Полный текст (1 016 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَمن المدرسين بهَا عَيَّاش بن مُحَمَّد بن عَيَّاش بن أَسد المَخْزُومِي ثمَّ الْقرشِي والعياشان بِعَين مُهْملَة بعد ألف وَلَام ثمَّ يَاء مثناة من تَحت مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ نون تَثْنِيَة عَيَّاش تفقه بِالْقَاضِي التسترِي وَكَانَ فَقِيها فَاضلا تفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم عَليّ بن قَاسم الْحكمِي وَمِنْهُم مُحَمَّد وَعلي ابْنا عِيسَى هَذَانِ أخذا عَن الْأَحْنَف قَالَ ابْن سَمُرَة رَأَيْتهمْ يدرسون بِمَسْجِد الأشاعر ويرشدون الطَّالِب وَمِنْهُم حُسَيْن الْأَخْرَس لم أتحقق ضَبطه وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن أبي الصَّيف سكن مَكَّة وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْفِقْه بهَا بعد مُحَمَّد بن مُفْلِح الأبيني وَهُوَ أحد الْحفاظ المكثرين لَقِي عدَّة من الْفُقَهَاء والمحدثين وعاصر جمعا مِنْهُم كالحافظ السلَفِي وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهمَا فانتهت إِجَازَته إِلَى مَكَّة وَلم يزل بِمَكَّة على الْحَال المرضي حَتَّى توفّي سنة تسع وسِتمِائَة
وَمن حيس الشَّيْخ عبد السَّلَام بن أبي بكر ثمَّ أَبُو بكر بن فالح وَهُوَ ابْن أخي حسن الشَّيْبَانِيّ وَولي قَضَاء حيس فِي بضع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
وَمِنْهُم أَبُو ربيعَة بن أَحْمد فَقِيه القرشية ثمَّ مُحَمَّد بن أَحْمد المَخْزُومِي توفّي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ أَبُو بكر الْعَبَّادِيّ قَاضِي فشال بِفَتْح الْفَاء والشين الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف ثمَّ لَام وَهِي مَدِينَة بالوادي الْمَعْرُوف برمع وَمن ذوال وَهُوَ وَاد عَلَيْهِ عرب يعْرفُونَ بالمعازبة يرجعُونَ عكا وجدهم ذوال بِهِ سمي الْوَادي وَبِه قَرْيَة تسمى بالمدالهة بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ خفض اللَّام ثمَّ هَاء مَفْتُوحَة ثمَّ أُخْرَى سَاكِنة مِنْهَا عبد الله بن أَحْمد تلقب بالصريدح الْمَالِكِي النّسَب نِسْبَة إِلَى مَالك وَهُوَ أحد بطُون المعازبة تفقهه بِعَبْد الله الهرمي وَبِه تفقه على ابْن عمر بن عجيل ذكر ذَلِك ابْن سَمُرَة وَمن ذُريَّته جمَاعَة فُقَهَاء يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله
مِنْهُم ابناه يُوسُف وَأحمد فيوسف كَانَ فَقِيها فَاضلا محققا مدققا ثاقبا للمستعجم وَكَانَ صَالحا خيرا تفقه بإبراهيم بن زَكَرِيَّا الْآتِي ذكره واشتغل أَخُوهُ
стр. 352
أَحْمد بِالْعبَادَة فَغلبَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ ليوسف ثَلَاثَة أَوْلَاد هم مُحَمَّد وَأَبُو بكر وَأحمد فمحمد وَأَبُو بكر تفقها بأبيهما وَأحمد تفقه بِإِمَام الْمُتَأَخِّرين أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل وَغَيره وَكَانَ يثني عَلَيْهِ بِمَعْرِِفَة علم الْأَدَب وَأما أَحْمد الَّذِي غلبت عَلَيْهِ الْعِبَادَة فَحدث لَهُ ولدان هما عبد الله وَعلي فعبد الله تفقه بِعَمِّهِ يُوسُف ثمَّ بِالْإِمَامِ ابْن عجيل أَيْضا وَعلي تفقه فِي بدايته بِابْن الهرمل وَغَيره ثمَّ أُخْرَى بِالْإِمَامِ ابْن عجيل الْآتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله قدمت عَلَيْهِ قريته الْمَذْكُورَة فِي سنة أَربع وَسَبْعمائة فرأيته رجلا مُبَارَكًا قَلِيل الْمثل فِي فُقَهَاء الْعَصْر كثير نقل الْفِقْه فَأخذت عَنهُ كتاب التَّنْبِيه الْبَعْض قِرَاءَة وَالْبَعْض إجَازَة لغَرَض التَّبَرُّك ورأيته رجلا مُبَارَكًا مؤالفا للأصحاب مؤانسا للواصل وَحصل عَلَيْهِ فِي آخر عمره تغفيل توفّي عله بعد نَيف وَعشْرين وَسَبْعمائة وَسَيَأْتِي ذكر من حدث بعده من الْقرْيَة فِي الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة ثمَّ يخرج الْخَارِج من هَذَا الْوَادي فَيَقَع مَعَ أهل الشويرى قَرْيَة بواد سِهَام بخفض السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْهَاء ثمَّ ألف ثمَّ مِيم وَضبط الْقرْيَة بشين مُعْجمَة مَضْمُومَة بعد ألف وَلَام وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ رَاء وَألف بعْدهَا بهَا الْفُقَهَاء المعروفون إِلَى عصرنا ببني زَكَرِيَّا
أَوَّلهمْ عبد الله بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا نسبه فِي قحطان ومولده سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة تفقه بالطويري الْمُقدم ذكره عِنْد ذكر أَصْحَاب اليفاعي وَابْن عبدويه وانتفع بِهِ جمَاعَة فِي الْفِقْه وبورك لَهُ فِي الذُّرِّيَّة خلاف غَيره من فُقَهَاء تهَامَة بِحَيْثُ أَنهم من عصره إِلَى عصرنا لم يكادوا يخلون من فَقِيه مُحَقّق ومفت مدقق وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَذَلِكَ فِي أحد أَيَّام التَّشْرِيق ثمَّ خَلفه ابْنه أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم مولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة تفقه بِأَبِيهِ ثمَّ بالطويري شَيْخه وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا أثني عَلَيْهِ مَعَ وجود أَبِيه وَرُبمَا فضل عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَحْنَف يَقُول إِبْرَاهِيم أفقه من أَبِيه وَبِه تفقه جمع كثير من التهائم وَالْجِبَال وَهُوَ أَكثر الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين أصحابا حَتَّى نقل الثِّقَة عَن الْفَقِيه إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْحَضْرَمِيّ أَنه قَالَ لبني زَكَرِيَّا على غَالب فُقَهَاء الْيمن منَّة أَو كَمَا قَالَ وَيُرِيد بذلك أهل تهَامَة فَإِن غَالب طريقهم فِي الْكتب المسموعة عَلَيْهِم وانتشر عَنْهُم الْفِقْه انتشارا متسعا فَمن أَعْيَان تلاميذه مُوسَى بن عَليّ بن عجيل الْآتِي ذكره وَعبد الله بن جعمان وَعلي بن قَاسم
стр. 353
الْحكمِي وَابْن عَمه مُحَمَّد بن يُوسُف الشويري ثَبت لي سَنَد بِخَط الْفَقِيه الإِمَام الصَّالح أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل الْآتِي ذكره أَنه قَالَ بَلغنِي أَن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا كَانَ من الصَّالِحين الكابر وَالْعُلَمَاء الْمَشْهُورين رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَقد سُئِلَ عَن مَسْأَلَة فاستدعى بِالثَّانِي من الْمُهَذّب وفتحه وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَأخذ ورقة ووضعها على رُكْبَتَيْهِ وَجعل يستملي الْجَواب من الْمُهَذّب ويكتبه فِي الورقة وَكفى بِهِ شَهَادَة ابْن عجيل لَهُ بالصلاح وَالْعلم وَكَانَ راتبه كل يَوْم سبعا من الْقُرْآن واقتدى بِهِ فِي ذَلِك جمع من أَصْحَابه وَتُوفِّي على الْحَال المرضي سنة تسع وسِتمِائَة فَلَزِمَ مجْلِس التدريس بعده تِلْمِيذه مُوسَى بن عجيل الْآتِي ذكره إِذْ لم يكن فِي أَهله من يكمل غير مُحَمَّد بن يُوسُف الْتزم العكفة تواريا عَن ذَلِك وتوقيا بِأَن الْفَقِيه مُوسَى لَا يتْرك الْموضع شاغرا من مدرس لما فِيهِ من الأنفة على الْأَصْحَاب على مَا سَيَأْتِي ذكر بَيَان ذَلِك مَعَ ذكره إِن شَاءَ الله فَأَقَامَ يدرس مُدَّة ثمَّ إِن مُحَمَّد بن يُوسُف خرج من مُعْتَكفه فَمَا هُوَ أَن رَآهُ الْفَقِيه مُوسَى فَخرج من الشويري يُرِيد بَلَده فَقيل لمُحَمد بن يُوسُف قد ذهب الْفَقِيه مُوسَى واتجه عَلَيْك أَن تدرس فلازم الْمدرسَة ودرس وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن عبد الله بن يُوسُف بن زَكَرِيَّا تفقه بالفقيه مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا كَمَا تقدم وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا عَارِفًا محققا أجوبته على مشكلات التَّنْبِيه تدل على ذَلِك سَمِعت الْعَارِف بالفقه يثني عَلَيْهِ وَيَقُول أجَاب عَلَيْهَا جمع من أهل الْيمن وَالشَّام وَأهل الْعرَاق فَلم يكن فِيهَا مَا يرتضي غير جَوَاب مُحَمَّد هَذَا وتفقه بِهِ جمَاعَة من أَهله وَغَيرهم وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَخلف إِبْرَاهِيم ولدا يُقَال لَهُ مُحَمَّد اشْتغل بِالْعبَادَة وَكَانَ لَهُ ولدان هما عبد الرَّحْمَن وَعبد الله تفقها بالبداية بجدهما إِبْرَاهِيم وَكَانَ تفقههما بتلميذه وَابْن عَمه مُحَمَّد بن يُوسُف فَلَمَّا توفّي خلفاه فِي التدريس فرأسا ودرسا فَتوفي عبد الرَّحْمَن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي عبد الله سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ خلفهمَا فِي التدريس ابْن عَم لَهما اسْمه مُحَمَّد بن عمر بن يحيى بن زَكَرِيَّا تفققه بِمُحَمد بن يُوسُف أَيْضا وَكَانَ فَاضلا محققا مدققا توفّي سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ خَلفه ابْن عَمه عبد الله بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا مولده سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة وَكَانَ فَاضلا بالفقه تفقه بِابْن عَمه مُحَمَّد بن عمر مقدم الذّكر وَأخذ عَن صَالح بن عَليّ الْحَضْرَمِيّ ولي قَضَاء الكدرا من قبل بني عمرَان وَقدم تعز فَأخذ عَنهُ أَبُو بكر بن اليحيوي الْآتِي ذكره فِي تعز كتاب الْوَجِيز وَتُوفِّي عَلَيْهِ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَخَلفه فِي الْقَضَاء وَلَده أَبُو بكر وَهُوَ
стр. 354
أحد أجواد زَمَانه كَانَ شرِيف النَّفس عالي الهمة ذَا محفوظات حَسَنَة وَرِوَايَات موفقة اجْتمعت بِهِ فِي تعز وزبيد وَغَيرهمَا
وَأَخْبرنِي بِكَثِير من أَحْوَال أَهله وامتحن بآخر عمره بفقر مدقع وعزله بَنو مُحَمَّد بن عمر بِغَيْر وَجه يُوجب الْعَزْل بل كَرَاهَة لمن ولاه كَمَا هُوَ عَادَة حكام زَمَاننَا إِذْ يحملهم عَلَيْهِ جهل أَو ضعف دين يَبْتَغُونَ لأَجله الأهوية
وَمِنْهُم فِي عصرنا ثَلَاثَة موجودون عبد الرَّحْمَن بن الْجُنَيْد بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن مقدم الذّكر مولده سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة سبع أَو ثَمَان وَسَبْعمائة ثمَّ ابْن عَمه مُحَمَّد بن عمر بن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن أَيْضا مولده سبع وَسِتُّونَ وسِتمِائَة تفقههما بعلي بن إِبْرَاهِيم البَجلِيّ الْآتِي ذكره فاجتمعت بِعَبْد الرَّحْمَن هَذَا فِي زبيد فَأَخْبرنِي بِكَثِير مِمَّا ذكرته من أَحْوَالهم وَالثَّالِث اسْمه أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر وَلَعَلَّه عمر بن يحيى بن زَكَرِيَّا جد مُحَمَّد الْمُقدم ذكره تفقهه فِي الِابْتِدَاء بعلي بن إِبْرَاهِيم البَجلِيّ أَيْضا ثمَّ كَانَ كَمَاله بِابْن الْأَحْمَر الْآتِي ذكره وانقضى ذكر بني زَكَرِيَّا من طَرِيق النَّقْل إِذْ لم أرد بلدهم وألحقت متأخرهم بمتقدمهم وَلم أرجئه إِلَى ذكر طبقته إِلْحَاقًا للذرية بِالْآبَاءِ وَالله يَقُول بِإِيمَان ألحقنا بهم ذرياتهم
نرْجِع إِلَى تَتِمَّة من ذكره ابْن سَمُرَة من أهل تهَامَة فِي فصل الْقُضَاة قَالَ وَمِنْهُم يُوسُف القطراني ولي قَضَاء الكدراء وَمن علقان قَرْيَة قد مضى ذكرهَا وَأَنه خرج مِنْهَا جمَاعَة مضوا وَمن الْمُتَأَخِّرين أَحْمد بن أسعد بن أبي الْمَعَالِي التباعي وَولده محيا بعده قلت وَلَده محيا بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ ألف حصل عَلَيْهِ غيبَة من الذِّهْن يسميها أهل الْيمن التسفيل بتاء مثناة من فَوق مُشَدّدَة بعد ألف وَلَام ثمَّ سين بعد هَاء مُهْملَة سَاكِنة وخفض الْفَاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ لَام ثمَّ عَاد ذهنه بعد أَيَّام فَأخْبر بِغَرَائِب الله أعلم بوجهها وَمِنْهُم المقرىء سُلَيْمَان بن أَحْمد بن أسعد القَاضِي كَانَ ورعا مَاتَ بعد سبعين وَخَمْسمِائة وَمِنْهُم أَبُو الْقَاسِم بن سُلَيْمَان الحبيشي سكن حصن آل أَيُّوب من بلد
стр. 355
وَسن تفقه بشيوخ الملحمة وَأخذ عَن طَاهِر بن يحيى وَفِي الْمحلة قَرْيَة بوادي السحول بِفَتْح الْمِيم والحاء الْمُهْملَة وَاللَّام مَعَ التَّشْدِيد ثمَّ هَاء سَاكِنة فَقِيه اسْمه مُحَمَّد بن أسعد بن أَحْمد بن عبد الله بن أبي أَفْلح
وَمن رفود بِفَتْح الرَّاء وَضم الْفَاء وَسُكُون الْوَاو ثمَّ دَال مُهْملَة قَرْيَة بالوادي أَيْضا فَقِيه اسْمه أَبُو السُّعُود بن مُحَمَّد كَانَ مَوْجُودا سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة هَذَا لم يُورِدهُ ابْن سَمُرَة لَكِن لما طلعت السحول من بلدي الْجند وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة بعد أَن كنت وجدته مَذْكُورا فِي الْأَسَانِيد سَأَلت عَنهُ فَقِيه السحول يَوْمئِذٍ أَحْمد بن سَالم الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله وَكَانَت لَهُ معرفَة بأحوال النَّاس مَعَ قدم سنّ وَصدق مذاكرة وَقَالَ كَانَ يذكر بِالْخَيرِ فروى عَنهُ بعض الْفُقَهَاء أَنه روى بِسَنَد صَحِيح إِلَى رجل من الْحَبَشَة وَأثْنى عَلَيْهِ بِالْفَضْلِ أَنه كَانَ ذَات لَيْلَة فِي زمرة الْحَبَشَة ودولتهم بتهامة نَائِما على طَهَارَة إِذْ أَتَاهُ تِسْعَة رجال من أهل بَلَده ركبانا يعرفهُمْ فَسَلمُوا عَلَيْهِ فَرد ﵈ وسألهم أَيْن تُرِيدُونَ فَقَالُوا مَكَّة حرسها الله نشكو مُنكر هَؤُلَاءِ الْحَبَشَة وفعلهم مَعَ النَّاس فَقلت وَأَنا مَعكُمْ ثمَّ ركبت دَابَّتي وسرت مَعَهم حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّة فَدَخَلْنَا الْحرم وَوجدنَا رجلا مُسْتَندا إِلَى الرُّكْن الأسحم وَعَلِيهِ كسَاء أَبيض فسلمنا عَلَيْهِ فَرد علينا وَقَالَ مَا تُرِيدُونَ فَقُلْنَا نشكو إِلَيْك الْحَبَشَة فَإِنَّهُم قد أظهرُوا الْمُنكر ببلادنا فَقَالَ روحوا فقد سلط الله عَلَيْهِم رجلا من الْيمن يُقَال لَهُ ابْن مهْدي يقتلهُمْ وينتقم مِنْهُم ثمَّ ظهر ابْن مهْدي فِي النّوم فَفعل الأفاعيل الْمَشْهُورَة عَنهُ قَالَ الرَّائِي فَرَأَيْت الْقَوْم بأعيانهم قد جَاءُوا ركبانا على الدَّوَابّ كَمَا جَاءُوا أَولا فسألتهم أَيْن تذهبون فَقَالُوا قَوْلهم الأول نُرِيد مَكَّة نشكو فعل ابْن مهْدي وَمَا صنع بعد الْحَبَشَة فَقَالَ روحوا فقد سلط الله عَلَيْهِ أهل الذوائب فَنَظَرت الغز وذوائبهم كَمَا ذكر فَبينا أَنا فِي نومتي تِلْكَ إِذْ بِأَصْحَابِي قد جَاءُوا على حَالهم الأول فِي الرّكُوب والتهيؤ بهيئة السّفر فَقلت أَيْن تُرِيدُونَ فَقَالُوا مَكَّة نشكو فعل الغز وَمَا يصنعون بِالنَّاسِ إِلَى ذَلِك الرجل فَقلت وَأَنا
