Полный текст (1 016 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
.. وافتر ثغر الرَّوْض فِيك مضاحكا ... بالبشر رونق ثغرك الضَّحَّاك
وعلام أستسقي لاحيا لَك بَعْدَمَا ... ضمن المكرم بالندى سقياك
وهمت مكارمه عَلَيْك فصافحت ... عَن كَفه معنى الْغِنَا مغناك
فليهنك الْفَخر الَّذِي أحرزته ... لولاه حَسبك مفخرا وَكَفاك
قرت عُيُون الْخلق لاستقراره ... بك فلتقر بِقُرْبِهِ عَيْنَاك
شرفت رباك بِهِ فقد ودت لنا ... زهر الْكَوَاكِب أَنَّهُنَّ رباك
متبوئا سامي حصونك طالعا ... مِنْهَا طُلُوع الْبَدْر فِي الأفلاك
بالتعكر المحروس أَو بالمنظر المأنوس ... يحمي فرقدا وَسماك
وَله الْحُصُون الشم إِلَّا أَنه ... يحلو لَهُ بك طالعا حصناك
والمسك نثر تُرَاب أَرْضك مذ غَدا ... بك قاطنا والدر من حصباك
وَكَأن بحرك جوده متدفقا ... لَو لم تخضه سرائر الأفلاك
لَا قدر للدنيا لَدَيْهِ كَأَنَّهُ ... فِي بذل زخرفها من النساك
أدنى مواهبه الألوف سريعة ... متفردا فِيهَا بِلَا إشراك
مَا اخْتصَّ فِي الدُّنْيَا سواهُ بفضلها ... ملك من البَاقِينَ والهلاك
فالجود مبتسم الثغور ببذله ... أبدا وَبَيت المَال مِنْهُ شَاك
من دوحة الشّرف الزريعي الَّتِي ... رسخت بِأَصْل فِي المخافر زاك ... وَهِي طَوِيلَة أوردهَا عمَارَة فِي ذكر الأديب وَهِي تنيف على أَرْبَعِينَ بَيْتا متداولة بَين أهل الْيمن فَذكرُوا أَنه لما أنشدها بِحَضْرَة السُّلْطَان عمرَان أجَازه عَلَيْهَا بِأَلف دِينَار وَاعْتذر إِلَيْهِ بِعُذْر يسلي الحزين ويستخف الرزين ثمَّ لم يرض ذَلِك حَتَّى أَمر مناديا يُنَادي من دخل دَار الأديب فَهُوَ آمن قصد بذلك إِظْهَار كرامته وَأَن مَنْزِلَته لم تنقص عِنْده بعمى وَلَا غَيره ثمَّ لم يضع ذَلِك عِنْد الأديب بل لما مَاتَ السُّلْطَان عمرَان طلاه الأديب بِمَا يشد جِسْمه ثمَّ احتمله إِلَى مَكَّة عَام سِتِّينَ وَخَمْسمِائة فقبره هُنَاكَ وَكَانَت وَفَاة الأديب بعدن سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة تَقْرِيبًا
وَمن آثاره بعدن الْمَسْجِد الَّذِي يعرف بِمَسْجِد العندي وَهُوَ مَسْجِد السالك غير بناءه اسْتِيلَاء الظلمَة على الْوَقْف من قيام بني مُحَمَّد بن عمرَان فِي الدولة المؤيدية إِلَى عصرنا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة
стр. 317
وَمن لحج ثمَّ من قَرْيَة بِنَا أبه الْعليا واستثقل ذَلِك فسميت بمنيبة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مَعَ تشديدها ثمَّ هَاء سَاكِنة وَسميت بِالِاسْمِ الأول لِأَن أول بانيها رجل من قُرَيْظَة يُقَال لَهُ أبه بِفَتْح الْهمزَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة مَعَ التَّشْدِيد وَسُكُون الْهَاء خرج من هَذِه الْقرْيَة جمَاعَة من الْفُضَلَاء يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم إِن شَاءَ الله
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد بن معن القريظي ميلاده سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وتفقهه بعمر بن عبد الْعَزِيز الأبيني مقدم الذّكر وَكَانَ فَقِيها صَالحا مُحدثا وَغلب عَلَيْهِ علم الحَدِيث وَله مُخْتَصر إحْيَاء عُلُوم الدّين وَدخل عدن فَجمع كتب السّنَن وَألف مِنْهَا كتاب الْمُسْتَصْفى ثمَّ كتاب الْقَمَر على منوال الْكَوْكَب وَكتاب الْمُسْتَصْفى من الْكتب الْمُبَارَكَة المتداولة فِي الْيمن يعتمده الْفُقَهَاء والمحدثون ويتبرك بِهِ الْفُقَهَاء والأميون
وَلَقَد وجدت بِخَط الْفَقِيه الْعَالم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْحَضْرَمِيّ نفع الله بِهِ مَا مِثَاله أَخْبرنِي الْفَقِيه فلَان رجل سَمَّاهُ من أهل سردد أَنه رأى النَّبِي ﷺ يَقُول لَهُ اقْرَأ كتاب الْمُسْتَصْفى على جَدِيد وعَلى الْفَقِيه إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ الْكتاب ثمَّ قَالَ الْفَقِيه وَهَذَا الْمَنَام يدل على بركَة المُصَنّف وفضله وَفضل الْبَلَد الَّذِي صنف فِيهِ
قَالَ ابْن سَمُرَة قيل إِنَّه رأى النَّبِي ﷺ فَدَعَا لَهُ بالتثبيت
لقِيه بعدن وَوجدت بِخَط بعض أكَابِر الْفُقَهَاء الْمُتَقَدِّمين مَا مِثَاله سَمِعت الشريف أَبَا الْجَدِيد يَقُول ثَبت لي بطرِيق صَحِيح عَن الشَّيْخ ربيع صَاحب الرِّبَاط بِمَكَّة أَنه رأى فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة النَّبِي ﷺ فَقَالَ من قَرَأَ الْمُسْتَصْفى الَّذِي صنفه مُحَمَّد بن سعيد كَامِلا دخل الْجنَّة
وامتحن بِالْقضَاءِ وَكَانَ ورعا زاهدا وَله قرَابَة هُنَالك يعْرفُونَ بالقريظيين إِلَيْهِم خطابة الْقرْيَة ثمَّ خطابة قَرْيَة فَور وَلَهُم الْجَامِع بالقرية الْمَذْكُورَة وَوَقفه لَهُم وَنَظره إِلَيْهِم يتوارثون ذَلِك إِلَى عصرنا ويتأدون من غلَّة الْوَقْف بعمارة الْمَسْجِد وَالْأَرْض فَلذَلِك لم يطق أحد أَن يُغَيِّرهُ وَمن هم بذلك من الظلمَة شغل بشاغل يمنعهُ وَمن ذُريَّته القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ بن مياس الْآتِي ذكره بطرِيق يَأْتِي بَيَانهَا إِن شَاءَ الله وَمِنْه أَخذ القَاضِي عَليّ الْقَضَاء إِذْ هُوَ ابْن بنته وَكَانَ قد امتحن بِالْقضَاءِ وَولي
стр. 318
بعده أَخُوهُ عَليّ بن سعيد وَكَانَت وَفَاته بالقرية نَهَار الْأَرْبَعَاء وَقت الظّهْر لست مضين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل
وَمن ذِي أشرق جمَاعَة مِنْهُم مَسْعُود بن عَليّ بن مَسْعُود بن عَليّ بن جَعْفَر بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبد الْكَرِيم بن زَكَرِيَّا بن أَحْمد القري بِفَتْح الْقَاف وخفض الرَّاء ثمَّ يَاء نسبا ثمَّ الْعَنسِي بنُون سَاكِنة بَين عين وسين مهملتين نِسْبَة إِلَى قَبيلَة كَبِيرَة من مذْحج مولده سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة تفقه بِأَحْمَد بن أسعد الكلالي وبعمر بن حُسَيْن بن أبي النَّهْي وبعلي بن أبي بكر بن سَالم وَشرح لمع الشَّيْخ أبي إِسْحَاق بِكِتَاب سَمَّاهُ الْأَمْثَال أثنى عَلَيْهِ غَالب الْفُقَهَاء وتفقه بِهِ جمع كَبِير لَا يكَاد يحصر عدهم من أهل تهَامَة وَالْجِبَال فَمن الْجبَال صهره على ابْنَته عبد الله المأربي الْآتِي ذكرهم وَيحيى بن سَالم وَمُحَمّد بن عمر بن فليح من الْجند ومُوسَى بن أَحْمد الوصابي وَمُحَمّد بن أسعد وَالِد سُلَيْمَان الْجُنَيْد الْآتِي ذكرهم
وَمن تهَامَة عَليّ بن قَاسم الْحكمِي وَإِبْرَاهِيم بن عجيل وَغَيرهم وامتحن بِأَن جعل قَاضِي قُضَاة الْيمن وَسبب ذَلِك الْقِصَّة الَّتِي قدمنَا ذكرهَا مَعَ ذكر القَاضِي أَحْمد العرشاني وَكَانَ من أثبت الْقُضَاة وأورعهم وَمِمَّنْ سلك طريقهم المرضية واستناب بِجَمِيعِ الأنحاء من هُوَ صَالح للْقَضَاء بعد اجْتِهَاد عَن السُّؤَال عَن حَاله وَمَاله وَلم يكن فِيمَن ولي الْقَضَاء أفقه مِنْهُ مَعَ الْوَرع وَكَانَ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم ذكر لي جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين بأسانيد صَحِيحَة متواترة أَن بعض التُّجَّار بَاعَ من بعض الْمُلُوك وَهُوَ الْملك الَّذِي ولاه الْقَضَاء بضَاعَة كَبِيرَة بِمَال جزيل ثمَّ صَار يمطله بِالْمَالِ مرّة على مرّة بِحَيْثُ قلق التَّاجِر وتأذى من ذَلِك
وَبلغ القَاضِي مَسْعُود وشكا إِلَيْهِ فَكتب إحضارا لَهُ يَقُول فِيهِ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ ليحضر فلَان بن فلَان إِلَى مجْلِس الشَّرْع الشريف بِذِي أشرق وَلَا يتَأَخَّر إِن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ثمَّ أَمر بالإحضار عونا وَأمره أَن لَا يُسلمهُ إِلَّا بيد السُّلْطَان فَلَمَّا وقف السُّلْطَان على ذَلِك قَالَ نعم أُؤْمِن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر نعم أُؤْمِن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ثمَّ خرج من فوره فَركب دَابَّة من دَوَاب النّوبَة
стр. 319
وَسَار إِلَى القَاضِي وَكَانَ على قرب مِنْهُ بِمَدِينَة يُقَال لَهَا المنصورة أحدثها فَلَمَّا وصل إِلَى القَاضِي وَقرب من مَجْلِسه بِحَيْثُ يرَاهُ وَيسمع كَلَامه قَالَ لَهُ بِرَفْع صَوت اتَّقِ الله وساو خصمك فَقَامَ التَّاجِر بِإِزَاءِ السُّلْطَان وَادّعى عَلَيْهِ بِالْمَالِ الثَّابِت لَهُ قبله فاعترف بذلك فَقَالَ التَّاجِر التَّسْلِيم أَو مُوجب الشَّرْع فَقيل للتاجر أَلا تصبر حَتَّى يصل السُّلْطَان دَاره ثمَّ يسلم لَك فَامْتنعَ وَقَالَ لَا أفارقه عَن هَذَا الْمَكَان حَتَّى أَقبض مَا هُوَ لي فبادر السُّلْطَان وَأمر من جَاءَهُ بِالْمَالِ وَالسُّلْطَان يَوْمئِذٍ مُقيم بِمَجْلِس قريب من مجْلِس القَاضِي فَلَمَّا وصل المَال فسلمه للتاجر وَأَبْرَأ ذمَّة السُّلْطَان فَحِينَئِذٍ قَامَ القَاضِي وَسلم على السُّلْطَان واعتنقه فَقبل السُّلْطَان بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ صدق من سماك كَمَال الدّين وَعَاد السُّلْطَان حَيْثُ كَانَ
وَمن غَرِيب مَا حُكيَ من ثقوب فطنته أَن امْرَأَة وصلته وَمَعَهَا ثَلَاثَة رجال فَادّعى أحدهم أَنَّهَا ابْنَته وَادّعى الآخر أَنَّهَا زَوجته وَادّعى الثَّالِث أَنَّهَا مملوكته وَادعت الْمَرْأَة أَنهم مماليكها وَأقَام كل وَاحِد مِنْهُم بينهة على صدق دَعْوَاهُ فَحكم لمن ادّعى الْبُنُوَّة أَنه تزوج بحرة وَهُوَ مَمْلُوك فأولدت حرَّة اشترت أَبَاهَا فَعتق عَلَيْهَا وَلمن ادّعى الزَّوْجِيَّة بِأَنَّهَا تزوجته وَهُوَ مَمْلُوك ثمَّ اشترته فانفسخ نِكَاحهَا وَبَقِي على الْملك وَلمن ادّعى ملكهَا تتعارض بينتها وبينته وسقوطهما على الْأَصَح من مَذْهَب الشَّافِعِي وَله مُخْتَصر رد بِهِ على طَاهِر بن يحيى حِين تظاهر بِمَا تظاهر من المعتقد بعد وَفَاة أَبِيه وَبَالغ فِيهِ بالإنكار عَلَيْهِ وَلم يزل فِي قَضَائِهِ موفقا حَتَّى توفّي سنة أَربع وسِتمِائَة بِذِي أشرق وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه عمر توفّي بحياته بعد أَن تفقه
وَمِنْهُم الأخوان مُحَمَّد وأسعد ابْنا الْفَقِيه طَاهِر بن يحيى بن ابي الْخَيْر مولد مُحَمَّد سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ولي قَضَاء عدن وَأخذ عَنهُ بهَا جمَاعَة سيرة ابْن هِشَام وَغَيرهَا وَهُوَ أحد طَرِيقين لنا بهَا لما ارتحل مَعَ أَبِيه مَكَّة وَأَخذهَا عَن جمَاعَة وَكَانَ أَخذه لَهَا عَن عمر بن عبد الحميد وَلم أتحقق لأحد مِنْهُمَا تَارِيخا
وَمِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن سَالم بن عيان بن فضل بن مَسْعُود العبيدي نسبا
стр. 320
بِالْبَاء الْمُوَحدَة مخفوضة بعد عين مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ دَال مُهْملَة ثمَّ يَاء نسب نِسْبَة إِلَى جد لَهُ بِبَلَد كَبِيرَة فِي الْيمن مِنْهُم نَاس يسكنون وَاديا يُقَال لَهُ وَادي عميد هَذَا مِنْهُم وَلذَلِك كَانَ يُقَال لَهُ العميدي لِأَنَّهُ كَانَ يسكن فِيهِ وَهُوَ على نصف مرحلة من الْجند وَضَبطه بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ مِيم مخفوضة ثمَّ يَاء سَاكِنة مثناة من تَحت ثمَّ دَال مُهْملَة على وزن فعيل كَانَ هَذَا الْفَقِيه يسكن قَرْيَة من الْوَادي الْمَذْكُور تعرف بالظفير بِظَاء قَائِمَة مُعْجمَة بعد ألف وَلَام ثمَّ فَاء مخفوضة ثمَّ يَاء مثناة سَاكِنة من تَحت ثمَّ رَاء وَله إِلَى الْآن بهَا ذُرِّيَّة يحترمون ويقدرون ببركته وَكَانَ فَقِيها صَالحا غلبت عَلَيْهِ الْعِبَادَة وَشهر بالصلاح واستجابة الدُّعَاء بِحَيْثُ كَانَ يقْصد من أنحاء الْيمن للتبرك وَطلب الدُّعَاء نفع الله بِهِ وَكَانَ إِذا قَامَ لورده بِاللَّيْلِ بغرفة من بَيته أنارت الغرفة حَتَّى كَأَنَّمَا يُوقد بهَا شمع فَيَأْتِي النَّاس إِلَى حول ذَلِك ويقفون وَيدعونَ الله بِمَا شَاءُوا فَلَا يلبثُونَ أَن يَجدوا أَمارَة الاستجابة وَأَخْبرنِي شَيْخي الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الأصبحي نور الله مضجعه أَنه ثَبت لَهُ بِنَقْل صَحِيح أَن هَذَا الْفَقِيه كَانَ مَتى قَامَ لورده بِاللَّيْلِ أنار الْموضع حَتَّى يخال أَن الْفَقِيه يُوقد لَهُ شمع وَأَن بعض الْفُقَهَاء سمع بذلك فَقَالَ رُبمَا أَن يكون ذَلِك من الشَّيْطَان
ثمَّ وصل إِلَى الْفَقِيه على سَبَب الزِّيَارَة فَأكْرمه الْفَقِيه وبيته مَعَه ثمَّ جَاءَ من اللَّيْل وَقت الْورْد فَقَامَ الْفَقِيه لورده فأضاء الْبَيْت إضاءة عَظِيمَة ثمَّ إِن الْفَقِيه الضَّيْف لما رأى ذَلِك جعل يَتْلُو شَيْئا من الْقُرْآن ليبطل فعل الشَّيْطَان إِن كَانَ فَلم يَزْدَدْ إِلَّا إضاءة بِحَيْثُ أَنه رأى نملة تمشي على جِدَار الْبَيْت وَلم تُؤثر تِلَاوَته فَعلم أَن ذَلِك من فضل الله سُبْحَانَهُ فَاسْتَغْفر الله تَعَالَى واستطاب بَاطِن الْفَقِيه وَسَأَلَهُ أَن يسْتَغْفر لَهُ فَفعل ذَلِك
وَأَخْبرنِي الثِّقَة من أهل الْعلم وَالدّين أَنه ثَبت لَهُ عَن هَذَا الْفَقِيه أَن رجلا من أَصْحَابه كَانَ مَشْهُورا بالأمانة والديانة وَكَانَ النَّاس يودعونه أَمْوَالهم فَقدر الله أَن مَاتَ فَجْأَة فَلم يكد أهل الوداعات يتركون أحدا يقبره إِلَّا بِمَشَقَّة وهربت امْرَأَته وَولده وَلم يدريا مَا يفْعَلَانِ واستخفيا عِنْد بعض المعاريف ثمَّ إِن الْمَرْأَة ألهمت أَن ترسل وَلَدهَا إِلَى الْفَقِيه يُخبرهُ بِمَوْت أَبِيه صَاحبه وَأَنه مَاتَ فَجْأَة وَمَعَهُ ودائع كَثِيرَة للنَّاس دَفنهَا وَلم يطلع أحد عَلَيْهَا فَقَالَت لابنها يَا بني تقدم إِلَى الْفَقِيه وَأخْبرهُ بحالنا وَأَن أَبَاك كَانَت مَعَه
стр. 321
