Полный текст (1 016 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الْفَقِيه سَالم ذكر رجلَيْنِ يَنْبَغِي ايراد مَا لَاق من احوالهما وهما الشَّيْخ احْمَد بن الْجَعْد وَالشَّيْخ ابو معيد فاما الشَّيْخ ابْن الْجَعْد فصحب هَذَا سالما وَكَانَ خَادِمًا صَدُوقًا ثمَّ لما توفّي سَالم تقدم الى الشَّيْخ الأهدل مقدم الذّكر فصحبه واخذ عَنهُ الْيَد وَعَاد بَلَده ابين فسكن قَرْيَة الطرية وَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي وَصَحبه خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة واخذوا عَنهُ الْيَد وَكَانَ صَاحب كرامات شهيرة وَلم يكن فِي المشائخ الْمُتَأَخِّرين لَهُ نَظِير وَفِي أَصْحَابه من اعيان المشائخ وكذل فِي اولاده وَلما سُئِلَ عَن صفة الْفقر قَالَ من لَهُ مدرعة من الْجُوع وَسَرَاويل من العفاف وطاقية من الخضوع ملوية بالخشوع تجْرِي مِنْهَا الدُّمُوع ويسقى مِنْهَا الربوع ورداء من الْحيَاء ومسبحة من المراقبة وَسوَاك من القناعة وزاوية من الْعلم وعكاز من التَّوَكُّل ومشعل من الأنبار وَنَعْلَان من الصَّبْر وَطَعَام من الذّكر وشراب من الْمحبَّة وبسطة من الانس وَبَيت من الْعُزْلَة فَذَلِك هُوَ الْفَقِير الخطير فَمن كَانَ هَذَا لِبَاس بَاطِنه فليلبس ظَاهِرَة مَا شَاءَ وغالب اصحابه فِي نَاحيَة بَلَده ثمَّ فِي حَضرمَوْت ثمَّ فِي نواحي الحجرية الَّتِي هِيَ شَرْقي الْجند ثمَّ لم اتحقق تَارِيخه وَكَانَت وَفَاته لبضع وَتِسْعين واخوه بعده خَلفه وَله كثير فِي الْحِكْمَة لم اتحقق مِنْهُ غير مَا تقدم وَفِيه الْكِفَايَة
وَأما الشَّيْخ ابو معبد فَهُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن معبد كَانَ من اعيان المشائخ صَاحب حَال ومقال ورعا زاهدا سكن فِي بدايته موضعا بِقرب عدن يُقَال لَهَا الْعِمَاد فَلَمَّا سمع النَّاس بِهِ خَرجُوا إِلَيْهِ من عدن أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا شغلوه من الْعِبَادَة فَشكى ذَلِك الى بعض اصحابه فَأمره ان يسالهم شيا من الدُّنْيَا على وَجه
стр. 842
الْقَرْض وَذَلِكَ كَمَا فعل الْفَقِيه عبد الله بن الْخَطِيب كَمَا قدمنَا حِين ذكرته وَبعد ذَلِك انْتقل الى نَاحيَة حجر الدغار فسكن هُنَالك موضعا يُسمى رضوم يَأْتِي ذكره أَن شَاءَ الله تَعَالَى وَصَحبه جمع كَبِير وَكَانَ لَهُ ولد مبارك يلقب بالغزالي وَيُسمى مُحَمَّدًا تفقه باحمد بن عَليّ بن ابراهيم التهامي وَتُوفِّي على حَيَاة ابيه ولقب بالغزالي لِأَنَّهُ كَانَ فَقِيها فَاضلا وَمن أَصْحَاب الْفَقِيه سَالم أَبُو عبد الله حُسَيْن بن عبد الله الدوعاني السروي قدم على الْفَقِيه سَالم مَسْجِد الرِّبَاط فُقَرَاء عَلَيْهِ وانتفع بِهِ وَتزَوج بابنته وَكَانَ يتَحَصَّل لَهُ بعض السَّاعَات سكر فَيبقى منطرحا بَين مدرس الْمدرسَة فَمَتَى مربه الْفَقِيه سَالم عجب على ذَلِك وَقَالَ ثمَّ زَاد على ابْن أدهم على هَذَا روى الشَّيْخ الحارب بعد مَوته فَقيل مَا فعل الله بك فَقَالَ استحققت الْعَذَاب فشفع بِهِ الْفَقِيه حُسَيْن الدوعاني وَقد رتحل الدوعاني الى الضُّحَى واخذ عَن مُحَمَّد بن اسماعيل مقدم الذّكر وَكَانَ كَبِير الْقدر شهير الذّكر فِي الْعِبَادَة وَلم اتحقق لَهُ تَارِيخا وانقضى ذكر من تحققته فِي مَسْجِد الرِّبَاط وَهُوَ مَسْجِد على سَاحل ابين مَشْهُور بِالْبركَةِ يقْصد للزيارة يُقَال أَنه أول مَسْجِد بني بناحيته على سَاحل الْبَحْر وبقربه المزار الَّذِي يعرف بالكثيب وَيُقَال إِن هَذَا الْمَسْجِد كَانَ معبدًا لقوم قبل الاسلام وَلَا يبعد ذَلِك إِذْ قد وجدكما ثَبت فِي الْخَبَر الصَّحِيح عَنهُ ﷺ فِي قصَّة قس بن سَاعِدَة أوردهَا ابْن عَسَاكِر
وَمن قَرْيَة الطرية وَهِي فِي مَا تقدم من قرى ابين الْمُعْتَمدَة وَخَربَتْ مُنْذُ مُدَّة وَاسْتمرّ بهَا الخراب الى عصرنا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وَخرج مِنْهَا جمَاعَة من الفضلا مِنْهُم متقدمون مضوا ومتأخرون مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن أبي الْخَيْر بن جبر فَالْأول ضد الشَّرّ وَالثَّانِي ضد الْكسر تفقه بالضحى على مُحَمَّد بن
стр. 843
اسماعيل وَكَانَ عَارِفًا لَا سِيمَا بكتب الْغَزالِيّ الْوَسِيط والبسيط بِحَيْثُ كَانَ يُقَال لَهُ فَارس الْوَسِيط ورائض الْبَسِيط وَكَانَ الْفَقِيه سَالم مَتى سئلعنه قَالَ هُوَ من الراسخين فِي الْعلم وسيئل بعض الْفُقَهَاء عَنهُ فَقَالَ حقيق بقول الشَّاعِر ... عقم النِّسَاء فَمَا يلدن بِمثلِهِ ... إِن النِّسَاء بِمثلِهِ عقم ... وَكَانَ يقوم كل لَيْلَة بِالْقُرْآنِ فِي رَكْعَتَيْنِ واخبرني الْفَقِيه ابو بكر بن احْمَد الرَّسُول عَن اخيه مُحَمَّد بن الْفَقِيه ابي الْخَيْر الْآتِي ذكرهمَا وَكَانَ أحد تلاميذه أَنه سَمعه يَقُول كنت أسمع الْقصاص يَقُولُونَ قَالَ مُوسَى يَا رب اجْعَلنِي من أمة مُحَمَّد ﷺ فَأنْكر ذَلِك بخاطري وَأَقُول مَا هَذَا صَحِيح قَالَ الله تَعَالَى أَنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالتي وبكلامي وَقَالَ وكلم الله مُوسَى تكليما وَقَالَ النَّبِي ﷺ كل أهل الْجنَّة جرد مرد الا مُوسَى فقد ران رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام عَن يَمِيني ومُوسَى عَن شمَالي فَقلت يَا مُوسَى انت قلت رب اجْعَلنِي من امة مُحَمَّد ثمَّ رجعت الى نَفسِي وَقلت كَيفَ اساله بحضر النَّبِي ﷺ ثمَّ قلت يَا رَسُول الله ﷺ هَل قَالَ مُوسَى رب اجْعَلنِي من أمة مُحَمَّد فَسكت فاعدت السُّؤَال فَسكت فاعدت ثَالِثا فَقَالَ النَّبِي ﷺ نعم نعم نعم ثَلَاثًا فَلم انكر بعد ذَلِك سَماع ذَلِك من قاص وَلَا غَيره
وَلما احْتضرَ هَذَا لافقيه بلغ الشَّيْخ احْمَد بن الْجَعْد وَكَانَ قد أقعد قَالَ لأَصْحَابه احْمِلُونِي الى الْفَقِيه فَحمل فَلَمَّا صَار عِنْده وَقَالَ لَهُ يَا فَقِيه عبد الرَّحْمَن هَذَا وَقت سفرك الى الْمقَام الْعلوِي ونريد مِنْك الصُّحْبَة فَقَالَ يَا شيخ تثبت وَكَانَت وَفَاته على الطَّرِيق المرضي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن احْمَد بن ابي بكر بن مُوسَى عرف بالخرف تفقه بِابْن الرَّسُول الْآتِي ذكره وَولى قَضَاء بَلَده وَتُوفِّي بهَا لسبع بَقينَ من رَمَضَان سنة ارْبَعْ
стр. 844
وَسبعين وسِتمِائَة عمره نيفا وَسِتِّينَ سنة وَخَلفه ابْنه ابراهيم تفقه بِهِ وبشيخه ابْن الرَّسُول وولاه بَنو مُحَمَّد بن عمر قَضَاء الكدراء فُقَرَاء فِي اثناء ذَلِك على الْفَقِيه عَليّ بن ابراهيم مقدم الذّكر بشيخه ثمَّ انْتقل الى احور فاقام بهَا حَاكما ومفتيا حَتَّى توفّي بسلخ جمادي الْآخِرَة سنة احدى عشرَة وَسَبْعمائة وَخَلفه ابْنه احْمَد تفقه بابيه وبابن السبتي فِي الشحر وبعلي بن ابراهيم بشجينه وَولى قُضَاة ذبحان من قبل ابْن الأديب وَبَلغنِي فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة انه انْفَصل عَنهُ وَمن قرى أبين الجبنون بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَضم النُّون وَسُكُون الْوَاو ثمَّ نون بعْدهَا كَانَ بهَا جمَاعَة مِنْهُم زُرَيْع بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن مَسْعُود بن عبد الله اليامي ثمَّ الْهَمدَانِي كَانَ فَقِيها كَبِيرا فَاضلا وَكَانَ ابوه مُحدثا تفقه زُرَيْع بِمُحَمد بن اسماعيل الْحَضْرَمِيّ وبعلي بن قَاسم الْحكمِي وَكَانَ صَاحب رِوَايَات واخبار مستحسنات وَكَانَت لَهُ كرامات واسنادات عاليات وَمِنْه اخذ ابْن الرَّسُول فِي بدايته وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة
وَمِنْهُم عمر بن مُفْلِح بن مُحَمَّد بن مهيوب بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَضم الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَسُكُون الْوَاو ثمَّ بَاء مُوَحدَة وَنسبَة الربعِي ثمَّ النزاري كَانَ فَقِيها فَاضلا وَلَا سِيمَا بِعلم الْأَدَب واخذه لَهُ عَن الامام بطال وَله مِنْهُ اجازة عَامَّة وَكَانَ جوالا فِي الْبِلَاد بَين بَلَده وجبا وتعز والجند قَالَ حسن بن عَليّ الْمُقدم ذكره اجْتمعت بِهِ فِي سير سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة فأجازني اجازة عَامَّة وَأَخْبرنِي ان لَهُ اجازة من الْفَقِيه بطال
وَمن خنفر بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَكَانَ بهَا جمَاعَة مِنْهُم ابو الْحسن عَليّ بن ابي الْغَيْث بن احْمَد بن أبي الْحُسَيْن كَانَ فَقِيها مُحدثا وَكَانَ الْمَنْصُور بن الرَّسُول يَعْتَقِدهُ وَيُحِبهُ وَمَتى دخل ابين زَارَهُ وَالْتمس
стр. 845
دَعَاهُ وَقبل شَفَاعَته وَتزَوج بابنة الْفَقِيه عَليّ بن مياس الْمُقدم ذكره وَحدث لَهُ مِنْهَا أَوْلَاد ثَلَاثَة هم ابو بكر وَعمر وَعبد الله فعمر تفقه بعمر بن مُحَمَّد الَّاتِي ذكره فِي أَصْحَاب الشحبلي كَانَ فَاضلا توفّي بعد أَن كَانَ يَنُوب خَاله بَنو مُحَمَّد بن عَليّ بن مياس على قَضَاء عدن وَتُوفِّي أول ولَايَته بعد ابْن الْجُنَيْد ربدون السّنة وَذَلِكَ فِي لحج بعد أَن تفقه بِهِ ابْن الاديب وَأما أَبُو بكر فتفقه بتهامة على عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عجيل غَالِبا وإقامته بلحج يذكر بِالْخَيرِ وَالدّين والمروة