стр. 356
مَعكُمْ ثمَّ ركبت دَابَّتي وسرت مَعَهم حَتَّى دَخَلنَا مَكَّة فَوَجَدنَا الرجل على حَاله ذَلِك لم يكد يتَغَيَّر فشكونا إِلَيْهِ فعل الغز فَقَالَ روحوا فقد سلط الله عَلَيْهِم أهل الدراريع السود وَالْخَيْل الْبيض سلط عَلَيْهِم الْعمانِي فَنَظَرت خيلهم ولباسهم وأداتهم كَمَا وصف فَبينا أَنا فِي أثْنَاء النّوم إِذْ بِأَصْحَابِي أَيْضا قد جاؤوني وَقَالُوا نُرِيد مَكَّة فَقلت مَا تَصْنَعُونَ قَالُوا نشكو إِلَى ذَلِك الرجل مُنكر العمانيين فَقلت وَأَنا مَعكُمْ ثمَّ سرت مَعَهم رَاكِبًا دَابَّتي حَتَّى أَتَيْنَا مَكَّة فَوَجَدنَا الرجل مَكَانَهُ وَعَلِيهِ لِبَاس أَخْضَر وعمامة خضراء وَهُوَ يتهيأ للسَّفر وَعَلِيهِ أهبته فَشَكا إِلَيْهِ الْقَوْم فعل الْعمانِي وجنده وَمَا صَنَعُوا فَقَالَ لَهُم اذْهَبُوا فَأَنا لَهُم على أثركم فَوَقع فِي قلبِي أَنه الفاطمي ثمَّ انْتَبَهت من نومي وبادرت إِلَى كتاب علقت فِيهِ مَا رَأَيْت وَالله يقْضِي بِالْحَقِّ وَالْخَيْر فَقلت وَقد صرنا فِي دولة الغز وَكَانَ مَا قبلهَا مَا سبقنَا كَمَا ذكر الرَّائِي ظهر ابْن مهْدي على الْحَبَشَة ثمَّ الغز على ابْن مهْدي وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيّد بَيَان مَا ذكر من العمانيين بأثر عَن الإِمَام ابْن عجيل مَعَ ذكره نفع الله بِهِ وَذكر ابْن سَمُرَة الْفَقِيه عَليّ بن عمر بن عجيل وَأَنه تفقه بِابْن الصريدح فَأَحْبَبْت بَيَان مَا صَحَّ لي من نَعته ونعت ذُريَّته وَلَوْلَا خشيَة الْعَيْب بالتقديم لَكَانَ المعتقد أَن أقدم ذكر هَذَا الْبَيْت لما ثَبت من غزارة علمهمْ وَقُوَّة ورعهم وَشرف منصبهم وقومهم الَّذين ينتسبون إِلَى ذوال إِذْ هم فَخذ يُقَال لَهُم شيت لكَوْنهم بَيت رئاسة وَشرف أما عَليّ بن عمر فَلم أجد ذكره إِلَّا من ابْن سَمُرَة وذكرته كَذَلِك وَلم أتحقق من نَعته شَيْئا وَكَانَ لَهُ ولدان هما إِبْرَاهِيم ومُوسَى
فإبراهيم طلع الْجبَال فَقدم جبا فَأخذ عَن أبي يحيى وَعَن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الْمعلم مقدم الذّكر بجبا ثمَّ ارتحل عَن جبا فطلع المخلاف فَأخذ عَن القَاضِي مَسْعُود ثمَّ صَار إِلَى قَرْيَة المخادر من وَادي السحول وَأخذ عَن ابْن سحارة الْآتِي ذكره وَأخذ بِذِي جبلة عَن القَاضِي الْأَشْرَف شرح مُقَدّمَة ابْن بَاب شَاذ وَلما عَاد بَلَده أَخذ عَن أَخِيه مُوسَى فَرَائض الصردفي وَكَانَ فَقِيها محققا فَاضلا بالفقه والنحو واللغة والفرائض وَعلم الْحساب وَكَانَ مَسْكَنه بَيت عجيل قَرْيَة تنْسب إِلَى جده من بلد المعازبة بِالْقربِ من قَرْيَة المدالهة فَيُقَال إِنَّه انْتقل عَن الْقرْيَة إِلَى الْكَثِيب الْمَعْرُوف بكثيب الشَّوْكَة نِسْبَة إِلَى
стр. 357
قَرْيَة فِيهِ فابتنى بَيْتا فِيهِ ومسجدا وَاجْتمعَ عِنْده جمع من الطّلبَة فَأخذُوا عَنهُ فَسُمي ذَلِك الْمَكَان الْمدرسَة ثمَّ انْتقل عَنهُ إِلَى قَرْيَة تعرف بِمحل الأعوض فَلبث بهَا مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَى الْمدرسَة فَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي على حَال الْكَمَال بعد أَن صنف عدَّة مصنفات مِنْهَا مُخْتَصر فِي الْفِقْه يعرف بالمعونة وَشرح كتاب نظام الْغَرِيب فِي اللُّغَة وَيُقَال إِن شَيْخه مُحَمَّد بن الْمعلم الجبائي مَاتَ قبل تَمام شرح المقامات وتممه وَبِه تفقه جمَاعَة من أَهله وَغَيرهم مِنْهُم ابْن أَخِيه أَحْمد الْآتِي ذكره وَكَانَت وَفَاته بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة لبضع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
وَأما مُوسَى وَكَانَ من أكَابِر الْفُقَهَاء بِزَمَانِهِ تفقه بإبراهيم بن زَكَرِيَّا وَقد ذكرته فِي أَصْحَابه وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا صَالحا يصحب الأخيار وَالصَّالِحِينَ وَتزَوج بابنة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن الْفَقِيه مُحَمَّد الْأَحْنَف مقدم الذّكر فأولدت لَهُ اثْنَيْنِ هما مُحَمَّد البَجلِيّ وَصَاحبه الْحكمِي الْآتِي ذكرهمَا إِن شَاءَ الله إِذْ كَانَ يصحبهما فبشره بِأَنَّهَا تَأتي بِولد يكون عَظِيم الْبركَة وَالْقدر فَلَمَّا وضعت أخبرهما بذلك فَقَالَا إِن الْوَلَد الْعَظِيم الْبركَة هُوَ الَّذِي يَأْتِي بعده فَلَمَّا وضعت أَخَاهُ أَحْمد عرفاه بِأَنَّهُ سَيكون سيد زَمَانه علما وَعَملا وَكَانَ كَمَا قَالَا وَحين اشْتغل بِالطَّلَبِ وَالْقِرَاءَة حمل عَنهُ أَخُوهُ مؤونة كلفته وَكَانَ هَذَا مُوسَى من أَعلَى النَّاس همة وأشرفهم نفسا وَأَحْسَنهمْ عصبية وأعظمهم حمية وَقد ذكرت من ذَلِك مَعَ ذكر الإِمَام إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا مَا يدل عَلَيْهِ وَقد أَخْبرنِي خَبِير ثِقَة أَنه ثَبت عِنْده أَن هَذَا الْفَقِيه كَانَ كثيرا مَا إِذا سَافر مَكَّة صحب إِمَام الْمقَام يَوْمئِذٍ وَأَنه كَانَ رجلا مُبَارَكًا ذَا عبَادَة وزهادة وَكَانَت أَسبَاب مَكَّة غَالِبا بِيَدِهِ من إِمَامَة وتدريس وَقَضَاء وخطابة وَأَنه حسده بعض أهل زَمَانه مِمَّن سكن مَكَّة على كَثْرَة أَسبَابه مَعَ كَونه جعد الْمعرفَة فِي الْعلم فكاتب خَليفَة بَغْدَاد وَكَلمه كلَاما مزعجا حَتَّى أَنه أَمر وزيره بافتقاد ذَلِك وَمَتى كَانَ كَمَا ذكر الْمُتَكَلّم عَزله عَن جَمِيع أَسبَابه وَجعل فِي كل سَبَب مِنْهَا من يكمل لَهُ وَلما سَار الركب من الْعرَاق إِلَى مَكَّة كتب بعض أَصْحَاب الإِمَام إِلَيْهِ يُخبرهُ أَن الْوَزير قد ندب إِلَيْهِ فُقَهَاء فضلاء يستحضرونه بِمَكَّة ويسألونه عَمَّا يَلِيق بالفقه والإمامة والخطابة فَإِن وجدوه أَهلا أبقوه وَإِلَّا عزلوه وَبعث بذلك من يعْتَاد وُصُول مَكَّة قبل الركب بأيام فوصل الْكتاب إِلَى الْفَقِيه فحين علم مَا فِيهِ أجمع بخاطره أَن يختفي من وَقت وُصُول الركب إِلَى وَقت سَفَره واختفى وَأمر جَارِيَته أَن تعتذر بِعُذْر لَائِق فَدخل الْفَقِيه مُوسَى
стр. 358
وَسَأَلَ عَنهُ فَلم يجده وَأخْبرهُ بعض الخبراء بِالْحَال فوصل إِلَى بَاب الْفَقِيه وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ قولي للفقيه هَذَا صَاحبك مُوسَى بن عجيل الْيَمَانِيّ فحين أعلمته أذن بِدُخُولِهِ فَدخل وَاجْتمعَ بِهِ وَسَأَلَهُ عَن الْحَال فَأخْبرهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ اعْمَلْ الَّذِي أَقُول لَك وَلَا تخَالف فِي شَيْء مِنْهُ وَأَنا أَسد عَنْك هَذِه الْقَضِيَّة بعون الله فَقَالَ سمعا وَطَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ اخْرُج وَاعْتذر بأنك كنت مَشْغُولًا بِعُذْر لَازم وقوى قلبه على الْخُرُوج وَالْقعُود مَوضِع الْقَضَاء والتدريس فَخَرَجَا مَعًا وَلما دخلا الْحرم خلع الإِمَام نَعله فَحَمله الْفَقِيه مُوسَى لِأَنَّهُ كَانَ قد اشْترط عَلَيْهِ ذَلِك وَقَالَ إِذا قعدت اقْرَأ فَلَا تقل لي غير يَا مُوسَى ثمَّ مَتى سألوك قلت أجبهم يَا مُوسَى ثمَّ أَخذ عَلَيْهِ الأكيد بذلك ثمَّ لما قعد أقبل الْفَقِيه مُوسَى يقْرَأ عَلَيْهِ بعض الْكتب فحين علم أهل الْعرَاق كَونه قد برز يقْرَأ أَتَاهُ جَمَاعَتهمْ وقعدوا إِلَيْهِ وَهُوَ يقرىء الْفَقِيه مُوسَى ثمَّ لما فرغ الْفَقِيه مُوسَى جعلُوا يسْأَلُون الْفَقِيه عَن أُمُور فيعرضهم الْفَقِيه مُوسَى وَيَقُول لَهُم أَنا أَضْعَف تلامذته أُجِيبكُم عَمَّا شِئْتُم ثمَّ يُجِيبهُمْ عَن كل مَا سَأَلُوهُ حَتَّى نفد سُؤَالهمْ ثمَّ أورد عَلَيْهِم أسئلة تبلبل قُلُوبهم فِي جوابها وَكَانَ الْفَقِيه كلما سُئِلَ عَن مَسْأَلَة قَالَ لَهُ يَا مُوسَى أجبهم عَنْهَا إِذْ شَرط عَلَيْهِ الْفَقِيه مُوسَى ذَلِك كَمَا قدمنَا وَكَانَ أَمِير الركب حَاضرا فَعظم قدر الْفَقِيه وَقَالَ الْأَمِير وَالْفُقَهَاء المندوبون إِذا كَانَ هَذَا حَال التلميذ فَكيف يكون حَال الشَّيْخ واعترفوا بِفضل التلميذ وَالشَّيْخ واعترفوا أَن الْمُتَكَلّم على الشَّيْخ كَاذِب وتركوه مستمرا على أَسبَابه وَكَانَ مَعَهم درج فِيهِ مسَائِل فقهية كتبوها فِي الْبِلَاد وَحين غلب على ظنهم مَا قدمْنَاهُ ناولوا الْفَقِيه ذَلِك الدرج فَنظر فِيهِ وناوله الْفَقِيه مُوسَى وَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى انْظُر هَذَا وأجب عَلَيْهِ فَنظر فِيهِ ثمَّ أجَاب عَن جَمِيع مَا فِيهِ بِجَوَاب شاف كَاف وَقَالَ فِي آخر الْأَجْوِبَة قَالَ ذَلِك وَكتبه مُوسَى بن عَليّ بن عجيل تلميذ الشَّيْخ فلَان وَهَذَا وَالله الْفضل والإنسانية المحمودان بَين الأخيار وَلم يزل على أشرف حَال حَتَّى توفّي وَكَانَ لسعة فقهه يُقَال لَهُ الشَّافِعِي الْأَصْغَر وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا وَكَانَ إِذْ ذَاك كَمَا يُقَال لم يستكمل ثَلَاثِينَ سنة
وَمِنْهُم ابْنه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد مولده رَمَضَان الْكَائِن فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة وتفقه بِعَمِّهِ إِبْرَاهِيم كَمَا تقدم وَلما حصل من المعازبة تخبط بعد موت عَمه انْتقل عَن الْمدرسَة إِلَى مَحل الأعوض فَلبث بِهِ مُدَّة وَكَانَ قد انْتقل مَعَه ابْنا عَمه عبد الله
стр. 359
وَعبد الرَّحْمَن فَلَمَّا طابت ذؤال عَاد الْفَقِيه إِلَى الْمدرسَة وبقيا بهَا إِلَى أَن مَاتَا وَكَانَ إِمَامًا من أَئِمَّة الْمُسلمين وعمدة الْمُتَّقِينَ وقدوة للورعين والمتزهدين لم يكن فِي الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين من هُوَ أدق نظرا فِي الْفِقْه وَلَا أعرف بِهِ مِنْهُ غواصا على دقائقه أجمع على تفضيله الْمُخَالف والمؤالف لم أعلم أَن أحدا أمترى فِي صَلَاحه من الْمُسلمين بِهِ تفقه جمَاعَة كثير من نواح شَتَّى وَكَانَ مبارك التدريس دَقِيق النّظر فِيهِ وحواشيه على الْمُهَذّب والتنبيه وَغَيرهمَا من كتب الْفِقْه تدل على ذَلِك وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ شَيخنَا أَبُو الْحسن الأصبحي حِين سُئِلَ عَن شَيْء من مَعَاني كَلَامه على بعض مشكلات الْمُهَذّب فَأجَاب على ذَلِك وَبَينه ثمَّ أثنى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا مثلنَا هَذَا الإِمَام إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو حَامِد الإسفرائيني فِي حق ابْن سُرَيج نَحن نجري مَعَ أبي الْعَبَّاس فِي ظواهر الْفِقْه دون دقائقه
وَكَانَ صَاحب كرامات كَثِيرَة مَشْهُورَة يظْهر مِنْهَا مَا يظْهر عَن كره مِنْهُ وَكَانَ أَكثر النَّاس لَهَا كتمانا وَكَانَت الْمُلُوك تصله وتزوره وتتبرك بِهِ وَتقبل شَفَاعَته وتعظمه ويريدون مسامحته فِيمَا يزرعه فيأبى وَيَقُول أكون من جملَة الرّعية الدفاعة ويسألونه قبُول شَيْء من أَمْوَالهم إِمَّا لنَفسِهِ أَو يفرقه على من يرَاهُ مُحْتَاجا فَلَا يقبل مِنْهُم وَله كرامات كَثِيرَة مَعَ أَنه كَانَ قل أَن يظْهر مِنْهُ وَذَلِكَ مَا أَخْبرنِي وَالِدي عَن بعض ثِقَات أَصْحَابه قَالَ حَضَرنَا مَعَه جمَاعَة فتذاكرنا كرامات الصَّالِحين وَرُبمَا عنيناه على عدم ذَلِك فضربنا لَهُ مثلا بِأَهْل عواجة وبإسماعيل الْحَضْرَمِيّ وَمن ماثلهم فَقَالَ لكل ولي إِنَاء ملآن وَمَا ظهر من كراماته فَهُوَ بعض من الْإِنَاء وَأحب ألْقى الله بِإِنَاء ملآن
وَأَخْبرنِي الثِّقَة عَن بعض كرامته أَنه حج فِي بعض سني حجاته فَخرج عَلَيْهِم عرب وَأَرَادُوا نهبهم وَكَانَ مَتى حج حج مَعَه خلق كثير من أهل الْيمن تبركا بِهِ وأنسا فَلَا يكَاد يتَعَرَّض لَهُم أحد بِسوء وَإِن تعرض لم يفلح فَلَمَّا هم الْعَرَب بنهبهم أَمر الْفَقِيه مناديا أَن يُنَادي أَن تحط الْقَافِلَة فحطت فَقَالُوا نبيع ونشتري مَعَهم يَوْمَيْنِ ثَلَاثًا ثمَّ ننهبهم بعد ذَلِك ثمَّ لما كَانَ اللَّيْل ألْقى الله على الْعَرَب النّوم فَنَامُوا على آخِرهم وَلما تهور اللَّيْل أَمر الْفَقِيه النَّاس بالرحيل فارتحلوا وَالْقَوْم نيام فَلم يوقظهم إِلَّا بعض من
стр. 360
مر بهم فِي ثَانِي يَوْم أَو ثالثه فظنوا أَن النَّاس عمِلُوا لَهُم طَعَاما فِيهِ منجا وأشاعوا ذَلِك حَتَّى استطار فِي الْعَرَب ثمَّ مر بعدهمْ بعرب آخَرين وَقد صَار على مرحلَتَيْنِ من مَدِينَة النَّبِي ﷺ فأرادوا مصارعة الْقَافِلَة أَيْضا وَكَانُوا فِي حرَّة ذَات أَحْجَار متقشفة لَا يقدر أحد على الانحطاط عَلَيْهَا فحير الْقَافِلَة والفقيه فِي السَّاقَة وَتلك عَادَته حَتَّى إِذا مر بمنقطع أَمر بِزَوَال انْقِطَاعه إِمَّا يَسْتَقِي مَاء أَو يحمل حملا أَو غير ذَلِك وَبقيت الْقَافِلَة متحيرة واقفة بالشمس حَتَّى كَاد يهْلك مِنْهُم خلق كثير والفقيه مطرق سَاكِت فضجر الشَّيْخ على ابْن نعيم وَأمر الْجمال أَن تعدل بمحمله عَن الطَّرِيق ويقتاده إِلَى حَيْثُ الْفَقِيه والفقيه وَاقِف فَلَمَّا دنا من الْفَقِيه قَالَ يَا سَيِّدي الْفَقِيه إِلَى كم يكون هَذَا الْوُقُوف فَقَالَ لَهُ يَا شيخ عَليّ تأدب هَذَا الرب وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاء وَهَذَا النَّبِي وَأَشَارَ إِلَى قدو الْمَدِينَة فاستحى ابْن نعيم وَعَاد مسرعا إِلَى مقَامه الَّذِي كَانَ فِيهِ أَولا ثمَّ لما طَال الْوُقُوف عَلَيْهِم أَمر الْفَقِيه النَّاس أَن ينزلُوا فنزلوا بموضعهم وَسَهل الله عَلَيْهِم النُّزُول فِيهِ ووطأه لَهُم فَلَمَّا أقبل الْعشَاء أَو وَقت الْعشَاء أَمر الْفَقِيه الدَّلِيل أَن يجمع طَعَاما للْعَرَب يتعشونه فَلَمَّا وصلهم بِهِ قَالُوا تُرِيدُونَ أَن تمنجونا كَمَا منجتم بني فلَان ثمَّ باتوا محارسين وحطو محطة بأولادهم ومواشيهم فِي مُقَابلَة قافلة الْفَقِيه ينتظرون غَفلَة من الْقَافِلَة ويفتكون بهَا نهبا فَبَاتَ النَّاس على حذر وراجع الْفَقِيه الْعَرَب من أول مَا أَمْسكُوا الْقَافِلَة على أَنهم يقبلُونَ مَا يَلِيق بِحَال أهل الْقَافِلَة فَأَبَوا
