← Тараджим

Тараджим · id 6669

مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة

ابن تغري بردي

Полный текст (483 стр.). Показаны 456–483 · переход к 461.

стр. 456

أَمِير سلَاح - عوضا عَن قرقمس [الْمَذْكُور]-، وبالأمير يشبك السودوني [المشد] أَمِير مجْلِس - عوضا عَن آقبغا التمرازى -، وبالأمير تمراز القرمشي أَمِير آخور كَبِيرا - عوضا عَن جانم الأشرفي [بِحكم حَبسه]-، وبالأمير قراقجا الحسني رَأس نوبَة النوب - عوضا عَن عمراز القرمشي - وبالأمير تغرى بردى البكلمشي المؤذي حَاجِب الْحجاب - عوضا عَن يشبك السودوني -. وأخلع على أركماس الظَّاهِرِيّ باستمراره على وظيفته الدوادارية الْكُبْرَى. ثمَّ أنعم على جمَاعَة أخر بعدة تقادم وطبلخانات وعشرات وإقطاعات كَثِيرَة [ذكرنَا غالبها فِي تَرْجَمته فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) وَغَيره] . ثمَّ شرع فِي نَفَقَة المماليك السُّلْطَانِيَّة؛ فَأعْطى لكل وَاحِد مائَة دِينَار. ثمَّ فِي أثْنَاء ذَلِك خرج الْأَمِير قرقماس عَن طَاعَته؛ فواقعه [الْملك] الظَّاهِر [الْمَذْكُور] ؛ فَانْهَزَمَ قرقماس، واختفى، ثمَّ ظفر بِهِ، وسجن بثغر الأسكندرية، ثمَّ ضربت رقبته.

стр. 457

ثمَّ خرج من طَاعَته تغرى برمش نَائِب حلب، ثمَّ أينال الجكمي نَائِب الشَّام؛ فَجهز إِلَيْهِمَا العساكر؛ فقاتلوهما وَاحِدًا بعد وَاحِد، وظفر بهما وقتلهما. [وَقد ذكرنَا هَذَا كُله مفصلا مطولا فِي أوراق كَثِيرَة يضيق هَذَا الْمُخْتَصر عَن إِيرَاد شَيْء مِنْهَا] . وَبعد قتل هَؤُلَاءِ صفا الْوَقْت للْملك الظَّاهِر، وَأخذ وَأعْطى، وَقرب أَقْوَامًا وَأبْعد آخَرين. وَلم يزل فِي ملكه والأقدار تساعده، إِلَى أَن مرض فِي [أثْنَاء] سنة سِتّ وَخمسين [وَثَمَانمِائَة] . وَتَمَادَى بِهِ الْمَرَض أشهرا، إِلَى أَن خلع نَفسه من الْملك فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشْرين الْمحرم سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة، [وفوض الْملك لوَلَده] الْملك الْمَنْصُور [أَبُو السعادات] عُثْمَان. وَلزِمَ الْملك الظَّاهِر الْفراش، إِلَى أَن مَاتَ فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع صفر [من] سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة، وَصلى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله حَمْزَة [بِبَاب الْقلَّة من قلعة الْجَبَل من الْغَد] ، وَحضر وَلَده الْملك الْمَنْصُور عُثْمَان الصَّلَاة عَلَيْهِ.

стр. 458

[وَكَانَت جنَازَته مَشْهُودَة] [من غير هوج وَلَا غوغاء، بِخِلَاف جنائز الْمُلُوك؛ وَذَلِكَ لطمأنينة النَّاس بسلطنة وَلَده قبل تَارِيخه] . وَدفن بتربة أَخِيه [الْأَمِير] جاركس القاسمي المصارع الَّتِي جددها مَمْلُوكه قاناى باى الجركسي تجاه القلعة بِالْقربِ من دَار الضِّيَافَة. وَكَانَ [الْملك] الظَّاهِر ملكا دينا، خيرا [عفيفا] ، كَرِيمًا، متواضعا، محبا للفقهاء وَالْعُلَمَاء والصلحاء [والأيتام] ، (غير أَنه كَانَ يَقع مِنْهُ فِي بعض الأحيان اخراق بِبَعْض من هُوَ متلبس بأخلاق الْفُقَهَاء وَكَانَ ذَلِك - غالبه - من وسائط السوء؛ لِأَنَّهُ كَانَ على قَاعِدَة الأتراك، عِنْده الدَّعْوَى لمن سبق، مَعَ حِدة كَانَت فِيهِ وبادرة. وَبِالْجُمْلَةِ، كَانَت محاسنه وَكَرمه أَكثر من مساوئه [كَمَا قيل] : (وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء فخرا أَن تعد معايبه) وَكَانَ ﵀ عفيفا عَن الْمُنْكَرَات والفروج، بِحَيْثُ أَنه لَا نعلم من ملك مصر قبله وَلَا بعده من مُلُوك التّرْك - بل وَلَا غَيرهَا - أعف مِنْهُ، وَأَنا أَدْرِي مَا أَقُول. وَكَانَت صفته: للقصر أقرب، حسن الشكل، منور الشيبة) .