ودائع للنَّاس وَأَنه مَاتَ فَجْأَة وَأَنه آذَانا أَهلهَا بِحَيْثُ لم نقدر نحضر قبرانه لذَلِك ولكثرة طلب النَّاس بِمَا هُوَ لَهُم فَلَمَّا قَالَت لولدها بذلك وَهُوَ شَاب جَاهِل قَالَ لَهَا وَمَا عَسى أَن يفعل لنا الْفَقِيه فَلم تزل تلاطفه وَقَالَت يَا وَلَدي الصالحون لَهُم من الله مَا شَاءُوا فافزع إِلَيْهِ لَعَلَّ الله يفرج عَنَّا برحيل النَّاس ثمَّ مخلف أَبِيك فأجابها على كره وَتقدم إِلَى الْفَقِيه فَلَمَّا وَصله أخبرهُ بِأَنَّهُ ابْن فلَان صَاحبه وَأَن صفة مَوته كَذَا وَكَذَا فَاسْتَرْجع الْفَقِيه وترحم عَلَيْهِ ثمَّ الْتقط حَصَاة بَيْضَاء من الأَرْض وَقَالَ للصَّبِيّ اعرف هَذِه يَا وَلَدي فَإِذا عدت فَادْخُلْ أَنْت ووالدتك الْبَيْت سرا فَحَيْثُ تَجِد هَذِه الْحَصَاة من الْبَيْت فاحفر ذَلِك الْموضع ثمَّ إِن الْفَقِيه رمى بهَا إِلَى نَاحيَة بَيت الرجل فَلم يُمكن الصَّبِي إِلَّا استودع الْفَقِيه وَعَاد إِلَى أمه وَهُوَ بَين مكذب ومصدق فَلَمَّا وَصلهَا أخْبرهَا الْأَمر الَّذِي كَانَ من الْفَقِيه فَقَالَت يَا بني قد عرفت من الْفَقِيه أمورا كَثِيرَة أعظم من هَذَا
ثمَّ لما كَانَ اللَّيْل تسللا ودخلا الْبَيْت سرا ومعهما مَا يحفران بِهِ ومصباح يستضيئون بِهِ فَلَمَّا صَارا بِموضع من الْبَيْت رَأَتْ الْمَرْأَة حَصَاة بَيْضَاء كَمَا وصف لَهَا ابْنهَا فالتقطتها وَقَالَت يَا بني تعرف الْحَصَاة الَّتِي أراكها الْفَقِيه قَالَ نعم فأرته إِيَّاهَا فَقَالَ هِيَ وَالله هَذِه فَأَقْبَلَا على حفر الْموضع الَّذِي كَانَت بِهِ فأخرجا مِنْهُ ظرفا كَبِيرا بِهِ وداعات النَّاس على كل ودَاعَة مَكْتُوب اسْم صَاحبهَا وَمَا كَانَ لَهُ لم يكْتب عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ سرجا بيتهما وباتا فِيهِ فَلَمَّا أصبح الصَّباح طلب الصَّبِي من كَانَ فِي الْقرْيَة من أهل الوداعة وَسَأَلَهُ عَن أَمارَة مَا هُوَ لَهُ فَقَالَ بهَا فَأعْطى ثمَّ وصل الْبَاقُونَ من الْبعد فَفَعَلُوا ذَلِك وَأخذُوا مَا هُوَ لَهُم
وَحصل من بعض فُقَهَاء زَمَانه تظاهر ببدعة فهجره جَمِيع الْفُقَهَاء وأنكروا كَونه مِنْهُم وحذروا النَّاس مِنْهُ فَصَارَ لَا يكَاد يبتدأ بِالسَّلَامِ وَلَا يرد عَلَيْهِ فِي الْغَالِب فَضَاقَ بِهِ الْحَال وَعلم أَن هَذَا الْفَقِيه رُبمَا يلتبس عَلَيْهِ بعض حَاله لِأَنَّهُ لَا خبْرَة لَهُ بالبدع وأصولها بل مُعظم اشْتِغَاله بِالْعبَادَة فوصله وَصَارَ يخالطه وَيظْهر لَهُ الود فَكتب إِلَيْهِ بعض الْفُقَهَاء يحذرهُ مِنْهُ وَيَقُول لَهُ هُوَ على غير السّنة فَلَا تحل صحبته فشق ذَلِك على الْفَقِيه وَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يرِيه صدق مَا قيل عَن الْفَقِيه المبتدع فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ سمع قَائِلا يَقُول اقْرَأ وَقَرَأَ الْقَائِل ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ﴾ إِلَى قَوْله ﴿سَوَاء السَّبِيل﴾ فَلَمَّا أصبح لم يكن لَهُ هم غير الاختفاء عَن
стр. 322
الْفَقِيه والاعتذار عَن مواجهته حَتَّى كَانَ ذَلِك سَببا لرجوعه إِلَى مَذْهَب السّنة نقلت ذَلِك من خطّ الإِمَام سيف السّنة
وَمِمَّنْ انْتفع بِهَذَا الْفَقِيه سُفْيَان الأبيني الْآتِي ذكره وَذَلِكَ أَن والدته كَانَت من أهل بلد الْفَقِيه وَكَانَ وَالِده يَأْمَن الْفَقِيه فِي الذّهاب وَالرُّجُوع لطلب التِّجَارَة فَتزَوج من عِنْده وَرُبمَا ولدت سُفْيَان عِنْده وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله فِي ذكره وقدمت قَرْيَة الظفير فِي شهر شعْبَان سنة عشْرين وَسَبْعمائة لغَرَض زِيَارَة ابْن بنته وَالْمَوْجُود من ذُريَّته وتربته وأبحث عَن اللَّائِق من أَحْوَاله فَوجدت الْمَوْجُودين من ذُريَّته الْغَالِب عَلَيْهِم العامية لَا يعْرفُونَ شَيْئا من تَارِيخ وَلَا سواهُ وَوجدت مَعَهم مُقَدّمَة بِخَط الطواشي جَوْهَر المعظمي ختمة قُرْآن وَقفهَا بِالْبَلَدِ وَشرط نظرها للفقيه
وَمن ذُريَّته قُضَاة مشْعر موضعا من الشوافي وَضَبطه بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَضم الْعين الْمُهْملَة ثمَّ رَاء وَبَلغنِي أَن وَفَاته على آخر المئة السَّادِسَة تَقْرِيبًا
وَمن تهَامَة ثمَّ من زبيد بَنو أبي عقامة غير من تقدم وَقد اعتمدت فِي ذكرهم مَا ذكره الْفَقِيه عمَارَة من التَّرْتِيب وَخبر من أخبر بهم ابْن سَمُرَة وَقد تقدم ذكر جمَاعَة على مَا ذكرهم عمَارَة ورتب إِذْ هُوَ خَبِير بهم فَإِنَّهُ صحب جمعا مِنْهُم فَنقل مِنْهُم أَحْوَال متقدميهم كَمَا أوردته وَأورد من أهل طبقته جمَاعَة
مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن أبي عقامة وَهُوَ ابْن أخي الْحسن بن مُحَمَّد القَاضِي الشَّهِيد الْمُقدم ذكره
قَالَ عمَارَة كَانَ فَقِيها فَاضلا شَاعِرًا مترسلا من شعره ... مَا لهَذَا الْوَفَاء فِي النَّاس قلا ... أَترَاهُم جفوه حَتَّى استقلا ... وَمن ترسلاته مَا كتبه إِلَى ابْن عَمه أبي حَامِد بن أبي عقامة بِسَبَب مناقشة حدثت بَينهمَا على حكم سل عني قَوْمك ويومك وَأمْسك تجدني مُعظما فِي النُّفُوس وَقَاعِدا على قمم الرؤوس
قَالَ عمَارَة وَمِمَّنْ عاصرته وعاشرته القَاضِي الْفَاضِل أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن
стр. 323
القَاضِي عبد الله مقدم الذّكر وَيعرف بالحفائلي وَهُوَ لقب من ألقاب الْمكتب كَانَ نبيلا فَاضلا فَقِيها متكلما شَاعِرًا مترسلا رَئِيسا ممدحا يثيب على الْمَدْح إِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة مَذْهَب الشَّافِعِي بزبيد وَإِلَى ابْن عَمه حاكمها يَوْمئِذٍ أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْفتُوح وَأورد من شعر الحفائلي مَا كتبه جَوَابا إِلَى ابْن عَمه أبي الْعِزّ بن أبي الْفتُوح مقدم الذّكر قَوْله ... رفقا فدتك أوائلي وأواخري ... أَيْن الأضاة من الْفُرَات الزاخر
أَنْت الَّذِي نوهت بِي بَين الورى ... وَرفعت للسارين ضوء مفاخري ... وَله قصيدة يتشوق بهَا إِلَى إخوانه ... تشتاقكم كل أَرض تَنْزِلُونَ بهَا ... كأنكم لبقاع الأَرْض أمطار ... وَمِنْه مَا كتبه جَوَابا إِلَى عمَارَة ... إِذا فاخرت سعد الْعَشِيرَة لم يكن ... لأحلافها إِلَّا بأسلافك الْفَخر
وبيتك مِنْهَا يَا عمَارَة شامخ ... هوت تَحْتَهُ الشعرى ودان لَهُ الشّعْر ... وَمن مُعَاتَبَته لبَعض إخوانه مِمَّن تغير لَهُ عَن معهوده ... عذرتك لَو كَانَت طَرِيقا سلكتها ... مَعَ النَّاس أَو لَو كَانَ شَيْئا تقدما
فَأَما وَقد أفردتني وخصصتني ... فَلَا عذر إِلَّا أَن أَعُود مكرما ... وَهَذَا آخر مَا ذكره عمَارَة قَالَ ابْن سَمُرَة فِي حق هَذَا الحفائلي ولي قَضَاء زبيد من قبل الْحَبَشَة وَكَانَ مُعظما عِنْدهم ذَا جاه كَبِير وَعلم غزير تفقه بِأَهْل بَيته
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن القَاضِي عبد الله بن عَليّ بن مُحَمَّد وَهُوَ أَخُو الحفائلي وَأَخُوهُ أَبُو بكر بن عبد الله قَالَ وَآخرهمْ فِي هَذِه الْمدَّة يَعْنِي مُدَّة القَاضِي عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله القَاضِي بن أبي الْفتُوح الْمَذْكُور أَولا وَهُوَ حَاكم زبيد من جِهَة أثير الدّين قَاضِي قُضَاة الْيمن صدر دولة سيف الْإِسْلَام تفقه بِحسن الشَّيْبَانِيّ وَلما قيل لَهُ أَعنِي الشَّيْبَانِيّ يقْعد قَاضِيا بزبيد أَشَارَ عَلَيْهِم بِهِ لما قد خَبره من فقهه وَدينه وَلم يزل بَنو أبي عقامة قُضَاة زبيد وَرُبمَا كَانَ فِي التهائم مُنْذُ دخل ابْن زِيَاد وجدهم مُحَمَّد بن هَارُون إِلَى صدر الدولة المظفرية حَتَّى كَانَ آخِرهم القَاضِي إِبْرَاهِيم وَلم يكن مثبتا فِي الْقَضَاء فَلَمَّا ولي الإِمَام إِسْمَاعِيل الْقَضَاء وَتحقّق مِنْهُ مَا
стр. 324
يُوجب الْعَزْل وعزم على عَزله من الْقَضَاء بزبيد أَشَارَ عَلَيْهِ من أَشَارَ بِأَن لَا يفعل ذَلِك حَتَّى يشاور الْملك المظفر وَهُوَ السُّلْطَان يَوْمئِذٍ فَكتب إِلَيْهِ يُخبرهُ بذلك فَأَدْرَكته عَلَيْهِ شَفَقَة لأجل أَهله وَمَا لَهُ من سَابق قدم بِالْقضَاءِ فجوب إِلَى الإِمَام إِسْمَاعِيل يستعطفه عَلَيْهِ وَيَقُول يَا سيد هُوَ من بَيت أَنْت تعلم حَالهم وسابقتهم فِي هَذَا الشَّأْن فَتصدق عَلَيْهِ بالْعَطْف وَالصَّبْر كَرَامَة لسلفه وَخرج الْجَواب مَخْتُومًا عَلَيْهِ اسْم القَاضِي أبي عون فَظن أَنه قَاضِي الْبَلَد لَا قَاضِي الْقُضَاة فوصل بِهِ إِلَيْهِ فحين رَآهُ فضه وَقَرَأَ كتاب قَاضِي الْقُضَاة وَجَوَاب السُّلْطَان ثمَّ طواه وَاعْتذر وَقَالَ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى قَاضِي الْقَضَاء وأعلموه أَن الرَّسُول غلط وغلطت بِفَتْح الْكتاب فحين وصل الْكتاب إِلَى الإِمَام إِسْمَاعِيل وقرأه علم أَنه قد وقف عَلَيْهِ تغير خاطره من ذَلِك إِذْ كَانَ يحب أَن لَا يطلع على ذَلِك مَعَ مساعدة السُّلْطَان لَهُ كَيفَ مَعَ عدمهَا ثمَّ إِن ابْن أبي عقامة خرج من فوره يُرِيد أَرضًا لَهُ بِجِهَة المسلب ينظر حَالهَا فَلَمَّا عَاد مِنْهَا عثرت دَابَّته فَسقط فاندق عُنُقه فَلم يرفع إِلَّا مَيتا وَهُوَ آخر من ولي الْقَضَاء مِنْهُم وَذريته الموجودون بزبيد من بني عقامة لَيْسَ فيهم مشتغل بِالْعلمِ بل يتعانون الزِّرَاعَة وَمِنْهُم جمَاعَة يسكنون وَادي سِهَام بقرية تنْسب إِلَيْهِم فَيُقَال أَبْيَات الْقُضَاة والقرية تعرف بِمحل الدارية يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم إِن شَاءَ الله
وَمِنْهُم جمَاعَة يسكنون بِلَاد المعافر بقرية يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم أَيْضا إِن شَاءَ الله
وَمن أهل الْجبَال ثمَّ من أهل الصلو جمَاعَة يعْرفُونَ ببني عبد الْملك ثمَّ من بني ضباس فَخذ من الأشعوب وَضبط ضباس بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف ثمَّ سين مُهْملَة أول من ذكر ابْن سَمُرَة مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْملك بن مُحَمَّد بن أبي الْفَلاح كَانَ مدرسا بِجَامِع عمق قَرْيَة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْمِيم ثمَّ قَاف سَاكِنة وَهُوَ جَامع أحدثه الشَّيْخ جَوْهَر المعظمي على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله ثمَّ لما توفّي خَلفه أَخُوهُ أَحْمد بن عبد الْملك ثمَّ انْتقل التدريس إِلَى ابْن أَخِيه الْقَاسِم بن مُحَمَّد مقدم الذّكر وَذَلِكَ بحياة عَمه أَحْمد وَكَانَ حَاكم الْبَلَد ثمَّ خَلفه ابْن عَمه عمر ثمَّ كَانَ آخر مشاهيرهم ولد لَهُ اسْمه يُوسُف كَانَ
стр. 325
فَقِيها متفننا بالفقه والنحو واللغة تفقه فِي بدايته بِبَعْض أَهله وَأخذ النَّحْو عَن مُحَمَّد بن سعيد الْحِمْيَرِي وَحج مَكَّة فَأدْرك ابْن حسن فَأخذ عَنهُ وَعَن من وجد بِمَكَّة حِينَئِذٍ
قَالَ بعض الْفُقَهَاء من أهل ناحيته حِين سَأَلته عَن حَقِيقَة أمره هُوَ شيخ الْأَدَب إِلَيْهِ انْتهى الْعلم وَالْفضل وَالْفِقْه وَالدّين والكمال والورع وَالصَّلَاح لم يكن فِيمَن علمت مثله قبله وَلَا بعده فِي كَمَال طَرِيقه وَحسن تَحْقِيقه وَكَانَت وَفَاته فِي آخر المئة السَّابِعَة وانتجع عَن الْبَلَد مِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد تفقه بمصنعة سير وتفقه بالأصبحي وَكَانَ أفقه أَصْحَابه وأدركته يدرس فِيهَا وَأخذت عَنهُ بعض كَافِي الصردفي وَسَيَأْتِي ذكره فِي مدرسي المصنعة وهم بَيت علم وَصَلَاح
وَلَقَد كتب فَقِيه ناحيتهم فِي عصرنا الْآتِي ذكره إِلَيّ حِين كتبت إِلَيْهِ أسأله عَن الْفُقَهَاء بناحيته فَأَخْبرنِي عَن ذَلِك حَتَّى جَاءَ إِلَى ذكر هَؤُلَاءِ بني عبد الْملك فَقَالَ وَأما السَّادة بَنو عبد الْملك فِي عمق فهم الْفُضَلَاء الْقُضَاة الْعلمَاء الأتقياء الْأَبْرَار الأخيار المنتخبون مِمَّن سمعنَا مِنْهُم وعد جمَاعَة مِمَّن ذكرنَا
وَقد عرض ذكر الشَّيْخ جَوْهَر فِي غير هَذَا الْموضع لَكِن رَأَيْت ذكره هُنَا أولى لكَونه من ناحيته وَمِمَّنْ لَهُ على هَؤُلَاءِ الْقَوْم إفضال وَأَنه مَعْدُود من أَعْيَان الْفُضَلَاء وَهُوَ أَبُو الدّرّ جَوْهَر بن عبد الله المعظمي كَانَ أستاذا حَبَشِيًّا من موَالِي الزريعيين ونسبته المعظمي إِلَى الدَّاعِي مُحَمَّد بن سبأ فَإِنَّهُ كَانَ يلقب بالمعظم وَخَلفه فِي حصن الدملوة وَسَيَأْتِي ذكره أَعنِي سَيّده فِي الْمُلُوك
وَلما توفّي الْمُعظم خَلفه ابْنه عمرَان الملقب بالمكرم أبقى جوهرا على نِيَابَة الدملوة ثمَّ لما دنت وَفَاته جعله وَصِيّا على أَوْلَاده وَكَانُوا يَوْمئِذٍ صغَارًا كلهم فنقلهم من عدن إِلَى الدملوة وَأكْرمهمْ وَقَامَ بكفايتهم أحسن قيام وعضده فِي ذَلِك الشَّيْخ يَاسر بن بِلَال بن جرير المحمدي إِذْ كَانَ وزيرا لعمران ومديرا لدولته كَمَا كَانَ أَبوهُ مَعَ أَبِيه كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله وَكَانَ جَوْهَر عبدا مُبَارَكًا تقيا ومشتغلا بِالْعلمِ أجمع فُقَهَاء عصره على تَسْمِيَته بِالْحَافِظِ وَكَانَ مَعَ ذَلِك فَقِيها مقرئا قل أَن يحفظ شَيْئا فينساه وَله مصنفات فِي علم الْقُرْآن والْحَدِيث والوعظ وَكَانَ يسلم من مَذْهَب موَالِيه ويعتمد خطه فُقَهَاء زَمَانه من أهل السّنة يواصلهم ويواصلونه وَمن كتبه الَّتِي صنفها فِي المواعظ كتاب سَمَّاهُ تذكرة الأخيار ومدخرة الأشرار وَمَا أحسن قَوْله فِي خطبَته لما علمت أَن الْمَوْت موردي والقبر مشهدي جعلته تَنْبِيها لنَفْسي من الْغَفْلَة وَتَذْكِرَة لي قبل يَوْم الرحلة لَعَلَّ يتغمدني الله بِالْعَفو عَن قَبِيح مَا أسديته ويتجاوز عَن شنيع مَا جنيته