قَالَ الْمخبر فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي أصبح الْعَرَب يناوشون النَّاس ويتهددونهم طلبا للشر والفقيه يَأْمُرهُم بِالصبرِ وَالِاحْتِمَال وَقد صلى الصُّبْح وَصَارَ يذكر الله تَعَالَى فَمَا كَادَت الشَّمْس تطلع رُمْحَيْنِ أَو ثَلَاثَة حَتَّى سَمِعت طبلخانة قد أَقبلت من قدو الْمَدِينَة ثمَّ بعد سَاعَة ظَهرت وَمَعَهَا عَسْكَر جرار فحين رَأَوْا البدو حملُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا ونهبوا وأسروا وَسبوا حريمهم وَأَوْلَادهمْ فَحِينَئِذٍ شدت الْقَافِلَة وسارت ثمَّ سُئِلَ الْعَسْكَر عَن مُوجب خُرُوجهمْ وغارتهم فَقَالُوا لما كَانَ هاجرة أمس سمعنَا بِالْمَدِينَةِ مناديا يُنَادي أَن الْعَرَب قد اعترضت ابْن عجيل وقافلته فالغارة الْغَارة مَأْجُورِينَ فَأمر
стр. 361
الشريف من صَاح بعسكره وَالْخُرُوج للغارة فَنظر النَّاس وَإِذا هُوَ الْوَقْت الَّذِي قَالَ فِيهِ الْفَقِيه لِابْنِ نعيم تأدب يَا شيخ فَهَذَا الرب وَهَذَا النَّبِي ﷺ
وعَلى الْجُمْلَة فأحواله أَكثر من أَن تحصر وفضائله أعظم من أَن تنشر
وَلَقَد أَخْبرنِي الْفَقِيه الصَّالح عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْحِجَازِي الْمُقِيم برباط النُّور عِنْد تربة الشَّيْخ مَسْعُود قبلي مَدِينَة زبيد قَالَ أَخْبرنِي الْفَقِيه الصَّالح عَليّ بن الْأسود الْمَالِكِي عرف بالعجمي قَالَ رَأَيْت الْفَقِيه أَحْمد بالمنام قبل مَوته بِمدَّة فَقلت لَهُ يَا فَقِيه مشت أحوالكم مَعَ الغز بجلالتكم واحترامكم حَتَّى لم تذوقوا مَا تذوقه المستضعفون من النَّاس فَنظر إِلَيّ الْفَقِيه وَقَالَ مد بَصرك إِلَى الْمشرق فَنَظَرت إِلَى هُنَاكَ وَإِذا بِقوم عَلَيْهِم فرجنات صوف فأشاروا وَقَالَ هَؤُلَاءِ وَالله يستبيحون دماءكم ونساءكم وَأَمْوَالكُمْ كَمَا يستباح عرق الجبين وَأَن الغز أجروا الْعدْل عَلَيْكُم وَكَانَ مَعَ ذَلِك كَلَام طَوِيل بيني وَبَين الْفَقِيه هَذَا زبدته
قلت وَهَذَا الْمَنَام يُؤَيّد مَنَام الْفَقِيه الحبيشي الَّذِي رَوَاهُ أَبُو السُّعُود
أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه كَانَ مَتى دخل مَكَّة اشْتغل النَّاس بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ عَن كل شَيْء وَمَتى صَار فِي المطاف فِي أَو الْحرم ترك النَّاس أشغالهم وَأَقْبلُوا على تَقْبِيل يَده والتبرك بمصافحته فَيَقُول يَا هَؤُلَاءِ أَنْتُم فِي بَيت الله وَمحل بركته وَرَحمته وَأَنا مثلكُمْ مَخْلُوق فَلَا يزدادون بذلك إِلَّا إقبالا عَلَيْهِ
وَلَقَد أخبر الثِّقَة أَنه سمع ثِقَة خَبِيرا من أهل مَكَّة وَذَوي الدّين وَالصَّلَاح وَالْعلم يَقُول لي من الْعُمر كَذَا وَكَذَا مُدَّة فَذكرهَا مُدَّة طَوِيلَة قل من يعيشها ثمَّ لم يزل الْعلمَاء يدْخلُونَ مَكَّة وَفِيهِمْ من يقف وَمن يرجع إِلَى بَلَده فَمَا رَأَيْت فيهم أحدا إِلَّا وَنور الْكَعْبَة وعظمتها يزيدان عَلَيْهِ إِلَّا مَا كَانَ من ابْن عجيل فَإِنَّهُ كَانَ مَتى دخل الْحرم زَادَت عَظمته ونوره على نور الْكَعْبَة بِحَيْثُ لَا يبْقى للنَّاس تعلق بِغَيْرِهِ وَلَقَد أَخْبرنِي الثِّقَة من أهل بَغْدَاد أَنه كَانَ مُقيما بِأم عبيد بمقام سيدنَا الْأَكْمَل أبي الْحسن أَحْمد الرِّفَاعِي نفع الله بِهِ فدعتني الْمَقَادِير فِي بعض السنين إِلَى الْحَج فحججت فَلَمَّا صرت بِمَكَّة وجدت هَذَا الْفَقِيه الْمَذْكُور وَقد اشْتغل النَّاس بِهِ عَن كل شَيْء وَحَتَّى أَنه مَتى برز للطَّواف لم يكد يفرغ من طَوَافه إِلَّا بعد مشقة لِكَثْرَة شغل النَّاس بِهِ قَالَ فَلَمَّا عدت أم عبيد سَأَلَني صَاحب الْمقَام عَن عَجِيب مَا رَأَيْت فَأَخْبَرته بِمَا رَأَيْت من الْفَقِيه أَحْمد فَقَالَ يَا وَلَدي هَذِه أَمارَة القطب
стр. 362
ثمَّ كَانَ مَتى قدم الْمَدِينَة فعل النَّاس مَعَه كَذَلِك فَيَقُول لَهُم اتَّقوا الله هَذَا نَبِيكُم وَهَؤُلَاء صحابته وَأَنا رجل مِنْكُم فَلَا يزْدَاد النَّاس إِلَّا إقبالا عَلَيْهِ وَكَانَ مَتى ضجر من النَّاس بِمَكَّة وَالْمَدينَة تغيب عَنْهُم لقَضَاء مآربه من ذكر أَو قِرَاءَة أَو صَلَاة وَذَلِكَ غَالب شغله وَكَانَ كثير التَّرَدُّد إِلَى مَكَّة
أخبر الثِّقَة أَن الْقَافِلَة الَّتِي تسير فِي الْبر من عصره إِلَى الْآن مَعَ من سَارَتْ من فَقِيه أَو غَيره إِنَّمَا تسمى بِهِ فَيُقَال قافلة ابْن عجيل وَهَذَا من أعجب الْأَشْيَاء
وَمَا أشبه هَذَا بقول الأول ... قد مَاتَ قوم وَمَا مَاتَت مكارمهم ... وعاش قوم وهم فِي النَّاس أموات ... ثمَّ ذهب النَّاس الْمدرسَة عَن مَسْكَنه وَقيل لَهُ بَيت الْفَقِيه يعنونه وَكَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْه والأصولين والنحو واللغة والْحَدِيث وَمن أحسن من ضبط بكتبه الْفُنُون وقرت بمذكراته الْعُيُون وَلَقَد أَخْبرنِي ثِقَة من فُقَهَاء عصره أَنه قَالَ ارتحلت من بلدي الْجبَال إِلَى الْفَقِيه أَزورهُ فَلَمَّا وصلت وسلمت عَلَيْهِ كنت قد أَعدَدْت عدَّة مسَائِل فقهية وأصولية وكلامية فَأَقْبَلت أسأله عَن الْفِقْهِيَّة وَهُوَ يجيبني وَعَن الْأُصُولِيَّة وَهُوَ أَيْضا يجيبني ثمَّ عَن الكلامية فغالطني فأضمرت فِي نَفسِي قصوره عَن ذَلِك ثمَّ لما انْقَضى الْمجْلس وَكَانَ حافلا وَدخل الْفَقِيه الْمنزل الَّذِي لَهُ استدعى بِي إِلَيْهِ وَقَالَ إِن الْعُقُول لَا تكَاد تحْتَمل جَوَاب مَا سَأَلته وَرُبمَا حصل بَيْننَا مُرَاجعَة واعتراضات تشوش على السَّامع لَكِن هَات السُّؤَال الأول فأوردته فجوب لي جَوَابا شافيا ثمَّ بَقِيَّة الأسئلة كَذَلِك فحمدت الله على ذَلِك وَعظم عِنْدِي وَكنت أَظُنهُ يُفَارق المعتقد لِأَن ينْقل ذَلِك لَا يخبر الْفَقِيه نفع الله بِهِ وَأَخْبرنِي الثِّقَة عَن أَبِيه أَنه قَالَ خرجنَا من جبل الحشاء وناحية العوادر جمعا كثيرا نُرِيد الْحَج فمررنا على الإِمَام فَأَتَانَا بِالطَّعَامِ وَجعل يغسل علينا بِنَفسِهِ وَجَعَلنَا نقُول لَهُ مَا جرت عَادَة الْبِلَاد غسلك الله من الذُّنُوب وَجعل يَقُول يَا حجاج فِي عَافِيَة فِي عَافِيَة فَإِن الْغسْل من الذُّنُوب إِنَّمَا يكون غَالِبا بالأمراض وَلَقَد أَخْبرنِي عدَّة من الثقاث أَن رجلا من دلالي زبيد طلعت بِيَدِهِ عاشة
стр. 363
وتعظمت وَصَارَت شَيْئا فَاحِشا مستبشعا فَقَالَت لَهُ نَفسه النَّاس مجمعون على صَلَاح هَذَا ابْن عجيل فَتقدم إِلَيْهِ وَالْتَزَمَهُ بِهَذِهِ الْعلَّة فَصَارَ إِلَيْهِ من جملَة جمَاعَة خَرجُوا زائرين لَهُ من زبيد وَلما وَصله قَالَ مَا أروح مِنْك حَتَّى تَزُول هَذِه العاشة فَقَالَ حسبي الله أزيل مَا قدره الله فَلم يعذرهُ فَقَالَ هَات يدك فأدناها مِنْهُ وتفل الْفَقِيه عَلَيْهَا وتلا شَيْئا من الْقُرْآن ثمَّ قَالَ لَهُ غطها وعد بلدك فَلَعَلَّ الله يزيلها قَالَ وأدخلت يَدي فِي كمي وسرت سَاعَة مَعَ جمَاعَة جِئْت أَنا وهم من زبيد ثمَّ أخرجت يَدي وَإِذا بهَا سليمَة كَأَن لم يكن بهَا شَيْء فأريتها الْجَمَاعَة ودخلنا زبيد
قَالَ الرَّاوِي ورأيتها وَبهَا العاشة ثمَّ رَأَيْتهَا بعد ذَلِك متعافية وَمَعَ مَا قدمت ذكره فَإِنَّهُ لَا يذكر لأحد شَيْء من كراماته مِمَّن قد عرفه فيمتري بِهِ وَله مسَائِل كَثِيرَة يسْأَله عَنْهَا فُقَهَاء أجلاء فأجابهم بأبين جَوَاب وَأحسنه وَلم يكد أحد من فُقَهَاء وقته يسْأَله إِلَّا افْتقر إِلَى فقهه وَلم أسمع عَنهُ أَنه افْتقر إِلَى أحد مِنْهُم فِي جَوَاب وَلَا سُؤال وَلم يزل على قدم التدريس وَالدّين والورع حَتَّى توفّي نَهَار الثُّلَاثَاء بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر لخمس بَقينَ من ربيع الأول من شهور سنة تسعين وسِتمِائَة وَكَانَ الْملك الواثق الْآتِي ذكره فِي فشال يَوْمئِذٍ إِذْ هِيَ إقطاعه من أَبِيه وَهِي على نصف مرحلة من مَوضِع الْفَقِيه تَقْرِيبًا فَلَمَّا سمع بِمَوْت الْفَقِيه ركب فِي موكبه وَحضر غسل الْفَقِيه وَكَانَ من جملَة الغاسلين ثمَّ لما حمل إِلَى الْمقْبرَة كَانَ من جملَة الحاملين وَتَوَلَّى إنزاله مَعَ من تولى ذَلِك فغبطه على ذَلِك كثير من أَعْيَان زَمَانه أَبنَاء جنسه وَغَيرهم وزرته بِحَمْد الله مرَارًا فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته فَكَانَت زيارتي لَهُ آخر مرّة أَنا ووالدي وأخوتي قبل مَوته بِثمَانِيَة أَيَّام فَلَمَّا صرنا بالجند إِذْ عَاد وَالِدي إِلَيْهَا متنقلا عَن زبيد ومدرسا بمدرستها الَّتِي ولدت بهَا وَهِي مدرسة الشَّيْخ عبد الله بن عَبَّاس وَمن أحسن مَا قيل فِيهِ من الشّعْر قَول وَالِدي من قصيدة امتدحه بهَا فِي حَال حَيَاته وَذكر فِي أَولهَا المراحل من زبيد إِلَى بَيت الْفَقِيه بعد أَن صدرها بقوله ... هذي ديار أحبتي يَا حادي ... أنخ الْمطِي فقد بلغت مرادي
وعَلى الْكَثِيب الْأَشْرَف أنزل فقد ... حللت بأمنع الأطواد
دَعْنِي أَضَع خدا على ساحاته ... وَالْوَجْه كي أحظى بِذَاكَ النادي
وأشاهد الْبَدْر الَّذِي من أمه ... ينجو من الأحزان والأنكاد
وَأَقْبل الْقدَم الشريف تقربا ... أَرْجُو بِذَاكَ هدايتي ورشادي ...
стр. 364
.. يَا رَاكِبًا حرفا أمونا جسرة ... تنجو نجاة الطّرف يَوْم طراد
يمم إِذا مَا رمت نجح سَعَادَة ... علما إِلَى نهج السَّعَادَة هادي
واجمع عزومك بل همومك واردا ... بَحر الْفُرَات العذب للوراد
فَإِذا رَأَتْ عَيْنَاك طلعة أَحْمد ... قطب الزَّمَان حبيت بالإسعاد
فاشكر لِرَبِّك شاكرا متواضعا ... كفعال إسْرَافيل ذِي الْإِرْشَاد
قل يَا ابْن مُوسَى إِنَّنِي وفادكم ... وعَلى الْكَرِيم كَرَامَة الوفاد
يَا من بِهِ تشفى الْعُيُوب وَمن بِهِ ... تمحى الذُّنُوب عَن الْمُسِيء الكادي
يَا وَاحِد الكبراء وَالْعُلَمَاء بل ... يَا قدوة الأبدال والأوتاد
يَا سيد الكبراء قد عودتني ... برا ومرحمة وَعرف أيادي
أَو أَنا المعيل العايل الأسف الَّذِي ... كل الذُّنُوب عَلَيْهِ بالمرصاد
وَلكم مَكَارِم يستطيل عمومها ... ومناصب يسمو بهَا استشهادي
سر الْخَلِيل ورثتموه حَقِيقَة ... وَمن الذَّبِيح الصدْق فِي الميعاد
شرفا لكم وليهنكم مَا نلتم ... فضلا وفخرا شامخ الأعماد ... وَالْقَصِيدَة كَبِيرَة ذكرت زبدها وشواهد غرضي مِنْهَا وَلم أوردهَا إِلَّا لما تحققته من اسْتِحْقَاق من قيلت فِيهِ لما قيل فِيهَا وَقد مدح بعدة قصائد من عدَّة شعراء وَإِنَّمَا قَالَ سر الْخَلِيل ورثتموه لِأَن الْفَقِيه من أَوْلَاد عك وعك من أَوْلَاد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم كَمَا لَا يخفى فَأَشَارَ إِلَى أَن الْفَقِيه ورث من الِاثْنَيْنِ وهما الْخَلِيل والذبيح مَا تقدم فِي الْبَيْت مَعَ أَن معتقدي ومعتقد أخيار زماني أَن الشّعْر يَزْدَان بالفقيه وَلَا يزادن بِهِ الْفَقِيه كَمَا قَالَ ... يَزْدَان فِي أوزانه وعروضه ... فعساه يلقى طيبكم فيطيب ... وَخَلفه من الْأَوْلَاد أَرْبَعَة أكبرهم إِبْرَاهِيم فَقِيه ذُو دين وورع يحب الاعتزال قل مَا يجْتَمع بِهِ من الواصلين إِلَيْهِ أَخذ الْفِقْه عَن أَبِيه والنحو عَن الْفَقِيه عمر بن الشَّيْخ من أهل شُرَيْح المهجم توفّي سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة
стр. 365
ثمَّ مُوسَى فَقِيه خير تفقه بِأَبِيهِ وَتُوفِّي سادس شعْبَان سنة عشْرين وَسَبْعمائة ثمَّ إِسْمَاعِيل كَانَ فَقِيها فرضيا توفّي سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة
ثمَّ أَبُو بكر تفقه بخاله عَليّ بن أَحْمد الصريدح الْمُقدم ذكره إِذْ أمه بنت الْفَقِيه يُوسُف بن عبد الله يذكر أَبُو بكر هَذَا بجودة الْفِقْه والورع وَهُوَ بَاقٍ إِلَى عصرنا على الْحَال المرضي ولإبراهيم ومُوسَى ولدان يذكران بالفقه واسمع عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا اجْتمعت بهما فِي زبيد عَام وَاحِد وَعشْرين وهما اللَّذَان يسيران بحوائج النَّاس فِي الشفاعات وغالب قدومهما زبيد لذَلِك وَسمعت من يفضل ولد مُوسَى بشرف وعلو الهمة ويذكره بمكارم الْأَخْلَاق ويبالغ فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ وَهُوَ عدل فِي الْعقل وَالنَّقْل وَيذكر عَنهُ كرامات أَيْضا
وَمِنْهُم عبد الرَّحْمَن وَعبد الله ابْنا الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه عَليّ بن عمر الَّذِي ذكره ابْن سَمُرَة أَنه تفقه بِابْن الصريدح فعبد الله تفقه بِابْن عَمه أَحْمد وَكَانَ فَقِيها كَبِيرا مدرسا انْتفع بِهِ خلق كثير من الطّلبَة وَكَانَ أوحد زَمَانه علما وَعَملا اجْتمعت بِهِ فِي بعض السنين على رَأس تسعين وسِتمِائَة
وَمِنْهُم الأخوان مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم ابْنا عَليّ ابْن الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه عَليّ بن عمر بن عجيل مقدم الذّكر فمحمد أَخذ الْفِقْه عَن عَمه عبد الله وَعَن ابْن عَم أَبِيه أَحْمد بن مُوسَى والنحو عَن الغيثي بوصاب والْحَدِيث عَن أهل زبيد وَإِبْرَاهِيم أَخذ الْفِقْه عَن ابْن عَمه أبي بكر بن الْفَقِيه أَحْمد بن عجيل مقدم الذّكر وَهُوَ بَاقٍ إِلَى عصرنا يذكر عَنهُ الْخَيْر يسكن قَرْيَة هِيَ يمني بَيت الْفَقِيه ذكر عَنهُ جودة الْفِقْه وصفاء الذِّهْن وقبور من مَاتَ من بني عجيل بكثيب بَين المدالهة وَبَيت الْفَقِيه زرت قُبُورهم أجمع بِحَمْد الله وتبركت بهَا وَهَؤُلَاء آخر من اسْتحق الذّكر من فُقَهَاء تهَامَة الَّذين ذكرهم ابْن سَمُرَة وذراريهم على مَا تقدم
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الله كَانَ فَقِيها فرضيا توفّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن عَليّ يذكر بِالْفَضْلِ والمواظبة للتدريس وَالصَّلَاة مَعَ الْجَمَاعَة وَهُوَ بَاقٍ إِلَى عصرنا
