← Тараджим

Тараджим · id 6668

السلوك في طبقات العلماء والملوك

الجندي، بهاء الدين

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْحَنَابِلَة وَله تارخ أَيْضا أَخذه عَنهُ الإِمَام أَيْضا وَأَخذه غَيره عدَّة مفرقات وَهُوَ أحد أَئِمَّة الْأَمْصَار الْمَعْدُودين توفّي بِصَنْعَاء غَالِبا سنة اثْنَتَيْ عشرَة ومئتين وَقد عرض مَعَ ذكره جمَاعَة من أَعْيَان النَّاس الْعلمَاء فأذكر من أَحْوَالهم بعض مَا صَحَّ مَعَ ذكر تواريخهم فَمنهمْ همام وسُفْيَان وَابْن جريج أحد من أَخذ عَنْهُم فسفيان هُوَ أَبُو عبد الله سُفْيَان بن شُعْبَة بن مَسْرُوق بن حبيب بن رَافع بن عبد الله بن موهبة بن منقذ بن نصر بن الحكم بن الْحُوَيْرِث بن مَالك بن ملكان بن ثَوْر بن عبد مَنَاة الثَّوْريّ نِسْبَة إِلَى جده هَذَا ثَوْر مولده سنة خمس وَقيل سبع وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة مَعْدُود من أكَابِر الْأَئِمَّة من أهل الْأَمْصَار على الْعُمُوم وَمن أهل الْكُوفَة على الْخُصُوص وَيُقَال لَهُ الْكُوفِي أَيْضا لِأَنَّهَا بِلَاده ومنشأه أجمع النَّاس على دينه وورعه وزهده وثقته وَهُوَ أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قَالَ ابْن عُيَيْنَة مَا رَأَيْت رجلا أعلم بالحلال وَالْحرَام من سُفْيَان وَيُقَال إِن الشَّيْخ الْجُنَيْد كَانَ على مذْهبه وَالأَصَح أَنه كَانَ على مَذْهَب أبي ثَوْر وَقَالَ ابْن الْمُبَارك لَا نعلم على وَجه الأَرْض أعلم من سُفْيَان الثَّوْريّ وَكَانَ رَأس النَّاس فِي زَمَانه وَقَبله الشّعبِيّ وَقَبله ابْن عَبَّاس وَقَبله عمر وَمُسْنَده عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي وَالْأَعْمَش وَمن فِي طبقتهما وَسمع مِنْهُ الْأَوْزَاعِيّ وَابْن جريج وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَمَالك وَتلك الطَّبَقَة وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ متواريا عَن السُّلْطَان وَذَلِكَ سنة إِحْدَى

стр. 72

وَسِتِّينَ ومئة فِي خلَافَة الْمهْدي دخل فِي أَيَّام تواريه على جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق فَقَالَ لَهُ يَا سُفْيَان أَيْن تدخل وَالسُّلْطَان يطلبك وَنحن نتوقاه قَالَ حَدثنِي حَتَّى أخرج عَنْك قَالَ حَدثنِي أبي عَن جدي قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ من أنعم الله عَلَيْهِ فليشكر الله وَمن استبطأ الرزق فليستغفر الله وَمن أحزنه أَمر فليكثر من لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَدفن عشَاء ﵀ وَلم يعقب وَالثَّوْري بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَبعدهَا وَاو سَاكِنة ثمَّ رَاء ثمَّ يَاء نِسْبَة إِلَى بطن من تَمِيم وَثمّ ثوري آخر إِلَى بطن من بطُون هَمدَان وَأما ابْن جريج فَهُوَ أَبُو الْوَلِيد عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْقرشِي بِالْوَلَاءِ الْمَكِّيّ وجريج بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ جِيم أَيْضا وَكَانَ عبدا لآل أم حبيب بنت جُبَير مولده سنة ثَمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ وَكَانَ معدودا فِي أَعْيَان عُلَمَاء مَكَّة وَيُقَال إِنَّه أول من صنف الْكتب فِي الْإِسْلَام قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق ابْن جريج مَا دون هَذَا الْعلم تدويني أحد جالست عَمْرو بن دِينَار بَعْدَمَا فرغت من عَطاء سبع سِنِين وَقَالَ لم يغلبني أحد على يسَار عَطاء عشْرين سنة قيل فَمَا مَنعك من يَمِينه قَالَ كَانَت قُرَيْش تغلبني عَلَيْهِ وَدخل أَيْضا الْيمن كسفيان ووفد على ابْن زَائِدَة فَأكْرمه وَأحسن إِلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَخمسين ومئة وَأما همام فقد سبق ذكره فِي أول طبقته

стр. 73

وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وقصده إِلَى صنعاء جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبد الله أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هِلَال بن أَسد بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حَيَّان بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت مشدودة ثمَّ ألف ثمَّ نون بن عبد الله بن سِنَان الشَّيْبَانِيّ نِسْبَة إِلَى جده هَذَا الْمَرْوِيّ الأَصْل خرجت بِهِ أمه حَامِلا بِهِ من مرو فولدته بِبَغْدَاد فِي أحد الربيعين من سنة أَربع وَسِتِّينَ ومئة وبلغه عَن إِبْرَاهِيم بن أبان الْآتِي ذكره فِي عدن فضل فقصده فَلم يجده كَمَا قيل فَقَالَ فِي سَبِيل الله الدريهمات الَّتِي أنفقناها فِي السّفر إِلَى إِبْرَاهِيم ثمَّ قدم إِلَى عبد الرَّزَّاق فِي صنعاء فَأخذ عَنهُ وَأقَام عِنْده مُدَّة وَسُئِلَ عَنهُ عبد الرَّزَّاق فَقَالَ مَا رَأَيْت أفقه مِنْهُ وَلَا أورع مِنْهُ بَلغنِي أَن نَفَقَته نفدت وَأَنه أكرى نَفسه من الحمالين حَتَّى قدم صنعاء فَأخذت عشرَة دَنَانِير وخلوت بِهِ وَقلت لَهُ إِنَّه لَا يجْتَمع عندنَا الدَّنَانِير وَقد وجدت مَعَ النِّسَاء عشرَة دَنَانِير فَخذهَا أنفقها فَإِنِّي أَرْجُو أَن لَا تنفد حَتَّى قد تهَيَّأ غَيرهَا فَتَبَسَّمَ وَقَالَ يَا أَبَا بكر لَو قبلت شَيْئا من النَّاس قبلت مِنْك وَأخذ عَن عبد الْملك الذمارِي وَقَالَ سَأَلته أَيْن بلد طَاوُوس فَقَالَ هُوَ من أهل الْجند وَكَانَ ذَا علم شهير وَفقه كثير أحد أَعْيَان الْإِسْلَام وفضلاء الْأَنَام وَكتابه الْمسند وَمَا جمع فِيهِ من الْأَحَادِيث الَّتِي لم تتفق لغيره يدلان على تميزه على سَائِر الْفُقَهَاء والمحدثين وَذكروا أَنه يحفظ ألف ألف حَدِيث وَلما قدم الشَّافِعِي بَغْدَاد صَحبه واختص بِهِ وَلما خرج من بَغْدَاد سُئِلَ عَن من خَلفه فِيهَا فَقَالَ مَا خلفت بهَا أتقى وَلَا أفقه من ابْن حَنْبَل ودعي إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَامْتنعَ وَحبس وَضرب لَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَى ثبوتا على نفي الْخلق عَنهُ وَكَانَ حسن الْوَجْه ربعَة يختضب بِالْحِنَّاءِ خضابا لَيْسَ بالقاني فِي لحيته شَعرَات سود أَخذ عَنهُ جمَاعَة من أَمْثَال مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يكن لَهُ فِي آخر عمره نَظِير فِي سَعَة الْعلم ودقة الْعَمَل إِلَى أَن توفّي نَهَار الْجُمُعَة لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الآخر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ومئتين

стр. 74

وَلما قبض صَاح النَّاس وعلت أَصْوَاتهم بالبكاء حَتَّى كَأَن الدُّنْيَا ارتجت وَلم يبْق أحد فِي جَانِبي بَغْدَاد إِلَّا حضر قبرانه غير أهل مَسْجِد الْحَارِث بن أَسد المحاسبي فهجروه على ذَلِك دهرا وحزر من حضر جنَازَته للصَّلَاة من الرِّجَال فَكَانُوا ثمانمئة ألف من النِّسَاء سِتِّينَ ألفا وَأسلم إِذْ ذَاك عشرُون ألفا من يَهُودِيّ وَنَصْرَانِي ومجوسي وَرَآهُ بعد ذَلِك من كَانَ يَصْحَبهُ وَعَلِيهِ حلتان خضراوان وعَلى رَأسه تَاج من نور وَهُوَ يتبختر فِي مشيته فَقَالَ يَا سَيِّدي مَا هَذِه المشية الَّتِي لم أكن أعرفهَا فِيك فَقَالَ الإِمَام مشْيَة الخدام فِي دَار السَّلَام إِن رَبِّي حاسبني يَسِيرا وحباني وقربني وأبلغني النّظر وتوجني بِهَذَا التَّاج وَقَالَ يَا أَحْمد هَذَا تَاج الْوَقار توجتك بِهِ لِقَوْلِك بِالْقُرْآنِ كَلَامي غير مَخْلُوق وَمِنْهُم ابْن رَاهَوَيْه أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن أبي الْحسن إِبْرَاهِيم بن مخلد بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي الْمروزِي مولده أحد شهور سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَقيل سنة سِتّ وَسِتِّينَ ومئة وراهويه لقب لِأَبِيهِ إِذْ ولد بطرِيق مَكَّة وَالطَّرِيق بِالْفَارِسِيَّةِ رَاه وويه بِمَعْنى وجد بِالطَّرِيقِ وَضَبطه بِفَتْح الرَّاء ثمَّ ألف ثمَّ هَاء سَاكِنة وواو مَفْتُوحَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ هَاء سَاكِنة وَقيل غَيره وَهَذَا أشهر ومخلد بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وَبعدهَا دَال مُهْملَة والحنظلي نِسْبَة إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك إِلَى فَخذ من تَمِيم والمروزي نِسْبَة إِلَى مَدِينَة عَظِيمَة بخراسان تعرف بمرو الشاهجان إِذْ هُنَاكَ مَدِينَة أُخْرَى تسمى مروروذ إِذْ بنيت على نهر فَإِن النَّهر بلغَة الْفرس الروذ والشاهجان زوج الْملك لِأَن الْملك الَّذِي بناها كَانَ مغرما بهَا فسميت بِهِ خرج من هَاتين المدينتين جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء فَلذَلِك أَحْبَبْت بيانهما وَقدر

стр. 75

الْمسَافَة بَينهمَا أَرْبَعُونَ فرسخا فالنسبة إِلَى مرو الشاهجان مروزي وَإِلَى مرو الروذ مروروذي لغَرَض الْفرق فَإِذا اجتمعتا قيل المروان وَذكر فِي الشّعْر كثيرا من ذَلِك قَول الأخطل حِين دخل على يزِيد بن الْمُهلب وَهُوَ فِي أسر الْحجَّاج ... أَبَا خَالِد ضَاقَتْ خُرَاسَان بعدكم ... وَقَالَ ذَوُو الْحَاجَات أَيْن يزِيد فَلَا قطرت بالمرو بعْدك قَطْرَة ... وَلَا أَخْضَر بالمروين بعْدك عود فَمَا لسرير بعد ملكك بهجة ... وَلَا لجواد بعد جودك جود ...

стр. 76

قَالَ ابْن خلكان كَانَ ابْن رَاهَوَيْه أحد أَئِمَّة الْإِسْلَام عده الدَّارَقُطْنِيّ فِيمَن روى عَن الشَّافِعِي وعده الْبَيْهَقِيّ فِي أَصْحَابه وَكَانَ قد نَاظر الشَّافِعِي ثمَّ اعْترف بفضله فنسخ كتبه وَجمع مصنفاته بِمصْر وَكَانَ من أعرف النَّاس بِالْحَدِيثِ حَتَّى قيل كَانَ يحفظ سبعين ألف حَدِيث وَمَا سمع شَيْئا قطّ إِلَّا حفظه وَلَا حفظ شَيْئا قطّ فنسيه سكن بنيسابور فِي آخر عمره فَتوفي بهَا لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ ومئتين وَمِنْهُم عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ وَهُوَ مَعْدُود فِي أَصْحَاب الإِمَام الشَّافِعِي كتب عَن الشَّافِعِي كتاب الرسَالَة وَحمله إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الْمهْدي فأعجب بِهِ نرْجِع حِينَئِذٍ إِلَى ذكر عُلَمَاء الْيمن الْمَوْجُودين فِي طبقَة عبد الرَّزَّاق فَمن أهل الْجند مُحَمَّد بن خَالِد وَهُوَ أحد شُيُوخ الشَّافِعِي وروى عَنهُ مَا رَوَاهُ عَن أبان بن صَالح عَن الْحسن عَن النَّبِي ﷺ لَا يزْدَاد الْأَمر إِلَّا شدَّة وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إدبارا وَلَا النَّاس إِلَّا شحا وَلَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على شرار النَّاس وَلَا مهْدي إِلَّا عِيسَى بن مَرْيَم قَالَ ابْن سَمُرَة روى هَذَا الْخَبَر عَن الشَّافِعِي يُونُس بن عبد الْأَعْلَى أحد أَصْحَابه وَلِهَذَا خرجه الْقُضَاعِي فِي كتاب الشهَاب وَكَانَ بعض الْفُقَهَاء يسْتَدلّ على أَن الشَّافِعِي دخل الْجند كَمَا دخل صنعاء بروايته عَن هَذَا مُحَمَّد بن خَالِد وَمِنْهُم يحيى بن وثاب الجندي أدْرك طَاوُوس وحَنْظَلَة وَغَيرهمَا وَمن صنعاء

