Полный текст (1 016 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وَمن اخباره المستحسنة ان النَّاس كَانُوا مزدحمين عَلَيْهِ ذاتي وم للصباح فَتقدم اليه رجل مِنْهُم وَقَالَ لَهُ ان رَسُول الله ﷺ بَعَثَنِي اليك لتدفع لي ألف دِينَار فَقَالَ لَعَلَّ الشَّيْطَان تمثل لَك فَقَالَ لَا والامارة بَيْنك وَبَينه انك مُنْذُ عشْرين سنة لَا تنام كل لَيْلَة حَتَّى تصلي عَلَيْهِ مأتي مرّة فَبكى فَقَالَ أَمارَة وَالله صَحِيحَة لم يعلم بهَا غيرالله ثمَّ دفع اليه الْألف
وعَلى الْجُمْلَة فمحاسنه أَكثر من أَن تحصى وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة وَذَلِكَ بعد أَن وقف فِي الْملك ثَلَاثِينَ سنة وَالْملك يَوْمئِذٍ مَعْدُودَة
стр. 877
لطفل من موَالِيه اسْمه عبد الله فكفلته عمَّة لَهُ واستاذ يُقَال لَهُ مرجان من عبيد حُسَيْن بن سَلامَة وَكَانَ لَهُ عَبْدَانِ فحلان قد رباهما وولاهما التَّدْبِير اسْم احدهما انيس بِفَتْح الْهمزَة وخفض النُّون وَسُكُون الْيَاء من تَحت ثمَّ سين مُهْملَة وَالْآخر اسْمه نجاح فولي انس تَدْبِير الْملك بزبيد ونجاح الْأَعْمَال الشامية كالمهجم ومور والكدرى وَكَانَ نجاح جوادا عطوفا عادلا بالرعايا محبوبا اليهم وأنيس على الْعَكْس من ذَلِك وَكَانَت عمَّة ابْن زِيَاد ايضا تميل الى نجاح وتكاتبه سرا من انيس فَاطلع من ذَلِك عَلَيْهَا فَشَكَاهُ الى سَيّده فَقبض على الْمَرْأَة وَابْن أَخِيهَا وسلمهما إِلَى أنيس فبنا عَلَيْهِمَا جدارا فِي دَار الْملك بزبيد وهما يناشدانه الله فَلَا يقبل حَتَّى ختم عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ ذَلِك أخر ملك بني زِيَاد المورد هُنَا فهمته غَالِبا من مُفِيد عمَارَة وَرَأَيْت فِي التَّعَالِيق الَّذِي علق عَلَيْهَا بعض أهل الْعِنَايَة بِهَذَا الْفَنّ أَنه كَانَ مُدَّة ملك مُحَمَّد بن عبيد الله بن زِيَاد القادم من قبل الْمَأْمُون سنة ٢٠٣ هـ ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ ثمَّ اختط زبيد سنة ارْبَعْ وَثَلَاث مائَة وَملك الْيمن كَمَا قدمنَا حَتَّى توفّي سنة خمس
стр. 878
واربعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ ولي ابْنه ابراهيم سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ تولى أَخُوهُ اسحاق واظنه الملقب بَابي الْجَيْش الَّذِي طَال مدَّته فِيمَا ذكر عمَارَة
قَالَ الْمُعَلق فاستمر اسحق الى سنة وَاحِد وَسبعين وثلثمائة فَقَامَ بعده مَوْلَاهُ حُسَيْن بن سَلامَة قلت وَمن التَّارِيخ هَذَا غلب موَالِي بن زِيَاد على الْملك لَكِن كَانُوا يُقِيمُونَ الناموس لبَعض مواليهم بِضَرْب السِّكَّة باسمه والدعا لَهُ فِي الْخطْبَة بعد بني الْعَبَّاس الى أَن قَامَ انيس واحب الِاسْتِقْلَال فَعمل مَا قدمنَا ذكره فعلى مَا ذكر هَذَا الْمُعَلق كَانَ بَنو زِيَاد ايام ملكهم مستطيلة وهم قَلِيل وعَلى مَا ذكر عمَارَة هم كَثِيرُونَ ومددهم طوال وقصار فَالله اعْلَم بِالْحَقِّ وَذكر الْمُعَلق ان الْحُسَيْن توفّي ثَلَاث واربعمائة بِزِيَادَة سنة على مَا ذكره عمَارَة
وَاعْلَم ان هَذِه الأخباريدخلها الصدْق وَالْكذب وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَسبب ذَلِك اخْتِلَاف النَّقْل ثمَّ اخْتِلَاف كتب التَّارِيخ قد يكون المُصَنّف وَاحِدًا والتصنيف وَاحِدًا وَيخْتَلف مَا يُوجد باحدى النسختين عَن الْأُخْرَى يعرف ذَلِك الْعَارِف فَرُبمَا يُنكر الْمُنكر مَا نقلت عَن الْمُفِيد وَغَيره لأبي سَبَب لذَلِك الأقصوره عَن الِاطِّلَاع على كتب التواريخ وَالنَّظَر فِي عدَّة نسخا فقد تمخض لَك أَن مُدَّة ملك بني زِيَاد مُسْتَقل عَن مواليهم من سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ الى سنة احدى وَسبعين وثلثمائة وَهِي مائَة وَثَمَانِية وَسِتُّونَ سنة ويخلف عَلَيْهِم ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ سنة لقِيَام ابْن سَلامَة ثمَّ كَانُوا اعوانا لمواليهم متأدبين مَعَهم حَتَّى كَانَ من انيس مَا قدمْنَاهُ ذكره
стр. 879
قَالَ عمَارَة وَذَلِكَ سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة فمدة ذَلِك ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تنَازع هُوَ وسيده وَله نجاح ثَلَاث سِنِين يغزوه نجاح ويقاتله مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى قَتله بالعرق على بَاب زبيد فِي ذِي الْقعدَة سنة أثنتي عشرَة واربعمائة وَكَانَ نجاح حَبَشِيًّا معلوطا من جنس يُقَال لَهُ جزلة وَالنِّسْبَة اليهم جزلي وذرية هَذَا يتوارثون الْملك حَتَّى ازالهم ابْن مهْدي فَيكون الْملك بيد الموَالِي بطرِيق الِانْفِرَاد والاستقلال مائَة سنة وَخَمْسَة واربعون سنة مِنْهَا ثَلَاث تنَازع نجاح وانيس ثمَّ اسْتَقل نجاح بِالْأَمر من تَارِيخ قتل انيس وَلَا سِيمَا بتهامة خَاصَّة اذ لما مَاتَ ابْن سَلامَة تغلب نواب الْبِلَاد الْعليا وَالْجِبَال على مَا بايديهم فتغلبت هَمدَان على صنعاء وتغلب بَنو الكرندي وهم قوم من حمير كَانَت لَهُم رياسة متائلة وَمَكَارِم مَشْهُورَة وهم أهل المعافر وحصونها كالسوا والسمدان والدملوه وصبر وَذخر ثمَّ تغلبُوا على حصن التعكر وَهُوَ الْحَاكِم على الْجند وَكثير من مخلاف جَعْفَر وتغلب على بعدان ونواحيها كالشعر والنقيل وانور والشوافي السُّلْطَان ابو عبد اله الْحُسَيْن بن التبعي وتغلب بَنو وايل الَّذِي كَانَ مِنْهُم السُّلْطَان صَاحب الْكَرم العريض وَالثنَاء المستفيض اِسْعَدْ بن وَائِل بن عِيسَى على وحاظة وحصونها يريس ودهران ويفوز وَشعب وعزان والخضرا ومدينة شاحط مَحل الْمُلُوك فِيهَا وَهِي مقرّ عزهم وَلَيْسَ لَهَا ذكر فِي عصرنا
стр. 880
وَكَانَ هَذَا اِسْعَدْ رجلا صَالحا امؤثرا لمَذْهَب السّنة على غَيره ويصحب الْقُرَّاء والعباد ويؤثر عمَارَة الْمَسَاجِد ويعظم السّلف ويقتدي باخيارهم وَهُوَ الَّذِي اجتلب الامام زيد الفائشي الى وحاظة وَكَانَ سليما عَن الْبِدْعَة وَكَذَلِكَ قومه الى عصرنا وَكَانَت وَفَاته شَهِيدا مقتولا سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وقبر بِجَامِع الجعامي واخبار بني وَائِل طَوِيلَة
وَحِينَئِذٍ ارْجع الى ذكر الْمُعْتَمد عَلَيْهِ من الْمُلُوك وهما الْحَبَشَة فابتدىء من أَيَّام نجاح فَذكرت قَتله لأنيس واستقلاله بِالْملكِ من التَّارِيخ الْمُتَقَدّم قَالَ المؤرخون فَلَمَّا قَامَ لَهُ الأمرامسك مَوْلَاهُ مرجان وَقَالَ لَهُ مَا فعل مواليك وموالينا قَالَ هم فِي ذَلِك الْجِدَار فَفتح عَنْهُمَا وأخرجهما وغسلهما وَصلى عَلَيْهِمَا فِي جمع وَبنى لَهما مشهدا فِي الْعرق بعد أَن جعل سندولة مكانهما وَأمر بِحمْل جثة أنيس إِلَيْهِ فَبنى عَلَيْهِمَا ثمَّ ركب فِي المظلة وَضرب السِّكَّة باسمه ثمَّ كَاتب بني الْعَبَّاس الى بَغْدَاد وبذل الطاعه وَحمل الْقطعَة فكاتبه أهل بَغْدَاد بالاستنابة ونعتوه بالموئد نصير الدّين وفوض إِلَيْهِ تَوْلِيَة الْقَضَاء لمن رَآهُ أَهلا لَهُ فضبط تهَامَة ضبطا جيدا وهابته الْمُلُوك وهادنته
وَلما كَانَت سنة تسع وَعشْرين واربعمائة ظهر الصليحي فِي رَأس
стр. 881
مسار من بلد حراز واسْمه عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الصليحي فَلَمَّا أحكم حصن مسار وَذَلِكَ بمخادعة مِنْهُ لأهل الْبَلَد وَوصل الشِّيعَة من غَالب أنحاء الْيمن وجمعوا لَهُ أَمْوَالًا جليلة واظهر الدعا الى الْمُسْتَنْصر ثمَّ وَجه لَهُ بِهَدَايَا جليلة مِنْهَا سَبْعُونَ سَيْفا قَوَائِمهَا من عقيق وَبعث مَعَ ذَلِك رجلَيْنِ من قومه هما أَحْمد بن مُحَمَّد والدالسيدة الأتي ذكرهَا الَّذِي انْهَدم عَلَيْهِ الدَّار بعدن وَأَبُو سبا أَحْمد بن المظفر وَلما وصلت هَذِه الْهَدَايَا الْمُسْتَنْصر قبلهَا وَأمر لَهُ برايات وَكتب عَلَيْهَا الألقاب وَعقد لَهُ الْولَايَة واذن لَهُ بنشر الدعْوَة وَكَانَ ذَلِك بعد أَن تغلب الصليحي على صنعاء وَأخرج هَمدَان عَنْهَا وَصَارَ فِيهَا خَائفًا من نجاح لعلمه بعجزه عَن مقاومته ثمَّ أَنه أهْدى لَهُ جَارِيَة حسنا واعطاها سما وأمرها ان تدسه لَهُ فِي طَعَامه فَفعلت وَتُوفِّي بالكدري من السم سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين واربعمائة فَكَانَت مُدَّة ملكه خمسين سنة وَمُدَّة الْمُنَازعَة بَينه وَبَين انيس ثَلَاث سِنِين وَحين اتَّصل الْعلم بِمَوْت نجاح بَادر الصليحي وَنزل تهَامَة وازاح مِنْهَا بني نجاح واستناب بهَا صهره اِسْعَدْ بن شهَاب فَسَار فِي أهل تهَامَة سيرة مرضية من الْعدْل والتفسح لأهل السّنة وعامل الْحَبَشَة وَمن يتهم بالدولة بالصفح والاحسان وَرُبمَا ظفر بِبَعْض من يخْشَى من فَيحسن اليه حَتَّى زرع لَهُ ذَلِك فِي قُلُوب النَّاس محبَّة حَتَّى كَانَت الْحَبَشَة مَتى ملكوا وطفروا بِهِ لم يبلغهُ مِنْهُم إِلَّا خيرا وَكَانَ القضا إذاك بيد الْحسن بن ابي عقامة مقدم الذّكر وعمال الحراج بيد ابْن القم وَالِد الشَّاعِر الْمُقدم ذكره وَلم تكمل سنة خمس وَخمسين حَتَّى ملك الصليحي غَالب الْيمن سهلا وجبلا وتمنعت صعدة بعض التمنع باولادالناصر ثمَّ انه قتل الْقَائِم فيهم وَملك
стр. 882