ثمَّ نرْجِع إِلَى تَتِمَّة من ذكر ابْن سَمُرَة من الْجبَال وذراريهم فأبدأ بِمن كثرت بركتهم وَارْتَفَعت شهرتهم قوم الإِمَام يحيى بن أبي الْخَيْر فقد مضى ذكر مُحَمَّد بن مُوسَى وَأَوْلَاده وَلم يبْق إِلَّا ذكر من تَأَخّر مِنْهُم مَعَ من تبعه وعاصره مَعَهم بالحصن الَّذِي يعرف بمصنعة سير وَذَلِكَ أَنه انْتَشَر عَنْهُم الْعلم انتشارا كليا بِحَيْثُ لم يكن فِي
стр. 366
الْمُتَأَخِّرين لَهُم بذلك نَظِير إِذْ كَانُوا أهل إطْعَام وإكرام عَاميْنِ وَقد تقدم ذكر الشَّيْخ وَمن شهر بالفقه من أَهله ثمَّ ذكر ابْن عَمه مُحَمَّد بن مُوسَى وَمن تفقه من أَوْلَاده على مَا ذكر ابْن سَمُرَة تَصْرِيحًا ومفهوما وَآخر من ذكر مِنْهُم أَحْمد بن مُوسَى وَقَالَ كَانَ على قَضَاء الْجند يَعْنِي فِي عصره ثمَّ توفّي وَلم أتحقق لَهُ تَارِيخا فخلفه ابْنه أَبُو بكر فِي الْفِقْه وَالْقَضَاء وَكَانَ يُقَال لَهُ سرداب الْعلم لِكَثْرَة نَقله لَهُ وجودة مَعْرفَته بِهِ وَكَانَ أحد حفاظ الْيمن بِكِتَاب الْمُهَذّب وَقدم المسعود بن الْكَامِل الْيمن بالتاريخ الْآتِي ذكره وَقدم صحبته معلمه القَاضِي معافى وَكَأَنَّهُ كَانَ سني الِاعْتِقَاد فَأصْبح بعد أَن ولي الْقَضَاء من قبل المسعود فِي آخر يَوْم من شعْبَان صَائِما وَأمر النَّاس بِالْفطرِ وَأنكر عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَهُوَ إِذْ ذَاك بِالْجَبَلِ فَعلم بِهِ بعض أعدائه فوشى بِهِ إِلَى المسعود وَكَانَ حادا لصِغَر سنه فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ واستدعى بِهِ فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ يَا قَاضِي الْيَوْم من رَمَضَان قَالَ لم يثبت بذلك شَيْء فاستدعى بالغداء فَلَمَّا حضر اعتزله فَقَالَ لَهُ المسعود الْآن تحققت أَنَّك خارجي على غير السّنة ثمَّ طرده وَأخرجه عَن مَجْلِسه وَكَانَ وَقت دُخُوله الْيمن ضَعِيف الْفِقْه إِذا حضر مَجْلِسا وذاكره الْفُقَهَاء بِشَيْء من أَبْوَاب الْفِقْه ومسائله يصدر عَنهُ الْجَواب القَاضِي أَبُو بكر وحاجج عَنهُ الْفُقَهَاء فَأَحبهُ وقربه فَصَارَ أول دَاخل عَلَيْهِ وَآخر خَارج عَنهُ وَصَارَ يُسَمِّيه بكيرا على طَرِيق التصغير ثمَّ كَانَ يثني عَلَيْهِ عِنْد المسعود وَيَقُول هُوَ أفقه أهل الْيمن فَصَارَ لَهُ فِي بَاطِن السُّلْطَان صُورَة جَيِّدَة فَلَمَّا صَار الْمعَافى فِيمَا صَار من الْأَمر مَعَ المسعود وطرده طلب هَذَا أَبَا بكر فَلَمَّا حضر ولاه قَضَاء الْقُضَاة فَلم يزل عَلَيْهِ حَتَّى توفّي آخر الدولة المنصورية وَحكى الثِّقَة الْخَبِير بأحواله أَنه نزل تهَامَة يُرِيد افتقادها فحين صَار بحيس وَقد سمع بِهِ فُقَهَاء زبيد لم يصل النوري إِلَّا وَقد صَار مِنْهُم أَعْيَان متوكفون للقائه فحين واجهوه سلمُوا عَلَيْهِ سَلاما لائقا ثمَّ أَقبلُوا يسألونه بسؤالات قد أعدوها من مشكلات الْفِقْه وَكَانَ يُجِيبهُمْ غير مكترث وَلَا متلعثم فَأَخْبرنِي الْفَقِيه أَبُو بكر بن عبد الله بن خليج الْآتِي ذكره قَالَ أَخْبرنِي بعض أَصْحَابه وَمن كَانَ مَعَه مِنْهُم فِي سَفَره ذَلِك قَالَ خشيت عَلَيْهِ التَّعْجِيز فدنوت مِنْهُ وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي أَلا أصرفهم
стр. 367
عَنْك فَقَالَ دعهم فَأَنا وَالله أحفظ الْمُهَذّب كَمَا تحفظ الْفَاتِحَة وَلم يزَالُوا يسألونه حَتَّى نفذ سُؤَالهمْ ثمَّ أقبل على كل فَسَأَلَهُ بسؤال فَتَركه متحيرا يتلعثم ويتلجلج ثمَّ أَقَامَ بزبيد أَيَّامًا فوصله حكام التهايم وفقهاؤها وافتقد من يصلح فأبقاه وَمن لَا يصلح فنفاه وَهُوَ أول من ولي الْقَضَاء من بني عمرَان فَذكرُوا أَنه اسْتمرّ على قَضَاء الْقُضَاة وَتُوفِّي عَلَيْهِ كَانَ ميلاده سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وَكَانَ أورع من قعد فِيهِ وَحكم بِأَحْكَام الشَّرْع وَله من الْآثَار المتقنة للذّكر تَجْدِيد جَامع مرعيت على طَرِيق الساير من تعز إِلَى عدن أَو الجؤة وَغَيره وَكَانَ حسن الْهَيْئَة جيد السِّيرَة وَلما توفّي لَا أَدْرِي بِأَيّ تَارِيخ وَله إِذْ ذَاك ولد اسْمه مُحَمَّد كَانَ مولده سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وَقد صَار مراهقا فأضيف الْقَضَاء إِلَى ابْن عَمه أسعد بن مُحَمَّد بن مُوسَى فتوقف فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور حَتَّى يكمل ولد القَاضِي أبي بكر فَلَمَّا كمل كتب القَاضِي إِلَيْهِ يُعلمهُ فَجعل مَكَانَهُ ابْنه مُحَمَّد فسلك طَرِيق أَبِيه فِي كل الْأُمُور وَذَلِكَ مَعَ علم بالفقه وَغَيره وَكَانَ نظيف الْعلم عَظِيم الْوَرع
حُكيَ أَنه كَانَ يطعم النَّاس طَعَاما لائقا وَكَانَ ابْن عَمه مُحَمَّد بن أسعد الملقب بالبهاء يطعم أَيْضا طَعَاما خَارِجا عَمَّا يَلِيق بِحَيْثُ يذبح وَيعْمل الألوان الْحَسَنَة وَكَانَ ذَلِك وَالْقَاضِي الْبَهَاء لَيْسَ مَعَه مَا يطعم مِنْهُ غير مَا يَأْتِيهِ من أملاكه وَهِي إِذْ ذَاك قَليلَة وَكَذَلِكَ قَاضِي الْقُضَاة فَذكرُوا أَنه قَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه ابْن عمك يعْمل طَعَاما عَالِيا وَأَنت تعْمل دونه وَلَو شِئْت لعملت خيرا مِنْهُ فَقَالَ صدقت لَكِن أَنا أطْعم دَائِما حَلَالا لَو شِئْت كم على هَذِه المثابة الَّتِي ترى وَابْن عمي كَأَنَّك بِهِ وَقد أدان وَأخذ رَحل الْمَسَاجِد والأيتام فَكَانَ كَمَا قَالَ وَأَن من عَجِيب ورع هَذَا الرجل أَنه دخل جبلة لقضية أوجبت ذَلِك وَمَعَهُ ابْن عَمه الْمُقدم ذكره فقضيا حوائجهما وخرجا فَأخذ نصف ابلوج سكر أَبيض وَأخذ ابْن عَمه عدَّة أباليج ثمَّ لم يعلم بهم حَتَّى وصلا المصنعة وَكَانَ متزوجا بأخته فَأمر لَهَا أَخُوهَا بِنَصِيب من الْهَدِيَّة وَفرق على الْجِيرَان والأهل فَقَالَت أُخْته لزَوجهَا قَاضِي الْقُضَاة يَا هَذَا يُؤَدِّي إِلَيّ أخي نَصِيبي أَكثر مِمَّا أهديت أَنْت جَمِيعه فَقَالَ يَا هَذِه تنظري أَنْت عَاقِبَة أَمْرِي وَأمر أَخِيك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
وَكَانَت وَفَاته على الطَّرِيق المرضي فِي عشر سِنِين
стр. 368
وسِتمِائَة ثمَّ خَلفه ابْن عَمه مُحَمَّد بن أسعد بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مُوسَى مقدم الذّكر أَولا ميلاده سنة ثَمَانِي عشرَة وسِتمِائَة تفقه بِحسن بن رَاشد وحصلت صُحْبَة بَينه وَبَين الْملك المظفر أَولهَا أَنه لما افترق أَوْلَاد الْمَنْصُور المظفر وَإِخْوَته وطلع المظفر إِلَى الْجَبَل أمره ابْن عَمه أَن يتَقَدَّم إِلَيْهِ من المصنعة ليختطب لَهُ فَلَقِيَهُ إِلَى جبا واختطب لَهُ بهَا أول جُمُعَة وَكَانَت أول بلد خطب لَهُ بهَا ثمَّ صَحبه من هُنَالك وحصلت بَينهمَا ألفة قَوِيَّة واستحلف لَهُ الأيفوع وَمن حَولهمْ من الْعَرَب كالسبأيين ورأسهم يَوْمئِذٍ عبيد بن عَيَّاش بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة من تَحت مُشَدّدَة مَفْتُوحَة بعد عين مُهْملَة مَفْتُوحَة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة وَلم تزل الصُّحْبَة تتأكد حَتَّى آلت إِلَى الوزارة مَعَ قَضَاء الْقُضَاة وَكَانَ خَطِيبًا مصقعا لبيبا ذَا دهاء وسياسة وَكَانَ لَهُ حسن نظر مَعَ الْمُلُوك وَالْفُقَهَاء يجلهم ويحترمهم فِي الْغَالِب وَهَذَا أول من جمع بَين الوزارة وَقَضَاء الْقُضَاة وَتَبعهُ على ذَلِك عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر ثمَّ انْقَطع وَجعل الْقَضَاء مُنْفَردا وَلم يتوزر أحد بعده وَلم يزل على الْقَضَاء والوزارة حَتَّى كَانَ فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة فَأَقَامَ المظفر ابْنه الْأَشْرَف فِي الْملك على أَن يكون خَلِيفَته وأحلف لَهُ العساكر وطلع حصن تعز وَأَشَارَ القَاضِي الْبَهَاء إِلَيْهِ أَن يَجْعَل أَخَاهُ حسان وزيرا للأشرف فَفعل ذَلِك وَبَقِي القَاضِي الْبَهَاء على الْقَضَاء وَبقيت لَهُ دَوَاة الوزارة بعد الِاسْتِنَابَة بِتِسْعَة أَيَّام فَلم يزل الْقَضَاء مَعَه وَمَعَ ذَلِك يتراجع هُوَ وَحسان بِمَا يرد عَلَيْهِ من التهائم إِلَى أَن توفّي على ذَلِك منتصف ربيع الأول سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة فاستمر على الْقَضَاء حَتَّى كَانَ من عزلهم مَا كَانَ
فَأول ظُهُور ذَلِك عزل حسان من الوزارة لمضي شَهْرَيْن من سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة عَزله الْمُؤَيد واستوزر عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر وَبَقِي الْقَضَاء مَعَ ابْن عمرَان على طَرِيق الْمجَاز حَتَّى كَانَ رَمَضَان من سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة وصلوا الْجند للتختم بالجامع وَكَانَ ذَلِك عَادَة جَارِيَة مِنْهُم يصل جمَاعَة يَوْم سِتَّة وَعشْرين وشخص وَاحِد يخْتم لَيْلَة سَبْعَة وَعشْرين وَيقْرَأ الختمة على الْمِنْبَر ويلبث بالجند
стр. 369
حَتَّى يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِيد ثمَّ يعْمل طَعَاما يدْخل عَلَيْهِ من الْمصلى جمَاعَة من حفدتهم فَوَافَقَ وصولهم أَن وصل أسعد أَخُو الْوَزير مُعَارضا لَهُم يُرِيد يخْتم ويختطب وَكَانَ قد بَلغهُمْ أَن للخطيب فِي كل شهر ثَلَاثِينَ دِينَارا فوصل وَأَرَادَ الاختطاب فَمَنعه بَنو عمرَان وغالب أهل الْجند يحبونهم إِذْ ذَاك ويلوذون بهم فَلم يطق أسعد يطلع الْمِنْبَر وَدخل بَينهم الْعُقَلَاء على أَن أسعد يكْتب إِلَى السُّلْطَان يُخبرهُ فَإِذا جَاءَ جَوَابه بِأَنَّهُ يسْتَمر سلم لَهُ كتاب الْخطْبَة فَكتب فِي أول اللَّيْل وَصدر رَسُولا فَلم تطلع الشَّمْس جدا حَتَّى عَاد بالخط على مَا سُئِلَ وَزِيَادَة وَأخْبر أَيْضا بِأَن الْقَضَاء إِلَيْهِم فَخرج بَنو عمرَان من فورهم عَن الْجند إِلَى المصنعة لم يصلوا الْجُمُعَة إِلَّا بهَا وَلَبِثُوا بقريتهم إِلَى رَمَضَان سنة سبع وَتِسْعين وطلبهم الْمُؤَيد إِلَى تعز فلبثوا أَيَّامًا بدار الواثق يُؤْتى لَهُم كل يَوْم بِالطَّعَامِ ثمَّ بعد انْقِضَاء رَمَضَان تقدم السُّلْطَان الْجند وهم مَعَه وَعَلَيْهِم ترسيم من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَأمر السُّلْطَان من أخرج بَقِيَّة رِجَالهمْ وحريمهم عَن المصنعة وَختم على بُيُوتهم وأنزلوا الْجند فَلم يشعروا حَتَّى قيل لَهُم هَؤُلَاءِ أهلكم قد جِيءَ بهم ثمَّ تجهز السُّلْطَان إِلَى صنعاء لحصار الْعَظِيمَة والميقاع وَأمر وَالِي الْجند يخرجهم عَن الْجند إِلَى ذِي جبلة فَفعل وَذَلِكَ فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فلبثوا بهَا أَيَّامًا وَكَانَ لَهُم من فعل الْمَعْرُوف خُصُوصا عبد الله مَا لَا ينْحَصر حَتَّى أَن أهل جبلة كَانُوا إِذا طلبُوا فَقِيرا لم يجدوه إِلَّا عِنْد بَيت عبد الله وَكَانَت سنة خصَاصَة وَكَانَ كثير الصَّدَقَة وإطعام الطَّعَام وإكرام الضَّيْف لم أر لَهُ نظيرا فِي ذَلِك ثمَّ كَانَ ذَا عبَادَة كَثِيرَة وَذكر وتلاوة قل من يواظب ذَلِك مثله ثمَّ يَصُوم غَالب زَمَانه وَكَانَ خَطِيبًا مصقعا ذَا كرامات وعبادات وَله مسموعات ومقروءات ولي مِنْهُ إجَازَة بكتب عدَّة ثمَّ لما نزل الْمُؤَيد من حِصَار الْعَظِيمَة والميقاع التقاه حسان للسلام بالموسعة ثمَّ إِنَّه لم يكد يقف فِي تعز غير تَتِمَّة السّنة حَتَّى بعث أَمِير خاندار مَعَه
стр. 370
عشرَة تردارية وجندارية أنزلوا عبد الله هَذَا وأخاه حسان وَابْنه عمرَان من جبلة فَلَمَّا صَارُوا بالحصن فِي تعز ضرب حسان وَعمْرَان ضربا يخرج من حد الْوَصْف يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وَالنَّاس تتألم وهموا بِضَرْب عبد الله فحماه الله مِنْهُم قهرا مَا هم بِهِ أحد إِلَّا ضرب ببلاء من فوره وَكَانَ الْعَدو الَّذِي لَهُم يؤنب أَمِير خاندار ويلومه على ذَلِك فطلع ذَات يَوْم وَقد امْتَلَأَ غيظا ودعا بعض الخاندارية مِمَّن يعرف جَهله ووبخه وَقَالَ لَهُ اعْمَلْ بِضَرْب القَاضِي عبد الله فَدخل عَلَيْهِ وَكَلمه بِسوء أدب وتهدده بِالضَّرْبِ فبزقه القَاضِي بزقة انْقَطع بهَا شَيْء من أمعائه وَوَقع مغشيا عَلَيْهِ بِحَيْثُ لم يبرح إِلَى بَيته إِلَّا مَحْمُولا وَلم يزل مَرِيضا لَا ينفع نَفسه بنفاعة حَتَّى توفّي مطروحا فِي بعض الْأَسْوَاق وَوصل حريمهم إِلَى بَيت الْفَقِيه أبي بكر حَالين وَفِيهِمْ بَنَات خَاله فَلم يفتح لَهُم بَابه وَلَا قضى لَهُم حَاجَة وأزيل عَنْهُم الضَّرْبَة بشفاعة الْحرَّة ابْنة أَسد الدّين زَوْجَة السُّلْطَان وَكَانَت خيرة كثيرا مَا ترده عَن الْقَبِيح فأطلقوا عَن الْحَبْس وأنزلوا فِي المغربة وَأمرت أَن يجْرِي عَلَيْهِم بأدوية حَتَّى تعافوا وأطلقوا بِشَرْط أَن يسكنوا سهفنة فسكنوها وَرهن عبد الله وَلَده عمرَان وَحسان ابْنه مُحَمَّدًا وَتركُوا فِي زبيد فسكنوها من رَجَب ثَمَانِي وَتِسْعين وسِتمِائَة ولبث القَاضِي عبد الله وَالْبَاقُونَ بسهفنة إِلَى أَن توفّي بهَا نَهَار رَابِع ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة وَحضر قبرانه جمع من الْجند وَغَيرهَا فيهم شَيخنَا أَبُو الْحسن الأصبحي فَأخْبر الثِّقَة أَنه كَانَ على قَرْيَة سهفنة خَاصَّة جَراد عَظِيم وَلَيْسَ بخارجها شَيْء فَسَأَلَ شَيخنَا عَن ذَلِك فَقَالَ مَا هُوَ بِبَعِيد أَن يكون الْجَرَاد مَلَائِكَة فِي حق القَاضِي عبد الله وَكَثْرَة إطعامه وصدقته وَلم يزل الْجَرَاد حول الْبَيْت وحول النعش إِلَى أَن قبر ثمَّ لم يُوجد مِنْهُ شَيْء وَبَقِي حسان وابنان لَهُ إِلَى مُدَّة بعد ذَلِك فِي قَرْيَة سهفنة مَعَ أحزان وإهانة من غلْمَان بني مُحَمَّد بن عمر ثمَّ بعد وَفَاة الْحرَّة الَّتِي كَانَت سَببا لإطلاقهم وَذَلِكَ مستهل ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَسَبْعمائة أوهم عدوهم فيهم السُّلْطَان بِمَا لَا يَلِيق وظل يَوْمًا طردا عِنْده وَكَانَ لَا يتهمه بكذب فصدر لَهُم نَحْو خمسين فَارِسًا ورجلا عَددهمْ مئتان سروا إِلَيْهِم وَقت الْعشَاء من تعز فوصلوا سهفنة سحرًا وقبضوا حسان وابنيه وَعبد الله ابْن أَخِيه بن أبي بكر ونزلوا بهم الْجند غير مقيدين فأدخلوا الدهليز الَّذِي للقصر وَكتب السُّلْطَان بذلك فَأمر الْفَقِيه أَبَا بكر التعزي بِإِطْلَاق عبد الله لِأَنَّهُ كَانَ يوالي الْفَقِيه هُوَ وَأَبوهُ مُحَمَّد وجده أَبُو بكر صنو القاضيين الْمَذْكُورين ثمَّ قيد حسان وابناه وأنزلا إِلَى سجن قد أحدث