وَمِنْهُم مبارك بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله الشحبلي بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة بعد الف وَلَام وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ لَام ثمَّ يَا مثناة من تَحت تفقه بعلي بن قَاسم وانتشر عَنهُ الْفِقْه انتشارا متسعا وَكَانَ من ابرك النَّاس تدريسا عَنهُ أَخذ عمر بن مُحَمَّد بن معمر وَعلي بن عِيسَى الْمَذْكُورين فِي أهل الْجند وَغَيرهم مِمَّن درس وافتى ثمَّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن صَالح وَمُحَمّد بن عَليّ بن جميل تفقها وَلم يدرسا وَلما توفّي قَامَ بعده تِلْمِيذه ابو الْخطاب عمر بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد معمر فتفقه بِهِ جمَاعَة مِنْهُم عمر بن أبي الْغَيْث وَكَانَ هَذَا عمر فَقِيها مُحدثا درس بِجَامِع خنفر مُدَّة طَوِيلَة
وَمِنْهُم ابراهيم بن مُحَمَّد بن سعيد الْحَضْرَمِيّ يعرف بالأشل لشلل كَانَ بِيَدِهِ تفقه بمبارك
وَمِنْهُم أَبُو الْحسن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن عمر بن أَحْمد بن غيلَان تفقه بِابْن الرَّسُول الَّاتِي ذكره ورايت سَمَاعه للتّنْبِيه وتاريخه لتمامه الثَّالِث وَعشْرين لَيْلَة خلت من الْقعدَة أحد شهور سنة وَاحِد وَسبعين وسِتمِائَة وَكَانَ يذكر بجودة الْفِقْه ووردت مِنْهُ أسئلة الى شَيخنَا ابي الْحسن فاستجادها واجابه عَنْهَا وَهِي مَذْكُورَة فِيمَا جمع من قَامَ بِهِ وَكَانَت وَفَاته بعد سَبْعمِائة تَقْرِيبًا وَمن الْمُتَقَدِّمين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد عرف بالثريبا بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة بعد الف وَلَام وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ ألف كَانَ من أتراب الْفَقِيه
стр. 846
مبارك وَرُبمَا كَانَ هَذَا أكبر مِنْهُ وباشارة هَذَا الْفَقِيه بني الأتابك سنقر الْجَامِع بخنفر وَسبب ذَلِك أَن الأتابك تحمل لهَذَا الْفَقِيه مَالا وَسَأَلَهُ قبُوله كَيفَ شَاءَ أما لنَفسِهِ أَو ليفرقه على من رَاء فَلم يقبل الْفَقِيه بل قَالَ لَهُ الصَّوَاب انك تبني بِهِ جَامعا انفع لَك من ذَلِك فاعتمد الاتابك اشارته وَكَانَت مباركة وَلما توفّي خَلفه ابْنه إِبْرَاهِيم فارتحل إِلَى تهَامَة برفاقة الْفَقِيه مشقر مقدم الذّكر فَقدما على الامام أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل فاسكنهما لبيت وَاحِد قَالَ الْفَقِيه مشقر فَبَيْنَمَا نَحن ذَات لَيْلَة نصلي التَّرَاوِيح خلف الْفَقِيه أَحْمد إِذْ رَأَيْت صَاحِبي قد ذهب نَحْو الْبَيْت وَلم يتم مَعنا التشفيع حَتَّى ذهب عَنَّا إِلَى الْمنزل الَّذِي يسكنهُ فَلَمَّا فَرغْنَا الصَّلَاة وَذهب كل الى منزله اتيت الْمنزل فَوجدت صَاحِبي حَزينًا باكيا متألما فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك فَلم يجيبني بشي ثمَّ بَات لَيْلَة على ذَلِك لم يطعم طَعَاما ثمَّ ظلّ كَذَلِك ثمَّ بَات نَحوه لم يفْطر على شَيْء وَلما أَصبَحت جِئْت الى الْفَقِيه لأقرأ عَلَيْهِ فحين اردت الْقِرَاءَة اردت ابتدائها بمراجعة الْفَقِيه بِسَبَبِهِ فنهرني وَقَالَ لَا تشك من أَن ابراهيم من الابدال ثمَّ لما عدت من الْقِرَاءَة وجدته على ذَلِك الْحَال فَلم أزل الاطفه واسأله عَن سَببه فَقَالَ لي أما رَأَيْت تِلْكَ اللَّيْلَة النُّور الَّذِي نزل وَنحن فِي الصلوة وَغشيَ الْفَقِيه دون غَيره فشق على ذَلِك حَيْثُ لم يحصل لي مِنْهُ نصيب وَلَا لغيري فَقلت مَا رأى ذَلِك إِلَّا أَنْت وَقد قَالَ الْفَقِيه لَا يشك انك من الابدال
ثمَّ عقيب ذَلِك عَاد بَلَده فَلَزِمَ مَسْكَنه وابتني فِيهِ مصلا حَتَّى توفّي على الْعُزْلَة وَالْعِبَادَة لنيف وَتِسْعين وسِتمِائَة تَقْرِيبًا وَكَانَ بهَا قوم يُقَال لَهُم الكرديون يلون القضا وأصلهم اكراد كَانَ فيهم أخيار وَقد ذكر ابْن سَمُرَة جمَاعَة مِنْهُم فِي بعض نُسْخَة لم أكد أتحقق من متأخرهم غير مُحَمَّد بن ابراهيم فانه كَانَ حَاكما وَفِي طَرِيقه الَّتِي سلكها خير وَابْنه الَّذِي نقل إِلَى الشحر فأساء السِّيرَة على الْحَاكِم قبله وَأهل الْبَلَد وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك مَعَ أهل الشحر ثمَّ صَار الْفِقْه الى طبقَة أُخْرَى مِنْهُم أَبُو الْعَتِيق أَبُو بكر بن احْمَد بن عمر بن الاديب مولده سنة احدى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وتفقه بعمر بن ابي الْغَيْث الْمُقدم ذكره وبمشقر ثمَّ ارتحل الى تهَامَة فَأخذ عَن بعض بني عجيل ثمَّ عَاد بَلَده فاقام مُدَّة طَوِيلَة على طَرِيق
стр. 847
النّسك ثمَّ سَافر الى مَكَّة وَصَحب ابْن زُرَيْق الْمَذْكُور فِي فُقَهَاء تعز فَلَمَّا عَاد من الْحَج أخبر الْفُقَهَاء بني مُحَمَّد بن عمر بِدِينِهِ وفقهه فأثر ذَلِك عِنْدهم إِذْ كَانَ الْمخبر لَهُ حَظّ عِنْدهم فطلبوه وولوه قَضَاء عدن وَأبين فاستناب على أبين وَدخل عدن وَذَلِكَ سنة ارْبَعْ وَسَبْعمائة وعقيب دُخُوله حصل فِي عدن سيل جحاف فَاحْتمل بُيُوتًا وعالما كثيرا والقاهم الْبَحْر من جُمْلَتهمْ بَيت الضَّامِن الْبَلَد وَالْمَعْرُوف بِابْن معوضة واحاط المَاء بِالْبَيْتِ الَّذِي نزله القَاضِي حَتَّى أَنه لم يخرج مِنْهُ إِلَّا بحيلة من كوَّة فِيهِ ينزل مِنْهَا الى الشَّارِع فَاخْرُج كتبه وَأخرج على سلم ركز لَهُ من كَثْرَة المَاء على بَاب الْبَيْت وَلم يَتْرُكُوهُ بني مُحَمَّد بن عمر يسير فِي الْقَضَاء على مُرَاده بل الزموه على الْوُقُوف على حُدُود ضَاقَ مِنْهَا فعزل نَفسه وَعَاد ألى ابين فَبَقيَ على قَضَائهَا وَجعل مَكَانَهُ فِي عدن يُوسُف بن مَضْمُون الْمُقدم ذكره فَلبث نَحْو سنتَيْن وَلم تحسن اثاره فعزل وأعيد ابْن الاديب فِي سنة ٧٠٦ فَلَمَّا اسْتمرّ على الْقَضَاء وَاقِفًا على مَأْخَذ الْقُضَاة متأدبا منضبطا واحدث مَعَ ذَلِك ضوابط اخر لم يجد بهَا قَاضِي قبله مِنْهَا أَنه مُنْذُ ولي لم يصرف للأيتام زكوة وَكَانَت مِمَّا ينْتَفع بهَا النَّاس وَمِنْهَا أَنه منع أهل عدن أَن يوصوا إِلَّا بحضر أَقوام عينهم وَسَمَّاهُمْ الْأُمَنَاء وهم عِنْد النَّاس على خلاف ذَلِك ظَاهرا وَبَاطنا وَمَتى فعل أحد بِخِلَاف ذَلِك انكر عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ وَنَحْوه من التَّعْزِير وَرُبمَا حبس الشُّهُود وَهَذَا أَمر شاق بِالنَّاسِ بِحَيْثُ أَن الْفَقِير لَا يصله الشُّهُود المعنيون لعدم طمعهم بِهِ إِذْ لَا بُد عِنْد ان يُوصي الْمُوصي لَهُم من شَيْء يرْضخ بِهِ الْمُوصى لَهُم طَوْعًا وَكرها والغني قد يكون يحب كتم أمره وَلَا يُوصي وَلَا يُحْصى إِلَّا بحضر من يتَحَقَّق دينه وأمانته وكتمه لسره فَيمْتَنع كثير من الْفُقَرَاء والأغنياء لما ذكرته
وَمن مَا سنه ابْن الأديب انه مَتى وصل كل يطْلب مَاله فِي الْمُسْتَوْدع لم يسلمُوا لَهُ حَتَّى يضمن بهَا مَعْرُوف وَذَلِكَ وَجه ضَعِيف لَا عمل بِهِ ثمَّ أَنه لما سكن لحج عِنْدَمَا ولي قَضَاء عدن صَار يخرج بعد الْمَوْسِم ويدير الرعارع وَاشْترى ارضا ونخيلا وَمَتى خرج من عدن استناب الْفَقِيه أَحْمد الْحرَازِي واستناب ابْن
стр. 848
الْفَارِسِي مقدم الذّكر فِي اثناء قيام ولد الْفَقِيه ابي بكر وَقد ذكرت ذَلِك مَعَ ذكره وَمَعَ ذَلِك أَنه لَا يكَاد يُوجد لَهُ فِي هَذَا الْعَصْر نَظِير فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَالْأُصُول والمنطق وَحسن تدريس الْجَمِيع وَلَقَد قَرَأت عَلَيْهِ الْوَسِيط فرأيته يحل غبهامه ويزيل اشكاله وانتفع بِهِ كثير من الْفُقَهَاء وشهدوا بِأَنَّهُ اوحد الْعَصْر فِي الْفِقْه والتدريس وَلَا يكَاد يخلوا حَيْثُ كَانَ عَن تدريس ومطالعة وَلم يزل حَاكما بعدن حَتَّى كَانَ سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة حدثت الْقِصَّة الْمَشْهُورَة بَين السُّلْطَان الْمُؤَيد وَبَين أَخِيه النَّاصِر وَقد مضى ذكرهَا وَكَانَ قد استحضر السُّلْطَان القَاضِي أَبَا شكيل وَالْقَاضِي المشيرقي مقدم الذّكر لمشاجرة جرت بَينهمَا وَقد ذكرتها مَعَ ذكر المشيرقي واستدعى بِهَذَا ابْن الاديب وبجماعة من اعيان فُقَهَاء تهَامَة كَابْن الْحَضْرَمِيّ احْمَد بن اسماعيل وجمال الدّين صَاحب المهجم وجمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ وَأحمد بن أبي الْخَيْر فَلَمَّا حَضَرُوا مقَام السُّلْطَان بعد أَن أَمر ولد الْفَقِيه بِلُزُوم بَيته حكم ابْن الأديب بَينهمَا وأوضح الْأَمر وَأَنه خطا من المشيرقي وأكد ذَلِك اعْتِرَاف صدر مِنْهُ وَقَالَ أكرهت على مَا حكمت بِهِ فَلَمَّا ظهر للسُّلْطَان ذَلِك اطلق ابا شكيل عَن الاعتقال وَقطعت المساطير الَّتِي كَانَ المشيرقي كتبهَا عَلَيْهِ ثمَّ لما خَرجُوا قعدوا يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاث واستدعي السُّلْطَان بِابْن الاديب فَجعله قَاضِي الْقُضَاة وَذَلِكَ بحضر أبي شكيل وَالْقَاضِي حُسَيْن بن صَالح الْمُقدم ذكره وَكَانَ أول أَمر فعله أَن استناب على قضا الْجند ابْن قَيْصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ بهَا من غيراختيار واستناب على قضا زبيد ابي شكيل إِذْ عزل المشيرقي نَفسه بالكره أكرهه الْجَمَاعَة وخوفوه وَاسْتمرّ على القضا حَتَّى توفّي الْمُؤَيد وَقعد بعده نَحْو ثَلَاثَة أشهر ثمَّ أَنه تحقق أَنه عرض المجاهدابن الْمُؤَيد يتْرك عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الظفاري مَكَانَهُ فَلم يعرج على شَيْء غير تقدم لحج فِي سلخ صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَلزِمَ منزله بالرعارع وَذَلِكَ سَابِع جمادي الْأُخْرَى بعد أَن قتل فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الأتابك