стр. 77

عبد الله بن صَالح بن أبي غَسَّان الْكُوفِي سكن صنعاء إِلَى أَن توفّي بهَا وعد من فضلائها وَكَانَ مجيدا للْقِرَاءَة بِحرف حَمْزَة لَيْسَ بَينه وَبَينه غير رجلَيْنِ وَكَانَ يقْرَأ أَيْضا بِحرف عَاصِم وَكَانَ نَسِيج وَحده عبَادَة وفضلا وتعليما للخير خرج من صنعاء إِلَى سعوان لبَعض حَوَائِجه فرصده راصد فَإِذا بِهِ لم يتَوَضَّأ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة غير مرّة وَقت الظّهْر وَكَانَ يقرىء النَّاس سنة أَربع ومئتين وروى عَن عبد الحميد بن مَرْوَان بن سَالم عَن عبد الْملك بن أبي سُلَيْمَان عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أول مَا يجازى بِهِ العَبْد الْمُؤمن بعد مَوته أَن يغْفر لجَمِيع من شيع جنَازَته وَكَانَ يجيد الْقِرَاءَة بالطريقين الْمَذْكُورين وَمن أهل عدن جمَاعَة مِنْهُم أَبُو مَرْوَان الحكم بن أبان بن عَفَّان بن الحكم بن عُثْمَان الْعَدنِي أدْرك ابْن طَاوُوس بالجند فَأخذ عَنهُ وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي صفة الصفوة وَقَالَ كَانَ مشيخة يعْتَبر قَوْلهم يَقُولُونَ كَانَ الحكم بن أبان سيد أهل الْيمن وَكَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذا غَلبه النّوم ألْقى بِنَفسِهِ فِي الْبَحْر وَقَالَ أسبح لله مَعَ الْحيتَان وَأسْندَ عَن عِكْرِمَة وَغَيره وامتحن بِقَضَاء عدن وَكَانَ مَشْهُورا بِالْكَرمِ ومسجده الَّذِي كَانَ يقف فِيهِ من عدن هُوَ مَسْجِد أَبِيه الَّذِي يعرف عِنْد أهل عدن بِمَسْجِد أبان وَهُوَ أحد مَسَاجِد عدن الْمَشْهُورَة بِالْبركَةِ واستجابة الدُّعَاء فِي نجاح الْحَوَائِج وَبِه أَقَامَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل حِين قدم للأخذ عَن ولد هَذَا الْآتِي ذكره وَمِنْهُم أَخُوهُ المكبر بن أبان وَكَانَ حَال قدوم الإِمَام أَحْمد إِلَى عدن مَوْجُودا فَلَمَّا لم يجد إِبْرَاهِيم ابْن أَخِيه كَمَا بلغه قَالَ لهَذَا فِي سَبِيل الله الدريهمات الَّتِي أنفقناها إِلَى ابْن أَخِيك وَمِنْهُم ابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم بن الْفَقِيه الحكم مقدم الذّكر وَهُوَ الَّذِي قدم إِلَيْهِ

стр. 78

الإِمَام أَحْمد على السماع فَلم يجده كَمَا قيل وَقد ذكرت ذَلِك فِيمَا مضى وَكَانَ قدومه إِلَيْهِ لبضع وَتِسْعين ومئة وَمِنْهُم مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنِي كَانَ إِمَامًا فَاضلا كثير الْحَج حج سِتِّينَ حجَّة مَاشِيا على قَدَمَيْهِ أَخذ عَنهُ مُسلم بن الْحجَّاج وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَخرج عَنهُ مُسلم عدَّة أَحَادِيث فِي صَحِيحه وَهُوَ أجل شُيُوخ الْمفضل الجندي الْآتِي ذكره مَعَ جمع من الْيمن وَغَيرهم وَهَذَا ذكر من عرض ذكره مَعَ هَذَا الْفَقِيه أَوَّلهمْ مُسلم فَهُوَ مُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي كَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث شَيْخه البُخَارِيّ وَلم يثبت مَعَه فِي المحنة غَيره توفّي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ ومئتين وَقد بلغ عمره خمْسا وَخمسين سنة وَأما التِّرْمِذِيّ فَكَانَت وَفَاته برجب سنة سبع وَسبعين ومئتين وَقيل سنة خمس وَسبعين ومئتين وَلم يذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق غَيره وَالدَّارَقُطْنِيّ بِبَغْدَاد توفّي بهَا فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانِينَ ومئتين ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِنْهُم أَيمن بن نابل عده الْحَاكِم فِي أهل الْيمن سكن مَكَّة وَأدْركَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد أحد فُقَهَاء الْإِسْلَام السَّبْعَة الَّذين يَقُول فيهم

стр. 79

.. أَلا كل من لَا يَقْتَدِي بأئمة ... فقسمته ضيزى عَن الْحق خَارجه فخذهم عبيد الله عُرْوَة قاسما ... سعيدا سليمانا أَبَا بكر خَارجه ... وَقد تطلع نفس الْمطَالع إِلَى مَا شرطناه فِي غَالب الْكتاب من ذكر من عرض ذكره من الْأَعْيَان فأذكرهم على تَرْتِيب الْبَيْت الأول فأولهم عبيد الله كنيته أَبُو عبد الله واسْمه عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود الْهُذلِيّ عبد الله بن مَسْعُود الصَّحَابِيّ عَم أَبِيه عبد الله كَانَ إِمَامًا كَبِيرا ذَا فنون كَثِيرَة قَالَ بَعضهم أعلم من رَأَيْت سعيد بن الْمسيب وأغزرهم عُرْوَة وَلَا تعجز من عبيد الله بحرا إِلَّا وجدته كَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ ومئة وَقيل غير ذَلِك وَأما عُرْوَة فَهُوَ أَبُو عبد الله عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام مولده سنة سِتّ وَعشْرين قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز مَا أحد أعلم من عُرْوَة وَقَالَ الزُّهْرِيّ عُرْوَة بَحر لَا تكدره الدلاء توفّي سنة أَربع وَتِسْعين وَأما الْقَاسِم فَهُوَ أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق خَليفَة رَسُول الله ﷺ قَالَ مَالك كَانَ الْقَاسِم من فُقَهَاء هَذِه الْأمة توفّي سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ ومئة وَقيل سنة ثَمَانِي ومئة وَقد بلغ عمره سبعين سنة أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأما سعيد فَهُوَ أَبُو مُحَمَّد سعيد بن الْمسيب بن حزن بن أبي وهب المَخْزُومِي ولد لِسنتَيْنِ مضتا من خلَافَة عمر أَخذ عَن زيد بن ثَابت وجالس ابْن عَبَّاس وَابْن عَمْرو سعد بن أبي وَقاص وَدخل على عَائِشَة وَأم سَلمَة وَسمع عُثْمَان وعليا وَأخذ رِوَايَته المسندة عَن أبي هُرَيْرَة إِذْ تزوج ابْنَته وَقَالَ الْقَاسِم مقدم الذّكر هُوَ أعلمنَا وَسَيِّدنَا وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ أَو أَربع وَتِسْعين وَكَانَ يُقَال لهَذِهِ السّنة سنة الْفُقَهَاء لِكَثْرَة من مَاتَ بهَا مِنْهُم وَأما سُلَيْمَان فَهُوَ أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن يسَار مولى مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج رَسُول الله ﷺ وَأسْندَ عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأم سَلمَة وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَجَمَاعَة من الأكابر وَكَانَ المستفتي مَتى أَتَى سعيد بن الْمسيب قَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى سُلَيْمَان بن يسَار فَإِنَّهُ أعلم من بَقِي الْيَوْم كَانَت وَفَاته سنة مئة وَقيل سنة سبع ومئة

стр. 80

وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسبعين سنة وَأما أَبُو بكر فَهُوَ أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي واسْمه كنيته ولد فِي خلَافَة عمر وَكَانَ يُسمى براهب قُرَيْش لعظم عِبَادَته ونظافة هَيئته وَكَانَت وَفَاته سنة أَربع وَسبعين وَأما خَارِجَة فَهُوَ أَبُو زيد خَارِجَة بن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ أَعنِي أَبَاهُ وَكَانَ خَارِجَة جليل الْقدر أدْرك زمن عُثْمَان بن عَفَّان ولد فِي السّنة الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَقَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي بنيت سبعين دَرَجَة فَلَمَّا فرغت مِنْهَا تدهورت وَهَذِه السّنة لي سَبْعُونَ سنة قد أكملتها قَالَ فَمَاتَ فِيهَا وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ ووفاته سنة تسع وَتِسْعين وَقيل مئة هَؤُلَاءِ جملَة الْفُقَهَاء لَوْلَا كَثْرَة حَاجَة فُقَهَاء الْأمة إِلَى معرفتهم لما ذكرتهم وَحِينَئِذٍ نرْجِع إِلَى ذكر فُقَهَاء الْيمن فَمنهمْ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن سعد بن داذويه الأبناوي ولي قَضَاء صنعاء من قبل الْمَنْصُور وَكَانَ فَقِيها فَاضلا توفّي سنة ثَلَاث وَخمسين وَقيل إِحْدَى وَخمسين ومئة وَمِنْهُم عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن الأبناوي ثمَّ الذمارِي نِسْبَة إِلَى ذمار مَدِينَة على بعد مرحلَتَيْنِ من صنعاء وَهِي بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَالْمِيم ثمَّ ألف ثمَّ رَاء ولي الْقَضَاء من إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر الطَّالِبِيُّ حِين غلب على صنعاء ثمَّ لما قدم ابْن ماهان من قبل الْمَأْمُون نقل إِلَيْهِ أَن هَذَا عبد الْملك يكرههُ ويميل إِلَى الطَّالِبِيُّ فَقتله يَوْم الْجُمُعَة فِي شهر رَمَضَان سنة مئتين وألقاه قَتِيلا على وَجه الأَرْض ثَلَاثَة أَيَّام لم يدْفن ثمَّ دفن بعد ذَلِك وَقد أَخذ عَنهُ الإِمَام أَحْمد وَهُوَ الَّذِي سَأَلَهُ عَن بلد طَاوُوس وَقد مضى ذكر ذَلِك وَمِنْهُم هِشَام بن يُوسُف الأبناوي يعرف بِالْقَاضِي أدْرك معمرا وَأخذ عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن ابْن جريج مقدم الذّكر وَأخذ عَن عبد الله بن وهب بن مُنَبّه وَهُوَ أحد

стр. 81

شُيُوخ الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْيمن وَله فِي الصَّحِيحَيْنِ عدَّة أَحَادِيث وَأخذ عَنهُ يحيى بن معِين ولي قَضَاء صنعاء لمُحَمد بن خَالِد حِين قدم نَائِبا من قبل الرشيد وَذَلِكَ لنيف وَثَمَانِينَ ومئة وَلم أجد لَهُ تَارِيخا بل زَمَانه مَأْخُوذ من زمن الْبَرْمَكِي وَكَانَ لَهُ ابْن إسمه عبد الرَّحْمَن يعد فِي أهل الِاجْتِهَاد ذكره ابْن حزم المغربي وَكَانَ أَبوهُ هِشَام يؤم النَّاس مَعَ الْقَضَاء أَيْضا ومؤذنه عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد الْمَذْكُور أَقَامَ مُؤذنًا سبعين سنة فَمن عَجِيب مَا جرى أَن النَّاس بِصَنْعَاء أَقَامُوا شَهْرَيْن فاقدين للشمس لَا يعْرفُونَ الْأَوْقَات إِلَّا بِأَذَان هَذَا عَليّ بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ يعرفهَا بالوظائف حَتَّى كَانَ هِشَام يَقُول مَا أحد بِصَنْعَاء إِلَّا وَلِهَذَا عَلَيْهِ فضل إِذْ هُوَ السَّبَب لسُقُوط الْفَرْض عَمَّن سَمعه وَمن عَجِيب مَا جرى لَهُ أَنه لما حَضرته الْوَفَاة أوصى أَن يبْنى لحده بِلَبن قد أعده فِي الْبَيْت فَخَلا بِهِ بعض أَصْحَابه وَسَأَلَهُ فَقَالَ كنت إِذا عدت من الْخدمَة للجامع بسطت نطعا ونفضت ثِيَابِي عَلَيْهِ فَمَا اجْتمع من تُرَاب جمعته حَتَّى كثر فَضربت مِنْهُ هَذَا اللَّبن وَصَحب مَعَ هَذَا معمرا وَيُقَال لَهُ صَاحب معمر وَمِنْهُم أَيُّوب أَيُّوب مطرف بن مَازِن الْكِنَانِي بِالْوَلَاءِ وَقيل الْقَيْسِي أَيْضا بِالْوَلَاءِ وَضَبطه بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وخفض الرَّاء مَعَ التَّشْدِيد ثمَّ فَاء بعْدهَا حدث عَن ابْن جريج الْمُقدم ذكره وَغَيره وروى عَنهُ الإِمَام الشَّافِعِي حَيْثُ قَالَ رَأَيْت بعض حكام الْآفَاق يحلف على الْمُصحف وَقَالَ حَاجِب سُلَيْمَان كَانَ مطرف رجلا