وَأفهم من هَذِه الْخطْبَة أَنه قد عمل كتابين أَحدهمَا كتاب الْمُنَاجَاة والأدعيات وَالْآخر كتاب الرسائل وشريط الْوَسَائِل وَله كتاب سَمَّاهُ اللؤلؤيات جعله فصولا فِي المواعظ واستفتح كل فصل مِنْهَا
стр. 326
بِحَدِيث أسْندهُ إِلَى النَّبِي ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا أوردت هَذِه الْأَحَادِيث مُسندَة لَا تنظم بسلك أحد طَرفَيْهِ مُتَّصِل إِلَى النَّبِي ﷺ وَلم يزل قَائِما بكفالة أَوْلَاد سَيّده حَافِظًا لحصن الدملوة حفظا مرضيا وَأمره نَافِذ بعدن ونواحيها وَهُوَ مصَالح لبني مهْدي على ذَلِك بِمَال يحملهُ كل عَام حَتَّى قدمت الغز فَأخذ توران عدن وَلزِمَ يَاسر بن بِلَال وَعَبده السدُوسِي مِفْتَاح فوسطهما وَقيل شنقهما ولزومهم وتوسيطهم بِذِي عدينه سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة ثمَّ عَاد إِلَى مصر على مَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله
وجوهر هَذَا بَاقٍ على الحزم والعزم بحصن الدملوة وَلم يزل كَذَلِك على الطَّرِيق المرضي من الدّين وَالدُّنْيَا حَتَّى هلك توران وَقدم سيف الْإِسْلَام بالتاريخ الْآتِي وَبَاعَ مِنْهُ الْحصن حِين رَآهُ وَقد غلب على كثير من الْحُصُون والمدن وَعلم أَن لَا طَاقَة لَهُ بمقاومته وَذَلِكَ بتاريخ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة كَمَا سَيَأْتِي وَلما بَاعه اشْترط أَن لَا ينزل من الْحصن وَلَا يطلع لَهُم نَائِب حَتَّى يكون جَمِيع عِيَال سَيّده قد جاوزوا الْبَحْر وَأَنَّهُمْ يركبون من المخا أَو نَحوه فَأَجَابَهُ سيف الْإِسْلَام إِلَى ذَلِك لما علمه من صعوبة الْحصن فحين وثق وَسلم لَهُ المَال وَلَا أَدْرِي كم مبلغه جهز أَوْلَاد سَيّده من الْبَنِينَ وَالْبَنَات إِلَى سَاحل المخاء وتجهز مَعَهم بزِي امْرَأَة مِنْهُم وَأخذ مصونهم حَتَّى جَاءَ السَّاحِل ركب الْبَحْر وَقد لَهُ سفن هُنَالك معدة فَركب وسافر إِلَى أَرض الْحَبَشَة وَقد ترك كَاتبا فِي الْحصن يكْتب مَا يحْتَاج ويجهز بَقِيَّة مَا يَلِيق تَجْهِيزه وَيُوجد الغز أَن الطواشي بَاقٍ فِي الْحصن وَكَانَ قد كتب عدَّة أوراق عَلَيْهَا علامته وَكَانَ الغز قد أضمروا الْغدر بالطواشي وَأَنه مَتى نزل من الْحصن لزموه وَأخذُوا مِنْهُ مَا قَبضه وَزِيَادَة عَلَيْهِ وَلما فرغ مَا فِي الْحصن من قماش وَغَيره وَنزل الْكَاتِب وَقد صَار الطواشي وَمَا مَعَه من وَرَاء الْبَحْر فَسئلَ الْكَاتِب عَنهُ فَقَالَ هُوَ فِي أول من نزل فَعجب سيف الْإِسْلَام مِنْهُ وَقَالَ كَانَ يَنْبَغِي استخلافه وإبقاؤه فِي الْحصن فَقل وجود مثله فِي دينه وحزمه وعزمه وَلم يزل الطواشي بِالْحَبَشَةِ حَتَّى هلك هُنَالك وَأَوْلَاد سَيّده وَله فِي جَزِيرَة الْعَرَب من الْآثَار المتبقية للذّكر مَعَ السِّيرَة المرضية عدَّة مآثر مِنْهَا أَنه نسخ بِيَدِهِ عدَّة مُقَدمَات ووقفها فِي أَمَاكِن مُتَفَرِّقَة مِنْهَا فِي جَامع الْجند ثَلَاثُونَ جُزْءا ختمة كَامِلَة وَنَحْوهَا رَأَيْتهَا بوادي عميد مَعَ ذُرِّيَّة الْفَقِيه عَليّ بن سَالم وَقفهَا بحياة الْفَقِيه وَلَو لم يكن لَهُ غير جَامع عمق الَّذِي تقدم ذكره فَإِنَّهُ بناه أحسن بِنَاء ووقف عَلَيْهِ
стр. 327
وَقفا عَظِيما يقوم بِجمع من الطّلبَة ثمَّ بنى جَامعا آخر فِي بِلَاد الأشعوب يُقَال لَهُ معبرة وَآخر يُقَال لَهُ الخناخن وَضبط الْمَوْضِعَيْنِ الأول بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَالثَّانِي بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة بعد ألف وَلَام وَفتح النُّون ثمَّ ألف ثمَّ خفض الْخَاء الْمُعْجَمَة أَيْضا ثمَّ نون وَللَّه دره
وَمن آثاره الْفَقِيه بطال أَيْضا فَإِنَّهُ ارتهنه من أَهله على مَا سَيَأْتِي ذكره فهذبه وَعلمه الْقُرْآن وَصَارَ إِمَامًا مَقْصُودا مَشْهُورا وَلم أعلم لَهُ علما يَنْبَغِي إِيرَاده وَكَانَ سَفَره بالتاريخ الْمُتَقَدّم
وَمن النَّاحِيَة أَيْضا سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن فهيد جمع بَين الْفِقْه والقراءات السَّبع والعربية
وَمِنْهُم أسعد بن مُحَمَّد كَانَ أديبا بارعا فَقِيها فِي الْعَرَبيَّة مدرسا بمنزله الْمُسَمّى أروس إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم عَليّ بن سُلَيْمَان ثمَّ الأخوان ابْنا الأديب منقذ وَعلي ابْنا عبد الله قَالَ ابْن سَمُرَة وهما مجودان فِي الْعَرَبيَّة وَمن أهل الجؤة القَاضِي الْمُبَارك بن إِسْمَاعِيل ولي قضاءها وَكَانَ فَاضلا روى عَنهُ الْحَافِظ العرشاني وَكَانَ فَقِيها مُحدثا
وَمِنْهُم عمر بن حَرْب ولي قضاءها ثمَّ الْخَطِيب أَحْمد بن عبد الله بن الإِمَام ثمَّ القَاضِي عَليّ بن يحيى أَخُو عَليّ وَأحمد وَأَصله من تهَامَة
وَمن إتحم بخفض الْهمزَة وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ مِيم سَاكِنة القَاضِي أَبُو بكر بن أبي الْفَتْح بن أبي السهل والفقيه سمير
وَمن خدير الْقُضَاة آل أبي ذرة مِنْهُم مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي ذرة والفقيه مَسْعُود بن ثَعْلَب وَقد تقدم مِنْهُم يحيى بن عبد الْعَلِيم وَغَيره من أَهله
وَمن المعافر من قَرْيَة الحسيد بِضَم الْحَاء وَفتح السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ دَال مُهْملَة جمَاعَة مِنْهُم بَنو الدقاق مِنْهُم عمر بن الدقاق قَالَ
стр. 328
ابْن سَمُرَة وَتزَوج فيهم عَليّ بن يحيى بن عبد الْعَلِيم وَعلي بن مُحَمَّد بن بلاوة الْجَعْدِي قلت وَفِي الْقرْيَة الْمَذْكُورَة جمَاعَة من آل أبي عقامة أَخْبرنِي بذلك ثِقَة وَأَنَّهُمْ فِي عصرنا يتولون الحكم بِتِلْكَ النَّاحِيَة
وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أبي الْأَغَر الْوَلِيد وَعمْرَان بن يحيى بن عَليّ من الأشعوب ولي قَضَاء المعافر أَيَّام شمس الدولة وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن أبي الْأَغَر ولي قضاءها من جِهَة القَاضِي الْأَثِير
وَمِنْهُم ابْن أَفْلح وَابْن دُحَيْم وَمِنْهُم حسن الدباني أَصله من تهَامَة ثمَّ سكن جبل ذبحان من المعافر وَمَات هُنَالك
وَمن جباء وَهِي بلد مبارك تقدم ضَبطهَا مَعَ ذكر القَاضِي الجندي خرج مِنْهَا جمع من أَعْيَان الْفُضَلَاء مِنْهُم عليان بن مُحَمَّد الحاشدي وَمِنْهُم بَنو البلعاني بَيت رئاسة وأصلهم من حراز وَمِنْهُم جمَاعَة فُقَهَاء مِمَّن ذكر ابْن سَمُرَة
مِنْهُم عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد وَمُحَمّد بن عبد الله القَاضِي قَالَ ابْن سَمُرَة
وَقد ذكره وَغَيره من أقرانه مِمَّن لم يحضرني معرفتهم الْآن وَهَذَا من قَوْله يدل على أَن فيهم جمَاعَة لم يتحققهم
وَمِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن الشَّيْخ يحيى بن إِسْحَاق بن عَليّ بن إِسْحَاق العياني ثمَّ السكْسكِي نِسْبَة إِلَى قوم يعْرفُونَ بالأعيون قَبيلَة فِي الْيمن مِنْهُم جمَاعَة بالجانب الْيَمَانِيّ من أَعمال الْجند ونسبتهم إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا عيانة بِعَين مُهْملَة مَضْمُونَة وياء مثناة من تَحت ثمَّ ألف وَنون مَفْتُوحَة وهاء سَاكِنة وَهِي بِبَلَد مقمح بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة كَانَ وَالِد هَذَا أبي بكر من أَعْيَان الْيمن فِي الصّلاح وثروة المَال وَفعل الْمَعْرُوف وَكَثْرَة الْحَج وَكَانَ أهل الْحجاز إِنَّمَا يسمونه زين الْحَاج لِكَثْرَة الْمَعْرُوف الَّذِي كَانَ يَفْعَله هُنَاكَ وَلما علم بِهِ صَاحب بَغْدَاد وبدينه كتب لَهُ مُسَامَحَة بغالب أرضه وَأَن يبْقى عَلَيْهَا مَا بَقِي من ذُريَّته إِنْسَان وَهِي بِأَيْدِيهِم إِلَى الْآن يجرونَ عَلَيْهَا وَذريته أهل عصرنا فِي فعل الْمَعْرُوف وَالصَّبْر على الْإِطْعَام للقاصد ومؤاساة الْوَاصِل ثمَّ الْقيام بِحَال طلبة الْعلم بِحَيْثُ أَنه
стр. 329
قد يجْتَمع مَعَهم نَحْو المئة طَالب يقومُونَ بكفايتهم من الطَّعَام وَلَا أجد ذَلِك إِلَّا بركَة هَذَا الرجل الشَّيْخ يحيى وَكَانَ كثير الزِّيَارَة لفقهاء ذِي أشرق فَلَمَّا سمعهم يثنون على الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن حديق بجودة الْفِقْه وَالدّين سَأَلَهُ أَن ينْتَقل مَعَه إِلَى جبا ليقرىء ابْنه هَذَا أَبَا بكر وَغَيره فَأَجَابَهُ وَسَار إِلَى جبا وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك إِن شَاءَ الله
وَلَقَد قدمت جبا فِي جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة لغَرَض زِيَارَة تربته وتربة الأخيار حوله من ذُريَّته وَغَيرهم فَوجدت ذُريَّته على الْحَال المرضي من الْإِطْعَام والإيناس لمن ورد عَلَيْهِم بِحَيْثُ غلب على ظَنِّي عدم وجود مثلهم فِي الْيمن لَا سِيمَا فِي الْجبَال إِذْ قد يذكر عَن بني البَجلِيّ مَا يضاهي ذَلِك
وبحثت عَن تَارِيخ الشَّيْخ فَلم أَجِدهُ
وَأما وَلَده أَبُو بكر فَذكره ابْن سَمُرَة وَقَالَ تفقه بشيخي عَليّ بن أبي بكر وَلَعَلَّ ذَلِك كَانَ فِي بداية أمره فَإِنِّي رَأَيْت طبقَة سَمَاعه للمهذب إِنَّمَا يرويهِ عَن إِبْرَاهِيم بن حديق
وَأخذ التَّنْبِيه عَن غَيره وَغير من ذكره ابْن سَمُرَة أَنه تفقه عَلَيْهِ وَأخذ عَن الإِمَام سيف السّنة عدَّة من كتب الحَدِيث وَكَانَ مِمَّن حضر السماع لصحيح مُسلم عَلَيْهِ بِمَدِينَة الْجند وَحج مَكَّة سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَلَمَّا عَاد إِلَى زبيد أَخذ بهَا على الْفَقِيه عَبَّاس بن مُحَمَّد الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله
وَكَانَ فَقِيها محققا مدققا ذَا صَلَاح مَشْهُور وَعلم مَذْكُور قَصده الطّلبَة من أنحاء الْيمن رَغْبَة فِي علمه وإنسانيته مِنْهُم ابْنه يحيى وَأَخُوهُ مُحَمَّد وَغَيرهم من أهل قريته وَقَومه
وَمن المشيرق أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الْجُنَيْد وَعُثْمَان بن يُوسُف بن أسعد الشّعبِيّ وَغَيره من أهل الْجبَال وَمن تهَامَة إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عجيل وَعلي بن قَاسم الْحكمِي وَعلي بن مَسْعُود الكثيبي من المخلافة وَغَيرهم وَهُوَ أَكثر فُقَهَاء الْجبَال الْمُتَأَخِّرين أصحابا أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه حج سنة وَلم يسْتَطع الزِّيَارَة إِلَى يثرب فَبَقيَ قلقا لذَلِك وقلق بَاطِنه فَرَأى النَّبِي ﷺ يَقُول لَهُ يَا أَبَا بكر لم تزرنا فزرناك فَقَالَ يَا رَسُول الله بكرمك فعلت ذَلِك
فَادع الله لي فَدَعَا لَهُ وَقَالَ ولإخوتي وأولادي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي حَتَّى عدد سَبْعَة بطُون وَالنَّبِيّ ﷺ يَدْعُو لكل بطن عِنْد ذكره لَهُم فهم يرَوْنَ أَن الْخَيْر وَالْبركَة الْمَوْجُودين فيهم ببركة دُعَاء النَّبِي ﷺ هَذَا
وَكَانَ بعض أهل الْعلم وَالصَّلَاح من أهل جبا يَقُول رُؤِيَ الْفَقِيه أَبُو بكر بن يحيى وَهُوَ يطوف بِالْكَعْبَةِ رَاكِبًا على بغلة وَحَوله نَحْو ثلثمِائة فَقِيه يَمْشُونَ بمشيته ويطوفون بطوافه وَكَانَت وَفَاته بقريته سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَهُوَ آخر من ذكر ابْن سَمُرَة من أهل جبا
стр. 330
وَمِمَّنْ قدم عَلَيْهِم وانتفعوا بِهِ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن حديق بن إِسْحَاق الجشيبي ثمَّ السكْسكِي والجشيبي من قوم يُقَال لَهُم الأجشوب بجيم سَاكِنة بعد ألف وَلَام ثمَّ شين مُعْجمَة مَضْمُومَة ثمَّ وَاو ثمَّ بَاء مُوَحدَة بطن من السكاسك أصل بَلَده إتحم قد تقدم ضَبطهَا خرج إِبْرَاهِيم مَعَ ثَلَاثَة من إخْوَته فسكن أكمة سُودًا ببادية الْجند فَأدْرك الْفَقِيه سُلَيْمَان فَأخذ عَنهُ وطلع ذِي أشرق فَأخذ عَن عَليّ بن أبي بكر من بني الإِمَام وَأخذ عَن القَاضِي مَسْعُود ثمَّ صَار إِلَى جبا كَمَا قدمت ذَلِك مَعَ ذكر الشَّيْخ يحيى فَلَمَّا قدم جبا قَالَ ابْن سَمُرَة انْتَهَت إِلَيْهِ رئاسة الْفِقْه وَالْفَتْوَى بهَا وتفقه بِهِ أَبُو بكر بن يحيى الْمُقدم ذكره وَبِه تفقه الإِمَام بطال الركبي وَحضر السماع على سيف السّنة بِمَسْجِد الْجند وَفِي ذِي أشرق أَيْضا وَله بهَا عقب إِلَى الْآن وَتُوفِّي بقرية الْحَصَاة وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه أسعد مولده ربيع الأول سنة سبعين وَخَمْسمِائة تفقه على فَقِيه كَانَ بمطران اسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الحجوري
مِنْهُم أَخُوهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيى كَانَ فَاضلا تفقه بِهِ وَأخذ عَن سيف السّنة وَكَانَ جيدا صَالحا يغلب عَلَيْهِ الِاشْتِغَال بكتب الحَدِيث وَفَاته لثلاث بَقينَ من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة
وَمِنْهُم ابْنه يحيى كَانَ فَقِيها تفقه بِأَبِيهِ وَأخذ الْفَرَائِض عَن لَيْث بن أَحْمد كَمَا أَخذهَا عَن أَحْمد بن عبد الله الزبراني وَلم أجد لَهُ تَارِيخا
وَمِنْهُم ابْن أَخِيه يحيى بن عبد الله بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن يحيى وَبِهَذَا يحيى تفقه جمع كثير وقصده الطّلبَة من نواح شَتَّى وَوَصله مدرسو تعز ورأسهم يَوْمئِذٍ ابْن آدم الْآتِي ذكره فَأخذُوا عَنهُ الْبَيَان
وَكَانَ ذَا كرامات ومكاشفات وَبِه تفقه مُحَمَّد بن أبي بكر الأصبحي فَذكرُوا أَنه كَانَ من جَاءَهُ للْقِرَاءَة قَالَ لَهُ مرْحَبًا بك يَا مدرس سير فَكَانَ
стр. 331