عمر بن يُوسُف والوزير الظفاري وَمُحَمّد بن الْهمام وَمُحَمّد بن عُثْمَان الْعَنسِي حَتَّى انْقَضتْ ايام
стр. 849
الْمُجَاهِد الأولة وَقَامَ عَمه الْمَنْصُور بِالْملكِ فاستدعي بِابْن الاديب وَبعث لَهُ بزواد وَكِسْوَة فتوقف اياما ثمَّ يقدم فِي شعْبَان فَلم يلبث غير يسير وَدخل رَمَضَان ثمَّ فِي سادسه جرى للمنصور مَا سَيَأْتِي فَلبث ابْن الأديب الى ربيع الآخر من سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة ثمَّ اسْتَأْذن الْمُجَاهِد وَعَاد لحج فَهُوَ هُنَاكَ مُسْتَقرًّا ثمَّ انْتقل عَن الرعارع الى بِنَا ابه الْعليا وَهُوَ بهَا سَاكن وَقد بَلغنِي انه عَاد الرعارع وَلما استولى ولد الْمَنْصُور على عدن ونواحيها واستدعاه الى الدملوة وامره بالاستمرار على قضا القضا فَهُوَ على قضا القضا حَتَّى كَانَ فِي شهر جمادي الأولى نزل عَسْكَر من الْمُجَاهِد وهجموا الرعارع وَدخل جَعْفَر بن الصليحي بَيته فَدخل بعده وَقتل وَهُوَ مُتَعَلق بِهِ وداخل ابْن الديب من ذَلِك فزع وَمرض اياما سِتا أَو سبعا ثمَّ توفّي الْحَادِي وَالْعِشْرين من جمادي الأول سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَمِنْهُم بخنفر رجل يعرف بِابْن الزبير تفقه بِابْن الأديب وَيذكر بِالدّينِ وَالصَّلَاح وَالْخَيْر وَمن قرى ابين الْمحل جمَاعَة مِنْهُم ابو الْعَبَّاس احْمَد بن ابي بكر بن ابراهيم الرَّسُول المخزمي نِسْبَة الى قوم يُقَال لَهُم المخازمة وهم بطن من كِنْدَة واحدهم مخزمي بِفَتْح الْمِيم ثمَّ سُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة ثمَّ زاء مَفْتُوحَة ثمَّ مِيم ثمَّ يَا نسب مولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وتفقه فِي بدايته بزريع الْمُقدم ذكره ثمَّ ارتحل الضُّحَى فَأخذ عَن الامام اسماعيل وَعَلِيهِ أكمل التفقه وَهُوَ أكمل اصحابه معرفَة للفقه ونظافة للْعلم وغزارة فِي النَّقْل وَرُبمَا ذكر انه اخذ عَن الامام ابْن عجيل فَصَارَ عَارِفًا بالفقه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير عابدا زاهدا مبارك التدريس اخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرَة من نواح شَتَّى فَمن الْجبَال شَيْخي ابو الْحسن الأصبحي وَصَالح بن عمر السفالي قدما اليه مُتَرَافِقين فُقَرَاء صَالح التَّنْبِيه أجمع وَشَيخنَا اخذ بعض الْوَسِيط ثمَّ عَارضه مرض استجاز الْكتاب وَعَاد الْجَمِيع الْبِلَاد فَنعم الرفيقان رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا وَعبد الله بن سَالم وَسليمَان بن مُحَمَّد الصُّوفِي كِلَاهُمَا من
стр. 850
جبلة وَعمر الحبيشي وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان من دَار نهد وَإِسْمَاعِيل بن احْمَد الخلي وَمُحَمّد الشَّامي من حجر وَمن الْبَلَد مُحَمَّد الخرف وَابْنه ابراهيم وَمُحَمّد بن أَحْمد أَبَا مسلمة وَولده وَمُحَمّد بن عَليّ الأحوري مَاتَ طَالبا سنة تسع وَسبعين وسِتمِائَة وَمُحَمّد بن أَحْمد السبتي الشحري وَمُحَمّد بن يَعْقُوب من لحج من بني الْحميدِي كَانَ عرافا بالتنبيه والمهذب وَأحمد بن عمرَان الغيلاني وَهَؤُلَاء غالبهم رَأس ودرس وَله ابْنَانِ هما مُحَمَّد وابو بكر تفقها وَتُوفِّي مُحَمَّد سنّ ٦٧٥ وَهُوَ الَّذِي روى الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن ابي الْخَيْر الْمُقدم ذكره
وَأما ابو بكر فتصوف وَهُوَ مَعَ ذَلِك يدرس وَاجْتمعت بِهِ فِي عدن فَوجدت رجلا خيرا وَله فِي عدن رِبَاط وَيَده فِي التَّحْكِيم لسيدي أَحْمد الرِّفَاعِي الْمُقدم ذكره حكمه الْفَقِيه أَبُو بكر بن فليح الْمُقدم ذكره فِي أَصْحَابنَا أهل الْجند وَتُوفِّي فِي بَلَده الْمحل فِي شهر جمادي الأول سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة وَلَقَد سَمِعت الثِّقَات ينقلون عَن هَذَا الْفَقِيه أَحْمد من غزارة النَّقْل وَكَمَال الْفضل مَا يعجب ويطرب وامتحن فِي آخر عمره بالعما وَيذكر بجودة النَّقْل وثبات الْعقل يقرى الْعلم فِي بَيته وَله كرامات وَهُوَ يرْوى الْبَيَان عَن عبد الله الدلالي وَأخذ عَن القَاضِي اسحاق الطَّبَرِيّ وَبِالْجُمْلَةِ مخصاله المحمودة أَكثر من أَن تحصى وَبَلغنِي أَنه توفّي ثَانِي عشر من رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة وأخرب عَسْكَر الظَّاهِر الْمحل فِي شهر رَمَضَان سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَلم يزل دأب الظَّاهِر الأخراب والأفساد
وَمن دثينة بلد ضَبطهَا بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وخفض الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَفتح النُّون وَسُكُون الْهَاء وَهِي بلد للْعَرَب الَّذين يعْرفُونَ بالجحافل فِيهَا فَقِيه اسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد يعرف بِابْن الدويح تَصْغِير دوح وَهُوَ ظرف
стр. 851
المَاء بلغَة الْيمن وَقد يسْتَعْمل فِي غَيره تفقه بالامام اسماعيل الْحَضْرَمِيّ وَهُوَ فَقِيه ناحيته يذكر بالورع والزهد واجادة نقل الْفِقْه ويلغني أَنه الْآن على قدم التصوف ومسكنه قَرْيَة تعرف بقاعة الرُّمَّان على قرب من مَدِينَة الفرط احدى مدينتي دثينة اذا الْأُخْرَى فويلع وَضبط الفرط بِضَم الْفَاء بعد ألف وَلَام وَضم الرَّاء وَسُكُون الطَّاء وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة بهَا تربة الشَّيْخ عمر بن سعيد الْجَعْدِي الأيوبي نسبا وَكَانَ كَبِير الْقدر شهير الذّكر
وَمن أحور قد ذكر ابْن سَمُرَة مِنْهَا جمَاعَة فِيمَا مضى وذكرتهم وَكَانَ فِيهَا آخر جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن عراف اليافعي وَهُوَ أحد شُيُوخ ابي الْخَيْر الْحَضْرَمِيّ أَخذ عَنهُ الفايق فِي الْوَعْظ لأَخذه لَهُ عَن ابْن قَيْصر الظفاري عَن القلعي وَمِنْهُم مُحَمَّد بن احْمَد بن ابراهيم بن الخزف ثمَّ ابْنه احْمَد قد ذكرتهما فِي أهل ابين وَلم اتحقق غَيرهمَا وهما من الواردين اذ اصل بلدهما ابين كَمَا تقدم فِي ذكرهمَا مَعَ اهل ابين
وَمن ميفعة الْقرْيَة الَّتِي تقدم ذكرهَا وَأَن الشَّيْخ ابا معبد سكنها كَانَ بهَا جمَاعَة مِنْهُم عبد الله ابْن ابراهيم بن مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جبر بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ رَاء الماربي بَلَدا نسبه الى الْبَلَد الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن بسيل العرم قدم هَذَا ميفعة وَقد تفقه يعرفهُ اهل الْبَلَد واعتقدوا بِهِ وأحبوه فاقام عِنْدهم مفتيا وحاكما ثمَّ خَلفه ابْن لَهُ اسْمه ابو الْخَيْر خرج من ميفعة طَالبا للْعلم فقصد الطرية من ابين وقراء على الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن ابي الْخَيْر مقدم الذّكر وَذكر أَن بنيهما قرَابَة لَازِمَة فتفقه بِهِ حَتَّى توفّي ثمَّ لحق بتهامة فأكمل تفقهه بالأمام اسماعيل الْحَضْرَمِيّ فتفقه بهَا تفقها جيدا ثمَّ عَاد الى حجر وخلت الشحر عَن حَاكم بِمَوْت عبد الرَّحْمَن السبتي الْآتِي ذكره فَطلب الى الشحر وَجعل حَاكما ومفتيا
стр. 852
فَانْتَفع بِهِ أهل الشحر وانتشر عَنهُ الْفِقْه وتفقه بِهِ جمَاعَة من أَهلهَا وَغَيرهم مِنْهُم أَحْمد بن أبي السبتي الْآتِي ذكره وَحسن بن عَليّ باخير الْحَضْرَمِيّ وَهُوَ فَقِيه الشحر فِي عصرنا حَتَّى توفّي ثمَّ عَليّ بن عبد الله با أَسد حضرمي ثمَّ من شبام عبد الله بن أَحْمد با حَارِث وَيعرف بعبيد تَصْغِير عبد ثمَّ مُحَمَّد بن مَسْعُود عرف بِأبي بهير من وَادي حَضرمَوْت يُقَال لَهُ بور بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْوَاو ثمَّ رَاء وَيذكر أَنه مَوْجُود الْآن سنة ٧٢٦ وَلم يزل هَذَا أَبُو الْخَيْر حَاكما ومفتيا بالشحر حَتَّى صَار ملكهَا الى الْغَزْو ذَلِك سنة ٧٦ وَقيل سنة ٦٧٧ فاصدر القَاضِي الملقب بالبهاء اليها رجلا من أهل الْيمن من الْقُضَاة الَّذين كَانُوا بَابَيْنِ يعْرفُونَ بالكرديين جمع كردِي اسْمه عمر بن مُحَمَّد بن ابراهيم فَلَمَّا قدم الشحر لزم أَبُو الْخَيْر بَيته فَكَانَ الْكرْدِي يستدعيه فِي قضايا لَا يَلِيق استحضاره لأَجلهَا وَلَا يجوز وَرُبمَا انه كَانَ اذا حضر سفه عَلَيْهِ سفها لَا يَبْغِي أَن يكون من سفلَة الى سفلَة فَكيف من قَاض الى فَقِيه مَشْهُور بِالدّينِ وَالْفِقْه بِحَيْثُ كَانَ أهل الشحر يَقُولُونَ بَينهمَا فِي الْفِقْه والفهم وَالدّين كَمَا بَين الْبَهِيمَة والادمي وَلما طَال عَلَيْهِ سوء الْأَدَب من الْكرْدِي خرج عَن الشحر الى حَضرمَوْت فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ عَاد الى حجر مَسْكَنه أَولا فَلم يزل بهَا حَتَّى توفّي على راس سَبْعمِائة وَخمْس ٧٠٥ وقبره مَشْهُور يزار ويتبرك بِهِ وَكَانَ ذَلِك بقرية تعرف بالحصين بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُون يَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ نون تَصْغِير حصن وَخَلفه فِي الْقرْيَة ابْن لَهُ اسْمه احْمَد هُوَ الْآن فَقِيه النَّاحِيَة وحاكما يسكن قَرْيَة يُقَال لَهَا ميفعة لعرب يُقَال لَهُم العبديون وَمِنْهَا مَوضِع يُسمى رضوم بِفَتْح الرَّاء وَضم الضَّاد