стр. 82

صَالحا وَله عَنى بقوله قد كَانَ من حكام الْآفَاق يسْتَحْلف على الْمُصحف وَذَلِكَ عِنْدِي حسن وولايته للْقَضَاء أول مرّة من قبل رجل يُقَال لَهُ ابْن إِسْحَاق كَانَ نَائِبا لعَلي بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس وَذَلِكَ لنيف وَسِتِّينَ ومئة ثمَّ عزل بِهِشَام ثمَّ أَعَادَهُ حَمَّاد ثمَّ عَزله وَأعَاد هشاما وَتُوفِّي الْمطرف بمنبج وَقيل بالرقة فِي آخر أَيَّام الرشيد سنة إِحْدَى وَتِسْعين ومئة وَمِنْهُم أَبُو قُرَّة مُوسَى بن طَارق الزبيدِيّ نِسْبَة إِلَى الْمَدِينَة الْمَشْهُورَة فِي الْيمن كَانَ إِمَامًا كَامِلا لمعْرِفَة السّنَن والْآثَار وَكتابه فِيهَا يدل على ذَلِك وَهُوَ يروي عَن مَالك وَأبي حنيفَة والسفيانين وَمعمر وَابْن جريج وَلم يكن أهل الْيمن يعولون فِي معرفَة الْآثَار إِلَّا عَلَيْهِ وَذَلِكَ قبل دُخُول الْكتب الْمَشْهُورَة وعَلى سنَن معمر وَحصل لي من سنَن أبي قُرَّة كتاب يعجب لضبطه وتحقيقه قد قرىء على ابْن أبي ميسرَة بِجَامِع بلدي الْجند وَله عدَّة مصنفات غير السّنَن الْمَذْكُورَة مِنْهَا كتاب فِي الْفِقْه انتزعه من فقه مَالك وَأبي حنيفَة وَمعمر وَابْن جريج وَكَانَ يكثر التَّرَدُّد بَين بَلَده وعدن والجند ولحج وَله بِكُل مِنْهَا أَصْحَاب نقلوا عَنهُ السّنَن وشهروا بِصُحْبَتِهِ يَأْتِي ذكر من تحققته وَمن مسنداته عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سره أَن ينجيه الله من كريات يَوْم الْقِيَامَة فلينفس عَن مُعسر أَو ليَدع أدْرك نَافِعًا القارىء فَأخذ عَنهُ الْقِرَاءَة وَكَانَ صَاحبه عَليّ بن زِيَاد الْآتِي ذكره يَقُول رَأَيْت أَبَا قُرَّة طول مَا صحبته يُصَلِّي الضُّحَى أَربع رَكْعَات وَقد ينْسب إِلَى الْجند وَالْأول أصح وَكَانَت وَفَاته بزبيد سنة ثَلَاث ومئتين وَقد عرض مَعَ ذكره ذكر جمَاعَة من أَعْيَان

стр. 83

الْعلمَاء مِنْهُم أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت بن زوطا بن ماه مولى تيم الله بن ثَعْلَبَة مولده سنة ثَمَانِينَ تفقه بحماد بن أبي سُلَيْمَان الْأَشْعَرِيّ بِالْوَلَاءِ قَالَ الشَّافِعِي سُئِلَ مَالك هَل رَأَيْت أَبَا حنيفَة قَالَ نعم رَأَيْت رجلا لَو كلمك فِي هَذِه السارية وَأَرَادَ أَن يَجْعَلهَا ذَهَبا لقام بحجته وَقَالَ الشَّافِعِي من أَرَادَ التبحر فِي الْفِقْه فَهُوَ عِيَال على أبي حنيفَة ولوزم على الْقَضَاء فَامْتنعَ مرَارًا حَتَّى قيل إِنَّه مَاتَ فِي الْحَبْس بعد الضَّرْب وَهُوَ شَدِيد الِامْتِنَاع ووفاته بِبَغْدَاد سنة خمسين ومئة بعد أَن بلغ عمره سبعين سنة وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مَالك بن أنس بن مَالك بن أبي عَامر بن عَمْرو بن الْحَارِث بن غيمان بن جثيل بن عَمْرو بن الْحَارِث وَهُوَ ذُو أصبح الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الأصابح وَلَوْلَا خشيَة الإطالة لذكرت الْآبَاء أَكثر من ذَلِك لَكِن قد حقق ابْن أبي الصَّيف فِي مُخْتَصر مَجْمُوع أَنْسَاب الْأَئِمَّة فليبحث عَنهُ من أَرَادَهُ الأصبحي مولده سنة خمس وَتِسْعين من الْهِجْرَة أَخذ الْعلم عَن ربيعَة الرَّأْي قَالَ مَالك قل رجل أخذت عَنهُ الْعلم مَاتَ حَتَّى جَاءَنِي واستفتاني قَالَ الشَّافِعِي قَالَ لي مُحَمَّد بن الْحسن أَيهمْ أعلم صاحبنا أم صَاحبكُم يَعْنِي أَبَا حنيفَة وَمَالك فَقلت اللَّهُمَّ صَاحبكُم فَقلت ناشدتك الله من أعلم بِالْقُرْآنِ صاحبنا أَو صَاحبكُم فَقَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم فَقلت ناشدتك الله من أعلم

стр. 84

بِالسنةِ صاحبنا أم صَاحبكُم فَقَالَ اللَّهُمَّ صَاحبكُم قَالَ قلت لم يبْق إِلَّا الْقيَاس وَهُوَ لَا يكون إِلَّا على هَذِه الْأَشْيَاء وَفَاته سنة تسع وَسبعين ومئة قَالَ فِي عُلُوم الحَدِيث قبل الثَّمَانِينَ سنة ذكر ذَلِك لتحقيق الْآحَاد والأعشار لِئَلَّا يشْتَبه بالسبع وَلما كَانَ هَذَا أَبُو قُرَّة من أَئِمَّة الحَدِيث فِي الطَّبَقَة الْمُتَقَدّمَة مِنْهُم أَحْبَبْت إِيرَاد من لم يكن عرض ذكره مِنْهُم فقد مضى ذكر مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ فِي ذكر مُحَمَّد بن يحيى الْعَدنِي وَإِمَام الْجَمِيع أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ مولده يَوْم الْجُمُعَة بَين الظّهْر وَالْعصر وَذَلِكَ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال سنة أَربع وَتِسْعين ومئة وَظهر مِنْهُ القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَكَونه عبارَة فَانْقَلَبَ عَنهُ النَّاس وهموا بِهِ حَتَّى هرب عَن الْبَلَد وَمَات بقرية من قرى سمر قند تعرف بخرتنك بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة المضمومة ثمَّ رَاء سَاكِنة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون النُّون ثمَّ كَاف وَذَلِكَ يَوْم السبت مستهل شَوَّال سنة سِتّ وَخمسين ومئتين واشتمل صَحِيحه على سَبْعَة آلَاف حَدِيث وستمئة ونيف وَأما النَّسَائِيّ فَتوفي سنة ثَلَاث وثلاثمئة وَأما أَبُو دَاوُد فَهُوَ سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث بن إِسْحَاق بن بشير بن شَدَّاد بن عَمْرو بن عمرَان الْأَزْدِيّ السجسْتانِي مولده سنة اثْنَتَيْنِ ومئتين أحد حفاظ الحَدِيث وَلما جمع كِتَابه الْمَشْهُور بسننه وَفِيه أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وثمانمئة عرضه على الإِمَام أَحْمد فاستجاده وَاسْتَحْسنهُ وعده الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد من جملَة الْفُقَهَاء وَكَانَت وَفَاته بِالْبَصْرَةِ فِي شَوَّال سنة خمس وَسبعين ومئتين وَقيل لَهُ السجسْتانِي نِسْبَة بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم وَسُكُون السِّين الثَّانِيَة وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَبعد الْألف نِسْبَة إِلَى سجستان الإقليم الْكَبِير وَقيل إِلَى سجستان أَو

стр. 85

سجستانة قَرْيَة بِالْبَصْرَةِ قَالَ ابْن خلكان وَقد بيّنت لَك فِي هَذَا الْمَكَان ذكر الْغَالِب من أَئِمَّة الحَدِيث وَقد رَأَيْت بعض المتعصبين على الشَّافِعِي يَقُول لم يَأْخُذ أحد من أَئِمَّة الحَدِيث عَن الشَّافِعِي مَعَ كَونهم أدركوه وَذَلِكَ مِنْهُ سَهْو ظَاهر فَإِن البُخَارِيّ كَانَ يَوْم موت الشَّافِعِي فِي الْعَاشِرَة من السنين فَكيف يُمكن مثل هَذَا الْخُرُوج عَن بَلَده لَا سِيمَا لطلب الْعلم وَمُسلم تَابع لَهُ وَأَبُو دَاوُود ابْن سنتَيْن وَلذَلِك رووا جَمِيعًا عَن الإِمَام أَحْمد إِذْ أدركوا كثيرا من زَمَانه وَحِينَئِذٍ أرجع إِلَى ذكر عُلَمَاء الْيمن وَمِنْهُم مُحَمَّد بن كثير الصَّنْعَانِيّ قَالَ أَبُو دَاوُود حَدثنَا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم عَن مُحَمَّد بن كثير يَعْنِي هَذَا عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا وطئ أحدكُم الْأَذَى بخفه فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة أُخْرَى فِي جمَاعَة مِنْهُم أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن عباد بن سمْعَان الدبرِي نِسْبَة إِلَى قَرْيَة تعرف بدبرة بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَهِي على نصف مرحلة من صنعاء وَله كَانَ يَعْنِي الْحَادِي فِي طريقها ... لَا بُد من صنعا وَإِن طَال السّفر ... لطيبها وَالشَّيْخ فِيهَا من دبر ... أَخذ عَن عبد الرَّزَّاق جَامع معمر وَكَانَ مَوْجُودا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين ومئتين

стр. 86

وَيُقَال إِنَّه عمر حَتَّى عَاشَ طَويلا وَكَانَ بَعضهم يَقُول هُوَ الَّذِي حكى الشَّافِعِي أَنه كَانَ يقْرَأ الحَدِيث على شيخ بِالْيمن فَدخل عَلَيْهِ خَمْسَة كهول الْخَبَر الْمَشْهُور بَين الْفُقَهَاء المتداول فِي كتبهمْ وَلم أتحقق تَارِيخه وَمِنْهُم أَبُو حنيفَة ابْن الْفَقِيه سماك بن الْفضل الشهابي مقدم الذّكر وَأَنه صَاحب الْفتيا للوليد بن يزِيد على لِسَان خَاله مَرْوَان كَمَا قدمنَا كَانَ هَذَا أَبُو حنيفَة من أَعْيَان الْعلمَاء روى عَنهُ الشَّافِعِي فَقَالَ أَبُو حنيفَة بن سماك بن الْفضل الشهابي حَدثنَا ابْن أبي ذيب عَن المَقْبُري عَن ابْن أبي شُرَيْح الكعبي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ عَام الْفَتْح من قتل لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَير النظرين إِن أحب فَلهُ الْعقل وَإِن أحب فَلهُ الْقود قَالَ أَبُو حنيفَة فَقلت لِابْنِ أبي ذيب أتأخذ بِهَذَا يَا أَبَا الْحَرْث فَضرب على صَدْرِي وَصَاح عَليّ صياحا كثيرا ونال مني ثمَّ قَالَ أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَتقول لي أتأخذ بِهِ نعم آخذ بِهِ وَذَلِكَ الْفَرْض عَليّ وعَلى من سَمعه إِن الله ﵎ اخْتَار مُحَمَّدًا من النَّاس فهداهم بِهِ وعَلى يَدَيْهِ وَاخْتَارَ لَهُم مَا اخْتَار لَهُ وعَلى لِسَانه فعلى الْخلق أَن يتبعوه طائعين أَو داخرين لَا مخرج لمُسلم عَن ذَلِك الرسَالَة الجديدة فِي بَاب قبُول خبر الْوَاحِد وَمِنْهُم مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ روى عَنهُ التِّرْمِذِيّ حَدِيث عَائِشَة وَأَن

стр. 87

النَّبِي لم ينزل الأبطح إِلَّا لِأَنَّهُ كَانَ أسمح لِخُرُوجِهِ وعده التِّرْمِذِيّ بصريا إِذْ كَانَ يرتحل إِلَى الْبَصْرَة وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الصَّنْعَانِيّ روى عَنهُ التِّرْمِذِيّ مَا أسْندهُ إِلَى جَابر أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْعمرَة أَهِي وَاجِبَة فَقَالَ لَا وَإِن تعتمر فَهُوَ أفضل وَمِمَّنْ ذكرهم الأندلسيون جمَاعَة مِنْهُم مُوسَى بن مُحَمَّد الْكشِّي قَاضِي زبيد وَيحيى بن عبد الله بن كُلَيْب قَاضِي صنعاء أَيَّام بني يعفر توفّي بالمحرم سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلثمئة وَأَبُو الْقَاسِم عبد الْأَعْلَى بن مُحَمَّد بن عباد بن الْحسن البوسي من بَيت بوس يروي عَن الدبرِي وَهَارُون بن أَحْمد بن مُحَمَّد من علقان الْقرْيَة الْمَشْهُورَة ذَات السُّوق من وَادي السحول بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَاللَّام وَالْقَاف ثمَّ ألف وَنون على وزن تَثْنِيَة فعل مَفْتُوح الْفَاء وَالْعين خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْفُضَلَاء يَأْتِي إِن شَاءَ الله ذكر المتحقق مِنْهُم وربيع بن سُلَيْمَان من الْجند وَمن عدن قاضيها شَيبَان بن عبد الله وَأَبُو الْحسن الْمُغيرَة بن عَمْرو بن الْوَلِيد التَّاجِر عَن أبي سعيد الجندي سنَن أبي قُرَّة ثمَّ صَار الْعلم إِلَى طبقَة أُخْرَى فِي صدر المئة الثَّالِثَة