стр. 371
لأجلهم فِيهِ من الضّيق مَا لَا ينْحَصر وَكَانَ قد أَمر السُّلْطَان وَالِي عدن بِبِنَاء سجن شَدِيد الضّيق لَيْسَ لَهُ متنفس لخارج وَلَا دَاخل فاجتهد الْوَالِي ببنائه ظنا أَنه لبَعض الْجَبَابِرَة من أَعدَاء السُّلْطَان فَلَمَّا جِيءَ بالقضاة نَدم على ذَلِك فلبثوا بالسجن مُجْتَمعين لَا يكَاد يفتح لَهُم بَاب إِلَّا فِي الْوَعْد مرّة أَو مرَّتَيْنِ لما يُؤْتى بِهِ من المَاء
أما الطَّعَام فَينزل لَهُم من تصدق عَلَيْهِم من طَاقَة فِي السّقف سقف الْحَبْس وَذَلِكَ أَنه يُعْطِيهِ الحباس سرا خشيَة أَن يبلغ عدوهم وَبعد ثَلَاث سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر توفّي حسان على ذَلِك الْحَال فقبر بالمقبرة الَّتِي بهَا ابْن أبي الْبَاطِل وَهُوَ أحد مَشَايِخ الطَّرِيق من الصُّوفِيَّة الأكابر ولبث ابناه حَتَّى قدمت الْحرَّة كَرِيمَة السُّلْطَان من ظفار بعد وَفَاة أَخِيهَا الواثق الْآتِي ذكره وَكَانَت إِحْدَى أخيار الخواتين على طَرِيق الْمُرُوءَة وَالدّين وَالصَّدَََقَة وَقد مضى من ذكرهَا مِمَّا يُغني عَن إِعَادَته فحين وصلت تعز إِلَى أَخِيهَا وسلمت عَلَيْهِ شفعت لَهُم وَقَالَت أجعلهم ضيافتي مِنْك فَأمر بإطلاقهم فَعلم بذلك عَدو لَهُم غير الأول فَأمر بِأَنَّهُم لَا يخرجُون من عدن وَكَانَ الْوَالِي ابْن عَلَاء الدّين عمر فأعادهم من بَاب عدن وأسكنهم فِي دَار جَيِّدَة وفسح لَهُم فأقاموا هُنَالك مُدَّة وَبعد وَفَاة الْوَزير وانقضاء أَيَّام بني مُحَمَّد بن عمر على مَا يَأْتِي بَيَانه طلب بَنو عمرَان من عدن وَجمع بَينهم وَبَين أخيهم بزبيد وَكَانَ فِي يَوْم حبس وَالِده بعدن حبس وَهُوَ بِحَبْس زبيد وَجعل لَهُ فِي وَسطه حبس فِي غَايَة الضّيق وَكَانَ كثيرا مَا يُوجد خَارج الْحَبْس فِي الْمَسَاجِد يُصَلِّي وَبلغ السُّلْطَان الْمُؤَيد فَأَطْلقهُ وَجعل لَهُ رزقا يقتاته وَسكن بدار عَمه القَاضِي الْبَهَاء مقدم الذّكر وَلما صَار الْملك إِلَى الْمُجَاهِد بن الْمُؤَيد الْمرة الأولى وَالْغَالِب عَلَيْهِ الْأَمِير عمر بن يُوسُف بن مَنْصُور قَالَ لَهُ القَاضِي عبد الْبَاقِي بن عبد الْمجِيد يَا أَمِير اعْمَلْ لآخرتك وَاسع فِي إِطْلَاق هَؤُلَاءِ بني عمرَان من زبيد واجمع بَينهم وَبَين عائلتهم فَلم يزل عمر بن يُوسُف يتلطف حَتَّى أطْلقُوا من زبيد وطلعوا سهفنة فِي الدولة المجاهدية وَتُوفِّي مُحَمَّد بن حسان بعد أشهر دون السّنة من طلوعهم يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر صفر من سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَأما ابْن عَمه عمرَان فَتوفي بزبيد بعد وَفَاة أَبِيه بأيام قَلَائِل وَكَانَ قد توزر للواثق مُدَّة حَتَّى سَافر إِلَى ظفار فَلم يتْركهُ أَهله يُسَافر مَعَه وَبَقِي حَاكم تعز فِي غَالب الْأَحْوَال إِذْ كَانَ عَمه حسان حاكمها مُنْذُ توفّي مُحَمَّد بن عَليّ وَقد يستنيبون بعض المدرسين مجَازًا وَالله أعلم
وَفِيهِمْ فُقَهَاء درسوا وأفتوا فلعبد الله وَلَده مُحَمَّد كَانَ فَقِيها فَاضلا درس مُدَّة
стр. 372
بِجَامِع المصنعة وَعنهُ أخذت بعض كَافِي الصردفي والمهذب وَبَعض مُصَنفه فِي الدقائق وَهُوَ كتاب فائق سَمَّاهُ جَامع أَسبَاب الْخيرَات البديعة ومثير عزم أهل الكسل والعثرات وَهُوَ من أحسن كتب المتعبدين ثمَّ كتاب مُخْتَصر سَمَّاهُ البضاعة لمن أحب صَلَاة الْجَمَاعَة وَهُوَ من المختصرات البديعة فِي ذَلِك والتبصرة فِي علم الْكَلَام وَشرح التَّنْبِيه شرحا لائقا اجْتمع الْفُقَهَاء على سَمَاعه بعد فَرَاغه من جَمِيع أنحاء الْجبَال وَكَانَ فيهم عدَّة من أكَابِر الْفُقَهَاء وَقد سَمِعت عَلَيْهِ بعضه وأجازني بِجَمِيعِهِ وقرأت عَلَيْهِ جَمِيع مُصَنفه الَّذِي سَمَّاهُ البضاعة لمن أحب صَلَاة الْجَمَاعَة وإيضاح الأصبحي وَكَانَت وَفَاته فِي شهر شَوَّال سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة
وَآخر اسْمه عبد الرَّحْمَن كَانَ مقرئا مجيدا فَاضلا بالقراءات وَقد تفقه بعض تفقه توفّي سلخ رَمَضَان سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَهُوَ أَصْغَرهم وَآخر اسْمه أسعد تفقه وَكَانَ يَنُوب أَبَاهُ فِي خطابة الْجند وقضائها توفّي آخر سنة خمس وَتِسْعين وَالْآخر عمرَان وَقد مضى ذكره ولأخيه أبي بكر بن أسعد ولد فَقِيه فَاضل كَانَ فِيهِ إِحْسَان إِلَى الطّلبَة وَأنس لَهُم وَذَلِكَ بعكس مَا كَانَ لِأَبِيهِ وَكَانَ يتَوَلَّى التدريس هُوَ وَابْن عَمه مُحَمَّد بِجَامِع المصنعة وتفقها بالفقيه مُحَمَّد بن أبي بكر الأصبحي الْآتِي ذكره وَكَانَت وَفَاته بقرية سهفنة على رَأس سنة سَبْعمِائة تَقْرِيبًا وَله ابْن سَمَّاهُ عبد الله كَانَ قد تولى الخطابة بالمصنعة وَلما حبس أَهله قَامَ بحريمهم وَتحمل مؤنتهم حَتَّى خرج من خرج مِنْهُم من الْحَبْس وَكَانَ للْقَاضِي إخْوَة يَأْتِي ذكرهم إِن شَاءَ الله فِي أَعْيَان الدول
فلنرجع إِلَى تَتِمَّة ذكر الْفُقَهَاء وذراريهم وأعني بالفقهاء الَّذين ذكرهم ابْن سَمُرَة فِي آخر ذكر الْقُضَاة وَقد انْقَضى ذكر مَا لَاق من أَحْوَال بني عمرَان وَمَا تمّ عَلَيْهِم من الامتحان ثمَّ يتبعهُم فِي الشُّهْرَة بقدم التسمي بالفقه ذُرِّيَّة الْفَقِيه الْهَيْثَم وقدمت بني عمرَان لانتفاع النَّاس بتصانيفهم لَو لم يكن لَهُم غير الْبَيَان ثمَّ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ من الْإِطْعَام فِي المصنعة بِحَيْثُ يجْتَمع مَعَهم فِي غَالب الْأَوْقَات فَوق مئة درسي يقومُونَ بكفايتهم من النَّفَقَة وَالْكِسْوَة بِحَيْثُ سَمِعت جمَاعَة من أَعْيَان الْفُقَهَاء يَقُولُونَ لم يصب أحد من أهل الْيمن بمصيبة كَمَا أُصِيب طلبة الْعلم بِأَهْل سير وَقد رثيت سير بقصائد مِنْهَا قصيدة للنجم صَاحب مَكَّة وَلَوْلَا خشيَة الإطالة لذكرت من ذَلِك عجائب وعدهم وَقد مضى ذكر من ذكره ابْن سَمُرَة وَتَأَخر عَنْهُم جمَاعَة
стр. 373
تحققت مِنْهُم جمَاعَة عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْفَقِيه عمر بن الْفَقِيه أسعد بن الْفَقِيه الْهَيْثَم مقدمي الذّكر مولده يَوْم الْخَمِيس مستهل صفر سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة تفقه بِابْن نَاصِر الْآتِي ذكره فِي قَرْيَة الذنبتين وَولي قَضَاء بَلَده وَكَانَ يتَرَدَّد بَين بَلَده والجند وتعز وَاجْتمعت بِهِ فَرَأَيْت رجلا مُبَارَكًا كَانَت وَفَاته لسبع بَقينَ من رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَله ولدان هما يُوسُف وَأَبُو بكر ومولد يُوسُف مستهل ربيع الأول من سنة خمسين وسِتمِائَة تفقهه أَولا بِأَبِيهِ ثمَّ بِمُحَمد بن أبي بكر الأصبحي وَكَانَ حَاكم بَلَده كَمَا كَانَ أَبوهُ وَكَانَ ينيب القَاضِي عمر بن سعيد على قَضَاء صنعاء ودرس بمدرسة الزواحي بتَشْديد الزَّاي بعد ألف وَلَام ثمَّ فتح الْوَاو ثمَّ ألف ثمَّ حاء مُهْملَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت وَهِي قَرْيَة من نواحي بلدهم بهَا مدرسة أحدثها بعض مَشَايِخ بني وايل وَكَانَت وَفَاته بِصَنْعَاء لسبع بَقينَ من شعْبَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَأما أَبُو بكر فتفقه بأَخيه أَولا ثمَّ بِصَالح بن عمر بالسفال ثمَّ بالفقيه عبد الصَّمد ثمَّ بِأَهْل المصنعة ثمَّ صَار حَاكما فِي بَلَده كَمَا كَانَ أَبوهُ وَأَخُوهُ وَشهر بطريقة مرضية فِي الحكم
وَلما كَانَت سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة محنت بحسبة زبيد لعدم طول وَكَثْرَة عول وَدين وَعدم طول فقدمتها وقاضي الشَّرْع بهَا يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بن سعد عرف بِأبي شكيل الْآتِي ذكره فَلَبثت أَيَّامًا قَلَائِل وَقدم هَذَا أَبُو بكر فَلبث قَاضِيا وَكَانَت ولايتنا جَمِيعًا من قبل القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن الْفَقِيه أبي بكر التعزي فلبثنا مُدَّة أشهر إِلَى أَن دخل رَمَضَان ثمَّ فصلني عَن الْحِسْبَة وَالْحَال مِنْهُ جميل فِي الحكم وَجَعَلَنِي قَاضِيا فِي موزع ثمَّ بَلغنِي أَنه تغير بعد ذَلِك وَحكم بِمَا استحسنه وَبِمَا أمره أهل الْغَرَض فِي حق القَاضِي أبي شكيل خَاصَّة ثمَّ حصل عَلَيْهِ بعد ذَلِك نهب بَيته فِي الحجفة وهرب إِلَى تربة ذِي عقيب لَوْلَا أَنه أَقَامَ بِقَضَاء الْقُضَاة من لَيْسَ بِهِ غَرَض فَمشى حَاله وفصله عَن زبيد وَأعَاد أَبَا شكيل على الْقَضَاء وَهُوَ إِلَى الْآن سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة حَاكم بَلَده وَمِمَّنْ سكن الجرينة الْقرْيَة الَّتِي تقدم ضَبطهَا مَعَ الحجفة وسكنتها جمَاعَة وَمِنْهُم أسعد بن يُوسُف بن أَحْمد بن الْفَقِيه عمر مقدم الذّكر وَهُوَ أول من تدير هَذِه الْقرْيَة وانتقل إِلَيْهَا من الحجفة وفقهاؤها ذُريَّته وَهُوَ باني مَسْجِدهَا وَلم أتحقق من نَعته وتاريخه شَيْئا غير مَا ذكرت وَكَانَ لَهُ أَخ
стр. 374
اسْمه أَحْمد بن يُوسُف تفقه بِمُحَمد بن مَضْمُون بن أبي عمرَان مقدم الذّكر وَأخذ عَن ابْن أبي سحارة الْآتِي ذكره وَله ولد أَيْضا اسْمه مُحَمَّد بن أسعد أَخذ عَن مُحَمَّد بن مِصْبَاح وَغَيره وَتُوفِّي بِبَلَدِهِ وَكَانَت وَفَاته آخر أَيَّام التَّشْرِيق من سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
وَله أَوْلَاد جمَاعَة قدمت بلدهم للبحث عَن أَحْوَالهم وجدت اثْنَيْنِ مِنْهُم إِدْرِيس فِيهِ أنس وَخير ثمَّ أَحْمد أكبر مِنْهُ امتحن بالعمى وَقَتله أهل الْفساد فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة ثمَّ يُوسُف أوسطهم هُوَ حَاكم ذمار يذكر بِولَايَة الْقَضَاء بهَا من أَيَّام بني مُحَمَّد بن عمر وانفصل فِي أَيَّام الْفِتْنَة وانضراب الدول لنيف وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَمِمَّنْ ذكر ابْن سَمُرَة وَخَلفه ذُرِّيَّة يذكرُونَ بالفقه بَنو يحيى بن الْفَقِيه فضل الَّذِي تقدم ذكره فخلفه ابْنه يحيى مولده سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وتفقه بِعَبْد الله بن سَالم الأصبحي وَتزَوج ابْنَته منيرة وَله منا أَوْلَاد انْتَشَر مِنْهُم ذُرِّيَّة تفقه مِنْهُم جمَاعَة ومسكنهم قَرْيَة الملحمة فِيمَا مضى وَلَهُم بهَا مَسْجِد ينْسب إِلَيْهِم وَهُوَ شرقيها وَيعرف بِالْمَسْجِدِ الْأَعْلَى وقراءته للْبَيَان على سُلَيْمَان بن فتح وَكَانَت وَفَاته بقرية الملحمة لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث عشر ربيع الأول من سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة وَخلف أَوْلَادًا جمَاعَة تفقه مِنْهُم أَبُو بكر مولده لَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة تفقه بِأَبِيهِ وَغَيره وَفتح لَهُ فِي الْعلم بفهم جيد حَتَّى أدْرك مِنْهُ نَصِيبا وافرا بِحَيْثُ كَانَ الْفَقِيه عمر بن سعيد يَقُول لَو سُئِلَ أَبُو بكر بن يحيى عَن علم الرّوح لأفتى بِهِ وَكَانَ خيرا توفّي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ تَاسِع ربيع الأول سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَلم يعقب ثمَّ عُثْمَان مولده آخر نَهَار الْجُمُعَة لليلة بقيت من الْمحرم سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ فَقِيها صَالحا متأدبا ذَا محفوظات لَهُ بديهة جَيِّدَة حَاضر الْجَواب نظما ونثرا
لما قدمت إِلَى قومه وَقد انتقلوا عَن الملحمة إِلَى الْجَبَل الَّذِي هُوَ مطل عَلَيْهَا من قبل الْيمن وَسَكنُوا قريتين تعرف إِحْدَاهمَا بالمحيب وَهِي على قبالة من الملحمة وضبطها بخفض الْمِيم بعد ألف وَلَام ثمَّ سُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة كَانَ هَذَا الْفَقِيه يسكنهَا وَبهَا جمَاعَة من ذُريَّته وَأَهله
والقرية الْأُخْرَى تسمى النظاري بِفَتْح النُّون بعد ألف وَلَام والظاء الْقَائِمَة ثمَّ ألف ثمَّ رَاء ثمَّ يَاء مثناة من تَحت
وَلما قدمت قَرْيَة المحيب أخرج إِلَيّ بعض ذُرِّيَّة الْفَقِيه عُثْمَان شَيْئا من كتبه فَرَأَيْت على بَعْضهَا بِخَطِّهِ وَمن قَوْله
стр. 375
.. طُوبَى لمن عَاشَ بعض يَوْم ... وَنَفسه فِيهِ مطمئنه
وَلَا لَهُ فِي الملا عَدو ... وَلَا لخلق عَلَيْهِ مِنْهُ ... وَهَذَا هُوَ صَاحب الْقِصَّة الْمَشْهُورَة مَعَ الْأَمِير عَليّ بن يحيى وذكرتها خشيَة أَن يَقع كتابي مَعَ من لم يكن علمهَا وَذَلِكَ أَن الْأَمِير عَليّ بن يحيى كَانَ على الصّفة الْمُتَقَدّمَة من الإنسانية والمحبة للفقهاء والفضلاء وصحبتهم كَمَا ذكرته فَقدر أَنه عمل طَعَاما لجَماعَة من أَصْحَابه هَذَا الْفَقِيه من جُمْلَتهمْ وَعمل فِيهِ ظرفا مملوءا لحوحا وزوما وَوضع بِموضع فِيهِ بعد عَن الْفَقِيه فَلَمَّا اجْتَمعُوا على الطَّعَام صَار الْفَقِيه يتَنَاوَل مِنْهُ فَلَا يَنَالهُ إِلَّا بتكلف فَأَنْشد الْأَمِير ... بعد اللحوح عَن الْفَقِيه الأوحد ... عُثْمَان خير بني الْبَريَّة عَن يَد ... فَأَجَابَهُ الْفَقِيه مرتجلا ... ترد المراسم إِن أمرت بنقله ... وَيطول مِنْك الباع إِن قصرت يَدي ... فَقَامَ الْأَمِير مسرعا من مَكَانَهُ وَاحْتمل الظّرْف وَوَضعه بَين يَدي الْفَقِيه ثمَّ لما انْقَضى الطَّعَام جعل الْأَمِير يحدث الْفَقِيه وَيَقُول يَا سَيِّدي الْفَقِيه إِنِّي رَأَيْتُك تحب اللحوح وَقد وَهبتك جربتي الْفُلَانِيَّة تكون برسمه فقبلها الْفَقِيه وَهِي جربة تَسَاوِي ألف دِينَار على قرب من الملحمة هِيَ بيد ذُريَّته إِلَى الْآن فرحم الله عَليّ بن يحيى مَا كَانَ ألطف شمائله وَأكْثر فَضله وفضائله