الْمُعْجَمَة ثمَّ وَاو ثمَّ مِيم وَهِي قَرْيَة اختطها الشَّيْخ الصَّالح ابو معبد
стр. 853
واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن معبد الدوعني نِسْبَة الى بلد تسمى دوعن وَهُوَ وَادي يحتوي على قرى كَثِيرَة مسافتها من الشّجر ثَلَاث مراحل وَمن حجر مرحلتان شَيْخه رجل اسْمه ابو سعيد وتربته وابوه برضوم مَعَ وَلدين لَهُ هما احْمَد وَعبد الرَّحْمَن واما مَحْمُود فقريته بِالْعينِ وَضبط بَلَده دوعن بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْعين الْمُهْملَة ثمَّ نون سَاكِنة ورضوم بِفَتْح الرَّاء وَضم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو ثمَّ مِيم وَمَوْضِع تربته بخفض الْجِيم وَسُكُون الام وَفتح الْعين وَسُكُون الها الْحَضْرَمِيّ وَقد ذكرته مَعَ ذكر بني التهامي فِي أَصْحَاب الْفَقِيه سَالم كَانَ هَذَا على أَيَّام الشَّيْخ الْفَقِيه أَحْمد بن عَليّ بن ابراهيم مقدم الذّكر وابو بكر بن اِسْعَدْ الحبائي من سرو الطَّاهِر تفقه بِهَذَيْنِ فِي هَذِه الْقرْيَة جمَاعَة مِنْهُم ابْن الشَّيْخ مُحَمَّد الملقب بالغزالي قد ذكرته وَلما توفّي الشَّيْخ أَبُو معبد خَلفه ابْن لَهُ اسْمه عبد الله ثمَّ توفّي فخلفه اخر اسْمه مَحْمُود كَانَ فَاضلا بِالْعلمِ وَقَامَ بالرباط وَالْمَكَان ثمَّ توفّي بجمادي الأولى من سنة عشْرين وَسَبْعمائة
ثمَّ الشحر أقدم من فِيهَا يذكر بالفقه بَيت السبتي اصلهم من حَضرمَوْت وتدير وامر باطا ثمَّ ظفار فَأول من قدم مِنْهُم الشحر أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى السبتي بخفض السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق ثمَّ يَاء مثناة من تَحت لَا ادري نِسْبَة الى مَاذَا وَهُوَ الْفَقِيه الْمَذْكُور فِي اصحاب الامام القلعي فِيمَا مضى يرجع نسبه الى ضمعج بن أَوْس الصَّحَابِيّ خرج أَحْمد من ظفار أخرجه السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد الحبوضي أذ أرتاب مِنْهُ وَكَانَ اذ ذَاك ضَعِيف
стр. 854
الْملك وَلذَلِك خشِي من فَقِيه فَخرج الى سَاحل خريج فسكنه مُدَّة ثمَّ استدعاه صَاحب الشحر عبد الرَّحْمَن بن اقبال الْآتِي ذكره فَجعله حَاكما بعد ابراهيم ابي شكيل الْآتِي ذكر وَلم يزل حَاكما حَتَّى توفّي بعد أَن شرح التَّنْبِيه شرحا متسعا وَكَانَت وَفَاته تَقْرِيبًا لبضع وَسِتِّينَ وستماية
فخلفه ابْنه عبد الرَّحْمَن فسلك طَرِيقه فِي الدّين والورع حَتَّى توفّي لبضع وَسبعين من وَفَاته جعل أَبُو الْخَيْر مَكَانَهُ من قبل ابْن رَاشد فتفقه بِهِ وَلَده أَحْمد ابْتِدَاء وَلما قدم الابيني الْكرْدِي مقدم الذّكر وَكَانَ فِيهِ الْخِصَال الْمَذْكُورَة أجمع أهل الشحر على كَرَاهَته لذَلِك وَقدم اثناء ذَلِك رجل من تجار عدن يُقَال لَهُ ابْن الْعَسْقَلَانِي ويلقب الْكَمَال فَصَارَ نَاظرا بالشحر فتحقق سيرة الْكرْدِي وقبحها وَوجد أَحْمد بن مُحَمَّد السبتي قد صَار فَقِيها فَاضلا ونفوس اهل الشحر مائلة اليه وَكَانَ ابْن الْعَسْقَلَانِي من اعيان النَّاس وفضلائهم يحب الْفضل واهله وَمن حفظَة الْكتاب الْعَزِيز جعله السُّلْطَان نَاظرا لَهُ على الشحر وَكَانَ يحب الْفُقَهَاء وذراريهم وَيحسن الى الْفُضَلَاء كتب الى قَاضِي الْقُضَاة وَهُوَ مُحَمَّد بن أسعد الملقب بالبهاء مقدم الذّكر يُخبرهُ بِسوء سيرة الأبيني وَأَن لِابْنِ السبتي ولدا فَقِيها خير وَدين ولديه فقه وَالنَّاس مَحْبُوب لَهُ مائلون اليه وَقَالَ يتَصَدَّق سيدنَا بجعله حَاكما فاجابه القَاضِي الى ذَلِك فَلبث مُدَّة ثمَّ توفّي فخلفه ابْنه الْمَذْكُور فِي أَصْحَاب ابْن الرَّسُول وَكَانَ فَقِيها فَاضلا محققا حسن الاخلاق مرضِي الْفَتْوَى وَردت مِنْهُ أسؤلة الى شَيْخي ابي الْحسن الأصبحي تدل على تَحْقِيقه وتدقيقه وَكَانَ مِمَّن يذكر بِالْكَرمِ وعلو الهمة وَشرف النَّفس وَحسن الْقيام بِمن يصله لَا سِيمَا من ابناء الْجِنْس وَلَقَد نقل ذَلِك عَنهُ جمَاعَة من الْمُسَافِرين لَا يُمكن تواطيهم على الْكَذِب وَكَانَ خَطِيبًا مصقعا وَتُوفِّي على الطَّرِيق المرضي سنة ٧١٢ بلغ عمره بضعا واربعين سنة
стр. 855
وَخَلفه اخ لَهُ اسْمه ابو بكر تفقه بِهِ وبخاله مُحَمَّد بن سعيد بن ابي شكيل وَهُوَ الْآن الْحَاكِم فِي الْبَلَد والخطيب وَمِنْهَا مُحَمَّد بن أَحْمد ابا اسد هُوَ مدرس الْبَلَد ومفتيها الان
وَمِنْهَا حسن بن عَليّ باجبير فَقِيه صَالح يدرس بِمَسْجِد يعرف بِأبي قرين توفّي سنة ٧٣٢ وَمِنْهَا مُحَمَّد بن سعد بن مُحَمَّد بن عَليّ سَالم عرف بَابي شكبيل مولده رَجَب سنة ٦٢٤ تفقه بِأبي الْخَيْر الْمَذْكُور وبأبي أَسد وَكَانَ كَمَال تفقهه بِابْن الأديب الْمُقدم ذكره فِي أهل ابين وولاه بَنو مُحَمَّد بن عمر قضا زبيد فَأَقَامَ على ذَلِك مُدَّة طَوِيلَة وَسيرَته فِيهِ مرضية لم ينْقل عَنهُ كَمَا ينْقل عَن غَيره من الْحُكَّام من أَخذ الرشا وَغَيره واستعان على حَاله بزراعة فِي وَادي زبيد وتجارة ثمَّ لما قَامَ القَاضِي جمال الدّين ولد الْفَقِيه ابي بكر أول سنة ٧١٤ نقل اليه بعض مَا يُوجب المباينة فاجبره حَتَّى كَانَ سنة ٧١٥ وفصله بالمشيرقي الْمُقدم الذّكر فِي أهل الْجحْفَة وَحصل من شهد عَلَيْهِ شَهَادَات الله أعلم بِصِحَّتِهَا وَالظَّاهِر عدمهَا وَلَكِن قبلت للغرض وصودر بِمَال بالسجن والترسيم كَمَا قدمنَا ذَلِك واعاده ابْن الأديب الى قضا زبيد وَهُوَ أول من ولاه مَعَ ابْن قَيْصر فَلبث اشهرا ثمَّ عَزله السُّلْطَان كَانَ السَّبَب من ابْن الأديب
بعد أَن استعاد لَهُ مَا كَانَ اخذ لَهُ الى الخزانة ثمَّ انْتقل من زبيد بعد الْعَزْل بأيام الى قَرْيَة السَّلامَة فَجَلَسَ بهَا متجورا بِرَجُل صَالح يُقَال لَهُ الْفَقِيه عَليّ بن ابي بكر الزَّيْلَعِيّ قد مضى ذكره فاقام عِنْده اشهرا خشيَة المصادرة اذ بلغه ان السُّلْطَان هم بذلك ثمَّ توفّي ابْن الْحرَازِي الْمُقدم ذكره لاطف ابْن الأديب السُّلْطَان لَهُ فِي جعله مدرسا مَكَانَهُ وحاكما وَامْتنع عَن الاجابة الى الحكم واجابه الى جعله مدرسا فَلبث الى سنة عشْرين وَهُوَ مترتب وتلطف لَهُ ابْن الاديب بِطَلَب فسح من السُّلْطَان يُرِيد رواح الشحر لزيارة أَهله فاذن لَهُ فَتقدم وَهُوَ بهَا الى الْآن ثمَّ ارسل اخاه من الشحر يقف نَائِبا لَهُ وَهُوَ مُسْتَمر على
стр. 856
ذَلِك الى سنة سَبْعمِائة وَثَلَاثَة وَعشْرين وَخرج من الشحر قَاصِدا مَكَّة طَرِيق حَضرمَوْت ثمَّ عَاد طَرِيق تهَامَة فَلَمَّا صَار بتعز لقِيه الْفُقَهَاء وسلموا عَلَيْهِ ولبث بتعز أَيَّامًا وَبهَا السُّلْطَان الْمُجَاهِد وَكتب لَهُ الى الشحر باساس احترام وَغير ذَلِك وَتقدم طَرِيق عدن وَتَبعهُ جند الى لحج فأحس أَنه إِنَّمَا لحقه لريبة فَعَاد من لحج الى تعز فَلَمَّا صَار بهَا وَعلم السُّلْطَان أَمر باطلاعه الْحصن فَلبث مُدَّة طَوِيلَة وطولب بِمَال قدره عشرَة آلَاف دِينَار وَلما تقدم السُّلْطَان عدن مستهل جمادي الاولى سنة ٧٢٩ نزل بِهِ صحبته وَلم أتحقق مَا جرى لَهُ وَهَذَا آخر من تحققته أَهلا للذّكر من أهل الشحر ثمَّ يَليهَا بلد يعرف بالهجرين هِيَ بَين حَضرمَوْت والشحر ذكر ابْن سَمُرَة مِنْهَا ابا زنيج وعدها من حَضرمَوْت فَلَمَّا نزلت عدن سَالَتْ على ذَلِك فاخبرت انها مخلاف مُسْتَقل بَين الشّجر وحضرموت وَله ابْن عَم اسْمه مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم يذكر بالفقه غير انه قَلِيل الْوَرع وَسَأَلت عَن الْفَقِيه ابي زنيج الَّذِي ذكره ابْن سَمُرَة فَقيل لي ضَبطه بِضَم الزَّاي وفتحالنون وَسُكُون الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ جِيم وانه كَانَ مَشْهُورا بالنحو كَامِلا وَذكر لي الْمخبر أَنه لَهُ ذُرِّيَّة هُنَالك يتسمون بالفقه استصحابا
وَمِنْهُم مُحَمَّد بن سَالم أَبَا عقبَة الْخَولَانِيّ كَانَ فضالا وَله تصانيف وخطب تستحسن
وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه عبد الرَّحْمَن كَانَ زميلا للفقيه ابي الْخَيْر وَلابْن الرَّسُول مقدم الذّكر توفّي لبضع وَسَبْعمائة وَله ابْنَانِ فقيهان هما أَحْمد وابو بكر احْمَد توفّي وَأَبُو بكر حَاكم الهجرين مشتغل بِقَيْد الأوابد وَكَانَ فِي الزَّمن الْمُتَأَخر مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم ابو الْحسن عَليّ بن عقبَة بن أَحْمد بن مُحَمَّد الزيَادي ثمَّ الْخَولَانِيّ كَانَ فَقِيها فَاضلا لَا سِيمَا بِعلم الْأَدَب وَله شعر جيد مِنْهُ قَوْله ... إِذا لم يكن للمرء ذِي الْحلم جَاهِل ... يدافع عَن اعراضه ويناضل
خطت قدم الأعدا اليه وناله ... سَفِيه عرضه وَهُوَ غافل ...