стр. 88

مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الرعرعي اللحجي فالرعرعي نِسْبَة إِلَى قَرْيَة تعرف بالرعارع بِفَتْح الرَّاء بعد الْألف وَلَام ثمَّ الْعين الْمُهْملَة ثمَّ ألف ثمَّ خفض الرَّاء ثمَّ عين مُهْملَة أَيْضا إِحْدَى قرى مخلاف لحج بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة ثمَّ جِيم خرج مِنْهَا وَمن مخلافها جمَاعَة من الْأَعْيَان يَأْتِي ذكر المتحقق مِنْهُم إِن شَاءَ الله كَانَ هَذَا إِبْرَاهِيم تربا لأبي قُرَّة لكنه دونه شهرة وَكَانَ لَهُ ابْن يذكر بِالْعلمِ والورع وَلَكِن أَبَاهُ أشهر مِنْهُ وَكِلَاهُمَا مَعْدُود فِي الأخيار الْأَبْرَار وَكَانَا معظمين عِنْد أهل مخلافهما وَغَيره لم يكد يعرف لأَحَدهمَا صبوة وَلَقَد ذكر أَن امْرَأَة من الحسان تعرضت لأَحَدهمَا فحدرت درعها تُرِيدُ فتنته فَأَعْرض عَنْهَا وَقَالَ ... لَا تحدري درعك إِنِّي رعرعي ... إِن كنت من أَجلي حدرت فادرعي ... وَعَن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْمُقدم ذكره أَخذ على ابْن زِيَاد الْآتِي ذكره وَمِنْهُم عَليّ بن زِيَاد الْكِنَانِي وَالْمَعْرُوف بِصُحْبَة أبي قُرَّة الْمُقدم الذّكر بِحَيْثُ كَانَ لَا يعرف حَتَّى يُقَال عَليّ بن زِيَاد صَاحب أبي قُرَّة مولده على رَأس سِتِّينَ ومئة ومسكنه قَرْيَة من مخلاف لحج تعرف بالهذابي بِفَتْح الْهَاء والذال الْمُعْجَمَة ثمَّ ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة أَخذ عَن أبي قُرَّة وَعَن أَحْمد الرعرعي وَهُوَ الَّذِي قَالَ رَأَيْت أَبَا قُرَّة طول مَا صحبته يُصَلِّي الضُّحَى أَربع رَكْعَات وَكَانَ صَاحب كرامات شهيرة ذكر أَن وَادي لحج انْقَطع فِي بعض السنين وللفقيه أَرض فِي علية وَإِذا بسحابة أَقبلت فصبت على أَرض الْفَقِيه مَا أرواها كعادة الْوَادي مُخْتَصًّا بهَا ثمَّ فِي عقيب ذَلِك قدم رجل غَرِيب يسْأَل عَن الْفَقِيه فأرشد إِلَيْهِ فَجعل يُبَالغ فِي التَّبَرُّك بِهِ وسؤال الدُّعَاء حَتَّى أنكر عَلَيْهِ ذَلِك فَسئلَ عَن السَّبَب فَقَالَ إِنِّي فِي الْبَلَد الْفُلَانِيَّة وَإِذ بِي أنظر سَحَابَة تسير وَخَلفهَا قَائِلا يَقُول اذهبي إِلَى لحج من أَرض الْيمن فاسقي مِنْهَا أَرض الْفَقِيه الزيَادي فَعلم أَن سَبَب شرب أَرض الْفَقِيه ذَلِك وَهِي أَرض

стр. 89

تعرف إِلَى عصرنا بالجرب وَلم تزل محررة عَن الْخراج حَتَّى كَانَ فِي أَيَّام الْملك المظفر حصل من المتصرفين عناد فَعمل عَلَيْهَا خراج ففر بعض ذُرِّيَّة هَذَا الْفَقِيه إِلَى الإِمَام ابْن عجيل الْآتِي ذكره فَأخْبرهُ بِمَا جرى فَكتب إِلَى المظفر يفِيدهُ عَن ذَلِك ويخبره أَن هَذِه الأَرْض لم تزل محررة لرجل كَبِير الْقدر من أكَابِر الْعلمَاء والصلحاء وَكَانَ مَقْبُول القَوْل عِنْد غَالب الْمُسلمين فَأمر المظفر أَن تكْتب لَهُم مُسَامَحَة فَهِيَ بأيدي ذُريَّته إِلَى عصرنا مَا جَاءَ ملك ووقف عَلَيْهَا إِلَّا أجازها وَذَلِكَ ببركة إِشَارَة الإِمَام ابْن عجيل وَكَانَت إِشَارَته لمعرفته بِفضل هَذَا الرجل وَلَا يعرف الْفضل إِلَّا أَهله وَلَقَد كَانَ بعض الْفُقَهَاء من أهل لحج مِمَّن قَرَأَ على الإِمَام ابْن عجيل نفع الله بِهِ يسكن بِنَاء أبه العلياء وَكَانَ مشهودا لَهُ بالفقه وَالصَّلَاح يعرف يسير وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمُتَأَخِّرين إِذا حصل عَلَيْهِ كرب آلمه يَقُول لأَصْحَابه اذْهَبُوا بِنَا نحرث أَرض الْفَقِيه الزيَادي فَيخرج مَعَه من يُوَافقهُ وَهِي منتزحة عَن قريته فِي صَعِيد الْبَلَد تعرف بالجرب بخفض الْجِيم بعد الْألف وَلَام ثمَّ رَاء سَاكِنة بعد الْجِيم ثمَّ بَاء مُوَحدَة وَكَانَت وَفَاة عَليّ بن زِيَاد بقريته الْمَذْكُورَة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَقيل أَرْبَعِينَ ومئتين بعد أَن جَاوز ثَمَانِينَ سنة وَمِنْهُم عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد يرجع إِلَى ذِي تبع ثمَّ إِلَى ذِي هَمدَان أحد أذواء حمير والتباعيون كَذَلِك وَقد يغلط بهم من يغلط وينسبهم إِلَى ذِي هَمدَان وَلَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا كَانَ جدهم ملكا على هَمدَان فَقيل لَهُ ذُو هَمدَان لصَاحب ملكهم وَكَانَ هَذَا عَليّ مِمَّن أدْرك الإِمَام مَالك بن أنس وَأخذ عَنهُ وَعنهُ انْتَشَر مذْهبه فِي الْيمن على مَا قيل وَمن ذُريَّته فُقَهَاء وصاب الَّذين يعْرفُونَ بالتباعيين مِنْهُم جمَاعَة بوادي قيعة من أَعمال السانة ثمَّ بِبِلَاد ظفران مِنْهُم جمَاعَة عدوا فِي أَصْحَاب الشَّيْخ

стр. 90

يحيى وَمِنْهُم مؤلف شرح اللمع الْمَعْرُوف بمُوسَى الوصابي وَمِنْه أَبُو حمة مُحَمَّد بن يُوسُف الزبيدِيّ شهر بِصُحْبَة أبي قُرَّة فِي زبيد الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة بِالْيمن وَعنهُ أَخذ الْحَافِظ أَبُو سعيد الجندي الْآتِي ذكره سنَن شَيْخه أبي قُرَّة وَقد ذكره الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ وَذكر شَيْخه نسبتهما تَارَة إِلَى زبيد وَتارَة إِلَى الْجند وَمن الْجند جمَاعَة مِنْهُم صَامت بن معَاذ وَعمر بن مُسلم وَمِنْهُم أَبُو سعيد الْمفضل بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْمفضل بن سعيد بن الْفَقِيه عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ رَأس تَابِعِيّ الْكُوفَة وَكَانَ هَذَا أَبُو سعيد معدودا فِي الْحفاظ والثقات وَذكره ابْن أبي الصَّيف أَيْضا فِي بَاب من بِالْيمن من الْأَئِمَّة الثِّقَات الْمَشْهُورين من التَّابِعين وَأَبْنَائِهِمْ مِمَّن يجمع حَدِيثهمْ للْحِفْظ والمذاكرة والتبرك بهم وبذكرهم شرقا وغربا مِمَّن ذكرهم الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي فِي كتاب معرفَة عُلُوم الحَدِيث عد جمَاعَة مِنْهُم حجر بن قيس المدري وَالضَّحَّاك بن فَيْرُوز الديلمي ثمَّ قَالَ وَمن غير هَذَا الْكتاب الْمفضل الجندي صَاحب فَضَائِل مَكَّة وَأَبُو حمة مُحَمَّد بن يُوسُف من سفرحه وللفضل مصنفات فِي الْآثَار مِنْهَا فَضَائِل مَكَّة وَرِوَايَته عَن مُحَمَّد بن يحيى الْعَدنِي وَعَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس ابْن عَم الإِمَام الشَّافِعِي وروى عَنهُ مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْآجُرِيّ عدَّة أَحَادِيث ضمنهَا مصنفاته وَهُوَ رَاوِي الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ فِي كَون مَسْجِد الْجند رَابِعا وَطَرِيقه فِي ذَلِك قَالَ حَدثنَا صَامت بن معَاذ

стр. 91

الجندي عَن الْمثنى بن الصَّباح عَن عَمْرو بن شُعَيْب بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن أَبِيه عَن جده عبد الله بن عَمْرو أَن النَّبِي ﷺ قَالَ تشد الرّحال إِلَى أَرْبَعَة مَسَاجِد الْمَسْجِد الْحَرَام ومسجدي هَذَا وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمَسْجِد الْجند قَالَ الْحَافِظ عبد الْملك بن أبي ميسرَة لَيْسَ فِي رُوَاته كَذَّاب وَلَا مَتْرُوك وَبَعض الْفُقَهَاء يَقُول لَا يَنْبَغِي رد الْخَبَر لوجوه مِنْهَا أَنه من خبر الْوَاحِد ومذهبنا القَوْل بِهِ قَالَ الْأَصْحَاب لَا يرد يعنون خبر الْوَاحِد لانفراده بِمَا أرْسلهُ غَيره أَو رفع مَا وَقفه غَيره أَو لإيراد زِيَادَة لم ينقلها غَيره وَمن رده لذَلِك فقد أَخطَأ وَقد صرح بذلك الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق بذلك فِي لمعه ثمَّ إِن الْغَزالِيّ قَالَ لَا يجوز منع مُرِيد الارتحال إِلَى غير الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة على الْأَصَح وَلَوْلَا خشيَة الإطالة لذكرت بعض فَضَائِل الْمَسْجِد الَّتِي شاهدتها أَو شَاهدهَا الثِّقَات وَلم أَقف لأبي سعيد على تَارِيخ بداية وَلَا نِهَايَة بل غَالب ظَنِّي وجوده كَانَ فِي صدر المئة الثَّالِثَة وَمِمَّنْ قدم الْيمن بِهَذَا التَّارِيخ وعد من أَهلهَا وأعقب فِيهَا عقبا مُبَارَكًا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن هَارُون التغلبي قدم لقَضَاء الْيمن صُحْبَة ابْن زِيَاد حِين قدم من قبل الْمَأْمُون وَلم تزل ذُريَّته يتوارثون الْقَضَاء حَتَّى أزالهم ابْن مهْدي أثنى عَلَيْهِم عمَارَة وَقَالَ لم يزل فيهم فَقِيه مبرز وخطيب مصقع وشاعر مفلق وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله ذكر المتحقق اسْتِحْقَاقه للذّكر وَفِي المئة الثَّالِثَة ظهر مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي فِي الْيمن وغالب من سَيَأْتِي ذكره إِنَّمَا هم أهل مذْهبه

стр. 92

وَلما كَانَ كَذَلِك رَأَيْت أَن الأولى الْبِدَايَة بِذكرِهِ وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع بن السَّائِب بن عبيد بن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف يجْتَمع مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي عبد منَاف وَذكر أَن شافعا لَقِي النَّبِي ﷺ وَهُوَ غُلَام مترعرع والسائب كَانَ حَامِل راية بني هَاشم يَوْم بدر وَأسر يَوْمئِذٍ ثمَّ فدى نَفسه ثمَّ أسلم فَقيل لَهُ هلا أسلمت قبل الْفِدَاء لتسلم مِنْهُ فَقَالَ مَا كنت لأحرم الْمُسلمين رزقا سَاقه الله إِلَيْهِم وَأما نسبه من قبل أمه فَإِنَّهَا فَاطِمَة بنت عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَلم يدْرك الشَّافِعِي أَبَاهُ إمنما تولى كفَالَته جده أَبُو أمه وَهُوَ الَّذِي حضه على طلب الْعلم فارتحل بِهِ الْبِلَاد لذَلِك مَعَ أَنه مَعْدُود فِي أهل الْيمن لوجوه مِنْهَا مَا أجمع الْفُقَهَاء عَلَيْهِ من عدَّة فِي المكيين وَمَكَّة يمنية بِلَا خلاف ثمَّ ذكر أَنه ولد بِالْيمن كَمَا سَيَأْتِي قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَإِن شهر ميلاده بغزة فَهِيَ يمنية لنزول بطُون الْيمن فِيهَا حِين افتتحها الْمُسلمُونَ وَقَالَ فِي معرفَة السّنَن والْآثَار الشَّافِعِي أولى النَّاس لقَوْله ﷺ الْفِقْه يمَان وَالْحكمَة يَمَانِية ومولده غَزَّة وَإِن كَانَت من الأَرْض المقدسة فعدادها فِي الْيمن لنزول بطُون أهل الْيمن بهَا ومنشأة بِمَكَّة وَالْمَدينَة وهما يمنيتان قَالَ ابْن خلكان يُقَال إِن أم الشَّافِعِي لما حملت بِهِ رَأَتْ كَأَن المُشْتَرِي خرج من فرجهَا وارتفع ثمَّ وَقع بِمصْر ثمَّ تشظت فَوَقع فِي كل بَلْدَة شظية فَأول المعبرون ذَلِك بِأَنَّهُ يخرج مِنْهَا ولد عَالم يخْتَص علمه بِمصْر أَولا ثمَّ يتفرق فِي الْبلدَانِ مولده سنة خمسين ومئة فَلبث مَعَ أمه حَيْثُ ولد على الْخلاف فِي أَي مَوضِع هُوَ ثمَّ أقدمته مَكَّة لِئَلَّا يضيع نسبه وَاخْتلف فِي مَوضِع ميلاده فَقيل غَزَّة وَهُوَ الْأَصَح وَبِه قطع