صعدة فاقام بِصَنْعَاء الى الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين واربعمائة ثمَّ توجه الى مَكَّة بعد ان اسْتخْلف ابْنه المكرم واخذ مَعَه زَوجته اسماء بنت شهَاب وَكَانَت من اعيان النِّسَاء وحرائرهن وكرائمهن بِحَيْثُ تقصد وتمدح ويمدح بهَا زَوجهَا وَابْنهَا المكرم وَكَانَ الصليحي لما تحقق كمالها وكل اليها التَّدْبِير وَلم يكن يُخَالِفهَا فِي غَالب أمرهَا وَكَانَ يجلها اجلالا عَظِيما حَتَّى كَانَت مَتى حضرت مَجْلِسا لَا تستر وَجههَا بِشَيْء عَن الْحَاضِرين حَتَّى كَانَ لَا يقدم على أمرهَا امْرَهْ وَكَانَت ابْنة عَم الصليحي وفيهَا من الحزم وَالتَّدْبِير مَا لم يكن فِي نسا زمانها وفيهَا يَقُول الشَّاعِر ... قلت اذ عظموا لبلقيس عرشا ... دست أسما من ذرى النَّجْم اسْما ... وَكَانَ عَليّ بن مُحَمَّد الصليحي من أَعْيَان الْيمن وسادات الزَّمن واذكيا الْمُلُوك ودهاتهم وَلما قهر مُلُوك الْيمن الزمهم ان لَا يفارقوا ركابه حَيْثُ كَانَ بعد ان توثق مِنْهُم بالرهائن والايمان فَلَمَّا عزم على التَّوَجُّه الى مَكَّة الزمهم ان يسافروا مَعَه فَسَار فِي الفي فَارس فيهم من قومه بني الصليح مائَة وَسَبْعُونَ فَارِسًا وَقيل وَسِتُّونَ فَلَمَّا صَار فِي المهجم وَحط فِي ظَاهر الْمَدِينَة هجم عَلَيْهِ بَنو نجاح رَأْسهمْ سعيد الْحول ثمَّ أَخُوهُ جياش ابْني نجاح وهما فِي سبعين رجلا من الْحَبَشَة مَا فيهم ذوسلاح وَلَا فرس وَإِنَّمَا عمِلُوا حرابا من جريدالنخل فَقتلُوا الصليحي وأخاه عبد الله بن مُحَمَّد وَذَلِكَ ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين واربعمائة وَكَانَ من ظُهُوره الى مَوته خَمْسَة واربعون سنة ملكه فِي التهائم احدى وَعِشْرُونَ سنة وَأَيَّام ظهورة وقتاله خمس سِنِين وَملكه فِي الْجبَال خمس واربعون سنة ثمَّ ركب سعيد الْأَحول فرس الصليحي وَركب أَخُوهُ جياش فرس
стр. 883
عبد الله ثمَّ أَمر الاحول بامساك بني الصليحي واعيان الْمُلُوك الَّذين نزلُوا صحبته وبالتحويط على اسماء زَوْجَة الصليحي فاشارعليه اخوه جياش باطلاق أَسمَاء والصليحيين وَجَمِيع الْمُلُوك وَأَن يحسن الى السيدة أَسمَاء خَاصَّة فَلم يجبهُ أَلا كَمَا قَالَ الأول
... لَا تقطعن ذَنْب الافعى وترسلها ... إِن كنت شهما فَاتبع رَأسهَا الدُّنْيَا ... ثمَّ أَمر بقتل الصليحيين وَمن مَعَهم من الْمُلُوك واستبقى مِنْهُم ثَلَاثَة هم وَائِل بن عِيسَى صَاحب وحاظة وَعلي بن معن صَاحب عدن وبن الكرندي صَاحب المعافر ثمَّ تجهز رَاجعا الى زبيد وَجعل اسماء فِي هودج وَحين أتصل الْعلم باسعد خرج هَارِبا من زبيد حَتَّى لحق بالمكرم فِي صنعاء وَحين دخل الْأَحول زبيد أنزل اسماء بنت شهَاب فِي دَار شحار ووكل بهَا من يحرسها وَنصب الراسين امام طاقتها على رُمْحَيْنِ فاحتالت وكتبت الى ابْنهَا المكرم تحظه على قتال الْأَحول وَتقول انه قد وطئني العَبْد الْأسود وَأَنا حَامِل مِنْهُ فَإِن ادركتني قبل الْوَضع والا فَهِيَ الفضيحة والعار ثمَّ جعلت الْكتاب فِي رغيف ودسته الى فَقير وأمرته بايصاله الى وَلَده المكرم فَحَمله فحين وصل الْكتاب الى المكرم قَرَأَهُ على النَّاس واستثار حفائظهم فبكوا وضجوا فَأَمرهمْ بالتجهز لغزو زبيد وَخرج من فوره من صنعاء فِي ثَلَاثَة آلَاف فَارس فخاطبهم وَقَالَ من كَانَت لَهُ رَغْبَة فِي الْحَيَاة فَلَا يرحل مَعنا ثمَّ جعل يفعل فِي كل منزلَة كَذَلِك حَتَّى انه لم يصل وَادي زبيد الا فِي ألف فَارس وسِتمِائَة فحين سمع بِهِ الْأَحول خرج من زبيد وصف لَهُ فِي خَمْسَة وَعشْرين الْفَا من الْحَبَشَة وَغَيرهم وَقيل فِي إِحْدَى وَعشْرين ألفا فَقتل عَسْكَر المكرم اكثرهم ودخلوا زبيد قهرا وهرب الْأَحول وَكَانَ اول من وقف تَحت
стр. 884
طَاقَة اسماء والرأسين المكرم فَوجدَ امهِ مشرفة من الطاق سافرة وَجههَا كعادتها مَعَ زَوجهَا فَقَالَ لَهَا المكرم حياك الله يَا مولاتنا فَقَالَت وحياك الله يَا وَجه الْعَرَب من انت فَقَالَ انا الْوَلَد أَحْمد بن عَليّ قَالَت أَحْمد بن عَليّ فِي الْعَرَب كثير فاحسر لي عَن وَجهك حَتَّى اعرفك فحسر عَن لثامه وَهُوَ يتصبب عرقا فاصابه الفالج من ذَلِك الْوَقْت لم قَالَت لَهُ أمه من جَاءَ كمجيئك فَمَا أَخطَأ وَلَا أَبْطَا ثمَّ تلاحقت بِهِ الفرسان واحاطت بِهِ الأقران فاقام فِي زبيد أَيَّامًا مهد فِيهَا قَوَاعِد الْبِلَاد ثمَّ خرج رَاجعا الى صنعاء واستخلف خَاله اِسْعَدْ فَلبث أَيَّامًا على السِّيرَة المرضية والمكرم ووالدته فِي صنعاء حَتَّى كَانَت سنة تسع وَسبعين ورابعمائة توفت والدته بالتاريخ ثمَّ عَاد الْأَحول الى زبيد فَاخْرُج اِسْعَدْ على الْوَجْه المرضي لما كَانَ لَهُ اليهم من الاحسان والتعطف عَلَيْهِم ايام قِيَامه
ثمَّ ان المكرم قلد الْأَمر لامْرَأَته لاسيدة بنت أَحْمد وَكَانَ المكرم قد وكل اليها تَدْبِير ملكه وَلم يعذرها عَنهُ فاسعفته عَن اتيانها فَلم يفعل وَكَانَت قد علمت حَالَة الْيمن الْأَوْسَط خَاصَّة مخلاف جَعْفَر فَنزلت من صنعاء هِيَ والمكرم وسكنا جبلة ثمَّ صاحا بالرعايا فَاجْتمع مِنْهُم عَالم كثير فاشرقت عَلَيْهِم من طاق وَسَأَلت المكرم ان يشرف مَعهَا فَنَظَرا فَلم يجدا الامن يَقُود كَبْشًا اَوْ يحمل سمنا اَوْ برا وَقد كَانَت فعلت نَحْو ذَلِك بِصَنْعَاء واشرفت هِيَ والمكرم على الرّعية فَلم تقع أعينهما الا على رَاكب فرس مُتَقَلِّدًا رمحا اَوْ رجل شاهرا سَيْفا أَو مُتَقَلِّدًا قوسا ثمَّ قَالَت السيدة للمكرم الْعَيْش مَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي رعية المخلاف أولى من أُولَئِكَ فَقَالَ المكرم نعم ثمَّ سكنا جبلة واختطت السيدة بهَا الدَّار الْمُسَمَّاة دَار الْعِزّ وَهِي
стр. 885
خراب من زمَان وَبنى مَكَانهَا بيُوت كَثِيرَة وتعرف فِي عصرنا بحارة الدَّار
ثمَّ ان السيدة اعملت الْحِيلَة فِي قتل الْأَحول فامرت نائبها فِي جبل الشّعْر ان يكاتبه ويخادعه ويستدعيه وَيَقُول هَؤُلَاءِ قوم شيعَة وَالنَّاس تكرههم فان وصلت الي افنيناهم فَرغب الاحول فِي ذَلِك وَحمل الْمكَاتب على الصدْق فَخرج من زبيد بعسكر عَظِيم وَصَارَ قَاصِدا جبل الشّعْر فحين صَار على قرب مِنْهُ ظهر لَهُ الْعَسْكَر ضعف عسكره فَقتل وَقتلت طَائِفَة من عسكره وأسرت زَوجته أم المعارك فَجعلُوا يعرضون عَلَيْهَا الْقَتْلَى بزوجها فعرفته فَقطعُوا رَأسه وَحمل على رمح أَمَام هودجها وَجِيء بهَا الى السيدة الى جبلة فانزلتها بغرفة من دَاره ووكلت بهَا من يحفظها وَجعل راس زَوجهَا امام طاقتها فَكَانَت السيدة تَقول لَيْت لَك عينا ترى يَا مولاتنا اسماء وراس الْأَحول تَحت طَاقَة أَمَام أم المعارك وَهِي أسيرة وَقد كَانَت السيدة حِين اجابته الى الْخُرُوج عَن زبيد كتبت الى اِسْعَدْ بن شهَاب وَهُوَ بِصَنْعَاء تَأمره التَّقَدُّم الى زبيد بعسكره واخذها وعرفته الْقَصْد فاعتمد ذَلِك فَقدم زبيد وَهِي خَالِيَة عَن قَائِم بهَا فقبضها وهرب بَنو نجاح فلحق جياش بِالْهِنْدِ وصحبته وزيره خلف بن ابي الطَّاهِر الْأمَوِي فلبثا بِالْهِنْدِ شهرا ثمَّ عادا إِلَى زبيد متنكرا بزِي أهل الْهِنْد ثمَّ لم يزل يتلطف حَتَّى استعاد ملك زبيد وَأخرج اِسْعَدْ سالما بعد أَن أحسن اليه فلحق بالمكرم ثمَّ أَن المكرم طلع من ذِي جبلة الى صنعاء فَتوفي بِبَيْت بوس
стр. 886
سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقيل توفّي بحصن أشيح سنة ثَمَانِينَ وَقيل سنة تسع وَسبعين بعد أَن اسند الْوَصِيَّة فِي الْملك الى زَوجته السيدة وَفِي الدعْوَة الى ابْن عَمه سبا بن احْمَد بن المظفر بن عَليّ ومقر عزه إِذْ ذَاك اشيح اُحْدُ الْحُصُون المعدودة بِالْيمن وَكَانَ من أكْرم الْعَرَب واعفهم واشرفهم نفسا بِحَيْثُ ثَبت بِالنَّقْلِ الصَّحِيح الْمُتَوَاتر انه لم يشرب مُسكرا وَلَا وطىء أمة وَلَا خيب قَاصِدا وَكَانَ ممدحا يَقْصِدهُ الشُّعَرَاء ويمتدحونه فيثيبهم وَرُبمَا مدحهم بِشَيْء من الشّعْر مَعَ الاثابة والى ذَلِك أَشَارَ ابْن القم الْمُقدم ذكره
... وَلما مدحت الهبرزي ابْن احْمَد ... اجاز وجازاني على الْمَدْح بالمدح
وعوضني شعرًا بشعري وَزَادَنِي ... نولا فَهَذَا رَأس مَالِي وذارعي
شققت اليه النَّاس حَتَّى رَأَيْته ... فَكنت كمن شقّ الظلام الى الصُّبْح ... فقبح دهر لَيْسَ فِيهِ ابْن احْمَد ... ونزه دهر كَانَ فِيهِ من الْقبْح ... قَالَ عمَارَة فَلَمَّا قَامَ ابْن القم بَين يَدي سبا ينشده القصيدة الَّذِي مِنْهَا هَذِه الأبيات مَنعه من الْقيام وَرمى لَهُ بمخدة وَأمره بالقعود عَلَيْهَا اكراما لَهُ ورفعا عَن الْحَاضِرين ثمَّ لما فرغ من انشادها قَالَ لَهُ يَا ابا عبد الله أَنْت عندنَا كَمَا قَالَ المتنبي
... وفؤادي من الْمُلُوك وَإِن كَانَ ... لساني يرى من الشُّعَرَاء ... فَانْظُر ايها النَّاظر فِي كتابي فِي فعل هَذَا القيل وَحسنه وَمَا لاطف بِهِ هَذ الشَّاعِر وَأحسن اليه مقَالا وفعالا
وَمن اخباره ان السيدة لما خرجت من الْعدة خطبهَا فامتنعت واعتلت بمراجعة امامهم وكتبت الى الْقَائِم يسْأَله أَن يكْتب لَهُ اليها باجابته الى الزواج
стр. 887
وَبعث بكتابه رَسُولا معينا فَلَمَّا وصل الرَّسُول الى مصر وابلغ الْخَلِيفَة جوب لسبا وَكتب الى السيدة يأمرها باجابته الى الزواج فاجابته على كره مِنْهَا وَلَكِن خشيت ان يتَغَيَّر بَاطِن الْخَلِيفَة وَاخْتلف النَّاس هَل دخل بهَا أم لَا فَذهب الْأَكْثَرُونَ الى عدم الدُّخُول وَعَاد بَلَده