стр. 459

[وَكَانَ] فصيح اللِّسَان، فَاضلا متفقها، يذاكر بالمسائل [الْفِقْهِيَّة] ، كثير التعصب لمَذْهَب الإِمَام [الْأَعْظَم] أبي حنيفَة ﵁. وَمَات وسنه نَحْو ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَت مُدَّة سلطنته [على مصر] أَربع عشرَة سنة وَعشرَة أشهر ويومان -[أَعنِي من يَوْم تسلطن إِلَى يَوْم خلع بإبنه الْمَنْصُور عُثْمَان]-. وعاش بعد خلعه [من السلطنة] نَحْو إثنا عشر يَوْمًا. وَأما أَصله: كَانَ جاركسي [الْجِنْس] جلبه خواجا كزل إِلَى مصر، فابتاعه مِنْهُ العلائي على بن الأتابك أينال اليوسفي، ثمَّ انْتقل مِنْهُ إِلَى [الْملك] الظَّاهِر برقوق، وَصَارَ من جملَة الخاصكية، ثمَّ صَار ساقيا فِي الدولة الناصرية فرج، ثمَّ إمرة عشرَة، ثمَّ أمسك، وَحبس، ثمَّ أطلق، ثمَّ صَار أَمِير طبلخاناه وخازندار فِي الدولة المؤيدية [شيخ] ، ثمَّ صَار بعد

стр. 460

موت الْمُؤَيد [أَمِير مائَة] ومقدم ألف، ثمَّ صَار فِي الدولة الأشرفية حَاجِب الْحجاب، ثمَّ أَمِير آخور [كَبِير] ، ثمَّ أَمِير سلَاح، ثمَّ أتابك، إِلَى أَن تسلطن -[وَقد ذكرنَا تنقلاته فِي هَذِه الْوَظَائِف محررا بِالْيَوْمِ وَالْوَقْت، وَعَمن أَخذ كل وَظِيفَة من إبتداء أمره إِلَى إنتهائه فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) ، وَأَيْضًا فِي مصنفنا ((المنهل الصافي)) بأوسع من هَذَا؛ فَلْينْظر هُنَاكَ. إنتهى]-. وتسلطن [من] بعده وَلَده الْمَنْصُور [عُثْمَان - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره] ، [إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.

стр. 461

الْملك الْمَنْصُور أَبُو السعادات فَخر الدّين، عُثْمَان [بن الْملك الظَّاهِر] . تسلطن بعد أَن خلع أَبوهُ نَفسه فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشْرين الْمحرم سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة. وَهُوَ [السُّلْطَان] الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ، وَالْحَادِي عشر من الجراكسة وَأَوْلَادهمْ. وَأمه أم ولد رُومِية. وتسلطن وسنه دون الْعشْرين [سنة] . وَركب بشعار السلطنة من قاعة الدهيشة عِنْد اقتسام السَّاعَة الثَّانِيَة من النَّهَار [الْمَذْكُور] . وَكَانَ الطالع [إِذْ ذَاك برج] الْحُوت، وَالْغَارِب [برج] السنبلة، والمتوسط [برج] الْقوس، والساعة للمريخ، وَالْقَمَر بِالْوَجْهِ الثَّالِث من [برج] الْعَقْرَب. وَحمل الْأَمِير [الْكَبِير] أينال العلائي الْقبَّة وَالطير على رَأسه، ودقت الكوسات. وَتمّ أمره فِي السلطنة، وَجلسَ على تخت الْملك بِالْقصرِ من قلعة الْجَبَل.

стр. 462

ثمَّ عَاد إِلَى سكنه بالحوش السلطاني من يَوْمه؛ مُرَاعَاة لحياة أَبِيه، ثمَّ بَاشر أُمُور المملكة بِنَفسِهِ، إِلَى أَن توفى وَالِده. وَوَقعت الْفِتْنَة بَينه وَبَين الأتابك أينال مَعَ من وَافقه من الْأُمَرَاء على ذَلِك، وَوَقع أُمُور ذَكرنَاهَا مبسوطة فِي غير هَذَا الْمحل. وَكَانَ ابْتِدَاء الْفِتْنَة بَينهمَا من يَوْم الأثنين مستهل شهر ربيع الأول [من] سنة سبع وَخمسين [الْمَذْكُورَة] . ودام الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي كل يَوْم. فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة خَامِس الشَّهْر اجْتمعت الْقُضَاة عِنْد الأتابك أينال بِبَيْت قوصون حَيْثُ كَانَ جُلُوسه أَيَّام الْقِتَال، وَاتَّفَقُوا جَمِيعًا على خلع [الْملك] الْمَنْصُور عُثْمَان [هَذَا] من السلطنة؛ فَخلع، وبويع الأتابك أينال بِاللَّفْظِ لَا بِالْجُلُوسِ على [تخت الْملك] ، وَنُودِيَ بذلك فِي شوارع الْقَاهِرَة. وَاسْتمرّ الْقِتَال بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي كل [يَوْم] ، إِلَى أَن ملك الأتابك أينال [القلعة بِمن مَعَه - قلعة الْجَبَل -] فِي يَوْم الْأَحَد قبيل الْعَصْر، وطلع الأتابك [فِي وقته إِلَى بَاب السلسلة] ، وَملك الإصطبل السلطاني. كل ذَلِك فِي عصر يَوْم الْأَحَد سَابِع [شهر] ربيع الأول [الْمَذْكُور] .

стр. 463

وتسحب الْملك الْمَنْصُور من الإصطبل، وطلع إِلَى الدّور السُّلْطَانِيَّة بقلعة الْجَبَل، وَجلسَ بمَكَان، إِلَى أَن أَخذ مِنْهُ، واحتفظ بِهِ بقاعة البحرة من الحوش السلطاني، إِلَى يَوْم الْأَحَد ثامن عشْرين شهر ربيع الأول [الْمَذْكُور] حمل مُقَيّدا إِلَى ثغر الأسكندرية. وَكَانَ نُزُوله من [قلعة الْجَبَل] إِلَى الْبَحْر فِي وَقت الظّهْر من الْيَوْم الْمَذْكُور رَاكِبًا على فرس مُقَيّدا بمفرده، من غير أَن يركب خَلفه أَو جاقى على [الْعَادة، والأمراء] والخاصكية حوله بسلاح وَغير سلَاح. ونزلوا بِهِ من بَاب القرافة [ومروا بِهِ على المجراة إِلَى القرافة إِلَى الْبَحْر] وأنزلوه من وقته بالحراقة؛ فسافر من يَوْمه. وَكَانَ مسفره خير بك الْأَشْقَر المؤيدي أَمِير آخور ثَانِي وَجَمَاعَة من المماليك السُّلْطَانِيَّة، إِلَى أَن أوصلوه إِلَى الأسكندرية، وسجن بهَا إِلَى [سنة أَربع وَسِتِّينَ] .