стр. 857
وَكَانَ مِمَّن تقدم على المظفر وَله مِنْهُ رزق يعتاده فحسده بعض اعدائه وكاده عِنْده فامر بحبسه فِي عدن فحبس فَعمل قصيدة يعْتَذر بهَا وَأمر بهَا الى المظفر فجوب لَهُ المظفر بِبَيْت ابْن دُرَيْد الَّذِي هُوَ ... من لم يقف عِنْد انتهي قدره ... تقاصرت عَنهُ فسيحات الخطا ... فكاتب عَن ذَلِك بِالْبَيْتِ الآخر ... هَل أَنا بدع من عرانين علا ... جَار عَلَيْهِم صرف دهر واعتدا ... فحين وقف عَلَيْهَا السُّلْطَان صفح عَنهُ وَأطْلقهُ
وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه أَحْمد تفقه باسماعيل الْحَضْرَمِيّ ثمَّ أَخذ عَن البليقاني مقدم الذّكر وَعَاد إِلَى حجر فتديرها وامتحن آخر عمره بالعمي وَهُوَ أحد شُيُوخ القَاضِي ابي شكيل بالتنبيه خَاصَّة وَكَانَت وَفَاته بقرية يُقَال لَهُ الصدارة بِفَتْح الصَّاد وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ ألف ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة ثمَّ هَاء سَاكِنة وَهِي قَرْيَة بِحجر الدغار الْمُقدم ذكرهَا بَين أحور والشحر
وَخَلفه ابْنَانِ هما مُحَمَّد وَأَبُو بكر فمحمد مَاتَ طَالبا بتعز فِي رَجَب سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة
وابو بكر عهدته بعدن سنة ٧١٩ ايضا وفقيهها الْآن أَحْمد بن الْعَفِيف ويلقب بالشيخ اذ هُوَ من بَيت رياسة وَعز
ثمَّ مخلاف حَضرمَوْت وَهُوَ مخلاف يغلب على أَهله البداوة الشَّدِيدَة وَخرج مِنْهُ جمع من أَعْيَان الْعلمَاء غالبهم من قريتين هما تريم ثمَّ شبام وَقد ذكرتهما تريم
стр. 858
اقدمهما فَمن متقدميهم غير من ذكره ابْن سَمُرَة جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن احْمَد بن يحيي ينْسب الى ضمعج الصَّحَابِيّ وَهُوَ أحد مَشَايِخ السبتي الَّذِي ذكرته فِي أهل الشحر تفقه بالامام القلعي مقدم الذّكر وَكَانَ فَقِيها فَاضلا مبارك التدريس وَهُوَ الَّذِي لزم الْمجْلس بعد القلعي
وَمِنْهُم أَبُو مَرْوَان لقبا واسْمه عَليّ بن أَحْمد بن سَالم بن مُحَمَّد بن عَليّ كَانَ فَقِيها خيرا كَبِيرا عَنهُ انْتَشَر الْعلم بحضرموت انتشارا موسعا لصلاح كَانَ وبركة فِي تدريسه وَكَانَ صَاحب مصنفات عديدة وَهُوَ أول من تصوف من بَيت أَبَا علوي اذ هم أَنما يعْرفُونَ بالفقه وَلما بلغ الْفَقِيه ذَلِك وَإِن هَذَا تصوف هجره
وَمِمَّنْ تفقه بِأبي مَرْوَان أَبُو زَكَرِيَّا خرج مقدشوه فنشر الْعلم بهَا وبنواحيها نشرا موسعا وَلم أتحقق لأحد مِنْهُم تَارِيخا
وَمن بَيت أبي علوي قد تقدم لَهُم بعض ذكر مَعَ ذكر أبي جَدِيد مَعَ واردي تعز وهم بَيت صَلَاح طَرِيق وَنسب فيهم جمَاعَة مِنْهُم حسن بن مُحَمَّد بن عَليّ باعلوي كَانَ فَقِيها يحفظ الْوَجِيز للغزالي غيبا وَكَانَ لَهُ عَم اسْمه عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن باعلوي
وَمِنْهُم عَليّ بن باعلوي كَانَ كثير الْعِبَادَة عَظِيم الْقدر لَا يكَاد يفتر عَن الصَّلَاة ثمَّ مَتى تشهد قَالَ السَّلَام عَلَيْك ايها النَّبِي ويكرر ذَلِك فَقيل لَهُ فَقَالَ لَا ازال افْعَل حَتَّى يرد النَّبِي ﷺ فَكَانَ كثيرا مَا يُكَرر ذَلِك ولعلي ولد اسْمه مُحَمَّد ابْن صَلَاح وَله ابْن عَم اسْمه عَليّ بن باعلوي بعض تفاصيل ابا علوي احْمَد بن مُحَمَّد كَانَ فَقِيها فَاضلا توفّي سنة ٧٢٤ تَقْرِيبًا وَعبد الله بن علوي بَاقٍ الى الْآن حسن التَّعَبُّد وسلوك التصوف
وَمِنْهُم ابو بكر بن احْمَد فِيهِ عبَادَة مرضية وَمِنْهُم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر بن زَكَرِيَّا مُصَنف كتاب الأكمال لما وَقع فِي التَّنْبِيه من اشكال وَله مصنفات غَيره
وَمِنْهُم أَبُو عِيسَى كَانَ تربا لَهُ وَكَانَ حَاكم الْبَلَد حُكيَ عَنهُ ورع وَصَلَاح
стр. 859
وَمِنْهُم ابو اسحاق ابراهيم بن عَليّ بن سَالم عرف بَابي شكيل وَبِه لقب ابْن اخيه مقدم الذّكر فِي أهل الشحر وَنسبه فِي تيم الله بن الْخَزْرَج اُحْدُ بيُوت الْأَنْصَار وتفقه بفقهاء بَلَده ثمَّ ارتحل الى الشحر فَكَانَ مرضِي الْقَضَاء وَكَانَت ولَايَته من قبل عبد الرحمن بن اقبال الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ عزل نَفسه وَعَاد بَلَده تريم فَلبث مُدَّة ثمَّ قدم الشحر فحين سمع بِهِ أهل الْبَلَد خَرجُوا للقائه ورحبوا وأهلوا وَرُبمَا كَانَ السُّلْطَان من جملَة الملتقيين فَسَأَلَهُ عَن سَبَب وُصُوله وَقَالَ لَهُ لَعَلَّك تعطفت علينا وعزمت على معاودة بلدنا فَقَالَ إِنَّمَا جيئت لأجل حكومات كنت حكمت بهَا وَأَنا مُتَرَدّد فاحببت ان اجتعل من اهلها فِي حل فَانِي ارى ان الْأَجَل قد دنى ثمَّ جعل يساءل عَن الْقَوْم حَتَّى اجْتمع باحدهم اخبره بحكومته فاستبراه من مأثمها فَتَأمل الْفُقَهَاء جَمِيع الحكومات فوجوده قد حكم بِظَاهِر الشَّرْع وَلَكِن فِي النُّفُوس من صِحَّتهَا بَاطِنا مَالا يطيب مَعَه ذُو الْوَرع فَذكرُوا ان اخر من وصل الْفَقِيه عَجُوز فَلَمَّا اخبرها بِالْأَمر واستحلها بَكت شَدِيدا ثمَّ احلته بعد ان سَأَلته الدُّعَاء فَمد يَده ودعا ثمَّ صَار من فوره الى بَلَده فَبعث السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ عبد الرَّحْمَن بن اقبال الى ابْن اخيه بِشَيْء من المَال وَقَالَ لَهُ اعط هَذَا الْفَقِيه شَيْئا يتزوده فَقَالَ ابْن اخيه يَا سَيِّدي ان السُّلْطَان عبد الرَّحْمَن قد بعث لَك بِكَذَا وَكَذَا حوائج تستعين بِهِ على سفرك فَقَالَ لَا حَاجَة بِشَيْء غير مِنْك بِكَذَا زَاد وبكذا حوائج وَلَا حَاجَة لي بِشَيْء غير هَذَا فاخذ لَهُ ذَلِك الْمبلغ زهيد ثمَّ سَار الْفَقِيه فَلَمَّا وصل بَلَده وابرك جمله على بَاب منزله وَنزل مِنْهُ انعسفت رجله وَلم يدْخل إِلَّا مَحْمُولا فَمَرض اياما وَتُوفِّي على رَأس سِتِّينَ وسِتمِائَة وَكَانَ قد سمع مِنْهُ قبل ذَلِك يَقُول أَمُوت أَنا والفقيه شرَاحِيل فَكَانَ كَمَا قَالَ وَسَيَأْتِي ذكر شرَاحِيل
стр. 860
وَمن اعمال تريم مَوضِع يُقَال لَهُ باسم الْعَجز الانسان ثمَّ من قوم يُقَال لَهُم القشير وَمِنْهُم عبد بن ابراهيم باقشير يذكر بِالْعلمِ والاصلاح
وَقد عرض ذكر هَذَا السُّلْطَان عبد الرَّحْمَن فاحب ايراد مَا لَاق من ذَلِك كَمَا جرت الْعَادة فِي غَالب الْكتاب فَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن رَاشد بن اقبال بن فَارس الأول كَانَ أحد مُلُوك الْعَرَب دهاء وكرما وشجاعة وَكَانَ يخالط الْعلمَاء وَيُحب الْفُضَلَاء وَكَانَ يُقَال لَهُ حَاتِم زَمَانه لِكَثْرَة كرمه وَقد مدحه الأكابر من الشُّعَرَاء وافادهم بذلك اموالا يجل حصرها وَمَا قَصده قَاصد فِي الْغَالِب فخاب وشاعره الْمُنْقَطع على مدحه ابو حنيفَة الْعَدنِي مُعظم ديوانه فِي مدحه وَله فِيهِ اشعار مستحسنة غالبها فِي البال بَال من ذَلِك قَوْله فِي بعض قصايده
... انا اشْهَدْ شَهَادَة حق ... إِن ابْن رَاشد من احدى المعجزات
هيكل الْملك حرز المملكة ... فَارس الْخَيل مَعْدُوم الصِّفَات
تعبت عيس وفاده وَمَا ... اتعبته العطايا والهبات
انت قَوْلك خُذُوا والغير هاتوا وَأَيْنَ قَوْله خُذُوا من قَول هَات
الف مولَايَ مني اسْمَع مديح لَك ... على رغم أناف الشنات
بل لشأن العلى وَالْمجد انطق ... بأفعالك المستحسنات
لَيْسَ الفاظ قوالي زوا ... اني مَعَ العربا بل لَك محصنات
كم وَكم بَين من يُعْطي ماية ... فِي هباته وَبَين من يُعْطي الميات
стр. 861
وَله فِيهِ من قصيدة أُخْرَى ... انت انت الَّذِي لَو عادلوا ... بك مُلُوك الورى لم يعدلوك
انت فِي الْبر وهاب الْقرى ... وانت فِي الْبَحْر وهاب الفلوك ٥ ... ان مدح بِالْكَرمِ معطى الْمِائَة ... فبمَا يمتدح معطى اللكوك
أكل ملاك قحطان الأولى ... بكفالة بَينهم كفلوك ... وَمن جيد شعره ردا على من عاتبه من عدن على اقامته فِي الشحر واختيارها ... عنفوني وَقَالُوا اطلب التغرب ... وأوحشت الوطن
وتبدلت عَن صيره تعصه ... واعتضت الأسعا عَن عدن
وبسمعون والصرحة تناسبت
حقات والخان الْحسن
والقصور الَّتِي تبتدر مِنْهَا ... البدور الَّتِي صيغت فتن ... قلت قد غَابَ عَنْكُم أَمر مَا ... يفطنه غير أَرْبَاب الفطن ... ثمَّ قَالَ بعد ابيات مِنْهَا ... ورضيت ابْن رَاشد عبد الرحمن ... عَن كل من هُوَ فِي الْيمن ...