стр. 93

ابْن الصّباغ فِي شامله وَنقل إِلَى عسقلان وَهُوَ صَغِير لذَلِك توهم بعض من عني بِجمع أخباره أَنه ولد بعسقلان وَقيل ولد بِالْيمن وَذَلِكَ أَن لغته كَانَت تناسب لُغَة الْيمن لِأَنَّهُ ولد بغزة وَأهل الْيمن إِذْ ذَاك نزُول بهَا وَلما بلغ عمره سنتَيْن وصلت بِهِ أمه مَكَّة فَقَرَأَ بهَا الْقُرْآن وَحفظه لسبع سِنِين من عمره وَحفظ الْمُوَطَّأ لعشر أَخذ الْقُرْآن عَن أَصْحَاب عبد الله بن كثير الْمُقدم الذّكر هَكَذَا ذكره فِي صفة الصفوة وَذكر فِيهَا أَيْضا عَن الإِمَام أَحْمد أَنه جَاءَ فِي الْخَبَر عَن النَّبِي ﷺ أَن الله يبْعَث على رَأس كل مئة سنة من يصحح فِي هَذِه الْأمة دينهَا فَكَانَ فِي المئة الأولى عمر بن عبد الْعَزِيز وتلاه فِي الثَّانِيَة الشَّافِعِي وَكَانَ تفقهه فِي مَكَّة بِجَمَاعَة هم سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي ثمَّ ارتحل إِلَى مَالك بِيَثْرِب فَأخذ عَنهُ الْمُوَطَّأ حفظا محققا وَكَانَ يَقُول أَقمت مَعَ مَالك ثَمَانِيَة أشهر مَا يعلم أجانب النَّاس أَيّنَا الضَّيْف لشدَّة مَا كَانَ يظْهر من الْأنس وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ ثمَّ دخل الْيمن لأوّل مرّة مَعَ جده عبد الله بن الْحسن لَا غَرَض لَهُ غير طلب الْعلم أَخذ عَن هِشَام بن يُوسُف الأبناوي وَأبي حنيفَة بن الْفَقِيه سماك مقدم الذّكر ومطرف بن مَازِن والدبري على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ثمَّ ارتحل إِلَى الْعرَاق فَأخذ عَن مُحَمَّد بن الْحسن واستعار مِنْهُ كتب أبي حنيفَة وَهُوَ إِذْ ذَاك يسكن الْكُوفَة ثمَّ دخل بَغْدَاد فولى الرشيد قَضَاء الْيمن لمصعب بن عبد الله فَكَانَ الشَّافِعِي بِصُحْبَتِهِ فَسَأَلَهُ أَن يخرج إِلَى الْيمن لما يتَحَقَّق من فقره وانقطاعه فَخرج مَعَه فَلَمَّا صَار بِالْيمن استنابه على قَضَاء نَجْرَان فَحكم أحكاما محررة وَصَارَ لَهُ ذكر بِالْيمن حسده مطرف بن مَازِن الْمَذْكُور أَولا فَكتب إِلَى الرشيد إِن أردْت

стр. 94

الْيمن يثبت لَك فَأخْرج عَنهُ مُحَمَّد بن إِدْرِيس فَكتب الرشيد إِلَى نَائِبه حَمَّاد الْبَرْبَرِي أَن يصدره إِلَيْهِ فصدره وَبعث بِهِ فَلَمَّا قدم بلغه أَنه قد غلط عَلَيْهِ فِي الْأَمر إِلَى الرشيد وَقيل لَهُ هَذَا من أَصْحَاب عبد الله بن الْحسن لَا يرى الْخلَافَة إِلَّا فِي الطالبيين وَهُوَ الْقَائِل ... يَا رَاكِبًا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاصد خيفها والناهض سحرًا إِذا فاض الحجيج إِلَى منى ... فيضا كَمَا التطم الْفُرَات الفائض وَإِذا جرت بطحاؤها بهضابها ... جَاءَت بِأُخْرَى مثلهَا كالعارض قُم ثمَّ نَاد يَا بني لمُحَمد ... ووصيه وابنيه لست بباغض إِن كَانَ رفضا حب آل مُحَمَّد ... فليشهد الثَّقَلَان أَنِّي رَافِضِي ... قَالَ الشَّافِعِي وَوَافَقَ قدومي إِلَى الرشيد اسْتِيلَاء مُحَمَّد بن الْحسن وَأبي يُوسُف عَلَيْهِ فَلَمَّا ذكرت عِنْده بحضرتهما رُبمَا لامني لمعرفتهما الْمُتَقَدّمَة وَذَلِكَ حسدا على مَا تحققاه مني فَلَمَّا أدخلت على الرشيد وَأَنا مثقل بالحديد وهما عِنْده كلمني فَقلت لَا يَتَأَتَّى لي الْكَلَام مَعَ شغل باطني بثقل الْحَدِيد فَأمر بفكه ثمَّ كَانَ لي مَعَه ومعهما أَقْوَال كَثِيرَة واجتهادي على النجَاة واجتهدا على إسقاطي وتحقيري فِي عين الرشيد عَن معرفَة شَيْء من الْعلم وسألني مُحَمَّد بن الْحسن عَن عدَّة مسَائِل ووفقني الله فِي جوابها وَسَأَلته عَن عشر مسَائِل أجَاب بِخمْس وَانْقطع عَن الْبَاقِي فأمرالرشيد بجر رجله فَذكرت مَا كَانَ بيني وَبَينه من الْأنس فِي الْكُوفَة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رَأَيْت سجينا أفقه مِنْهُ ثمَّ جعلت أثني عَلَيْهِ فَعلم الرشيد مرادي فَأمر بِتَخْلِيَتِهِ وخلع علينا جَمِيعًا وَحمل كلا منا على مركوب وخصني بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ نقلة سيرته فَلم يصل منزله بِشَيْء مِنْهَا إِذْ فرقها فِي طَرِيقه فَلَمَّا بلغ الرشيد عظم عِنْده

стр. 95

وَأمر لَهُ بالإعاضة عَنْهَا ثمَّ أَقَامَ بِبَغْدَاد مُدَّة فقيد بهَا كتبه الْقَدِيمَة وَكَانَ كثير الذّكر للسَّفر فعوتب فِي ذَلِك فَقَالَ لمعاتبه ... تغرب عَن الأوطان فِي طلب الْعلَا ... وسافر فَفِي الْأَسْفَار خمس فَوَائِد تفرج هم واكتساب معيشة ... وَعلم وآداب وصحبة ماجد فَإِن قيل فِي الْأَسْفَار قل وغربة ... وَقطع فياف وارتكاب شَدَائِد فموت الْفَتى خير لَهُ من مقَامه ... بدار هوان بَين واش وحاسد ... وَعُوتِبَ على كَثْرَة التنقل فِي الْبلدَانِ فَقَالَ شعرًا ... رِزْقِي تشَتت فِي الْبِلَاد وإنني ... أسعى لجمع شتاته وأطوف فكأنني قلم بأنمل كَاتب ... وَكَأن رِزْقِي فِي الْبِلَاد حُرُوف ... ثمَّ عزم على الترحل إِلَى مصر فَقَالَ فِي ذَلِك ... أرى نَفسِي تتوق إِلَى مصر ... وَمن دونهَا أَرض المهامه والقفر فَلَا أَدْرِي أللفوز والغنى ... أساق إِلَيْهَا أم أساق إِلَى الْقَبْر ... وَكَانَ يُقَال الشَّافِعِي شَاعِر غلب عَلَيْهِ الْفِقْه قلت بل شرفت نَفسه عَلَيْهِ وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بِشَيْء من شعره يَقُول ... وَلَوْلَا الشّعْر بالعلماء يزري ... لَكُنْت الْيَوْم أشعر من لبيد ... ثمَّ سَافر فَدخل مصر سنة تسع وَتِسْعين ومئة فَأدْرك بهَا السِّت نفيسة وَالنَّاس إِذْ ذَاك يحْضرُون مِنْهَا مَجْلِسا ويروون عَنْهَا الحَدِيث من وَرَاء ستر فَحَضَرَ الشَّافِعِي مجلسها وَأخذ عَنْهَا فَهِيَ مَعْدُودَة فِي شُيُوخه وَسَيَأْتِي ذكرهَا فيهم إِن شَاءَ الله قَالَ ابْن خلكان قد اتّفق الْعلمَاء قاطبة من أهل الْفِقْه وَالْأُصُول والنحو اللُّغَة وَغير ذَلِك على ثِقَة الشَّافِعِي وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نسبه وَصِحَّة حَسبه وَحسن سيرته وعلو قدره أَخذ عَنهُ الْأَصْمَعِي مَعَ جلالة قدره شعر

стр. 96

الهذليين وَقَالَ لَهُ شَيْخه مُسلم بن خَالِد أول اخْتِلَاطه وقراءته عَلَيْهِ من أَيْن أَنْت يَا فَتى قَالَ من أهل مَكَّة قَالَ أَيْن مَنْزِلك بهَا قَالَ شعب الْخيف قَالَ من أَي قَبيلَة أَنْت قَالَ من ولد عبد منَاف قَالَ بخ بخ لقد شرفك الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقَالَ لما قدمت إِلَى مَالك وحفظت الْمُوَطَّأ قَالَ إِن يكن أحد يفلح فَهَذَا الْغُلَام وَقَالَ الْحميدِي سَمِعت مُسلم بن خَالِد الزنْجِي يَقُول للشَّافِعِيّ وَأَنت يَا أَبَا عبد الله فقد آن لَك وَالله أَن تُفْتِي وَالشَّافِعِيّ إِذْ ذَاك ابْن خمس عشرَة سنة وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل مَا عرفت نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه حَتَّى جالست الشَّافِعِي وَقَالَ مَا حمل أحد محبرة إِلَّا وَكَانَ الشَّافِعِي عَلَيْهِ فضل وَمِنْه قَالَ ابْن خلكان وَغَيره كَانَ الشَّافِعِي أول من تكلم فِي أصُول الْفِقْه وَهُوَ الَّذِي استنبطه وَقَالَ الزَّعْفَرَانِي كَانَ أهل الحَدِيث نياما حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي أيقظهم فتيقظوا وَقَالَ الإِمَام أَحْمد مَا رَأَيْت أحدا أتبع للسّنة من الشَّافِعِي وَلَقَد قَالَ لَهُ بعض حاضري مَجْلِسه يَوْمًا وَقد روى عَن النَّبِي ﷺ أتأخذ بِهِ يَا أَبَا عبد الله فَغَضب وَقَالَ أَتَقول لي آخذ بِهِ وَذَلِكَ الْفَرْض عَليّ وعَلى كل مُسلم أَتَرَى فِي وسطي زنارا أَتَرَى فِي مُشْركًا ثمَّ قَالَ مَا أَتَى عَن الله وَرَسُوله قبلناه وَمَا أَتَت بِهِ الصقاعبة ضربنا بِهِ أقفيتهم وَلَقَد قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم الحَجبي يَوْمًا وَكَانَ من أَعْيَان دولة الرشيد مَا رَأَيْت مطلبيا يقدم أَبَا بكر وَعمر على عَليّ غَيْرك فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي يَا هَذَا إِن عليا ابْن عمي وَأَبُو جد خَالِي وَأَنا من عبد منَاف وَأَنت من عبد الدَّار وَلَو كَانَ هَذَا المعتقد صَوَابا أَو مكرمَة لسبقتك إِلَيْهِ قَالَ ابْن خلكان وَللشَّافِعِيّ مَنَاقِب كَثِيرَة وضع الْعلمَاء مِنْهَا مجلدات واشتهر

стр. 97

من المصنفات فِي مناقبه وأحواله نَحْو ثَلَاثَة عشر مصنفا من ذَلِك لداود الظَّاهِرِيّ مُصَنف هُوَ مجلدان قلت وَرَأَيْت للفخر الرَّازِيّ مجلدا ضمنه ذَلِك أَيْضا وللزمخشري جَار الله مُصَنف اخْتصَّ بشرح أَلْفَاظ صدرت عَنهُ سَمَّاهُ شافي العي من كَلَام الشَّافِعِي وَذكر الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق أَن رجلا وقف على مجْلِس أبي ثَوْر وَقَالَ لَهُ أصلحك الله سَمِعت يَقُول قولا عَظِيما قَالَ أَبُو ثَوْر مَا هُوَ قَالَ إِن الشَّافِعِي أفقه من الثَّوْريّ فَقَالَ أَبُو ثَوْر أَنْت سمعته يَقُول ذَلِك قَالَ نعم ثمَّ ولى الرجل فَقَالَ أَبُو ثَوْر هَذَا استنكر أَن يَقُول الشَّافِعِي أفقه من الثَّوْريّ وَهُوَ عِنْدِي أفقه من الثَّوْريّ وَالنَّخَعِيّ وَلم يكن مُحَمَّد بن الْحسن يعظم أحدا من أهل الْعلم تَعْظِيمه للشَّافِعِيّ وَقد جَاءَهُ يَوْمًا فوافاه قد ركب فحين رَآهُ مُحَمَّد نزل واستقبله وَأخذ بِيَدِهِ ودخلا الْمنزل وَلم يفترقا غَالب يومهما وَلم يكد يَأْذَن لأحد فِي الدُّخُول عَلَيْهِمَا وَقَالَ أحد أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَأَيْت أَحْمد فِي الْحرم عِنْد الشَّافِعِي فَقلت لَهُ يَا أَبَا عبد الله هَذَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي نَاحيَة الْمَسْجِد يحدث فَقَالَ إِن هَذَا يفوت وَذَاكَ لَا يفوت قَالَ وَقلت لَهُ مرّة يَا أَبَا عبد الله تتْرك حَدِيث سُفْيَان وعلوه وتمشي خلف بغلة هَذَا الْفَتى وَقد سمع مِنْهُ فَقَالَ لَو عرفت لقعدت من الْجَانِب الآخر إِن علم سُفْيَان إِن فَاتَنِي بعلو أَدْرَكته بنزول وَإِن عقل هَذَا الشَّاب إِن فَاتَنِي لم أدْركهُ لعلو وَلَا نزُول وَقَالَ الْكَرَابِيسِي مَا كُنَّا نَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا السّنة والأولون كَذَلِك حَتَّى سمع من الشَّافِعِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فجزاه الله عَن الْمُسلمين خيرا وَقَالَ يُونُس كَانَ الشَّافِعِي يضع كتابا من غدْوَة إِلَى الظّهْر من حفظه من غير أَن يكون بِيَدِهِ أصل وَقَالَ الرّبيع كَانَ الشَّافِعِي إِذا حدث كَأَنَّمَا يقْرَأ سُورَة من الْقُرْآن