ثمَّ انه كَانَ يَغْزُو زبيد فِي كل سنة فيلبث فِيهَا فصل الشتَاء وَالربيع يجبي المتحصل فيهمَا من الْأَمْوَال ثمَّ مَتى اقبل الْحر خرج عَن زبيد وطلع بَلَده فَيَعُود جياش ويجبي الْمَوْجُود من المَال ويعتد للرعايا بِمَا أَخذ مِنْهُم سبا
ثمَّ لما طَال ذَلِك على جياش هجمه وَقد صَار على قرب من زبيد فَقتل اكثر عسكره وهرب سبا فَلم يكن بعد ذَلِك يطْمع بتهامة حَتَّى توفّي بحصنه اشيح سنة اثْنَتَيْنِ وتعسين واربعمائة وَضبط حصنه بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ حاء مُهْملَة وَلَوْلَا انني رَأَيْت مَكَارِم هَذَا سبا أَكثر من أَن تحصى وان اهمال ذكره رَأْسا ظلم ظَاهر لما ذكرته
وَأما الْملك بالجبال وعدن فَلم يزل بيد السيدة بِوَصِيَّة المكرم كَمَا قدمنَا ذَلِك وَلم يكن لَهَا من الْأَوْلَاد سوى ابْنَيْنِ من المكرم وكانه المكرم لما عقد عَلَيْهَا بحياة ابيه جعل صَدَاقهَا عدن وَكَانَ عَليّ بن مُحَمَّد يجلها وَيَأْمُر أَسمَاء باكرامها
стр. 888
وَيَقُول هِيَ وَالله كافلة ذرارينا وحافظة هَذَا الْأَمر على من بَقِي منا نسْمع مِنْهُ ذَلِك غير مرّة فِي أَمَاكِن مُتعَدِّدَة وَكَانَت قد كفلها وَذَلِكَ ان اباها احْمَد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُوسَى الصليحي توفّي تَحت الْهدم بعدن وَهِي اذ ذَاك صَغِيرَة فَضمهَا الصليحي الى امْرَأَته اسماء وَكَانَ يوصيها بهَا فَذكرُوا انها قَالَت يَوْمًا لأسماء يَا مولاتنا رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن فِي يَدي مكنسة وَأَنا اكنس قصر مَوْلَانَا يَعْنِي زَوجهَا عَليّ بن مُحَمَّد الصليحي فَقَالَت وَالله كاني بك يَا حميرا قد كنستي آل الصليحي وملكتي أَمرهم وَكَانَ يُقَال لَهَا بلقيس الصُّغْرَى لرجاحة عقلهَا وَحسن تدبيرها للْملك وَغَيره وَكَانَت قارئة لكتاب الله تَعَالَى حافظة لكثير من اشعار الْعَرَب عارفة بالتاريخ تفضل بالمعرفة على كثير من الْمُلُوك
وَلم يزل بَنو معن يرفعون خراج عدن اليها حَتَّى توفّي الصليحي كَمَا قدمنَا قبلا وتغلبوا على ذَلِك فغزاهم المكرم واخرجهم عَنْهَا وَجعل مكانهما الْأَخَوَيْنِ الْعَبَّاس ومسعود ابْني المكرم الياميين الهمدانيين وأحلفهما للسيدة وَكَانَ ذَلِك لسابقة كَانَت لَهما مِنْهَا انهما صدقا مَعَه فِي الْقِتَال يَوْم نزل لوالدته وَكسر الْحَبَشَة وَغير ذَلِك فَجعل عدن بَينهمَا نِصْفَيْنِ للْعَبَّاس حصن التعكر وَمَا أَتَى من الْبر ولمسعود حصن الخضرا وَمَا يَأْتِي من الْبَحْر والزم كل وَاحِد مِنْهُمَا ان يحمل للسيدة فِي كل سنة خمسين الْفَا فوفيا بذلك حَتَّى توفيا ثمَّ تغلب أولادهما عَلَيْهَا وَكَانَ المكرم قد توفّي وَسيف السيدة يَوْمئِذٍ وَرجل دولتها الْمفضل الْآتِي ذكره فغزاهم وَقَاتلهمْ ثمَّ صالحوه على نصف الْمُعْتَاد فوفوا بذلك حَتَّى توفّي الْمفضل ثمَّ تغلبُوا فَبعثت لَهُم السيدة ابْن عَم الْمفضل فَقَاتلهُمْ فحاربوه ثمَّ اصْطَلحُوا على
стр. 889
نصف الْخمسين فَمَا زَالُوا يحملونه حَتَّى هلك اِسْعَدْ وتغلب بَنو الزرعى على التعكر وتغلبوا لَهُم على مَا صَالحُوا عَلَيْهِ وَلم يزل بايديهم على مَا يَأْتِي ذكره بَيَان اجابتهم انشاء الله
ثمَّ كَانَ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة قدم ابْن نجيب الدولة من بَاب الْخلَافَة من مصر فِي عشْرين فَارِسًا فَجَعَلته السيدة مَكَان الْمفضل فذب عَن ملكهَا وَقَاتل من عصاها وَلم تزل السيدة مَالِكه للجبال اجْمَعْ وهيتقيم ملكهَا بِرَجُل يذب عَنْهَا فَلَمَّا ذهب ابْن نحيب الدولة على مَا سَيَأْتِي قامات مقَامه الدَّاعِي ابراهيم ذ بنالحسين الحامدي ثمَّ لما بلغ السيدة وَفَاة الْقَائِم وَقيام الْحَافِظ بِمصْر اضافت دَعوته الى آل زُرَيْع وَقَالَت حسب آل الصليحي مَا عمِلُوا من أَمر مَوْلَانَا صلوَات الله عَلَيْهِم كَمَا سَيَأْتِي مُبينًا انشا الله تَعَالَى وَكَانَ ذَلِك بعد موت الدَّاعِي ابراهيم وَكَانَ أول من قبلهَا من آل زُرَيْع سبا بن ابي السُّعُود بن زُرَيْع بن الْعَبَّاس الْمُقدم ذكره وَهُوَ الَّذِي تَركه المكرم حِين تَركه على التعكر اعني الْعَبَّاس
وَتوفيت السيدة عقب ذَلِك بِذِي جبلة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وخمسئائة واسندت الْملك الى مَنْصُور بن الْمفضل
وَلما كَانَ الْأَمر على مَا قدمنَا وَعرض مَعَ ذكر السيدة ذكر جمَاعَة من أَعْيَان دولتها تطلع النُّفُوس الى تَحْقِيق اللَّائِق من أَحْوَالهم ناسب بَيَان ذَلِك
أَوَّلهمْ سبا بن احْمَد وَقد ذكرته ثمَّ الْمفضل بن ابي البركات بن الْعلَا ابْن
стр. 890
الْوَلِيد الْحِمْيَرِي كَانَ وَالِده واليا للمكرم من جملَة صغَار الدَّار فَتوفي ابو البركان بعد المكرم فَجعلت السيدة ولَايَة التعكر الى ابْنه خَالِد وَلم يفرق الْمفضل عَن حضرتها فَلبث اياما نَحْو سنتَيْن فَقتله الْفَقِيه عبد الله بن المصوع مقدم الذّكر فِي فُقَهَاء ذِي السفال وَقتل عبد الله عقب ذَلِك كَمَا قدمت ذَلِك عِنْد ذكره فَجعلت السيدة الْمفضل مَكَانَهُ فَمن وَقت طلعته تعنت بالفقهاء واظهر عداوتهم وَقبض أَرَاضِي الْقَاتِل وَقَومه وَهِي الْأَمْلَاك الْقَدِيمَة فِي ذِي السفال وهرب غَالب الْفُقَهَاء من مجاورة التعكر خوفًا من سطوته وَقد ذكرت مَا فعل مَعَ اصحاب الْفَقِيه زيد عِنْد ذكره وَصَارَ الْمفضل رجل الْبَيْت ومدبر الْملك والذاب عَنهُ وَلم تكن تقطع السيدة أمرا دونه فبذلك عظم شَأْنه وعلت كَلمته وَلم يكن فِي اعيان الدولة من يساميه وَلَا يُسَاوِيه وغزى تهَامَة مرَارًا لَهُ وَعَلِيهِ وَكَانَت لَهُ مَكَارِم ومفاخر وَلكنهَا دون مفاخر سبا الْمُقدم ذكره وَكَانَ الْمفضل جوادا ممدحا يَقْصِدهُ الشُّعَرَاء من الانحا ويمدحونه فيثيبهم على ذَلِك ثَوابًا مغنيا واليه قدم مواهب بن جَدِيد المغربي وامتدحه بغرر القصائد من بَعْضهَا قَوْله
... يَا مَالك الدّين وَالدُّنْيَا وأهلهما ... وَمن بغرته الاسلام ممتسك
قد قيل جاور لتحظى الْبَحْر أَو ملكا ... وَقد فعلت وانت الْبَحْر وَالْملك ... وَمن آثاره المبقية للذّكر جَرّه للغيل من خنوة الى مَدِينَة الْجند وَلَقَد مر بِهِ فِي مَوَاضِع احتفر بهَا طَريقَة فِي أصفية بِحَيْثُ لَا يصدق بذلك على السماع لِأَنَّهُ نقر فِي الصَّفَا حفرا عديدة واجرى المَاء فِيهَا ثمَّ لما جَاءَ بَين جبلين اخْتَار
стр. 891
الصناع فِي ذَلِك فابتنى جدارا طوله من الْجَبَل الى الْجَبَل نَحوا من مأتى ذِرَاع وارتفاعه فِي الأَرْض نَحوا من خمسين ذِرَاعا وَعرضه نَحوا من عشرَة أَذْرع بالحديد وَهَذَا التَّقْدِير مني على طَرِيق التَّجَوُّز والتقريب فَلهَذَا اذا رَآهُ شخص يَقُول مَا اقتدر على هَذَا الْحفر الا الْجِنّ وَلَوْلَا ثُبُوت ذَلِك وادعاه مُدع لم يصدق
وَمن ذَلِك ابتنأه لمسجدالجند وتجديد بنائِهِ الْمُقدم والجناحان واما الْمُؤخر فبناه بعض الْقُضَاة من وفر الْمَسْجِد وجدد بِنَاء الْمفضل من الْمَسْجِد الْأَحْجَار وسقف عَلَيْهَا حَتَّى جَاءَ الْمهْدي بن عَليّ بن الْمهْدي فَأخر بِهِ وَأحرقهُ على مَا سَيَأْتِي إنْشَاء الله وَلم يزل مهدوما حَتَّى قدم الغز وَهُوَ على ذَلِك إِذْ لم تطل مُدَّة المهادنة بعد ذَلِك وَلَا قبله
ثمَّ لما قدم سيف الاسلام ابتنى ذَلِك وَزَاد فِي سمك الْمَسْجِد مَا هُوَ جَنْبي الْآن بِالْأَجْرِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَان ذَلِك عِنْد ذكرهم
وَقد ذكر القَاضِي أَبُو بكر اليافعي قصَّة الغيل فِي مدحه لِابْنِهِ مَنْصُور لما مدحه وَجعل من جملَة مدحه مدح أَبِيه وَنبهَ على فعله فِي الغيل وَكنت أتشكك فِي من جر الغيل حَتَّى وجدته فِي شعر القَاضِي الْمَذْكُور وَقد تقدم من ذَلِك مَعَ ذكره مَا يُغني عَن ذَلِك لَكِن احب ذكر مَا قَالَ فِي الغيل وَذَلِكَ أَنه لما ذكر الْمفضل قَالَ ... واقل مكرمَة لَهُ وفضيلة ... إجراؤه للغيل فِي الأجناد
شقّ الْجبَال الشامخات فاصبحت ... وكأنما كَانَت ثعاب وهاد ... وَفِي قَوْله شقّ الْجبَال الشامخات دَلِيل على صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ ثمَّ لم يزل بمناكرة
стр. 892
هُوَ وَالْفُقَهَاء وَهُوَ يعلم انهم يسْتَحلُّونَ دَمه ويكرهون مذْهبه مَعَ مَا عمل بهم مُنْذُ ولى التعكر وَكَانَت السيدة قد انقبضت عَن الْمفضل وَذَلِكَ انها كَانَت تطلع التعكر ايام الصَّيف وتقف بِهِ فَإِذا جَاءَ الشتَاء نزلت الى ذِي جبلة وَكَانَت ذخائرها وذخائر آل الصليحي وَمَا يعز عَلَيْهِم من الْأَمْوَال والتحف مَوْضُوعَة بِهِ فَذكر أَن الْمفصل قَالَ لَهَا يَوْمًا يَا مولاتنا انظري مَا كَانَ لَك فِي هَذَا الْحصن فانقليه فَإِنِّي لَا أحب ان يكون لأحد فِيهِ طَاعَة فَقَالَت لَهُ لَا بَأْس عَلَيْك يَا فلَان انت رجل الْبَيْت وَلَا نكلفك مَا يسؤك ثمَّ لما نزلت من الْحصن لم تعده حَتَّى مَاتَت وَلم تغير للمفضل عَن مَا كَانَ يعهده مِنْهَا من الصلات والارسال لَهُ فِي مهام الْأُمُور وعَلى من تغلب عَلَيْهَا حَتَّى وَصلهَا بعض مُلُوك الْحَبَشَة يستنصرها على بعض أَهله فِي زبيد وبذل لَهَا مبلغا فَبعثت مَعَه الْمفضل فَسَار مَعَهم ونصرهم فَلَمَّا صَار بعسكره فِي زبيد هم ان يغدر ويأخذها عَلَيْهِم وَجعل يؤامر نَفسه فِي ذَلِك ثمَّ بَينا هُوَ كَذَلِك اذ قدم عَلَيْهِ الْعلم بِأخذ التعكر فَخرج من زبيد لَا يلوي على شَيْء حَتَّى طلع عزان التعكر وَصَارَ محاصرا للتعكر مِنْهُ وَكَانَ الْأَخْذ لَهُ جمَاعَة من الْفُقَهَاء وَمَعَهُمْ ابْن عَم لَهُ فَابْن سَمُرَة عزي الْآخِذ لَهُ الى ابْن عَمه وَعمارَة عزي ذَلِك الى جمَاعَة من الْفُقَهَاء فيهم عَم لَهُ وَرَأَيْت انه يحْتَمل الْأَمريْنِ مَعًا وَهُوَ اتِّفَاق الْفُقَهَاء مَعَ ابْن عَم الْمفضل فَقَالَ بعض الْمُخَالفين فِي التعكر قتلني الله إِن لم اقل الْمفضل قيل وَكَيف ذَلِك فَاخْرُج حظاياه الى سقوف الدَّار وامرهن بِضَرْب الدفوف والغنا فحين رأى ذَلِك الْمفضل وَكَانَ شَدِيد الْغيرَة أَخَذته بَطْنه وَقيل انه كَانَ بِيَدِهِ خَاتم مَسْمُوم فامتصه