وَقد تقدم ذكره مَعَ بني مَضْمُون وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد لثلاث بَقينَ من رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَذَلِكَ بقرية الملحمة مَعَ أَبِيه يحيى وأخوته أبي بكر وَعلي فقبر الْأَب وأبناؤه أَبُو بكر وَعلي فِي فسقية هِيَ شَرْقي مَسْجِدهمْ فَلَمَّا دنت وَفَاة عُثْمَان قيل لَهُ نقبرك مَعَ أَبِيك وأخوتك قَالَ لَا إِنَّنِي أخْشَى أَن أؤذيهم هم كَانُوا على طَرِيق كَامِل من الْوَرع فقبر بِقَبْر قريب مِنْهُم ثمَّ لما توفّي عُثْمَان خَلفه برئاسة أَهله واشتهر بالفقه ابْن لَهُ اسْمه يحيى مولده آخر نَهَار الْجُمُعَة لخمس خلون من صفر سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة وَكَانَ خيرا ذَا دين وورع نزل من بَلَده إِلَى ذِي جبلة فدرس بِالْمَدْرَسَةِ الشرقية وَكَانَ
стр. 376
فِي شهر ذِي العلان فَيطلع بَلَده فيقف فِيهَا حَتَّى يَنْقَضِي الصراب ثمَّ مَتى عَاد بَلَده أَحَالهُ النَّائِب بِنَفَقَة السّنة فَيرد عَلَيْهِ نَفَقَة الشَّهْرَيْنِ اللَّذين غَابَ فيهمَا وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى عصرنا أَن لَا ينْفق للمدرس غير عشرَة أشهر لتِلْك الْعَادة وَكَانَ إِذا قيل لَهُ يَا سيدنَا لَا ترد الشَّهْرَيْنِ فالمدرسون قبلك كَانُوا يغيبون أَكثر من الشَّهْرَيْنِ وَيَأْخُذُونَ كيلة الْجَمِيع فَقَالَ لَا يسْأَلُون عَمَّا أجرمنا وَلَا نسْأَل عَمَّا يعْملُونَ وَكَانَ يصرف مَا يقبضهُ من الكيلة على المحتاجين من طلبة الْعلم وَفِيمَا يَطْلُبهُ أهل الدِّيوَان مِنْهُ خراجا على أرضه وَكَانَ مَعَ ورعه نقالا للفروع وعارفا بهَا وَتُوفِّي بقرية المحيب وَبهَا قَبره منتصف صفر من سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة ثمَّ خَلفه ابْن لَهُ اسْمه عُثْمَان كَانَ فَقِيها خيرا وَله قريحة يَقُول بهَا الشّعْر وَمن شعره يجمع فِيهِ أولي الْعَزْم من الْأَنْبِيَاء بيتان هما ... أولو الْعَزْم فاحفظهم لَعَلَّك ترشد ... فنوح وَإِبْرَاهِيم هود مُحَمَّد ... وَخمْس المديح الَّذِي لِابْنِ حمير وَهُوَ ... يامن لعين قد أضرّ بهَا السهر ... وأضالع حدب طوين على الشرر ... فصدر هَذَا الْبَيْت بِأَن قَالَ ... قلبِي الْمَعْنى صَار حلفا للفكر ... وكذاك سَمْعِي خانني مثل الْبَصَر
ودموع عَيْني بالمحاجر كالمطر ... يَا من لعين قد أضرّ بهَا السهر
وأضالع حدب طوين على الشرر
وضاهاها بالتخميس تخميس ابْن الظفاري لبانت سعاد وَكَانَت وَفَاته مبروقا لأحد عشر ذِي الْحجَّة من سنة تسع وَسَبْعمائة بعد بُلُوغ سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة وقبر
стр. 377
بالمحيب إِلَى جنب قبر أَبِيه زرتهما مَعًا وفقيههم يَوْم قدمت إِلَيْهِم حسن بن عَليّ بن الْفَقِيه يحيى بن الْفَقِيه فضل مَسْكَنه النظاري يدرس بمدرسة بنتهَا امْرَأَة فوقفت عَلَيْهَا وَقفا جيدا وَكَانَ صَاحب دنيا وَاسِعَة وَلما خشِي من الظلمَة وتعسفهم على نَفسه وعَلى الْمدرسَة لَاذَ بالفقيه أبي بكر التعزي وَتزَوج ابْنة لِأَخِيهِ عمر فَكَانَ بذلك مُسْتَقِيم الْحَال حَتَّى هلك الوزراء بالتاريخ الْآتِي ذكره وَحصل عَلَيْهِ بعض تعسف ثمَّ لما قدم ولد الْفَقِيه أبي بكر على قَضَاء الْقُضَاة على مَا سَيَأْتِي ذكره ولبث مَا لبث ثمَّ ظهر للمؤيد مِنْهُ مَا ظهر صودر هَذَا وَحبس وعزر وَجرى لَهُ أَمر لَا يَلِيق ذكره وَلم تطل مدَّته بعده بل توفّي سنة ثَمَانِي عشرَة وَسَبْعمائة وَكَانَ ذَلِك تَصْدِيقًا للأثر الَّذِي هُوَ من تعزز بِغَيْر الله ذل
وَمِنْهُم يحيى بن فضل بن الْفَقِيه يحيى مقدم الذّكر ولاه القَاضِي مُحَمَّد بن أبي بكر على طَرِيق عَادَة حكام الْوَقْت فِي كَرَاهِيَة من كَانَ قبلهم ونوابهم وَفِيهِمْ جمَاعَة مِنْهُم سُهَيْل يذكر عَنهُ مُرُوءَة وَشرف نفس ثمَّ الْمَأْمُون فقيهان خيران لما قدمت المحيب قَرَأَ عَليّ الْمَأْمُون وَيحيى وَمُحَمّد بن عُثْمَان شَيْئا من الأربعينات النووية وَهَذَا مُحَمَّد بن الْفَقِيه عُثْمَان صَاحب الأبيات وَهُوَ يَوْمئِذٍ شَاب مبارك مترشح لطلب الْعُلُوّ وَمِنْهُم بَنو الإِمَام ذكر ابْن سَمُرَة مِنْهُم جمَاعَة وذكرتهم أَيْضا ثمَّ تَأَخّر عَن زمانهم جمَاعَة مِنْهُم الأخوان مُحَمَّد بن الْفَقِيه عبد الله بن الْفَقِيه سَالم الْأَصْغَر وَمِنْهُم أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم أَيْضا وَكَانَا فقيهين خيرين لَكِن أَحْمد كَانَ يَقُول الشّعْر وَكَانَت فِيهِ خفَّة فَسُمي لأَجلهَا بالمجن وَكَانَ يَقُول الشّعْر ويسلك طَرِيق أبي الطّيب المتنبي فيرحل إِلَى أقيال الْيمن وكرامها ويمتدحهم وَيَأْخُذ جوائزهم وَكَانَ فَقِيها فَاضلا مترسلا مهذبا متأدبا
حُكيَ أَنه ترك شَيْئا من الْكتب مَعَ بعض مَشَايِخ بني عمرَان فِي قلعة سير فعبث بهَا الفأر عَبَثا شنيعا فَلَمَّا جَاءَ لأخذها وجدهَا مبعثرة فَعمل أبياتا مِنْهَا قَوْله ... مديح الفأر خير من هجاه ... رجا شَيْئا فَأدْرك مَا رجاه
وَأعْطى مَا أَرَادَ وَمَا تمنى ... وأحظى الْخلق من يعْطى مناه ...
стр. 378
.. بدار الشَّيْخ أسعد حَيْثُ كَانَت ... أكيتبتي وَقد عظموا وتاهوا
وَقَالُوا قطّ لَيْسَ لنا معدا ... من المخزان فَهُوَ لنا بناه
إِذا مَا الهر وافى فَرد يَوْم ... أَغَارُوا كلهم وجروا وَرَاه
فأطبق وَهُوَ فِي وَجل عَظِيم ... وَلم يلفت وَأَعْطَاهُمْ قَفاهُ
وَحش لَو استقام لَهُم قَلِيلا ... لطاح وأطعموه إِذا أَذَاهُ ... وَهِي أَبْيَات تقَارب الْعشْرين لم يعلق بحفظي مِنْهَا غير مَا أوردته وَذكر أَنه قدم المخادر على الشَّيْخ عبد الله بن أسعد بن نَاجِي فَوَجَدَهُ محجبا فَقَالَ للخادم اسْتَأْذن لي على الشَّيْخ فَدخل وَخرج وَقَالَ الشَّيْخ بحافة الْحَرِيم فَأخذ ورقة بَيْضَاء وَكتب بهَا بَيْتَيْنِ هما ... يقبح بالسيد الْكَرِيم ... أَن يقْعد فِي حافة الْحَرِيم
والوفد بِالْبَابِ بانتظار ... نظامه غير مُسْتَقِيم ... وَقَالَ للخادم أعْطهَا الشَّيْخ وَركب من فوره وَصَارَ إِلَى مقْصده فحين وقف عبد الله على الورقة شقّ عَلَيْهِ القَوْل وَعرف من كتبهَا وَسَأَلَ الْخَادِم عَنهُ فَقَالَ ناولني الورقة وَسَار طَرِيق كَذَا فحنق عَلَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا يلْحقهُ غَيْرِي ثمَّ ركب دَابَّته ولحقه بعد سَاعَة جَيِّدَة فَأَعَادَهُ وَأحسن إِلَيْهِ إحسانا كليا
وَذكر بعض الْمَعْنيين بأخبار النَّاس أَن الْمعز بن سيف الْإِسْلَام لما خرج إِلَى مَذْهَب الإسماعيلية وَصَارَ مَالِكًا لليمن تشفع إِلَيْهِ أهل مذْهبه بِأَن يَأْمر الخطباء فِي بِلَاد الْيمن بِأَن يقعوا بالشيخين فِي الْخطْبَة ويسبوهما فَقَالَ لَا طَاقَة لي بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم فَقَالُوا اعْمَلْ ذَلِك بجبلة وَكَانَ أَكثر سكناهُ بهَا فَقَالَ أَسْتَطِيع وَلَا آمن أَن يهجم عَليّ الْعَامَّة فَقَالُوا فَأمر خطيب جبلة بِإِسْقَاط ذكرهمَا قَالَ لَعَلَّ هَذَا أَهْون من غَيره فاستدعي بِالْقَاضِي فِي تِلْكَ الْمدَّة وَأمره بذلك وَكَانَ ذَلِك بيد أهل عرشان فساءهم ذَلِك وشق عَلَيْهِم وبقوا حائرين فَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم قدوم هَذَا أَحْمد وَقد بلغه مَا امروا بِهِ وَأَنَّهُمْ لم يقدروا على التَّأَخُّر خوف السلطنة وَلَا التَّقَدُّم خوف الشِّيعَة تبقى هَذِه السمعة عَنْهُم فوصلهم هَذَا الْفَقِيه وَقَالَ لَهُم أعطوني شَيْئا أَقْْضِي بِهِ ديني وَأسد بِهِ فَاقَتِي وَأَنا أَخطب عَنْكُم وَأسْقط ذكر
стр. 379
الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر ﵄ فَسَأَلُوهُ عَن دينه فَأخْبرهُم فالتزموا لَهُ بذلك وَأَن يسدوا فاقته فَلَمَّا جَاءَ وَقت الْخطْبَة صعد الْمِنْبَر وخطب حَتَّى جَاءَ مَوضِع ذكر الشَّيْخَيْنِ فَقَالَ وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن ذكر الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر ﵄ لَيْسَ شرطا فِي الْخطْبَة وَقد حصل لي ببركتهما كَذَا وَكَذَا دِينَارا وَكَذَا وَكَذَا ذَهَبا من الطَّعَام فعلى مبغضهما لعنة الله ولعنة اللاعنين
وَكَانَ الشِّيعَة قد اجْتَمعُوا من أَمَاكِن شَتَّى ليسمعوا بِإِسْقَاط الشَّيْخَيْنِ إِلَى الْجَامِع فَلَمَّا عمل هَذَا مَا عمل فحين سمعُوا ذَلِك ساءهم وشق بهم وَقَالُوا لم يرض إِلَّا سبنا وذكرهما بِأَحْسَن مَا كَانَا يذكران بِهِ ثمَّ لما خَرجُوا من الْجَامِع اتَّفقُوا على الرواح إِلَى بَيت الْمعز وملازمته بِالْإِرْسَال على الْخَطِيب وَالْأَمر لَهُ بِأَن يبْقى على الْعَادة الْمُتَقَدّمَة فَفَعَلُوا ذَلِك وَفعله الْمعز خشيَة بَقَاء سبّ مبغضيهما بعد أَن قَالَ لَهُم وَالله لقد كنت خاشيا عَلَيْكُم وعَلى الْخَطِيب أَن تقع الْعَامَّة بكم وَبِه وَقد سَمِعت من يذكر أَن الْخَطِيب لم يكن هَذَا وَإِنَّمَا كَانَ رجلا من أهل صهْبَان يُسمى الصُّبْح وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
وَقد عرض مَعَه ذكر عبد الله بن أسعد بن نَاجِي التباعي وَهُوَ أحد أَعْيَان الْيمن وأخيار الزَّمن وَكَانَ مَشْهُورا بِالْكَرمِ وسعة الْجُود وَالنعَم لَهُ عطايا جمة مَسْكَنه قَرْيَة المخادر قد مضى ذكرهَا ونال هَذَا عبد الله وَأَخُوهُ مكانة عَظِيمَة ورزقه الله سماحة نفس وعلو همة بِحَيْثُ سَمِعت لَهُ مَكَارِم يطول تعدادها وَيكثر إيرادها وَكَانَ قد استماله بعض الإسماعيلية وَدخل بمذهبه وَصَارَ عَلَيْهِ مَعَ تستر فَإِنَّهُ ليَوْم قَاعد فِي الْجَامِع بالمخادر وَهُوَ حافل بِجمع من الْفُقَهَاء والطلبة إِذْ قَرَأَ بَعضهم بِصَوْت حسن سُورَة الْمُؤمنِينَ حَتَّى قَرَأَ ﴿وَلَقَد خلقنَا الْإِنْسَان من سلالة من طين ثمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكين﴾ إِلَى أَن بلغ قَوْله ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة تبعثون﴾ ثمَّ جعل يُرَدِّدهَا فحكي أَنه بَكَى حَتَّى غشي عَلَيْهِ ثمَّ أَفَاق وَتشهد واستغفر الله تَعَالَى وَنزل على طَرِيق السّنة لَا يَبْدُو مِنْهُ مَا يُخَالِفهَا حَتَّى توفّي وَكَانَ قد حدث لَهُ فِي تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي أَقَامَ بهَا خَارِجا أَوْلَاد
стр. 380
خَرجُوا عَن الإسماعيلية إِلَى وقتنا وذراريهم فِي الْغَالِب على ذَلِك غير أَن الْغَالِب على بني نَاجِي حَيْثُ كَانُوا السماحة والرجاحة وَالْإِحْسَان إِلَى أهل الْقُرْآن وَلَهُم فِي بلدهم مدارس حَسَنَة وَعَلَيْهَا وقف جيد لَا تكَاد تَخْلُو قريتهم عَن أهل الْخَيْر من أهل الدّين وَالدُّنْيَا قدمتها لزيارة صالحيها فَوجدت بهَا آثارا يعجب من أقربها من آثَار أهل سير
وَمِنْهُم أَعنِي بني الإِمَام أَبُو الْخطاب عمر بن يحيى بن الْفَقِيه أبي بكر بن الْفَقِيه سَالم كَانَ فَقِيها فَاضلا
وَمِنْهُم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الضرغام بِهِ تفقه جمَاعَة مِنْهُم عَليّ بن أَحْمد الْجُنَيْد وَعمر بن مُحَمَّد الجرهمي وَابْن عَمه سُلَيْمَان وَغَيره وَهُوَ آخر من تحققته من بني الإِمَام وَتَبعهُ من أَهله سُلَيْمَان بن عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم الأصعى درس بِذِي هزيم وَغَيره بعد أَخِيه أَحْمد الْمَذْكُور فِي فُقَهَاء تعز وَتُوفِّي أَيْضا بتعز وَكَانَ عَارِفًا بِكِتَاب الْبَيَان أَخذه عَن جمَاعَة وَتُوفِّي وَترك ولدا اسْمه عبد الرَّحْمَن أم مُدَّة طَوِيلَة بِجَامِع ذِي أشرق تفقه بعض التفقه وَتُوفِّي على الطّلب منتصف الْقعدَة من سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة وَآخر فُقَهَاء قريتهم مِمَّن هُوَ فِي طبقَة الْمَذْكُورين آنِفا جمَاعَة لَيْسُوا مِنْهُم
مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أسعد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعيد القري الْعَنسِي الْمذْحِجِي بالنُّون بَين الْعين وَالسِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ نِسْبَة إِلَى الْقَبِيلَة الْمَذْكُورَة فِيمَا تقدم
كَانَ فَقِيها عَارِفًا بالفروع وَالْأُصُول وَله بِكُل كتاب مِنْهُمَا تصنيف ولي قَضَاء عدن بُرْهَة من الدَّهْر وَكَانَ مَوْصُوفا بالورع وَالْفِقْه غواصا على دقائقه عَاملا بِهِ
سَمِعت فَقِيه عدن شَيْخي أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الْحرَازِي يذكر هَذَا الرجل ويثني عَلَيْهِ ثَنَاء بليغا بالفقه والورع وَكَانَ مِمَّن أدْركهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَأَخْبرنِي أَيْضا أَنه كَانَ يُعجبهُ الِاخْتِلَاط بالفقهاء والمواصلة لَهُم
وَكَانَ مدرس عدن يَوْمئِذٍ والمعيد وأصحابهما من الطّلبَة يصلونَ صباح كل يَوْم إِلَى بَابه ويحضرون مَجْلِسه فيلقاهم بالبشر وَالْإِكْرَام ثمَّ إِذا اطمأنوا جعل يلقِي عَلَيْهِم الْمسَائِل من الْكتب الَّتِي يتعانون قرَاءَتهَا
فَمن وجده ذَاكِرًا بَارك عَلَيْهِ وشكره ووعده بِالْخَيرِ وحثه على زِيَادَة الِاجْتِهَاد وَكَانَ ذَا مَكَارِم أَخْلَاق وكرم طباع قَلما قَصده قَاصد إِلَّا وَأَعْطَاهُ مَا يَلِيق بِحَالهِ إِمَّا من نَفسه إِن أمكن
стр. 381
أَو من جاهه
وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير الصَّدَقَة متنزها عَمَّا يتهم بِهِ حكام عدن وَغَيرهم من الْخِيَانَة وَكَانَ كثير الْعِبَادَة