стр. 862
.. من حباني وادناني وَقرب ... مَكَاني وَبِي مَا طن طن
وَاصْطَفَانِي واطلعني على ... كل مضنون سره والعلن
ان تواليت بعد الله فِي ... الْحق اكن عَابِد وثن ... واقام ملكا فِي الشحر مُدَّة خمْسا واربعين سنة وَكَانَ عَلَيْهِ قِطْعَة لملوك الغز يحملهَا فِي كل سنة اليهم فَذكر بعض الخبرا ان الْمَنْصُور الرسولي ولى الشحر رجلا غزيا يُقَال لَهُ أرتق بِضَم الْهمزَة وَسُكُون الرَّاء وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْقَاف وَبعث مَعَه نَقِيبًا يعرف بالأصبحي فوصلا الشحر فاقاما فِيهِ سنة أَو سنتَيْن أَو أَكثر ثمَّ حصل بَينهمَا عَدَاوَة احترى بهَا النَّقِيب على قتل الغزى وَخَالف فِي الْبَلَد وَكَانَ السُّلْطَان عبد الرَّحْمَن لما وصلا وَأخذ الْبَلَد تقدم الى بَاب الْمَنْصُور واستصحب هَدَايَا للسُّلْطَان وَمن عَليّ بَابه من اعيان الدولة فَلَمَّا وصل فرق الْهَدَايَا ثمَّ لَاذَ بعلي بن يحيى الْأَمِير الْمَذْكُور أَولا فَلَمَّا اتَّصل علم مَا فعل الأصبحي بالغزي إِلَى الْمَنْصُور سَاءَهُ ذَلِك وَنَدم على عزل عبد الرحمن وراجع عَليّ بن يحيى فِي ذَلِك فَقَالَ يَا مَوْلَانَا أعد بعد الرَّحْمَن فَهُوَ أولى من أَن تبْعَث عسكرا واقرب فاستدعاه وخلع عَلَيْهِ وامره بالتقدم الى بَلَده فاجاب بِالطَّاعَةِ وَسَأَلَهُ ان يُعينهُ بِمَال فوعده بِهِ وَلم يُعْطه فاقترض من عَليّ بن يحيى شَيْئا ثمَّ عمل صناديق وَحملهَا على جمال موهما ان بهَا مَالا وَسَار فِي طَرِيق الْبر واستعان فِي مسيره بالعرب فصبحه مِنْهُم جمع كثير وَدخل الشحر فاستذم الأصبحي وَخرج الى مقدشوه ثمَّ توفّي الْمَنْصُور فَقدم السُّلْطَان عبد الرحمن الى الْملك المظفر بِهَدَايَا جليلة من جُمْلَتهَا قِطْعَة عنبر تشبه الْفِيل فِي الْعظم وبالمسك فِي الرَّائِحَة فكافأه المظفر على ذَلِك مُكَافَأَة
стр. 863
حَسَنَة وجهزه الى بَلَده احسن جهاز فَلبث فِي بَلْدَة على الطَّرِيق المرضي الملوكي حَتَّى توفّي لَيْلَة رَابِع وَعشْرين من الْحجَّة سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وقبره فِي الشحر مَشْهُور يزار ويتبرك بِهِ قل مَا قَصده ذُو حَاجَة الا قضا الله حَاجته وَخَلفه فِي الْملك ابْن أَخ لَهُ يُقَال لَهُ رَاشد بن شجعة بن بَاقِي بن رَاشد بن اقبال مقدم الذّكر فَلبث ملكا للشحر حَتَّى سنة سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة فَحصل مِنْهُ مَا غير بَاطِن المظفر وَذَلِكَ أَنه وَاصل السُّلْطَان سَالم صَاحب ظفار وَرُبمَا خَالفه وَكَانَ قد حصل بَينه وَبَين المظفر وَحْشَة فَبعث أَمِيرا غزيا يُقَال لَهُ بندقدار بعسكر جيد فَقبض الشحر وهرب رَاشد الى ظفار فاكرمه صَاحبهَا واحسن اليه فَلَمَّا وصل علم رَاشد الى المظفر انه صَار الى صَار صَاحب ظفار عِنْد السُّلْطَان سَالم جهز اليها عسكرا من الْبر وَالْبَحْر الى ظفار فَقتل صَاحبهَا واسر بَقِيَّة قومه واوصلوهم الى زبيد ثمَّ وصل رَاشد الى بَاب المظفر وأودعه سجن زبيد مُدَّة ثمَّ نقل الى بعض بيوتها وَجعل لَهُ رزقا يقوم بِهِ وباهله فَلبث مُدَّة ثمَّ توفّي وَله فِي زبيد قرَابَة وعقب وَكَانَ مُدَّة اقامته فِي الْملك الى أَن قبض فِي التَّارِيخ ثَلَاث عشرَة سنة
وفقيه تريم يَوْمئِذٍ فضل بن مُحَمَّد يذكر بالصلاح والورع وَهُوَ الْيَوْم مفتي الْبَلَد فِي عصرنا وَأكْثر جُلُوسه فِي مَسْجِد شجيعه ابو رَاشد صَاحب الشحر وَله ولد اسْمه مُحَمَّد تفقه بابيه وَيذكر بجودة الْفِقْه وَله أَعنِي فضل أَخ اسْمه سعد يذكر بِالْفَضْلِ وبمعرفة صَنْعَة جَابر بن حَيَّان
وَقد تطلع النُّفُوس الى معرفَة الشَّاعِر ابي حنيفَة فَهُوَ أَحْمد من اولاد التُّجَّار من أهل عدن كَانَ نَقِيبًا لفقراء زَاوِيَة جَوْهَر وغالب شعره فِي هَذَا ابْن اقبال
стр. 864
وَرُبمَا مدح المظفر وَغَيره وشعره بَال بَال
وَقد انْقَضى ذكر مَا لَاق من أَحْوَال عبد الرَّحْمَن بعد أَن انْقَضى ذكر الْفُقَهَاء فِي تريم
وَأما شبام فَهِيَ قَرْيَة محدثة لَيْسَ يملكهَا الا الغز بِخِلَاف تريم وضبطها قد تقدم خرج مِنْهَا جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم ابْن الشراحيل الَّذِي كَانَ معاصرا لابي شكيل الْمُقدم ذكره حَيْثُ قَالَ أَمُوت أَنا وَابْن شرَاحِيل وفقيهها الان عبد الله بن عمر يلقب أَبَا مهرَة يذكر بِالْخَيرِ وَالدّين وَهُوَ الْحَاكِم الْآن ايضا
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد القدوس الْأَزْدِيّ سكن مَدِينَة ظفار وَكَانَ فَقِيها فَاضلا لَا سِيمَا فِي علم الادب وَله اشعار رائقة مِنْهَا مَا أنشدنيه الْفَقِيه مُحَمَّد بن حمد بن عبد الله بن أَحْمد الْخَطِيب طَاقَة قَرْيَة من قرى ظفار وَذَلِكَ بعدن سنة ثَمَانِي عشرَة وَسَبْعمائة قَالَ أَنْشدني ابْن عبد القدوس لنَفسِهِ ... من أَيْن لي يَوْم القى الله معذرة ... أنجوبها من عَذَاب الْخَالِق الْبَارِي
ذَنبي عَظِيم وعفو الله أعظم من ... عَظِيم ذَنبي وَمن جُرْمِي وأوزاري ٥ وَله ديوَان بله بِالْمَاءِ قبل مَوته بأيام وَله منظومة التَّنْبِيه وَله ايضا مُصَنف مُفِيد يُقَال لَهُ الْعلم الى معرفَة الْخط والقلم كَامِل الافادة فِي فنه وَهُوَ الْخط والقلم وَمَا كَانَ لائقا بهما كَانَ صنفه لخزانة السُّلْطَان سَالم الحبوضي الْآتِي ذكره ثمَّ انْتَشَر
وَمن أحسن مَا يذكر عَنهُ انه ورد من المظفر الى سَالم الْمَذْكُور كتابا يتهدده فِيهِ ويتوعده وَفِي آخِره وَترى الْجبَال تحسبها جامدة وَهِي تمر مر السَّحَاب صنع
стр. 865
الله فَأمر السُّلْطَان سَالم هَذَا الْفَقِيه يُجيب عَنهُ فَأجَاب عَنهُ بقوله ويسئولنك عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا الْآيَة وَكَانَت وَفَاته بظفار قبل دُخُول الواثق اليها بِنَحْوِ من سنة وَذَلِكَ سنة احدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة
وَمِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن كُلَيْب بن جَعْفَر الْخَولَانِيّ كَانَ فَقِيها فَاضلا تفقه بِابْن ابي الْحبّ بظفار وَمن فِي طبقته كَمَا سَيَأْتِي انشاء الله وَكَانَ ابْتِدَاء تفقهه بَابي الْخَيْر فِي ميفعة وَهُوَ الَّذِي ولى قضا الشحر كَمَا قدمت قبل الأبيني وَله شعر يعجب مِنْهُ فِي وصف الزَّمن قَوْله
... أرى زَمنا يدني الرفيع وَيرْفَع الوضيع ... ودهرا يخلط الْجد بِالْهَزْلِ
ارى ذل قوم كَانَ سفلا مكانهم ... تَعَالَى بهم هَذَا الزَّمَان من السّفل
واصبح من فِي مَوضِع السّفل وَضعه ... أَمِيرا وَأهل الْأَمر فِي مَوضِع النَّعْل ... فَأدى مَكَان الْعلم فَانْحَطَّ اهله ... بِلَا رُتْبَة لَا يرتضيها ذُو الْعقل ... وَقد كسدت سوقي لقل ذَوي النهى ... اذا الشكل فِي الأشيا تدنى الى الشكل ... وَعم الْعَمى كل الورى فتغيروا وَلَا ... وَلَا فرق فيهم بَين علم وَلَا جهل ... وصرت غَرِيبا بَين ماش بَهِيمَة ... وَبَين حسود منطولي على غل ... هَذَا الشّعْر من جملَة قصيدة كَبِيرَة
وَمن الْبِلَاد الْمَشْهُورَة بالفقهاء مَدِينَة ظفار أحدثها أَحْمد بن مُحَمَّد الحبوضي أول من ملك مِنْهُم وَيُقَال بل هُوَ ابوه مُحَمَّد هوابتنى ظفار وَكَانَ احداثها لبضع وَعشْرين وسِتمِائَة فغالب طبقتها اصحاب الامام القلعي من متقدميهم جمَاعَة
مِنْهُم ابراهيم بن ابي بكر بن يحيى بن فضل يلقب بِأبي ماجداصله من
стр. 866
حَضرمَوْت وَكَانَ حَاكما فِي مرباط وَاسْتمرّ على ذَلِك فِي ظفار وَبهَا توفّي غَالب وَكَانَ لَهُ ابْن اخ اسْمه ابا بكر تفقه بِعَمِّهِ ابراهيم
وَمِنْهُم يحيي بن ابي قصير كَانَ فَاضلا اخذ عَن الامام القلعي وَمِنْهُم سعد ابْن سعيد بن مَسْعُود المنجوي بالولا كَانَ رجلا صَالحا وفقيها محققا وشاعرا مفلقا وخطيبا مصقعا مَعَ صَلَاح نِيَّة وَحسن طوية وَلذَلِك أحبه الحبوضيون حبا جيدا وَكَانُوا يعولون على مشورته ووزر لِأَحْمَد ثمَّ لِابْنِهِ ادريس وَفِي أَيَّامه خرج الى مَكَّة ثمَّ الشَّام وَيُقَال انه توفّي بِدِمَشْق وَله شعر رائق يُوجد فِي ديوانه مَعَ أهل ظفار وغالبه فِي التَّجْنِيس وَله خمس وَعِشْرُونَ مقَالَة تُوجد ايضا مَعَ كثير من النَّاس لم اقف عَلَيْهَا بل وصفهَا لي بعض فضلاء الْعَصْر
وَلَقَد انشدني الأديب مُحَمَّد بن حمدى الْمُقدم ذكره عَن أَبِيه أَو غَيره عَن المنجوي هَذَا شعر
... يَا من يُعْفَى دائبا ... بالجير آثَار المساطر
انسخ فديتك مُصحفا ... وَعَن النساخة بالمساطر ٥ وانشدني بِسَنَدِهِ رَضِي الدّين عمر بن مر النَّحْوِيّ انه وجد بَيْتَيْنِ فِي ديوانه متمضنا عمل الغالية هما
... غَالِيَة مِمَّا الْمُلُوك عنوا بهَا ... هِيَ الطّيب يُغني طيبها عَن تبخر ...