стр. 893
فاصبح مَيتا وَهُوَ فِي فِيهِ فقبر بعزان وَذَلِكَ بتاريخ شهر رَمَضَان سنة ارْبَعْ وَخَمْسمِائة وطلعت السيدة من حبلة عقب ذَلِك فحطت بالربادي وكاتبت الْفُقَهَاء بالنزول من الْحصن على ان يشترطوا عَلَيْهَا مَا شاؤوا فاجابوا الى ذَلِك ونزلوا بعد أَن اشترطوا عَلَيْهَا شُرُوطًا وَافَقت لَهُم بهَا فَجعلت السيدة فِيهِ مَوْلَاهَا فتح بن مِفْتَاح وَالِد الْفَقِيه سُلَيْمَان مقدم الذّكر فِي اصحاب الشَّيْخ يحي بن ابي الْخَيْر فَلبث مَا شَاءَ الله ثمَّ تغلب على الْحصن فاحتال عَلَيْهِ بَنو الزر بِخطْبَة ابْنة لَهُ فازوجهم فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة رفافها وصلوا بِجَمَاعَة فاخرجوه عَنهُ
وَأما السيدة فاقامت مَكَان الْمفضل ابْن عَمه اِسْعَدْ بن ابي الْفتُوح بن الْعلَا بن الْوَلِيد الْحِمْيَرِي بِالْقيامِ والذب عَن ملكهَا والتوجه الى حَيْثُ امرته وَقد ذكرته تقدمة الى بني زُرَيْع وصلحه مَعَهم فَلبث مُتَوَلِّيًا لحصن صَبر وتعز اذ كَانَ ابوه قبله مُتَوَلِّيًا عَلَيْهِمَا فَلم يزل قَائِما بالأمور كَمَا كَانَ الْمفضل حَتَّى كَانَت سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة غدر بِهِ رجلَانِ من أَصْحَابه فقتلاه بَين الباين بحصن تعز وَقد كَانَ قدم قبل ذَلِك على السيدة رجل من مصر وَهُوَ عَليّ بن ابراهيم ابْن نجيب الدولة ويلقب بالموفق قدم دَاعيا وَمَعَهُ عشرُون فَارِسًا وَذَلِكَ سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة كَمَا قد مضى فِي ذكر السيدة وَكَانَ مَعَ صَاحب مصر على خزانَة الْكتب الافضلية وَكَانَ كثير المحفوظات ومستبصرا بِمذهب الشِّيعَة قيمًا بِتِلَاوَة الْقُرْآن الْعَزِيز على نعوته فتركته السيدة على بَابهَا حَافِظًا لَهَا فِي مَدِينَة جبلة وَكَانَت خولان قد بسطوا ايديهم على الرعايا والبلاد وعبثوا بِالنَّاسِ احتقارا بالسيدة لعدم الْقَائِم بامرها فَلَمَّا قعد ابْن نجيب الدولة طردهم عَن جبلة ونواحيها واوقع بِمن لقِيه مِنْهُم الْعَذَاب الشَّديد حَتَّى لم يبْق مِنْهُم أحد الا من كَانَ منتسبا الى السيدة دَاخِلا فِي جملَة الرّعية فَلَمَّا رَأَتْ مِنْهُ ذَلِك أَمرته ان يسكن الْجند
стр. 894
كَمَا كَانَ الْمفضل فَلَمَّا صَار اليها اعجبته لوطأتها وانكشاف جوها فكسنها وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُرَاجع السيدة فِي غَالب اموره وَلَا يبرح مواصلا لَهَا ثمَّ انه استخف بهَا وَصَارَ اذا أَمرته بِأَمْر رُبمَا تردد فِيهِ وَرُبمَا اظهر انتقاص رأيها ونسبها الى الخرف والسفه وَقَالَ قد اسْتحقَّت عِنْدِي ان يحْجر عَلَيْهَا فشق ذَلِك بهَا وجهزت لَهُ جَيْشًا يحصاره فِي الْجند مبلغ الْجَيْش نَيف وَعِشْرُونَ الْفَا مَا بَين فَارس وراجل وَمَعَهُ اذ ذَاك فِي مَدِينَة الْجند اربعمائة فَارس مقدمهم رجل من هَمدَان وغالبهم ايضا مِنْهُم فَلَمَّا أضرّ الْحصار بِابْن نجيب الدولة وَعلمت السيدة بذلك عملت فِي ابطاله عَنهُ ثمَّ طلع اليها وَاعْتذر من خطائه وَلم يزل يستعطفها حَتَّى طَابَ قَلبهَا عَلَيْهِ فابقته على مَا كَانَ عَلَيْهِ ثمَّ قدم رَسُول من صمر الى السيدة فاحتقره ابْن نجيب الدولة وَرُبمَا اغلظ لَهُ فِي الْكَلَام فالتحف بِهِ اعداء ابْن نجيب الدولة وكثروا عَلَيْهِ فضمن لَهُم هَلَاكه بَان يضْربُوا لَهُ سكَّة نزارية ويكتبون عَلَيْهِ مسطورا فِيهِ شَهَادَتهم انه يَدْعُو الى نزار ويكتبوا عَلَيْهِ مَا يشابه ذَلِك ثمَّ عَاد الرَّسُول مصر وَاعْلَم الْخَلِيفَة بذلك فَبعث الى الْيمن رجلا يُقَال لَهُ ابْن الْخياط فِي مائَة فَارس وَأمره بِالْقَبْضِ على ابْن نجيب الدولة فَلَمَّا قدم على السيدة طلب مِنْهَا ابْن نجيب الدولة
فتمنعت من تَسْلِيمه فَلم يَتْرُكهَا اعداء ابْن نجيب الدولة بل عظموا عَلَيْهَا أَمر الْخَلِيفَة فاستدعت الرَّسُول واحلفته لَهُ انه لَا يعرض لِابْنِ نجيب الدولة بِسوء وكتبت مَعَه كتابا الى الْخَلِيفَة تشفع فِيهِ ثمَّ سلمته اليه وَبعثت مَعَه رَسُولا لَهَا فَلَمَّا صَارُوا بعدن سفر الرَّسُول وَابْن نجيب الدولة وَأخر الْكَاتِب اياما ثمَّ سَفَره بجلبية عهد الى اربابها فِي تغريقه فعرقه بِبَاب المندب وَلم اتحقق مَا تمّ عَليّ ابْن نجيب الدولة اذ لم يُحَقّق ذَلِك عمَارَة فندمت السيدة على تَسْلِيم ابْن
стр. 895
نجيب الدولة ثمَّ على ارسال كاتبها وَكَانَ عِنْدهَا بمَكَان ثمَّ لما رَاح ابْن نجيب الدولة اقامت السيدة مَكَانَهُ الدَّاعِي ابراهيم بن الْحُسَيْن الحامدي فَلم تطل مدَّته وَتُوفِّي عقيب ذَلِك وَفِي أثْنَاء ذَلِك وصل الْعلم بوفاة الْقَائِم لمصر وَقيام الْحَافِظ بعده واضافت السيدة الدعْوَة الى آل زُرَيْع ووليها سبا بن ابي السُّعُود وَلذَلِك لقب بالداعي ثمَّ وَليهَا عقبه كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ لما توفيت السيدة بالتاريخ الْمُتَقَدّم عِنْد تَمام ذكرهَا قَامَ بملكها عَن وَصِيَّة عَنْهَا مَنْصُور بن الْمفضل مقدم الذّكر وَكَانَ من اعيان الْمُلُوك وكرامهم وَهُوَ ممدوح القاصي ابي بكر الجندي وَقد ذكرت ذَلِك مَعَ ذكره وَلما ضعف وَكبر واحب السّكُون والدعة بَاعَ التعكر وَحب حصني المخلاف واعمالهما من الدَّاعِي مُحَمَّد بن سبا واليهم الْجند وَذَلِكَ سنة سبع واربعين وَخَمْسمِائة بعد موت السيدة بِخمْس عشرَة سنة فَحِينَئِذٍ بلغت مُدَّة ملك بني الصليحي من سنة تسع وَعشْرين واربعمائة الى غَايَة سبع واربعين وَخَمْسمِائة مائَة وتسع عشر سنة وَاشْترى مِنْهُ التعكر بمبلغ مَعْلُوم وَصعد اليه والى سَائِر الْحُصُون وَفَرح فيهم وَقَبضهَا وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك مَعَ ذكره وَبَقِي مَنْصُور فِي حصن تعز حَتَّى توفّي بهَا وَهُوَ اول من اتخذ ثعبات منتزها وَكَانَ ينزل من الْحصن يقف بهَا الْأَيَّام وَتُوفِّي ببضع واربعين وَخَمْسمِائة وَخَلفه ابْن لَهُ اسْمه احْمَد فَقَامَ كقيام ابيه الى سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة
ثمَّ طلع مهْدي بن عَليّ بن مهْدي من تهَامَة فاتباع مِنْهُ صَبر وتعز ثمَّ سكن الْجند الى سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي بهَا وَهُوَ آخر من لَاق ذكره من أَعْيَان الدولة السيدية وابناؤهم وَلم يبْق الا ذكر من استولى على الْبِلَاد من الْعَرَب
стр. 896
خَاصَّة وَيَأْتِي بعد ذَلِك ذكر الْحَبَشَة فَكَانَ من أَحَق النَّاس ذكرا واشهرهم فخرا بعد آل الصليحي أهل عدن الَّذين يعْرفُونَ بآل زُرَيْع
وَقد ذكرت فِيمَا تقدم ان المكرم أَزَال بني معن من عدن وَترك فِيهَا الْأَخَوَيْنِ عَبَّاس ومسعود الياميين الهمدانيين كَمَا قدمت قَالَ وَسبب ذَلِك انه كَانَ للْعَبَّاس بن الْكَرم سَابِقَة مَعَ الدَّاعِي عَليّ بن مُحَمَّد الصليحي فِي قيام الدعْوَة لَهُ وَحين نزل المكرم لأمه الى زبيد وَأَخذهَا فَلم يَزَالَا يحْملَانِ الاتاوة الَّتِي اشترطها عَلَيْهِم المكرم كل سنة مائَة الف دِينَار الى السيدة حَتَّى توفّي الْعَبَّاس وَخَلفه ابْنه زُرَيْع وَبَقِي مَسْعُود على حَاله وكل مِنْهُمَا يحمل مَا عَلَيْهِ فَلَمَّا بعثت السيدة الْمفضل الى زبيد كتب الى زُرَيْع وَعَمه مَسْعُود وَكَانَ بيد زُرَيْع مَا كَانَ بيد ابيه التعكر وَمَا يدْخل عدن من الْبر وبيد مَسْعُود الخضرا وَمَا يدْخل من الْبَحْر وعَلى كل وَاحِد فِي السّنة حمل خمسين الْفَا الى السيدة وَقد ذكرت انهم كَانُوا يتمنعون عَن السيدة فَنزل اليهم الْمفضل فَصَالحهُمْ على النّصْف والقائم بعد مَسْعُود ابْنه ابو الغارات والقائم بعدن ابْن اخيه زُرَيْع ابو السُّعُود فاستمر كل أحد مِنْهُمَا على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبوهُ قَانِع بِهِ موَالٍ لِابْنِ عَمه فَتوفي ابو السُّعُود وَجعل مَكَانَهُ سبا وَلما توفّي أَبُو الغارات أخلفه ابْنه مُحَمَّد ثمَّ توفّي فخلفه اخوه عَليّ بن ابي الغارات وَهُوَ آخر بني المسعود وَهُوَ صَاحب حصن الخضراء المستولى على الْبَحْر والمراكب وَالْمَدينَة وَله فِي لجج مَدِينَة الرعارع وَأما ابْن عَمه الدَّاعِي سبا فَكَانَ مَالِكًا لحصن التعكر على بَاب عدن وَله معقل الدملوة وسامع ومطران وَيَمِين وذبحان وَبَعض المعافر وَبَعض الْجند فَحصل عَلَيْهِ من عَليّ بن ابي الغارات بعض ضيم وبلغه انه ينتقصه ويهم بِرَفْع يَده عَن عدن فَخرج الدَّاعِي الى الدملوة وَخرج على ابْن ابي الغارات الى لحج فَلم يقف الدَّاعِي بالدملوة غير يسير حَتَّى نزل الى لحج بأموال
стр. 897
وعساكر فَنزل ببنا آبة العلياء وَهِي لَهُ وَلابْن عَمه الرعارع كَمَا قدمنَا وَهُوَ وَاقِف بهَا فهاجت بَينهمَا حروب كَثِيرَة افضت الى انتصار الدَّاعِي سبا على ابْن عَمه فهرب الى سبا صُهَيْب وتحصن هُوَ وَابْن عَمه بحصنين مِنْهَا وهما منيف والحفلة