كَمَا قَالَ درس بسير عدَّة سِنِين وَأخذ عَنهُ جمع من الطّلبَة وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك وَكَانَت وَفَاته على طَرِيق التَّقْرِيب سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة بذلك أَخْبرنِي فَقِيه جبا وحاكمها حِين دَخَلتهَا بالتاريخ الْمُتَقَدّم وَخَلفه فِي التدريس وَالطَّرِيق المرضي أَخُوهُ عُثْمَان بن عبد الله تفقه بتهامة على عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عجيل وَأخذ عَن أَخِيه يحيى وَكَانَ جيدا صَالحا كثير الْعُزْلَة ببيته ويدرس فِيهِ قل أَن يخرج مِنْهُ إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ زاهدا ورعا متقللا وَكَانَ نظيف الْفِقْه لُزُوما للسّنة أَخْبرنِي ابْن أَخِيه الْفَقِيه عَليّ بن أبي بكر أحد فقهائهم وأخيارهم عَام قدمت عَلَيْهِم بالتاريخ الْمُتَقَدّم أَنه أسر إِلَيْهِ أَنه قَالَ رَأَيْت رُؤْيا إِن عِشْت لَا أخبر بهَا أحدا وَإِن مت فَأَنت بالخيرة رَأَيْت لثمان بَقينَ من رَجَب جمَاعَة فيهم رَسُول الله ﷺ فَدَنَا مني وَقبل بَين عَيْني فَقلت اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا لي عنْدك وَدِيعَة وذخرا فَاغْفِر لي يَا خير الغافرين وَمَا أظنني أعيش بعْدهَا فَقلت وَلم ذَاك قَالَ إِن ابْن نَبَاته الْخَطِيب رأى النَّبِي ﷺ يقبله فَلم يَعش بعد ذَلِك غير اثْنَي عشر يَوْمًا ثمَّ لم يَعش بعد ذَلِك سوى عشْرين يَوْمًا إِذْ مَاتَ يَوْم السبت خَامِس عشر من شعْبَان سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة
وَقد عرض مَعَ ذكر هَذَا الرجل الْمُبَارك ذكر الْخَطِيب ابْن نباتة وَهُوَ أحد أَعْيَان الْعلمَاء الْمَشْهُورين وَرَأس الخطباء الْمَذْكُورين فَأحب بَيَان بعض اللَّائِق بِهِ من أَحْوَاله على مَا بَلغنِي وَصفَة رُؤْيَاهُ الَّتِي أَشَارَ الْفَقِيه إِلَيْهَا فَهُوَ أَبُو يحيى عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن نباتة الفارقي فنباتة بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعد ألف وتاء مثناة من فَوق مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء سَاكِنة مولده سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة
قَالَ ابْن خلكان فِي حَقه هُوَ صَاحب الْخطب الْمَشْهُورَة كَانَ إِمَامًا فِي عُلُوم الْأَدَب ورزق السَّعَادَة فِي خطبه الَّتِي وَقع الْإِجْمَاع على أَنه مَا عمل مثلهَا وفيهَا دلَالَة على غزارة علمه وجودة قريحته وَهُوَ من أهل ميافارقين وَكَانَ خطيب حلب وفيهَا اجْتمع بِأبي الطّيب المتنبي فِي خدمَة سيف الدولة بن حمدَان وَذكروا أَنه سمع مِنْهُ بعض ديوانه وَكَانَ سيف الدولة كثير الْغَزْو وَلِهَذَا أَكثر الْخَطِيب من خطب الْجِهَاد ليحض النَّاس عَلَيْهِ ويحثهم على نصْرَة سيف الدولة وَكَانَ رجلا صَالحا رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام قلت رُؤْيَاهُ مَشْهُورَة وَجدتهَا بِخَط شَيْخي القَاضِي أَحْمد بن عبد الله العرشاني وَفِي بعض كتبه بِسَنَد أَعرَضت عَن إِيرَاده ميلًا للاختصار قَالَ رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم لَيْلَة الْجُمُعَة كأنني خَارج من بَاب من أَبْوَاب ميافارقين يعرف بِبَاب أرزد بِأَلف مَهْمُوزَة وَرَاء سَاكِنة ثمَّ زَاي مَفْتُوحَة ثمَّ دَال مُهْملَة سَاكِنة وجدته مضبوطا كَذَلِك
стр. 332
فحققته
نرْجِع إِلَى كَلَام الْخَطِيب قَالَ خرجت طَالبا زِيَارَة تُرَاب أَهلِي وَإِذا بِجَمَاعَة كثير قد لقوني وَفِي وَسطهمْ رَسُول الله ﷺ وَكَأَنِّي سَأَلت عَنْهُم فَقيل هَؤُلَاءِ من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا فتقدمت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأخذت بِيَدِهِ الْكَرِيمَة فَقَبلتهَا وَقلت لَهُ رفع الله درجتك تقبل الله شفاعتك رحم الله أمتك
فَأَجَابَنِي ﷺ على السجع وَقَالَ أقَال الله عثرتك غفر الله زلتك أحسن الله معونتك ثمَّ الْتفت إِلَى الْجَمَاعَة الَّتِي حوله وَقَالَ سلمُوا على خطيب الخطباء فَسَلمُوا عَليّ وسلمت عَلَيْهِم ثمَّ قَالَ لي خطيب الخطباء كَيفَ قلت وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَة إِلَى الْجَبانَة كَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا للعيون قُرَّة وَلم يعدوا فِي الْأَحْيَاء مرّة أعد الْفَصْل من أَوله فابتدأت من أول الموعظة بخطابة وَترسل وَهُوَ ﷺ يبكي وَالْجَمَاعَة يَبْكُونَ لبكائه إِلَى أَن وصلت خَاتِمَة الْخطْبَة وَقلت أسكتهم الله الَّذِي أنطقهم وأبادهم الَّذِي خلقهمْ وسيجددهم كَمَا أخلقهم ويجمعهم كَمَا فرقهم يَوْم يُعِيد الله الْعَالمين خلقا جَدِيدا وَيجْعَل الظَّالِمين لنار جَهَنَّم وقودا ثمَّ أَوْمَأت بيَدي إِلَيْهِ ﷺ وإليهم وَقلت يَوْم تَكُونُونَ شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا فَقَالَ لي ﷺ أَحْسَنت يَا خطيب الخطباء لَا فض الله فَاك قَالَ افْتَحْ فَاك ففتحته فتفل فِيهِ ﷺ ثمَّ انْتَبَهت ورائحة الْمسك يتضوع من فِي وَبَقِي ﵁ أَيَّامًا الْمَنَام أفْصح وَأحلى مِمَّا قبله وَاخْتلف فِي مُدَّة بَقَائِهِ بعد ذَلِك فَقَالَ ابْن خلكان عَاشَ بعْدهَا ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا لَا يستطعم طَعَاما وَلَا شرابًا لبركة تِلْكَ التفلة وَهَذِه الْخطْبَة هِيَ الَّتِي فِيهَا هَذِه الْكَلِمَات تعرف بالمنامية لهَذِهِ الْوَقْعَة وَذكر فِيمَا رَأَيْت بِخَط شَيخنَا الْمَذْكُور أَولا الَّذِي وجدت الْقِصَّة بِخَطِّهِ أَنه عَاشَ بعد الْمَنَام أَرْبَعِينَ يَوْمًا
وَأما الَّذِي ذكره الْفَقِيه عُثْمَان وَهُوَ من الْعلمَاء الْمَأْخُوذ عَنْهُم أَنه لم يَعش غير اثْنَي عشر يَوْمًا ثمَّ لم يَعش هُوَ أَيْضا بعد الْمَنَام غير اثْنَي عشر يَوْمًا كَمَا قدمنَا وَكَانَت وَفَاة الْخَطِيب بميافارقين سنة أَربع وَسبعين وثلثمائة
قَالَ ابْن خلكان وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع قَالَ الْوَزير أَبُو الْقَاسِم بن المغربي رَأَيْت الْخَطِيب ابْن نباتة بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ دفع إِلَيّ ورقة وفيهَا سطران بالأحمر هما
стр. 333
.. قد كَانَ أَمن لَك من قبل ذَا ... وَالْيَوْم أضحى لَك أمنان
والصفح لَا يحسن من محسن ... وَإِنَّمَا يحسن من جاني ... وانتبهت وَأَنا أكررهما كي لَا أنساهما
نعود إِلَى ذكر فُقَهَاء جبا وتتمة بني إِسْحَاق إِلَى عصرنا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة فَمنهمْ عمر بن عُثْمَان بن الشَّيْخ يحيى مقدم الذّكر مولده سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ فَقِيها غلب عَلَيْهِ الِاشْتِغَال بكتب الحَدِيث وَتُوفِّي بصفر من سنة عشر وَسَبْعمائة ثمَّ خَلفه ابْنه عبد الله مولده سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة فِي شهر شعْبَان وارتحل إِلَى زبيد فَأخذ بهَا عَن ابْن ثُمَامَة الْآتِي ذكره وَإِلَيْهِ انْتهى الحكم فِي عصرنا والتدريس بجبا وَهُوَ أحد الْمَعْدُودين فِي أخيار فُقَهَاء الْعَصْر أنس للواصلين وَقيام بالقاصدين قدمت جبا وَهُوَ الْمَذْكُور بذلك وَاجْتمعت بِهِ فَرَأَيْت مِنْهُ مَا حقق الذّكر وَالسَّمَاع وَرَأَيْت لَهُ ذكرا بالفقه وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي الْفَتْوَى وَأخذ عَنهُ جمَاعَة وَله تصنيف بالفقه
وَمِنْهُم الأخوان عَليّ ويوسف ابْنا أبي بكر بن عبد الله بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن يحيى مقدم الذّكر قدمت جبا بالتاريخ فَوجدت عليا الْمَذْكُور هُوَ الْمشَار عَلَيْهِ بعد ابْن عَمه الْفَقِيه عبد الله بالفتوى وَرُبمَا كَانَ أَكثر تلقيا للأصحاب وأنسا لَهُم وصبرا عَلَيْهِم من الْفَقِيه عبد الله وَسَأَلته عَن ميلاده فَقَالَ سنة ثَلَاث وَسبعين
وَأما أَخُوهُ يُوسُف ففاضل بالفرائض مولده سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة يذكر بالأمانة وَالصَّبْر على أكاذبها غَالب ودائع أهل الْجِهَة إِنَّمَا تكون مَعَه وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عمر بن عُثْمَان فَاضل بالقراءات السَّبع وَمن بني البلعاني أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبيد بن أبي بكر بن عبد الله البلعاني مولده ربيع الأول من سنة إِحْدَى وسِتمِائَة وتفقه بعلي بن قَاسم من زبيد وَعمر بن مُفْلِح من أبين ودرس بمغربة تعز فِي الْمدرسَة النجاحية وَعنهُ أَخذ جمَاعَة من فُقَهَاء تعز وَغَيرهَا أثنى عَلَيْهِ الْفَقِيه عُثْمَان الشرعبي فِي تعليقته وَكَانَت وَفَاته بجبا نَهَار الْخَمِيس رَابِع عشر من شعْبَان سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَله ولدان بجبا أَحدهمَا مقرىء للسبعة وَهُوَ طَالب الْآن للتفقه وَمُحَمّد محسن بِالْكِتَابَةِ مَعَ السلاطين
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن عبد الله الجبائي ثمَّ السكْسكِي
стр. 334
عرف بِابْن الْمعلم كَانَ فَقِيها فَاضلا لَكِن غلب عَلَيْهِ علم الْأَدَب وَأَخذه عَن القَاضِي أَحْمد القريظي الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله وَله شرح المقامات للحريري الْمَشْهُورَة بِهِ فَيُقَال شرح الجبائي وَهُوَ أحد شُيُوخ الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عجيل وَيُقَال إِنَّه مَاتَ قبل تَمام الشَّرْح فَقدم ابْن عجيل الْمَذْكُور فأتمه وَعنهُ أَخذ عَليّ بن عمر الْحَضْرَمِيّ أحد شارحي المقامات أَيْضا شرحها شرحا أبسط من شرح شَيْخه وَشرف نفس وَلم أعرف لَهُ تَارِيخا
وَمِنْهُم أَبُو الْخطاب عمر بن أَحْمد بن أسعد بن عمر وَعرف بِابْن الْحذاء بحاء مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ فتح الذَّال الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف وَأَظنهُ كَانَ يعْمل النِّعَال فَلذَلِك سمي الْحذاء إِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْقرَاءَات فِي الْيمن أجمع وَكَانَ عَظِيم الْبركَة قَلما قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا انْتفع وَكَانَ مَسْكَنه قَرْيَة من قرى جبا تعرف بالمتفولة بِفَتْح الْمِيم بعد الْألف وَاللَّام وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وبضم الْفَاء وَسُكُون الْوَاو ثمَّ فتح اللَّام ثمَّ هَاء سَاكِنة وَهِي شَرْقي مَدِينَة جبا وَكَانَ صَاحب كرامات كَثِيرَة
أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه كَانَ عِنْده يقْرَأ الْقُرْآن وَأَن الْفَقِيه تقدم من قريته إِلَى قَرْيَة تعرف بالمصراخ فِيهَا مَشَايِخ النَّاحِيَة وهم قوم يعْرفُونَ ببني عبيد بن عَبَّاس وهم عرب يُقَال لَهُم الساور أصلهم من ظَاهر حَصى وهم بَيت رئاسة وَعز وَلَهُم مَكَارِم كَثِيرَة فَأقبل اللَّيْل وَهُوَ عِنْدهم وَذَلِكَ لحَاجَة فصلى الْمغرب وَالْعشَاء مَعَهم وهم يَظُنُّونَهُ يبيت عِنْدهم فَلَمَّا انْقَضتْ حَاجته عزم على الرُّجُوع إِلَى بَيته فلازموه على الْمبيت فكره وَكَانَت لَيْلَة مظْلمَة وفيهَا ريح فَقَالُوا يَا مقرىء الظلام فَقَالَ أعيروني سِرَاجًا وأسرجوه لي فَهُوَ يضيئني فِي الطَّرِيق إِن شَاءَ الله
قَالَ الْمخبر فَفَعَلُوا ذَلِك وهم لَا يَظُنُّونَهُ يثبت مَعَه سَاعَة فَلم يزل مسرجا بيد رجل مِمَّن مَعَه حَتَّى وصل بَيته فانطفأ
وَرُبمَا كَانَ الْمخبر لي هُوَ الْحَامِل
وَمن عَجِيب مَا أخْبرت بِهِ عَنهُ عَام قدمت جبا أنني لما عولت على
стр. 335
الْفَقِيه عَليّ بن أبي بكر الْمُقدم ذكره بِأَن يصل معي إِلَى الْمقْبرَة ليريني الْقُبُور الَّتِي تزار فَفعل ذَلِك ووقف بِي على قبر فَقَالَ هَذَا قبر رجل يعرف بالسروي كَانَ درسيا صَالحا دخل المقرىء عمر بن الْحذاء هَذِه الْمقْبرَة فَجعل يزور أَهله ومعاريفه وَالْمَشْهُور من الْفُقَهَاء وَإِذ بِهِ يسمع من هَذَا الْقَبْر مناديا يُنَادي يَا مقرىء عمر أَنْت مَا تزور إِلَّا أَصْحَاب الجاهات فَالْتَفت إِلَى الْقَبْر وزاره وَلم يبرح يزوره كلما دخل الْمقْبرَة قبل كل يَوْم أحد وَأعلم النَّاس بالْخبر فَصَارَ الْقَبْر مزورا إِلَى عصرنا وَهَذَا المقرىء وغالب من ذكرته وأذكره مقبور بمقبرة جبا وَلم أتحقق تَارِيخه
وَمِنْهُم سعيد بن يُوسُف الزَّيْلَعِيّ تفقه بِيَحْيَى بن أبي بكر وَكَانَ فَقِيها فَاضلا وَجمع كتبا كَثِيرَة ووقفها على طلبة الْعلم بجبا وَبهَا توفّي
وَمِنْهُم بَنو حسان قوم ينتسبون إِلَى جد لَهُم ثمَّ حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ويسكنون بادية جبا فيهم فُقَهَاء حققت جمَاعَة مِنْهُم قَاسم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حسان الخزرجي كَانَ فَقِيها صَالحا مقرئا أَخذ عَن الإِمَام سيف السّنة كتاب الشَّرِيعَة للآجري
وَمِنْهُم ابْن ابْنه عبد الله بن مُحَمَّد بن قَاسم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حسان الخزرجي تفقه بِمُحَمد بن حُسَيْن الأصابي وَأخذ عَنهُ شرح مُوسَى اللمع كَمَا أَخذه عَن مُصَنفه وَأخذ عَن الشَّيْخ بطال وَعنهُ أَخذ أَحْمد بن مُحَمَّد الوزيري المستعذب وَهُوَ أحد شُيُوخ شَيْخي أَحْمد السرددي وَله ابْن اسْمه إِبْرَاهِيم تفقه بِأبي بكر بن عمر السهامي أحد أَصْحَاب أبي قَاسم وبالإمام بطال وَبِمُحَمَّدٍ بن حُسَيْن المرواني الْآتِي ذكره ودرس بِذِي هزيم بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أحدثها الطواشي مُخْتَصّ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن عشر رَمَضَان سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة
وَمِنْهُم المقرىء عبيد بن مُحَمَّد برع فِي الْقرَاءَات وَأَخذه لَهَا عَن ابْن الْحذاء وَعَن رجل بِمَكَّة وَكَانَ لَهُ أَب وأخوة امتحنوا بالعمى وهم بَيت حفظ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيم فحج هَذَا عبيد قبل الْعَمى فَلَمَّا زار ضريح النَّبِي ﷺ استجاره من الْعَمى فَكفى ذَلِك إِلَى أَن توفّي سالما فِي شَوَّال سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ الجداي نِسْبَة إِلَى صقع من الْحَبَشَة يُقَال لَهُ جداية بخفض الْجِيم ثمَّ دَال مُهْملَة ثمَّ ألف وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ هَاء شهر بالزيلعي أَخذ عَن أبي زاكي بحراز ثمَّ عَن الغيثي بوصاب وَأخذ عَن المقرىء عبيد الْمَذْكُور آنِفا
وَيذكر عَن هَذَا المقرىء التجويد فِي علم
стр. 336
الْقرَاءَات والنحو وَلما قدمت جبا سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة وجدت هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ يعلم الْقرَاءَات وَعنهُ أَخذ جمَاعَة وَكَانَت وَفَاته بِشَهْر صفر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَمِمَّنْ انتاب إِلَى نواحي جبا جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حُسَيْن المرواني الأصابي تفقه بِابْن سحارة الْآتِي ذكره وبأبي بكر بن إِسْحَاق الْمَذْكُور وَكَانَت مدرسته بقرية المصراخ مَعَ الْمَشَايِخ مُتَقَدِّمي الذّكر وضبطها بخفض الْمِيم بعد ألف وَلَام وَسُكُون الصَّاد وَفتح الرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ خاء مُعْجمَة أَخذ عَنهُ بهَا جمَاعَة كَثِيرُونَ من الْجند وَغَيرهَا فَمن الْجند عمرَان بن النُّعْمَان وَمن سهفنة عمر بن الْحداد وَمن ذِي السفال مُحَمَّد بن مَسْعُود وَلم أعرف لَهُ تَارِيخا
وَمن النَّاحِيَة جمَاعَة مِنْهُم عبد الْكَرِيم بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل مَسْكَنه قَرْيَة الوجي بِفَتْح الْوَاو وخفض الْجِيم ثمَّ يَاء سَاكِنة مثناة من تَحت وَهِي على قرب مَدِينَة جبا وَكَذَلِكَ المصراخ الْمَذْكُور أَولا وَكَانَ هَذَا عبد الْكَرِيم عَارِفًا بالقراءات أَخذهَا عَن الْحذاء وَكَانَ من صالحي زَمَانه وأخيارهم مَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا انْتفع وَلَا حقق عَلَيْهِ شَيْئا فنسيه وَكَانَ فِي أَوله ناسج ثِيَاب فَكَانَ القارىء يقْرَأ عَلَيْهِ وَهُوَ يشْتَغل بالخياطة فَلَا يفوتهُ شَيْء من غلطه ثمَّ فِي آخر أمره ترك النسج واشتغل بالخياطة وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى توفّي وَكَانَ قوته من صَنعته وَرُبمَا جَاءَ ضيف خاط لَهُ أَو نسج لَهُ بِغَيْر شَيْء وَقدم الْجند وَأَنا يَوْمئِذٍ أدرس بمدرسة الشَّيْخ عبد الله بن الْعَبَّاس فعزمته من الْجَامِع إِلَى الْمدرسَة وتبركت بِدُخُولِهِ وَكَانَت وَفَاته بالقرية سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَله أَوْلَاد مِنْهُم ابْن فِيهِ خير كَبِير وَهُوَ إِمَام الْجَامِع بجبا والخطيب فِيهِ وَآخر بقرية السمكر يتعانى التِّجَارَة وَيذكر بِحِفْظ الْقُرْآن
وَمن النواحي أَيْضا ثمَّ من قَرْيَة تعرف بيفرس قد تقدم ضَبطهَا مَعَ ذكر القَاضِي الجندي أَبُو الْحسن أَحْمد بن علوان قد تقدم ذكر وَالِده مَعَ ذكرالشيخ يحيى بن أبي الْخَيْر
نَشأ هَذَا أَحْمد بِموضع يعرف بِذِي الْجنان من جبل ذخر وَلم يزل على ثروة ورعونة على مَا جرت عَلَيْهِ أَوْلَاد الْكتاب والمتنعمين بِقرب الدولة وطلع طلوعا حسنا قَارِئًا كَاتبا فَاضلا تعلم الْكِتَابَة والنحو واللغة وشعره وَكَلَامه فِي التصوف يدلان على ذَلِك فَذكر بعض نقلة آثاره أَنه دَعَتْهُ نَفسه وَهُوَ شَاب إِلَى قصد بَاب السُّلْطَان
стр. 337
والتعرض للْخدمَة إِمَّا مَكَان أَبِيه أَو غَيره فَخرج من ذِي الْجنان وَصَارَ قَاصِدا بَاب السُّلْطَان فَلَمَّا صَار بِشَيْء من الطَّرِيق إِذْ بطائر أَخْضَر قد وَقع على كتفه ثمَّ مد منقاره إِلَى فِيهِ فَفتح الشَّيْخ فَاه لَهُ فصب الطَّائِر إِلَيْهِ شَيْئا فابتلعه الشَّيْخ ثمَّ عَاد من فوره إِلَى بَلَده فَلَزِمَ الْخلْوَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ خرج من المتعبد وَقعد على صَخْرَة يتعبد فانفلقت الصَّخْرَة عَن كف وَقيل لَهُ صَافح الْكَفّ فَقَالَ وَمن أَنْت قَالَ لَهُ أَبُو بكر فصافح فَقَالَ لَهُ قد نصبتك شَيخا وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ فِي شَيْء من كَلَامه الَّذِي يُخَاطب بِهِ أَصْحَابه حَيْثُ يَقُول وشيخكم أَبُو بكر الصّديق ثمَّ ألْقى لَهُ الْحبّ فِي قُلُوب النَّاس والوجاهة فتحكم لَهُ قوم كثير وَله كتب فِي المواعظ
نحا نَحْو ابْن الْجَوْزِيّ وَلذَلِك كَانَ يُقَال لَهُ جوزي الْيمن وَذكروا أَنه لما اجْتمع بالشيخ أبي الْغَيْث الْمُقدم ذكره بعد مُكَاتبَة كَانَت بَينهمَا يطول ذكرهَا وفاتحه الْكَلَام وأجابه أعجبه وَعلم أَنه أعجب بذلك قَالَ لَهُ أَنْت جوزي الْوَقْت وَأَنا دورته وأخشى دورتي تكسر جوزتك ثمَّ إِن الشَّيْخ أمْلى شَيْئا من كَلَامه على بعض الْحَاضِرين فَكَتبهُ ثمَّ قَالَ لِلْكَاتِبِ أعْط الورقة لِأَحْمَد فَلَمَّا أَخذهَا قَالَ يَا أَحْمد أتم هَذَا الْكَلَام فَأخذ الورقة وَقبلهَا وَقَالَ لَا يحسن للْعَبد أَن يكمل كَلَام سَيّده ثمَّ إِنَّه عَاد من بَيت عطا بِغَيْر دستور من أبي الْغَيْث فقصده بعد ذَلِك فَلم يجده فَقَالَ وَلَو وقف الْجبلي لأخذ القماش
وَكَانَت بَينهمَا مكاتبات يطول شرحها وَله فِي التصوف فُصُول كَثِيرَة يتَكَلَّم بهَا على لُغَات شَتَّى فَسئلَ بعض العارفين من أَيْن كَانَ الشَّيْخ يعرف تِلْكَ اللُّغَة وَهُوَ عَرَبِيّ وَلم يكد يعرف لَهُ خُرُوج من بَلَده
وَأَهْلهَا عرب لَا يعْرفُونَ غير الْعَرَبيَّة فَقَالَ كَانَت روح الشَّيْخ مهبطا لأولياء الله وَلَهُم لُغَات كَثِيرَة يَتَكَلَّمُونَ بهَا على لِسَان الشَّيْخ فَنَطَقَ بهَا كَمَا يَقُولُونَ
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه كَانَ يكْتب كَلَامه الَّذِي ينْطق بِهِ بآلات مُتَفَرِّقَة ثمَّ يستعرض ذَلِك مِمَّا لم يُدْرِكهُ غسله وَقَالَ كَانَ الشَّيْخ أشوق إِلَى كَلَامه من سامعيه وَكَانَ مَتى علم أَن فِي السامعين لكَلَامه من لَا يفهمهُ قَالَ معرضًا بِهِ ... يَا وَاقِفًا على المَاء وَهُوَ عطشان
وَسَأَلَهُ السُّلْطَان عَلَاء الْآتِي ذكره فِي فُقَهَاء الأجناد وَهُوَ من أكبر أَصْحَابه عَن أَرْجَى آيَة فِي الْقُرْآن قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل كل يعْمل على شاكلته﴾ قَالَ إِذا كَانَت
стр. 338
محبَّة الله قَدِيما لم يُؤثر فِيهَا أَعْرَاض التبغيض حَدِيثا وَإِذا كَانَت الْمعْصِيَة من الله قَدِيما لم يُؤثر فِيهَا أَعْرَاض التحبيب حَدِيثا وَيَكْفِي على ذَلِك شَاهد مَعْصِيّة آدم وَطَاعَة إِبْلِيس فَلَمَّا هَبَط آدم إِلَى أَرض شقوته من حصن رتبته بِمن فِيهِ من ذَوي نفوس ذُريَّته عَادَتْ عوائد محبوبهم فَنزل إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا شوقا إِلَى تقريبهم وجني من بعديتهم ليَالِي الْأَيَّام الدائرة إِلَى أَن يطلع فجر الْآخِرَة يُنَادي بِلِسَان التَّنْبِيه هَل من تائب وَسُئِلَ عَن قَوْله ﷺ من أحدث وَلم يتَوَضَّأ فقد جفاني وَمن أحدث وَتَوَضَّأ وَلم يصل رَكْعَتَيْنِ فقد جفاني وَمن صلى رَكْعَتَيْنِ وَلم يدعني فقد جفاني وَمن دَعَاني فَلم أجبه فقد جفوته وَلست بِرَبّ جَاف فَقَالَ للسَّائِل معنى الْخَبَر فِي الشَّرِيعَة ظَاهر وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة إِشَارَة إِلَى أَن كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة حَتَّى يتهود أَو ينتصر أَو يتمجس أَو يُشْرك أَو يَعْصِي وَذَلِكَ حدث نَاقض لوضوء الْفطْرَة وَلَا طَهَارَة من هَذَا الْحَدث إِلَّا بِمَاء التَّوْبَة من تَوَضَّأ من إِحْدَى هَذِه النواقض بِمَاء التَّوْبَة خرج من جفَاء الْحَدث إِلَى تَجْدِيد الْعَهْد وَمن صلى بعد هَذَا الْوضُوء رَكْعَتَيْنِ مُقبلا على الله مقتديا برَسُول الله ﷺ خرج من جفَاء الْمُخَالفَة إِلَى ود المؤالفة وَمن دَعَا بعد هَذِه الصَّلَاة خرج عَن جفَاء العناء عَن نبيه إِلَى خضوع الافتقار إِلَيْهِ فَلَا جرم أَنه يُسْتَجَاب لَهُ وَيدخل فِي صف الأحباب بَين يَدي رب الأرباب مولده قَرْيَة ذِي الْجنان حَيْثُ تقدم ذكر أَبِيه مَعَ ذكر الإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر ثمَّ فِي آخر الْأَمر تأهل بِامْرَأَة من يفرس الْقرْيَة الْمَذْكُورَة فسكن مَعهَا ورفض ذِي الْجنان وَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي وَكَانَت لَهُ كرامات شهيرة يطول تعداد بَعْضهَا
وَكَانَ كثيرا مَا يرد إِلَى السمكر إِحْدَى قرى الْجند وَله بهَا أَصْحَاب كَثِيرُونَ أدْركْت جمَاعَة مِنْهُم
وبالقرية كتاب فِيهِ مُعظم كَلَامه أَخْبرنِي خَبِير بِمَا ذكر أَن جمَاعَة من السمكر خَرجُوا عازمين على زيارته إِلَى يفرس أَو ذِي الْجنان وَمَعَ كل مِنْهُم شَيْء من الدُّنْيَا يُرِيد أَن يتَقرَّب بِهِ فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ وسلموا عَلَيْهِ سلم كل وَاحِد مِنْهُم مَا جَاءَ بِهِ للنقيب ثمَّ لَبِثُوا مَا شَاءَ الله وعادوا بلدهم وَفِي أول لَيْلَة لم يقم أحد مِنْهُم من نَومه حَتَّى وجد مَا رَاح بِهِ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت الْعشْرين من رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بقرية يفرس وقبر بهَا على بَاب مَسْجِد لطيف وَهُوَ الْقَبْر الملتصق
стр. 339
بِالْمَسْجِدِ وعَلى يسَار الدَّاخِل إِلَيْهِ وَيَمِين الْخَارِج عَنهُ وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه مُحَمَّد يسكن ذَا الْجنان أصل موضعهم وَكَانَ على طَرِيق مرضِي من طَرِيق الْمُسلمين إِلَى أَن توفّي مستهل شَوَّال سنة خمس وَسَبْعمائة وَقد جعلت ذكر هَذَا الرجل فَارس الأعقاب فِي أهل جبا ونواحيها فليعرف الْعَارِف أَن غرضي بذلك جعله ختامهم لِأَن الله ختم الْأَنْبِيَاء بأفضلهم
وَقد انْقَضى ذكر من عَرفته مُسْتَحقّ الذّكر من أهل جبا ونواحيها وَلم يبْق إِلَّا الْعود إِلَى ذكر الْفُقَهَاء فأبدأ بأقدمهم فِي ذَلِك وهم أهل الملحمة ذُرِّيَّة الْفَقِيه أبي عمرَان فقد مضى ذكر من ذكرهم ابْن سَمُرَة مِنْهُم وَلم يبْق إِلَّا من تَأَخّر عَنْهُم وهم جمَاعَة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَضْمُون بن الْفَقِيه عمر بن مُحَمَّد بن عمر بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن أبي عمرَان فالفقهاء المذكورون أَولا قد ذكرهم ابْن سَمُرَة وذكرتهم وَأما هَذَا مُحَمَّد فَإِنِّي انْفَرَدت بذلك وَنسبه قد تقدم وميلاده يَوْم الْخَمِيس السَّابِع عشر من شعْبَان سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة وتفقه بِالْإِمَامِ سيف السّنة فَذكر أَنه لزم مَجْلِسه إِحْدَى عشرَة سنة وَأَنه أَقَامَ بِجَامِع إب سبع سِنِين لم يخرج عَنهُ إِلَّا فِي قبران صَاحب يعز عَلَيْهِ والأربع الْبَاقِيَات قد تخْتَلف فِي البدري إِلَى بَلَده فانظروا معاشر الطّلبَة إِلَى اجْتِهَاد هَذَا الرجل وتخليه مَعَ قرب بَلَده الملحمة من مَوضِع درسه إب وَأخذ عَن الإِمَام سيف السّنة الْفِقْه والنحو واللغة والْحَدِيث وَالْأُصُول وحاكاه فِي جَمِيع أُمُوره حَتَّى فِي الْخط وَالشعر وَلما شَاب وَهُوَ ابْن تسع وَعشْرين حجَّة قَالَ شعرًا ... وَلما مضى تسع وَعِشْرُونَ حجَّة ... من الْعُمر عزتني وعزت إِلَى الصِّبَا ...
стр. 340
.. وأنذرني شيبي بحتفي معجلا ... فَقلت لَهُ أَهلا وسهلا ومرحبا
وسمعا لداعي الْحق مِنْك وَطَاعَة ... وَإِن كنت بطالا وَإِن كنت مذنبا
فَقَالَ أَرَاك اشْتقت وَيحك مَا الَّذِي ... بجرمك قد أَعدَدْت بَين لي النبا
أتحسب أَن الْخطب من بعد هَين ... وهيهات يَا مغرور قد خلت غيهبا
أَنا الْمُنْذر الْعُرْيَان فاسمع نصيحتي ... فَإِن أَمِير الْجَيْش بعدِي تأهبا
فَإِن رَسُول الْمَوْت عَمَّا عهدته ... على أثري للقصد هيأ مركبا
فَقتل لَهُ وَالله مَا لي عدَّة ... وَإِن كَانَ فيض الذَّنب قد بلغ الزبا
سوى حسن ظَنِّي أَن رَبِّي مسامحي ... وَأَن ذُنُوبِي جنب رَحمته هبا
وَأَن رَسُول الله فِي الْحَشْر شَافِعِيّ ... وَأَنِّي وجدت الْعَفو للذنب أقربا
وَأَنِّي أحب الله ثمَّ نبيه ... وَصَحب نَبِي الله وَالْحق مذهبا
فَهَذَا الَّذِي أرجوه يُنجي من الردى ... بِيَوْم يرى من هوله الطِّفْل أشيبا
وَصلى إِلَه الْخلق مَا ذَر شارق ... على الْمُصْطَفى حَقًا وَمَا هبت الصِّبَا ... وَنسخ بِيَدِهِ كتبا عديدة وَكتب على كل مِنْهَا أبياتا مِنْهَا قَوْله ... وقف حرَام وَحبس دَائِم الْأَبَد ... يبْقى رَجَاء ثَوَاب الْوَاحِد الصَّمد
على الْحَنَابِلَة الْمَشْهُور مَذْهَبهم ... من آل بَيت أبي عمرَان ذِي الرشد
ثمَّ الحنابل طرا بعد أَن عدموا ... سيان غائبهم أَو حَاضر الْبَلَد
لَا حَظّ فِيهَا لبدعي يخالفني ... لَو كَانَ مُعْتَقدًا ضدا لمعتقدي
فَمن بغى أَو سعى فِي هتك حرمتهم ... فخصمه الله إِن الله بالرصد
يَا رب فانفع بِهِ دنيا وآخرة ... يَا من تَعَالَى فَلم يُولد وَلم يلد
وصل مَا انهل أَو أضا قبس ... على النَّبِي بِلَا حصر وَلَا عدد ... وَقد أَخذ الْعلم أَيْضا عَن أبي السُّعُود بن خيران مقدم الذّكر فِي أَصْحَاب الإِمَام يحيى وَلما قدمت الملحمة بالتاريخ الْمُتَقَدّم ووقفت على بعض كتبه الْمَوْقُوفَة نقلت الأبيات مِنْهَا وَوجدت عَلَيْهِ مُعَلّقا شعرًا وَهُوَ بِخَطِّهِ من قَوْله ... من كَانَ فِي الْحَشْر لَهُ قربَة ... تدنيه من عَفْو الْقَدِير الْوَلِيّ
فقربتي حبي للمصطفى ... ثمَّ اعتقادي مَذْهَب الْحَنْبَلِيّ ...