أَخْبرنِي شَيْخي أَحْمد بن عَليّ الْحرَازِي الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن أبي بكر الأصبحي قدم عدن على هَذَا القَاضِي وَهُوَ إِذْ ذَاك شَاب قد تفقه فَكَانَ يحضر مجْلِس القَاضِي ويستمع إلقاءه فيجيب مبادرا فَيَقُول القَاضِي هَذَا يخرج فَقِيها فَكَانَ كَمَا قَالَ وَلَقَد أَخْبرنِي الْفَقِيه عبد الْملك الْوراق بعدن قَالَ أَخْبرنِي من أَثِق بِهِ من خبر هَذَا القَاضِي أَنه كَانَ يتَصَدَّق كل يَوْم بِدِينَار خبْزًا وَلما دخل شمس الدّين البيلقاني عدن صَحبه وتتلمذ لَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْوَجِيز للغزالي وَلم يكن إِذْ ذَاك أظهر شَيْئا من معتقده الَّذِي شهر بِهِ فَلَمَّا أظهره انشقت الْعَصَا بَينهمَا وتهدد القَاضِي من حضر مَجْلِسه أَو قَرَأَ عَلَيْهِ فَتفرق غَالب النَّاس عَنهُ فصاروا نافرين وَمن رغب بِالْأَخْذِ عَنهُ أَتَاهُ سرا إِن خشِي من القَاضِي وَكَانَ السُّلْطَان المظفر قد جعله مدرسا فِي مدرسة أَبِيه الْمَنْصُور فَلم يهن ذَلِك على القَاضِي لما رأى من قصوره فِي معرفَة الْفِقْه ولمباينة المعتقد فَمَا زَالَ يفكر فِي إِخْرَاجه عَن الْمدرسَة حَتَّى أجمع رَأْيه على أَنه يَأْمر بعض الطّلبَة يسْأَله كَمَا سَيَأْتِي فِي ذكر البيلقاني وَكَانَ القَاضِي هَذَا من أهل الحمية والعصبية الَّذين لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم وَكَانَ فِي عدن نَاظر يعرف بالجزري وَكَانَ متعصبا مَعَ البيلقاني وَرُبمَا كَانَ السَّبَب فِي إشفاق السُّلْطَان عَلَيْهِ فَكتب إِلَى السُّلْطَان يتَكَلَّم على القَاضِي مَا لَيْسَ بِحَق نصرا للبيلقاني فَعَاد جَوَاب السُّلْطَان إِلَى الْجَزرِي يعده بعزل القَاضِي فِي وَقت معِين فَمن شدَّة فَرح النَّاظر بذلك أخبر بذلك كافور البالكي الْآتِي ذكره وَكَانَ مِمَّن يصحب القَاضِي وَيُحِبهُ فَأخْبرهُ بذلك وَقَالَ لَهُ اجْتمع بالأمير عَبَّاس وَأخْبرهُ بِمَا فعل الْجَزرِي فَفعل ذَلِك وَكَانَ عَبَّاس على مُعْتَقد القَاضِي فشق عَلَيْهِ وَكتب إِلَى المظفر ورقة يُخبرهُ بصلاح القَاضِي وَدينه وَأَنه قل أَن يسْتَبْدل بِهِ وَيَقُول قد بَلغنِي أَن بعض من لَا خير فِيهِ كتب إِلَى مَوْلَانَا يتَكَلَّم عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَأَنه غير صَادِق فجوب لَهُ السُّلْطَان يَقُول لَهُ لقد تحققنا مَا ذكرت عَن القَاضِي لسنا نسْمع فِيهِ كلَاما فلتطب نَفسك وَنَفسه واسأله لنا الدُّعَاء أَو كَمَا قَالَ وشق على السُّلْطَان كَون الْجَزرِي أذاع مَا كتب بِهِ إِلَيْهِ من عزل القَاضِي وأكن ذَلِك فِي نَفسه فَلَمَّا جَاءَ الْوَقْت الَّذِي يرقب فِيهِ عزل القَاضِي وَلم يعْزل ظن أَن السُّلْطَان قد نسي فَكتب إِلَيْهِ يستنجزه الْوَعْد فَعَاد جَوَابه يَقُول لَهُ لَوْلَا خوف الله لعملنا بهلاكك إِذْ نفشي إِلَيْك سرا تذيعه فَكَانَ ذَلِك آخر مُكَاتبَة جرت من الْجَزرِي فِي حَقه ثمَّ بعد عود المظفر من الْحَج دخل عدن فَشَكا أَهلهَا من الْجَزرِي وفظاظته وجبروته فَأمر السُّلْطَان القَاضِي الْبَهَاء أَن يحاقق بَينه وَبينهمْ فَكَانَ ذَلِك فِي الْجَامِع
стр. 382
فَقَالُوا لَا نَفْعل ذَلِك حَتَّى يكون بِأَيْدِينَا ذمَّة أَنه لَا يبْقى يتَصَرَّف علينا فَفعل السُّلْطَان لَهُم ذَلِك وحققوا عَلَيْهِ جملَة مستكثرة وهموا أَن يبطشوا بِهِ لَوْلَا مَانع عَنهُ جمَاعَة من أهل الدولة ثمَّ صودر وَضرب ثَلَاث مَرَّات فَسلم ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار ثمَّ ضرب وعصر فَلم يقدر على شَيْء وَصَارَت جَارِيَته وَبنَاته يدرن بيُوت أَصْحَابه الَّذين كَانَ يواليهم فيقفلون فِي وُجُوههم الْأَبْوَاب فَقدر أَن جَاءُوا بَاب القَاضِي فوجدوه مَفْتُوحًا فدخلوه فحين وَقعت عين القَاضِي عَلَيْهِم رحب بهم ورق لَهُم وَبكى ثمَّ ناولهم صرة بهَا ثلثمِائة دِينَار فضَّة بعد أَن أطْعمهُم وبرهم فَلَمَّا عَادوا إِلَى أَبِيهِم سَأَلَهُمْ عَن حَالهم وَأَخْبرُوهُ الْقِصَّة فَكَانَ بعد ذَلِك يَقُول لمن يتحدث مَعَه وَرُبمَا ابْتَدَأَ ذَلِك مَا الْبعيد إِلَّا ولد زنا وَذَلِكَ أنني أَسَأْت كثيرا كثيرا إِلَى هَذَا القَاضِي وَجرى مِنْهُ مَا هُوَ كَذَا وَكَذَا وَفِي عدن جمَاعَة أَصْحَاب أَحْسَنت إِلَيْهِم وصاروا أهل ثروة مَا أعلم أحدا مِنْهُم لما نكبت كَانَ يسلم عَليّ السَّلَام الشَّرْعِيّ وَلَو لم يكن لهَذَا القَاضِي من المكارم غير هَذِه لكَانَتْ كَافِيَة شافية وَله مُصَنف جيد فِي أصُول الدّين وسأذكر بعض مَا جرى بَينه وَبَين البيلقاني حِين أذكرهُ فِي الواردين إِلَى عدن وَمَكَارِم هَذَا الرجل كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته بثغر عدن يَوْم الثُّلَاثَاء اثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وقبر بالقطيع فِي حياط ينْسب إِلَى آل الْفَارِسِي الْآتِي ذكرهم فِي أهل عدن إِن شَاءَ الله وَإِلَى جنبه قبر جمَاعَة من الْحُكَّام الَّذين توفوا بعده كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَقد زرت قَبره مرَارًا وتبركت بِهِ وَقد عرض مَعَ ذكره رجلَانِ من الْأَعْيَان الأول أَبُو مُحَمَّد عَبَّاس بن عبد الْجَلِيل بن عبد الرَّحْمَن التغلبي أصل بَلَده جبل ذخر بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وخفض الْخَاء وَسُكُون الرَّاء كَانَ ذَا مَال جزيل وجاه كَبِير أَكثر مَاله من التِّجَارَة وَكَانَ أَكثر النَّاس صَدَقَة ومعروفا وَكَانَت ولَايَته تَارَة بعدن وغالبها زبيد وَله فِيهَا مدرسة حَسَنَة جعلهَا ابْنه مُحَمَّد بعد مَوته وَهِي الدَّار الَّتِي كَانَت لِأَبِيهِ وَكَذَلِكَ فِي بَيت حُسَيْن وَله بقرية السَّلامَة مَسْجِد وَله على كل وقف يقوم بِهِ وصدقاته كَثِيرَة ومعاملته مَعَ الله جليلة بِحَيْثُ يعز حصرها وَكَانَ إِذا أقبل الْحجَّاج وَهُوَ فِي بلد مروا عِنْده فيكسوهم ويعطيهم مَا يوصلهم بلدهم الَّتِي يذكرُونَ أَنهم قاصدون لَهَا وَإِن كَانُوا من الْبَلَد أَعْطَاهُم مَا يزيلون بِهِ وعثاء السّفر وَقد أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه كَانَ يتشبه بهم جمَاعَة فِي زيهم يأْتونَ إِلَيْهِ فيعطيهم مَا يَلِيق بحالهم وَله من الْآثَار المبقية للذّكر
стр. 383
مدرسة فِي بَلَده ذخر فِي مَوضِع يعرف بالحبيل بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ لَام وَكَانَت وَفَاته بزبيد سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَخلف أَوْلَادًا رَأس مِنْهُم مُحَمَّد نَالَ مرتبَة عِنْد الْملك المظفر وَرفع لَهُ طبلخانة وَجعله من جملَة حرفائه وَكَانَ أَمِيرا شهما فَارِسًا مقداما لَكِن غلب عَلَيْهِ الْعجب فَكثر عَلَيْهِ إِلَى السُّلْطَان وَقيل لَهُ عَنهُ بِأُمُور لَا يحْتَمل الْمُلُوك بَعْضهَا فَلَزِمَهُ وكحله بزبيد وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة وَسَار إِلَى بَيت ابْن عجيل الْمُقدم ذكره وَلم يزل مترددا بَين بَيت الْفَقِيه وزبيد إِلَى أَن توفّي فِي رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَخلف أَوْلَادًا رَأس مِنْهُم اثْنَان أَحْمد وعباس فَأَحْمَد توفّي بعد أَن ولي زبيد ونال بعض شَفَقَة من الْملك المظفر وَذَلِكَ لنيف وَتِسْعين وسِتمِائَة وَأما عَبَّاس فَإِنَّهُ نَشأ فِي صنعاء وَأمه ابْنة الْأَمِير سنجر الشّعبِيّ أحد أخيار أُمَرَاء الغز ثمَّ إِنَّه نَالَ من الْملك الْمُؤَيد شَفَقَة جَيِّدَة وَقَاتل قتالا جيدا فِي مخارج كَثِيرَة بَان للسُّلْطَان ذَلِك بِصُحْبَتِهِ وَله وقعات كَثِيرَة أَجَاد بهَا وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا رد الإِمَام ابْن مطهر من بَاب صنعاء وَقد أشرف على أَخذهَا هُوَ وأكراد ذمار ثمَّ لم يقف بعد ذَلِك حَتَّى رفع لَهُ الْمُؤَيد طبلخانة وأقطعه إقطاعا جيدا ثمَّ أَنه امتحن بِمَرَض يعرف بالنقرس وَطَالَ بِهِ سِنِين فاستحى من أَخذ الإقطاع وَقلة الْمخْرج فَجعل يلازم الْمُؤَيد بالاستعادة الطبلخانة والإقطاع فتوقف مرَارًا ثمَّ غلب عَلَيْهِ الْيَأْس من عافيته فاستعاد ذَلِك ثمَّ أقطعه إقطاعا لطيفا يقوم بِاثْنَيْ عشر ألفا بِسَبَبِهِ وَحصل من حسده على ذَلِك وَحسن للمؤيد أَن لَا يقطعهُ إِذْ هُوَ صَاحب مَال جزيل فَمَال إِلَى ذَلِك وَهُوَ بَاقٍ إِلَى عصرنا يذكر بِالْعقلِ والرجلة فِي الرَّأْي وَغَيره وَغلب عَلَيْهِ الْمَرَض الْمَذْكُور وَمَعَهُ ابْن لِأَخِيهِ أَحْمد اسْمه عبد الْجَلِيل كَانَ يتَوَلَّى بَاب عَمه وَالْقِيَام بِهِ أَيَّام الطبلخانة وَمِنْهُم بَقِيَّة بزبيد
وَالْآخر من الْأَعْيَان هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْجَزرِي قدم عدن وَنزل فِي الْمدرسَة المنصورية وَكَانَ من أَعْيَان أَبنَاء الجزيرة فَعرفهُ جمَاعَة من التُّجَّار وَغَيرهم وَكَتَبُوا إِلَى السُّلْطَان يعلمونه بِهِ وَأَنه من أَبنَاء النَّاس وَأَن لَهُ خبْرَة جَيِّدَة فِي الْكِتَابَة فَأمره السُّلْطَان أَن يتَوَلَّى ديوَان النّظر بعدن فَفعل ذَلِك وَكَانَ يلقب بالفقيه شمس الدّين وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من الْعلم وَرُبمَا أَقرَأ فِي
стр. 384
بَيته وَفِي الفرضة جمَاعَة من الطّلبَة شَيْئا من الْعلم وَكَانَ يعْمل فِي كل يَوْم سماطا يحضرهُ جمع من وُجُوه التُّجَّار وَجَمِيع الْفُقَرَاء لَا يمْنَع أحد وَمَعَ ذَلِك يواسي كلا مِنْهُم بِمَا سَأَلَ وَمَا لَاق وَبِالْجُمْلَةِ أخباره الجميلة كَثِيرَة وَكَانَت فِيهِ مَكَارِم أَخْلَاق مَا قَصده قَاصد فخاب وَلَوْلَا أَنه كَانَ عسوفا لَكَانَ من أخيار النَّاس ظَاهرا وَبَاطنا وَله مَكَارِم يطول تعدادها مِنْهَا مَا أَخْبرنِي وَالِدي عَن الْفَقِيه أبي بكر السرددي أَنه قَالَ كنت بلحج أعلم لبَعض أعيانها فَجرى فِي بعض الْأَيَّام ذكر أبي نواس ثمَّ ذكر أبياته ذَوَات الكافات الثَّلَاث الَّتِي يَقُول فِيهَا ... انعمي بِالرِّضَا يَا سيدتي ... وامنحينا عسلا من عككك
مَا على أهلك مَا ضرهم ... لَو مشينا سَاعَة فِي سككك
لَيْتَني المسواك أَو يَا لَيْتَني ... تكة منقوشة من تككك ... وَكنت فِي مجْلِس بِهِ جمَاعَة يتعانون الْأَدَب فَكل مِنْهُم ادّعى أَنه يُطيق مشابهتها فَلم يطيقوا حَتَّى قلت أبياتا مِنْهَا ... يَا دَار سلمى لَيْتَني ... دكة مفروشة من دككك ... من روى الأبيات للجزري فَقدر أَنِّي دخلت عدن وَعرضت لي حَاجَة إِلَى الْجَزرِي فَكتبت إِلَيْهِ بِسَبَبِهَا فحين وقف على رقعتي استدعاني فَلَمَّا قربت مِنْهُ حياني وأكرمني وسألني الأبيات فرويتها لَهُ وَكَانَ تِلْكَ السّنة قد حج المظفر وهم فِي عمل مدارية ونسميها فِي الْجبَال شجمات وَقد تسمى أراجيح وَعمل غَالب أَعْيَان أهل عدن كل وَاحِد مِنْهُم شجمة شَيْء يعْتَاد أهل الْيمن عمله لمن حج أول حجَّة وَعند نصبها إِذا كَانَت لرجل ذِي رئاسة قَامَ الشُّعَرَاء بأشعار يمدحون عَملهَا أَو من عملت لَهُ وضبطها بلغَة تهَامَة بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ خفض الرَّاء ثمَّ يَاء مثناة من
стр. 385
تَحت ثمَّ هَاء واحدتها مدروهه وبلغة أهل الْجَبَل بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم الْمُعْجَمَة وَالْمِيم ثمَّ هَاء سَاكِنة فَعمل الْجَزرِي مِنْهَا شَيْئا باسم السُّلْطَان وَاجْتمعَ النَّاس حوله فَأَرَادَ الشُّعَرَاء الْقيام وَقد كَانَ أَشَارَ إِلَيّ أَن أكون من جُمْلَتهمْ فَأمر من ناداني يَا فَقِيه أَبَا بكر يَا سرددي فأجبت فَقَالَ ادخل فَلَمَّا دخلت مقَامه قَالَ هَات مَا عملت فَقُمْت بقصيدتي فِي السُّلْطَان فَرمى عَليّ كسْوَة جَيِّدَة ثمَّ تشبه بِهِ جمَاعَة من التُّجَّار ثمَّ رمى لي بِدَنَانِير ذهب فأمال الْحَاضِرُونَ على شَيْء كثير من الذَّهَب وَالْفِضَّة حَتَّى اجْتمع لي كثير من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْكِسْوَة وَبِالْجُمْلَةِ مكارمه كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته لنيف وَسِتِّينَ وسِتمِائَة حُكيَ أَن المظفر لما بلغه شدَّة وَجَعه أَمر إِلَيْهِ يخبر بَاطِنه ويعده بِالْخَيرِ أنْشد
وجادت بوصل حِين لَا ينفع الْوَصْل ... نرْجِع إِلَى تَتِمَّة فُقَهَاء ذِي أشرق مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن الْفَقِيه القَاضِي مُحَمَّد بن أسعد مقدم الذّكر مولده ثامن عشر جُمَادَى الْأُخْرَى سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ولي قَضَاء عدن أَيَّامًا ثمَّ كاده تَاجر يُقَال لَهُ ابْن نكاس بِأَن كذب عَلَيْهِ إِلَى الْملك المظفر فَحَمله على الصدْق وَأمر القَاضِي البهآ أَن يعزله وَلم يفلح التَّاجِر بعد ذَلِك بل أخرجه الله من عدن وَأَسْكَنَهُ بَين الْكفَّار بِالْهِنْدِ وَصَارَ غُلَاما لملك مِنْهُم إِلَى أَن توفّي هُنَالك على حَال غير مرضية عِنْد ذَوي الدّين وَالدُّنْيَا وَأما عبد الرَّحْمَن فَإِنَّهُ لما انْفَصل من عدن وَكَانَ ذَا عبَادَة وزهادة واجتهاد فِي الْعلم وَشهر بذلك كرهه بعض أهل الْوَقْت وكاده إِلَى أهل سير الْقُضَاة فكرهوه وَظهر لَهُ مِنْهُم ذَلِك فلاذ بِالْملكِ الْأَشْرَف بن المظفر توقيا لشرهم فَجعله وزيرا لَهُ وَأحسن إِلَيْهِ فَلم يزل مَعَه مجللا حَتَّى توفّي آخر يَوْم من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة
وَمِنْهُم عَليّ بن عمر بن مَسْعُود ابْن أخي القَاضِي مَسْعُود الَّذِي تقدم ذكره وَأَنه كَانَ جيدا صَالحا ولي قَضَاء صنعاء بُرْهَة من الدَّهْر وَكَانَ القَاضِي عمر بن مَسْعُود أَخَاهُ لأمه فاستعفى الْمَنْصُور وَكَانَ إِذْ ذَاك مراهقا وَسَيَأْتِي ذَلِك مَعَ ذكره إِن شَاءَ الله وَحج هَذَا عَليّ بن عمر وَعَاد إِلَى زبيد فَتوفي بهَا فِي شهر صفر سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة
وَمِنْهُم عبد الله بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل المأربي الْآتِي ذكره كَانَ فَقِيها صَالحا متعبدا ورعا زاهدا متقللا رأى لَيْلَة الْقدر مرَارًا فَقَالَ لَهُ وَلَده يَا أبي بِاللَّه إِذا رَأَيْت لَيْلَة
стр. 386
الْقدر فأدع الله أَن يفتح علينا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ أُفٍّ لَك يَا بني رَأَيْتهَا نيفا وَعشْرين مرّة مَا سَأَلت الله شَيْئا من أُمُور الْآخِرَة فَكيف أسأله أُمُور الدُّنْيَا لقد كنت أعدك رجلا وَكَانَت وَفَاته بِذِي أشرق على الطَّرِيق المرضي وَلما دنت وَفَاة القَاضِي عبد الرَّحْمَن مقدم الذّكر أوصى أَن يدْفن إِلَى جنبه لما يَعْتَقِدهُ فِيهِ من الصّلاح
