← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 667

أحكام الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أحكام الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة [قاعدة: غم هلال ذي الحجة] تأليف الحَافِظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ الحَنبَلِيّ ٧٣٦ هـ ـ ٧٩٥ هـ تحقيق ودراسة د. عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيْزِ الجِبْرِيْن الأستاذ المشارك بكلية المعلمين بالرّياض قام بتنسيق الرِّسالة ونشرها: سَلمَانُ بْنُ عَبْدِ القَادِرِ أبُوْ زَيْدٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولِوَالدَيْهِ، ولِمَشَايخِهِ، ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ» : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﵌ أما بعد: فهذه رسالة كتبها الإمام الحافظ الفقيه أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ﵀، وهي تتعلق بمسألة هامة، هي: الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة. وقد وجدت لهذه الرسالة ثلاث نسخ خطية هي: الأولى: نسخة بالمكتبة السعودية بالرياض، تحت رقم (٥٢٧ / ٨٦) ضمن مجموعة، عليه تمليك للشيخ محمد بن عبد اللطيف (١) ﵀، وعدد صفحاتها عشر

стр. 3

صفحات ونصف صفحة، في كل صفحة تسعة عشر سطرا، وقد كتبت بخط واضح، ولم يذكر اسم ناسخها، وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف "م ". الثانية: نسخة بمكتبة جامعة الملك سعود بالرياض، تحت رقم (١٨١٧ / ٣ م) ، ضمن مجموعة كتب الشيخ عبد المحسن بن عبيد (١) ﵀، وقد ذكر ﵀ في آخر هذه الرسالة أنه نقلها عام ١٣٦١ هـ من قلم من حمى

стр. 4

نفسه: فراج بن منصور بن سابق النجدي (١) الذي كتبها سنة ١٢٢٨ هـ (٢) . وعدد صفحاتها ثمان صفحات وثمانية أسطر، في كل صفحة سبعة وعشرون سطرا، وهي مقابلة على نسخة أخرى، وقد رمزت لها بالحرف "ع ". الثالثة: نسخة بمكتبة الشيخ سعد بن عبد الرحمن بن قاسم (٣) ، والذي يعمل مدرسا بمعهد الرياض العلمي، وهي بخط والده الشيخ: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وعدد صفحاتها أربع صفحات، في كل صفحة ثلاثون سطرا، وقد رمزت لها بالحرف " ق".

стр. 5

وتتضح أهمية تحقيق هذه الرسالة في النقاط التالية: ١ - أن الموضوع الذي ألفت من أجله موضوع هام يحتاج الناس في كل وقت إلى معرفة الأحكام المتعلقة به، لتعلقه بركن من أركان الإسلام وهو الحج، بل يتعلق بأهم أركانه وهو الوقوف بعرفة. ٢ - أن موضوع الرسالة ومواضيع أخرى هامة تعرضت لها كالاختلاف في هلال رمضان، والاختلاف في هلال شوال وغيرها تمس الحاجة إلى معرفة القول الصحيح فيها، لكثرة وقوع الاختلاف في كل مسألة من هذه المسائل. ٣ - أن هذه الرسالة تبرز وتتعرض لحكم شرعي يدل على يسر هذا الدين وسماحته، وهو الحكم بصحة عبادات المسلمين عند خطئهم في وقت دخول شهر ذي الحجة، أو وقت دخوله شهر رمضان أو خروجه. ٤ - أن القول الذي مال إليه المؤلف في هده المسألة الهامة فيه جمع لكلمة المسلمين، ومنع للاختلاف والفرقة وتشتيت الكلمة، وفيه قطع لكثرة القيل والقال.