وَمن عَجِيب مَا كَانَ فِي الْيَوْم الَّذِي انْكَسَرَ بِهِ ابْن ابي الغارات فتح بِلَال مولى سبا حصن الخضراء فَبعث مبشرا الى سَيّده بذلك وسيده بعث مبشرا اليه بِفَتْح الرعارع وانكسار بني عَمه فَالتقى الرسولان فِي الطَّرِيق وَكَانَت مُدَّة الْحَرْب بَينهمَا سنتَيْن كَانَ فِيهَا بِلَال مَوْلَاهُ يحارب الخضراء وفيهَا أم عَليّ بن ابي الغارات فَلَمَّا استولى على الخضراء وجد فِيهِ اموالا جليلة استولى عَلَيْهَا وَانْزِلْ الْحرَّة بهجة الى الْمَدِينَة فَلَبثت بهَا حَتَّى توفيت وَالْمَسْجِد الَّذِي يعرف بِمَسْجِد الْحرَّة على الْقرب من جَامع عدن أَظُنهُ ينْسب اليها فَلَمَّا انْقَضتْ الْحَرْب دخل الدَّاعِي سبا الى عدن فَلبث بهَا سَبْعَة اشهر فَقير فِي سفح التعكر فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة
وَلما كَانَ بعد سَبْعمِائة ظهر للنَّاس على أكمة بسفح التعكر حفير أظهره الْمَطَر فَتوهم النَّاس انه مَال فاعلموا وَالِي الْمَدِينَة فطلع ووقف واخرج الحفارون مِنْهُ صندوقا كَبِيرا مسمرا فَفتح فوجدوا فِيهِ رجلا ملففا باثواب مَتى أَمْسَكت صَارَت رَمَادا فاعادوه على حَاله بصندوقه وحفرته وَلَعَلَّه الدَّاعِي وَالله أعلم وَلما توفّي الدَّاعِي بعد ان اقام مقَامه ابْنه على الْأَغَر فَلم يقم غير أَيَّام يسيرَة حَتَّى توفّي بِمَرَض السل وَله اربعة أَوْلَاد صغَار جعل كفالتهم إِلَى خَادِم اسْمه انيس خصي
стр. 898
على اسْم العَبْد الَّذِي قتل موَالِيه أخر بني زِيَاد كَمَا ذكرت ذَلِك وهم جَمِيعًا بالدملوة وَلما علم بِلَال بذلك وَهُوَ اذ ذَاك مستول على عدن وَكَانَ يكره اللأغر والأغر يكرههُ لَكِن لم تطل بِهِ الْأَيَّام فيوقع بِهِ وَكَانَ اخوه مُحَمَّد ابْن سبا قد خشى مِنْهُ فهرب الى مَنْصُور بن الْمفضل واستجار بِهِ فاقام عِنْده بجبلة فَكتب بِلَال الى مُحَمَّد بن سبا بالمبادرة الى عدن ويعده بِالْخَيرِ وَالْقِيَام مَعَه بِالروحِ وَالْمَال فبادر وَنزل فَلَمَّا صَار على قرب من عدن لقِيه بِلَال ملتقى حسنا وترجل بَين يَدَيْهِ وانزله المنظر ثمَّ نزل وَقعد للنَّاس وَبَدَأَ فَحلف ثمَّ اسْتحْلف بَقِيَّة الْعَسْكَر ثمَّ بعد ايام امْرَهْ ان يتَقَدَّم الى الدملوة ويحصارها فَفعل ذَلِك وَاسْتولى على جَمِيع مَا كَانَ لابيه من سهل وجبل ببركة بِلَال ويمنه وسداد رَأْيه ثمَّ أَنه خطب ابْنَته وَتزَوج بهَا وَصرف فِي جهازه اموالا جليلة على الشُّعَرَاء
وَفِي اثناء ذَلِك قدم الرشيد بن الزبير برسالة من مصرالى على الْأَغَر ظنا انه هُوَ فَوَجَدَهُ قد توفّي فَجعل الرسَالَة الى آمحمد بن سبأ إِذْ وجده الْقَائِم وقلده الدعْوَة ونعته بالمعظم وَوَصفه بالمتوج المكين ونعت وزيره الشَّيْخ بِلَال السعيد الْمُوفق السديد وَفِي سنة خمس واربعين ظفر ببني عَمه على بن ابي الغاران وَمُحَمّد بن منيع بن مَسْعُود ورغبة بن ابي الغارات فَقَتلهُمْ فِي سنة سِتّ واربعين وَقيل سنة سبع وَأَرْبَعين وَتُوفِّي الشَّيْخ بِلَال وَفِي سنة سبع واربعين وَخَمْسمِائة ابْتَاعَ من مَنْصُور بن الْمفضل التعكر وَحب وجبلة والجند ونواحيها ثمَّ طلع التعكر وَحب وَفَرح فيهمَا وبذل أَمْوَالًا جليلة فِي طَرِيق الْمَعْرُوف وَالْبر واجازة الشُّعَرَاء وَكَانَ من كرام الْمُلُوك وممدحيهم
قَالَ عمَارَة وَمَكَارِم مُحَمَّد بن سبا أَكثر من أَن تحصر وَتُوفِّي على السِّيرَة المرضية من سير الْمُلُوك وَذَلِكَ سنة ثَمَان واربعين وَقيل تسع واربعين وَقيل خمسين وَخَمْسمِائة
стр. 899
وَقَامَ بِالْملكِ بعده ابْنه عمرَان ولقب بالمكرم فاقتفى طَرِيق ابيه مَعَ زِيَادَة لائقة وأخلاق رائقة وَمَكَارِم فائقة وعَلى الْجُمْلَة فمكارمه يبعد إحصاؤها ويشق استقصاؤها وَرُبمَا قد ذكرت مَعَ ذكر الأديب العندي مَا يدل على ذَلِك وَلما قَامَ بَنو مهْدي واستولوا على الْبِلَاد صَالحهمْ عَن بِلَاده بمبلغ يحملهُ لَهُم لَا أعلمهُ وَكَانَ المادحون لَهُ كثيرا واكثرهم مدحا الاديب ابو بكر العندي مقدم الذّكر فِي الْفُقَهَاء والفضلا فَمن مدائحه فِيهِ ومكارمه الْوَاصِلَة اليه مَا رَوَاهُ عمَارَة فِي عدَّة قصائد مِنْهَا قصيدة كَافِيَة مطْلعهَا ... حياك يَا عدن الحيا حياك ... وَجرى رضاب لماه فَوق لماك
وافتر ثغرالروض فِيك مضاحكا ... بالبشر رونق ثغرك الضَّحَّاك
ووشت خلائقه عَلَيْك مطارفا ... فاختال فِي حبراتها عطفاك
فَلَقَد خصصت بسر فضل اصبحت ... فِيهِ الْقُلُوب وَهن من سراك ... وَقَالَ فِي الْمَدْح والمخلص اليه ... وعَلى مَا استسقى الحيا بَعْدَمَا ... ضمن المكرم بالندى سقياك
وهمت مكارمه عَلَيْك فصافحت ... عَن كَفه مغنى الْغِنَا مغناك ... وَهِي كَبِيرَة مَشْهُورَة من القصائد الطنانات ذكرت مِنْهَا فِي ذكر الأديب قِطْعَة وافية وَمَا أحسن قَول عمَارَة فِيهِ أورد ذكره لله در الدَّاعِي عمرَان بن مُحَمَّد بن سبا مَا أغزر دِيمَة جوده وَأكْرم نبعة عوده واكثر وَحْشَة فِي هَذَا الطَّرِيق من النظراء واقل موانسة من الْمُلُوك والأمراء
قَالَ وَلَا يكذب من قَالَ إِن الْجُود والوفا مِلَّة عمرَان وانه حاتمها بل خاتمها وَلَو لم يكن من توفيقه الا سَلَامَته من ابْن مهْدي وَكَانَت وَفَاته سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة فنقله الأديب ابو بكر الى مَكَّة وَدَفنه فِي مقابرها فرحم الله احسحان هَذَا لم يضع عِنْد هَذَا فان اكابر الْمُلُوك يودون الدّفن فِي مَكَّة وَأَن يبذلوا فِي
стр. 900
مُقَابل ذَلِك أَمْوَالًا فَلَا تحصل لَهُم وَهَذَا ايضا دَلِيل آخر على توفيقه
وَمن مآثره الْبَاقِيَة فِي عدن الْمِنْبَر الْمَنْصُوب فِي جَامعهَا واسْمه مَكْتُوب عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْبَر لَهُ حلاوة فِي النَّفس وطلاوة فِي الْعين وَتُوفِّي عمرَان عَن ثَلَاثَة أَوْلَاد هم مُحَمَّد وابو السُّعُود وَمَنْصُور كلهم صغَار فِي كَفَالَة الاستاذ ابي الدّرّ المعظمي فِي حصن الدملوة والقائم بعدن وَالْمُدبر لأمر الْبِلَاد الشَّيْخ يَاسر بن بِلَال الَّذِي تقدم ذكره فَلم يزَالُوا كَذَلِك حَتَّى قدم السُّلْطَان شمس الدولة توران شاه بن ايوب وَاسْتولى على عدن وهرب يَاسر الى حصن الدملوة
وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِيهِ وَقد قدمت مَا كَانَ فِيهِ وَكَانَ انقضا دولة آل زُرَيْع من عدن وَغَيرهَا بِحَيْثُ لم يبْق الا الدملوة بيد ابي الدّرّ حَتَّى بَاعهَا من سيف الاسلام كَمَا قدمنَا لبضع وَسبعين وَخَمْسمِائة
ثمَّ لم يبْق الا اعيان دولتهم اولهم الشَّيْخ السعيد بِلَال الْمُقدم ذكره وَإِن وَفَاته سنة سِتّ اَوْ سبع واربعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ الَّذِي انشأ الأديب العندي كَمَا قدمت ذَلِك مَعَ ذكره ثمَّ اسْتخْلف السُّلْطَان مُحَمَّد بن سبأ بعد أَبِيه مدافع ثمَّ أَخُوهُ ابو الْفرج يَاسر بن بِلَال فاقام مَعَه ثمَّ مَعَ وَلَده وَكَانَ رجلا كَبِير الْقدر شهير الذّكر ممدحا يثيب المادحين وَلَا يخيب القاصدين
وَقد ذكر عمَارَة فِي اخبار الشُّعَرَاء نبذة من أخباره وَله الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بعدن بِمَسْجِد ابْن الْبَصْرِيّ اذ كَانَ يعاني الْقيام بِهِ ثمَّ انه خرج من الدملوة وَدخل ذَا عدينة متنكرا وَمَعَهُ مَمْلُوكه مِفْتَاح الملقب بالسداسي فَحصل من همز عَلَيْهِ اهل الدولة فَقبض وَاعْلَم بِهِ شمس الدولة فَأمر بشنقه وشنق مَعَه
стр. 901
عَبده وَقيل أَمر بتوسيطهما فَفعل ذَلِك بهما وَذَلِكَ سنة ٥٧١ وَاحِد وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ هَذَا آخر وزرائهم
قَالَ عمَارَة وبنوا الْكَرم يَعْنِي وَالِد الْعَبَّاس ومسعود اللَّذين ولاهما المكرم يعْرفُونَ بَال الذِّئْب وهم بعد بني الصيلحي بَقِيَّة الْعَرَب بِالْيمن وَقد ذكرت مَعَ ذكرهم جَوْهَر لانفصاله من الدملوة
وَلم يبْق الا ذكر مُلُوك الْحَبَشَة قد تقدم ذكر من لاصقت ايامه لأيام موَالِيه ثمَّ من دناهم لنجاح وابنيه سعيد وجياش
قَالَ عمَارَة وهم وَإِن كَانُوا حبشة فَلم يكن مُلُوك الْعَرَب تفوقهم فِي الْحسب لَكِن فِي النّسَب والا فَلهم الْكَرم الباهر والعز الظَّاهِر وَالْجمع بَين الوقائع الْمَشْهُورَة والصنائع الْمَذْكُورَة والمفاخر المأثورة وَفِيهِمْ فضلا ومحبون لَهُم وَيَأْتِي ذكر المستقلين ثمَّ الَّذين غلبهم وزرائهم وَلَك مَا تحققته من كتب التَّارِيخ
قَالَ عمَارَة كَانَ جياش ملكا يلقب بِالْملكِ الْعَادِل أَبُو الطامي وَكَانَ فَاضلا بِالْعلمِ وَله شعر رائق وَقَالَ عمَارَة ايضا رَأَيْته يَعْنِي شعره مجلدا ضخما وَله ترسل متوسط بعيد من الكلفة وَرَأَيْت مِنْهُ عدَّة مجلدات هَكَذَا قَالَ عمَارَة وَهُوَ مُصَنف كتاب الْمُفِيد فِي اخبار زبيد وَهُوَ كتاب متسع فِي الافادة وَفِي رسَالَته الَّتِي كتبهَا الى معلم وَلَده مَا يدل على كَمَاله وَهِي
الْأَمَانَة ديانَة تحرم فِيهَا الْخِيَانَة والمرء مُرْتَهن بِعَمَلِهِ لمقادة فَإِن راعي فمرعى وان اضاع فمجزى وَقد رَأَيْت انتدابك اذ انك اجل لحالك فَكُن ايدك الله عِنْد ظَنِّي بك علمك أَنِّي اتيتك بضعَة مني ولنوط الذَّهَب ذهبت الى نوط الْأَمَانَة بك والحازم يُوصي بِالْمَالِ من قبله وانا اوصيك بِمن اكْتسبت المَال لَهُ استصفيتك فاصف ذهنك بوصايتي واستكفيتك فِيمَا أثرتك بِهِ عَن كفايتي فَخذه بالتعبيس والابتسام وَعلمه وقار الْقعُود وَعدل الْقيام ولاتسامه بطول الْمكْث بَين يَديك وَلَا ترخى لَهُ فِي الأبطا أَن استأذنك وروضه بالصلوات فِي أَوْقَاتهَا ليتمرن على أَدَاء
