← Тараджим

Тараджим · id 6669

مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة

ابن تغري بردي

Полный текст (483 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الْملك الْمَنْصُور عز الدّين، عبد الْعَزِيز ابْن [الْملك] الظَّاهِر برقوق بن آنص. تسلطن بعد أَن تسحب [أَخِيه] الْملك النَّاصِر فرج فِي وَقت عشَاء الْآخِرَة من لَيْلَة الأثنين سادس [عشْرين] شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة؛ لكَونه كَانَ ولي [الْعَهْد من بعد] أَخِيه فرج بِوَصِيَّة وَالِده بذلك. ولقب [بِالْملكِ الْمَنْصُور] [أبي الْعِزّ عبد الْعَزِيز] ، وَهُوَ لم يبلغ الْحلم وَأمه أم ولد، تركية تسمى: قنق باى، مَاتَت بعد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة. وَهُوَ [السُّلْطَان] السَّابِع وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية، وَالثَّالِث من مُلُوك الجراكسة. وَلما تمّ أمره فِي الْملك تلاشت أَحْوَال المملكة؛ لإختلاف كلمة الْأُمَرَاء، فَإِنَّهُ كَانَ يَوْم ذَاك بيبرس هُوَ الأتابك، وَكَانَ لين الْجَانِب لَا يلْتَفت إِلَى كَلَامه؛ فَصَارَ كل أحد لَهُ حكم، حَتَّى أصاغر المماليك، فَلم يرض بذلك أحد. والتفت كل أحد إِلَى عود [الْملك] النَّاصِر فرج، لاسيما الْأَمِير يشبك الشَّعْبَانِي الدوادار؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الدولة الناصرية لَهُ كلمة نَافِذَة وَعز.

стр. 422

فَلَمَّا تسلطن الْمَنْصُور هَذَا اضْطَرَبَتْ الْأُمُور، وتحكم غَيره فِي المملكة؛ فَعظم ذَلِك عَلَيْهِ، وَصَارَ يتلفت إِلَى عود النَّاصِر بِكُل مَا تصل قدرته إِلَيْهِ. فَلَمَّا رأى سعد الدّين [إِبْرَاهِيم] بن غراب [ذَلِك]- وَكَانَ [الْملك] النَّاصِر مختفيا عِنْده - أعلمهُ بِهِ؛ ففرح يشبك بذلك [وَأخذ فِي التَّدْبِير لخُرُوج النَّاصِر وَعوده إِلَى الْملك، إِلَى أَن تمّ لَهُ ذَلِك] . فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة [من] سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة [الْمَذْكُورَة] ظهر [الْملك] النَّاصِر فرج من بَيت سودون الحمزاوي، وتلاحق بِهِ كثير من الْأُمَرَاء والمماليك السُّلْطَانِيَّة. وَلم يطلع الْفجْر حَتَّى ركب [الْملك] النَّاصِر بِآلَة الْحَرْب، وَسَار بِمن مَعَه يُرِيد الطُّلُوع إِلَى قلعة الْجَبَل؛ مَنعه جمَاعَة من الْأُمَرَاء من الطُّلُوع وهم: سودون المحمدي، الْأَمِير آخور، [و] أينال باي بن قجماس، وبيبرس الأتابك، وسودون المارديني، ويشبك بن أزدمر فِي آخَرين. وقاتلوه سَاعَة، ثمَّ إنهزموا. وَملك النَّاصِر قلعة الْجَبَل، وخلع أَخَاهُ الْمَنْصُور هَذَا، وَسكن روعه وَأحسن إِلَيْهِ، وَعَاد إِلَى ملكه، وَأمْسك الْأُمَرَاء الْمَذْكُورين، وحبسهم، وقتلهم.

стр. 423

وَأما [الْملك] الْمَنْصُور هَذَا؛ فَإِنَّهُ اسْتمرّ عِنْد أمه بقلعة الْجَبَل، إِلَى أَن أخرجه النَّاصِر إِلَى الأسكندرية و [خرج] صحبته أَخُوهُ إِبْرَاهِيم فِي صفر سنة تسع وَثَمَانمِائَة، وَتوجه مَعَهُمَا الْأَمِير قطلوبغا الكركي، والأمير أينال حطب. وَكَانَت مُدَّة الْملك الْمَنْصُور فِي الْملك شَهْرَيْن وَعشرَة أَيَّام؛ فَلم تطل مُدَّة الْمَنْصُور بالأسكندرية، وَمَات فِي لَيْلَة الأثنين سَابِع شهر ربيع الآخر [من] سنة تسع وَثَمَانمِائَة، ثمَّ مَاتَ عقبه أَخُوهُ إِبْرَاهِيم من ليلته؛ فاتهم [الْملك] النَّاصِر فِي مَوْتهمَا.

стр. 424

سلطنة النَّاصِر [فرج] الثَّانِيَة على مصر تقدم ذكر نسبه وَمَا وَقع لَهُ من خلعه وَعوده إِلَى الْملك فِي تَرْجَمَة أَخِيه الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز الْمُقدم ذكره، فَلَا حَاجَة للإعادة. وَلما جلس [الْملك] النَّاصِر [هَذَا] على تخت الْملك ثَانِيًا استفحل أمره، واستبد بِأُمُور المملكة، وَأمْسك جمَاعَة كَثِيرَة من الْأُمَرَاء وحبسهم، [ثمَّ قَتلهمْ] . ثمَّ اشْتغل بِمن خرج عَلَيْهِ من مماليك أَبِيه النواب بالبلاد الشامية مثل: نوروز الحافظي وَشَيخ المحمودي وجكم العوضي [وَغَيرهم] . وَوَقع لَهُ مَعَهم أُمُور، وتجرد [نَحْو] ثَمَانِي تجاريد إِلَى الْبِلَاد الشامية بسببهم. وَطَالَ الْأَمر، وتجاوزت الْفِتَن الْحَد، وَخَربَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّام غَالب قرى [الديار المصرية] والبلاد الشامية. وَصَارَ حكم [الْملك] النَّاصِر [هَذَا] لَا يتَجَاوَز قطيا - فِي غَالب الأحيان - لاسيما لما تسلطن جكم العوضي بحلب تلاشى أمره وضعفت حرمته، إِلَى أَن قتل جكم بآمد تراجع أمره قَلِيلا. وَمد الْملك النَّاصِر يَده فِي الْقَتْل فِي مماليك أَبِيه، وَأَرَادَ الْإِسْرَاف فِي ذَلِك؛ فَأخذ الْوَالِد يرجعه عَن ذَلِك ويكفه - وَهُوَ يَوْم ذَاك أتابكا - فانكف قَلِيلا؛ لِأَنَّهُ صَار يخوفه عَاقِبَة ذَلِك.

стр. 425

فَلَمَّا أَن ولي الْوَالِد نِيَابَة الشَّام ثَالِث مرّة - على كره مِنْهُ - خلي الجو للْملك النَّاصِر؛ فأسرف فِي الْقَتْل، وأمعن حَتَّى أَنه قَارب من قَتله الْألف. ثمَّ خرج النَّاصِر بعد ذَلِك مُجَردا إِلَى الْبِلَاد الشامية لقتل نوروز وَشَيخ - الْمُقدم ذكرهمَا - وَقد نفرت [مِنْهُ] الْقُلُوب، وتغيرت الخواطر عَلَيْهِ؛ بِسَبَب إسرافه فِي الْقَتْل. [قلت] : وَهُوَ مَعْذُور من وَجه وَغير مَعْذُور من وَجه، أما الْوَجْه الأول: فَإِنَّهُ سامحهم فِي أَوَائِل الْأَمر كثيرا، وَعفى عَن أَكْثَرهم الْمرة والمرتين حَتَّى أَن عدوه [الْملك الْمُؤَيد] شيخ قَالَ بعد مَوته: إِن كَانَ الله يعفوا عَن الْملك النَّاصِر؛ فيعفوا عَنهُ بقتْله للأمير تمراز النَّائِب. وحكاية تمراز مَعَ النَّاصِر مُطَوَّلَة، لَا تلِيق بِهَذَا الْمُخْتَصر، فَلْتنْظرْ فِي المطولات. [ذَكرنَاهَا هُنَا لتأييد مَا قُلْنَاهُ] . وَحكى لي [الْأَمِير جقمق الظَّاهِرِيّ الْحَاجِب] قَالَ: مَا صَبر أحد على عدوه وَعفى عَنهُ مثل النَّاصِر، فَإِنَّهُ لم يقتل وَاحِدًا مِمَّن قتل حَتَّى عصى عَلَيْهِ الْمرة والمرتين وَالثَّالِثَة. [قلت] : وَلم نر هَذَا وَقع لملك بعده كَائِن من كَانَ - صَالحهمْ وطالحهم - بل كَانَ من خرج عَلَيْهِ [وَاحِد مرّة) لم يبلعه رِيقه - من الْملك الْمُؤَيد إِلَى يَوْمنَا هَذَا -.

