّكر وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن يحيى بن أبي الْخَيْر بن سَالم بن أسعد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عمرَان بن ربيعَة بن عبس بن زُهَيْر بن غَالب بن عبد الله بن عك بن عدنان ومولده قَرْيَة سيروزن طير قد تقدم ذكرهَا فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ أَكثر من انْتَشَر الْعلم عَنهُ من أهل الطَّبَقَة تفقه فِي بدايته بخاله أبي الْفتُوح كَمَا قدمنَا أَخذ عَنهُ التَّنْبِيه وكافي الْفَرَائِض ثمَّ قَرَأَ التَّنْبِيه ثَانِيًا على مُوسَى الصعبي الْمُقدم ذكره ثمَّ قدم إِلَيْهِم سير الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد الزبراني باستدعاء من بعض مَشَايِخ قومه بني عمرَان وَأخذ عَنهُ الْمُهَذّب واللمع غيبا والملخص والإرشاد لِابْنِ عبدويه وَأعَاد عَلَيْهِ كَافِي الصردفي ثمَّ ترافق هُوَ وَالشَّيْخ الْفَقِيه عمر بن عَلْقَمَة إِلَى أحاظة كَمَا قدمنَا ذَلِك فِي ذكره فقرأا عَلَيْهِ الْمُهَذّب وتعليقة الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي الْأُصُول والملخص وغريب أبي عبيد وَغير ذَلِك من مسَائِل الدّور وَالْخلاف ثمَّ لما عادا إِلَى ذِي السفال درسا مَا قرأاه ثمَّ أَخذ عَنهُ كَافِي الصفار والجمل فِي النَّحْو وَقَرَأَ الدّور مرّة ثَانِيَة على عمر بن بيش اللحجي وَيُقَال الأبيني وَلما دخلت الملحمة بالتاريخ الْمُتَقَدّم ووقفت على شَيْء من كتب فقهائها وجدت تعليقة بِخَط الْفَقِيه أبي الْخطاب عمر بن مُحَمَّد بن مَضْمُون مَا مِثَاله أَن الإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر تعلم الْقُرْآن وأكمل حفظه غيبا وَقَرَأَ الْمُهَذّب والتنبيه والفرائض وَلم يبلغ من الْعُمر غير ثَلَاث عشرَة سنة من مولده ثمَّ لما قدم الإِمَام اليفاعي من مَكَّة إِلَى الْجند وَقد صَار هَذَا الشَّيْخ يدرس وصل الْجند بِجمع من درسته فَأخذ عَنهُ الْمُهَذّب ثَالِثَة ثمَّ النكت ثمَّ توفّي وَهُوَ عِنْده فَلَمَّا انْقَضى المعزا طلع قَرْيَة سهفنة فَأخذ بهَا عَن القَاضِي مُسلم بن أبي بكر كتاب الْحُرُوف السَّبْعَة فِي علم الْكَلَام تأليف المراغي مقدم الذّكر وَنَقله من خطّ الْقَاسِم مقدم الذّكر ثمَّ انْتقل إِلَى ذِي أشرق سنة سبع عشرَة وَخَمْسمِائة وَأخذ عَنهُ سَالم الْأَصْغَر جَامع التِّرْمِذِيّ وبهذه السّنة تزوج أم وَلَده طَاهِر وَكَانَ قد تسرى قبلهَا

стр. 237

بحبشية وفيهَا ابْتَدَأَ بمطالعة الشُّرُوح وَجمع مِنْهَا مَا يزِيد على الْمُهَذّب كتابا سَمَّاهُ الزَّوَائِد وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد اسْتَشَارَ الإِمَام زيدا فِي أَي الشُّرُوح أَحَق بالمطالعة وَأجْمع لما شَذَّ عَن الْمُهَذّب لينسخه فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِجمع جَمِيع الشُّرُوح الْمَوْجُودَة ومطالعتها وانتزاع زوائدها على الْمُهَذّب فَفعل وَجمع الْكتاب الْمَذْكُور وَفرغ مِنْهُ سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وَفِي عقيب ذَلِك حج وزار الضريح المشرف صلوَات الله على صَاحبه وَاجْتمعَ فِي مَكَّة بالفقيه الْوَاعِظ الْمَعْرُوف بالعثماني فجرت بَينهمَا مناظرات فِي شَيْء من الْفِقْه والأصولين وَكَانَ العثماني على مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فِي المعتقد وَكَانَ الشَّيْخ يحفظ التَّبْصِرَة غيبا أَخذهَا عَن شَيْخه اليفاعي والفائشي وَكَانَا يقرئانها أصحابهما وأخذا بهَا عَن الْبَنْدَنِيجِيّ فناظر العثماني مرَارًا وَكَانَ الشَّيْخ يقطعهُ وَيُقِيم عَلَيْهِ الْحجَّة بقوله إِن المسموع الْمَفْهُوم لَيْسَ بِكَلَام الله بل عبارَة فيحتج عَلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم﴾ وَيَقُول لَفْظَة هَذَا لَا يكون إِلَّا إِشَارَة إِلَى مَوْجُود عِنْد كَافَّة أهل اللُّغَة وَلَا يُوجد إِلَّا المسموع الْمَفْهُوم وَلَقَد حُكيَ أَنَّهُمَا كَانَا يتناظران فِي المطاف فَمن شدَّة إفحام الشَّيْخ للعثماني يمسح جَبينه بِيَدِهِ من شدَّة الْعرق ثمَّ لما عَاد الشَّيْخ إِلَى الْيمن وَألف كتاب الْبَيَان أورد فِيهِ عدَّة مسَائِل عَن العثماني وَنقل عَنهُ كَذَلِك فِي تعليقاته وَذَلِكَ يدل على فضل العثماني وعدالته وَجَوَاز الْأَخْذ عَنهُ وَلَو كَانَ قد اعْتقد جرحه أَو فسقه كَمَا يرى جمَاعَة من الْجُهَّال يكفرون من خالفهم فِي المعتقد وَلَا يقبلُونَ نَقله لما نقل عَنهُ وَلَا قبل مِنْهُ وَلما عَاد الشَّيْخ من مَكَّة استخرج كِتَابه الَّذِي أَلفه فِي الدّور من كتاب ابْن اللبان وَغَيره ثمَّ نظر فِي كتاب الزَّوَائِد الَّذِي كَانَ قد جمعه أَولا فَرَأى أَنه قد رتبه على شُرُوح الْمُزنِيّ ثمَّ أغفل عَنهُ الدّور وأقوال الْعلمَاء فطالع ذَلِك وراجعه ثمَّ لما كَانَ فِي سنة ثَمَان وَعشْرين ابْتَدَأَ بتصنيف الْبَيَان ورتبه على تَرْتِيب مَحْفُوظَة الْمُهَذّب وَكَانَ يَقُول لم أجمع الزَّوَائِد إِلَّا بعد أَن حفظت الْمُهَذّب غيبا وَقد ذكرت فِيمَا تقدم أَنه قَرَأَ الْمُهَذّب واللمع على الْفَقِيه عبد الله الزبراني وطالع الْمُهَذّب بعد ذَلِك وَقبل التصنيف