стр. 341
وَكَانَ الْملك الْمَنْصُور بن عَليّ بن رَسُول يُحِبهُ ويعتقده فَلَمَّا بنى مدرسته الَّتِي بِدَرَجَة المغربة الْمَعْرُوفَة بالوزيرية لم يزل يتلطف لَهُ ويتوسل إِلَيْهِ حَتَّى نزل من بَلَده وَقعد فِي الْمدرسَة مدرسا ثمَّ قَالَ لَهُ إِنِّي أحب أَن أكون أَقرَأ عَلَيْك ونزولي إِلَى الْمدرسَة فِي كل يَوْم يشق عَلَيْك وَعلي وعَلى النَّاس فَإِن رَأَيْت فانعم كل يَوْم يَأْتِيك الركبدار ببغلة تركبها وتطلع الْحصن فأقرأ عَلَيْك فِي خلْوَة فَرَأى الْفَقِيه أَن طلوعه أسهل فاستعفاه الْفَقِيه من ركُوب البغلة وَقَالَ أَنا أطلع على كل يَوْم بدرسي من أَصْحَابِي يؤنسني وَاتفقَ مَعَ السُّلْطَان على ذَلِك وَصَارَ يطلع فِي كل يَوْم الْحصن وَمَعَهُ درسي من أَصْحَابه فَلَمَّا صَار على بَاب الستارة وقف صَاحبه وَدخل الْفَقِيه من غير إِذن فَيقْرَأ عَلَيْهِ السُّلْطَان مَا شَاءَ الله ثمَّ يخرج الْفَقِيه وَكَانَ السُّلْطَان مَتى نزل من الْحصن يَأْمر من يسْبقهُ إِلَى الْفَقِيه يسْأَل مِنْهُ أَن يقف على بَاب الْمدرسَة فَإِذا قَابل السُّلْطَان ذَلِك الْموضع رد السَّلَام ثمَّ رفع يَده يُشِير إِلَى أَن الْفَقِيه يَدْعُو فيفهم الْإِشَارَة وَيَدْعُو السُّلْطَان وَاقِف رَافعا يَدَيْهِ فَإِذا مسح الْفَقِيه وَجهه مسح السُّلْطَان وَمن مَعَه وُجُوههم ويتقدم حَيْثُ أَرَادَ وَيعود الْفَقِيه الْمدرسَة فَلَا يبرح مدرسا ومفتيا بَقِيَّة يَوْمه وَلم يزل ذَلِك من عَادَته وَحج سنة سبع وَعشْرين أَو ثَمَان وَعشْرين وَحج مَعَه وَلَده عمر وَلما دنت وَفَاته عَاد من تعز بَلَده فَتوفي بهَا وَرَأَيْت بِخَط وَلَده عمر يَقُول توفّي الْوَالِد طُلُوع الْفجْر لَيْلَة الْجُمُعَة لليلة أَو لَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا من الْمحرم أول سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ آخر مَا فهمنا من كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله وَللَّه الْحَمد ودفناه بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ يَقُول من زمَان يَوْم الْجُمُعَة وليلتها عَليّ ثقيلان وَلَعَلَّ موتِي فيهمَا وَكَانَ قد أَخْبرنِي مَعَ جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح زُرَيْع بن سعد الْحداد وَقبل أَن يعلم أَن يُرِيد حفر قَبره مَتى حفرت قَبْرِي وجدْتُم قبرا آخر
فَلَمَّا توفّي وجدنَا جربة مزروعة فأبعدنا الزَّرْع من مَوضِع فِيهَا ثمَّ حفرنا فِيهِ فَلَمَّا قاربنا اللَّحْد ظهر لنا طَاقَة إِلَى قبر آخر فسددناها ثمَّ أتممنا الْقَبْر وقبرناه فِيهِ
ثمَّ خَلفه ابْنه عمر وَامْتنع عَن النُّزُول إِلَى تعز للتدريس فَلم يعذرهُ الْمَنْصُور من
стр. 342
ذَلِك بل لاطفه وَأَخذه بالحيل حَتَّى نزل ودرس وَكَانَ جيدا صَالحا ورعا زاهدا وَقد أَخذ عَن الْفَقِيه مُحَمَّد وَولده جمَاعَة فَمِمَّنْ أَخذ عَن الْفَقِيه مُحَمَّد القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ حَاكم تعز فِي صدر الدولة المظفرية وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله وَتُوفِّي ابْنه بقريته
وَمن عَجِيب مَا رَأَيْته فِي سَفَرِي فِي دخولي إِلَى قريتهم بالتاريخ الْمَذْكُور مُعَلّقا بِشَيْء من كتبهمْ مَا مِثَاله أَيَّام مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور خلد الله نعْمَته فِي تعز المحروس فِي شهر رَمَضَان من سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَفِي مجْلِس السماع أَنه أخبرهُ الْفَقِيه عَليّ الصّقليّ بِمَكَّة حرسها الله تَعَالَى أَنه لبث اثْنَتَيْ عشرَة سنة يسْأَل الله أَن يرِيه النَّبِي ﷺ فَأرَاهُ إِيَّاه فِي الْحجر فِي النّوم وَكَأَنَّهُ ﵇ يطوف بِالْكَعْبَةِ وَعَلِيهِ ثوب أَبيض كَأَنَّهُ محرم فِيهِ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن أَسأَلك فَوقف ﷺ عَن الطّواف بَين رجلَيْنِ وَقَالَ سل فَقلت يَا رَسُول الله الْأمة اخْتلفت بعْدك فَأمرنِي مَا أفعل فَقَالَ عَلَيْك بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم فَقلت يَا رَسُول الله إِن السوَاد الْأَعْظَم اخْتلفُوا بعْدك على أَئِمَّة فَقَالَ لي من هم فَقلت يَا رَسُول الله الْحَنَفِيّ فَأَشَارَ لي بِيَدِهِ الْيُمْنَى وحرك أَصَابِعه وَقَالَ لي دع فَقلت يَا رَسُول الله الْمَالِكِي قَالَ ذَلِك رجل نقل عني ظواهر حَدِيثي فَقلت الشَّافِعِي فَقبض الْخِنْصر والبنصر وَالْوُسْطَى إِلَى رَاحَته وَقبض رَأس السبابَة إِلَى بَاطِن الْإِبْهَام كَأَنَّهُ عَاقد عشرَة وَقَالَ ذَلِك رجل ينْقل عني مَحْض حَدِيثي وَنقض يَده كرر ذَلِك ثَلَاثًا يقبض أَصَابِعه وينقضهن
قَالَ الرَّاوِي وَكَانَ ذَلِك بِالْحجرِ بَين النَّائِم وَالْيَقظَان قَالَ الْمَنْصُور وَكَانَ الرَّاوِي مالكي الْمَذْهَب وَظن أَنه يذكر مَالِكًا يُشِير لَهُ إِلَى اتِّبَاعه وَمن وَقت أَشَارَ لَهُ النَّبِي ﷺ بِاتِّبَاع الشَّافِعِي لم يزل يُصَلِّي مَعَ الشَّافِعِيَّة ثمَّ فِي آخر مَا كتبه الْفَقِيه عمر مَا مِثَاله بِخَط الْمَنْصُور هُوَ كَمَا ذكر فليرو عني وَكتب عمر بن عَليّ بن رَسُول وَمن أحسن مَا رَأَيْته مُعَلّقا بِخَطِّهِ مَا كتبه عقب سَماع البُخَارِيّ إِذْ كتبه لقوم إجَازَة لَهُم شعر ... فيا سَامِعًا لَيْسَ السماع بِنَافِع ... إِذا أَنْت لم تعْمل بِمَا أَنْت سامع
إِذا كنت فِي الدُّنْيَا عَن الْخَيْر عَاجِزا ... فَمَا أَنْت فِي يَوْم الْقِيَامَة صانع ...
стр. 343
وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا إِذْ الْغَالِب فِي الْمَوْجُود من ذُريَّته الإهمال وَعدم الِاشْتِغَال كَمَا هُوَ ذَلِك فِي كثير من ذَرَارِي الْفُقَهَاء
وَمِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمرَان الملقب بالصفوي لقب من ألقاب الْمكتب وَهُوَ آخر محققي هَذَا الْبَيْت تفقه بِابْن عَمه مُحَمَّد بن مَضْمُون وَكَانَ صَالحا ورعا زاهدا متقللا درس بِبَلَدِهِ ثمَّ درس بِبَلَد صهْبَان فِي مدرسة أحدثها مَشَايِخ بني حميد فَلم يزل يدرس بهَا حَتَّى دنت وَفَاته فَعَاد إِلَى بَلَده وَتُوفِّي بهَا بتاريخ سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة وقبر بَين أَهله
وَمن أعيانهم أَحْمد بن يحيى بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مَضْمُون كَانَت لَهُ مُشَاركَة بِالْعلمِ لَكِن اشْتِغَاله بِأُمُور الدُّنْيَا والترؤس وخلطة الْأُمَرَاء كعلي بن يحيى وَغَيره أَكثر من ذَلِك وَكَانَ أَخذه لما بعد من الْمَعْلُوم عَن الصفوي الْمَذْكُور آنِفا وَكَانَ مَشْهُورا بِالْكَرمِ وَكَثْرَة إطْعَام الطَّعَام حَتَّى أفنى جملَة مستكثرة من مَاله فِي ذَلِك وَلما بلغ حَاله إِلَى الْأَمِير عَليّ بن يحيى أَدْرَكته عَلَيْهِ شَفَقَة وَكَانَ يَصْحَبهُ وَهُوَ يَوْمئِذٍ مقطع لبلدهم وَكَانَ مَتى قدمهَا سكن حصن شواحط الْحصن الْمَذْكُور أَولا فَقدم ذَات مرّة فَلَمَّا صَار بالحصن وَصله أَعْيَان الْبِلَاد يسلمُونَ عَلَيْهِ وَهَذَا من جُمْلَتهمْ وَقد صَار عِنْده مِنْهُ صُورَة وَأَنه قد صَار مشرفا على إفناء مَاله صَار يتأسى لَهُ بهَا وَيَقُول هَذَا مِسْكين يفرغ مَاله وَيرجع هُوَ وَمن مَعَه يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّاس فَلَمَّا أَرَادَ النَّاس الْخُرُوج من عِنْده أمره بالتاخر فَلَمَّا خلا بَينهمَا الْمَكَان قَالَ يَا فَقِيه بَلغنِي أَنَّك كثير التَّفْرِيط بِمَا فِي يدك بِغَيْر وَجه لَائِق وأظنك تُرِيدُ الِاقْتِدَاء بِنَا وَلَا يَنْبَغِي لَك ذَلِك نَحن يحصل لنا كثير من غير تكلّف وَلَا تَرْتَضِي أَن نَفسِي عالية فيسهل علينا خُرُوجه كَمَا يسهل دُخُوله وَأَنت فَقِيه دَخلك قَلِيل حَلَال كَسَائِر الْفُقَهَاء وَمَا خرج عَلَيْك لَا يكَاد يحصل لَك عوضه إِلَّا بِمَشَقَّة ثمَّ وبخه على فعله ومكارمه والفقيه سَاكِت فَقَالَ لَهُ الْأَمِير أحب أَن تعاهدني أَنَّك لَا عدت على شَيْء من ذَلِك فَقَالَ الْفَقِيه أروح الْبَيْت وأستخير الله اللَّيْلَة ثمَّ أتيك غَدا بِمَا قويت عَلَيْهِ عزيمتي فَلَمَّا رَاح الْفَقِيه وَبَات بمنزله فِي الملحمة صلى فِي اللَّيْل صَلَاة الاستخارة ثمَّ نَام وَإِذا بِهِ يرى قَائِلا يَقُول لَهُ يَا فَقِيه أَحْمد أنْفق فَأَنت مِمَّن وقِي شح نَفسه فَقَوِيت نَفسه على الْبَقَاء على حَاله ثمَّ لما أصبح غَدا إِلَى الْأَمِير فَقَالَ لَهُ مَا فعلت بِالْأَمر الَّذِي رحت مني أمس متسخيرا بِهِ قَالَ عزمت على
стр. 344
الْبَقَاء على مَا كنت عَلَيْهِ فَقَالَ وَلم وَقد رَأَيْتُك حِين كلمتك كدت تقرب إِلَى قولي قَالَ ثمَّ عذر يُوجب الْإِعْرَاض عَن السَّبَب فَلم يعذرهُ حَتَّى أخبرهُ الْمَنَام فَقَالَ إِنَّمَا كدت أوافقك لأنني علمت أَنَّك إِنَّمَا قلت لي مَا قلت شَفَقَة عَليّ فَلَمَّا رَأَيْت مَا رَأَيْت وَعلمت قَوْله ﷺ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة عزمت على الْبَقَاء على حَالي فَبكى الْأَمِير وَقَالَ فِي أَي شَيْء مَا شَاءَ ركبك وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة
وَقد عرض هُنَا ذكر الْأَمِير وَهُوَ أحد أَعْيَان الْفُضَلَاء والأمراء والكرماء فاتجه حِينَئِذٍ بَيَان بعض اللَّائِق من أَحْوَاله فَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن يحيى الْعَنسِي بالنُّون بَين السِّين وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ نِسْبَة إِلَى قَبيلَة كَبِيرَة فِي الْيمن خرج مِنْهَا جمع من الْفُضَلَاء أصل بَلَده المكنة بِبَلَد صهْبَان بِفَتْح الْمِيم بعد الْألف وَاللَّام وَفتح الْكَاف وَالنُّون بعد تشديدها ثمَّ هَاء سَاكِنة وَكَانَ لَهُ من الْمَنْصُور مكانة عَظِيمَة وَرفع لَهُ طبلخانة وأقطع لَهُ إقطاعا كثيرا وَذَلِكَ أَن الْمَنْصُور كَانَ ابْن عمته وَقيل ابْن أُخْته وَلم يزل معززا مكرما حَتَّى توفّي الْمَنْصُور على مَا يَأْتِي تَارِيخه وَكَانَ يكره المظفر ويميل إِلَى أَوْلَاد عَمه أَسد الدّين وأخيه فَلَمَّا لزم المماليك فَخر الدّين وأوصلوه إِلَى المظفر أَسِيرًا حَسبه ورسم عَلَيْهِ المبارز بن برطاش فَلَمَّا بلغ ذَلِك إِلَى عَليّ بن يحيى هَذَا كتب إِلَى أَسد الدّين يحثه على الْقِتَال واستنقاذ أَخِيه من الْأسر أبياتا وَهِي ... أتراك تعلم يَا مُحَمَّد مَا جرى ... فتقودها شعث النواصي ضمرا
جردا ترَاهَا فِي الأعنة شزبا ... تفري السباسب واليباب المقفرا
قدها عرابا من تريم ومرخة ... ودثينة حَقًا ودع عَنْك المرا
واقصد بهَا دربي زبيد على الوجا ... لتقيم عذرا أَو تشيد مفخرا
واجنح إِلَى الْملك الْمفضل لذ بِهِ ... شاوره حَقًا قل لَهُ مَاذَا ترى ...