стр. 426

وَأما الْوَجْه الثَّانِي، فَإِن الْإِقْدَام على قتل النَّفس أَمر كَبِير يَنْبَغِي للْملك وَغَيره التَّحَرُّز مِنْهُ والتحري فِيهِ، والتجاوز عَن الْقَتْل إِلَى غَيره من: الْحَبْس، وَالنَّفْي، والإرداع وَغير ذَلِك. وَلما خرج [الْملك] النَّاصِر إِلَى الْبِلَاد الشامية فِي سنة أَرْبَعَة عشر وَثَمَانمِائَة - وَكَانَ الْوَالِد يَوْم ذَاك النائباً على دمشق وَهُوَ متوعك فِي مرض مَوته - وَتقدم جاليش الْملك النَّاصِر من الْأُمَرَاء إِلَى الشَّام أَمَامه، وَدخل الجاليش [الْمَذْكُور إِلَى دمشق] قبل السُّلْطَان، وَسلم الْأُمَرَاء على الْوَالِد، وأعلموه بِالْخرُوجِ على النَّاصِر؛ فنهاهم عَن ذَلِك فِي الْبَاطِن؛ فَلم ينْتَهوا، وتوجهوا بتمامهم إِلَى شيخ ونوروز؛ فَعِنْدَ ذَلِك أَخذ أَمر النَّاصِر فِي انحطاط، وَعظم أَمر الْأُمَرَاء، وتكاثر عَددهمْ حَتَّى جَاوز عدَّة من كَانَ مَعَ نوروز وَشَيخ زِيَادَة على عشْرين مقدم [ألف] . كل وَاحِد [مِنْهُم] يَقُول فِي نَفسه: أَنه أعظم من شيخ ونوروز، وَأَن الْأَمر لَا يصير إِلَّا إِلَيْهِ، مثل: بكتمر جلق نَائِب الشَّام، وسيدي الْكَبِير قرقماس، وسودون المحمدي، وشاهين الأفرم أَمِير سلَاح، وطوغان الْحسنى الدوادار الْكَبِير فِي آخَرين. وَدخل [الْملك] النَّاصِر إِلَى دمشق، وَدخل للوالد غير مرّة يعودهُ؛ فَنَهَاهُ الْوَالِد عَن ملاقاتهم وقتالهم؛ فَلم ينْتَه، وَلَا اكترث بِمن تسحب من عسكره. وَخرج لقتالهم؛ فجبن الْجَمِيع عَن مصاففته وقتاله، وصاروا ينتقلون من بلد إِلَى أُخْرَى، وَهُوَ فِي إثرهم سوقا، وعساكره متقطعة خَلفه، إِلَى أَن وافاهم وَقت الْعَصْر من يَوْم الأثنين ثَالِث عشر محرم سنة خَمْسَة عشر وَثَمَانمِائَة باللجون، وَهُوَ سَكرَان لَا يعي من شدَّة السكر.

стр. 427

وَكَانَ الْأُمَرَاء قد نزلُوا وأراحوا خيولهم ورجالهم، وَفِي ظنهم أَن النَّاصِر يتمهل [ليلته] عَن قِتَالهمْ ويلقاهم من الْغَد، فَإِذا جنهم اللَّيْل سَارُوا من وَادي عارة إِلَى جِهَة الرملة، وَلَا يقاتلوه أبدا؛ لرعب كَانَ قد سكن فِي قُلُوبهم مِنْهُ، وَأَيْضًا لشدَّة بأسه وفرط شجاعته، مَعَ معرفتهم بِكَثْرَة جمعهم وباختلاف عَسْكَر النَّاصِر عَلَيْهِ. وَمَعَ هَذَا جبن الْجَمِيع عَن لِقَائِه وقتاله؛ فحالما وصل النَّاصِر إِلَى اللجون ركب وصف عساكره، وَقد كلت [خيوله وَرِجَاله] من السُّوق أَيَّامًا كَثِيرَة؛ فَكَلمهُ الأتابك دمرداش المحمدي فِي الرَّاحَة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَفِي الْقِتَال من الْغَد، وألح عَلَيْهِ، وساعده فِي ذَلِك فتح الله كَاتب السِّرّ؛ فَلم يلْتَفت إِلَى كَلَامهمَا وَقَالَ: أَنا لي سِنِين أنْتَظر هَذَا الْيَوْم مَتى مَا ثَبت اللَّيْلَة هربوا الْجَمِيع فِي اللَّيْل، وَمَشى عَلَيْهِم؛ فحالما صاففهم عصى عَلَيْهِ [من أمرائه] الْأَمِير قجق بِجَمِيعِ مماليكه وَطَلَبه. وتداول [ذَلِك] من جمَاعَة كَثِيرَة، وَهُوَ مَعَ ذَلِك مصر على اللِّقَاء. فَلَمَّا رأى الْأُمَرَاء أَمرهم فِي زِيَادَة، وعسكرهم فِي نمو، قوي بذلك قلبهم، وتصادم الْفَرِيقَانِ؛ فَلم يثبت عَسْكَر النَّاصِر وانكسر.

стр. 428

وَانْهَزَمَ النَّاصِر إِلَى نَحْو دمشق فِي نفر قَلِيل [نَحْو] الثَّلَاثَة، وَدخل [دمشق] فِي آخر لَيْلَة الْأَرْبَعَاء خَامِس عشر الْمحرم [الْمُقدم ذكره] . وَمَات الْوَالِد -[﵀]- فِي ذَلِك الْيَوْم وَدفن بتربة تنم الْحسنى نَائِب الشَّام. وَاسْتولى الْأُمَرَاء بعد الْوَقْعَة على الْخَلِيفَة والقضاة والعصائب السُّلْطَانِيَّة، وَسَارُوا يُرِيدُونَ دمشق؛ فتهيأ النَّاصِر لقتالهم ثَانِيًا، وَقد قوي أمره ببرك الْوَالِد ومماليكه وخيوله وسلاحه؛ لِأَن النَّاصِر استولى على جَمِيع مَا كَانَ للوالد، حَتَّى أَنه لم يدع لنا شَيْئا يُسَاوِي الدِّينَار الْوَاحِد. ثمَّ وَقع للناصر مَعَ الْأُمَرَاء أُمُور وحروب طَالَتْ أَيَّامًا كَثِيرَة؛ فسلطنوا الْأُمَرَاء الْخَلِيفَة الْعَبَّاس، وخلعوا النَّاصِر من الْملك. كل ذَلِك وَهُوَ مُجْتَهد فِي قِتَالهمْ بِالْمَدِينَةِ ثمَّ بالقلعة، إِلَى أَن أَخذ بالأمان فِي لَيْلَة الأثنين حادي عشر صفر سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة؛ فَأخذ وَقيد، وَحبس بقلعة دمشق، إِلَى أَن قتل بأيدي المشاعلية بالسكاكين فِي لَيْلَة السبت سادس عشر صفر، ثمَّ ألْقى على مزبلة وَهُوَ عاري الْبدن وَالنَّاس تمر بِهِ، حَتَّى حمل بعد أَيَّام، وَغسل وكفن، وَدفن بمقبرة بَاب الفراديس بمرج الدحداح.