стр. 238

أَرْبَعِينَ شرفا وَأكْثر وَكَانَ يطالع كل جُزْء مِنْهُ من وَاحِد وَأَرْبَعين جُزْءا فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَربع مَرَّات كل فصل على حِدة وَكَانَ إِذا قَرَأَ عَلَيْهِ المتفقه وَهُوَ يعلم فهمه بَين لَهُ احترازات الأقيسة وفوائدها ووجوه أُصُولهَا ثمَّ يبين لَهُ مَا الْعلَّة فِي اختصاصها بالتأصيل إِمَّا بِالنَّصِّ من طَرِيق الْكتاب وَالسّنة أَو بِتَسْلِيم الْمُخَالف حكم الْمَسْأَلَة وَمَتى كَانَ فِي عبارَة الْكتاب استغلاق أَو قصر فهم القارىء عَن ذكرهَا أبدلها بِعِبَارَة أُخْرَى حَتَّى يتصورها القارىء ويفحصها وينبه فِي كل مَسْأَلَة على خلاف مَالك وَأبي حنيفَة خَاصَّة وَقد يذكر مَعَهُمَا غَيرهمَا فِي بعض الْمسَائِل وَمَتى فرغ الطَّالِب من قِرَاءَة الدَّرْس أمره أَن ينظر فِي الْكتاب وَيُعِيد عَلَيْهِ درسه غيبا ويقصد بذلك ترغيبه وَكَانَ يفعل ذَلِك مَعَ من تحقق فهمه وَقُوَّة إشراكه الْمعَانِي وَأما غَيره فَلَا يزِيدهُ على الْجَواب عَمَّا سَأَلَ أَو رد غلط وتصحيف ثمَّ لما أكمل تصنيف الْبَيَان سَأَلَهُ تِلْمِيذه الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن مُفْلِح الْحَضْرَمِيّ انتزاع مشكلات الْمُهَذّب وحلها فعل ذَلِك بكتابه الْمَشْهُور بمشكل الْمُهَذّب وَذَلِكَ آخر سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ من سيرته أَنه إِذا مضى عَلَيْهِ وَقت من غير ذكر الله تَعَالَى أَو مذاكرة الْعلم حولق واستغفر وَقَالَ ضيعنا الْوَقْت وَكَانَ سهل الْأَخْلَاق لين الْجَانِب عَظِيم الهيبة عِنْد النَّاس ثمَّ حدث على قومه بسير خوف عَظِيم وحروب من الْعَرَب حَولهمْ فَخرج الشَّيْخ مِنْهَا إِلَى ذِي السفال فَلبث بهَا مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى ذِي أشرق فَلبث بهَا سبع سِنِين وكسرا وَفِي الرَّابِعَة من السنين طلع فُقَهَاء تهَامَة إِلَيْهِ هاربين من ابْن الْمهْدي فأنسوا بِهِ وَأَقَامُوا عِنْده أَيَّامًا طَوِيلَة ميلًا إِلَى الجنسية وَكَونه رَأس الْفُقَهَاء بِالْإِجْمَاع من العيان ومناظرة أدَّت إِلَى تَكْفِير بَعضهم لبَعض والمنافرة بَينهم وَكَانَ الشَّيْخ ﵀ لَا يُعجبهُ ذَلِك وَلَا يكَاد يَخُوض بِعلم الْكَلَام وَلَا يرتضي لأَصْحَابه من ذَلِك وَظهر من وَلَده طَاهِر الْميل والتظاهر بِخِلَاف المعتقد الَّذِي عَلَيْهِ وَالِده وغالب فُقَهَاء الْعَصْر من أهل الْجند خَاصَّة فشق ذَلِك على الشَّيْخ وهجر وَلَده هجرا شاقا وَكَانَ ذَلِك سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة ثمَّ إِن طَاهِرا لم يطق على هجر أَبِيه وَلَا هجر الْفُقَهَاء بِذِي أشرق وَكَانَ سَبَب ذَلِك مَا تحققوه فِيهِ وَعلم أَن لَا زَوَال لذَلِك إِلَّا إِظْهَار التَّوْبَة والتبري عَمَّا كَانَ أظهره فَلم يزل يتلطف على وَالِده بذلك بإرسال من يقبل الشَّيْخ مِنْهُ فَقَالَ للرسول لَا أقبل مِنْهُ حَتَّى يطلع الْمِنْبَر بِمحضر الْفُقَهَاء ويعرض عَلَيْهِم عقيدته ويتبرأ