стр. 464

وَلما تسلطن [الْملك] الظَّاهِر خشقدم رسم باطلاقه من السجْن، وَأذن لَهُ بِالسُّكْنَى بِبَعْض دور الأسكندرية؛ فَنزل من البرج، وَسكن بِبَعْض الدّور على أجمل وَجه، وَفعل [بِالْملكِ الْعَزِيز] كَذَلِك، ورسم لَهما [مَعًا] بالركوب [وَالنُّزُول] . وَأرْسل السُّلْطَان لَهما فرسين بقماش ذهب، ثمَّ بعد مُدَّة - عِنْد وَفَاة قانى باى الجاركسي - أنعم [الْملك] الظَّاهِر خشقدم عَلَيْهِ بإمرة عشرَة، وَجعلهَا وَقفا عَلَيْهِ وعَلى ذُريَّته مصالحة عَمَّا ينوبه من مِيرَاث عُتَقَاء وَالِده من الْأُمَرَاء، لَا من الأجناد؛ لِأَن قانى باى الجاركسي أَيْضا كَانَ يَرِثهُ الْملك الْمَنْصُور [هَذَا] ؛ لكَونه كَانَ من عُتَقَاء عَمه جاركس القاسمي المصارع.

стр. 465

[ذكر سلطنة الْملك الْأَشْرَف أينال العلائي الناصري على مصر السُّلْطَان] الْملك الْأَشْرَف [سيف الدّين أَبُو النَّصْر، أينال العلائي الظَّاهِرِيّ ثمَّ الناصري] . وَهُوَ [السُّلْطَان] السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ بالديار المصرية، وَالثَّانِي عشر من الجراكسة وَأَوْلَادهمْ. تسلطن بعد خلع [الْملك] الْمَنْصُور [عُثْمَان] فِي صَبِيحَة يَوْم الأثنين ثامن شهر ربيع الأول [من] سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة. وأصل [الْملك] الْأَشْرَف هَذَا جاركس الْجِنْس جلبه خواجا عَلَاء الدّين إِلَى مصر؛ فَاشْتَرَاهُ [الْملك] الظَّاهِر برقوق، وَاشْترى أَيْضا أَخَاهُ طوخ -[وَكَانَ طوخ هُوَ الْأَكْبَر؛ فَأعتق طوخ]-. ودام أينال [هَذَا] فِي الرّقّ، إِلَى أَن أعْتقهُ [الْملك] النَّاصِر فرج، وَجعله فِي أَوَاخِر دولته خاصكيا.

стр. 466

ثمَّ تَأمر عشرَة فِي دولة المظفر أَحْمد بن شيخ فِي سنة أَربع وَعشْرين، ثمَّ جعله الْأَشْرَف برسباى أَمِير طبلخاناه وَرَأس نوبَة. ثمَّ صَار بعد قانى باى البهلوان رَأس نوبَة [ثَانِي] . ثمَّ نقل إِلَى نِيَابَة غَزَّة بعد عزل تمراز القرمشي فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشْرين شَوَّال سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، ثمَّ نَقله الْأَشْرَف برسباى لما توجه إِلَى آمد فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ إِلَى نِيَابَة الرها؛ فدام بهَا، إِلَى أَن عَزله [الْأَشْرَف] عَنْهَا بالأمير شاد بك الجكمى [فِي يَوْم الثُّلَاثَاء] سَابِع عشْرين شَوَّال سنة سبع وَثَلَاثِينَ. وَقدم الْأَشْرَف هَذَا إِلَى مصر، على [إمرة مائَة و] تقدمة ألف - وَكَانَت بِيَدِهِ زِيَادَة على نِيَابَة الرها -؛ فدام بِمصْر، إِلَى أَن ولاه الْملك الْأَشْرَف نِيَابَة صفد [فِي يَوْم الْخَمِيس عَاشر رَجَب سنة أَرْبَعِينَ، وَذَلِكَ بعد عزل يُونُس الركني الْأَعْوَر عَن نِيَابَة صفد] ؛ فاستمر بصفد، إِلَى أَن طلبه [الْملك] الظَّاهِر جقمق فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين إِلَى مصر، وأنعم عَلَيْهِ [بامرة مائَة] وتقدمة ألف [بهَا] ؛ فَلم تطل مدَّته [حَتَّى ولاه دوادارا كَبِيرا] بعد موت تغرى بردى البكلمشي المؤذي فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَأَرْبَعين، فباشر الدوادارية، إِلَى أَن نَقله [الْملك] الظَّاهِر جقمق إِلَى الأتابكية بعد موت [الأتابكي] يشبك السودوني المشد فِي سنة تسع وَأَرْبَعين [وَثَمَانمِائَة] ؛ فدام أتابكا، إِلَى أَن تسلطن بعد خلع الْملك الْمَنْصُور [عُثْمَان] . وَتمّ أمره فِي الْملك، وطالت أَيَّامه، وَحسنت، لَوْلَا [مَا شان سؤدده] أَفعَال مماليكه الأجلاب.

стр. 467

وَاسْتمرّ فِي الْملك، إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر جُمَادَى الأولى بعد أَن خلع نَفسه من الْملك بِيَوْم وَاحِد. وتسلطن وَلَده الْملك الْمُؤَيد أَحْمد، وَصلى عَلَيْهِ بِبَاب الْقلَّة، وَدفن من يَوْمه قبيل الْعَصْر بقبته الَّتِي بناها بمدرسته خَارج الْقَاهِرَة بالصحراء، وَقد ناهز الثَّمَانِينَ [من الْعُمر] . وَكَانَت صفته: للسمرة أقرب، [طوَالًا] ، وبلحيته قلَّة؛ وَلِهَذَا كَانَ يعرف بالأجرود. وَكَانَت مُدَّة ملكه ثَمَانِي سِنِين وشهرين وَسِتَّة أَيَّام. وَكَانَت أَيَّامه غرر [أَيَّام] ؛ لقلَّة ظلمه، وَعدم سفكه للدماء، ولتجاوزه عَن الذُّنُوب وَالْخَطَأ، إِلَّا أَنه لم يسلم من سؤ سيرة مماليكه، وَإِلَّا كَانَ خير مُلُوك التّرْك -[﵀]-.