стр. 429

قلت: هَذَا لقلَّة إنصاف أعدائه - مماليك أَبِيه - وَعدم مروءتهم؛ وَهُوَ أَن الرجل إِذا كَانَ فِي نَفسه من عدوه ثمَّ ظفر بِهِ؛ فأعظم مَا يجازيه بِالْقَتْلِ، ثمَّ يُكرمهُ بِالْغسْلِ والكفن والدفن؛ فَلم يَفْعَلُوا هَؤُلَاءِ مَعَ النَّاصِر ذَلِك، بل لَو أمكنهم إحراقه لحرقوه، وَلَعَلَّ هَذَا يَنْفَعهُ عِنْد الله تَعَالَى. وَكَانَ [الْملك] النَّاصِر كَرِيمًا، شجاعا مقداما، مُسْرِفًا على نَفسه، منهمك فِي اللَّذَّات، وَفِيه خفَّة وجبروت وإقدام. وَكَانَت مدَّته فِي السلطنة أَولا وآخرا من يَوْم تسلطن بعد موت أَبِيه إِلَى أَن خلع بأَخيه عبد الْعَزِيز سِتّ سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَعشرَة أَيَّام. وَمُدَّة سلطنته الثَّانِيَة إِلَى يَوْم خلع بالخليفة الْعَبَّاس سِتّ سِنِين وَعشرَة أشهر سَوَاء؛ فَجَمِيع أَيَّامه فِي الْملك ثَلَاث عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا. وعاش بعد ذَلِك أَيَّامًا فِي الْحصار، وَقتل ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 430

المستعين بِاللَّه أَبُو الْفضل الْعَبَّاس، الْخَلِيفَة ثمَّ السُّلْطَان، أَمِير الْمُؤمنِينَ، وسلطان الديار المصرية ابْن الْخَلِيفَة المتَوَكل على الله [أبي عبد الله] مُحَمَّد ابْن الْخَلِيفَة المعتضد أبي بكر ابْن المستكفي سُلَيْمَان ابْن الْحَاكِم [بِأَمْر الله] أَحْمد بن الْحسن بن أبي بكر بن عَليّ القبي ابْن الْخَلِيفَة الراشد مَنْصُور ابْن المسترشد [الْفضل] ابْن المستظهر [أَحْمد] ابْن الْأَمِير إِسْحَاق ابْن الْخَلِيفَة المقتدر [بِاللَّه] جَعْفَر ابْن المعتضد [أَحْمد] ابْن الْأَمِير طَلْحَة الْمُوفق ابْن الْخَلِيفَة المتَوَكل جَعْفَر ابْن المعتصم مُحَمَّد ابْن الرشيد هَارُون ابْن الْمهْدي مُحَمَّد بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، الْهَاشِمِي العباسي الْمصْرِيّ. بُويِعَ المستعين [هَذَا] بالخلافة بعد موت أَبِيه - بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ - فِي يَوْم الأثنين مستهل شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة، وَكَانَ ذَلِك بعد موت أَبِيه بأَرْبعَة أَيَّام. وَاسْتمرّ فِي الْخلَافَة سنينا، إِلَى أَن تجرد صُحْبَة [الْملك] النَّاصِر فرج إِلَى الْبِلَاد الشامية فِي سنة أَربع عشرَة وَثَمَانمِائَة - كَمَا كَانَ تجرد قبلهَا مَعَه غير مرّة -. فَلَمَّا انْكَسَرَ [الْملك] النَّاصِر [فرج] من الأميرين شيخ ونوروز بِمن مَعَهم وَدخل إِلَى دمشق، استولى الْأُمَرَاء على الْخَلِيفَة هَذَا والقضاة والعصائب السُّلْطَانِيَّة [وعادوا إِلَى دمشق لقِتَال النَّاصِر. فَلَمَّا طَال أَمر النَّاصِر

стр. 431

عَلَيْهِم لم يَجدوا بدا من سلطنة الْخَلِيفَة؛ لِأَنَّهُ لَك يكن حِين ذَاك عِنْد الْأُمَرَاء أحد من أَوْلَاد السلاطين] ، وَأَيْضًا لم يكن فِي الْأُمَرَاء من هُوَ أهل لذَلِك؛ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم كَانَ يَقُول فِي نَفسه هُوَ أَحَق بِالْأَمر من غَيره، وَلَا يذعن لسواه. فَلَمَّا كَانَ ذَلِك اتّفق رَأْي الْجَمِيع على سلطنة الْخَلِيفَة المستعين هَذَا؛ فَامْتنعَ الْخَلِيفَة من ذَلِك غَايَة التمنع؛ فَلَا زَالُوا بِهِ حَتَّى أذعن بعد أُمُور ذَكرنَاهَا فِي [تاريخنا] ((النُّجُوم الزاهرة)) . وَولي السلطنة على كره مِنْهُ، بعد شُرُوط عديدة. وتسلطن، وَتمّ أمره، وأطاعته الْأُمَرَاء مُنْذُ كَانَ بِدِمَشْق. فَلَمَّا وَقع الأتفاق على أَن نوروز الحافظي يسْتَقرّ فِي نِيَابَة الشَّام جَمِيعه - من غَزَّة إِلَى الْفُرَات - ويستقر شيخ المحمودي أتابكا بِمصْر ومدبر مملكة المستعين هَذَا، وَعَاد المستعين وصحبته شيخ وَغَيره إِلَى الديار المصرية، وَسكن الْخَلِيفَة [هَذَا] بقلعة الْجَبَل - على عَادَة السلاطين - وَسكن شيخ بِبَاب السلسلة؛ فَلم يدع شيخ للمستعين شَيْئا من الْأَمر وَالنَّهْي، بل صَار فِي السلطنة حسا وَشَيخ مَعْنَاهُ. وليته دَامَ لَهُ ذَلِك ﴿﴾ . ثمَّ إِن شَيخا بدا لَهُ أَن يتسلطن؛ فَجمع الْقُضَاة، وخلع المستعين هَذَا، وتسلطن من غير أَن يُوَافق المستعين على خلع نَفسه؛ فأكره حَتَّى خلع غصبا.

стр. 432

وَاسْتمرّ بالقلعة محتفظا بِهِ على الْخلَافَة؛ فَكَانَت مُدَّة سلطنته من يَوْم تسلطن - خَارج دمشق - إِلَى يَوْم خلع سَبْعَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام؛ فدام بقلعة الْجَبَل خَليفَة، إِلَى أَن خلعه شيخ بأَخيه [المعتضد] دَاوُد من الْخلَافَة فِي يَوْم الْخَمِيس سادس عشر ذِي الْحجَّة سنة سِتَّة عشر وَثَمَانمِائَة. وَاسْتمرّ المستعين [هَذَا] محتفظا بِهِ بقلعة الْجَبَل مُدَّة يسيره، وَحمل إِلَى الأسكندرية؛ فسجن بهَا سنينا كَثِيرَة، إِلَى أَن أخرجه [الْملك] الْأَشْرَف برسباى من السجْن، ورسم لَهُ أَن يسكن بِبَعْض دور الأسكندرية؛ فَوَقع لَهُ ذَلِك. وَدم [بهَا] ، إِلَى أَن توفى بالطاعون فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة. وعهد بالخلافة من بعده [إِلَى وَلَده] يحيى، على زَعمه أَنه مُسْتَمر فِي الْخلَافَة، وَأَن خلعه مِنْهَا لم يُصَادف [محلا؛ فَلم يمش لوَلَده] [ذَلِك - رَحمَه الله تَعَالَى]-.

стр. 433

الْملك الْمُؤَيد [أَبُو النَّصْر] ، شيخ بن عبد الله المحمودي الظَّاهِرِيّ. الثَّامِن وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك بالديار المصرية، وَالرَّابِع من الجراكسة. كَانَ أَصله من مماليك الظَّاهِر برقوق، اشْتَرَاهُ من خواجا مَحْمُود شاه اليزيدي، وَأعْتقهُ، ورقاه حَتَّى جعله ساقياً، ثمَّ أَمِير عشرَة، ثمَّ طبلخاناه. وسافر أَمِير حَاج الْمحمل فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة، ثمَّ تقدم ألف بعد موت أستاذه الْملك الظَّاهِر على إقطاع بجاس، ثمَّ تنقل بعد ذَلِك فِي عدَّة ولايات، وَولي نِيَابَة طرابلس. وأسره تيمور [لنك] فِيمَن أسر من نواب الْبِلَاد الشامية، ثمَّ هرب [مِنْهُ] . وَوَقع لَهُ أُمُور مَعَ الْملك النَّاصِر ومحن، ومسك، وَحبس. ولازال فِي خلاف وعصيان، إِلَى أَن كَانَ من أَمر النَّاصِر فرج مَا حكيناه، وتسلطن المستعين، وَصَارَ شيخ هَذَا أتابكه؛ فَوَثَبَ على الْأَمر، وتسلطن فِي يَوْم الأثنين مستهل شعْبَان سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة.