стр. 239

مِمَّا سواهَا فَأجَاب إِلَى ذَلِك وَحضر فِي يَوْم الْجُمُعَة الْجَامِع وَصعد الْمِنْبَر وَكَانَ فصيحا مصقعا فَخَطب وَذكر عقيدته الَّتِي الْفُقَهَاء متفقون عَلَيْهَا وتبرأ مِمَّا سواهَا فحين فرغ من ذَلِك الْتفت الشَّيْخ إِلَى الْفُقَهَاء وهم حوله وَقَالَ هَل أنكر الإخوان من كَلَامه شَيْئا فَقَالُوا لَا وَفِي عقيب ذَلِك صنف كتاب الِانْتِصَار وَسبب تصنيفه مَا حدث من الْفُقَهَاء ثمَّ ظُهُور القَاضِي جَعْفَر المعتزلي ووصوله إبا واجتماعه بِسيف السّنة وقطعه لَهُ وَكَانَ بودهم نزُول الْيمن فَقيل لَهُ إِن نزلت لقِيت الْبَحْر الَّذِي تغرق فِيهِ يحيى بن أبي الْخَيْر فَعَاد الْقَهْقَرَى وَعَاد إِلَى حصن شواحط فَأمر الشَّيْخ يحيى إِلَيْهِ تِلْمِيذه الْفَقِيه عَليّ بن عبد الله الهرمي فَلحقه فِيهِ فناظره وقطعه فِي عدَّة مسَائِل رُبمَا أذكر من مناظرتهما مَا لَاق عِنْد ذكر الْفَقِيه عَليّ فَإِنَّهُ قد كَانَ قَرَأَ كتاب الِانْتِصَار فِي الرَّد على الْقَدَرِيَّة الأشرار على الشَّيْخ يحيى وَقد كَانَ بَالغ فِي الرَّد على الْمُعْتَزلَة بكتابه الْمَذْكُور وعَلى الأشعرية ففرح الْفُقَهَاء بِهِ عِنْد فَرَاغه وانتسخوه ودانوا الله بِهِ ثمَّ صنف غرائب الْوَسِيط وَاخْتصرَ إحْيَاء عُلُوم الدّين وَوصل الْحَافِظ العرشاني فِي تِلْكَ الْمدَّة إِلَى ذِي أشرق فَسمع الشَّيْخ عَلَيْهِ البُخَارِيّ وَسنَن أبي دَاوُد وَذَلِكَ بِقِرَاءَة الْفَقِيه أَحْمد بن إِسْمَاعِيل المأربي وَعبد الله بن عَمْرو التباعي وَسليمَان بن فتح بن مِفْتَاح وَولده طَاهِر ثمَّ انْتقل الشَّيْخ إِلَى ضراس نافرا عَمَّا شجر بَين الْفُقَهَاء أَولا وَأظْهر أَن سَبَب ذَلِك الْخَوْف من ابْن مهْدي فَلبث بهَا شهرا ثمَّ انْتقل إِلَى ذِي السفال ثمَّ توفّي بعد إِقَامَته بهَا سنة وَلَقَد سَمِعت جمَاعَة أوثقهم الْفَقِيه صَالح بن عمر يذكرُونَ أَن الْفَقِيه لما عزم على قصد ذِي السفال متنقلا كتب إِلَى فقيهها وَهُوَ إِذْ ذَاك مُحَمَّد بن أَحْمد بن عمر بن عَلْقَمَة الْآتِي ذكره يَقُول لَهُ إِنِّي أُرِيد الِانْتِقَال إِلَيْكُم فَأرْسل جمَاعَة من أهل

стр. 240

الْبَلَد يلقونني بأسياف إِلَى المسلاب مَوضِع خوف فِي الطَّرِيق وَقَالَ لَهُ بكتابه فمعي كتب وأخشى عَلَيْهَا فتْنَة الْحَرْب فَفعل الْفَقِيه ذَلِك وَذكروا أَيْضا أَنه أَعنِي الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد رأى لَيْلَة قدوم الشَّيْخ عَلَيْهِم قَائِلا يَقُول لَهُ غَدا يقدم عَلَيْكُم معَاذ بن جبل فَلَمَّا أصبح الْفَقِيه وَأخْبر أَصْحَابه بمنامه وَقَالَ يقدم علينا الْيَوْم عَالم هَذِه الْأمة فَإِن النَّبِي ﷺ يَقُول معَاذ أعلم أمتِي بالحلال وَالْحرَام وَكَانَت وظيفته أَن يقْرَأ كل لَيْلَة سبع الْقُرْآن بِالصَّلَاةِ وَكَانَ يحب طلبة الْعلم واجتماعهم وَيكرهُ الْخَوْض فِي علم الْكَلَام وَكفى لَهُ شَاهدا على الْفضل الَّذِي حواه تصنيف الْبَيَان الَّذِي انْتفع بِهِ الْإِنْس والجان واعترف بتحقيقه وتدقيقه كل إِنْسَان ويتوقل فِي بلد البيضان والسودان وَلما قدم بعد بَغْدَاد جعل فِي أطباق الذَّهَب وطيف بِهِ مزفوفا ثمَّ لما قدم بِهِ بِخَط علوان قَالَ جمَاعَة من أهل الْعرَاق مَا كُنَّا نظن فِي الْيمن إِنْسَان حَتَّى قدم علينا الْبَيَان بِخَط علوان رضيه الْفُقَهَاء الْمُحَقِّقُونَ وانتفع بِهِ الطَّبَقَة المدرسون وَنقل عَنهُ المصنفون حَتَّى كَانَ كاسمه للشَّرْع تبيانا وللفقه بَيَانا أجَاب بِهِ عَن المعضلات وأوضح بِهِ المشكلات وَقسم بِهِ الْأَوْصَاف والاحترازات وَسمعت شَيْخي أَبَا الْحسن الأصبحي يَقُول مَا أشكلت عَليّ مَسْأَلَة فِي الْفِقْه وفتشت لَهَا الْبَيَان إِلَّا وجدت بِهِ بَيَانهَا ووضح لي تبيانها فجزاه الله عَن الْإِسْلَام خيرا وَلَقَد دخلت عَليّ مرّة أَيَّام درسي عَلَيْهِ وَهُوَ إِذْ ذَاك فِي أثْنَاء أجوبة عَن سوآلات سَأَلَهُ بهَا الْفَقِيه صَالح بن عمر وَهُوَ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ الْبَيَان كتاب عَظِيم لَا أشفى مِنْهُ لنَفس الْفَقِيه وَنقل صَاحب الْعَزِيز وَصَاحب الرَّوْضَة عَنهُ مسَائِل جمة شاهدة لَهُ أَيْضا بالكمال كَمَا ذكرت وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد قَالَ بعض الْمُحَقِّقين أَنه انتخل الشُّرُوح المفيدة والأدلة السديدة والمسائل العتيدة والأقيسة الأكيدة وضمنها الْكتاب الْمَذْكُور مَعَ مَا أضَاف إِلَى ذَلِك من النكت الْحَسَنَة والعلل المستحسنة وَجمع فِيهِ بَين تَحْقِيق الْعِرَاقِيّين وتدقيق الخراسانيين بِحَيْثُ إِذا تَأمله الحاذق الْحَاضِر وكد فِيهِ الْفِكر والناظر وَسعه وَكَفاهُ وَاسْتغْنى بِهِ عَمَّا