وَمِنْهُم أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان الملقب بالجنيد مُحَمَّد بن أسعد بن هَمدَان بن يعفر بن أبي النهى مولده سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة وَذَلِكَ بقرية العدن من بلد صهْبَان وَكَانَ وَالِده فَقِيها فَاضلا تفقه بِمُحَمد بن عَليّ الْحَافِظ العرشاني وأصل بلدهم ريمة المناخي وَسكن الْقرْيَة الْمَذْكُورَة وَعنهُ أَخذ ابْنه وَتُوفِّي بِهَذِهِ الْقرْيَة سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَأما ابْنه هَذَا فَكَانَ سيدا نبيلا وامتحن بِقَضَاء مدينتي الْيمن عدن وزبيد ثمَّ عوفي من الْجَمِيع وَذكر بَعضهم أَنه إِنَّمَا امتحن بذلك لِأَنَّهُ عَابَ بعض حكام زَمَانه فِي شَيْء مِمَّا هُوَ بِهِ فَقيل لَهُ سنذيقك مَا ذاق فَلَمَّا امتحن بِقَضَاء عدن اسْتغْفر الله تَعَالَى وَتَابَ ثمَّ عزل نَفسه وَعَاد بَلَده فَقيل لَهُ عَاد لَك قَضَاء زبيد فامتحن بِهِ ثمَّ عزل نَفسه وَعَاد بَلَده ثمَّ انْتقل إِلَى ذِي أشرق وَكَانَ الزَّاهِد العابد مَقْصُودا للزيارة مَشْهُورا باستجابة الدعْوَة حَتَّى أَن الْفَقِيه عمر بن سعيد العقيبي الْآتِي ذكره كَانَ كثيرا مَا يزوره وَيَأْمُر أَصْحَابه بزيارته فَذكرُوا أَنه زَارَهُ مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابه فَلَمَّا وصلوه لم يزدهم على الْقيام وَهُوَ على مُصَلَّاهُ والمصافحة لَهُم وأقعدهم وقعدوا وتحدثوا سَاعَة ثمَّ سَأَلَهُ الْفَقِيه الدُّعَاء فَمد يَده ودعا ثمَّ وادعهم وفارقوه وَكَانُوا وَقت وصلوا إِلَيْهِ مَعَهم فاقة فحين خَرجُوا قَالُوا نجد فِي نجد المحرس أَو نجد العكايف الطَّعَام يُبَاع فنشتري مِنْهُ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الْمَوْضِعَيْنِ لم يَجدوا بهما شَيْئا من الطَّعَام وأمضهم الْجُوع والتعب فعتب غالبهم على الْفَقِيه الْجُنَيْد كَونه لم يُطعمهُمْ حَتَّى أَرَادَ بَعضهم أَن يَقُول لَو كَانَ الْجُنَيْد يطعم الطَّعَام لَكَانَ أفضل لَهُ من الْعِبَادَة فزجره الْفَقِيه عمر عَن الْكَلَام وَقَالَ مهلا الْمَوْضُوع مَحْفُوظ ثمَّ لم يصل الْفَقِيه ذَا عقيب إِلَّا وَأَصْحَابه قد كَادُوا يهْلكُونَ جوعا فأدخلهم بَيته وأتاهم بِطَعَام فأكلوه ثمَّ بعد أَيَّام عزم على إِعَادَة الزِّيَارَة فَأمر أَصْحَابه الَّذين خَرجُوا مَعَه أَولا أَن يخرجُوا مَعَه ثَانِيًا فَأَجَابُوهُ وَسَارُوا مَعَه على كره إِذْ لَا يَسْتَطِيعُونَ خلاف الْفَقِيه بعد أَن احتملوا طَعَاما مَعَهم وَسَارُوا فَلَمَّا دنو من ذِي
стр. 387
أشرق خرج الْفَقِيه فَلَقِيَهُمْ وَسلم عَلَيْهِم سَلاما مكملا بالبشر والأنس وَصَارَ كلما مر مِنْهُم ثَلَاث أَربع خطوَات أقبل عَلَيْهِم ورحب بهم وَأهل وَسَهل ثمَّ أدخلهم منزله وأتى لَهُم بِطَعَام كثير فَأَكَلُوا حَتَّى اكتفوا فَلَمَّا غسلوا أَيْديهم سَأَلُوهُ أَن يَدْعُو لَهُم فَدَعَا لَهُم ثمَّ استودعوه وَخَرجُوا عائدين فَقَالَ الْفَقِيه عمر لأَصْحَابه فِي أثْنَاء الطَّرِيق مَا بَقِي سُلَيْمَان يتْرك الْإِطْعَام أبدا وَكَانَت لَهُ كرامات يجل قدرهَا عَن الْحصْر وببركته وإشارته عمل الطواشي مُخْتَصّ المطاهير بِجَامِع ذِي أشرق وَكَانَت وَفَاته على الْحَال المرضي بالقرية الْمَذْكُورَة حَيْثُ انْتقل ظهر الْأَرْبَعَاء منتصف صفر من سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وقبر بالعدينة حَيْثُ قبر بَنو الإِمَام وَهِي بِفَتْح الْعين وخفض الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَهِي مَقْبرَة كَبِيرَة قديمَة شَرْقي الْقرْيَة فقبر بهَا جمع من الأخيار وَخَلفه ولدان أدركتهما أَحْمد أكبرهما وَكَانَ متعبدا يحب الْعُزْلَة وَهُوَ مَوْجُود فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَالْآخر اسْمه عمر تفقه بِسَعِيد العودري الْآتِي ذكره وَكَانَ هُوَ السَّبَب فِي انْتِقَاله إِلَى ذِي أشرق وَكَانَ صَالحا ذَا كرامات وَكَانَت وَفَاته ثامن الْمحرم من سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة وقبر إِلَى جنب قبر أَبِيه فِي الْمقْبرَة الْمَذْكُورَة
وَمِنْهُم أَبُو الْحسن عَليّ بن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مَنْصُور الْجُنَيْد الَّذِي ذكره ابْن سَمُرَة وَقَالَ توفّي بالسرين عَائِدًا من الْحَج كَانَ عَليّ هَذَا تقيا خيرا تفقه بِحسن بن رَاشد وبعمر بن يحيى وَالْإِمَام مقدم الذّكر وَغَيره ثمَّ امتحن بِقَضَاء ذِي أشرق وَإِلَيْهِ انْتهى تدريسها فَذكرُوا أَنه كَانَ يَوْمًا بِمَجْلِس التدريس إِذْ قَالَ لأَصْحَابه الْيَوْم نَحن فُقَهَاء وَغدا نَكُون صوفية فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي قدم إِلَيْهِ رجل من أهل بعدان صوفي من أَصْحَاب الشَّيْخ عمر بن المسن يُقَال لَهُ حبريل فَقَالَ لَهُ يَا عَليّ كن مَعنا وَمد إِلَيْهِ يَده فَحكمه ثمَّ نَصبه شَيخا وَأذن لَهُ فِي التَّحْكِيم وَكَانَ الْفَقِيه أَبُو بكر التعزي إِذْ ذَاك فِي أول ظُهُوره وتعرضه للشهرة وتظاهره بِصُحْبَة الصُّوفِيَّة ومحبتهم وَهُوَ شَاب فوصل إِلَى هَذَا الْفَقِيه وتتلمذ لَهُ فِي التَّوَاضُع وَكَانَ من أظرف النَّاس فِي اجتلاب الْقُلُوب عَلَيْهِ فَأَحبهُ الْفَقِيه على أَنه صَار يتواضع لَهُ ويعظمه ثمَّ جلبه إِلَى تعز وتلطف لَهُ بتدريس الْمدرسَة الأَسدِية بمغربة تعز فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَنزل فدرس بهَا
стр. 388
مُدَّة وَعجب النَّاس من ذَلِك أَشد الْعجب إِذْ كَانُوا يرَوْنَ الْفَقِيه لَو تعرض عَلَيْهِ الْخلَافَة لأعرض عَنْهَا وَعَلمُوا أَن ذَلِك سَلامَة بَاطِن مِنْهُ واستدراج من الْفَقِيه أبي بكر وَلم يزل على تدريس الْمدرسَة الْمَذْكُورَة حَتَّى توفّي مستهل الْحجَّة من سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة بعد بُلُوغ عمره أَرْبعا وَخمسين سنة
وَمِنْهُم أَبُو الْخطاب عمر بن سعيد بن مُحَمَّد بن عَليّ الربيعي الكعومي الجميلي مولده على رَأس سِتّمائَة وَكَانَ فَقِيها مُحدثا أَخذ عَن أَخِيه لأمه عَليّ بن عمر مقدم الذّكر وَعَن غَيره من الْعلمَاء الَّذين يجْتَمع مَعَهم بِصَنْعَاء وَغَيرهَا من بِلَاد الْيمن عرضت ولَايَته لقَضَاء صنعاء حِين عزل أَخُوهُ نَفسه وَاعْتذر وَكَانَ من أفْصح النَّاس الْخطْبَة وَأَحْسَنهمْ رِوَايَة للْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَمَتى حضر مَجْلِسا لم يبْق لأحد فِيهِ قدر يتَكَلَّم بِشَيْء دونه وَكَانَ حَافِظًا للفقه وَالتَّفْسِير لَدَيْهِ معرفَة بالفقه لائقة وَكتب إِلَى المستعصم آخر خَليفَة بِبَغْدَاد يسْأَله أَن يَأْذَن لَهُ فِي الحكم بِصَنْعَاء ونواحيها فوصله خطه بذلك فَكَانَ القَاضِي الْبَهَاء لَا حكم لَهُ فِي شَيْء من تِلْكَ النواحي من رَأس نقِيل صيد حَتَّى تجَاوز عمل السُّلْطَان المظفر إِلَى خلف صنعاء فَكَانَت بَينهمَا بذلك مكارهة وَكَانَ يهم بحرقه وَكسر حرمته فَلم يسْتَطع ذَلِك وَكَانَ هَذَا القَاضِي مَعَ اشْتِغَاله بِالْقضَاءِ راتبه كل يَوْم ثلث الْقُرْآن وَكَانَ رزقه على الْقَضَاء ورزق حكام الْجِهَة من الْجِزْيَة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي فَلذَلِك صَار مُنْذُ توفّي آمُر الْجِزْيَة يسْتَند عَلَيْهِ الْقُضَاة الأكابر كقضاء الْقُضَاة والوزراء إِلَى عصرنا وَكَانَ حسن السياسة أَحْكَامه كَمَا شَرط لينًا من غير ضعف قَوِيا من غير عنف مَعَ كَثْرَة صِيَام وَقيام وَكَانَ متعصبا للسّنة مجانبا لأهل الْبِدْعَة وَكَانَ المظفر يعظمه ويجله وَبِذَلِك عجز القَاضِي الْبَهَاء عَن إِسْقَاطه وَلم تزل جِزْيَة الْيَهُود وجامكية من جَاءَ مَعَه إِلَى أَن هلك فَأخذ بَنو عمرَان الْجِزْيَة إِلَيْهِم وَجعلُوا لحَاكم كل بلد جامكية من الْوَقْف وَرُبمَا جَعَلُوهُ من مَال الدِّيوَان واستمروا على ذَلِك هم وكل وَزِير جَاءَ بعدهمْ فَصَارَ الْحُكَّام هُنَالك يَأْخُذُونَ مَا لَا يحل لَهُم وَيمْنَعُونَ مَا هُوَ لَهُم حَلَال فَهَذِهِ سنة رتبها بَنو عمرَان غَالِبا واحترزت
стр. 389
بالغالب عَن الْبِلَاد اليمنية كإب وجبلة والجند وتعز وَنَحْوهَا فَإِن تَغْيِير ذَلِك كَانَ من المظفر كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه مَعَ القَاضِي عَبَّاس بِذِي جبلة وَكَانَ هَذَا القَاضِي لَهُ جاه جيد عِنْد مُلُوك بني رَسُول وأمرائهم وَكَانُوا محسنين إِلَيْهِ وَكَانَ ذَا دنيا متسعة اتساعا كليا اشْترى أَرضًا كَثِيرَة فِي السحول والشوافي وَغَيرهمَا وَكَانَ كثيرا مَا ينزل وَيقف عِنْدهَا ويستوطن أشهرا بِمَدِينَة إب وَغَيرهَا من الْيمن الْأَوْسَط وَمن عَجِيب مَا جرى لَهُ أَنه كَانَ قَاعِدا مَعَ الْأَمِير الشّعبِيّ فِي دَار السُّلْطَان بِصَنْعَاء إِذْ خرب عَلَيْهِم الدَّار وَمَعَهُمْ جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن حَاتِم وَأَخُوهُ وَمُحَمّد بن بدر صهر الشّعبِيّ فَمَاتَ الْجَمِيع لم يخرج مِنْهُم أحد من تَحت الْهدم وَهلك الْبَاقُونَ غير هَذَا القَاضِي وَمُحَمّد بن حَاتِم الْهَمدَانِي فَكَانَ القَاضِي يَقُول لما تهور الدَّار رَأَيْت رجلا كَبِير السن قد التقى عني خَشَبَة وَسُحْقًا سقفهما عَليّ فَلم يصلني الْهدم فَقلت لَهُ من أَنْت الَّذِي من الله عَليّ بك فِي هَذَا الْوَقْت فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا على الْقَضَاء بِمَدِينَة صنعاء سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَقد أَخذ عَنهُ جمَاعَة من أهل صنعاء وَغَيرهم وَله ذُرِّيَّة كَثِيرَة لم يقم أحد مِنْهُم مقَامه وَهُوَ أَكثر الْقُضَاة ذُرِّيَّة وَأَكْثَرهم رواجا فِي صنعاء وإب وَغَيرهمَا
وَمِنْهُم عمر بن مُحَمَّد بن عَليّ الجرهمي من قوم بالقرية يُقَال لَهَا الجراهمة تفقه بِعَبْد الله بن الإِمَام مقدم الذّكر وبعلي الْجُنَيْد ولي قَضَاء ذِي أشرق وَكَانَ فرضيا عَارِفًا بِعلم الْمَوَارِيث وَتُوفِّي بهَا سنة خمس وسِتمِائَة
وَمِنْهُم سعيد بن عمرَان بن سُلَيْمَان العودري تفقه بشيخي أبي الْحسن الأصبحي الْآتِي ذكره وَكَانَ قد انْتقل من الذنبتين ودرس بمدرسة الْحرَّة حلل الَّتِي تقدم ذكرهَا مَعَ ذكر عَليّ بن يحيى الْأَمِير وَكنت لَهُ الْوَاسِطَة بذلك مَعَ القَاضِي عبد الله بن أسعد بمكاتبة شَيْخي لَهُ فَلبث بهَا سِنِين قَلَائِل وَنقل الْفَقِيه عمر بن الْفَقِيه سُلَيْمَان الْجُنَيْد الْمُقدم ذكره إِلَى ذِي أشرق لِأَنَّهُ كَانَ رَاغِبًا فِي قِرَاءَة الْعلم عَلَيْهِ إِذْ قَامَ مُدَّة يخْتَلف إِلَيْهِ من ذِي أشرق إِلَى الْمدرسَة ثمَّ صَعب ذَلِك على الْفَقِيه عمر فَجعل لَهُ سَببا من وقف مَعَهم بِذِي أشرق نظرهم عَلَيْهِ وَهُوَ من وقف الطواشي مُخْتَصّ فانتقل الْفَقِيه إِلَى ذِي أشرق وزهد بِالْمَدْرَسَةِ وَلم يزل سَاكِنا بِذِي أشرق حَتَّى توفّي عقيب موت شَيْخه أبي الْحسن بأيام وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة فِي الْمحرم وقبره بالمقبرة الْمَذْكُورَة مَعَ
стр. 390
الْفُقَهَاء وأصل بَلَده جبل يُقَال لَهُ الْعود بِعَين مُهْملَة مَفْتُوحَة بعد ألف وَلَام وَسُكُون الْوَاو ثمَّ دَال مُهْملَة وَكَانَ أَحْمد بن عبد الله اليحيوي بهَا ودرس وَكَانَ ذَاكِرًا للفقه فَاضلا توفّي لنيف وَسَبْعمائة ثمَّ درس بهَا يحيى بن مُحَمَّد بن أبي الرجا ثمَّ آخر من تحققته الْفَقِيه حسن بن مُحَمَّد العماكري انْتفع بِهِ جمَاعَة من أهل الْقرْيَة وَتُوفِّي على ذَلِك بقريته على مَا سَيَأْتِي تَارِيخه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَذكر ابْن سَمُرَة جمَاعَة فِي الطّلبَة أَيْضا مِنْهُم أَحْمد بن مقبل ذكره مَعَ ذكر ابْن أبي الْيَقظَان الْمَذْكُور فِي أهل السفال وَعبد الله بن زيد العريقي
فَأَما أَحْمد فَهُوَ ابْن الْفَقِيه مقبل الدثيني مقدم الذّكر مولده سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة بِذِي أشرق سكنها مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى مَوضِع يُسمى عرج وزن فعل بِفَتْح الْعين اشْتَرَاهُ وَهُوَ أول من أسس قريته وتفقه بِالْإِمَامِ سيف السّنة وَيزِيد بن عبد الله الزبراني وَغَيرهمَا وَكَانَ فَقِيها حَافِظًا محققا مدققا وتصنيفه لكتاب الْجَامِع يدل على ذَلِك وَبِه تفقه جمَاعَة مِنْهُم عمر بن الْحداد والشكيل وابناه مُحَمَّد وَأَبُو بكر وَكتابه الَّذِي صنفه مَوْجُود مَعَ ذُريَّته بالموضع الْمَذْكُور وَله فِي أصُول الْفِقْه كتاب سَمَّاهُ الْإِيضَاح وَله شرح الْمُشكل من كتاب اللمع وَكتابه الْجَامِع فِي أَرْبَعَة مجلدات كبار يزِيد حجمه على الْمُهَذّب وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء الَّذين ذكرت ذَرَارِيهمْ بِحَيْثُ أَن ذُريَّته الْآن تزيد على الْأَرْبَعين رجلا سوى النِّسَاء وهم مجتمعون بالموضع فيهم خير يقومُونَ بالوارد إِلَيْهِم لَكِن شغلوا بالأزدراع وَغَيره من أُمُور الدُّنْيَا وامتحن هَذَا أَحْمد بِقَضَاء عدن وَعَاد بَلَده فَتوفي بهَا سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَخَلفه ابْنه مُحَمَّد مولده سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة تفقه بِأَبِيهِ كَمَا قدمنَا وَهُوَ أحد مدرسي الْمدرسَة المنصورية بالجند وتفقه بِهِ جمَاعَة من أَهلهَا وَعَاد بَلَده فَتوفي بهَا سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة فقبر إِلَى جنب قبر أَبِيه وَله أَخ اسْمه أَبُو بكر مولده سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ فَقِيها فَاضلا وخطيبا كَامِلا ولي خطابة زبيد سِنِين ثمَّ توفّي بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ خَلفه بقريتهم ابْن لَهُ اسْمه عبد الله بن أبي بكر مولده سنة ثَمَان وسِتمِائَة وتفقه بجده أَحْمد وزميله فِي الدَّرْس عمر بن الْحداد الْآتِي ذكره وَعرض عَلَيْهِ بَنو عمرَان أَن يتَوَلَّى قَضَاء عدن حَيْثُ كَانَ جده فكره وَامْتنع وَكَانَت وَفَاته بقريته الْمَذْكُورَة فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى
следующие страницы →