стр. 434

وَتمّ أمره فِي الْملك، وَحَال بلغ الْأَمِير نوروز الحافظي أَمر سلطنته خرج عَن طَاعَته، وَاسْتمرّ يَدْعُو للمستعين بغالب الْبِلَاد الشامية. وَوَقع بِسَبَب ذَلِك بَين الْملك الْمُؤَيد [هَذ] وَبَين نوروز أُمُور وحروب، إِلَى أَن أَخذه الْمُؤَيد، وَقَتله بقلعة دمشق فِي سنة سبع عشرَة وَثَمَانمِائَة. وَعَاد إِلَى الديار المصرية بعد أَن مهد أُمُور الْبِلَاد الشامية بأجمعها؛ فَلم يمض إِلَّا سنة وَاحِدَة وَأشهر وَعصى [الْأَمِير] قانى باى المحمدي نَائِب الشَّام عَلَيْهِ. وَوَافَقَهُ نَائِب حلب أينال الصصلاني، ونائب طرابلس سودون من عبد الرَّحْمَن، وتنبك البجاسي نَائِب حماة وَغَيرهم. فتجرد لَهُم الْمُؤَيد ثَانِيًا، وواقعهم، وَأمْسك قانى باى الْمَذْكُور وأينال الصصلاني وَغَيرهمَا من الْأُمَرَاء، وحز رؤوسهم، وأرسلها إِلَى الديار المصرية. وهرب من بقى من النواب إِلَى بِلَاد الشرق إِلَى عِنْد قرا يُوسُف. ثمَّ تجرد الْملك الْمُؤَيد ثَالِث مرّة فِي سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة إِلَى الْبِلَاد الشامية، وافتتح عدَّة قلاع، وَعَاد إِلَى مصر. ودام بِهِ فِي أرغد عَيْش مَعَ مَا كَانَ يَعْتَرِيه من ألم المفاصل، حَتَّى أَنه لما قوي عَلَيْهِ ذَلِك أقعد؛ فَصَارَ يحمل على الأكتاف، ويتنقل إِلَى الْأَمَاكِن فِي محفة، وَلَا يبرح بالقلعة فِي الشَّهْر إِلَّا أَيَّامًا يسيرَة، بل غَالب أَيَّامه بساحل بولاق والمفترجات، وَيعْمل هُنَاكَ المواكب والخدم، حَتَّى جَاوز الْحَد فِي ذَلِك.

стр. 435

وَمن أَرَادَ أَن يقف على نَص تَرْجَمته؛ فَعَلَيهِ [بتاريخنا ((النُّجُوم] الزاهرة)) ، [وَإِن كُنَّا استوعبنا أَحْوَاله فِي تاريخنا ((المنهل الصافي)) ، غير أَن ((النُّجُوم الزاهرة)) أوسع وَأكْثر ضبطا؛ لكَونه مَوْضُوعا لملوك مصر فَقَط] . إنتهى. وَاسْتمرّ الْملك الْمُؤَيد على ذَلِك، إِلَى أَن قوي عَلَيْهِ مرض المفاصل وتسلسل من مرض إِلَى آخر، وَلزِمَ الْفراش أشهرا، إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الأثنين تَاسِع محرم سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وَقد أناف على خمسين سنة [من الْعُمر] . وَكَانَت مُدَّة سلطنته على مصر ثَمَانِي سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام. وتسلطن بعده ابْنه [الْملك] المظفر، وعمره سنة وَاحِدَة وَثَمَانِية أشهر وَسَبْعَة أَيَّام. وَكَانَ الْملك الْمُؤَيد سُلْطَانا شجاعا، مقداما مهابا، عَارِفًا بأنواع الفروسية ومكر الحروب، كَرِيمًا على من اسْتحق الْكَرم، بَخِيلًا على كل عَار وجاهل. وَكَانَت أسواق ذَوي الْفُنُون نافقة فِي أَيَّامه؛ لجودة فهمه وذوقه بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبنَاء جنسه. وَكَانَ مُعظما للشريعة، محبا للْعُلَمَاء والفضلاء، يمِيل إِلَى اللَّهْو والطرب، مُسْرِفًا على نَفسه، غير أَنه مَاتَ بعد تَوْبَة صَادِقَة فِي مرض مَوته.

стр. 436

[وَكَانَت صفته] : طوَالًا، بطينا، وَاسع الْعَينَيْنِ أشهلهما، أكث اللِّحْيَة، بَادِي الشيب، جَهورِي الصَّوْت، حاد المزاج، وَفِيه سفه وبذاءات لِسَان. وَقد أرماه المقريزي بِأُمُور كَانَ الْأَلْيَق الإضراب عَنْهَا؛ لما كَانَ عِنْده مِمَّا يُقَاوم ذَلِك من المحاسن. وَلَو لم يكن فِيهِ إِلَّا محبَّة الْعلمَاء وإجلال الشَّرْع لكفاه [ذَلِك. إنتهى] .

стр. 437

الْملك المظفر أَبُو السعادات، أَحْمد ابْن [الْملك] الْمُؤَيد شيخ [المحمودي الظَّاهِرِيّ] . تسلطن بعد موت أَبِيه بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ على مُضِيّ خمس درج من نصف نَهَار الأثنين تَاسِع الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وعمره يَوْم ذَاك سنة وَاحِدَة [وَثَمَانِية أشهر وَسَبْعَة أَيَّام] . وَأمه خوند سعادات بنت الْأَمِير صرغتمش فِي قيد الْحَيَاة إِلَى يَوْمنَا هَذَا. والمظفر هَذَا هُوَ السُّلْطَان التَّاسِع وَالْعشْرُونَ من مُلُوك التّرْك، وَالْخَامِس من الجراكسة - نظرا إِلَى الأَصْل فِي جَوَاب من سَأَلَ عَن نَوعه؛ ففصله بجاركسي الْجِنْس. وَلما تمّ أمره فِي الْملك اسْتَقر الْأَمِير ططر أَمِير مجْلِس مُدبر مَمْلَكَته؛ لغياب الأتابك ألطنبغا القرمشي وَغَيره فِي تجريدة الْبِلَاد الشامية؛ لِأَن [الْملك] الْمُؤَيد كَانَ قد جعل الْأَمِير ألطنبغا القرمشي مُدبر مملكة وَلَده هَذَا، فَمَاتَ الْمُؤَيد والقرمشي غَائِبا؛ فَوَثَبَ ططر على الْأَمر، ونفق الْأَمْوَال. واستبد بِأُمُور المملكة من غير مُنَازع فِي ذَلِك، وأرضى من كَانَ عِنْده من المماليك المؤيدية بالأموال والإقطاعات والوظائف وَغَيرهَا.

стр. 438

وَبلغ الْأَمِير جقمق الأرغون شاوى نَائِب الشَّام أمره؛ فحالف عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يشبك المؤيدي نَائِب حلب. وَوَقع بالبلاد الشامية عدَّة حروب وَفتن حَتَّى تفانوا قتلا؛ فَركب يشبك على القرمشي وَمن مَعَه بِظَاهِر حلب؛ فقاتله القرمشي وهزمه، وَقتل يشبك فِي المعركة. ثمَّ قدم القرمشي إِلَى دمشق؛ فواقعه جقمق أَيْضا، وانكسر، وَانْهَزَمَ إِلَى صرخد، وَملك القرمشي دمشق. كل ذَلِك وططر قد تجهز إِلَى السّفر من مصر إِلَى الْبِلَاد الشامية. وَخرج بِالْملكِ المظفر أَحْمد [هَذَا] مَعَه إِلَى دمشق؛ فَخرج القرمشي إِلَى لِقَائِه وَقبل الأَرْض بَين [يَدَيْهِ، وَعَاد فِي خدمَة المظفر] [إِلَى دمشق] ؛ فَقبض عَلَيْهِ ططر وعَلى جمَاعَة كَثِيرَة من أَصْحَابه الْأُمَرَاء؛ فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد [بِهِ] . ثمَّ أرسل ططر لحصار جقمق جمَاعَة، ولازال بِهِ حَتَّى قبض عَلَيْهِ، وَقَتله أَيْضا. وَصفا الْوَقْت لططر بقتل هَؤُلَاءِ الْمُلُوك. ثمَّ الْتفت إِلَى المؤيدية؛ فَقبض فِي يَوْم وَاحِد على جمَاعَة كَثِيرَة مِنْهُم وحبسهم، وَفرق اقطاعاتهم ووظائفهم على خجداشيته وحواشيه؛ فَعِنْدَ ذَلِك بدا لَهُ أَن يتسلطن؛ فَخلع الْملك المظفر هَذَا، وتسلطن فِي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشْرين شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة.