стр. 468

[ذكر سلطنة] الْملك الْمُؤَيد شهَاب الدّين أَبُو الْفَتْح، أَحْمد بن أينال [على مصر] وَهُوَ [السُّلْطَان] السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك [وَأَوْلَادهمْ، وَالثَّالِث عشر من الجراكسة وَأَوْلَادهمْ] . تسلطن فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر جُمَادَى الأولى، الْمُوَافق لأوّل برمهات بعد أَذَان الظّهْر، وَذَلِكَ بعد خلع الْملك الْأَشْرَف أينال نَفسه من السلطنة، وَجعل الْأَمر فِي وَلَده [هَذَا] . وَكَانَ الطالع وَقت سلطنته السرطان، وَصَاحب الطالع السنبلة [وَهُوَ الْقَمَر، وَقد ذكرنَا تَحْرِير سلطنته فِي تَارِيخ الْحَوَادِث بأطول من هَذَا، إِذْ هُوَ مَحل الإطناب فِي الْكَلَام] . وَلما تمّ أمره فِي الْملك أَخْلَع على الْأَمِير خشقدم أَمِير سلَاح باستقراره أتابك العساكر، عوضا عَن نَفسه. ثمَّ أَخذ فِي تَدْبِير أُمُور المملكة، وَعمل مصالحها، وساس النَّاس [أحسن] سياسة. وسر النَّاس بسلطنته قاطبة، وَأمنت السبل فِي أَيَّامه، وَاطْمَأَنَّ كل أحد على نَفسه وَمَاله، لاسيما لما قمع مماليك أَبِيه الأجلاب، ونهرهم عَن أفعالهم القبيحة؛ فخافوه، وانتهوا عَن أفعالهم؛ فَزَاد سرُور النَّاس بِهِ أضغاف سرورهم أَولا.

стр. 469

وَفرق النَّفَقَة فِي المماليك السُّلْطَانِيَّة جَمِيعهم، وَلم يفرق بَين مَمْلُوك وَلَا غير مَمْلُوك ﴿﴾ . وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهُوَ أحسن مُلُوك مصر وَجها، وَمَعْرِفَة، وحذقا، وتدبيرا، وسياسة؛ إِلَّا أَنه لم يجد لَهُ معِين وَلَا منصف، بل تحاملوا عَلَيْهِ، واتفقت جَمِيع الطوائف على خلعه، من غير أَمر أوجب ذَلِك. وَمَا ذَاك، إِلَّا أَنه كثير المحاسن، أَهلا للسلطنة، والدهر لَا ينصف مثل [ذَلِك] ، وَلَا يرفع إِلَّا نَاقِصا كَمَا هِيَ عَادَته فِيمَا نرى ﴿﴾ . وَلَا زَالُوا يدبرون عَلَيْهِ حَتَّى خلعوه من الْملك، وسلطنوا عوضه الأتابك خشقدم. وَأقَام بعد خلعه أَيَّامًا بالقلعة، ثمَّ حمل إِلَى الأسكندرية، وَحبس بهَا، إِلَى أَن أخرجه الْملك الظَّاهِر تمربغا من السجْن، ورسم لَهُ بِالسُّكْنَى فِي أَي دَار شَاءَ بثغر الأسكندرية -[وَقد ذكرنَا أُمُوره فِي تاريخنا الْحَوَادِث مستوفاة] . وَكَانَت مُدَّة سلطنته [على مصر] أَرْبَعَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام، مرت كلمح الْبَصَر من حسن أَوْقَاتهَا -[وَكَانَ إنصافا من الظَّاهِر تمربغا]-.

стр. 470

[ذكر سلطنة الْملك الظَّاهِر خشقدم على مصر. السُّلْطَان] الْملك الظَّاهِر (سيف الدّين أَبُو سعيد، خشقدم) الناصري المؤيدي. وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ بالديار المصرية، وَالْأول من الأروام - إِن لم يكن أيبك التركماني والمنصور لاجين من الأروام -. تسلطن بعد [خلع] الْملك الْمُؤَيد أَحْمد فِي يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر [شهر] رَمَضَان سنة خمس وَسِتِّينَ [وَثَمَانمِائَة] بعد الزَّوَال، وَلبس خلعة السلطنة من مبيت الحراقة بالإصطبل، وَركب بأبهة الْملك، وَحمل الْقبَّة وَالطير على رَأسه الْأَمِير جرباش المحمدي أَمِير سلَاح. وَجلسَ على تخت الْملك؛ فَقبلت الْأُمَرَاء الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَنُودِيَ فِي الْحَال باسمه - وَقد تلقب بِالظَّاهِرِ - ودقت البشائر. ونشرع الأن فِي التَّعْرِيف بِذكرِهِ؛ فَنَقُول: أَصله رومي الْجِنْس، جلبه خواجا نَاصِر الدّين - وَبِه كَانَ يعرف بالناصري -؛ فَاشْتَرَاهُ [الْملك] الْمُؤَيد شيخ فِي سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة، أَو فِي أَوَاخِر الَّتِي قبلهَا - هَكَذَا ذكر لي من لَفظه -[ثمَّ أعْتقهُ] الْمُؤَيد، وَصَارَ خاصكيا فِي دولة المظفر أَحْمد بن شيخ بِوَاسِطَة أغاته تغرى بردى قريب قصروه.