стр. 902
مفترضاتها وَعلمه اسباغ الْوضُوء من ابتدائها الى انتهائها وَإِذا اراد الْكِتَابَة فشق قلمه وصور لَهُ وضع الْخط بمثال التَّصْوِير فِي موَاضعه وَعلمه الْفرق بَين الواوات والقافات وَعلمه ثلث نسبه المختلفات ليسلم لَهُ سلوك الصَّنْعَة م الأفات وَلَا تقبل من دواته الا الاصلاح وَمن اقلامه غيرالعقد الصِّحَاح وَعلمه كتاب الله فَإِنَّهُ الْحَبل المتين وَلَا ترخص لَهُ فِي نسيانه فَإِنَّهُ الخسران الْمُبين وَعلمه قراة ابي عَمْرو فَإِنَّهَا اشهر الْقرَاءَات فِي البدو والحضر واختر لَهُ مَذْهَب الشَّافِعِي الشَّيْخ مُحَمَّد بن ادريس رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَإِذا بَلغنِي فِيهِ المأمول جزيتك الْحسنى بِمَشِيئَة الله وَالله يبلغنَا واياك ويسعد عقبانا وعقباك وَالسَّلَام الجزيل على الْمُؤَدب الْجَلِيل وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَمن شعره الْحكمِي قَوْله
... إِذا كَانَ حلم الْمَرْء عون عدوه ... عَلَيْهِ فان الْجَهْل أبقى واروح
وَفِي الصفح ضعف والعقوبة قُوَّة ... إِذا كنت تَعْفُو عَن كفور وتصفح ... قَالَ عمَارَة وَمِمَّا اجاد فِيهِ قَوْله ... كثيب نقا من فَوْقه خوط بانة ... باعلاه بدر فَوْقه ليل ساهر ... وَأما مفيده فعزيز الْوُجُود وَلَقَد ذكرت فِيمَا تقدم ان الْفَقِيه ابا بكر بن جَعْفَر بن عبد الرَّحِيم الظرافي كَانَ بِصُحْبَتِهِ وَنزل اليه من الْجند الى زبيد يناظر الْحَنَفِيَّة
وَلم يزل جياش مرضى القَوْل وَالْفِعْل حَتَّى كَانَ من قَتله القَاضِي الْحسن ابْن ابي عقامة مقدم الذّكر مِمَّا قد مضى ذكره فنفر عَنهُ النَّاس ووبخوه فَمِمَّنْ لامه فِي ذَلِك واظهر اللوم عَلَيْهِ الْحُسَيْن بن عَليّ القم بقوله ... أَخْطَأت يَا جياش فِي قتل الْحسن ... فقأت وَالله بِهِ عين الزَّمن ... وَقد تقدم من ذَلِك فِي ذكر الْحسن مَا يُغني عَن اعادته هُنَا وَإِنَّمَا استعظم
стр. 903
ذَلِك من جياش لكَونه كَانَ مَوْصُوفا بِالْعَدْلِ والحلم مُعظما للْعُلَمَاء مجللا لَا سِيمَا لِابْنِ ابي عقامة الَّذِي قَتله لفضله وَلِأَنَّهُ كَانَ اُحْدُ الاسباب لجياش فِي اخذ الْملك وَلم يزل جياش مَالِكًا لتهامة الى ان توفّي فِي شهر الْحجَّة آخر سنة ثَمَان وَتِسْعين واربعمائة وَقيل كَانَت وَفَاته برمضان سنة خَمْسمِائَة فخلفه ابْنه الفاتك امهِ الْهِنْدِيَّة فَلبث الى سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي عَن ابْن صَغِير يُسمى منصورا ملكته عبيد الفاتك ابيه واقاموا لَهُ وزيرا وَاحِدًا مِنْهُم يُقَال لَهُ انيس فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى بلغ مَنْصُور مبالغ الرِّجَال وَرَأى ان انيسا قد غَلبه على الْأَمر وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر سوى النواميس الظَّاهِرَة من ضرب السِّكَّة وَالْخطْبَة لَهُم بعد بني الْعَبَّاس ثمَّ شمخت نَفسه وَجعل ذَلِك باسمه وَركب المظلة وهم بقتل مَوْلَاهُ فَفطن لذَلِك وَجَمِيع موَالِي فاتك فدبروا حِيلَة على قَتله فَعمل مَنْصُور طَعَاما ودعى وُجُوه دولته وانيس من جُمْلَتهمْ فَقبض عَلَيْهِ وَقطع رَأسه معجلا فَكَانَ انيس أول وَزِير فِي الحبشه طَغى وتجبر وَأول وَزِير قتل جَهرا وَذَلِكَ فِي سنة ٥١٧ ثمَّ استوزر من الله الفاتكي وَكَانَ من كرام الوزراء واعيانهم فِي الشجَاعَة وَالْكَرم واثابه الشُّعَرَاء والقاصدين بِمَا يَلِيق
ثمَّ ان السُّلْطَان منصورا اشْترى الْحرَّة علم من وَرَثَة أنيس فحظيت عِنْده وَكَانَت من اهل الْعُقُول والأديان فعلقت مِنْهُ اببن سَمَّاهُ فاتكا وَجعل الله فِيهَا من الْخَيْر والسداد والتوفيق وَالْبركَة لمسلمين مَا تجَاوز حد الْوَصْف بِحَيْثُ لم يُوجد مثل ذَلِك فِي كثير من الرِّجَال كَيفَ فِي النِّسَاء وَذَلِكَ انها كَانَت تجهز الْحَاج بالخفارة والزاد من زبيد الى مَكَّة فِي أَمن من الأخطار والمكوس وَكَانَت كَثِيرَة الْحَاج وَالصَّدَََقَة كَانَ فِيهَا تسديد الْملك بِحَيْثُ وكل اليها سَيِّدهَا تَدْبِير ملكه وَكَانَ
стр. 904
لَا يقطع هُوَ وَلَا اُحْدُ من أهل الدولة أمرا دون مراجعتها وَلم يزل ذَلِك من عَادَتهَا حَتَّى توفيت وَكَانَت ايضا تكرم الْفُقَهَاء والعباد وتحترمهم وَلذَلِك كَانَت تسَامح ابْن مهْدي حِين بلغَهَا اجْتِهَاده فِي الْعِبَادَة وَرُبمَا بلغَهَا بِنَفسِهِ وَتعرض لَهَا فِي الْحَج وسألها ان تسامحه وَأَهله بِمَا عِنْدهم من الْأَرَاضِي بقريتهم فاجابتهم الى ذَلِك وَمِنْه اكتسبوا الْخُيُول وَالْأَمْوَال كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَت وفاتها على الْحَال المرضى أحد شهور سنة خمس واربعين وَخَمْسمِائة وَلم أوغل بذلك لإكمال ذكرهَا الا حَيْثُ عرض ابتداها لِئَلَّا يعرض آخر فَاحْتَاجَ زِيَادَة بَيَان
ثمَّ لم يبْق إِلَّا الْعود الى تَتِمَّة ذكر الْمُلُوك والوزراء وَقد ذكرت اولا قيام من الله وَزِير الابْن سَيّده مَنْصُور ثمَّ بعد ذَلِك شمخت نَفسه على الوزراء وسمت إِلَى الْملك فقلته بالسم وَجعل الْملك لوَلَده فاتك الَّذِي من الْحرَّة علم وَهُوَ اذ ذَاك طِفْل وَتُوفِّي مَنْصُور وَأَبوهُ عَن اكثر من الف سَرِيَّة جعل الْوَزير يتَّصل بِهن وَاحِدَة بعد اخرى حَتَّى لم يسلم مِنْهُنَّ غير الْحرَّة علم ويسير من خواصهن اعتزلوا مَعهَا فِي دارها وَلم يجْعَلُوا لَهُ تطرقا اليهن بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَلم يقنع بالسراري حَتَّى تعرض للبنات الْأَبْكَار بَنَات موَالِي هفشق ذَلِك على ساير العبيد وعَلى الْحرَّة وَلم يقدر أحد على دَفعه اذ كَانَ شجاعا مهيوبا وَله وقائع مَشْهُورَة فَقَالَت احدى الحظايا الَّتِي سلمن أَنا احتال لكم فِي قَتله فَإِن لم اقتله فضحنا فِي نفوسنا واولادنا وَقد راسلها فَأَبت فَلَمَّا عزمت عَليّ الامر راسلته ففرح وَقَالَ لرسولها قل لَهَا هَل آتيها أم تَأتِينِي فَقَالَت قدرَة أجل عَليّ بل أَنا آتيه ثمَّ أخذت خرقَة لطختها بِسم قَاتل ووصلت اليه لَيْلًا فحين خلى بهَا جَامعهَا فَلَمَّا فرغ مسحت مذاكيره بالخرقة فَوَقع من فوره مَيتا وَخرجت مسرعة فلحقت بِالْحرَّةِ
стр. 905
وَدخل اليه فدفنه ابْنه فِي اصطبل دَاره وغيب قَبره وَذَلِكَ لَيْلَة السبت خَامِس جمادي الاولى من سنة ٥٢٤ وَكَانَ لَهُ ولد جيد وَلم يكن فِي من الله خصْلَة يذم بهَا غير فسقه بِالنسَاء وَهُوَ أول من اغنى فُقَهَاء المذهبين بِالصَّدَقَةِ ومدحته الشُّعَرَاء وَكَانَ يثيبهم ثَوابًا جزيلا وَهُوَ الَّذِي درب زبيد بعد ابْن سَلامَة واذا اردت تَحْقِيق ذَلِك فَانْظُرْهُ فِي مُفِيد عمَارَة فانني اختصرت كثيرا لَكِن بِشَرْط ان مَا ذكرت دَلِيلا على مَا لم اذكره صَرِيحًا ومفهوما وَكَانَت وَفَاة من الله على الْحَال الْمُتَقَدّم من التَّارِيخ الْمُتَقَدّم فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك جعلت الْحرَّة على الوزراء الْقَائِد زُرَيْق وَكَانَ كَرِيمًا شجاعا وَكَانَ غَالب كرمه على الشُّعَرَاء وَلم يكن لَهُ نَفاذ فِي سياسته وتدبير الْعَسْكَر والمملكة وَلَا باقامة نواميس السلطنة فاقام يَسِيرا واستقال فَجعل مَكَانَهُ
مُفْلِح الفاتكي وَكَانَ سحرتيا يكنى بَابي مَنْصُور بِابْن لَهُ كَانَ من اعيان النَّاس وأكابر الْفُقَهَاء وَقد ذكرته مَعَ ذكرهم وَكَانَ كَرِيمًا على الشُّعَرَاء
وَفِي أَيَّامه قدم ابو الْمَعَالِي بن الْحباب من الديار المصرية ومدحه بقصيدة فَلَمَّا قَامَ بهَا أجَازه بِخَمْسِمِائَة دِينَار ثمَّ مدح ابْنه منصورا الْمَذْكُور فأثابه بثلثمائة دِينَار وَحمله الى مَكَّة وَقد ذكرت ذَلِك مَعَ ذكر فُقَهَاء زبيد ثمَّ حصلت وَحْشَة بَينه وَبَين الْقَائِد سرُور الْآتِي ذكره فاحتال سرُور على اخراجه من زبيد فَخرج وَلحق بالجبال وَسكن حصنا من جبل برع يُقَال لَهُ الكرشي وَجعل يفادي تهَامَة ويراوحها بالغارات وَكَانَت لَهُ وقعات مَعَ سرُور تمت الدائرة لسرور عَلَيْهِ وَمَات
стр. 906
بالحصن الْمَذْكُور سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ثمَّ خَلفه ابْنه مَنْصُور فحارب الْقَائِد سُرُورًا مُدَّة والقائم بالوزارة يَوْمئِذٍ اقبال الفاتكي فَلَمَّا طَال ذَلِك تَأَخّر عَن مَنْصُور اصحابه وخذلوه فكاتب اقبالا الفاتكي فامنه وَعَاد زبيد على الْأمان من السُّلْطَان والوزير فَلَمَّا وصل خلع عَلَيْهِ الْوَزير وانزله دَار ابيه ثمَّ قبض عَلَيْهِ من الْغَد وَقَتله لَيْلًا فَغَضب عَلَيْهِ االسلطان والقائد سرُور لذَلِك فتلطف بالاعتذار وَقتل سَيّده بالسم فِي شعْبَان سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَلم يكن لَهُ عقب فاتفق رَأْي اعيان الدولة على ابْن عَم لَهُ اسْمه فاتك ابْن مُحَمَّد بن فاتك ابْن السُّلْطَان الْمُتَقَدّم الذّكر بن الْملك جياش وَكَانَ ضَعِيف الْعَزْم ثمَّ انه لم يقم للوزير اقبال بعد قَتله لسَيِّده حَال يرتضى وَكَانَ قد نَشأ فِي دَار الْملك فاتك بن مَنْصُور وَأمه الْحرَّة علم رجال واستاذون اشترتهم الْحرَّة وربتهم فَمن فحولهم سرُور