стр. 98

وَكَانَ أول من تكلم فِي الْأُصُول وَفتح على النَّاس بَابه وَكَانَ يكره الْخَوْض فِي علم الْكَلَام وَيَقُول رَأْيِي فِي أَصْحَاب الْكَلَام أَن يضْربُوا بالحديد وَيُطَاف بهم على الْجمال فِي العشائر والبلدان ويصاح عَلَيْهِم هَذَا جَزَاء من ترك كتاب الله وَسنة نبيه وَعدل إِلَى آراء الرِّجَال وَقَالَ لِابْنِهِ أبي عُثْمَان يَوْمًا يَا بني وَالله لَو علمت أَن المَاء الْبَارِد يثلم من ديني شَيْئا لما شربت إِلَّا الْحَار وَقَالَ للربيع عَلَيْك بالزهد فَإِن الزّهْد على الزّهْد أحسن من الْحلِيّ على الناهد وَقَالَ حَرْمَلَة سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول رَأَيْت أَبَا حنيفَة فِي الْمَنَام يَقُول مَالِي وَلَك يَا شَافِعِيّ مَالِي وَلَك يَا شَافِعِيّ وَكَانَ مَعَ كَمَاله فِي علم الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالْفِقْه إِمَامًا فِي علم الْأَدَب وناهيك بِأخذ الْأَصْمَعِي عَنهُ شَاهدا وَله شعر رائق غالبه حِكْمَة من ذَلِك مَا أنشدنيه الصَّدْر الرئيس مُحي الدّين يحيى بن عبد اللَّطِيف الربعِي التكريتي بثغر عدن سنة ثَمَانِي عشرَة وسبعمئة وَقد محنت بحسبة الثغر فِي هَذِه السّنة لعول وَعدم طول وَمَا كَانَ كَذَلِك أحسن الله الْعَاقِبَة وَله الْحَمد على ذَلِك قَالَ من الشّعْر الْمَنْسُوب إِلَى الإِمَام الشَّافِعِي ... قيمَة الْمَرْء فَضله عِنْد ذِي الْفضل ... وَمَا فِي يَدَيْهِ عِنْد الرعاع فَإِذا مَا حويت مَالا وعلما ... كنت عين الزَّمَان بِالْإِجْمَاع وَإِذا مِنْهُمَا غَدَوْت خليا ... رحت فِي النَّاس من أخس الْمَتَاع ... وَمن ذَلِك مَا أنشدنيه فِي المعتقد لَهُ أَيْضا يُنَاسب الأبيات الْمُتَقَدّمَة ... أَنا شيعي لآل الْمُصْطَفى ... غير أَنِّي لَا أرى سبّ السّلف مذهبي الْإِجْمَاع فِي الدّين وَمن ... حفظ الْإِجْمَاع لَا يخْشَى التّلف ... وَأَخْبرنِي وَالِدي يُوسُف بن يَعْقُوب ﵀ قَالَ قدم علينا بعض الْفُقَهَاء المعتبرين وَذكره لي غير أَن النسْيَان طَرَأَ قَالَ رأى الشَّافِعِي من بعض أهل زَمَانه احتقارا لَهُ على رثَّة ملبسه فأنشده ... عَليّ ثِيَاب دون قيمتاه الْفلس ... وفيهن نفس دون قيمتهَا الْأنس ...

стр. 99

.. فثوبك شمس تَحت أذياله الدجى ... وثوبي ليل تَحت أذياله الشَّمْس ... وَمن ذَلِك مَا أنشدنيه شَيْخي أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد الأصبحي الْآتِي ذكره قَالَ ثَبت عَنهُ بطرِيق صَحِيح بيتان فِي الْمَنْع عَن أكل التُّرَاب هما ... لَا تَأْكُل الطين مُعْتَقدًا مذهبي ... فقد صد عَنهُ حَدِيث النَّبِي من الطين رَبِّي برا آدما ... وآكله آكل للْأَب ... وَمِنْه أَيْضا مَا قَالَه يُخَاطب والدته حِين عزم على الارتحال فِي طلب الْعلم ... أَقُول لَهَا والعيس تحدج للنوى ... أعدي لفقدي مَا اسْتَطَعْت من الصَّبْر سأنفق ريعان الشبيبة آنِفا ... على طلب العلياء أَو طلب الْأجر أَلَيْسَ من الخسران أَن لياليا ... تمر بِلَا نفع وتحسب من عمري ... وَمِنْه مَا وجدته بِخَط الْفَقِيه سُلَيْمَان الجندي الْآتِي ذكره أَنه قَالَ قَالَ الشَّافِعِي ... إِذا الْمَرْء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وَإِن كَانَت قَرِيبا أواصره وَإِن كنت لم تقدر على أَن تهينه ... فَدَعْهُ إِلَى الْيَوْم الَّذِي أَنْت قادره ... وَمن الشّعْر الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فِي النَّفس ... كدكد النَّفس إِن أَحْبَبْت أَن تصبح حرا ... واقطع الآمال عَن جود بني آدم طرا ... لَا تقل ذَا مكسب يزري ففضل النَّاس أزرى ... أَنْت مَا اسْتَغْنَيْت عَن غَيْرك أَعلَى النَّاس قدرا وَمن شعره فِي الزّهْد ... أأنعم عَيْشًا بَعْدَمَا حل عارضي ... طوالع شيب لَيْسَ يُغني خضابها إِذا أسود لون الْمَرْء وأبيض شعره ... تنغص من أَيَّامه مستطابها وغرة عمر الْمَرْء قبل مشيبه ... وَقد فنيت نفس تولى شبابها فدع فضلات للأمور فَإِنَّهَا ... حرَام على نفس التقي ارتكابها وَلَا تمشين فِي منْكب الأَرْض فاخرا ... فعما قَلِيل يحتويك ترابها وَآت زَكَاة الجاه وَاعْلَم بِأَنَّهَا ... كَمثل زَكَاة المَال تمّ نصابها ...

стр. 100

.. وَأحسن إِلَى الْأَحْرَار تملك رقابهم ... فَخير تِجَارَات الْكِرَام اكتسابها وَلم يذقْ الدُّنْيَا فَإِنِّي طعمتها ... وسيق إِلَيْنَا عذبها وعذابها وَلم أرها إِلَّا غرُورًا وباطلا ... كَمَا لَاحَ فِي ظهر الفلاة سرابها وَمَا هِيَ إِلَّا جيفة مستحيلة ... عَلَيْهَا كلاب همهن اجتذابها فَإِن تجتنبها كنت سلما لأَهْلهَا ... وَإِن تجتذبها نازعتك كلابها فطوبى لنَفْسي أوطنت قَعْر دارها ... مغلقة الْأَبْوَاب مرخى حجابها ... وللزمخشري كتاب ذكر فِيهِ أَنه قيل للشَّافِعِيّ فِي صَبِيحَة كَيفَ أَصبَحت قَالَ مَا حَال من أصبح يَطْلُبهُ ثَمَانِيَة الرب بكتابه وَالنَّبِيّ بسنته وَأهل بَيته بالقوت وَالنَّفس بالشهوات والشيطان بِالْمَعَاصِي وَملك الْمَوْت بِقَبض الرّوح والحفظة بِمَا ينْطق والدهر بصروفه وَذكر صَاحب الْأَرْبَعين الطائية بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْمُزنِيّ قَالَ دخلت على الشَّافِعِي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقلت كَيفَ أَصبَحت يَا أَبَا عبد الله قَالَ أَصبَحت من الدُّنْيَا راحلا ولإخواني مفارقا ولسوء أفعالي ملاقيا ولكأس الْمنية شاربا وعَلى الله واردا فوَاللَّه مَا أَدْرِي أروحي إِلَى الْجنَّة تصير فأهنيها أم إِلَى النَّار فأعزيها ثمَّ بَكَى وَأنْشد شعرًا ... وَلما قسا قلبِي وَضَاقَتْ مذاهبي ... جعلت رجائي نَحْو عفوك سلما تعاظمني ذَنبي فَلَمَّا قرنته ... بعفوك رَبِّي كَانَ عفوك أعظما فَمَا زلت ذَا عَفْو عَن الذَّنب لم تزل ... تجود بِعَفْو منَّة وتكرما فلولاك لم يغو بإبليس عَالم ... فَكيف وَقد أغوى صفيك آدما ... وَكَانَت وَفَاته بِمصْر لَيْلَة الْجُمُعَة بعد أَن صلى الْعشَاء آخر لَيْلَة من رَجَب سنة أَربع ومئتين وَدفن يَوْم الْجُمُعَة بعد الْعَصْر بعد أَن دخلت جنَازَته على السِّت نفيسة فصلت عَلَيْهِ بِنَفسِهَا وَإِنَّمَا أخر دَفنه لِأَنَّهُ أوصى أَن لَا يدْفن حَتَّى تَبرأ ذمَّته من الدّين الَّذِي عَلَيْهِ فَفعل ذَلِك بِهِ وَلم يدْخل قَبره وَعَلِيهِ دِرْهَم يعلم وَحكي فِي صفة الصفوة عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان أَنه قَالَ كُنَّا جُلُوسًا فِي حَلقَة الشَّافِعِي قريب دَفنه فَوقف بِنَا أَعْرَابِي وَسلم ثمَّ قَالَ أَيْن قمر هَذِه الْحلقَة بل

стр. 101

شمسها قُلْنَا توفّي فَبكى بكاء شَدِيدا وَقَالَ ﵀ وَغفر لَهُ فَلَقَد كَانَ يفتح ببيانه منغلق الْحجَّة ويسد على خَصمه وَاضح المحجة وَيغسل من الْعَار وُجُوهًا مسودة ويوسع بِالرَّأْيِ أبوابا منسدة ثمَّ مضى وَتَركنَا نعجب من حسن أَلْفَاظه وَقَالَ الرّبيع الْمرَادِي بِالْوَلَاءِ الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله رَأَيْت الشَّافِعِي بعد مَوته فَقلت مَا فعل الله بك فَقَالَ أَنا فِي الفردوس الْأَعْلَى قلت بِمَ ذَاك قَالَ بِكِتَاب صنفته وسميته الرسَالَة الجديدة قَالَ ورأيته مرّة ثَانِيَة فَقلت مَا صنع الله بك قَالَ أجلسني على كرْسِي من ذهب ونثر عَليّ اللُّؤْلُؤ الرطب وَوصل بعض أهل الْمَعَالِي تربته فَاسْتعْمل صُورَة مركب من النّحاس علقها عِنْد رَأس الْقَبْر فَكَانَ كثير من النَّاس يعجب لذَلِك وَيسْأل عَن فَائِدَة ذَلِك حَتَّى وصل بعض نظرائه فَسئلَ عَن الْمَعْنى فَقَالَ شعرًا ... أَتَيْنَا لقبر الشَّافِعِي نزوره ... وجدنَا بِهِ فلكا وَلَيْسَ بِهِ بَحر فَقُلْنَا تَعَالَى الله هَذَا إِشَارَة ... تنبىء أَن الْبَحْر قد ضمه الْقَبْر ... وَوصل أَصْحَابه البغداديون لزيارة تربته والعزاء بِهِ إِلَى أَصْحَابه المصريين ثمَّ لم أَرَادوا الِانْصِرَاف وقفُوا على تربته وَقَالَ بَعضهم بَيْتَيْنِ فِي الْمَعْنى ... قد أَتَيْنَاك يَا ابْن إِدْرِيس ... وزرناك من بِلَاد الْعرَاق وقرأنا عَلَيْك مَا قد حفظنا ... من كَلَام الْمُهَيْمِن الخلاق ... وَقد انْقَضى ذكر اللَّائِق من أَحْوَال الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ لم يبْق إِلَّا ذكر من عرض ذكره مَعَه من الْأَعْيَان فابدأ حِينَئِذٍ بِذكر شُيُوخه أَوَّلهمْ المكيون مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد سُفْيَان بن عُيَيْنَة بن أبي عمرَان مَيْمُون الْهِلَالِي بِالْوَلَاءِ قَالَ ابْن خلكان وَإِنَّمَا كَانَ مولى لامْرَأَة من بني هِلَال رَهْط مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ يَعْنِي مَيْمُونَة قَالَ وَكَانَ من عُمَّال خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَلَمَّا عزل وَطلب عماله هرب ابْن عمرَان إِلَى