стр. 439

وَكَانَ الأتابك ططر تزوج بخوند سعادات أم المظفر هَذَا. فَلَمَّا [خلعه من] الْملك طَلقهَا. ثمَّ عَاد ططر [بِالْملكِ المظفر إِلَى الديار المصرية] . وَاسْتمرّ [الْملك] المظفر بقلعة الْجَبَل مُدَّة، ثمَّ نقل مَعَ أَخِيه إِبْرَاهِيم إِلَى سجن الأسكندرية؛ فداما بهَا إِلَى أَن مَاتَا بالطاعون فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة؛ فَكَانَت مُدَّة ملكه سَبْعَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا. وَكَانَ موت المظفر [هَذَا] فِي لَيْلَة الْخَمِيس آخر جُمَادَى الأولى [من] سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ الْمَذْكُورَة. وَدفن المظفر وَأَخُوهُ بالثغر، ثمَّ نقلا مِنْهُ إِلَى الْقَاهِرَة، ودفناً بالجامع المؤيدي - دَاخل بَاب زويلة فِي قَول، وخارج بَابي زويلة فِي قَول؛ لِأَن بَابي زويلة كَانَا عِنْد الغرابليين وَقد ذهب أثرهما، وَبَاب زويلة الْآن هُوَ بَاب الْأَفْضَل أَمِير الجيوش؛ لِأَن [بَاب زويلة سمى على اسْم بَابي زويلة، فَهَذَا تَفْسِير مَا قُلْنَاهُ: دَاخل بَاب زويلة فِي قَول، وخارج بَابي زويلة فِي قَول]-. [و] كَانَ [الْملك] المظفر ذَا شكالة حَسَنَة، ومنظر بهى، إِلَّا أَنه كَانَ بِعَيْنيهِ حول فَاحش. وَحصل لَهُ ذَلِك عِنْدَمَا أجلسوه على تخت الْملك؛ [لِأَنَّهُ لما أَجْلِس على تخت الْملك] استوحش لمرضعته؛ فَبكى؛ فطلبت؛ وأقعدت بجانبه؛ فَسكت، ثمَّ دقَّتْ الكوسات على حِين غَفلَة؛ فارتعب من ذَلِك وَحصل لَهُ مَا حصل.

стр. 440

[قلت] : أفادته السلطنة الْحول والسجن إِلَى أَن مَاتَ. كل ذَلِك من [سوء] تَدْبِير وَالِده، حَيْثُ جعل الْعَهْد فِي مثل هَذَا الطِّفْل الصَّغِير. - وَهُوَ أحد من نَازع [ابْن] أستاذه [الْملك النَّاصِر فرج] فِي الْملك، وَهُوَ هُوَ [والمجازاة من جنس الْعَمَل] ، إنتهى -.

стр. 441

الْملك الظَّاهِر سيف الدّين [أَبُو الْفَتْح] ، ططر الظَّاهِرِيّ. تسلطن بعد خلع الْملك المظفر أَحْمد بن شيخ فِي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشْرين شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة. وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ [بالديار المصرية. وَالسَّادِس من الجراكسة وَأَوْلَادهمْ] . وَأَصله من [صغَار] مماليك الظَّاهِر برقوق، وَأعْتقهُ، وَجعله من جملَة المماليك السُّلْطَانِيَّة. ثمَّ انْضَمَّ على جكم من عوض نَائِب حلب بعد موت الظَّاهِر، وَصَارَ من أَصْحَابه، ثمَّ انْضَمَّ على [الأميرين] شيخ ونوروز، ودام مَعَهُمَا، إِلَى أَن قتل [الْملك] النَّاصِر، صَار من جملَة [أُمَرَاء العشرات] ، ثمَّ صَار أَمِير طبلخاناة، ثمَّ [أَمِير مائَة و] مقدم ألف. كل ذَلِك فِي الدولة المؤيدية [شيخ] ، ثمَّ صَار رَأس نوبَة النوب، ثمَّ أَمِير مجْلِس.

стр. 442

وَمَات الْمُؤَيد وَهُوَ على ذَلِك. وَكَانَ الأتابك ألطنبغا القرمشي - وَهُوَ غَائِب بالبلاد الشامية مَعَ عدَّة أُمَرَاء - وأمير سلَاح قجقار القردمي. [فَلَمَّا مَاتَ الْمُؤَيد وطلعت الْأُمَرَاء لمواراته، قبض ططر على قجقار القردمي أَمِير سلَاح] وحبسه؛ لعظم شوكته من أَبنَاء جنسه الجراكسة؛ لِأَن قجقار [القردمي] كَانَ تركي الْجِنْس؛ فاستبد ططر بعد قَبضه بِأُمُور المملكة؛ وَصَارَ مُدبر مملكة المظفر. [وَبِهَذَا الطَّرِيق] دخل من بَاب أوصله إِلَى قَصده. وَمَعَ هَذَا كُله، لم يتهن بِالْملكِ، وأدركته منيته - حَسْبَمَا نذكرهُ -. وَلما صَار ططر مُدبر مملكة [الْملك] المظفر أَخذ فِي تألف قُلُوب المماليك المؤيدية؛ فَأحْسن إِلَيْهِم الأحسان الْبَالِغ، وَصَارَ [يطاوعهم فِيمَا يروموه وَفِيمَا أَرَادوا] من سَائِر الْأَشْيَاء، وَهُوَ مَعَ ذَلِك ينشئ خجداشيته من الظَّاهِرِيَّة، ويبرم أمره مَعَهم فِي الْبَاطِن. هَذَا، والمؤيدية فِيمَا هم فِيهِ من أَخذ الإمريات والوظائف والفتك فِي الدولة؛ فَمنهمْ من صَار دوداراً كَبِيرا من إمرة عشرَة دفْعَة وَاحِدَة [وَغير ذَلِك] ، وَهُوَ على باى المؤيدي، وَكَذَلِكَ تغرى بردى أَخُو قصروه صَار أَمِير آخورا كَبِيرا من إمرة عشرَة دفْعَة وَاحِدَة [وَغَيرهمَا] .

стр. 443

وَلَا يسع ططر إِلَّا أَنه يَدُور مَعَهم حَيْثُمَا داروا، إِلَى أَن يتم لَهُ مَا أبرمه. وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى خرج بالمظفر [من مصر] إِلَى الْبِلَاد الشامية، وَقتل [ألطنبغا] القرمشي [الأتابك] وجقمق نَائِب الشَّام وَغَيرهمَا. وَهَان عَلَيْهِ أَخذ المؤيدية، وساعده فِي ذَلِك مجئ جمَاعَة من خجداشيته من بِلَاد الشرق مِمَّن كَانَ هرب من الْمُؤَيد فِي وقْعَة قانى باى [نَائِب الشَّام] ؛ فقوي أمره مَعَ مَا زَاد [من] [أَمر] المؤيدية عَلَيْهِ من الإلحاح فِي الطّلب والوثوب على الْوَظَائِف السّنيَّة؛ فأجمع رَأْيه على مسكهم؛ فَقبض عَلَيْهِم فِي يَوْم وَاحِد، وَحبس غالبهم بالبلاد الشامية، وَفرق إقطاعاتهم ووظائفهم على خجداشيته الظَّاهِرِيَّة بعد أَن تسلطن. وَلما مسك [هَؤُلَاءِ] المؤيدية صفا [لَهُ] الْوَقْت [وتسلطن حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ] ، ولقب [بِالْملكِ الظَّاهِر] [ططر] ، على لقب أستاذه [الظَّاهِر] برقوق.