стр. 241

سواهُ فرحم الله ثراه وَبرد مضجعه ومثواه وَجعل الْجنَّة مَحَله ومأواه وَكَانَ الإِمَام ابْن عجيل يَقُول لَوْلَا الْبَيَان مَا وسعني الْيمن وَكَانَت السيدة تجله وتعظم مَحَله وتأمر بوابها بذلك حُكيَ أَن الْفَقِيه قدم إِلَى جبلة بشفاعة إِلَيْهَا بِسَبَب أَيْتَام كَانُوا تَحت يَده وعَلى أَرضهم جور فَوهبت ذَلِك للفقيه وكتبت للأيتام مُسَامَحَة جَارِيَة إِكْرَاما لقدوم الْفَقِيه وَلما مدح الْفَقِيه النسابة أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَشْعَرِيّ الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَليّ بن مشعل بِشعر مَشْهُور جعل هَذَا الإِمَام من أعظم مناقبه وَأجل مفاخره الَّتِي يمدح بهَا وَكَانَ لَهُ مَعَ تجويد الْفِقْه تجويد الأصولين وَلَقَد اجْتمعت بِبَعْض الْفُقَهَاء مِمَّن لَهُ دراية بالأصول فأوقفني على أَبْيَات وَهُوَ يستعظمها وَيَقُول مَا كنت أَظن صَاحب الْبَيَان يعرف الْأُصُول هَذِه الْمعرفَة وأوقفني على ورقة فِيهَا هَذِه الأبيات ... أفعالنا عرض فِي جسم فاعلها ... وَالله يخلق مَا فِي الْجِسْم من عرض إِذا تقرر هَذَا فِي نَظَائِره ... فَلَا اعْتِرَاض إِذن يبْقى لمعترض وَمن ينازعنا فى ذَا وينكره ... فليأتنا بِدَلِيل غير منتقض الْمَدْح والذم والإنعام مِنْهُ لنا ... على اخْتِيَار لنا فِي الْفِعْل وَالْعرض لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الزرق فِي صغر ... وَلَا ثَوابًا على كسب كَمَا الْعِوَض لَا عذب الله إنْسَانا بِلَا عمل ... لَكَانَ عدلا كَمَا فِي الْمَوْت وَالْمَرَض مَا لم يَشَأْ لم يكن من فَاعل أبدا ... وَأَن يرد كَون شَيْء فِي الْعباد قضي ... وَله شعر ينْسب إِلَيْهِ مِنْهُ قَوْله فِي وصف حَاله وزمانه وَأهل بَلَده ... إِلَى الله أَشْكُو وحشتي من مجَالِس ... أراجعه فِيمَا يلذ بِهِ فهمي لِأَنِّي غَرِيب بَين سير وَأَهْلهَا ... وَإِن كَانَ فِيهَا أسرتي وَبَنُو عمي وَلَيْسَ اغترابي عَنْهُم بيد النَّوَى ... وَلَكِن لما أبدوه من جفوة الْعلم فقد كنت أَرْجُو أَن تكون سلالتي ... بِحِفْظ علومي فِي حَياتِي ذَوي عزم فَثَبَّطَهُمْ عَن ذَاك حساد قَومهمْ ... وَمَا سمعُوا من كل ذِي حسد فدم ستصبح يَا من غره قَول حَاسِد ... يَمُوت أَسِير الذل وَالْجهل واليتم ... وَلما دخلت قَرْيَة سير اجْتمعت بِبَعْض ذُريَّته فأوقفني على شَيْء من كتبه

стр. 242

فَوجدت مُعَلّقا بدفة كتاب مَعُونَة الطلاب لفقه مَعَاني كتاب الشهَاب تأليف وَلَده طَاهِر وبخطه أَيْضا مَا مِثَاله وللوالد ﵀ ... أَلَيْسَ الله خَالق كل جسم ... وأعراض الْعباد بِلَا مراء وَمَا عرض يخص بذا وَلَكِن ... عُمُوما فِي الْجَمِيع على سَوَاء فَهَل أفعالنا وَالْقَوْل فِيهَا ... سوى عرض يقوم بِلَا بَقَاء ... ثمَّ بعد ذَلِك الأبيات الْمُتَقَدّمَة قَالَ مُؤَلفه عَفا الله عَنهُ أَخذ الشَّيْخ هَذِه الأبيات فِيمَا أَظُنهُ من قَول الْخطابِيّ وَهُوَ قَوْله ... وَمَا غربَة الْإِنْسَان فِي شقة النَّوَى ... وَلكنهَا وَالله من عدم الشكل وَإِنِّي غَرِيب بَين بست وَأَهْلهَا ... وَإِن كَانَ فِيهَا أسرتي وَبهَا أَهلِي ... وَمن الشّعْر الَّذِي أوردهُ ابْن سَمُرَة فِي مدح الشَّيْخ ﵀ قَول بعض أهل عصره ... لله شيخ من بني عمرَان ... قد كَانَ شاد الْعلم بالأركان يحيى لقد أَحْيَا الشَّرِيعَة هاديا ... بزوائد وغرائب وَبَيَان هُوَ درة الْيمن الَّذِي مَا مثله ... من أول فِي عصرنا أَو ثَانِي ... وَكَانَت وَفَاته بقرية ذِي السفال مبطونا وَقد عد النَّبِي ﷺ المبطون شَهِيدا وَذَلِكَ بعد أَن اعتقلت لِسَانه لَيْلَتَيْنِ وَيَوْما وَمَتى جَاءَ وَقت الصَّلَاة سَأَلَ عَن ذَلِك بِالْإِشَارَةِ فَإِذا قيل لَهُ بِالْوَقْتِ صلى ثمَّ كَانَ لَا يزَال يُشِير بالتهليل يعرف ذَلِك مِنْهُ بِرَفْع مسبحته ويحركها ثمَّ توفّي فِي آخر لَيْلَة الْأَرْبَعَاء بعد طُلُوع الْفجْر سادس عشر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وقبر بجرب لَهُ بِالْقربِ من أرضه وقبره من الْقُبُور المعدودة للزيارة واستنجاز الْحَوَائِج والتوسل إِلَى الله بأصحابها وَقد زرته بِحَمْد الله مرَارًا وَقد جرت الْعَادة غَالِبا مَتى عرض ذكر أحد من الْأَعْيَان ذكرت من ذكره مَا لَاق