стр. 471

ودام على ذَلِك دهرا طَويلا، إِلَى أَن تسلطن [الْملك] الظَّاهِر جقمق جعله ساقيا، ثمَّ أمره الظَّاهِر عشرَة فِي حُدُود سنة سِتّ وَأَرْبَعين، وَجعله من جملَة رُءُوس النوب؛ فاستمر على ذَلِك إِلَى سنة خمسين نَقله [الْملك] الظَّاهِر إِلَى تقدمة ألف بِدِمَشْق؛ [فدام بِدِمَشْق] إِلَى أَن تغير خاطر [الْملك] الظَّاهِر على الْأَمِير تنبك حَاجِب الْحجاب بِسَبَب عبد قَاسم الكاشف الَّذِي اشْتهر بالصلاح، وَأخرجه [إِلَى دمياط] بطالا. طلب خشقدم هَذَا من دمشق بسفارة أبي الْخَيْر النّحاس والأمير تمربغا الدوادار الثَّانِي، وأنعم عَلَيْهِ بتقدمة تنبك [الْمَذْكُور] وبحجوبية الْحجاب دفْعَة وَاحِدَة؛ وَذَلِكَ ببذل عشرَة آلَاف دِينَار - على مَا قيل - وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة أَربع وَخمسين. ودام على ذَلِك، إِلَى [أَن] نَقله الْملك الْأَشْرَف أينال إِلَى إمرة سلَاح؛ فدام على ذَلِك دولة الْأَشْرَف أينال كلهَا، وسافر مقدم العساكر إِلَى بِلَاد [ابْن] قرمان. فَلَمَّا تسلطن [الْملك] الْمُؤَيد أَحْمد [بن أينال] جعله أتابك العساكر عوضا عَن نَفسه، وَذَلِكَ فِي يَوْم الْجُمُعَة سادس عشر جُمَادَى الأول سنة خمس وَسِتِّينَ، فَلم تطل أَيَّامه، وتسلطن بعد خلع الْمُؤَيد أَحْمد [الْمَذْكُور] فِي التَّارِيخ الْمُقدم ذكره.

стр. 472

وَلما تسلطن سر النَّاس بسلطنته، وَمَا ذَاك إِلَّا لقطع جاذرة الجلبان، وَأَيْضًا لمحاسنه؛ فَإِنَّهُ كَانَ مليح الشكل، كَبِير اللِّحْيَة أصهبها، قد شَاب أَكْثَرهَا، للطول أقرب، مَعَ رشاقة فِي قده، وهيف وحلاوة شكل، وَمَعْرِفَة بفنون الفروسية كالرمح، والنشاب، والمحمل، والكرة وَغير ذَلِك. وَفِيه حذق، وذوق، ومشاركة قَليلَة فِي علم الْقرَاءَات بِحَسب الْحَال [وَأَبْنَاء جنسه] . وَبِالْجُمْلَةِ؛ أَنه كن فِيهِ محَاسِن، لَوْلَا طمع كَانَ فِيهِ وشح، وأفعال مماليكه الأجلاب فِي الْمُسلمين، تِلْكَ الْأَفْعَال القبيحة [الَّذِي قد ذكر أَكْثَرهَا فِي تاريخنا الْحَوَادِث. و] بِهَذَا الْمُقْتَضى طلب النَّاس مَوته؛ وَزَوَال دولته. وَفَرح النَّاس بِمَوْتِهِ قاطبة، حَتَّى الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ فهم كَانُوا أَكثر مظْلمَة مَعَ الأجلاب من الْمُسلمين. وَلَيْسَ محبته لمماليكه الأجلاب بعجيب، وَإِنَّمَا الْعجب أَنه أَقَامَ نَحْو السنتين من سلطنته وَنحن نتحاكى مَعَه أَفعَال أجلاب الْأَشْرَف أينال، وَهُوَ أعظم حاك عَنْهُم، ثمَّ ينشئ [هُوَ] بعد ذَلِك أجلابه ويرضى بأفعالهم مَعَ عظم انكاره على من كَانَ قبلهم! . قلت: وَعظم الْملك الظَّاهِر خشقدم بِآخِرهِ، وخافه الْخَاص وَالْعَام، إِلَى أَن مرض، وَطَالَ مَرضه، [إِلَى أَن مَاتَ] [بعد ظهر يَوْم السبت] عَاشر ربيع الأول سنة إثنتين وَسبعين وَثَمَانمِائَة.

стр. 473

[وَكَانَت] مُدَّة سلطنته سِتّ سِنِين وَسِتَّة أشهر [بِنَقص ثَمَانِيَة] أَيَّام. وتسلطن بعده خجداشه [الأتابك يلباى الأينالى المؤيدي، ثمَّ خلع، ثمَّ تسلطن الظَّاهِر تمر بغا، ثمَّ خلع، ثمَّ تسلطن الْأَشْرَف قايتباي - كَمَا سَيَأْتِي ذكرهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.

стр. 474

[ذكر سلطنة] الْملك الظَّاهِر أَبُو النَّصْر، يلباى المؤيدي [على مصر] . تسلطن فِي آخر نَهَار السبت - قبل الْغُرُوب بِنَحْوِ دَرَجَتَيْنِ - عَاشر شهر ربيع الأول إثنتين وَسبعين وَثَمَانمِائَة، وَذَلِكَ [فِي] نَهَار موت الظَّاهِر خشقدم. وَلم يركب بخلعة السلطنة؛ لضيق الْوَقْت، بل تسلطن وَلبس خلعة السلطنة بِالْقصرِ. ودام بِالْقصرِ، وَقبلت الْأُمَرَاء الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وتلقب [بِالْملكِ الظَّاهِر] [كَمَا كَانَ لقب خشداشه الظَّاهِر خشقدم] . وأخلع على الْأَمِير تمربغا [الظَّاهِرِيّ أَمِير مجْلِس] بالأتابكية، [عوضا عَن نَفسه] . وَتمّ أمره فِي الْملك على أفحش [حَال] ، وأبرد حَرَكَة، وَأبْعد موقع من النُّفُوس. وَهُوَ [السُّلْطَان] التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك مصر وَأَوْلَادهمْ، وَالرَّابِع عشر من الجراكسة وَأَوْلَادهمْ.