стр. 6

وقد انحصر عملي في هذه الرسالة في الأمور الآتية: ١ - تصحيح النص، وقد اعتمدت النص الصحيح وأشير إلى غيره في الحاشية. ٢ - دراسة جميع الموضوعات التي تعرض لها المؤلف بذكر أدلتها باختصار، إن لم يكن المؤلف تعرض لها، وإن كان في المسألة خلاف لم يتعرض له المؤلف ذكرته مع دليله بشيء من الاختصار، ثم ذكرت القول الراجح وسبب الترجيح. ٣ - تخريج جميع الأحاديث والآثار التي ساقها المؤلف وذكر طرقها وشواهدها والحكم على إسناد كل رواية من حيث القوة والضعف. ولم يذكر المؤلف لهذه الرسالة عنوانا، وقد ذكرها ابن عبد الهادي ضمن مؤلفات ابن رجب، وأسماها: " قاعدة: غم هلال ذي الحجة " (١) ولعله أخذ هذا العنوان من قول المؤلف في مقدمة هذه الرسالة: " فقد وقع في هذا العام وهو عام أربعة وثمانين وسبعمائة حادثة وهو أنه غم هلال ذي الحجة فأكمل الناس هلال ذي القعدة. . . "

стр. 7

وقد اخترت لها عنوانا يعبر عن مضمونها ومحتواها، وهو: " أحكام الاختلاف في رؤية هلال ذي الحجة ". «ترجمة المؤلف (١) » : هو الإمام الحافظ الفقيه الواعظ الزاهد أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحسن بن محمد بن أبي البركات السلامي، البغدادي ثم الدمشقي. ولد في بغداد سنة ٧٣٦ هـ، وكان والده وجده من أهل العلم والصلاح (٢) ، وقد عني والده بتعليمه عناية كبيرة، فكان يحضره إلى مجالس العلم وهو صغير قبل

стр. 8

التمييز في السنة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة من عمره (١) ، ثم رحل به والده إلى دمشق ونابلس والقدس فسمع من علماء هذه البلاد وهو صغير (٢) ، ثم رجع إلى بغداد فسمع الحديث بها من بعض علمائها (٣) ، ثم حج مع والده سنة ٧٤٩ هـ فسمع الحديث بمكة (٤) ، ثم رجع معه إلى دمشق، وبها لازم الإمام ابن القيم أكثر من سنة حتى توفي سنة ٧٥١ هـ، وسمع عليه قصيدته النونية في العقيدة وأشياء من تصانيفه وغيرها (٥) ، ثم رحل مع والده إلى مصر، فسمع من بعض علمائها (٦) . وقد أكثر الحافظ ابن رجب من سماع الحديث، وقرأ القران بالروايات (٧) ، ودرس الفقه على كثير من شيوخه،

стр. 9

وحفظ بعض المتون الفقهية في الفقه الحنبلي (١) . وقد استقر ﵀ بعد تلك الرحلات الكثيرة في دمشق، وتفرغ للتعليم والتأليف والوعظ، فأقبل الطلاب على دروسه، وتتلمذوا على يديه، وأخذوا عنه الفقه، واستفادوا من علمه (٢) . وقد برز الحافظ ابن رجب في فنون كثيرة من علوم الشريعة، فقد برز في علوم الحديث، وكان ذا معرفة واسعة بالرجال وبطرق الأحاديث وعللها ومعانيها، وبرز أيضا في الفقه، وكانت له مجالس تذكير ووعظ نافعة. وكان صاحب عقيدة صافية نقية، وقد ألف رسالة في تفضيل علم السلف على علم الخلف (٣) . وقد أثنى عليه غير واحد من أهل العلم: قال ابن ناصر الدين: " الشيخ الإمام العلامة الزاهد القدوة، البركة الحافظ العمدة الثقة الحجة، واعظ المسلمين،

стр. 10

مفيد المحدثين،. . أحد الأئمة الزهاد والعلماء العباد " (١) . وقال ابن فهد: " الإمام الحافظ الحجة، والفقيه العمدة، أحد العلماء الزهاد الأئمة العباد، مفيد المحدثين، واعظ المسلمين،. . كان ﵀ إماما ورعا زاهدا مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره للقلوب وللناس عامة نافعة وللقلوب صادعة " (٢) . وقال ابن العماد الحنبلي: " الشيخ الإمام العالم العلامة، الزاهد القدوة البركة، الحافظ العمدة الثقة الحجة وكانت مجالس تذكيره للقلوب وللناس عامة مباركة نافعة، اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه، وله مصنفات مفيدة ومؤلفات عديدة. . وكان لا يعرف شيئا من أمور الناس ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات " (٣) . وقال ابن المبرد: " الشيخ الإمام، أوحد الأنام، قدوة الحفاظ، جامع الشتات والفضائل،. . الفقيه الزاهد البارع