стр. 345
.. أضحى ابْن عمك فِي الْقُيُود مكبلا ... حاشا لمثلك أَن تنام ويسهرا ... فَأَجَابَهُ ابْن دعاس بِشعر هَذَا مَحْفُوظ مَا سمعته مِنْهُ ... يَا قَائِلا أتراك تعلم مَا جرى ... أَتُرِيدُ عكس الْأَمر وَهُوَ مُقَدرا
مَا يَنْبَغِي هَذَا لمخلوق وَلَو ... جَاءَت بِجمع جُنُوده الإسكندرا
انْظُر إِلَى عدن أطاعت أمره ... وَإِلَى زبيد وَمَكَّة أم الْقرى ... والشعران طويلان لم يكد يعلق بحفظي غير مَا أوردته فَلَمَّا اسْتَقل المظفر بِالْملكِ تغافل عَن عَليّ بن يحيى وأبقاه على الْحَال الَّتِي مَاتَ الْمَنْصُور وَهُوَ عَلَيْهَا وَفِي نَفسه أُمُور قديمَة من أَيَّام أَبِيه وحديثة مِنْهَا هَذَا الشّعْر وَغَيره وَلما كَانَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة قَالَ لَهُ تطلع وَتصْلح بيني وَبَين ابْن عمي أَسد الدّين ووعده على ذَلِك خيرا أَو زِيَادَة إِحْسَان وَأسد الدّين إِذْ ذَاك فِي الْبَلَد الْعليا صنعاء ونواحيها وَقد ضعف وَصَارَ متخشيا من مكر الْعَرَب وَأَن يبيعوه ونفد غَالب مَا كَانَ بِيَدِهِ فَلَمَّا وصل عَليّ بن يحيى فَرح وَمَال إِلَى الصُّلْح وَكَانَ مَعَ عَليّ بن يحيى شَاهد الشَّيْخ أَمِين الدّين عبد الله بن عَبَّاس كَاتب الْجَيْش يَوْمئِذٍ وَقيل لأسد الدّين يَوْمئِذٍ ابْن عمك رُبمَا لَا يَفِي لَك بِذِمَّة ويحبسك فَقَالَ يأكلني وَلَا يأكلني غَيره وَلِأَن يُقَال اعتاب بِي السُّلْطَان خير من أَن يعتابني بعض البدو إِمَّا بقتل أَو بأسر ثمَّ نزل مَعَ ابْن عَيَّاش وَابْن يحيى فَلم ينزلا إِلَّا وَالسُّلْطَان بزبيد فلحقاه إِلَى هُنَالك فَدخل زبيد وَأنزل فِي دَار أَبِيه ووقف فِيهِ من الضُّحَى إِلَى بعد الظّهْر ثمَّ استدعى أَسد الدّين وَابْن يحيى فَلَمَّا صَارا بِموضع من دَار زبيد قعد فِيهِ وَأخرج لَهما قيدان فقيدا بهما وَبعث بهما على السّير إِلَى حصن تعز وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة
وَذكر أَن أَسد الدّين لما دخل على أَهله جعلُوا يخاصمونه فَقَالَ لَا نَكُون مثل أهل جَهَنَّم فَلم يَزَالَا بِهِ حَتَّى توفيا بدار تعرف بدار الْإِمَارَة وَكَانَ قد حبس فِيهِ قبلهمَا أَخُوهُ فَخر الدّين ووالده بدر الدّين وَرُبمَا كَانَ بدر الدّين مِمَّن حضر مَعَهُمَا وَقيل بل كَانَ بعدن وَإِنَّمَا اطلع بعد ذَلِك وَبعد سُؤال مِنْهُم السُّلْطَان لذَلِك وأخبار عَليّ بن يحيى ومكارمه كَثِيرَة وَلَو لم تكن لَهُ غير محبته للفقهاء وإحسانه إِلَى الْفُضَلَاء نقل الثِّقَات ذَلِك نقلا متواترا وَأَنه قَلما قَصده قَاصد فخيبه وَسمعت شَيْخي أَبَا الْحسن الأصبحي يَقُول أَخْبرنِي الثِّقَة أَن الْمَنْصُور لما بنى مدرسته بالجند سُئِلَ عَن أفقه من
стр. 346
بهَا ونواحيها فأرشد إِلَى الْفَقِيه أبي بكر بن نَاصِر فاستدعاه من الذنبتين فَلَمَّا حضر بقصر الْجند وَسلم قَالَ يَا فَقِيه نُرِيد مِنْك أَن تدرس لنا بِهَذِهِ الْمدرسَة فَقَالَ لَا أفرغ وَأَنا رجل بدوي لَا أقدر على الْمَدِينَة قَالَ فتبيعنا كتبك قَالَ وَلَا ذَلِك وَذَلِكَ بِحَضْرَة الْأَمِير عَليّ بن يحيى قَالَ لَهُ الْمَنْصُور فَتخرج من بِلَادنَا قَالَ نعم ثمَّ ولى خَارِجا عَازِمًا على ذَلِك فَقَالَ عَليّ بن يحيى الله الله يَا مَوْلَانَا رجل عَلامَة تَأمره أَن يخرج من بلدك وَمثله يطْلب من أقْصَى الْبِلَاد فَقَالَ مَا وجدنَا لَهُ جَوَابا إِلَّا قَول لَا قَالَ سَأَلته أمرا عَظِيما وَهُوَ بيع كتبه فَأجَاب بأشق جَوَاب ثمَّ قَالَ يَا مولَايَ إِن الْفَقِيه أشق الْأُمُور عَلَيْهِ هُوَ بيع كتبه فَأمر السُّلْطَان برده وَقَالَ لَهُ قف بَيْتك فَمَا لأحد عَلَيْك تعرض وادع لنا فَخرج الْفَقِيه وَعَاد بَلَده طيبا وسأذكر قصَّته مَعَ ابْن فضل فِي ذكره وابتنى مدرسة بِبَلَدِهِ وَهِي الَّتِي قبر بهَا ووقف عَلَيْهَا وَقفا جاملا لَكِن أَوْلَاده لما افتقروا عَادوا عَلَيْهِ واستأثروا بِهِ وَكَانَ مَعَ صحبته للفقهاء وَالصَّالِحِينَ يتواضع ويتأدب مَعَهم وَيقبل شفاعتهم وَكَانَ فِي نَاحيَة من بلد بني حُبَيْش رجل من الْفُقَهَاء والصلحاء يعرف بِعَبْد الله القرين رُبمَا يَأْتِي من ذكره مَا لَاق كَانَ عَليّ بن يحيى يَصْحَبهُ إِذْ كَانَت بِلَاده إقطاعة وَكَانَ مهما أمره بِهِ ائتمر وَكَانَ الْفَقِيه يَدْعُو لَهُ ويذكره بِالْخَيرِ فعوتب على ذَلِك وَقيل لَهُ هَذَا رجل ظَالِم فَقَالَ إِن دخل عَليّ بن يحيى النَّار فَإِنَّهَا صُحْبَة حمَار بن حمَار وَالله لَا مَاتَ إِلَّا طَاهِرا مطهرا فَقيل لَهُ وَمَا تَطْهِيره قَالَ الْقَيْد وَالْحَبْس فَلَمَّا حصل لَهُ ذَلِك وَمَات بِهِ علم صدق الْفَقِيه وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي صفر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَحمل إِلَى بَلَده فقبر بمدرسته
وَأما أَسد الدّين الْعَارِض ذكره مَعَه فَهُوَ مُحَمَّد بن حسن بن عَليّ بن رَسُول أحد خِيَار بني رَسُول وكرامهم قَلما قَصده قَاصد إِلَّا وأناله قَصده وأجزل رفده وَله آثَار جَيِّدَة مبقية للذّكر مِنْهَا مدرسة بِمَدِينَة إب ثمَّ مدرسة بقرية الجبابي وَبهَا قَبره وَعَلَيْهَا وقف كثير شَيْء مِنْهُ للوافد يطعم على قدر حَاله وَمِنْهَا للدرسة ومدرس ثمَّ لما صَار بالسجن اشْتغل بِقِرَاءَة كتب الْعلم وَكَانَ يَسْتَدْعِي بالفقهاء إِلَى مَوْضِعه فَيقْرَأ عَلَيْهِم وَيحسن إِلَيْهِم لَا سِيمَا شَيخنَا الْفَقِيه أَحْمد السرددي إِذْ كَانَ رَأس الْمُحدثين إِذْ
стр. 347
ذَاك بتعز فَقَرَأَ غَالب كتب المسموعات خَاصَّة من كتب الحَدِيث على ابْن السرددي وَغَيره من أهل تعز ثمَّ نسخ عدَّة مجلدات ثمَّ مُقَدمَات قَرَأت ووقف ذَلِك على أَمَاكِن عديدة مِنْهَا تربة ذِي عقيب وَمِنْهَا مدرسته وَغير ذَلِك ووقف على مدرسته بإب أَيْضا وَقفا جاملا وَبنى سدا بِموضع فِي المخلاف يعرف بسد فرقة وَلم يزل على أحسن طَرِيق من قبل وَفَاته بعدة سِنِين إِلَى أَن توفّي على ذَلِك ثَلَاث عشر ذِي الْحجَّة آخر سنة سبع وَسبعين وسِتمِائَة بعد أَن بلغ عمره نيفا وَسِتِّينَ سنة وعقبه من خير أَوْلَاد الْأُمَرَاء يغلب عَلَيْهِم الْخَيْر وَفعل الْمَعْرُوف حَتَّى مواليهم بِحَيْثُ اعْتبرت ذَلِك فَوَجَدته حَقًا صدقا وَخلف عدَّة أَوْلَاد فأفضلهم أَبُو بكر كَانَ عَارِفًا بِعلم الْأَدَب وَله أشعار جَيِّدَة مِنْهَا قَوْله ... إِذا لم أقاسمك المسرة والأسى ... وَلم أجد الوجد الَّذِي أَنْت وَاجِد
وَلم أسهر اللَّيْل الطَّوِيل كآبة ... فَمَا أَنا مَوْلُود وَلَا أَنْت وَالِد ... وهما من قصيدة كَبِيرَة كتبهَا إِلَى أَبِيه فِي السجْن وَتزَوج الْملك المظفر ابْنَته مِنْهُ قبل الْحَبْس وَكَانَت من أخير نسَاء الْمُلُوك فِي الدّين وَالصَّدَََقَة وابتنت مدرسة بمغربة تعز بحافة الميهال ووقفت عَلَيْهِ وَقفا عَظِيما لَكِن ضعفه سوء نظر النظار وَلها من المظفر ابْنه الواثق والحرة مَاء السَّمَاء يَأْتِي ذكر الواثق إِن شَاءَ الله فِي الْمُلُوك وَأما الْحرَّة مَاء السَّمَاء فَهِيَ إِحْدَى أخيار الخواتين كَثِيرَة الشَّفَقَة على أَهلهَا وَالْإِحْسَان إِلَى ذُرِّيَّة جدها أَسد الدّين وَالصَّدَََقَة على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَلها من الْآثَار المبقبة للذّكر مدرسة ابتنتها بزبيد وَمَسْجِد كَانَ لجدها بدر الدّين بزبيد أَيْضا وَكَانَ قد خرب فابتنته مُخْتَصرا ووقفت عَلَيْهِ وعَلى الْمدرسَة وَقفا جاملا لدرسه وأيتام يتعلمون ومدرس يقرىء الدرسة الْعلم الشريف وابتنت بتعز فِي حدبة مَسْجِدا أَيْضا وَجعلت عَلَيْهِ وَقفا يقوم بِإِمَام ومؤذن وأيتام ومعلم جزاها الله خيرا وَالْغَالِب عَلَيْهَا وعَلى من يلوذ بهَا الْخَيْر فِي الْمقَال والفعال وَهِي آخر ذُرِّيَّة أَسد الدّين فِي اسْتِحْقَاق الذّكر
стр. 348
وَتوفيت بقرية التريبة سادس عشر شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وَلَا أعرف لعَلي بن يحيى عقبا عمل مَا يسْتَحق الذّكر غير ابْنة لَهُ تسمى حللا فَإِنَّهَا كَانَت من حظاياه وابتنت مدرسة بِرَأْس وَادي نخلان بِموضع يعرف بالظهرة وعملت مكرمَة بِأَن وقفت دارها الَّتِي كَانَت تسكنها مدرسة ووقفت طينها على مدرسة ودرسة وَخرجت عَن بَيتهَا إِلَى بَيت ابتنته بِقرب الْمدرسَة وَكَانَت من المتصدقات المحسنات أَخْبرنِي الثِّقَة أَنَّهَا كَانَت تَأمر من يفتش لَهَا عَن الْأَيْتَام وَيَأْتِي لَهَا بهم فتكسوهم وتحسن إِلَيْهِم وتأمر بتطهير من لم يكن مطهرا مِنْهُم وَهَذَا دأبها إِلَى أَن توفيت وَكَانَت من أهل الهمم الْعَالِيَة والنفوس الأبية حكى لي الثِّقَة أَن الْأَمِير أَسد الدّين لما مر عِنْدهَا هُوَ ووالدها يُريدَان نزُول بَاب السُّلْطَان وَكَانَت قد كتبت إِلَى سَيِّدهَا أَنه لَا يتَأَخَّر عَن النُّزُول مَعهَا فِي دارها قبل أَن تَجْعَلهُ مدرسة فَعرف بذلك الْأَمِير أَسد الدّين فَقَالَ لَا بَأْس نجبر بَاطِنهَا ثمَّ مروا بهَا فَلم يدخلُوا إِلَّا على سماط عَظِيم لَا يعْمل أحد من نظرائها مثله وحجت بعد لُزُوم سَيِّدهَا وَأَقْبَلت على الْعِبَادَة وَفعل الْمَعْرُوف حَتَّى توفيت ووقفها على الْمدرسَة وقف جيد وَلَكِن ضعف الْوَقْت وَسُوء نظر النظار وَعدم الْحُكَّام أقلوا بركته
نرْجِع إِلَى تَتِمَّة ذكر الْفُقَهَاء بني مَضْمُون فآخر من عرف مِنْهُم ولد لِأَحْمَد اسْمه مُحَمَّد كَانَ متفقها وَيذكر بِمَعْرِِفَة النَّحْو ولي قَضَاء صنعاء من قبل بني مُحَمَّد بن عمر وَكَانَ خَطِيبًا مصقعا وَكَانَ شَدِيد الْأَحْكَام مبالغا فِي إِقَامَة الْحق وَإِقَامَة مَذْهَب السّنة وإماتة الْبِدْعَة وَكَانَ يحلف الإسماعيلية بأيمان تشق عَلَيْهِم ثمَّ بلغه أَن بَعضهم لما مَاتَ وَدفن دفن مَعَه مصحف فَأمر من ينبش الْقَبْر عَنهُ وَأخرج الْمُصحف فشق ذَلِك على الإسماعيلية وكادوا وبذلوا الْأَمْوَال فِي عَزله فعزل بِغَيْر وَجه يُوجب الْعَزْل فَعَاد إِلَى بَلَده فَلبث مُدَّة ثمَّ رتبه أَوْلَاد أَسد الدّين مدرسا بمدرسة جده بإب فَلم يبرح بهَا حَتَّى توفّي وَهُوَ الَّذِي عرفني بِبَعْض نعوت أَهله إِذْ وجدته بإب وَأَنا عازم على تقدم بَلَده فَقلت لَهُ يكْتب لي إِلَى بعض من يرَاهُ صَالحا فِي الْبَلَد يزورني الترب
стр. 349
ويوقفني على الْمُمكن من كتبهمْ فَفعل وقدمت بلدهم إِلَى ابْن لَهُ كتب إِلَيْهِ فَلَمَّا جِئْته تَلقانِي بالترحيب والأنس وَذَلِكَ بالتاريخ الْمُتَقَدّم سنة ثَلَاثَة عشر وَسَبْعمائة وَلم يزل الْفَقِيه هَذَا بإب حَتَّى دنت وَفَاته فَعَاد بَلَده وَتُوفِّي بهَا سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة تَقْرِيبًا وَدفن مَعَ أَهله وَخَلفه ابْنه يُوسُف الَّذِي قدمت إِلَيْهِ وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فِي عصرنا لكَونه أفقه ذُرِّيَّة بني مَضْمُون وَانْقطع عَنْهُم النّسَب إِلَى الْفَقِيه أبي عمرَان
وَمِمَّنْ ذكره ابْن سَمُرَة فِي الْفَصْل أَيْضا قَالَ وَمن الْقُضَاة بِذِي جبلة وإب مدينتي المخلاف فَذكر ذَا جبلة وقضاتها قَالَ مِنْهُم لمك بن مَالك وخليفته جرير بن يُوسُف ثمَّ وَلَده يحيى بن مَالك ثمَّ أَحْمد بن عبد السَّلَام النقوي سَمِعت خَبِيرا بذلك يَقُول كَانَ أهل النقوي قوما ذَوي دين وعزم وشهرة بالفقه ولتهم السيدة أَو غَيرهَا من الْمُلُوك الْقَضَاء بِصَنْعَاء والمخلاف وانتقلوا من مَذْهَب السّنة إِلَى مَذْهَب الشِّيعَة ثمَّ بعدهمْ أَبُو الْمَعَالِي بن يحيى وَولده أَبُو السُّعُود بِقَضَاء جبلة من قبل النقوي ثمَّ عبد الله بن أبي الْفَتْح وَولده عَليّ مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة ثمَّ أسعد وَأحمد وَمَنْصُور وَأَبُو الْفَتْح بَنو القَاضِي عبد الله بن أبي الْفَتْح الْمُقدم ذكره ثمَّ القَاضِي عَليّ بن أَحْمد بن أبي يحيى وَابْن أَخِيه عَليّ بن عبد الْأَعْلَى وأظن من ذكر بالنقوي إِلَى هُنَا الْغَالِب على الْمَذْكُورين التَّشَيُّع
ثمَّ صَار الْقَضَاء فِي أهل السّنة أَوَّلهمْ القَاضِي أَبُو بكر اليافعي وَولده مُحَمَّد وصهره مُحَمَّد بن عبد الله بن حسان بن مُحَمَّد وَهُوَ أحد من جدد مَسْجِد مرعيت على طَرِيق الرايح من تعز إِلَى الجؤة وَذَلِكَ فِي تسع عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ وَلَده مُحَمَّد بن زيد
هَؤُلَاءِ كَانُوا ينوبونه حِين انْتقل إِلَى جبلة على مَا قدمت ثمَّ تقضى بعدهمْ القَاضِي عَليّ بن يحيى بن أبي عقبَة ثمَّ وَلَده عقبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن أبي عقبَة ثمَّ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الإِمَام ثمَّ إِبْرَاهِيم بن الْمُبَارك بن الدَّلِيل وَالْقَاضِي بن الحرمي وَمُحَمّد بن عَليّ بن يحيى الْحَضْرَمِيّ ولي أشهرا ثمَّ مَاتَ وَأحمد بن القَاضِي مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الإِمَام ثمَّ القَاضِي سُلَيْمَان بن أَحْمد وَأَخُوهُ مَسْعُود ونائبه عَليّ بن يحيى ثمَّ
стр. 350
عُثْمَان بن يحيى بن أَحْمد بن عُثْمَان فِي إب ثمَّ القَاضِي طَاهِر بن يحيى ثمَّ وَلَده مُحَمَّد ثمَّ القَاضِي عَليّ بن أسعد بن الْمُسلم الصعبي تقضى أَيَّام شمس الدولة وَتُوفِّي بسهفنة يَوْم الْجُمُعَة منتصف الْحجَّة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ ابناه مُسلم وَعِيسَى توفّي عِيسَى على الْقَضَاء يَوْم رَابِع من رَمَضَان فِي السّنة الَّتِي نزل الرماد من السَّمَاء وَسميت سنة الرماد وَهِي سنة سِتّمائَة
ثمَّ صَار الْقَضَاء إِلَى أهل عرشان بِإِشَارَة من القَاضِي عِيسَى وَالْغَالِب أَنه كَانَ مصير الْقَضَاء إِلَيْهِم قبل موت القَاضِي عِيسَى لمُدَّة لثاني ولايتهم مَعَ سيف الْإِسْلَام ثمَّ حَدِيثهمْ مَعَ القَاضِي مَسْعُود وَلما صَار الْقَضَاء إِلَيْهِ ولي قضا جبلة الْفَقِيه إِسْمَاعِيل بن الإِمَام سيف السّنة وَبِه انْقَضى ذكر أهل عرشان
وَمِمَّنْ ذكر ابْن سَمُرَة من الْقُضَاة بزبيد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبلة ولي قضاءها أَيَّام بني مهْدي إِذْ عزلوا بني عقامة ثمَّ رَحل شمس الدولة توران شاه بن أَيُّوب الْيمن وَمَعَهُ القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عمر الدِّمَشْقِي وَقد خبر شمس الدولة علمه وفضله فَجعله قَاضِي الْقُضَاة فِي الْيمن أجمع
قَالَ ابْن سَمُرَة وَكَانَ هَذَا القَاضِي كريم النَّفس ذَا مُرُوءَة أَقَامَ بِالْيمن مُدَّة وَتزَوج بهَا ابْنة السُّلْطَان مُحَمَّد بن الْأَغَر الهيثمي فأولدت لَهُ ابْنا سَمَّاهُ هبة الله الْيَمَانِيّ ثمَّ لما عَاد شمس الدولة ديار مصر عَاد صحبته قَالَ ابْن سَمُرَة بَلغنِي أَنه ذُو جاه وَحَالَة جليلة بِمصْر مَعَ صَلَاح الدّين أخي شمس الدولة وَحين صَار الْقَضَاء إِلَى هَذَا وبلغه حَال القَاضِي التسترِي جعله حَاكما بزبيد وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن أَحْمد التسترِي تفقه بشيوخ زبيد وبأبي عمرَان مُوسَى بن يُوسُف الأصابي مقدم الذّكر وَكَانَ فَقِيها مجودا ورعا نظيف الْفِقْه أجمع على تبجيله وتفضيله المؤالف والمخالف واعترف بفضله كل عَارِف وامتحنه أهل زبيد بِأَلف مسأله من مسَائِل الامتحان فأجابهم عَنْهَا بأجوبة بَيِّنَة