стр. 102

مَكَّة فنزلها وَهُوَ من أهل الْكُوفَة ومولد سُفْيَان بهَا منتصف شعْبَان سنة سبع ومئة وعد من أهل مَكَّة لنشوئه بهَا كَمَا فعل بعطاء بن أبي رَبَاح وَقد ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الرَّازِيّ فِي بعض نسخ طبقاته وَلم يؤرخه بل قَالَ قَالَ الشَّافِعِي مَا رَأَيْت أفقه من سُفْيَان وأسكت عَن الْفتيا مِنْهُ وَقَالَ ابْن خلكان وَكَانَ إِمَامًا عَالما ثبتا حجَّة زاهدا ورعا مجمعا على صِحَة حَدِيثه وَرِوَايَته حج سبعين حجَّة وروى عَن الزُّهْرِيّ وَأبي إِسْحَاق السبيعِي وَمن غَرِيب مَا جرى لَهُ أَنه خرج إِلَى جمع من طلبة الْعلم يُرِيدُونَ الْأَخْذ عَنهُ وَهُوَ إِذْ ذَاك متضجر لأمر عرض لَهُ فَقَالَ لَهُم أَلَيْسَ من الشَّقَاء أَن أكون جالست ضَمرَة بن سعيد وجالس أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وجالست عَمْرو بن دِينَار وجالس ابْن عمر وجالست الزُّهْرِيّ وجالس أنس بن مَالك وَعدد على هَذَا جمعا ثمَّ قَالَ وَأَنا أجالسكم الْآن فَقَالَ لَهُ حدث فِي الْمجْلس انتصفت يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَقَالَ وَالله لشقاء أَصْحَاب رَسُول الله بك أَشد من شقائك بِنَا فَأَطْرَقَ قَلِيلا ثمَّ أنْشد ... خل جنبيك لرامي ... وامض عَنهُ بِسَلام مت بداء الصمت خير ... لَك من دَاء الْكَلَام ... ثمَّ تفرق النَّاس وهم يتحدثون برجاحة الْحَدث وَهُوَ يحيى بن الأكثم الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلم يزل بِمَكَّة حَتَّى توفّي بهَا آخر يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة وَقيل مستهل رَجَب سنة ثَمَان وَتِسْعين ومئة وَدفن بالحجون جبل بِأَعْلَى مَكَّة قبر فِيهِ عدَّة من النَّاس وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَضم الْجِيم وَسُكُون الْوَاو ثمَّ نون وَمِنْهُم مُسلم بن خَالِد بن سعيد الزنْجِي قيل لَهُ ذَلِك لحمرة كَانَت فِيهِ تفقه بِابْن جريج وَإِلَيْهِ انْتَهَت رياسة الْفتيا وَكَانَت وَفَاته سنة تسع وَسبعين ومئة وَقيل سنة ثَمَانِينَ وَأما شَيْخه ابْن جريج فقد مضى ذكره مَعَ عبد الرَّزَّاق فلينظره من أَرَادَهُ

стр. 103

وَأما شُيُوخه بِالْمَدِينَةِ فأولهم أَبُو عبد الله مَالك بن أنس وَقد مضى ذكره عقب ذكر أبي حنيفَة وَأبي قُرَّة ثمَّ أَبُو عبد الله عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ أَخذ عَن المكيين والمدنيين وَلم أتحقق من نَعته شَيْئا وَأما شُيُوخه بِالْيمن فقد ذكرت مِنْهُم عِنْد ذكره فِيمَا مضى كمحمد بن خَالِد الجندي وَالْقَاضِي هِشَام وَغَيرهمَا وَأما بِمصْر فالست الطاهرة نفيسة بنت الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ ابْن خلكان قدمت السِّت مصر مَعَ السَّيِّد إِسْحَاق بن جَعْفَر الصَّادِق وَقيل قدمت مَعَ أَبِيهَا وَلأَهل مصر بهَا اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَت وفاتها بِشَهْر رَمَضَان من سنة ثَمَان ومئتين وَأَرَادَ زَوجهَا أَن ينقلها إِلَى مَدِينَة يثرب فَتعلق بِهِ المصريون وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ أَن يقبرها مَعَهم للتبرك فأجابهم ودفنها بِالدَّار الَّتِي كَانَت تسكنها عِنْد الْمشَاهد بَين الْقَاهِرَة ومصر وقبرها مَشْهُور يزار كثيرا ويستجاب عِنْده الدُّعَاء انْقَضى ذكر شُيُوخ الإِمَام وَلم يبْق إِلَّا الْبِدَايَة بِذكر التَّارِيخ وَهُوَ الأَصْل أهل المئة الثَّالِثَة بالمتأخرين إِلَى مُضِيّ الْكتاب كَمَا هُوَ شرطنا وَأَجْعَل بدايتهم بأصحاب الإِمَام فأختم بعد مُضِيّ الْفُقَهَاء بِذكر الْوُلَاة إِلَى عصرنا اختصارا وتيسيرا فَاعْلَم أَطَالَ الله بقاك أَن جَمِيع الْيمن قد أسلم أَهله وَهُوَ إِذْ ذَاك على عهد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة مخاليف مخلاف عك وَهِي تهَامَة خَاصَّة ثمَّ الْجند ثمَّ صنعاء ثمَّ حضر موت مَا مخلاف مِنْهُنَّ إِلَّا لم يمت رَسُول الله ﷺ حَتَّى قد أسلم أَهله وَقد صَار عَلَيْهِم من قبله وُلَاة وعمالا فَارْتَد بعض أهل حضر موت كَانَ عَلَيْهِم زِيَاد بن لبيد البياضي كَمَا قد مضى بَيَان ذَلِك وَأما سَائِر المخاليف فَلم يذكر عَن أحد مِنْهُم ردة وَكَذَلِكَ أَقَامَ كل وَاحِد من الْعمَّال فِي عمله مَا شَاءَ الله ثمَّ قدم من قدم على أبي بكر اخْتِيَارا كمعاذ بن جبل وَكَانَ ملك صنعاء بيد الْفرس وحمير بن سيف بن ذِي يزن إِذْ

стр. 104

كَانَ قد هلك فالفرس الْمُلُوك وحمير المدبرون للبلاد والسائقون للخراج والدافعون للْفَسَاد وَكَانَ بَين الْفرس وَبَين هَمدَان عهود ومواثيق وَكَانَ بَينهم فِي ذَلِك مكتب قَالَ الرَّازِيّ كَانَت الْعَرَب تكْتب فِي صدر كتبهَا بِاسْمِك اللَّهُمَّ وتكتب فَارس باسم ولي الرَّحْمَة وَالْهدى فَلَمَّا أَرَادوا كتب كتاب الْحلف جمعُوا فَقَالَ بِاسْمِك اللَّهُمَّ ولي الرَّحْمَة وَالْهدى هَذَا كتاب مَا أَجمعت عَلَيْهِ هَمدَان وَفَارِس بِالْيمن بِمحضر الْمَرْزُبَان باذان بن ساسان ومشاهدة للرئيسين عَمْرو بن الْحَارِث وَعَمْرو بن يزِيد من بكيل وحاشد وَرَضي من حضر وكفالة بَعضهم لبَعض عَمَّن غَابَ من الْحَيَّيْنِ جَمِيعًا إِنَّا تحالفنا جَمِيعًا على عهد الله وميثاقه واجتماع الْهوى واتفاقه وقتال الْمُخَالف وفراقه على أَن كل وَاحِد من الْحَيَّيْنِ جَمِيعًا فِيمَا عقد وحالف إِن نكث أَو خَالف عَمَّا عقد وَشد ووكد فَعَلَيهِ الْعَهْد من الله المكرر الوثيق الْمُؤَكّد الشَّديد أَبَد الْأَبَد لأبد لَا يبيد مَا دَامَ وَالِد وَولد لَا يزَال عهدا مؤكدا مَا أظلت السَّمَاء وأقلت الغبراء وَجرى المَاء وَنزل الْمَطَر وأخضر الشّجر وَأكل الثَّمر وَبَقِي الْبشر وَمَا بَقِي فِي الْبحار رنق وَفِي الْأَشْجَار ورق وَفِي الْأَيَّام رَمق وَمَا ثبتَتْ الرواسِي الشامخات فِي موَاضعهَا وَظَهَرت النُّجُوم السابحات فِي مطالعها عهدا تؤكده العهود بِعقد مُحكم مبرم شَدِيد لَا يضمحل أمره وَلَا ينْبذ خَبره ثمَّ جعل ذَلِك نسختين وَاحِدَة مَعَ هَمدَان وَالْأُخْرَى مَعَ فَارس وَلم تزل الْفرس مؤالفة لهمدان حَتَّى لَو قيل إِن ذَلِك مُسْتَمر إِلَى عصرنا لم يكد الْعقل يُنكره فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَام وَبعث رَسُول الله ﷺ نوابه إِلَى الْيمن فَلم يخْتَلف أَن المعبوث إِلَى مخلاف الْجند هُوَ معَاذ بن جبل الْأنْصَارِيّ وَلم يزل فِي الْجند حَتَّى كَانَت خلَافَة أبي بكر فَكتب إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنهُ بالقدوم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ سَائِر الْعمَّال كتبُوا فَكتب إِلَيْهِم الصّديق أَن رَسُول الله ﷺ بعثكم لما بعثكم لَهُ من شَأْنه فَمن أحب أَن

стр. 105

يقف فِي عمله فليقف وَمن أحب أَن يعود فليعد بعد أَن يخلف صَالحا فاستخلف معَاذ على الْجند عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي وَاخْتلف المؤرخون فِيمَن كَانَ نَائِبا لرَسُول الله ﷺ على صنعاء فَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ ابْن جرير الصَّنْعَانِيّ أَنه أبان بن سعيد بن الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس وَهُوَ أحد من قيل إِنَّه بنى جَامع صنعاء وَقد قيل أَقْوَال غير ذَلِك فَلَمَّا قدم كتاب الصّديق إِلَى أبان يخيره بَين الْوُقُوف وَبَين الِاسْتِخْلَاف وَالْعود فاستخلف يعلى بن أبي عبيد بن الْحَارِث بن بكر بن زيد التَّمِيمِي وَيُقَال لَهُ يعلى بن منية نِسْبَة إِلَى أمه كَانَ مَعَ أبان فِي ولَايَته وَكَانَ من حلفاء قُرَيْش ثمَّ من حلفاء بني نَوْفَل بن عبد منَاف فَلم يزل يعلى على صنعاء ومخاليفها حَتَّى قتل عُثْمَان وَسَيَأْتِي ذكر مَا كَانَ مِنْهُ فِي خلَافَة عمر وَبعث رَسُول الله ﷺ إِلَى خولان خَالِد بن عَامر من بني أُميَّة فَلم يسلمُوا فَقَاتلهُمْ وسبى مِنْهُم ثمَّ سَار إِلَى حُضُور فأسلموا فَبنى لَهُم مَسْجِدا وَهُوَ مَسْجِد مَشْهُور من الْمَسَاجِد المعدودة بِالْيمن وَبعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى تهَامَة وَبعث إِلَى حَضرمَوْت المُهَاجر بن أبي أُميَّة وَزِيَاد بن لبيد فَارْتَد جمع من أهل تهَامَة وَخرج عَنْهُم خَالِد بن الْوَلِيد بعد أَن

стр. 106

أصلحوا فغزا الْيَمَامَة الْغَزْوَة الْمَشْهُورَة الَّتِي قتل بهَا مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَسَائِر الْعمَّال لم يبرحوا من عَمَلهم حَتَّى توفوا عَلَيْهِ وَبِه كَانَ مبدأ خلَافَة الصّديق يَوْم توفّي رَسُول الله ﷺ من الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر ربيع الأول وعَلى وَفَاة عشر من الْهِجْرَة وَقد مضى بَيَان بيعَة الْمُسلمين لَهُ وَأَنَّهَا كَانَت فِي الْيَوْم الأول وَمن عَجِيب مَا حدث أَيَّام خلَافَة الصّديق بِالْيمن أَنه حصل مطر عَظِيم فأبرز عَن بَاب مغلق وَظن النَّاس أَنه كنز وهابوا فَتحه دون مشاروة الْخَلِيفَة فَكَتَبُوا إِلَى أبي بكر يعلمونه بذلك فَعَاد جَوَابه إِلَى عَامل الْبَلَد أَن لَا يتْرك أحدا يقرب الْموضع حَتَّى يقدم أمناؤه ثمَّ لما قدم الْأُمَنَاء فتحُوا الْبَاب فَإِذا هُوَ على مغارة فَدَخَلُوهَا وَإِذا بهَا سَرِير عَلَيْهِ رجل فَوْقه سَبْعُونَ حلَّة منسوجة بِالذَّهَب وَبِيَدِهِ الْيُمْنَى لوح فِيهِ مَكْتُوب ... إِذا خَان الْأَمِير وكاتباه ... وقاضي الأَرْض داهن بِالْقضَاءِ فويل ثمَّ ويل ثمَّ ويل ... لقَاضِي الأَرْض من قَاضِي السَّمَاء ... وَفِي كَفه الْأَيْسَر خَاتم عَلَيْهِ مَكْتُوب ﴿وَمَا وجدنَا لأكثرهم من عهد وَإِن وجدنَا أَكْثَرهم لفاسقين﴾ وَعند رَأسه مَكْتُوب ... يَا لائمي فِي هجرهم جَاهِلا ... عُذْري منقوش على خَاتمِي ... ثمَّ سيف أَشد خضرَة من البقلة مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذَا سيف هود بن عَاد بن إرم وَهَذَا أعجب مَا جرى فِي الْيمن بأيام أبي بكر وَلم يزل الْيمن بيد الْأُمَرَاء الْمُتَقَدِّمين مذ خِلَافَته حَتَّى كَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة لسبع بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وَكَانَ آخر كَلَام سمع مِنْهُ رب توفني مُسلما وألحقني بالصالحين وَكَانَ رزقه من بَيت المَال كل