стр. 475

والتعرف بِهِ: أَنه جلبه الْأَمِير أينال ضضغ من بِلَاد الجاركس؛ فَاشْتَرَاهُ الْمُؤَيد شيخ مِنْهُ [قبل الْعشْرين وَثَمَانمِائَة] ، وَأعْتقهُ، وَصَارَ خاصكيا بعد مَوته، ثمَّ صَار ساقيا فِي دولة الظَّاهِر جقمق، ثمَّ تَأمر عشرَة، ثمَّ صَار أَمِير طبلخاناه لما مسك الْملك الْعَزِيز يُوسُف بن الْأَشْرَف برسباى، ثمَّ صَار مقدم ألف فِي دولة الْأَشْرَف أينال، ثمَّ حَاجِب الْحجاب فِي دولة الظَّاهِر خشقدم، ثمَّ أَمِير آخور، ثمَّ أَمِير كَبِير بعد موت قانم فِي سنة وَاحِد وَسبعين؛ فدام على ذَلِك، إِلَى أَن تسلطن بعد موت الظَّاهِر خشقدم. وَلما تسلطن يلباى هَذَا ضعف عَن تَدْبِير الْملك وتنفيذ الْأُمُور، وَظهر عَلَيْهِ الْعَجز فِي أَحْوَال المملكة بِحَيْثُ أَن ذَلِك ظهر لكل أحد. وَصَارَت أُمُور المملكة معذوفة بالأمير خير بك الدوادر، ثمَّ لم يكفه ذَلِك حَتَّى أمسك الْأَمِير قرقماس أَمِير سلَاح، والأمير قلمطاى [رَأس نوبَة] ، والأمير أرغون شاه أستادار الصُّحْبَة، وحبسهم بثغر الأسكندرية؛ فنفرت الْقُلُوب مِنْهُ لذَلِك أَكثر مَا كَانَ أَولا، وَعلم كل أحد أَنه لَيْسَ لَهُ فِي الْملك إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط، وَأَنه من طلب مِنْهُ أمرا يَقُول لَهُ: قل لخير بك؛ [حَتَّى سمته] الْعَامَّة: ((إيش كنت أَنا؟ قل لَهُ)) . وتلاشى أمره فِي الْملك، وخيفت السبل فِي أَيَّامه، وَكَثُرت الْفِتَن بالبلاد والنواحي قبليها وبحريها.

стр. 476

وَلما فرق نَفَقَة المماليك السُّلْطَانِيَّة لكل وَاحِد مائَة دِينَار منع الْأُمَرَاء مِنْهَا قاطبة، وَكَذَلِكَ أَوْلَاد النَّاس والخدم والمتعممين؛ فَانْطَلَقت الألسن بالوقيعة فِيهِ، وَسَاءَتْ القالة فِي حَقه، وأبغضته النَّاس. وَزَاد شَرّ الأجلاب فِي أَيَّامه. ودام على ذَلِك، إِلَى أَن حدثته نَفسه فِي أَخذ خير بك وخجداشيته؛ فدبر تدبيرا نَاقِصا كَانَ فِيهِ تدميره وخلعه من الْملك [بِالْملكِ] لظَاهِر تمربغا فِي يَوْم السبت سَابِع جُمَادَى الأول من سنة إثنتين وَسبعين وَثَمَانمِائَة. فَكَانَت مُدَّة ملكه شَهْرَيْن إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام، لَيْسَ لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط. وَلم نعلم أحدا من أكَابِر الْمُلُوك فِي السن مِمَّن مَسّه الرّقّ خلع من السلطنة فِي أقل مُدَّة مِنْهُ، وَلَا أكبر سنا. وَبِالْجُمْلَةِ، إِنَّه كَانَ أشر مُلُوك التّرْك، وأقبحهم وَجها وأفعالا، وَكَانَت أَيَّامه أَيْضا أشر أَيَّام مَعَ قصرهَا. وَلما خلع من السلطنة حبس بقاعة البحرة، إِلَى لَيْلَة الثُّلَاثَاء عَاشر جُمَادَى الأول من السّنة الْمَذْكُورَة، حمل فِي النّيل إِلَى سجن الأسكندرية - ومسفره قانصوه اليحياوي الظَّاهِرِيّ المستقر فِي نِيَابَة الأسكندرية - عوضا عَن كسباى المؤيدي -؛ فدام فِي السجْن، إِلَى أَن مرض فِي الْعشْر الْأَخير من صفر سنة ثَلَاث وَسبعين وَثَمَانمِائَة [أَيَّامًا] ، وَمَات فِي لَيْلَة الأثنين أول شهر ربيع الأول، وَدفن بثغر الأسكندرية من الْغَد، وَقد جَاوز السّبْعين من الْعُمر.

стр. 477

وَكَانَ [ملكا] ضخما، رَئِيسا، وَعِنْده وقار وحشمة، مَعَ عدم معرفَة، وبخل، وَقلة تجمل فِي ملبسه ومركبه، وحاشيته ومماليكه، يقتنى من كل شَيْء أوحشه وأرخصه، جماع للأموال؛ جمع مَالا كثيرا فِي أَيَّام جنديته وإمرته، ذهب مِنْهُ غالبه بعد خلعه من السلطنة؛ فَإِنَّهُ أَخذ من خازنداره نقدة وَاحِدَة [نَحوا من خمسين] ألف دِينَار. وَهَذَا خَارِجا عَن بركه وخيوله وجماله، [وَالَّذِي] ذهب لَهُ من القماش فِي سلطنته. وَكَانَ مسعودا فِي جنديته وإمرته، إِلَى يَوْم تسلطن زَالَ سعده، وَأخذ أمره فِي إدبار، إِلَى أَن مَاتَ. أعرفهُ من أَيَّام جنديته إِلَى [أَيَّام سلطنته] . وَكَانَ يعرف بيلباى تلى - أَي مَجْنُون -.