стр. 444

وَكَانَت سلطنته بقلعة دمشق، ثمَّ سَار مِنْهَا بعد أَيَّام يُرِيد الْقَاهِرَة؛ فَمَرض فِي أثْنَاء الطَّرِيق، وَصَارَ يتعلل، إِلَى أَن وصل إِلَى الديار المصرية ودخلها [رَاكِبًا] ، وَحضر عدَّة مواكب، ثمَّ لزم الْفراش، إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الْأَحَد رَابِع ذِي الْحجَّة [من] سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وَله نَحْو خمسين سنة. وَدفن من يَوْمه بالقرافة بجوار اللَّيْث بن سعد - رَحْمَة الله عَلَيْهِ -؛ فَكَانَت مُدَّة ملكه بِالشَّام ومصر أَرْبَعَة وَتِسْعين يَوْمًا لاغير، حمل فِيهَا نَفسه مَا حسابه على الله [تَعَالَى] ، ومهد [لغيره] . وعهد لوَلَده الْملك الصَّالح مُحَمَّد بِالْملكِ من بعده، وَجعل الأتابك جَانِبك الصُّوفِي مُدبر ملكه - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى -.

стр. 445

الْملك الصَّالح مُحَمَّد ابْن [الْملك الظَّاهِر] ططر [الظَّاهِرِيّ] . وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك، وَالسَّابِع من الجراكسة. تسلطن بعد موت أَبِيه الظَّاهِر ططر فِي يَوْم الْأَحَد رَابِع ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وعمره نَحْو عشر سِنِين [تخمينا] . وَهُوَ رَابِع سُلْطَان حكم مصر فِي سنة أَربع وَعشْرين. وَلما اسْتَقر فِي السلطنة صَار الأتابك جَانِبك الصُّوفِي مُدبر مَمْلَكَته؛ فَلم يتم [لَهُ] ذَلِك، وَوَقع بَينه وَبَين الأميرين برسباى الدقماقى الدوادار الْكَبِير وطرباى الظَّاهِرِيّ حَاجِب الْحجاب، وثارت الْفِتْنَة بَينهم فِي يَوْم عيد النَّحْر، وخذل جَانِبك الصُّوفِي جمَاعَة من الْأُمَرَاء؛ مُوَافقَة لبرسباى وطرباى. وَآل الْأَمر إِلَى الْقَبْض على جَانِبك الصُّوفِي [الْمَذْكُور] ، وحبسه بسجن الأسكندرية. وَصَارَ الْمُتَكَلّم فِي المملكة برسباى [الدقماقي] ويشاركه [فِي ذَلِك خجداشه] طرباى؛ فَلم يطلّ ذَلِك، وَوَقع بَينهمَا أَيْضا وَحْشَة. وَكثر الْكَلَام فِي أَمرهمَا، إِلَى أَن استفحل أَمر برسباى، وَقبض على طرباى [الْمَذْكُور] وحبسه بسجن الأسكندرية أَيْضا.

стр. 446

واستبد بِأُمُور المملكة [برسباى] من غير مشارك، إِلَى أَن [قبض على الصَّالح وخلعه] من الْملك وتسلطن عوضه -[حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره فِي مَحَله، إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-. وَكَانَ خلع [الْملك] الصَّالح [الْمَذْكُور] فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن شهر ربيع الآخر [من] سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة. وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا، لم يكن لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط. وَلما خلع [الْملك] الصَّالح من السلطنة اسْتمرّ عِنْد والدته خوند بنت سودون الْفَقِيه بالدور السُّلْطَانِيَّة بقلعة الْجَبَل من غير ترسيم وَلَا تحفظ، بل كَانَ يتَوَجَّه حَيْثُ شَاءَ من قلعة الْجَبَل كعادة الصغار [من] أَوْلَاد الأسياد. وَأغْرب من ذَلِك أَنه كَانَ يركب فِي بعض الأحيان فِي خدمَة الْمقَام الناصري مُحَمَّد ابْن [الْملك] الْأَشْرَف برسباى، وَينزل إِلَى الْقَاهِرَة، ويسير على ميمنته كآحاد أَوْلَاد الْأُمَرَاء الَّذين بخدمته.

стр. 447

وَرُبمَا نَام [فِي] بعض اللَّيَالِي بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية [بِالْقَاهِرَةِ لما توفيت زَوْجَة [الْملك] الْأَشْرَف برسباى، ودفنت بقبة الأشرفية] [الْمَذْكُورَة] . وَكَانَ [الْملك] الصَّالح مقاربني فِي السن، وَكَانَ عِنْده نوع بله، مَعَ خفَّة وطيش، وَيَقَع لَهُ فِي كَلَامه أُمُور مِنْهَا: أَنه كَانَ يُسمى الْفرس [البوز: أَبيض] ؛ فَكَلمهُ بعض مربيه فِي ذَلِك، وَأمره أَن يُسَمِّيه: بوز؛ فحفظ ذَلِك، وَصَارَ يَقُوله. فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام طلب سلطانية صيني؛ فَقيل لَهُ: أَي لون تريده من الصيني؟ فَقَالَ سلطانية بوز ﴿﴾ . فنهره بعض من حضر؛ فَقَالَ: لالتى عَلمنِي كَذَا. وَله أَشْيَاء كَثِيرَة من ذَلِك [النمط] . وَلما كبر زوجه الْملك الْأَشْرَف بنت الأتابك يشبك الْأَعْرَج. واستمرت عِنْده، إِلَى أَن مَاتَ بالطاعون بقلعة الْجَبَل فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشْرين جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، وعمره نَحْو الْعشْرُونَ سنة ﵀ [تَعَالَى]-.

стр. 448

الْملك الْأَشْرَف سيف الدّين أَبُو النَّصْر، برسباى الدقماقي الظَّاهِرِيّ. تسلطن بعد خلع [الْملك] الصَّالح مُحَمَّد فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن عشر [شهر] ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة. وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك بديار مصر، وَالثَّامِن من الجراكسة وَأَوْلَادهمْ. أَخذ من بِلَاد الجاركس وأبيع بِبِلَاد القرم لبَعض التُّجَّار؛ فجلبه التَّاجِر [الْمَذْكُور] إِلَى جِهَة الشَّام؛ فابتاعه مِنْهُ [الْأَمِير] دقماق المحمدي الظَّاهِرِيّ نَائِب ملطية. ثمَّ قدمه الْأَمِير دقماق إِلَى [أستاذه] الْملك برقوق فِي جملَة مماليك - ذكرنَا سَبَب تقدمته فِي [تَرْجَمته من] تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) ، [وَغَيره بأطول من هَذَا]-.

стр. 449

وَلما أَخذه [الْملك] الظَّاهِر برقوق جعله من جملَة مماليك الأطباق - بطبقة الزمامية - أنيا لجاركس القاسمي المصارع. ثمَّ أعْتقهُ قبل مَوته بِمدَّة يسيرَة، ثمَّ ترقى فِي الدولة الناصرية [فرج] ، [إِلَى أَن] صَار ساقيا، ثمَّ انضاف إِلَى [الأميرين] شيخ ونوروز. وَبَقِي مَعَهم فِي [تِلْكَ الْفِتَن] ، إِلَى أَن ملك [الْملك] الْمُؤَيد [شيخ] الديار المصرية أمره عشرَة، ثمَّ طبلخاناه، ثمَّ تقدمة ألف، ثمَّ ولاه نِيَابَة طرابلس بعد عزل [الْأَمِير] بردبك عَنْهَا فِي ثَالِث عشْرين [شهر] ربيع الْأُخَر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة؛ فَلم تطل مدَّته بطرابلس، وعزل [عَنْهَا] ، وَأمْسك، وَحبس بسجن المرقب مُدَّة، ثمَّ أطلق، وأنعم عَلَيْهِ [بإمرة مائَة] بتقدمة ألف بِدِمَشْق؛ فدام بهَا، إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ [الْأَمِير] جقمق [الأرغون شاوى] نَائِب الشَّام عِنْد خُرُوجه عَن الطَّاعَة بعد موت [الْملك] الْمُؤَيد [شيخ] ؛ فدام فِي السجْن، إِلَى أَن أطلقهُ الأتابك ألطنبغا القرمشي.