قَالَ ابْن سَمُرَة وَلَقَد سَمِعت من فضائله وَكَرمه مَا يتعجب مِنْهُ السَّامع ويعجز عَن بُلُوغه الطامع وَكَانَ مَقْطُوعًا بأمانته وديانته وَتُوفِّي عَائِدًا من الْحَج فِي قَرْيَة من مخلاف الساعد سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة غَرِيبا وَقد عد ﷺ الْغَرِيب شَهِيدا
стр. 351
وَمن المدرسين بهَا عَيَّاش بن مُحَمَّد بن عَيَّاش بن أَسد المَخْزُومِي ثمَّ الْقرشِي والعياشان بِعَين مُهْملَة بعد ألف وَلَام ثمَّ يَاء مثناة من تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ نون تَثْنِيَة عَيَّاش تفقه بِالْقَاضِي التسترِي وَكَانَ فَقِيها فَاضلا تفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم عَليّ بن قَاسم الْحكمِي وَمِنْهُم مُحَمَّد وَعلي ابْنا عِيسَى هَذَانِ أخذا عَن الْأَحْنَف قَالَ ابْن سَمُرَة رَأَيْتهمْ يدرسون بِمَسْجِد الأشاعر ويرشدون الطَّالِب وَمِنْهُم حُسَيْن الْأَخْرَس لم أتحقق ضَبطه وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن أبي الصَّيف سكن مَكَّة وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْفِقْه بهَا بعد مُحَمَّد بن مُفْلِح الأبيني وَهُوَ أحد الْحفاظ المكثرين لَقِي عدَّة من الْفُقَهَاء والمحدثين وعاصر جمعا مِنْهُم كالحافظ السلَفِي وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهمَا فانتهت إِجَازَته إِلَى مَكَّة وَلم يزل بِمَكَّة على الْحَال المرضي حَتَّى توفّي سنة تسع وسِتمِائَة
وَمن حيس الشَّيْخ عبد السَّلَام بن أبي بكر ثمَّ أَبُو بكر بن فالح وَهُوَ ابْن أخي حسن الشَّيْبَانِيّ وَولي قَضَاء حيس فِي بضع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم أَبُو ربيعَة بن أَحْمد فَقِيه القرشية ثمَّ مُحَمَّد بن أَحْمد المَخْزُومِي توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ أَبُو بكر الْعَبَّادِيّ قَاضِي فشال بِفَتْح الْفَاء والشين الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف ثمَّ لَام وَهِي مَدِينَة بالوادي الْمَعْرُوف برمع وَمن ذوال وَهُوَ وَاد عَلَيْهِ عرب يعْرفُونَ بالمعازبة يرجعُونَ عكا وجدهم ذوال بِهِ سمي الْوَادي وَبِه قَرْيَة تسمى بالمدالهة بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ خفض اللَّام ثمَّ هَاء مَفْتُوحَة ثمَّ أُخْرَى سَاكِنة مِنْهَا عبد الله بن أَحْمد تلقب بالصريدح الْمَالِكِي النّسَب نِسْبَة إِلَى مَالك وَهُوَ أحد بطُون المعازبة تفقهه بِعَبْد الله الهرمي وَبِه تفقه على ابْن عمر بن عجيل ذكر ذَلِك ابْن سَمُرَة وَمن ذُريَّته جمَاعَة فُقَهَاء يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله
مِنْهُم ابناه يُوسُف وَأحمد فيوسف كَانَ فَقِيها فَاضلا محققا مدققا ثاقبا للمستعجم وَكَانَ صَالحا خيرا تفقه بإبراهيم بن زَكَرِيَّا الْآتِي ذكره واشتغل أَخُوهُ
стр. 352
أَحْمد بِالْعبَادَة فَغلبَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ ليوسف ثَلَاثَة أَوْلَاد هم مُحَمَّد وَأَبُو بكر وَأحمد فمحمد وَأَبُو بكر تفقها بأبيهما وَأحمد تفقه بِإِمَام الْمُتَأَخِّرين أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل وَغَيره وَكَانَ يثني عَلَيْهِ بِمَعْرِِفَة علم الْأَدَب وَأما أَحْمد الَّذِي غلبت عَلَيْهِ الْعِبَادَة فَحدث لَهُ ولدان هما عبد الله وَعلي فعبد الله تفقه بِعَمِّهِ يُوسُف ثمَّ بِالْإِمَامِ ابْن عجيل أَيْضا وَعلي تفقه فِي بدايته بِابْن الهرمل وَغَيره ثمَّ أُخْرَى بِالْإِمَامِ ابْن عجيل الْآتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله قدمت عَلَيْهِ قريته الْمَذْكُورَة فِي سنة أَربع وَسَبْعمائة فرأيته رجلا مُبَارَكًا قَلِيل الْمثل فِي فُقَهَاء الْعَصْر كثير نقل الْفِقْه فَأخذت عَنهُ كتاب التَّنْبِيه الْبَعْض قِرَاءَة وَالْبَعْض إجَازَة لغَرَض التَّبَرُّك ورأيته رجلا مُبَارَكًا مؤالفا للأصحاب مؤانسا للواصل وَحصل عَلَيْهِ فِي آخر عمره تغفيل توفّي عله بعد نَيف وَعشْرين وَسَبْعمائة وَسَيَأْتِي ذكر من حدث بعده من الْقرْيَة فِي الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة ثمَّ يخرج الْخَارِج من هَذَا الْوَادي فَيَقَع مَعَ أهل الشويرى قَرْيَة بواد سِهَام بخفض السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْهَاء ثمَّ ألف ثمَّ مِيم وَضبط الْقرْيَة بشين مُعْجمَة مَضْمُومَة بعد ألف وَلَام وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ رَاء وَألف بعْدهَا بهَا الْفُقَهَاء المعروفون إِلَى عصرنا ببني زَكَرِيَّا
أَوَّلهمْ عبد الله بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا نسبه فِي قحطان ومولده سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة تفقه بالطويري الْمُقدم ذكره عِنْد ذكر أَصْحَاب اليفاعي وَابْن عبدويه وانتفع بِهِ جمَاعَة فِي الْفِقْه وبورك لَهُ فِي الذُّرِّيَّة خلاف غَيره من فُقَهَاء تهَامَة بِحَيْثُ أَنهم من عصره إِلَى عصرنا لم يكادوا يخلون من فَقِيه مُحَقّق ومفت مدقق وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَذَلِكَ فِي أحد أَيَّام التَّشْرِيق ثمَّ خَلفه ابْنه أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم مولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة تفقه بِأَبِيهِ ثمَّ بالطويري شَيْخه وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا أثني عَلَيْهِ مَعَ وجود أَبِيه وَرُبمَا فضل عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَحْنَف يَقُول إِبْرَاهِيم أفقه من أَبِيه وَبِه تفقه جمع كثير من التهائم وَالْجِبَال وَهُوَ أَكثر الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين أصحابا حَتَّى نقل الثِّقَة عَن الْفَقِيه إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ أَنه قَالَ لبني زَكَرِيَّا على غَالب فُقَهَاء الْيمن منَّة أَو كَمَا قَالَ وَيُرِيد بذلك أهل تهَامَة فَإِن غَالب طريقهم فِي الْكتب المسموعة عَلَيْهِم وانتشر عَنْهُم الْفِقْه انتشارا متسعا فَمن أَعْيَان تلاميذه مُوسَى بن عَليّ بن عجيل الْآتِي ذكره وَعبد الله بن جعمان وَعلي بن قَاسم
стр. 353
الْحكمِي وَابْن عَمه مُحَمَّد بن يُوسُف الشويري ثَبت لي سَنَد بِخَط الْفَقِيه الإِمَام الصَّالح أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل الْآتِي ذكره أَنه قَالَ بَلغنِي أَن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا كَانَ من الصَّالِحين الكابر وَالْعُلَمَاء الْمَشْهُورين رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَقد سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فاستدعى بِالثَّانِي من الْمُهَذّب وفتحه وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَأخذ ورقة ووضعها على رُكْبَتَيْهِ وَجعل يستملي الْجَواب من الْمُهَذّب ويكتبه فِي الورقة وَكفى بِهِ شَهَادَة ابْن عجيل لَهُ بالصلاح وَالْعلم وَكَانَ راتبه كل يَوْم سبعا من الْقُرْآن واقتدى بِهِ فِي ذَلِك جمع من أَصْحَابه وَتُوفِّي على الْحَال المرضي سنة تسع وسِتمِائَة فَلَزِمَ مجْلِس التدريس بعده تِلْمِيذه مُوسَى بن عجيل الْآتِي ذكره إِذْ لم يكن فِي أَهله من يكمل غير مُحَمَّد بن يُوسُف الْتزم العكفة تواريا عَن ذَلِك وتوقيا بِأَن الْفَقِيه مُوسَى لَا يتْرك الْموضع شاغرا من مدرس لما فِيهِ من الأنفة على الْأَصْحَاب على مَا سَيَأْتِي ذكر بَيَان ذَلِك مَعَ ذكره إِن شَاءَ الله فَأَقَامَ يدرس مُدَّة ثمَّ إِن مُحَمَّد بن يُوسُف خرج من مُعْتَكفه فَمَا هُوَ أَن رَآهُ الْفَقِيه مُوسَى فَخرج من الشويري يُرِيد بَلَده فَقيل لمُحَمد بن يُوسُف قد ذهب الْفَقِيه مُوسَى واتجه عَلَيْك أَن تدرس فلازم الْمدرسَة ودرس وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن زَكَرِيَّا تفقه بالفقيه مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا كَمَا تقدم وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا عَارِفًا محققا أجوبته على مشكلات التَّنْبِيه تدل على ذَلِك سَمِعت الْعَارِف بالفقه يثني عَلَيْهِ وَيَقُول أجَاب عَلَيْهَا جمع من أهل الْيمن وَالشَّام وَأهل الْعرَاق فَلم يكن فِيهَا مَا يرتضي غير جَوَاب مُحَمَّد هَذَا وتفقه بِهِ جمَاعَة من أَهله وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَخلف إِبْرَاهِيم ولدا يُقَال لَهُ مُحَمَّد اشْتغل بِالْعبَادَة وَكَانَ لَهُ ولدان هما عبد الرَّحْمَن وَعبد الله تفقها بالبداية بجدهما إِبْرَاهِيم وَكَانَ تفقههما بتلميذه وَابْن عَمه مُحَمَّد بن يُوسُف فَلَمَّا توفّي خلفاه فِي التدريس فرأسا ودرسا فَتوفي عبد الرَّحْمَن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي عبد الله سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ خلفهمَا فِي التدريس ابْن عَم لَهما اسْمه مُحَمَّد بن عمر بن يحيى بن زَكَرِيَّا تفققه بِمُحَمد بن يُوسُف أَيْضا وَكَانَ فَاضلا محققا مدققا توفّي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ خَلفه ابْن عَمه عبد الله بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا مولده سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة وَكَانَ فَاضلا بالفقه تفقه بِابْن عَمه مُحَمَّد بن عمر مقدم الذّكر وَأخذ عَن صَالح بن عَليّ الْحَضْرَمِيّ ولي قَضَاء الكدرا من قبل بني عمرَان وَقدم تعز فَأخذ عَنهُ أَبُو بكر بن اليحيوي الْآتِي ذكره فِي تعز كتاب الْوَجِيز وَتُوفِّي عَلَيْهِ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَخَلفه فِي الْقَضَاء وَلَده أَبُو بكر وَهُوَ
стр. 354
أحد أجواد زَمَانه كَانَ شرِيف النَّفس عالي الهمة ذَا محفوظات حَسَنَة وَرِوَايَات موفقة اجْتمعت بِهِ فِي تعز وزبيد وَغَيرهمَا
وَأَخْبرنِي بِكَثِير من أَحْوَال أَهله وامتحن بآخر عمره بفقر مدقع وعزله بَنو مُحَمَّد بن عمر بِغَيْر وَجه يُوجب الْعَزْل بل كَرَاهَة لمن ولاه كَمَا هُوَ عَادَة حكام زَمَاننَا إِذْ يحملهم عَلَيْهِ جهل أَو ضعف دين يَبْتَغُونَ لأَجله الأهوية
وَمِنْهُم فِي عصرنا ثَلَاثَة موجودون عبد الرَّحْمَن بن الْجُنَيْد بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن مقدم الذّكر مولده سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة سبع أَو ثَمَان وَسَبْعمائة ثمَّ ابْن عَمه مُحَمَّد بن عمر بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن أَيْضا مولده سبع وَسِتُّونَ وسِتمِائَة تفقههما بعلي بن إِبْرَاهِيم البَجلِيّ الْآتِي ذكره فاجتمعت بِعَبْد الرَّحْمَن هَذَا فِي زبيد فَأَخْبرنِي بِكَثِير مِمَّا ذكرته من أَحْوَالهم وَالثَّالِث اسْمه أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر وَلَعَلَّه عمر بن يحيى بن زَكَرِيَّا جد مُحَمَّد الْمُقدم ذكره تفقهه فِي الِابْتِدَاء بعلي بن إِبْرَاهِيم البَجلِيّ أَيْضا ثمَّ كَانَ كَمَاله بِابْن الْأَحْمَر الْآتِي ذكره وانقضى ذكر بني زَكَرِيَّا من طَرِيق النَّقْل إِذْ لم أرد بلدهم وألحقت متأخرهم بمتقدمهم وَلم أرجئه إِلَى ذكر طبقته إِلْحَاقًا للذرية بِالْآبَاءِ وَالله يَقُول بِإِيمَان ألحقنا بهم ذرياتهم
نرْجِع إِلَى تَتِمَّة من ذكره ابْن سَمُرَة من أهل تهَامَة فِي فصل الْقُضَاة قَالَ وَمِنْهُم يُوسُف القطراني ولي قَضَاء الكدراء وَمن علقان قَرْيَة قد مضى ذكرهَا وَأَنه خرج مِنْهَا جمَاعَة مضوا وَمن الْمُتَأَخِّرين أَحْمد بن أسعد بن أبي الْمَعَالِي التباعي وَولده محيا بعده قلت وَلَده محيا بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ ألف حصل عَلَيْهِ غيبَة من الذِّهْن يسميها أهل الْيمن التسفيل بتاء مثناة من فَوق مُشَدّدَة بعد ألف وَلَام ثمَّ سين بعد هَاء مُهْملَة سَاكِنة وخفض الْفَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ لَام ثمَّ عَاد ذهنه بعد أَيَّام فَأخْبر بِغَرَائِب الله أعلم بوجهها وَمِنْهُم المقرىء سُلَيْمَان بن أَحْمد بن أسعد القَاضِي كَانَ ورعا مَاتَ بعد سبعين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم أَبُو الْقَاسِم بن سُلَيْمَان الحبيشي سكن حصن آل أَيُّوب من بلد
стр. 355
وَسن تفقه بشيوخ الملحمة وَأخذ عَن طَاهِر بن يحيى وَفِي الْمحلة قَرْيَة بوادي السحول بِفَتْح الْمِيم والحاء الْمُهْملَة وَاللَّام مَعَ التَّشْدِيد ثمَّ هَاء سَاكِنة فَقِيه اسْمه مُحَمَّد بن أسعد بن أَحْمد بن عبد الله بن أبي أَفْلح
وَمن رفود بِفَتْح الرَّاء وَضم الْفَاء وَسُكُون الْوَاو ثمَّ دَال مُهْملَة قَرْيَة بالوادي أَيْضا فَقِيه اسْمه أَبُو السُّعُود بن مُحَمَّد كَانَ مَوْجُودا سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة هَذَا لم يُورِدهُ ابْن سَمُرَة لَكِن لما طلعت السحول من بلدي الْجند وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة بعد أَن كنت وجدته مَذْكُورا فِي الْأَسَانِيد سَأَلت عَنهُ فَقِيه السحول يَوْمئِذٍ أَحْمد بن سَالم الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله وَكَانَت لَهُ معرفَة بأحوال النَّاس مَعَ قدم سنّ وَصدق مذاكرة وَقَالَ كَانَ يذكر بِالْخَيرِ فروى عَنهُ بعض الْفُقَهَاء أَنه روى بِسَنَد صَحِيح إِلَى رجل من الْحَبَشَة وَأثْنى عَلَيْهِ بِالْفَضْلِ أَنه كَانَ ذَات لَيْلَة فِي زمرة الْحَبَشَة ودولتهم بتهامة نَائِما على طَهَارَة إِذْ أَتَاهُ تِسْعَة رجال من أهل بَلَده ركبانا يعرفهُمْ فَسَلمُوا عَلَيْهِ فَرد ﵈ وسألهم أَيْن تُرِيدُونَ فَقَالُوا مَكَّة حرسها الله نشكو مُنكر هَؤُلَاءِ الْحَبَشَة وفعلهم مَعَ النَّاس فَقلت وَأَنا مَعكُمْ ثمَّ ركبت دَابَّتي وسرت مَعَهم حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّة فَدَخَلْنَا الْحرم وَوجدنَا رجلا مُسْتَندا إِلَى الرُّكْن الأسحم وَعَلِيهِ كسَاء أَبيض فسلمنا عَلَيْهِ فَرد علينا وَقَالَ مَا تُرِيدُونَ فَقُلْنَا نشكو إِلَيْك الْحَبَشَة فَإِنَّهُم قد أظهرُوا الْمُنكر ببلادنا فَقَالَ روحوا فقد سلط الله عَلَيْهِم رجلا من الْيمن يُقَال لَهُ ابْن مهْدي يقتلهُمْ وينتقم مِنْهُم ثمَّ ظهر ابْن مهْدي فِي النّوم فَفعل الأفاعيل الْمَشْهُورَة عَنهُ قَالَ الرَّائِي فَرَأَيْت الْقَوْم بأعيانهم قد جَاءُوا ركبانا على الدَّوَابّ كَمَا جَاءُوا أَولا فسألتهم أَيْن تذهبون فَقَالُوا قَوْلهم الأول نُرِيد مَكَّة نشكو فعل ابْن مهْدي وَمَا صنع بعد الْحَبَشَة فَقَالَ روحوا فقد سلط الله عَلَيْهِ أهل الذوائب فَنَظَرت الغز وذوائبهم كَمَا ذكر فَبينا أَنا فِي نومتي تِلْكَ إِذْ بِأَصْحَابِي قد جَاءُوا على حَالهم الأول فِي الرّكُوب والتهيؤ بهيئة السّفر فَقلت أَيْن تُرِيدُونَ فَقَالُوا مَكَّة نشكو فعل الغز وَمَا يصنعون بِالنَّاسِ إِلَى ذَلِك الرجل فَقلت وَأَنا
следующие страницы →