стр. 243

فقد عرض مَعَه ذكر رجلَيْنِ أَحدهمَا الْخطابِيّ وَالْآخر علوان فَأَما الْخطابِيّ فَهُوَ الإِمَام أَبُو سُلَيْمَان حمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخطاب قيل لَهُ الْخطابِيّ نِسْبَة إِلَى جده الْخطاب الْمَذْكُور أَولا قَالَه ابْن خلكان وَيعرف بالبستي نِسْبَة إِلَى بست بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق وَهِي مَدِينَة بِبِلَاد كابل بَين هراة وغزنة كَانَ فَقِيها أديبا مُحدثا لَهُ التصانيف البديعة وَمِنْهَا غَرِيب الحَدِيث ومعالم السّنَن وَغَيرهمَا وَله أَبْيَات حكمِيَّة مِنْهَا مَا أوردته أَولا ثمَّ قَوْله ... شَرّ السبَاع العوادي دونه وزر ... وَالنَّاس شرهم مَا دونه وزر كم معشر سلمُوا لم يؤذهم سبع ... وَمَا ترى بشرا لم يؤذه بشر ... وَقَوله ... فسامح وَلَا تستوف حَقك كُله ... وأبق فَلم يستقص قطّ كريم وَلَا تغل فِي شَيْء من الْأَمر واقتصد ... كلا طرفِي قصد الْأُمُور سليم ... وَلما كَانَ من أَعْيَان الْمَذْهَب علما وشهرة وَعرض ذكره اتجه فِي بَيَان حَاله مَا لَاق وَكَانَت وَفَاته بربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلثمائة قَالَ ابْن خلكان وَقد سمع فِي اسْمه بثبات الْهمزَة وَالصَّحِيح حذفهَا وَأما علوان الَّذِي دخل الْبَيَان بِخَطِّهِ الْعرَاق حَتَّى قَالَ أَهله مَا قَالُوا أَولا وَكَانَ أَصله من بلد على قرب من رَأس نقِيل صيد يعرف بخاو بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف وواو وَكَانَ كَاتب إنْشَاء الْملك المسعود بن الْكَامِل وَحكي أَنه سَافر مَعَه إِلَى حجَّة على بغلة فَحصل حَرْب ثمَّ كَانَ هَذَا علوان تَحت جبل فَانْقَطع من الْجَبَل كتف وَقع

стр. 244

عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب بغلته فَكَانَ آخر الْعَهْد بهما وَكَانَ أَيَّام الْخدمَة يسكن المعافر بِموضع من نواحي جبل ذخر يعرف بِذِي الحنان جمع جنَّة بِالْجِيم وَالنُّون وَالْهَاء وَلم أَقف لَهُ على تَارِيخ وَولده أَحْمد بن علوان الصُّوفِي الْآتِي ذكره فِي أهل طبقته وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْحَرْبِيّ مولده سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة أَخذ عَن ابْن شَيبَان وَابْن الْوَلِيد مقدمي الذّكر وَكَانَ فَقِيها شهير الذّكر وَلما اشْتغل الشَّيْخ يحيى بتصنيف الْبَيَان وَامْتنع بذلك عَن الْقُرَّاء واستشاره ابْن عَمه وصهره عُثْمَان بن أسعد بن عُثْمَان فِيمَن يذهب إِلَيْهِ من فُقَهَاء الْوَقْت وَيقْرَأ عَلَيْهِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا عبد الله فارتحل إِلَيْهِ وَأخذ عَنهُ وتفقه بِهِ جمَاعَة وَمِنْهُم عُثْمَان بن إِبْرَاهِيم الأبرهي غَالب سكناهُ الشعبانية وَله بهَا أَرض جَيِّدَة وَرُبمَا أَن دَار المضيف بِذِي عدينة إِنَّمَا غَالب أحجاره من دَار كَانَت هُنَاكَ وَذَلِكَ أَن الْملك المظفر لما هم ببنيانه جعل يفكر بِموضع يَأْخُذ مِنْهُ الْأَحْجَار فَخرج يَوْمًا من تعز ليسير إِلَى جِهَة الشعبانية فَوجدَ دَارا كَبِيرَة قد صَارَت متهدمة فَسَالَ عَن مَالِكهَا فَقَالُوا إِنَّمَا تعرف ذَلِك عَجُوز بالقرية يزِيد عمرها على المئة سنة فاستدعي بهَا فَجَاءَت تتوكأ على عودين وسألها فَقَالَت لَا أكاد أعرف إِنَّمَا كَانُوا يَقُولُونَ هِيَ لقوم كَانُوا فُقَهَاء مِنْهُم بَاقٍ فِي الموسكة وباق بذخر على قرب من ذِي الْجنان فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان إِلَى مستقره بحث عَن الْقَوْم فأحضروا وَاشْترى مِنْهُم الدَّار ثمَّ نقلت أحجاره على الْجمال فَبنى دَار المضيف بِذِي عدينة خَاصَّة بالأحجار وَأما الْأجر فَرُبمَا كَانَ من غَيرهَا وَله ذُرِّيَّة بِالْقربِ من وَادي زبيد فيهم بعض تفقه فِيمَا أَخْبرنِي من خالطهم ولعَبْد الله جدهم كتاب سَمَّاهُ الشُّرُوط من أحسن مَا وضع فِي ذَلِك نَافِع يُوجد بِالْيمن كثيرا وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مَسْعُود بن سَلمَة البريهي وَهُوَ فِي طبقَة الْفَقِيه يحيى الَّذين سمعُوا على أسعد بن خير فِي سنة خَمْسمِائَة بجمادى الأولى مِنْهَا

стр. 245

كتاب البُخَارِيّ وَهُوَ وَالِد سيف السّنة الْآتِي ذكره وَمِنْهُم سَالم بن حسن الزوقري من قوم الْفَقِيه مُحَمَّد بن حميد الْمُقدم ذكره تفقه بِابْن عبدويه وَعنهُ يروي الْفَقِيه عَليّ بن أَحْمد اليهاقري كتاب الْمُهَذّب كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَمِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي بكر بن حمير بن تبع بن يُوسُف بن فضل الفضلي نسبته إِلَى هَذَا الْمَذْكُور ثمَّ الْهَمدَانِي مولده سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ غَالب فنه الحَدِيث بِحَيْثُ كَانَ يُمَيّز بَين صَحِيحه ومعلوله ومرسله وَمُسْنَده ومقطوعه ومعضله أثنى عَلَيْهِ ابْن سَمُرَة ثَنَاء مرضيا وَقَالَ هُوَ شيخ الْمُحدثين وعمدة المسترشدين غلب عَلَيْهِ علم الحَدِيث فَكَانَ بِهِ عَارِفًا كثير الرحلة فِي طلبه أَخذ عَن زيد بن الْحسن الفائشي بوحاظة وأسعد بن ملامس المشيرقي وَعَن يحيى بن عمر الملحمي وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان وَأبي بكر بن أَحْمد بن الْخَطِيب بريمة سَيَأْتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله وَأخذ عَن القَاضِي مبارك بالجؤة وَسَيَأْتِي ذكره فِيمَن ذكره ابْن سَمُرَة فِي فصل الْقُضَاة من أحسن كتاب وضع مُخْتَصر فِي ذَلِك نقل الثِّقَات نقلا متواترا أَنه كَانَ يخرج غَالب أَيَّام طلبه كل يَوْم من منزله بعرشان فيصل وحاظة وَإِلَّا المشيرق فَيقْرَأ ثمَّ يعود قلا يبيت إِلَّا فِي بَيته وَبَين بَلَده وَبَين أحد الْمَوْضِعَيْنِ يَوْم للمجد وَذكروا أَنه كَانَ قد يطْمع بِهِ قوم من الْعَرَب فوقفوا لَهُ مرَارًا فَلَا يَدْرُونَ بِهِ حَتَّى يجاوزهم بمسافة لَا يَسْتَطِيعُونَ إِدْرَاكه بعْدهَا فَلَمَّا تكَرر ذَلِك مِنْهُم علمُوا أَنه مَحْجُوب محمي عَنْهُم فغيروا نيتهم ووقفوا لَهُ فَمر بهم فصافحوه وتبركوا بِهِ وسألوه أَن يُحِلهُمْ مِمَّا كَانُوا أضمروا لَهُ وَهَذَا يدل على صِحَة تَأْوِيل من قَالَ معنى قَول النَّبِي ﷺ إِن الْمَلَائِكَة تضع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضى لَهُ وَأَن مَعْنَاهُ تحمله وتبلغه حَيْثُ مَا يأمله ويرومه إِعَانَة لَهُ على بعد الْمسَافَة وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة قدم مَدِينَة إب فَاجْتمع إِلَيْهِ بهَا جمع كثير رَأْسهمْ إِذْ ذَاك الإِمَام سيف السّنة فَأخذُوا عَنهُ وَكَانَ هُوَ القارىء وَحضر السماع