стр. 450

فَلَمَّا آل الْأَمر إِلَى [الْملك] الظَّاهِر ططر رقاه، وأنعم عَلَيْهِ بتقدمة ألف بالديار المصرية، وَجعله دوادار كَبِيرا بعد مسك [الْأَمِير] على باى المؤيدي. وَاسْتمرّ على ذَلِك، إِلَى أَن مَاتَ ططر، وَوَقع لَهُ مَا ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة الْملك الصَّالح مُحَمَّد بن ططر، إِلَى أَن تسلطن، وَتمّ أمره. وَلما تسلطن الْملك الْأَشْرَف [هَذَا] فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمُقدم ذكره، وَأصْبح [فِي] يَوْم الْخَمِيس [ثَانِيه] أَخْلَع على الْأُمَرَاء [وَغَيرهم] ؛ فَكَانَ مِمَّن خلع عَلَيْهِ من الْأُمَرَاء الأتابك بيبغا المظفري باستقراره أتابكا. وأخلع على الْأَمِير قجق باستقراره أَمِير سلَاح، وعَلى آقبغا التمرازي أَمِير مجْلِس، وعَلى سودون من عبد الرَّحْمَن دوادارا كَبِيرا، وعَلى قصروه من تمراز أَمِير آخوراً كَبِيرا، وعَلى الْأَمِير جقمق العلائي حَاجِب الْحجاب، وعَلى أزبك المحمدي رَأس نوبَة النوب. ثمَّ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء أَخْلَع على الْأَمِير تنبك [العلائي] ميق باستقراره على نِيَابَة الشَّام، وَتوجه من يَوْمه إِلَى مَحل كفَالَته. وَاسْتمرّ الْملك الْأَشْرَف فِي السلطنة سِنِين كَثِيرَة، وطالت أَيَّامه وَحسنت.

стр. 451

وغزا عدَّة غزوات، جهز فِيهَا العساكر المصرية والشامية، إِلَى أَن افْتتح مَدِينَة قبرس، وَأسر ملكهَا فِي سنة تسع وَعشْرين [وَثَمَانمِائَة] ، وَهُوَ لم يَتَحَرَّك من قلعة الْجَبَل. ثمَّ سَافر إِلَى جِهَة ديار بكر بالعساكر فِي [سنة] سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَحصر آمد، ثمَّ عَاد إِلَى الديار المصرية، ودام بهَا، إِلَى أَن توفّي بعد مرض طَوِيل فِي يَوْم السبت الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة، وَدفن من يَوْمه قبل الْغُرُوب بتربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بالصحراء خَارج الْقَاهِرَة. وتسلطن من بعده وَلَده الْملك الْعَزِيز يُوسُف بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ. وَكَانَ الْملك الْأَشْرَف رجلا طَويلا رشيقا، أَبيض اللِّحْيَة، صبيح الشكل، عَاقِلا مُدبرا، سيوسا جَلِيلًا، ذَا وقار وسكينة وَحُرْمَة ومهابة، ولين جَانب وتواضع. وَكَانَ متجملا فِي مركبه [وملبسه] [وحاشيته] ومماليكه، وَكَانَ محبا لجمع الْأَمْوَال. وَخلف فِي الخزانة من [الْأَمْوَال و] الْأَمْتِعَة والأقمشة شَيْئا كثيرا -[لَا يعد وَلَا ينْحَصر]-. وزادت مماليكه المشتروات على ألفي مَمْلُوك، [بل] قَرِيبا من ثَلَاثَة آلَاف. وَعمر الْمدرسَة الأشرفية بِالْقَاهِرَةِ، وأوقف عَلَيْهَا أوقافا كَثِيرَة.

стр. 452

وَعمر أَيْضا جَامعا بخانقاة سرياقوس، ووقف عَلَيْهِ [أَيْضا] عدَّة أوقاف. وَفتحت على يَدَيْهِ مَدِينَة قبرس وَأسر ملكهَا - حَسْبَمَا تقدم ذكره -. [وَهَذَا لم يَقع لملك من مُلُوك التّرْك غَيره. وطالت أَيَّامه وَحسنت. وَمَعَ طول مكثه فِي السلطنة لم يتجرد إِلَّا مرّة وَاحِدَة، وَهِي سفرة آمد. وَبِالْجُمْلَةِ، إِنَّه كَانَ لَا بَأْس بِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره - رَحمَه الله تَعَالَى -] وَكَانَت مُدَّة سلطنته سِتَّة عشر سنة وَثَمَانِية أشهر وَسِتَّة أَيَّام [﵀] .

стр. 453

الْملك الْعَزِيز جمال الدّين أَبُو المحاسن، يُوسُف [بن الْملك الْأَشْرَف] . تسلطن بعد موت أَبِيه فِي آخر يَوْم السبت الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة [الْحَرَام] سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بِعَهْد من أَبِيه. وَهُوَ [السُّلْطَان] الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك وَأَوْلَادهمْ، وَالتَّاسِع من الجراكسة. وَأمه أم ولد جاركسية تسمى: جلبان [تزَوجهَا أَبوهُ بعد مولده] . وتسلطن وعمره أَرْبَعَة عشر سنة وأشهرا [تخمينا. وَتمّ أمره فِي السلطنة] ، وَصَارَ الأتابك جقمق العلائي مُدبر مَمْلَكَته؛ فَخَالف عَلَيْهِ جمَاعَة من مماليك [أَبِيه] ، وصاروا يشاركونه فِي تَدْبِير الْملك، والأتابك جقمق سَامِعًا ومطيعا، إِلَى أَن وَقع الْخلف بَينهم، وانضم [أحد] جمَاعَة [مِنْهُم] على الأتابك جقمق، وندبوه إِلَى الْقيام بنصرتهم على خجداشيتهم الْمَذْكُورين؛ فوافقهم على ذَلِك. ثمَّ انْضَمَّ على الأتابك جمَاعَة [أخر] من المؤيدية؛ والناصرية؛ والسيفية؛ فَقَوِيت شوكته بهؤلاء.

стр. 454

ولازال أمره يَنْمُو والأقدار تساعده، إِلَى أَن خلع [الْملك] الْعَزِيز [هَذَا] وتسلطن [هُوَ] بعد أُمُور حكيناها [مفصلة] [فِي غير] [هَذَا الْموضع] من مصنفاتنا. وَكَانَ خلع الْملك الْعَزِيز فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شهر ربيع الأول سنة إثنتين وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة. فَكَانَت مُدَّة مَمْلَكَته [نَحْو من] خَمْسَة وَتِسْعين يَوْمًا [لم يكن لَهُ فِيهَا إِلَّا مُجَرّد الأسم فَقَط] . وَلما خلع الْملك الْعَزِيز أحتفظ بِهِ بقلعة الْجَبَل؛ ثمَّ رسم لَهُ بِالسُّكْنَى بقاعة البربرية بالدور السطانية بقلعة الْجَبَل؛ فسكنها، إِلَى أَن تسحب مِنْهَا وَنزل إِلَى الْقَاهِرَة واختفى أَيَّامًا. ثمَّ ظفر بِهِ الْملك الظَّاهِر [بِهِ] ، وحبسه بقلعة الْجَبَل أَيَّامًا، ثمَّ أخرجه إِلَى الأسكندرية؛ فسجن بهَا إِلَى [يَوْمنَا هَذَا]-[أحسن الله عاقبته]-.