стр. 478

[ذكر سلطنة] الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد، تمربغا الظَّاهِرِيّ [على مصر] . وَهُوَ السُّلْطَان الَّذِي تكمل بِهِ [عدَّة] أَرْبَعِينَ ملكا من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ بالديار المصرية، وَالثَّانِي من الأروام - إِن لم يكن الْمعز أيبك التركماني [وَالْملك] الْمَنْصُور [لاجين] مِنْهُم -. تسلطن بعد خلع الْملك الظَّاهِر يلباى - الْمُقدم ذكره - فِي باكر نَهَار السبت سَابِع جُمَادَى الأول - الْمُوَافق لثامن كيهك - سنة إثنتين وَسبعين وَثَمَانمِائَة. وَكَانَ وَقت سلطنته الثَّانِيَة من النَّهَار، والساعة للْمُشْتَرِي، والطالع الجدي [وزحل] . وَتمّ أمره فِي الْبيعَة، وتلقب [بِالْملكِ الظَّاهِر]- وَهُوَ ثَالِث ظَاهر، لقبوا وَاحِدًا بعد وَاحِد، لم يكن بَينهم غَيرهم، وَهَذَا من النَّوَادِر -. وَكَانَ لبسه لخلعة السلطنة من مبيت الحراقة بالإصطبل السلطاني، وَركب فرس النّوبَة من سلم الحراقة وَعَلِيهِ أبهة السلطنة: السوَاد الخليفتي. وَركب الْخَلِيفَة أَمَامه، ومشت الْأُمَرَاء وأعيان المملكة بَين يَدَيْهِ، وَحمل السنجق على رَأسه الْأَمِير قايتباى المحمودي الظَّاهِرِيّ رَأس نوبَة النوب، وَحمل السنجق على رَأسه إِنَّمَا هُوَ لفقد الْقبَّة وَالطير من الزردخاناه السُّلْطَانِيَّة فِي وَاقعَة يلباى.

стр. 479

[وَسَار الْملك الظَّاهِر فِي موكب السلطنة، إِلَى أَن طلع] من بَاب الْقصر. وَدخل إِلَى الْقصر وَجلسَ على تخت الْملك، وَقبلت الْأُمَرَاء الأَرْض بَين يَدَيْهِ، وَنُودِيَ باسمه وسلطنته بشوارع الْقَاهِرَة. وسر النَّاس بسلطنته سُرُورًا زَائِدا تشارك فِيهِ الْخَاص وَالْعَام، حَتَّى قَالَ بَعضهم: ((نعد ذَلِك من نوع الْفرج بعد الشدَّة)) ؛ وَمَا ذَلِك إِلَّا لزوَال يلباى عَنْهُم، وسلطنة هَذَا الرجل الَّذِي اجْتمعت النَّاس على عقله، ومعرفته، وفضله، وَعلمه، وَدينه، وَمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من المحاسن [كلهَا] ، وَالْجمع بيني فنون الْعلم والفروسية والذكاء والفصاحة وَحسن اللَّفْظ فِي الْخطاب، والتؤدة فِي الْكَلَام، وَالْأَدب الزَّائِد، وطلاقة الْوَجْه، وَحسن الشكل. وَبِالْجُمْلَةِ؛ إِنَّه لم يل سلطنة مصر قَدِيما وَلَا حَدِيثا من يُشبههُ، وَلَا يُقَارِبه، وَلَا يدانيه. وَمَا أَقُول ذَلِك فِي الْأَفْضَلِيَّة وَلَا فِي الصّلاح، وَإِنَّمَا أَقُول فِي الْمعرفَة والحذق وَالْجمع لفنون السِّيَادَة [وأنواع الْكَمَال] ؛ لِأَن من محاسنه أَنه: يعْمل الْقوس بِيَدِهِ ويصنعه فِي أحسن عمل، وَكَذَلِكَ النشاب، ثمَّ يَرْمِي بهما رميا. إنتهت إِلَيْهِ فِيهِ الرِّئَاسَة على جَمِيع أهل زَمَانه، وَقس على هَذَا -[وَقد ذكرنَا من أَحْوَاله نبذة كَبِيرَة فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة فِي ذكر مُلُوك مصر والقاهرة)) ؛ إِذْ هُوَ مَحل الاطناب فِي ذكر مُلُوك مصر، وَذَكَرْنَاهُ أَيْضا فِي تاريخنا الْحَوَادِث]-، وَلكنه مَعَ هَذِه المحاسن لم يصف لَهُ الدَّهْر وَلَا لقى معينا لرفع يَد خير بك [عَنهُ وَلَا] الأجلاب. ولازال يدافع عَن نَفسه بِمَا هُوَ الأخف وبالإحسان، إِلَى أَن وثب عَلَيْهِ خير بك [الْمَذْكُور] فِي لَيْلَة الأثنين سادس رَجَب، وَقبض عَلَيْهِ، وحبسه بالقلعة. وَسمع الأتابك قايتباى بذلك؛ فَركب فِي اللَّيْل، وَقَامَ بنصرته، إِلَى أَن انتصر على خير بك. فَلَمَّا رأى خير بك أمره تلاشى أطلق [الْملك] الظَّاهِر تمربغا، واستجار بِهِ؛ فأجاره الْملك الظَّاهِر.