стр. 246

جمَاعَة وَمِنْهُم سُلَيْمَان بن فتح وَغَيره وارتحل إِلَى عدن فَأخذ عَنهُ بهَا القَاضِي أَحْمد القريظي مَعَ جمع كثير من المغاربة والإسكندرانيين وَأهل عدن وَله كتاب الزلازل والأشراط اخذ عَنهُ جمع كثير مِنْهُم الشَّيْخ يحيى وَكَانَ يبجله ويجله وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ طَاهِر بن يحيى ومقبل الدثيني وَكَانَ الشَّيْخ يحيى يثني عَلَيْهِ وَيَقُول لَهُ لم أر أحفظ مِنْهُ وَلَا أعرف قيل لَهُ وَلَا بالعراق قَالَ مَا سَمِعت وَكَانَ يحفظ جملَة مستكثرة من الحَدِيث عَن ظهر غيب وَكَانَ راتبه فِي كل لَيْلَة جزأين من الْقُرْآن وَكَانَ يثردد مَا بَين بَلَده وإب والجند وعدن وَله بِكُل من هَذِه الْجِهَات وَأَصْحَاب فَكَانَ يقرىء بِجَامِع عرشان وَرُبمَا أَنه هُوَ الَّذِي أحدثه دَخلته مرَارًا فَوجدت بِهِ أنسا ظَاهرا وَعَلِيهِ جلالة فَعلمت أَن ذَلِك ببركة مَا كَانَ يُتْلَى فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ وقصده أهل الحَدِيث من غَالب أنحاء الْيمن رَغْبَة فِي علمه وَدينه وورعه وأمانته وعلو إِسْنَاده ومعرفته وتواضعه وَكَانَ يكره الْخَوْض فِي علم الْكَلَام وَكَانَ من أَشد النَّاس مُحَافظَة على أَدَاء الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا وَلَقَد قَالَ مَا فاتتني صَلَاة قطّ إِلَّا لعذر عَظِيم وَكَانَ يُصَلِّي فِي مرض مَوته قَائِما وَقَاعِدا وعَلى جنب وَكَانَ الْفَقِيه عَليّ بن أسعد من عنة يقْرَأ عَلَيْهِ الشَّرِيعَة للآجري مَعَ رجل آخر وَهُوَ فِي مرض مَوته فَكَانَ يغشى عَلَيْهِ ثمَّ يفِيق فيأمر القارىء بِإِعَادَة مَا قَرَأَ فِي حَال الْغَفْلَة ثمَّ لما فرغا من قِرَاءَة الْكتاب وَهُوَ إِذْ ذَاك قد عجز عَن الْكِتَابَة أَمر وَلَده أَحْمد أَن يكْتب لَهما السماع وَلما صَار بالنزع سَمعه جمَاعَة مِمَّن حضر من أَهله وَغَيرهم يَقُول لبيْك لبيْك فَقَالُوا لَهُ من تجيب قَالَ الله دَعَاني ارفعوني إِلَى الله ارفعوني إِلَى الله ارفعوني إِلَى السَّمَاء ثمَّ توفّي عقيب ذَلِك بقريته لعشر بَقينَ من الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وقبره غربي قبلي الْقرْيَة زرته بِحَمْد الله مرَارًا وَكَانَ لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد تفقه مِنْهُم مُحَمَّد وَعبد الله شقيقان ثمَّ أَحْمد وَعمر فَأَما مُحَمَّد فَكَانَ فَقِيها صَالحا ورعا وَلما ولي أَخُوهُ أَحْمد الْقَضَاء كَانَ يهجره وَلَا يدعس بساطه وَلَا يَأْكُل طَعَامه وعقبه بزبيد يعْرفُونَ ببني قَاضِي الرّفْعَة يتعانون الجندية والتعرز وَفِيهِمْ خير وَأما عبد الله فَكَانَ فَقِيها لم أتحقق تَارِيخه وَلَا عقب لَهُ غير فَقِيه مَوْجُود الْآن