стр. 455

الْملك الظَّاهِر [سيف الدّين] أَبُو سعيد جقمق العلائي الظَّاهِرِيّ. السلطن الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ من مُلُوك التّرْك، والعاشر من الجراكسة. تسلطن يَوْم خلع [الْملك] الْعَزِيز يُوسُف، وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شهر ربيع الأول سنة إثنتين وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة، على مضى سبع عشرَة دَرَجَة من النَّهَار، والطالع برج الْمِيزَان [بِعشر دَرَجَات وَخمْس وَعشْرين دقيقة. وَكَانَت الشَّمْس] فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من السنبلة، وَالْقَمَر من الْعَاشِر من الجوزاء [وزحل فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْحمل، وَالْمُشْتَرِي فِي السَّابِع عشر من الْقوس، والمريخ فِي الْخَامِس من الْمِيزَان، والزهرة فِي الْحَادِي عشر من الْأسد، وَعُطَارِد فِي الرَّابِع عشر من السنبلة، وَالرَّأْس فِي الثَّانِي من الْمِيزَان] . وَجلسَ على سَرِير الْملك، وَتمّ أمره. وَأصْبح من الْغَد [فِي] يَوْم الْخَمِيس أَخْلَع على جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَغَيرهم؛ فاستقر بالأمير قرقماس الشَّعْبَانِي أتابكا -[عوضا عَن نَفسه]- وبالأمير آقبغا التمرازى

стр. 456

أَمِير سلَاح - عوضا عَن قرقمس [الْمَذْكُور]-، وبالأمير يشبك السودوني [المشد] أَمِير مجْلِس - عوضا عَن آقبغا التمرازى -، وبالأمير تمراز القرمشي أَمِير آخور كَبِيرا - عوضا عَن جانم الأشرفي [بِحكم حَبسه]-، وبالأمير قراقجا الحسني رَأس نوبَة النوب - عوضا عَن عمراز القرمشي - وبالأمير تغرى بردى البكلمشي المؤذي حَاجِب الْحجاب - عوضا عَن يشبك السودوني -. وأخلع على أركماس الظَّاهِرِيّ باستمراره على وظيفته الدوادارية الْكُبْرَى. ثمَّ أنعم على جمَاعَة أخر بعدة تقادم وطبلخانات وعشرات وإقطاعات كَثِيرَة [ذكرنَا غالبها فِي تَرْجَمته فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) وَغَيره] . ثمَّ شرع فِي نَفَقَة المماليك السُّلْطَانِيَّة؛ فَأعْطى لكل وَاحِد مائَة دِينَار. ثمَّ فِي أثْنَاء ذَلِك خرج الْأَمِير قرقماس عَن طَاعَته؛ فواقعه [الْملك] الظَّاهِر [الْمَذْكُور] ؛ فَانْهَزَمَ قرقماس، واختفى، ثمَّ ظفر بِهِ، وسجن بثغر الأسكندرية، ثمَّ ضربت رقبته.

стр. 457

ثمَّ خرج من طَاعَته تغرى برمش نَائِب حلب، ثمَّ أينال الجكمي نَائِب الشَّام؛ فَجهز إِلَيْهِمَا العساكر؛ فقاتلوهما وَاحِدًا بعد وَاحِد، وظفر بهما وقتلهما. [وَقد ذكرنَا هَذَا كُله مفصلا مطولا فِي أوراق كَثِيرَة يضيق هَذَا الْمُخْتَصر عَن إِيرَاد شَيْء مِنْهَا] . وَبعد قتل هَؤُلَاءِ صفا الْوَقْت للْملك الظَّاهِر، وَأخذ وَأعْطى، وَقرب أَقْوَامًا وَأبْعد آخَرين. وَلم يزل فِي ملكه والأقدار تساعده، إِلَى أَن مرض فِي [أثْنَاء] سنة سِتّ وَخمسين [وَثَمَانمِائَة] . وَتَمَادَى بِهِ الْمَرَض أشهرا، إِلَى أَن خلع نَفسه من الْملك فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشْرين الْمحرم سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة، [وفوض الْملك لوَلَده] الْملك الْمَنْصُور [أَبُو السعادات] عُثْمَان. وَلزِمَ الْملك الظَّاهِر الْفراش، إِلَى أَن مَاتَ فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع صفر [من] سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة، وَصلى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله حَمْزَة [بِبَاب الْقلَّة من قلعة الْجَبَل من الْغَد] ، وَحضر وَلَده الْملك الْمَنْصُور عُثْمَان الصَّلَاة عَلَيْهِ.

стр. 458

[وَكَانَت جنَازَته مَشْهُودَة] [من غير هوج وَلَا غوغاء، بِخِلَاف جنائز الْمُلُوك؛ وَذَلِكَ لطمأنينة النَّاس بسلطنة وَلَده قبل تَارِيخه] . وَدفن بتربة أَخِيه [الْأَمِير] جاركس القاسمي المصارع الَّتِي جددها مَمْلُوكه قاناى باى الجركسي تجاه القلعة بِالْقربِ من دَار الضِّيَافَة. وَكَانَ [الْملك] الظَّاهِر ملكا دينا، خيرا [عفيفا] ، كَرِيمًا، متواضعا، محبا للفقهاء وَالْعُلَمَاء والصلحاء [والأيتام] ، (غير أَنه كَانَ يَقع مِنْهُ فِي بعض الأحيان اخراق بِبَعْض من هُوَ متلبس بأخلاق الْفُقَهَاء وَكَانَ ذَلِك - غالبه - من وسائط السوء؛ لِأَنَّهُ كَانَ على قَاعِدَة الأتراك، عِنْده الدَّعْوَى لمن سبق، مَعَ حِدة كَانَت فِيهِ وبادرة. وَبِالْجُمْلَةِ، كَانَت محاسنه وَكَرمه أَكثر من مساوئه [كَمَا قيل] : (وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء فخرا أَن تعد معايبه) وَكَانَ ﵀ عفيفا عَن الْمُنْكَرَات والفروج، بِحَيْثُ أَنه لَا نعلم من ملك مصر قبله وَلَا بعده من مُلُوك التّرْك - بل وَلَا غَيرهَا - أعف مِنْهُ، وَأَنا أَدْرِي مَا أَقُول. وَكَانَت صفته: للقصر أقرب، حسن الشكل، منور الشيبة) .

стр. 459

[وَكَانَ] فصيح اللِّسَان، فَاضلا متفقها، يذاكر بالمسائل [الْفِقْهِيَّة] ، كثير التعصب لمَذْهَب الإِمَام [الْأَعْظَم] أبي حنيفَة ﵁. وَمَات وسنه نَحْو ثَمَانِينَ سنة. وَكَانَت مُدَّة سلطنته [على مصر] أَربع عشرَة سنة وَعشرَة أشهر ويومان -[أَعنِي من يَوْم تسلطن إِلَى يَوْم خلع بإبنه الْمَنْصُور عُثْمَان]-. وعاش بعد خلعه [من السلطنة] نَحْو إثنا عشر يَوْمًا. وَأما أَصله: كَانَ جاركسي [الْجِنْس] جلبه خواجا كزل إِلَى مصر، فابتاعه مِنْهُ العلائي على بن الأتابك أينال اليوسفي، ثمَّ انْتقل مِنْهُ إِلَى [الْملك] الظَّاهِر برقوق، وَصَارَ من جملَة الخاصكية، ثمَّ صَار ساقيا فِي الدولة الناصرية فرج، ثمَّ إمرة عشرَة، ثمَّ أمسك، وَحبس، ثمَّ أطلق، ثمَّ صَار أَمِير طبلخاناه وخازندار فِي الدولة المؤيدية [شيخ] ، ثمَّ صَار بعد

стр. 460

موت الْمُؤَيد [أَمِير مائَة] ومقدم ألف، ثمَّ صَار فِي الدولة الأشرفية حَاجِب الْحجاب، ثمَّ أَمِير آخور [كَبِير] ، ثمَّ أَمِير سلَاح، ثمَّ أتابك، إِلَى أَن تسلطن -[وَقد ذكرنَا تنقلاته فِي هَذِه الْوَظَائِف محررا بِالْيَوْمِ وَالْوَقْت، وَعَمن أَخذ كل وَظِيفَة من إبتداء أمره إِلَى إنتهائه فِي تاريخنا ((النُّجُوم الزاهرة)) ، وَأَيْضًا فِي مصنفنا ((المنهل الصافي)) بأوسع من هَذَا؛ فَلْينْظر هُنَاكَ. إنتهى]-. وتسلطن [من] بعده وَلَده الْمَنْصُور [عُثْمَان - حَسْبَمَا يَأْتِي ذكره] ، [إِن شَاءَ الله تَعَالَى]-.
следующие страницы →