قَالَ عمَارَة وَهُوَ أَمِير الْقَوْم من حِين نشأوا وصاروا الْوَزير مَعَهم أَجْنَبِيّا وَعظم بهم وَعز جَانب مولاتهم الْحرَّة وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ على لِسَان الْحرَّة وَالسُّلْطَان فاستمالوا خلقا كثيرا من لفارس والراجل وهم الَّذين اخْرُجُوا مفلحا وَجعلُوا اقبال مَكَانَهُ وَلما تحققوا مِنْهُ قتل سيدة وسيدهم جعلُوا الوزارة وَالتَّدْبِير بيد الْقَائِد سرُور فَكَانَ بِهِ ختام ملكهم ووزرائهم
قَالَ عمَارَة وَإِن جعلت ذكره ختامهم فَهُوَ فيالتحقيق أمامهم وَهُوَ سرُور الفاتكي نِسْبَة الى ولد الْحرَّة وَنسبه بطن من الْحَبَشَة يُقَال لَهُ امحرة وَقد ذكرت أَن الْحرَّة اشترته من جملَة جمَاعَة استاذين فحول
قَالَ عمَارَة فربت هَذَا سرُور تربية خَاصَّة فِي حجرها ثمَّ لم يلبث أَن شب فولته المماليك وَالتَّدْبِير بِجَمِيعِ الدَّار والترأس على من كَانَ فِيهِ فَكَانَ موفقا مُسَددًا ثمَّ ولى العرافة على طَائِفَة من الْجند شملهم بالاحسان والصفح ثمَّ ولى الترسل
стр. 907
بَين السُّلْطَان والوزراء فاستغنى بِهِ عَن الأزمة والأستاذين وَكَانَ زِمَام الدَّار يَوْمئِذٍ خَادِم يُقَال لَهُ صَوَاب كَانَ رجلا مُبَارَكًا يمِيل الى الدّين وَالْعِبَادَة واذا قيل لَهُ قد أَخذ سرُور مَكَانك قَالَ أَبُو مُحَمَّد سرُور هُوَ صَاحب الْأَمر وَالنَّهْي عَليّ وَعَلَيْكُم وعَلى مولاتنا وَلَيْسَ نخرج عَن طَاعَته وَهُوَ أهل ان يتقلد أمورالناس فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب ثمَّ ترقت بِهِ الْحَال الى أَن خرج اقبال عَن الوزارة وَصَارَ مَكَانَهُ لأمور كَثِيرَة يطول شرحها اسْتحق بهَا التقدمة وَلما كَانَ امْرَهْ كَذَلِك اتجه ان اذكر شَيْئا من احواله اللائقة
قَالَ عمَارَة كَانَ يخرج من بَيته الى مَسْجده بعد نصف اللَّيْل أَو ثلثه وَكَانَ من اعْلَم النَّاس بالمنازل فاذا قيل لَهُ كَيفَ تخرج بِهَذَا الْوَقْت قَالَ إِنَّمَا اخْرُج فِيهِ لعَلي اجد من اهل البيوتات وارباب السّتْر لَا يقدر على الْوُصُول الي بِالنَّهَارِ اما لِكَثْرَة النَّاس اَوْ لفرط الْحيَاء ثمَّ اذا صلى الصُّبْح ركب اما الى فَقير يزوره أَو صَالح اَوْ مَرِيض يعودهُ اَوْ ميت يحضرهُ أَو عقد نِكَاح يشهده ثمَّ لَا يخص بذلك أحدا بل يَفْعَله على الْعُمُوم وَمن دَعَاهُ اجابه كَبِيرا كَانَ اَوْ صَغِيرا وَكَانَ المتظلم من الرّعية يجفو عَلَيْهِ ويفحش لَهُ بالْقَوْل وَهُوَ أَمن من غَضَبه وَمَتى استدعى الى مجْلِس الحكم حضر وَلم يُوكل كَمَا يفعل الْجَبَابِرَة وان كَانُوا اصاغرا ثمَّ كَانَ مَتى حضر قعد بَين يَدي الْحَاكِم تواضعا ودخولا لأوامر الشَّرْع وليقتدى بِهِ من سواهُ وَكَانَ محبا للفضلا وَالْعُلَمَاء وان مَتى عَاد بعد الرّكُوب وصل الى دَار السُّلْطَان وَيدخل فَيسلم ثمَّ يقف بِبَاب السُّلْطَان فَيَقْضِي حوائج النَّاس على أكمل الاحوال ثمَّ كَانَ وَقت الغدا ذهب الى بَيته فَقعدَ فِيهِ حَتَّى الزَّوَال ثمَّ يخرج الى الْمَسْجِد فَلَا يشْتَغل بِشَيْء بعد الْفَرِيضَة غير المسندات الصَّحِيحَة عَن الرَّسُول ﷺ حَتَّى الْعَصْر فيصليه وَيدخل دَاره يقْعد حَتَّى الْغُرُوب ثمَّ يخرج الى الْمَسْجِد فاذا صلى الْمغرب تناظر الْفُقَهَاء بَين يَدَيْهِ حَتَّى الْعشَاء فيصليه وَرُبمَا يُطَالب المناظر
стр. 908
اَوْ يطيلهاوركب حمارا واخذ وصيفا بَين يَدَيْهِ وَسَار حَتَّى يدْخل على الملكة الْحرَّة ويشاورها فِي بعض المهام وَلم يزل على عَادَته حَتَّى قتل بمسجده فِي الرَّكْعَة الثَّالِثَة من صَلَاة الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر رَجَب سنة احدى وَخمسين وَخَمْسمِائة قَتله رجل من اصحاب ابْن مهْدي يُقَال لَهُ محرم ثمَّ قتل من عشيته بعد قتل جمَاعَة ومسجده الى الان يعرف بِمَسْجِد سرُور غربي مرباع العجور بِمَدِينَة زبيد وَلَا يكَاد يعرف من هُوَ سرُور الا آحَاد النَّاس وَغَيرهم
وَأما أهل زبيد فيعرفون أَنه من الْمَسَاجِد المنسوبة الى الْحَبَشَة وَأما احواله المختصة بالدنيا وتدبيرها فَكَانَ من عاداته انه يخرج من زبيد فِي آخر شعْبَان فيصوم رَمَضَان بالمهجم فَيكْشف احوالها وَيصْلح أَعمالهَا وَجَمِيع الْأَعْمَال الشامية وَكَانَت نفقاته وصدقاته تتسع فِي رَمَضَان اتساعا يُجَاوز الْحَد وَالْوَصْف بِحَيْثُ كَانَت وَظِيفَة مطبخه فِي كل يَوْم من رَمَضَان الف دِينَار ثمَّ فِي آخر شَوَّال يعود بزبيد فَإِذا صَار على قرب مِنْهَا احتفل النَّاس بلقائه وَخَرجُوا عَن الْبَلَد على اخْتِلَاف طبقاتهم ويقفون لَهُ على تل عَال فاول من يسلم عَلَيْهِ الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والمالكية وَحين يراهم يترجل وَيسلم عَلَيْهِم وَاحِدًا ثمَّ لَا يترجل لأحد بعدهمْ ثمَّ يَجِيء بعدهمْ التُّجَّار فيسلمون ثمَّ الْعَسْكَر ثمَّ يدْخل من فوره دَار السُّلْطَان فَيَقْضِي حق السَّلَام ثمَّ يخرج الى دَار مولاته الْحرَّة فحين يدْخل عَلَيْهَا مجلسها يتفرق من حولهَا حَتَّى لَا يبْقى الا جَارِيَة من خواصها تسمى غزال وَهِي أُخْت زَوجته ثمَّ جاريتان لمولاها كن يَمْشين على منوالها فِي الْخَيْر وَالصَّلَاح وَكَانَ اذا دنى مِنْهَا نزلت من السريراكراما لَهُ وتجليلا ثمَّ تَقول لَهُ
стр. 909
انت يَا أَبَا مُحَمَّد وزيرنا بل مَوْلَانَا بل رجلنا الَّذِي لَا يحل لنا ان نخرج عَن طَاعَتك فِي شَيْء فيضج بالبكاء بَين يَديهَا ويعفر خَدّه الأَرْض حَتَّى تتولى رَفعه بِيَدِهَا ثمَّ يتأخرن الثَّلَاث النسْوَة عَن قربهم ويقفن طرف الْمجْلس بِحَيْثُ لَا يسمعن مَا يَقُولَانِ فيحدثها باموره الْمَاضِيَة والمستقبلة ثمَّ لَا يزَال بَين يَديهَا حَتَّى يقوم الى صَلَاة الظّهْر فيروح الى مَسْجده وَهُوَ على بَاب دَاره فيجده لَا يَتَّسِع لِكَثْرَة النَّاس الَّذين لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوج الى لِقَائِه فَيسلم عَلَيْهِم وَيُصلي الظّهْر ثمَّ يدْخل بَيته
قَالَ عمَارَة رَأَيْت جَرِيدَة الصَّدَقَة الْمُعْتَادَة فرايت ان مبلغ مَا يَدْفَعهُ للفقهاء والقضاة والمتصدرين لأمر الحَدِيث والنحو واللغة وَعلم الْكَلَام وَالْفُرُوع والمدرسين والمفتين اثْنَا عشر الف دِينَار وَذَلِكَ فِي كل سنة وَمَا يُعْطِيهِ لحواشي الدَّار واعيان الدولة من الأزمة والجهات والوصفان عشرُون الف دِينَار وَغير ارزاقهم المستمرة مَا يعمله الى بَيت مولاته
الْحرَّة وحواشيها وَمن يلوذ بهَا على وَجه الْهَدِيَّة خَمْسَة عشر الْفَا وَبِالْجُمْلَةِ واخباره فِي الْكَرم والشجاعة وَالْعدْل يطول شرحها وَقد اورد عمَارَة من ذَلِك مَا هُوَ مَشْهُور فليطلب ذَلِك مريده من مفيده مَعَ اني قد أطلت فِي ذكره بِخِلَاف غَيره لما رَأَيْت من اسْتِحْقَاقه وَذَلِكَ اني مَتى تحققت خير انسان ذكرت من محاسنه مَا يُنَبه عَن الْبَعْض الْمَتْرُوك
وَمن اعيان دولة الْحَبَشَة وَزِير جياش وَهُوَ خلف بن بن أبي طَاهِر الْأمَوِي كَانَ من افراد الدَّهْر نبْلًا وفضلا وَصَحب جياشا حَتَّى نَالَ الْملك وَدخل مَعَه الْهِنْد وعاهده ان الْأَمر اذا عَاد اليه قاسمه اياه فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ استوزره وَسَماهُ قسيم الْملك وَلم يزده على الِاسْم ولولاه مَا تمّ لجياش مَا تمّ ثمَّ حصلت الوحشة بَينه وَبَين جياش فهرب فَكتب اليه يستعطفه ويستخبر عَن احواله فاجابه بِشعر هُوَ
стр. 910
.. اذا لم يكن ارضي لعرضي معزة ... فلست وان نادت إِلَيّ أجيبها
وَلَو انها كَانَت كروضة جنَّة ... من الطّيب لم يحسن مَعَ الذل طيبها
وسرت الى ارْض سواهَا تعزني ... وَإِن كَانَ لَا يعوى من الجدب ذيبها ... وَقد تَأَمَّلت دولة الْحَبَشَة فِي الابتدا والانتها فَرَأَيْت ابتدائها رجل مبارك وَهُوَ الْحُسَيْن ابْن سَلامَة وختامها رجل مثله وَهُوَ هَذَا سرُور
وَلما قتل سرُور تنافس القواد واعيان الدولة على مَوْضِعه وَاشْتَغلُوا من تَدْبِير الْملك وتحصين بيضته بذلك فَابْن مهْدي قد طلع عَن بَلَده العنبرة بعد موت الْحرَّة بالتاريخ المقتدم الى الْجَبَل وتحصن بحصن يُقَال لَهُ الشّرف وَهُوَ اُحْدُ حصون وصاب المخلاف الْمَشْهُور من بِلَاد الْيمن فَلم يزل يُكَرر الْغَزْو ويضعف الْبَوَادِي الَّتِي حول زبيد حَتَّى أخلى أَهلهَا عَنْهَا وَلم يبْق غير الْمَدِينَة فَأَخذهَا وَذَلِكَ بعد أَن لَاذَ الْحَبَشَة بالشريف احْمَد بن سُلَيْمَان الرسي صَاحب صعدة وسئلوه ان ينصرهم على ابْن مهْدي فَقَالَ لَا افْعَل اَوْ تقتلُوا مولاككم فاتكا فَفَعَلُوا ذَلِك وَعجز الشريف عَن نَصرهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَكَانَ ذَلِك سنة ٥٥٣ فَلَمَّا تَيَقّن ابْن مهْدي ذَلِك تقرب الى زبيد فحقق الْحصار عَلَيْهَا وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة ٥٥٤
وَهَذَا بدايته ونهايته على طَرِيق الِاخْتِصَار فَهُوَ ابو الْحسن عَليّ بن مهْدي بن مُحَمَّد عَليّ بن دَاوُد بن مُحَمَّد الرعيني ثمَّ الْحِمْيَرِي اصل مولده قَرْيَة العنبرة بساحل زبيد وَقد تقدم ضَبطهَا مَعَ ذكر الْفُقَهَاء حِين ذكر فُقَهَاء عنبرة سِهَام وَكَانَ ابوه رجلا
стр. 911