стр. 480

وَلما تمت الْوَقْعَة وطلع الأتابك [قايتباى] إِلَى الإصطبل السلطاني حسن لَهُ أَصْحَابه الْوُثُوب على الْأَمر؛ فَامْتنعَ من ذَلِك، فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أذعن. وخلع [الْملك الظَّاهِر] تمربغا [هَذَا] وتسلطن عوضه؛ [فَكَانَ ذَلِك] فِي باكر نَهَار الأثنين سادس رَجَب من سنة إثنتين وَسبعين [الْمَذْكُورَة] . فَكَانَت مُدَّة ملكه شَهْرَيْن إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا. وَأقَام بعد خلعه بالبحرة، إِلَى لَيْلَة الْأَرْبَعَاء [ثامنه] سفر إِلَى ثغر دمياط؛ ليقيم بِهِ على أحسن وَجه، وَكَانَ سَفَره أَيْضا إِلَى دمياط فِي النّيل وَلَيْسَ مَعَه مُسْفِر من الْأُمَرَاء. [هَذ] بعد أَن أمعن السُّلْطَان فِي إكرامه واحترامه ووداعه، وَاعْتذر إِلَيْهِ عَن وثوبه [على السُّلْطَان] . وَقبل [الْملك] الظَّاهِر تمربغا عذره وشكره على [مَا] فعله مَعَه [من إكرامه لَهُ] ، وتفارقا على ذَلِك. وَبِالْجُمْلَةِ؛ إِنَّه لم يَقع لملك بعد خلعه من السلطنة من الْإِكْرَام مَا وَقع لَهُ. وَأما التَّعْرِيف بِهِ: فَهُوَ رومي الْجِنْس -[كَمَا تقدم]- من مماليك الظَّاهِر جقمق وعتقائه، رباه صَغِيرا، واختص بِهِ، ورقاه، إِلَى أَن جعله خاصكيا، ثمَّ سلَاح دَار، ثمَّ خازندار، ثمَّ دوادارا ثَانِيًا. ثمَّ صَار فِي دولة وَلَده [الْملك] الْمَنْصُور دوادارا كَبِيرا، ثمَّ امتحن بعد خلع الْمَنْصُور، وَحبس نَحْو سِتّ سِنِين، [ثمَّ أخرج إِلَى مَكَّة؛ فَأَقَامَ بهَا

стр. 481

زِيَادَة على سنتَيْن] ، إِلَى أَن قدم الْقَاهِرَة فِي أول دولة [الْملك] الظَّاهِر خشقدم؛ [فأنعم عَلَيْهِ] [بإمرة مائَة] وتقدمة ألف، وَجعله رَأس نوبَة [النوب] ، ثمَّ نَقله إِلَى إمرة مجْلِس، ثمَّ صَار فِي دولة الظَّاهِر يلباى أتابك العساكر، إِلَى أَن تسلطن بعد يلباى - كَمَا تقدم ذكره -. وَاسْتمرّ بثغر دمياط بخدمه وحشمه على أحسن حَال، [إِلَى أَن جَاءَهُ مُحَمَّد بن عجلَان شيخ الْعَرَب بالشرقية - كَانَ - وَأَخذه وَرَاح إِلَى غَزَّة المحروسة على أَنه يتَّفق مَعَ نواب المملكة الشامية وَغَيرهم على أَمر يَفْعَله؛ فَبلغ خَبره الْمقَام الشريف قايتباى - نَصره الله تَعَالَى - فَفِي الْحَال أرسل المراسيم الشَّرِيفَة صُحْبَة الهجانة؛ فَأَسْرعُوا إِلَى طلبه؛ فمسك بغزة المحروسة وعادو بِهِ؛ فبرز أَمر الْمقَام الشريف للأمير يشبك من مهْدي الدوادار الْكَبِير أَن يتَوَجَّه بتمربغا إِلَى الثغر السكندري؛ فامتثل ذَلِك، وَتوجه بِهِ، وَدخل من بَاب رشيد من بَين السورين إِلَى وسط دَار النَّائِب؛ فتسلمه وَأدْخلهُ البرج موثوقا بِهِ - وَكَانَ للأمير يشبك زِينَة عَظِيمَة بالأسكندرية -. ثمَّ بعد ذَلِك أنعم الْمقَام الشريف على تمربغا بِأَن يركب ويسير ويتفرج؛ فامتحن تمربغا بالصيد، والمتجر، والعمارة، إِلَى أَن جَاءَهُ هَادِم اللَّذَّات ومفرق الْجَمَاعَات وَسَقَى كأس الْحمام. وَهَذَا مَا تيَسّر من خَبره وَالسَّلَام] .

стр. 482

[ذكر سلطنة] [السُّلْطَان] الْملك الْأَشْرَف [أَبُو النَّصْر] ، قايتباى [المحمودي] الظَّاهِرِيّ [على مصر] . وَهُوَ [السُّلْطَان] الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ بالديار المصرية. ونسبته بالمحمودي إِلَى جالبه، وبالظاهري إِلَى مُعْتقه [الْملك] الظَّاهِر جقمق. وَهُوَ جاركسي الْجِنْس، جلبه خواجا مَحْمُود إِلَى مصر؛ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ [الْملك] الْأَشْرَف برسباى فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ، ثمَّ نقل من بعده إِلَى [الْملك] الْملك الظَّاهِر جقمق؛ فَأعْتقهُ، وَجعله خاصكيا، ثمَّ دوادارا صَغِيرا، ثمَّ صَار أَمِير عشرَة فِي دولة [الْملك] الْأَشْرَف أينال، ثمَّ صَار أَمِير طبلخاناه وشاد الشَّرَاب خاناه فِي [أول] دولة [الْملك الظَّاهِر] خشقدم، ثمَّ نقل بعد سِنِين إِلَى إمرة مائَة و] تقدمة ألف، ثمَّ صَار رَأس نوبَة النوب فِي سلطنة] الْملك] الظَّاهِر يلباى، ثمَّ أتابكا فِي دولة [الْملك] الظَّاهِر تمربغا.

стр. 483

ثمَّ تسلطن [بعد خلع تمر بغا] فِي يَوْم الأثنين سادس [شهرا] رَجَب [من] سنة إثنتين وَسبعين وَثَمَانمِائَة.