стр. 867
.. ثَلَاث اواق دهنها وَثَلَاثَة ... مَثَاقِيل مسك ثمَّ مِثْقَال عنبر ... وانشدني بِسَنَدِهِ الاول ... الْجَهْل يسْعَى للجهول بجهله ... ويحط من رتب الْعُقُول بعقله
وَيُقِيم قدما ثمَّ يخْفض عَالما ... ابدا يخبرنا محَاسِن فعله ... وانشدني ايضا بِسَنَدِهِ باسماء أهل الْكَهْف
... ومكسليما فتية الْكَهْف بملجنا ... ومرطوس سوديس دونواس
وساوى يَلِيهِ دوبواس ... واكفى سى موصوله بطيوس
بهَا أجرب بهَا أطلب وامشي فِي النَّار أطفها ... وداو صداع الرَّأْس من مترسيس
وَمن خَافَ من بَحر وَقتل وَإِن بكا ... صبي وان يحرس بهَا المَال يحرس ... أَنْشدني الْفَقِيه هَذَا الأبيات قلت اذْكُرْهَا لي نثرا فَقَالَ
مكشليما بميلخا مرطوس طرينوس ينيوس دونواس سادوس الس بطوس وَسَأَلت الْفَقِيه المنشد لي هَل أدْرك هَذَا الْفَقِيه فَقَالَ لي نعم أَدْرَكته وَأَنا فِي سنّ التَّمْيِيز وَلَكِن مَا ارويه من شعره اما ارويه من وَالِدي وَكَانَ مَعَ جلالة قدره بَين الْمُلُوك وَالنَّاس متواضعا متهذبا وَكَانَ اخذه للْعلم عَن ابي بكر أَبَا ماجد مقدم الذّكر وَمِنْهُم فِي الطَّبَقَة الْمُتَقَدّمَة آل أَبَا ماجد مِنْهُم من ذكرته اولا وَال أَبَا مَحْمُود وهم بَيت صَلَاح وَعلم كَانَ فيهم رجل من أَخذ بِيَدِهِ وَنظر فِي كَفه راي وَجهه فِيهِ كَمَا ينظر فِي الْمَرْأَة
وَمِنْهُم عَليّ بن يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله باططة قدم مَعَ ابي ماجد تلميذا
стр. 868
لَهُ فَعلم السُّلْطَان ادريس الْقُرْآن وببركته صَار الى مَا صَار ثمَّ توفّي فَعلمه عَبده عبد الْمولى وَخَلفه فِي أَهله ابْنه مُحَمَّد وَكَانَ من الصّلاح بمكانة جَيِّدَة بِحَيْثُ أجمع أهل عصره على ذَلِك وَسمع لَيْلَة مَوته الْقَائِل الْمَذْكُور طاهرها وَهُوَ أول من ولى خطابة ظفار من أَهله ثمَّ أَخُوهُ احْمَد كَانَ فِيهَا فَاضلا وخطيبا مصقعا وَكَانَت الْخطْبَة قبلهم فِي أل حمدي قوم الْفَقِيه المخبرلي فَنقل اولاده الى طَاقَة وَهِي قَرْيَة من أَعمال ظفار جعلُوا بهَا خَطِيبًا وَجعل هَذَا مكانهم وَلم تزل الْخطْبَة فيهم يتوارثونها الى عصرنا وَكَانَ مُحَمَّد أَخُوهُ رجلا فَقِيها محققا فرضيا وَله ارجوزة فِي الْفَرَائِض مفيدة وَهُوَ أول من ولى خطابة ظفار من اهله وَكَانَ من الصّلاح بمكانة جَيِّدَة وَلَيْلَة مَوته سمع أهل ظفار مناديا يُنَادي ان الله اصْطفى آدم وَاصْطفى نوحًا فِي أهل زَمَانه ثمَّ أَعْيَان الرُّسُل كَذَلِك حَتَّى جَاءَ آل نَبينَا ثمَّ قَالَ بعده وَاصْطفى الْحسن ثمَّ ذكر جمَاعَة حَتَّى قَالَ وَاصْطفى الْفَقِيه مُحَمَّد ابْن باططة فِي أهل زَمَانه وانه منتقل هَذِه اللَّيْلَة وَاصل بَلَده من حَضرمَوْت مَدِينَة تريم الْمُقدم ذكرهَا وَفِيهِمْ جمَاعَة يتسمون بالفقه وَالصَّلَاح وَقدم الْيمن مِنْهُم اثْنَان فلاذ بالفقيه الملقب شرف الدّين أَحْمد الظفاري الْمُقدم ذكره فِي القادمين الى تعز وَكَانَت لَهُ صلَة بِالْملكِ الموئد فجعلهما معلمين لِابْنِهِ واولاد ابْنه فَلَمَّا توفّي وَصَارَ الْملك الى ابْنه جعل احدهما قَاضِي قُضَاة المين وهوالذي يُسمى عبد الرَّحْمَن بن احْمَد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله باططة الْمُقدم ذكره الظفاري فَلبث على ذَلِك وَكَانَ غَالِبا على كل أُمُوره الى أَن قتل لَيْلَة سَابِع جمادي الاخرة من سنة ٧٢٢ وَبَقِي الآخر عَمه وهوابن احْمَد بن عبد الْمولى بن احْمَد بن مُحَمَّد الأصبحي اصله من الْيمن ومولده ظفار وتفقهه بِسَعْد المنجوي مقدم الذّكر وَكَانَ فَقِيها فَاضلا أماما فِي النَّحْو بِحَيْثُ كَانَ يُسمى يسبويه زَمَانه وَكَانَ معلما لادريس
стр. 869
الحبوظي شُرُوطه الْفَقِيه ابا ططة مقدم الذّكر فَلَمَّا صَار اليه الْملك استوزره وَكَانَ يتبرك بِرَأْيهِ وَلَا يكَاد يطقع امرا دونه وَكَانَ غَالب أَحْوَاله النّظر فيالكتب قِرَاءَة واقراء وَله شعر جيد مِنْهُ مَا انشدينه الْفَقِيه عبد الْملك بن مُحَمَّد بن الْفَقِيه عبد الْمولى الْمَذْكُور قَالَ من شعره
... إِن السُّكُوت بِلَا فكر هوالهوس ... وكل نطق خلا عَن حِكْمَة خرس
الْعُمر جَوْهَرَة مَا ان لَهَا بدل ... فَلَا تفت على طل من طائل نفس ... وَكَانَ رُبمَا طالع لَيْلًا فغلبه النّوم فيرميه على السراج فتحترق مشدته وَحَتَّى احْتَرَقَ عَلَيْهِ لذَلِك عدَّة مشاد وَكَانَ وَلَده من ابْنة عَمه وَكَانَت طَرِيقَته مرضية بذلك أَخْبرنِي الْخَبِير وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة وَله مُصَنف فِي الْأَحْكَام معجب وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه مُحَمَّد سلك طَرِيقه وَولى القضا وَمَات بعد وَالِده بِنَحْوِ سنة وَلما توفّي رأى بعض الصَّالِحين بظفار صَاحبهمَا ادريس بعد مَوته فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَقَالَ الْملك عسر الْملك عسر لَوْلَا من الله علينا بِصُحْبَة عبد الْمولى هدَانَا السَّبِيل ودلنا الطَّرِيق وَلم يتَوَلَّى سَالم ابْنه الْملك حَتَّى قدعجز عبد الْمولى من الْحَرَكَة فصحبه ابْنه مُحَمَّد حَتَّى توفّي وَله ولد يُقَال لَهُ عبد الْملك هُوَ الان مُقيم بِالْحَبَشَةِ
وَمِنْهُم أَحْمد ابا محمودتفقه بِسَعِيد بن سعيد بعد أَن لبث بتعز وزبيد مُدَّة بمراعاة الْأسد
وَمِنْهُم تِلْمِيذه عمر بن ابي الْحبّ قد ذكر ابْن سَمُرَة بَعضهم وذكرتهم وَأما هَذَا عمر فتفقه بَابا مَحْمُود وَكَانَ صَالحا عابدا زاهدا وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُشَارك ابو عبد الْمولى مُحَمَّد وَكَانَ ابْن ابي الْحبّ مرضيا لورعه وزهده وَتردد فِي السفارة بَين
стр. 870
المظفر وَسَالم أَيَّامًا مُدَّة حدث الْخلف بَينهمَا وَكَانَ صبيحا من أحس النَّاس من رَاه ظن الشَّمْس طلعت وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه حُسَيْن بن ابي الْحبّ وَكَانَ فَقِيها فَاضلا جسيما وسيما ولى القضا دون السّنة يقْضى ثمَّ توفّي ثمَّ خَلفه أَبُو رشاح
وَمِنْهُم ابراهيم بن ابي بكر عرف بِابْن ابي رشاح ولى القضا مُدَّة وَكَانَ يذكر بالفقه حكى متوكلا انه مر فِي طَرِيق فَلَمَّا صَار قرب مدرسته اذ اقبل فرس قد انفلت بِقُوَّة وَالنَّاس تصيح بالتحذير والفقيه حول قَفاهُ لجِهَة الْفرس فَلَمَّا أَتَى الْفَقِيه عدل عَنهُ وَلم يُقَارِبه فَعجب النَّاس من ذَلِك اشد العجيب وَكَانَ فَاضلا بِعِبَارَة الْمَنَام بنقيض مَا لَا يَلِيق بالفقيه وَكَانَ لَهُ توكل شَدِيد فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ خشيت أَن عملت يراني وَكَانَ لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْفِقْه وَمَا يَلِيق بالفقه توفّي فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة
وَمِنْهُم أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم عرف بِأبي علاف كَانَ جيدا صَالحا فَقِيها تفقه فِي بدايته بِأبي رشاح وعزل ابْن أبي رشاح وَجعل هَذَا مَكَانَهُ ثمَّ لما توفّي أُعِيد أَبُو رشاح الى القضا وَكَانَ فِيهِ مرضيا وَتردد فِي السفارة بَين الواثق والأشرف وَوصل من الواثق معزيا بالمظفر الى الْأَشْرَف ثمَّ مرّة اخرى الى الْمُؤَيد معزيا بالأشرف فَاجْتمع بِهِ الْفُقَهَاء وراجعوه فَاعْتَرفُوا بفضله وَذَلِكَ فِي دولة الْمُؤَيد وَكَانَ يثنى عَلَيْهِ بِحسن السِّيرَة فِي القضا وَكَانَ تفقهه باحمد بن باططة وبابن عبد القدوس وَهُوَ خَاله وازوجه بابنته وَكَانَ بهَا ابْن عبد القدوس وَقد مضى ذكره مَعَ أهل بَلَده حَضرمَوْت وفقيه ظفار وحاكمها الْآن عبد الله بن ابراهيم أَبَا خلف تفقه بِأبي رشاح وَخَلفه فِي القضا وَيذكر بِالدّينِ وَالْفِقْه وَمَكَارِم الاخلاق
стр. 871
وَمِنْهُم ابراهيم بن عمر بن عبد الرَّحْمَن باططة فَقِيه فَاضل ذُو فنون كَثِيرَة نَحْو وفقها ولغة درس بِمَسْجِد احْمَد بن مُحَمَّد الحبوضي أول مُلُوكهمْ وَقيل ثانيهم وَمن فُقَهَاء ظفار أَيْضا خاجي بن عبير كَانَ فَقِيها فَاضلا كَبِير الْقدر وَكَانَ عَارِفًا بِعلم الْأَدَب والمنطق وَالْأُصُول وَكَانَ صَاحب مكاشفات ومجاهدات وان غَالب أَحْوَاله التحديث
وَمن بَيت ابا ططة عبد الله وَعِيسَى وَعبد الرَّحْمَن تفقهوا أهل بَيتهمْ بوالدهم مُحَمَّد واخيهم أَحْمد مقدمي الذّكر ولعبد الرحمن ولد اسْمه مُحَمَّد كَانَ خَطِيبًا بقرية الغب على قرب ظفار وَكَانَ طَوِيل الصّيام وَالْقِيَام وَله اجْتِمَاع بالخضر ﵇ توفّي بقرية الغب
وانقضى ذكر من تحققته اهلا للذّكر من عُلَمَاء الْيمن فِي غَالب بلادها وَللَّه الْحَمد على ذَلِك وَذَلِكَ م ن وَقت ظُهُور الاسلام الى عصرنا سنة ارْبَعْ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَمضى من ذكر الْمُلُوك ايضا الى اخر الْمِائَة الثَّالِثَة واحببت تَكْمِيل ذَلِك بِذكر من قَامَ من أول الْمِائَة الرَّابِعَة الى عصر سنة ارْبَعْ وَعشر وَسَبْعمائة وَذَلِكَ على طَرِيق الايجاز والأختصار
فقد تقرر فِيمَا تقدم انه لما ازال الله الْملك عَن القرامطة بَقِي ملك الْيمن مُشْتَركا بَين ثَلَاثَة فَملك مخلا فِي صنعاء والجند بَنو يعفر فَكَانُوا على سُكْنى صنعاء ويستخلفون على الْجند بنى الكرندي وَلما طَال بهم المر استقلوا بِالْملكِ أَعنِي
стр. 872
بني الكرندي وَملك زبيد وعدن بايدي بني زِيَاد وهم الَّذين يعد أهل الْيمن ملكهم صَحِيحا لاتصالهم بِملك بني الْعَبَّاس اذ غَيرهم فِيهِ التَّرَدُّد هَل كَانَ نَائِبا اَوْ متغلبا وَقد بَينا ذَلِك وَملك صعدة وَمَا سامتها مَعَ اولاد الشريف الْمُقدم ذكره وَكَانَ الثَّلَاثَة المذكورون قد طَال الْوَقْت بعنا القرامطة واستعدوا وَاخْتلفُوا فَكَانَت تُوجد كتبهمْ بَعضهم الى الْبَعْض نعْمَة مُشْتَركَة وبركة مكملة وَلما تبين لي فِي ذَلِك وتحققت أَن الْعُمْدَة على بني زِيَاد وَقد ذكر عمَارَة فِي مفيدة ان الْجبَال والتهائم كَانَت طَوْعًا لَهُم فَتحمل ولاتها الْخراج اليهم الى تهَامَة واستخرت الله فِي أَن اجعلهم صدرالدول واتمم عَلَيْهِم النهل والعلل لاستطالت مدتهم وَصِحَّة دولتهم ثمَّ اتِّفَاق النَّاس على ثُبُوت دولتهم