стр. 247

بعرشان اسْمه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن توفّي مُحَمَّد وَأَخُوهُ عمر فِي شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وَأما أَحْمد فَسَيَأْتِي ذكره فِي أهل طبقته وَذريته وذرية عمر هم الموجودون بجبلة وعرشان فِي عصرنا يعْرفُونَ بالقضاة وَخرج فيهم فُقَهَاء ومحدثون فِي الْأَكْثَر وهم من أبرك ذَرَارِي الْفُقَهَاء وقبلهم أهل الملحمة آل أبي عمرَان إِذْ هم من أول صدر المئة الرَّابِعَة وَآخر الثَّالِثَة ثمَّ إِلَى عصرنا لم يخل عَن فَقِيه ثمَّ من بعدهمْ ذُرِّيَّة الْهَيْثَم وَابْن ملامس المشيرقيين لَكِن ذُرِّيَّة بني ملامس قد انقرضت وذرية الْهَيْثَم بَقِي مِنْهَا بَقِيَّة وَمن المشيرق عمر بن الْفَقِيه أسعد بن الْفَقِيه خير بن ملامس قد مضى ذكر آبَائِهِ تفقه عمر بِأَبِيهِ أسعد فَهُوَ من طبقَة الْحَافِظ الْمَذْكُور آنِفا وَبِه تفقه ابْنه عبد الله وَهُوَ آخر من حَقَّقَهُ ابْن سَمُرَة من ذُرِّيَّة ابْن ملامس وَمن ريمة المناخي وَهُوَ جبل كَبِير سمي بذلك نِسْبَة إِلَى ذِي مناخ قوم من حمير يرجعُونَ إِلَى ذِي مناخ بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون ثمَّ ألف ثمَّ خاء مُعْجمَة لما أَخذ الْجَبَل الصليحي من أَيْديهم شردهم وَقد مضى ذكر الرجل الَّذِي دخل مِنْهُم بَغْدَاد وَصَحب الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق وامتدحه كَانَ بهَا جمَاعَة فضلاء متقدمون ومتأخرون والمتقدمون مِنْهُم بَنو الْخَطِيب كَانَ جدهم خَطِيبًا للصليحيين فنسبوا إِلَيْهِ وهم يعْرفُونَ بذلك إِلَى عصرنا ونسبتهم فِي الأعمور وأصلهم من أحاظة بلد وَاسِعَة تجمع قرى كَثِيرَة وَلَهُم هُنَاكَ قرَابَة من متقدميهم عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أَحْمد الْخَطِيب الَّذين ينسبون إِلَيْهِ وَعَمه أَبُو بكر بن أَحْمد الْخَطِيب هُوَ أَحْمد بن عبد الله كَانَ هَذَانِ الرّجلَانِ فقيهين فاضلين نزيهين أخذا عَن اللعفي مقدم الذّكر وَلما حجا أخذا بِمَكَّة عَن جمَاعَة بهَا وإليهما قدم الْحَافِظ العرشاني فَأخذ عَنْهُمَا وَكَانَ مسكنهما قَرْيَة شيعان بالشين الْمُعْجَمَة على وزن فعلان جمع فعلة وَلَا عقب لعبد الرَّحْمَن وَكَانَ بهَا عبد الله بن عَليّ الْحرَازِي وَالْقَاضِي أَحْمد بن أبي السُّعُود وَأَخُوهُ ذكر ابْن سَمُرَة جمَاعَة فِي فصل الْقُضَاة وَمن وصاب عمرَان بن مُوسَى بن يُوسُف أَخذ عَن ابْن عبدويه وَبِه تفقه

стр. 248

القَاضِي التسترِي أَخذ عَنهُ الْمُهَذّب وَمن المشيرق خير بن عَمْرو بن عبد الرَّحْمَن تفقه بِابْن عبدويه أَيْضا وَعنهُ أَخذ جمَاعَة هَكَذَا ذكر ابْن سَمُرَة وَمِنْهُم عِيسَى بن عبد الْملك الْمعَافِرِي أَخذ عَن ابْن عبدويه وعلق عَنهُ أَلْفَاظ الْمُهَذّب الْمُخْتَلف فِي سماعهَا وَمِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم اليافعي نسبا والجندي بَلَدا مولده سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة أثنى عَلَيْهِ عمَارَة ثَنَاء مرضيا وَكَانَ بِهِ عَارِفًا وَله مخالطا فَقَالَ عِنْد ذكره هُوَ قَاضِي قُضَاة الْيمن المنوط بِهِ أَحْكَام صنعاء وعدن وَزِير الدولتين الزريعية والوليدية تفقه باليفاعي وَأخذ علم الْأَدَب على النعماني والرشيد بن الزبير الأسواني وَكَانَ مزاملا للْإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر فِي بعض قِرَاءَته على شيخهما الإِمَام زيد وَكَانَ يَقُول بلغت عشْرين سنة وَأَنا لَا أكاد أقلد أحدا فِي مَسْأَلَة وَكَانَ مُسَددًا فِي أَحْكَامه وَمَتى تنَازع الخصمان فِي مَسْأَلَة قَالَ لَهما هاتوا جَوَاب القمرين أَو يَقُول مَا قَالَ القمران يَعْنِي عبيد بن يحيى بسهفنة وَيحيى بن أبي الْخَيْر وَكَانَ سخي النَّفس حسن الْأَخْلَاق مؤالفا للأصحاب عالي الهمة باذلا لجاهه وَمَاله فِي مَنَافِع الْإِسْلَام استوهب خراج أَرَاضِي الْفُقَهَاء فِي الأجناد خَاصَّة ثمَّ سُئِلَ التَّخْفِيف فِي ذَلِك من الْأَرَاضِي الَّتِي حول الْمَدِينَة فَجعل ذَلِك حَيْثُ يسمع الْأَذَان وببركته اسْتمرّ ذَلِك إِلَى عصرنا وَكَانَ من فضلاء الْإِسْلَام وأعيان الْأَنَام لَهُ مُخْتَصر فِي النَّحْو يعرف بالمفتاح من الْكتب المفيدة لأهل الْيمن قَالَ عمَارَة فِي مفيده كَانَ القَاضِي أَبُو بكر الجندي مجيدا وَله بديهة لَا فضل فِي الروية عَلَيْهَا أَدْرَكته خصيصا بملكي الْيمن الْمَنْصُور بن الْمفضل والداعي مُحَمَّد بن سبأ وغالب ديوانه فِي مدحهما وَلَا سِيمَا مَنْصُور وَكَانَ حسن التأتي فِي الْمَقَاصِد سهلها جماعا لجواهر الْفُنُون خَطِيبًا مصقعا كَامِل الْفَضِيلَة وَكَانَ يرتجل الْخطْبَة من سَاعَته مَتى أرادها وديوانه مجلدان معتدلان وشعره حسن رائق يحتوي على جد القَوْل وهزله وَالرَّقِيق الجزل وَكَانَ نزها عَن الْحَسَد الَّذِي يبتلى بِهِ أَكثر مخالطي