стр. 107

عَام ثلاثمئة دِينَار بعد أَن بلغ عمره ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وخلافته سنتَانِ وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا وغسلته امْرَأَته أَسمَاء بنت عُمَيْس بِوَصِيَّة مِنْهُ ثمَّ دفن مَعَ النَّبِي ﷺ بحجرة عَائِشَة وَجعل رَأسه بِإِزَاءِ كتف رَسُول الله ﷺ وَكَانَ الْقَمَر الثَّانِي المدفون تَصْدِيقًا لرؤيا أم الْمُؤمنِينَ الْمُتَقَدّم ذكرهَا ثمَّ ولي أَمر الْأمة بعده أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن رَبَاح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ وَأبي بكر فِي كَعْب بن لؤَي اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بكر فَقَامَ بِأَمْر الْأمة أتم قيام وَكَانَ ﵁ أول من سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ فأبقى عُمَّال الْيمن على حَالهم لم يُغير على أحد مِنْهُم غير يعلى بن أُميَّة صَاحب صنعاء فَإِنَّهُ أشخصه عَن صنعاء مرَّتَيْنِ وَوصل الْمَدِينَة سَبَب الأولى أَن أَخا ليعلى أَو بعض أَهله اشْترى فرسا لرجل بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم وَلم يوفه الثّمن فَذهب إِلَى عمر وشكا ذَلِك فاستدعاه وحاقق بَينهمَا ثمَّ عَاد من فوره إِذْ لم يتَوَجَّه عَلَيْهِ حق وَالثَّانيَِة أَن رجلا من أهل حفاش قتل ابْنا لآخر فوصل إِلَى يعلى فَأخْبرهُ فاستدعى الْقَاتِل وَسَأَلَهُ هَل قتل ولد الشاكي فاعترف بذلك فَأخذ يعلى سَيْفا وَسلمهُ إِلَى أبي الْمَقْتُول وَقَالَ اذْهَبْ فاقتله كَمَا قتل ولدك ثمَّ إِنَّه ضربه ضربات مُتعَدِّدَة فَوَقع مغشيا عَلَيْهِ وَلم يشك أَنه مَاتَ فَأَخذه أَهله وَأَرَادُوا دَفنه فوجدوا فِيهِ عرقا يَتَحَرَّك فَذَهَبُوا بِهِ الْبَيْت ولاطفوه بالأدوية فتعافى فَبينا هُوَ ذَات يَوْم يرْعَى الْغنم إِذْ مر بِهِ أَبُو الْمَقْتُول فَعرفهُ فَذهب إِلَى يعلى فَأخْبرهُ فاستدعاه يعلى فاستخبره فَوجدَ فِيهِ جراحات كَثِيرَة فَأمر يعلى من قدر أروشها فبلغت الدِّيَة فَقَالَ يعلى لأبي الْمَقْتُول إِمَّا أَن تدفع الدِّيَة ونقتله أَو تخليصه فَقَالَ أُرِيد قَتله وَمَا فعلته بِهِ يكون هدرا فَلم يساعده يعلى على ذَلِك فَقدم إِلَى عمر وشكا إِلَيْهِ من يعلى وَقَالَ حَال بيني وَبَين قَاتل وَلَدي فَبعث عمر الْمُغيرَة بن شُعْبَة على صنعاء واستدعى يعلى

стр. 108

فَلَمَّا دخل الْمُغيرَة صنعاء أَسَاءَ إِلَى يعلى وَأخرجه إِلَى عمر بِوَجْه لَا يَلِيق فَلَمَّا قدم يعلى والمقتول وَلَده أَن يتحاققا فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه إِن يعلى لفقيه وَقَالَ عمر إِنَّك لقاض ثمَّ لبث بِالْمَدِينَةِ سنتَيْن وَسَأَلَ عمر عَن قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ وَقلت قد أمنا فَقَالَ عمر عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ثمَّ إِن عمر أعَاد يعلى على عمله فَلَمَّا قدم صنعاء أحسن إِلَى الْمُغيرَة وجهزه إِلَى عمر أحسن جهاز فَكَانَ الْمُغيرَة يَقُول عِنْد ذكره يعلى خير مني حِين ولي وَحين عزل وَفِي أَيَّام يعلى كَانَت قصَّة أصيل وَهِي مَا أوردهُ الرَّازِيّ بكتابه بِسَنَد حذفته اختصارا وَذَلِكَ أَن رجلا من أهل صنعاء غَابَ عَن امْرَأَة لَهُ اسْمهَا زَيْنَب وَترك مَعهَا ابْنا لَهُ من غَيرهَا اسْمه أصيل صبي فِي سنّ التَّمْيِيز وَكَانَت فاسقة وَلها سَبْعَة أخلاء فَصَارَت تتبرم من الصَّبِي أَن يفضحهم وَقَالَت لخلانها إِن هَذَا الصَّبِي فاضحنا لَا محَالة وَلست آمِنَة أَن يفضحني وَإِيَّاكُم ثمَّ حسنت لَهُم قَتله وَلم تزل بهم حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فخنقوه حَتَّى مَاتَ ثمَّ حملوه فألقوه ببئر الديبانادى وَهِي بوسط غمدان خلف بِئْر سَام بن نوح قَالَ الرَّازِيّ وَهِي فِي عصرنا خراب وعصره فِي المئة الْخَامِسَة ثمَّ إِن الْمَرْأَة أظهرت بعد ذَلِك فقد الصَّبِي وَجعلت تَدور شوارع صنعاء راكبة على حمَار وَهِي تَقول اللَّهُمَّ لَا تخف عَليّ من قتل أصيلا ثمَّ اتَّصل الْعلم بيعلى وَأَن صَبيا فقد لَا يعلم خَبره فشق بِهِ ذَلِك وساءه ثمَّ صعد الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ انْظُرُوا هَل تُحِسُّونَ لهَذَا الصَّبِي خَبرا أَو يذكر لكم فَلم يجبهُ أحد بِشَيْء ثمَّ بعد أَيَّام مر رجل من أهل صنعاء بالبئر فَظهر لَهُ مِنْهَا ريح مُنْتِنَة وذباب أَخْضَر يطلع من الْبِئْر وَيرجع فِيهَا فغلب على ظَنّه وجود الْغُلَام بالبئر فَذهب إِلَى يعلى وَقَالَ أظنني قد قدرت على طلبتك أَيهَا الْأَمِير ثمَّ أخبرهُ بِمَا وجد فِي الْبِئْر فبادر يعلى وَركب من فوره حَتَّى وقف بِرَأْس الْبِئْر وَمَعَهُ جمع من الحفدة وَأهل الْبَلَد وَمن جُمْلَتهمْ

стр. 109

بعض القتلة فَقَالَ أدلوني أنظر مَا فِي الْبِئْر وأكشف الْخَبَر فَربط بحبال وَأنزل فَلَمَّا صَار بِالْقربِ من المَاء وجد الصَّبِي قد نبذه المَاء وَهُوَ على وَجه المَاء فغيبه فِي جرف من جروف الْبِئْر ثمَّ صَاح أطلعوني فَإِنِّي لم أجد شَيْئا فَأطلع فَقَالَ النَّاس لَهُ إِنَّك لما ضربت المَاء وحركته اشتدت الرَّائِحَة وَكثر صعُود الذُّبَاب فَقَالَ رجل آخر أدلوني مَكَانَهُ فحين قَالَ ذَلِك أخذت الأول رعدة شَدِيدَة فاستوثقوا بِهِ فأدلوا الثَّانِي فَلَمَّا صَار بِالْمَاءِ تبع الرَّائِحَة فَوجدَ الصَّبِي بِغَار وَعَلِيهِ أثر التقليب فشده بالحبل وَأمر بجره فَأطلع أَولا وطلع الصَّبِي الْهَالِك فَلَمَّا ظهر الصَّبِي وَرَآهُ الْمنزل الأول اشتدت رعدته وَهَذَا من قبيل قَوْلهم فِي الْمثل كَاد الْمُرِيب أَن يَقُول خذوني فَأخذ يعلى عَلَيْهِ بالتهديد فاعترف أَنه قَتله من جملَة سَبْعَة وَأَن سَبَب ذَلِك زَوْجَة أَبِيه فطلبوا جَمِيعًا فَلَمَّا حصلوا سجنوا وَجعلت الْمَرْأَة بمعزل عَنْهُم وَكتب يعلى إِلَى عمر يسْأَله الحكم فيهم فحين وصل الْكتاب إِلَى عمر استحضر جمَاعَة من فُقَهَاء الصَّحَابَة وَعرض عَلَيْهِم كتاب يعلى واستشارهم وَقَالَ إِنِّي أرى بقتل الرِّجَال وَالْمَرْأَة غير أَنِّي أردْت لَا ينفذ ذَلِك إِلَّا بعد مشورة مِنْكُم فصوبوا رَأْيه حَتَّى قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه رَأَيْت صَوَابا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت لَو أَن جمَاعَة اشْتَركُوا فِي سَرقَة جزور سرق كل وَاحِد مِنْهُم عضوا أَكنت قاطعهم بذلك قَالَ نعم قَالَ فَهَؤُلَاءِ كَذَلِك فقوي عزم عمر وَكتب إِلَى يعلى بذلك ثمَّ قَالَ لَو تمالأ أهل صنعاء على قَتله لقتلتهم بِهِ فحين وصل الْكتاب إِلَى يعلى بَادر فَقتل الرِّجَال وَالْمَرْأَة وَقد اسْتشْهد كثير من مصنفي الْفِقْه على جَوَاز قتل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ لهَذَا الْخَبَر ثمَّ بعد ذَلِك أَن موَالِي ليعلى ضربوا رجلا حَتَّى أحدث فِي ثِيَابه فَذهب الرجل إِلَى عمر واشتكى إِلَيْهِ فَكتب عمر إِلَى يعلى أَن يَأْتِيهِ مَاشِيا على قَدَمَيْهِ فَخرج من صنعاء كَذَلِك حَتَّى إِذا صَار على مراحل مِنْهَا لقِيه كتاب عُثْمَان بن عَفَّان يبقيه على عمله ويخبره بوفاة عمر فَعَاد يعلى إِلَى صنعاء وَعمل فرحة وَأما ابْن أبي ربيعَة فَلم أسمع لَهُ خَبرا يستظرف غير مَا ذكر الرَّازِيّ فَذكر بعض الْفُقَهَاء أَنه بعث إِلَى عمر ظرفا بِهِ شَيْء من الغالية فوصل إِلَى عمر وَعِنْده

стр. 110

جمَاعَة من الصَّحَابَة فاستخرج مَا فِيهِ وضمخ بِهِ من حَضَره من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَقيل دهنهم بِهِ قَالَ الرَّازِيّ فَذكر بعض الْفُقَهَاء أَن فِي فعل عمر ذَلِك ثَلَاث فَوَائِد مِنْهَا قبُول الْهَدِيَّة والادهان بالغالية وطهارة الْمسك إِذْ هُوَ الْغَالِب فِي جوانحها وَمن محَاسِن عمر ﵁ مَا ذكر طَاوُوس أَنه قَالَ للنَّاس وهم حوله أَرَأَيْتُم إِذا اسْتعْملت عَلَيْكُم خير من أعلمهُ ثمَّ أوصيته بِالْعَدْلِ فِيكُم أَتَرَوْنَ قضيت مَا عَليّ قَالُوا نعم قَالَ لَا حَتَّى أطالعه وأفتقده فِي عمله هَل هُوَ كَمَا أَمرته أم لَا وَقَالَ لَهُ حُذَيْفَة بن الْيَمَان اسْتعْملت الْفجار على رِقَاب أمة مُحَمَّد ﷺ وَلم يفعل ذَلِك من قبلك فَقَالَ أستعين بجلد الْفَاجِر وَإِن عرفت فجوره ثمَّ أباشر عمله بنفسي فَقَالَ حُذَيْفَة أخْشَى أَن يوليهم من يَأْتِي بعْدك احتجاجا بك ثمَّ لَا يباشرهم وَفعل عمر مَعَ يعلى دَلِيل على مَا ذكره من الافتقاد وَكَانَ عمر أول من سمي أَمِير الْمُؤمنِينَ سَمَّاهُ بِهِ عَمْرو بن الْعَاصِ فاشمأز مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَلسنا الْمُؤمنِينَ وَأَنت أميرنا قَالَ بلَى ثمَّ سكت فَمن هُنَالك سمي كل قَائِم بِالْأَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أول من دون الدَّوَاوِين وجند الأجناد وَعرف العرفاء وَوضع الْجِزْيَة وَنفى الْمُشْركين عَن جَزِيرَة الْعَرَب وَلما أَرَادَ وضع الدِّيوَان جمع أكَابِر الصَّحَابَة واستشارهم فوافقوه ثمَّ سَأَلَهُمْ بِمن تكون الْبِدَايَة فَقَالُوا بك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَا الْأَمر لرَسُول الله وَنحن نوابه فِي أمته أبدأ برهطه الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب ثمَّ فرض للْعَبَّاس فِي كل عَام سِتَّة آلَاف دِرْهَم ثمَّ لعلى نَحوه وَفرض لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن خَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَقَالَ ألحقهما بأبيهما لمكانهما من رَسُول الله ﷺ ثمَّ فرض لكل مُهَاجِرِي خَمْسَة آلَاف وَلكُل أَنْصَارِي أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ جعل
следующие страницы →