فقد ثَبت أَن أول من قدم مِنْهُم مُحَمَّد بن عبيد بن زِيَاد وَقدم مَعَه مُحَمَّد بن
стр. 873
هَارُون التغلبي جد بني عقامة قَاضِي الْقُضَاة وَرجل من اولاد هِشَام وزيرا وَقد ثَبت ذَلِك فِيمَا مضى وَلما قدم وَمَعَهُ جَعْفَر مَوْلَاهُ كَمَا قدمنَا وَكَانَ هوالغالب عَلَيْهِ وَهُوَ رجل دولته ومدبرها بِحَيْثُ يُقَال ابْن زِيَاد بجعفره
قَالَ عمَارَة وَإِلَيْهِ ينْسب المخلاف فَيُقَال مخلاف جَعْفَر وهوالذي اختط المذيخرة مَدِينَة بجبل ثومان وَهَذَا غيرمسلم لعمارة بل الَّذِي ابتناها رجل يُقَال لَهُ جَعْفَر بن ابراهيم المناخي وَهُوَ جد بني المناخي مُلُوك ريمة وقياض المعروفين بسلاطين قياض فِي عصرنا وَلما توفّي خَلفه ابراهيم بن مُحَمَّد بن عبيد ثمَّ ابْنه زِيَاد ثمَّ اخوه اسحق بن ابراهيم الملقب بِأبي الْجَيْش طَال ملكه ثَمَانِينَ سنة
стр. 874
وَعجز عَن الْحَرَكَة والغز فاستخف بِهِ أهل الْبِلَاد وتغلب كل وَاحِد مِنْهُم على مَا فِي يَده
وَفِي أَيَّامه تقدم عَليّ بن الْفضل زبيد وانتهبها وَكَانَ مِنْهُ مَا كَانَ وقدمت ذكره عِنْد ذكره وَيُقَال انه قَتله وَقيل هرب وَتُوفِّي سنة وَاحِد وَسبعين وَثَلَاث مائَة عَن طِفْل اخْتلف فِي اسْمه فَقيل زِيَاد وَقيل عبد الله وَقيل ابراهيم فتولتكفالته اخت لَهُ لأبي الْجَيْش وَعبد لَهُم استاذ حبشِي يُقَال لَهُ رشيد كاون لَهُ عبد مولد مننوبية اسْمهَا سَلامَة والمولد اسْمه حُسَيْن نَشأ حازما عفيفا فرأس على من فِي الدَّار وَولى غَالب اموره وَمَات سَيّده غير بِعَبْد فَقَامَ الْحُسَيْن مقَامه وذب عَن ملك موَالِيه وغزى المتغلبين على الأتاوة وَحَملهمْ على الطَّاعَة حَتَّى عَادوا الى ذَلِك كَمَا كَانُوا مَعَ موَالِيه وَلم يبْق عَلَيْهِ فِي بِلَاد الْيمن مَدِينَة وَلَا حصن وَلَا بلد الا استولى عَلَيْهِ اواستناب فِيهِ من رضيه ثمَّ لما فرغ من ذَلِك اختط على وَادي سِهَام مَدِينَة الكدري وعَلى وَادي ذوال مَدِينَة
المعقر وتزيا بِالْعَدْلِ وَاعْتمد سيرة عمر ابْن عبد الْعَزِيز فِي السلوك ثمَّ ابتنى الْجَوَامِع الْكِبَار فِي المدن وحفر الْآبَار وَعمل المصانع فِي الطّرق وَهُوَ الَّذِي عمل عقبَة الطَّائِف على مَا هِيَ الْآن
стр. 875
وابتدأ عِمَارَته من حَضرمَوْت الى مَكَّة طول مَسَافَة ذَلِك سِتُّونَ يَوْمًا هَكَذَا ذكره عمَارَة
وَبني الأميال والفراسخ وَالْبرد فِي الطَّرِيق
стр. 876
وَمن اخباره المستحسنة ان النَّاس كَانُوا مزدحمين عَلَيْهِ ذاتي وم للصباح فَتقدم اليه رجل مِنْهُم وَقَالَ لَهُ ان رَسُول الله ﷺ بَعَثَنِي اليك لتدفع لي ألف دِينَار فَقَالَ لَعَلَّ الشَّيْطَان تمثل لَك فَقَالَ لَا والامارة بَيْنك وَبَينه انك مُنْذُ عشْرين سنة لَا تنام كل لَيْلَة حَتَّى تصلي عَلَيْهِ مأتي مرّة فَبكى فَقَالَ أَمارَة وَالله صَحِيحَة لم يعلم بهَا غيرالله ثمَّ دفع اليه الْألف
وعَلى الْجُمْلَة فمحاسنه أَكثر من أَن تحصى وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة وَذَلِكَ بعد أَن وقف فِي الْملك ثَلَاثِينَ سنة وَالْملك يَوْمئِذٍ مَعْدُودَة
стр. 877
لطفل من موَالِيه اسْمه عبد الله فكفلته عمَّة لَهُ واستاذ يُقَال لَهُ مرجان من عبيد حُسَيْن بن سَلامَة وَكَانَ لَهُ عَبْدَانِ فحلان قد رباهما وولاهما التَّدْبِير اسْم احدهما انيس بِفَتْح الْهمزَة وخفض النُّون وَسُكُون الْيَاء من تَحت ثمَّ سين مُهْملَة وَالْآخر اسْمه نجاح فولي انس تَدْبِير الْملك بزبيد ونجاح الْأَعْمَال الشامية كالمهجم ومور والكدرى وَكَانَ نجاح جوادا عطوفا عادلا بالرعايا محبوبا اليهم وأنيس على الْعَكْس من ذَلِك وَكَانَت عمَّة ابْن زِيَاد ايضا تميل الى نجاح وتكاتبه سرا من انيس فَاطلع من ذَلِك عَلَيْهَا فَشَكَاهُ الى سَيّده فَقبض على الْمَرْأَة وَابْن أَخِيهَا وسلمهما إِلَى أنيس فبنا عَلَيْهِمَا جدارا فِي دَار الْملك بزبيد وهما يناشدانه الله فَلَا يقبل حَتَّى ختم عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ ذَلِك أخر ملك بني زِيَاد المورد هُنَا فهمته غَالِبا من مُفِيد عمَارَة وَرَأَيْت فِي التَّعَالِيق الَّذِي علق عَلَيْهَا بعض أهل الْعِنَايَة بِهَذَا الْفَنّ أَنه كَانَ مُدَّة ملك مُحَمَّد بن عبيد الله بن زِيَاد القادم من قبل الْمَأْمُون سنة ٢٠٣ هـ ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ ثمَّ اختط زبيد سنة ارْبَعْ وَثَلَاث مائَة وَملك الْيمن كَمَا قدمنَا حَتَّى توفّي سنة خمس
стр. 878
واربعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ ولي ابْنه ابراهيم سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ تولى أَخُوهُ اسحاق واظنه الملقب بَابي الْجَيْش الَّذِي طَال مدَّته فِيمَا ذكر عمَارَة
قَالَ الْمُعَلق فاستمر اسحق الى سنة وَاحِد وَسبعين وثلثمائة فَقَامَ بعده مَوْلَاهُ حُسَيْن بن سَلامَة قلت وَمن التَّارِيخ هَذَا غلب موَالِي بن زِيَاد على الْملك لَكِن كَانُوا يُقِيمُونَ الناموس لبَعض مواليهم بِضَرْب السِّكَّة باسمه والدعا لَهُ فِي الْخطْبَة بعد بني الْعَبَّاس الى أَن قَامَ انيس واحب الِاسْتِقْلَال فَعمل مَا قدمنَا ذكره فعلى مَا ذكر هَذَا الْمُعَلق كَانَ بَنو زِيَاد ايام ملكهم مستطيلة وهم قَلِيل وعَلى مَا ذكر عمَارَة هم كَثِيرُونَ ومددهم طوال وقصار فَالله اعْلَم بِالْحَقِّ وَذكر الْمُعَلق ان الْحُسَيْن توفّي ثَلَاث واربعمائة بِزِيَادَة سنة على مَا ذكره عمَارَة
وَاعْلَم ان هَذِه الأخباريدخلها الصدْق وَالْكذب وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَسبب ذَلِك اخْتِلَاف النَّقْل ثمَّ اخْتِلَاف كتب التَّارِيخ قد يكون المُصَنّف وَاحِدًا والتصنيف وَاحِدًا وَيخْتَلف مَا يُوجد باحدى النسختين عَن الْأُخْرَى يعرف ذَلِك الْعَارِف فَرُبمَا يُنكر الْمُنكر مَا نقلت عَن الْمُفِيد وَغَيره لأبي سَبَب لذَلِك الأقصوره عَن الِاطِّلَاع على كتب التواريخ وَالنَّظَر فِي عدَّة نسخا فقد تمخض لَك أَن مُدَّة ملك بني زِيَاد مُسْتَقل عَن مواليهم من سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ الى سنة احدى وَسبعين وثلثمائة وَهِي مائَة وَثَمَانِية وَسِتُّونَ سنة ويخلف عَلَيْهِم ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ سنة لقِيَام ابْن سَلامَة ثمَّ كَانُوا اعوانا لمواليهم متأدبين مَعَهم حَتَّى كَانَ من انيس مَا قدمْنَاهُ ذكره
стр. 879
قَالَ عمَارَة وَذَلِكَ سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة فمدة ذَلِك ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تنَازع هُوَ وسيده وَله نجاح ثَلَاث سِنِين يغزوه نجاح ويقاتله مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى قَتله بالعرق على بَاب زبيد فِي ذِي الْقعدَة سنة أثنتي عشرَة واربعمائة وَكَانَ نجاح حَبَشِيًّا معلوطا من جنس يُقَال لَهُ جزلة وَالنِّسْبَة اليهم جزلي وذرية هَذَا يتوارثون الْملك حَتَّى ازالهم ابْن مهْدي فَيكون الْملك بيد الموَالِي بطرِيق الِانْفِرَاد والاستقلال مائَة سنة وَخَمْسَة واربعون سنة مِنْهَا ثَلَاث تنَازع نجاح وانيس ثمَّ اسْتَقل نجاح بِالْأَمر من تَارِيخ قتل انيس وَلَا سِيمَا بتهامة خَاصَّة اذ لما مَاتَ ابْن سَلامَة تغلب نواب الْبِلَاد الْعليا وَالْجِبَال على مَا بايديهم فتغلبت هَمدَان على صنعاء وتغلب بَنو الكرندي وهم قوم من حمير كَانَت لَهُم رياسة متائلة وَمَكَارِم مَشْهُورَة وهم أهل المعافر وحصونها كالسوا والسمدان والدملوه وصبر وَذخر ثمَّ تغلبُوا على حصن التعكر وَهُوَ الْحَاكِم على الْجند وَكثير من مخلاف جَعْفَر وتغلب على بعدان ونواحيها كالشعر والنقيل وانور والشوافي السُّلْطَان ابو عبد اله الْحُسَيْن بن التبعي وتغلب بَنو وايل الَّذِي كَانَ مِنْهُم السُّلْطَان صَاحب الْكَرم العريض وَالثنَاء المستفيض اِسْعَدْ بن وَائِل بن عِيسَى على وحاظة وحصونها يريس ودهران ويفوز وَشعب وعزان والخضرا ومدينة شاحط مَحل الْمُلُوك فِيهَا وَهِي مقرّ عزهم وَلَيْسَ لَهَا ذكر فِي عصرنا
стр. 880
وَكَانَ هَذَا اِسْعَدْ رجلا صَالحا امؤثرا لمَذْهَب السّنة على غَيره ويصحب الْقُرَّاء والعباد ويؤثر عمَارَة الْمَسَاجِد ويعظم السّلف ويقتدي باخيارهم وَهُوَ الَّذِي اجتلب الامام زيد الفائشي الى وحاظة وَكَانَ سليما عَن الْبِدْعَة وَكَذَلِكَ قومه الى عصرنا وَكَانَت وَفَاته شَهِيدا مقتولا سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وقبر بِجَامِع الجعامي واخبار بني وَائِل طَوِيلَة
وَحِينَئِذٍ ارْجع الى ذكر الْمُعْتَمد عَلَيْهِ من الْمُلُوك وهما الْحَبَشَة فابتدىء من أَيَّام نجاح فَذكرت قَتله لأنيس واستقلاله بِالْملكِ من التَّارِيخ الْمُتَقَدّم قَالَ المؤرخون فَلَمَّا قَامَ لَهُ الأمرامسك مَوْلَاهُ مرجان وَقَالَ لَهُ مَا فعل مواليك وموالينا قَالَ هم فِي ذَلِك الْجِدَار فَفتح عَنْهُمَا وأخرجهما وغسلهما وَصلى عَلَيْهِمَا فِي جمع وَبنى لَهما مشهدا فِي الْعرق بعد أَن جعل سندولة مكانهما وَأمر بِحمْل جثة أنيس إِلَيْهِ فَبنى عَلَيْهِمَا ثمَّ ركب فِي المظلة وَضرب السِّكَّة باسمه ثمَّ كَاتب بني الْعَبَّاس الى بَغْدَاد وبذل الطاعه وَحمل الْقطعَة فكاتبه أهل بَغْدَاد بالاستنابة ونعتوه بالموئد نصير الدّين وفوض إِلَيْهِ تَوْلِيَة الْقَضَاء لمن رَآهُ أَهلا لَهُ فضبط تهَامَة ضبطا جيدا وهابته الْمُلُوك وهادنته
وَلما كَانَت سنة تسع وَعشْرين واربعمائة ظهر الصليحي فِي رَأس
следующие страницы →