صَالحا سليم الصَّدْر وَنَشَأ ابْنه هَذَا على طَرِيقه كثيرا لعزله متمسكا بِالْعبَادَة ثمَّ كَانَ يخرج الى الْحَج فَيَأْتِي حَاج الْعرَاق وعلماؤه ووعاظه فيتضلع من علومهم ومعارفهم ثمَّ مَتى عَاد الْيمن اعتزل النَّاس وَأظْهر الْوَعْظ والتحذير من صُحْبَة الْمُلُوك وحواشيهم وَكَانَ فصيحا صبيحا اخضر اللَّوْن مليح الْخَدين طَوِيل الْقَامَة حسن الصَّوْت بَين عَيْنَيْهِ سَجْدَة طيب النقمَة حُلْو الايراد غزير المحفوظات قَائِما بالوعظ وَالتَّفْسِير وَطَرِيق الصُّوفِيَّة وَرُبمَا تكلم بِشَيْء من الْأُمُور الَّتِي هِيَ مُسْتَقْبلَة فَيكون كَمَا ذكر فَصَارَ ذَلِك من أقوى الْعدَد لوصوله الى مقْصده فِي استماله قُلُوب الْعَالم فَأول مَا ظهر امْرَهْ بالقرى الَّتِي هِيَ سفل وَادي زبيد أَولهَا العنبرة والقضيب والأهواب والمقتفى وواسط وَمَا قاربها من الْأَمَاكِن وَصَارَ لَهُ ذكر فِي الصّلاح وَالْعِبَادَة والمكاشفة والوعظ وَصَارَ يفتقد اهل هَذِه الْأَمَاكِن بالوعظ وَلَا يقبل مِنْهُم هَدِيَّة وَلَا صَدَقَة وَكَانَ رَقِيق الْقلب قريب الدمعة غزيرها وَكَانَ مُبْتَدأ ظُهُوره سنة احدى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة على الْحَال الْمُتَقَدّم من الْعِبَادَة والزهادة والوعظ وتنفير الْعَالم عَن الْمُلُوك والعسكر ثمَّ مَتى دنى الْحَج خرج حَاجا على نجيب وَثَبت لَهُ بذلك عِنْد الْحرَّة ام فاتك مكانة فاطلقت لَهُ من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ خراج ارضه واراضي من يلوذ بِهِ من قريب وصحيب فَلم يمض لَهُم مُدَّة حَتَّى صَارُوا أهل خُيُول صاهلة وَعدد للحرب باهرة وفراسة ظَاهِرَة فَكَانُوا فِي ركُوب الْخَيل على مَا قَالَ عمَارَة كَمَا قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ المتنبي
... فَكَأَنَّمَا نتجت قيَاما تَحْتهم ... وكأنما ولدُوا على صهواتها ... ثمَّ انه حَالف قوما من أهل الْجبَال وَصعد اليهم بِمن اجْتمع مَعَه من اهل تهَامَة وَجمع نَحوا من اربعين الْفَا وَقصد بهم الكدري فَلَقِيَهُ يَوْمئِذٍ صَاحبهَا الْقَائِد اسحاق فَهَزَمَهُمْ وَقتل جمعا من اصحابه سنة ثَمَانِي وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ انه
стр. 912
اقام فِي الْجبَال الى سنة احدى واربعين وَكَانَت الْحرَّة يتذلل ويتلطف وسألها ذمَّة لَهُ ولأصحابه وان تَأذن لَهُ فِي الْعود الى وَطنه فأجابته الى ذَلِك على كره من اعيان الدولة وَغَيرهم ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا ثمَّ اقام يشْتَغل فِي أرضه وَحصل بذلك اموالا جليلة لعدم الْخراج وَكَانَ يَقُول فِي وعظه ايها النَّاس دنى الْوَقْت ازف الْأَمر فَلَمَّا توفيت الْحرَّة بالتاريخ الْمُتَقَدّم عِنْد ذكرهَا بَايع جمعا من النَّاس فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الْقَضِيب بقاف مَضْمُومَة بعد الف وَلَام وضاد مَفْتُوحَة مُعْجمَة وياء مثناة من تَحت سَاكِنة وباء مُوَحدَة وَذَلِكَ سنة سِتّ واربعين وَخَمْسمِائة على الْجِهَاد بَين يَدَيْهِ لأهل الْمُنكر وهم الْحَبَشَة وَمن عاضدهم من الْعَرَب واكثرهم عك وامرهم بقتل من خَالفه وان كَانَ من قومه اَوْ قَومهمْ وَلما كملت مبايعته لَهُم قَامَ فيهم خَطِيبًا فَقَالَ من جملَة خطبَته وَالله مَا جعل فَنًّا الْحَبَشَة الابي وبكم وَعَما قَلِيل انشاء الله سَوف تعلمُونَ وَالله الْعَظِيم رب مُوسَى وابراهيم اني عَلَيْهِم ريح عَاد وصيحة ثَمُود فَإِنِّي أحدثكُم فَلَا أكذبكم وأعدكم فَلَا أخلفكم وَلَئِن كُنْتُم أَصْبَحْتُم الْيَوْم قَلِيلا لتكثرن أَو وضيعا لتشرفن أَو أذلا لتعزن حَتَّى تصيروا مثلا فِي الْعَرَب والعجم ليجزي الله الَّذين أساوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى فالأناة الأناة فوحق الله الْعَظِيم على كل مُؤمن موحد لأخذ مِنْكُم بَنَات الْحَبَشَة واخواتهم ولأخولنكم اموالهم واولادهم ثمَّ قَرَأَ وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات الى قَوْله أمنا
ثمَّ صعد الْجبَال بِجمع سماهم الْمُهَاجِرين فَقعدَ بِموضع يُقَال لَهُ الداشر لبث بِهِ مُدَّة ثمَّ ارْتَفع الى حصن يُقَال لَهُ الشّرف لبطن من خولان يُقَال لَهُم
стр. 913
خيوان حالفهم وَسَمَّاهُمْ الْأَنْصَار ثمَّ سأظنه بِجَمِيعِ عسكره فاحتجب عَنْهُم وَجعل للمهاجرين نقينا وللأنصار كَذَلِك وسماهما شَيْخي الاسلام وَكَانَ لَا يدْخل عَلَيْهِ غَيرهمَا وَرُبمَا احتجب وَكَانَ يَأْمر بالغزو غدوا ورواحا حَتَّى لم يبْق غير زبيد فَاشْتَدَّ الضَّرَر على أَهلهَا وَخرج غالبهم عَنَّا وَلَا سِيمَا الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة فَابْن مهْدي كَانَ يكرههم وَقتل بَعضهم فَخَرجُوا الى عدن وَبَعض الى الْجبَال فكاتبه القَاضِي الحفائلي مقدم الذّكر مُكَاتبَة مَشْهُورَة وَإِنَّمَا اشْتَدَّ طمع ابْن مهْدي وضرره من قتل سرُور ثمَّ قتل السُّلْطَان فاتك كَمَا قدمنَا ثمَّ فتح زبيد بعد حروب كَثِيرَة كَانَ ابْن مهْدي فِيهَا من المسرفين الَّذين سعوا فِي الأَرْض الْفساد وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر من رَجَب من سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة فَلبث بزبيد بَقِيَّة رَجَب ثمَّ شعْبَان ورمضان وَتُوفِّي فِي شَوَّال سابعه فَكَانَ مُدَّة ملكه شَهْرَيْن واحدى وَعشْرين يَوْمًا
ثمَّ خَلفه ابْنه مهْدي فَدفن اباه بِموضع كَانَ قد عينه لوَلَده وَأمر ان يَجْعَل جَامعا وَيُصلي فِيهِ الْجُمُعَة نظيرا لما فعلته الْحرَّة بِذِي جبلة فَفعل ذَلِك وَهُوَ الْموضع الَّذِي فِي مُقَابلَة الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة بالميلين الْمَعْرُوف بالمشهد وَمن مآثره الْبَاقِيَة الى عصرنا المنارة وادركته وَقد جعل اصطبلا لبَعض مُلُوك الغز لذَلِك اسرع اندثاره وَلَقَد أذكر الْقُبُور الظَّاهِرَة فِيهِ
وَلما تمهدت لَهُ قَاعِدَة تهَامَة غزا الْبِلَاد فَصَالحه الدَّاعِي عمرَان عَن عدن والدملوة بِمَال قبله وَلم يتَعَرَّض لَهُ وَلَا لبلاده ثمَّ طلع الْجند والمخلاف فَقتل فِي الْجند ونواحيها مَقْتَله عَظِيمَة فغالب قَتْلَى الْجند رماهم البئير الَّتِي فِي الْمَسْجِد وَقتل أهل العربة والذنبتين فاما اهل الذنبتين فَهَرَبُوا مِنْهَا الى قبليها واختفوا باكمة
стр. 914
عراكض فنبه عَلَيْهِم حمَار فطلع لَهُم وَقتل مِنْهُم جمعا كثيرا ثمَّ عَاد الْجند واخرب الْجَامِع وَذَلِكَ سنة ٥٥٨ ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَعَاد الى زبيد وَقد اصابته طائرة تفطر مِنْهُ جِسْمه بعد ان ظَهرت فِيهِ شبه احراق النَّار بِحَيْثُ انه لم ينزل من تعز الا بمحفة قد فرشت بالقطن المندوف فَلَمَّا صَار فِي زبيد توفّي مستهل الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ مَعَ كَونه يتمذهب بِمذهب ابي حنيفَة يكفر بِالْمَعَاصِي ويتقل بهَا أَو وَيقتل من خَالف معتقدها وَلذَلِك قتل جمعا من الْفُقَهَاء ويستبيح وطىء نسا من خَالفه فِي المعتقد ويسترق ذَرَارِيهمْ وَيجْعَل دَارهم دَار حَرْب وَكَانَ لَا يَثِق باحد من اصحابه حَتَّى يقتل بعض أَهله ويقرىء عَلَيْهِم لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الاخر يؤادون من حاد الله الأية وَكَانَ اصحابه يَعْتَقِدُونَ فِيهِ فَوق مَا يعْتَقد الأخيار بالأنبياء وَكَانَ اذا غضب على رجل من عسكره حبس نَفسه بالشمس وَلم يَأْكُل وَلم يشرب وَلَا يُوصل اليه وَلَا يقتدر اُحْدُ يشفع فِيهِ حَتَّى يرضى ابْتِدَاء وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ مِمَّن سعى فِي الأَرْض فَسَادًا وَدَلَائِل ذَلِك ظَاهِرَة
وَلما توفّي خَلفه اخوه عبد النَّبِي فَلبث يَسِيرا وخدعه أَخُوهُ عبد الله فَلبث مُدَّة وخلص واستعاد الْملك وغزى الْجبَال وطلع المخلاف وَكَانَ لَهُ وقائع مَشْهُورَة فِي لجج وابين ومخلاف الساعد فِي بني سُلَيْمَان الشرفاء وَسبي ذَرَارِيهمْ وَسَفك دِمَاء الْمُسلمين وَكَانَت دولتهم فِي زبيد خمس عشرَة سنة وَثَلَاثَة اشهر وَثَمَانِية ايام
стр. 915
وَذَلِكَ انها انْقَضتْ ايامهم بقدوم توارن شاه بن ايوب بن شادي بن مَرْوَان الأيوبي ثمَّ الْكرْدِي فالأيوبي نِسْبَة الى وَالِده وَكَانَ يلقب بِالْملكِ الإفضل ويلقب بِأبي الشُّكْر وَبِيَدِهِ قلعة تكريت هُوَ وَأَخُوهُ اسد الدّين شيركوه يديران امرها وَتُوفِّي والدهما بهَا وَولد صَلَاح الدّين بهَا ومولد أَبِيه ايوب باصل بَلَده وبلد أَهله يُقَال لَهَا دوين بِضَم الدَّال الْمُهْملَة وَكسر الْوَاو ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ نون وَهِي فِي آخر عمل أذربيجان وهم أكراد روادية بطن من الهدبانية
كَانَ دُخُوله زبيد يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ يلقب بالمعظم وَذَلِكَ بِوَجْه الْقَهْر وَالْغَلَبَة واسر عبد النَّبِي ثمَّ جمَاعَة من قومه ثمَّ توجه الى سَائِر بِلَاد الْيمن فَأخذ عدن وتعز وَسَائِر الْجبَال وَلم يمْتَنع عَلَيْهِ شَيْء من مدن الْيمن وَلَا كثير من حصونها حَتَّى أَخذه وَلما عزم شمس الدولة على التَّوَجُّه من زبيد اسْتخْلف عَلَيْهَا الْمُبَارك بن منقذ اُحْدُ الْأُمَرَاء الواصلين مَعَه واستخفظه بِعَبْد النَّبِي فَجعل يعذبه ويصادره بانواع الْعَذَاب حَتَّى أَخذ مِنْهُ اموالا جزيلة وَبعد أَن لبث بِالْيمن مَا يزِيد على سنة وتمهد لَهُ غالبها واشتاق الى مصر والى اخيه فَكتب اليه وَهُوَ صَاحب مصر يَوْمئِذٍ الملقب بصلاح الدّين وَيَأْتِي ذكر مُكَاتبَته فِيهَا شعر مِنْهُ
следующие страницы →