стр. 249

الْمُلُوك من الوزراء والرؤساء كَمَا هُوَ مشَاهد لَا يكادون يحبونَ أَن يجْرِي على أَيْديهم شَيْء من الْخَيْر إِلَّا النَّادِر وَهُوَ لَا حكم لَهُ وَرُبمَا أَن الْمُلُوك مَتى عملت خيرا سعوا فِي فَسَاده وتغييره لاسيما إِن عملوه بِغَيْر سعايتهم وإشارتهم وَرُبمَا حملهمْ ذَلِك على أُمُور نَعُوذ بِاللَّه مِنْهَا وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكر مَا كَانَ وَكَانَ أمره عجيبا فِي عمره يَأْتِي ذكر اللَّائِق من ذَلِك وَولي الْقَضَاء فِي الْجند أَيَّام الْمفضل ثمَّ صَار قَاضِي الْقُضَاة من الْجند إِلَى صنعاء ثمَّ لما صَارَت الْبِلَاد لمُحَمد بن سبأ بالابتياع لَهَا أبقاه وَضم إِلَيْهِ الجؤة وعدن وَأبين ولحج ونواحيها فَصَارَ قَاضِي قُضَاة فِيهَا أجمع فَنزل عدن وَحكم بهَا وَعَاد الْجند واستخلف وَلَده وَلما قدم القَاضِي الرشيد بن الزبير من خلفاء مصر رَسُولا إِلَى مُحَمَّد بن سبأ وَاجْتمعَ بِهِ هَذَا أَبُو بكر ومازحه وَأنس بِهِ وَأحسن إِلَى الرشيد إحسانا تقر بِهِ الْعُيُون وينبىء عَلَيْهِ الْمكنون بِحَيْثُ أَن الرشيد لما عَاد إِلَى مصر وَسُئِلَ عَمَّن بِالْيمن من الْفُضَلَاء قَالَ بهَا جمَاعَة سيدهم أَبُو بكر اليافعي وَقَاه الله ورعاه وَكَانَ يخالط الْمُلُوك وَيكثر مجالستهم ومدحهم وبلغه أَن جمَاعَة عابوه على قَول الشّعْر وَقَالُوا لَيْسَ ذَلِك لائقا بِذِي الْفِقْه فَقَالَ فِي معنى ذَلِك ... كم حَاسِد لي فِي الْأَنَام وغابط ... على منطقي إِذْ كَانَ مَنْطِقه رخوا يعيرني بالشعر قوم وَبَعْضهمْ ... يوبخني وَالْكل يخبط فِي عشوى أَرَادوا بِهِ عيبي وَهل هُوَ نَاقص ... إِذا مَا جمعت الْفِقْه وَالشعر والنحوى وأصبحت فِي علم الْعرُوض مجودا ... وَقدم قولي فِي الْحُكُومَة وَالْفَتْوَى وَمَا كنت مداحا لنَفْسي وَإِنَّمَا ... لأجعل أكباد العدى بالغضا تكوى ... وَمن منثور كَلَامه فِي خطْبَة الدِّيوَان وَلَا يظنّ ظان أَن ذَلِك جهدي وكل مَا عِنْدِي بل هُنَاكَ همم تسمو إِلَى أرفع من الشّعْر رُتْبَة ومذاكرة بِعلم هُوَ أقدم مِنْهُ محبَّة وَأُمُور نيطت فِي عراها ورسخت لَا يرام قواها وَهَذِه صناعَة لَهَا من أفكاري الفضلات وَمن أوقاتي الغفلات فَإِلَيَّ مِنْهُمَا كإل السقب من بازل النعام وحظها مني كحظ الْمُوَافق من طيف الْمَنَام

стр. 250

.. وَلَوْلَا مَا تكلفنا اللَّيَالِي ... لطال القَوْل واتسع الروي وَلَكِن القريض لَهُ معَان ... وَأَوْلَادهَا بِهِ الذّكر الْجَلِيّ ... ثمَّ لما كَانَ مُعظم شعره فِي مدح مَنْصُور بن الْمفضل الوليدي قَالَ يخاطبه ... وَلَو إِن للشكر شخصا يرى ... إِذا مَا تَأمله النَّاظر لمثلت ذَلِك حَتَّى ترَاهُ ... فتعلم أَنِّي آمرؤ شَاكر ... وَلما توفيت السيدة وَصَارَ التعكر وَحب والأجناد وصبر وبلاد الْحُصُون إِلَى مَنْصُور بن الْمفضل كَانَ دَار ملكه جبلة وَله محبَّة بِهَذَا القَاضِي سَأَلَهُ أَن ينْتَقل من الْجند إِلَيْهِ لكَونه قَاضِي قُضَاة بِلَاده وَلم يقبل مِنْهُ عذرا فِي ذَلِك وجبلة إِذْ ذَاك إِنَّمَا يسكنهَا الرافضة وَأهل السّنة قَلِيل لَا يكادون يعْرفُونَ إِنَّمَا يَجْتَمعُونَ إِلَى الْمَسْجِد الَّذِي يعرف بِمَسْجِد السّنة وَلَا يعرف بهَا أحد من أَعْيَان الْفُقَهَاء وَأهل السّنة وَمَتى سكنها سَاكن مِنْهُم عيب عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَغَيرهم من أهل السّنة وعابوه وَرُبمَا نسبوه إِلَى الْخُرُوج عَن الْمَذْهَب وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن بانيها عبد الله بن مُحَمَّد الصليحي أَخا عَليّ بن مُحَمَّد والمقتول مَعَه فِي المهجم على مَا سَيَأْتِي فَلم يكد يسكن مَعَه غير أهل مذْهبه فِي الْغَالِب وَإِنَّمَا سكن أهل السّنة بهَا فِي أَيَّام الغز وَلَيْسَ ذكر ذَلِك والإيغال فِي بَيَانه من ملازم الْكتاب فَذكرُوا أَن القَاضِي أَبَا بكر لما انْتقل عَن الْجند مُوَافقا للسُّلْطَان وَأقَام مَعَه بجبلة كتب الْفَقِيه أَبُو الْفتُوح بن عبد الحميد الفائشي شعرًا يعتبه على ذَلِك ... لم تأت يَا هَذَا بِأَن تنهضا ... فِي النجد أَو فِي الْغَوْر أَو فِي الأضا حللت فِي ذِي جبلة قَاضِيا ... فبئسها أَرضًا وَبئسَ القضا تؤم بالطائفة الْمُلْحِدِينَ ... من بعد مَا كنت إِمَام الرِّضَا بالجند الغراء إِمَامًا بِحَمْد ... الله بل صارمها المنتضا سميك الصّديق فِي صدقه ... أثنى عَلَيْهِ الله والمرتضا للشَّافِعِيّ قَولَانِ يَا يافعي ... فَقَوله الآخر لن ينقضا وَأَنت ذُو فعلين فِيمَا ترى ... وفعلك الآخر قد أمرضا إيها فَرخص عرضك الْمُنْتَقى ... من دنس أضحى لَهُ محرضا ...
следующие страницы →