стр. 11

الأصولي المفيد المحدث " (١) . وقال السيوطي: " الإمام الحافظ المحدث الفقيه الواعظ " (٢) . وقال أبو اليمن العليمي: " هو الشيخ الإمام والحبر البحر الهمام العلم العامل البدر الكامل القدوة الورع الزاهد الحافظ الحجة الثقة، شيخ الإسلام والمسلمين، وزين الملة والدين، واعظ المسلمين مفيد المحدثين، جمال المصنفين. . وكان أحد الأئمة الكبار والحفاظ والعلماء والزهاد والأخيار، وكانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة وللناس عامة مباركة نافعة، اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه، وزهده وورعه فائق الحد، وكان ﵀ لا يعرف شيئا من أمور الناس، ولا يتردد إلى ذوي الولايات " (٣) . وقال تلميذه ابن اللحام: " سيدنا وشيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد الحافظ، شيخ الإسلام مجلي المشكلات وموضح المبهمات " (٤) ، وقال أيضا: " الإمام العالم الحافظ،

стр. 12

بقية السلف الكرام، وحيد عصره، وفريد دهره، شيخ الإسلام " (١) . وقال ابن قاضي شهبة: " الشيخ الإمام العلامة الحافظ الزاهد الورع، شيخ الحنابلة وفاضلهم، أوحد المحدثين " (٢) . وقال أيضا: " كتب وقرأ وأتقن الفن، واشتغل في المذهب حتى أتقنه، وأكب على الاشتغال بمعرفة متون الحديث وعلله ومعانيه. . وكان منجمعا عن الناس لا يخالط ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات " (٣) . وقال ابن حجي: " أتقن الفن- أي فن الحديث- وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق، وكان لا يخالط الناس ولا يتردد إلى أحد. . . تخرج له غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق " (٤) . وقال الحافظ ابن حجر: " مهر في فنون الحديث أسماء ورجالا وعللا وطرقا، واطلاعا على معانيه، وكان

стр. 13

صاحب عبادة وتهجد " (١) . وقال النعمي: " الشيخ العلامة، الحافظ الزاهد، شيخ الحنابلة، وكان لا يعرف شيئا من أمور الناس، ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات " (٢) . وللحافظ ابن رجب مؤلفات كثيرة نافعة في فنون عديدة، ومن هذه المؤلفات: ١ - فضل علم السلف على الخلف (٣) . ٢ - شرح سنن الترمذي (٤) ، عشرون مجلدا، وقد فقد أكثره (٥) . ٣ - شرح صحيح البخاري. ولم يتمه، وصل فيه إلى كتاب الجنائز (٦) ، وقد أسماه: فتح الباري في شرح البخاري (٧) .

стр. 14

٤ - القواعد الفقهية (١) . قال ابن المبرد: " وهو كتاب نافع من عجائب الدهر" (٢) . ٥ - جامع العلوم والحكم (٣) . ٦ - ذيل طبقات الحنابلة (٤) . ٧ - الاستغناء بالقرآن (٥) . ٨ - الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة (٦) . ٩ - لطائف المعارف (٧) .

стр. 15

وغيرها كثير، وقد ذكر ابن المبرد منها ستة وأربعين مؤلفا بين كتاب ورسالة، ثم قال: "وغير ذلك من الكتاب النافعة المفيدة، التي لم نر مثلها" (١) ، وقد طبعت أكثر مؤلفاته، وكانت وفاته ﵀، في دمشق سنة ٧٩٥ هـ (٢) .

стр. 16

«النّصّ المحقّق» : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن ووفق للخير يا كريم (١) قال الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد الفهامة (٢) وحيد عصره، وفريد دهره: أبو الفرج (٣) عبد الرحمن بن الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى (٤) . الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل (٥) فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 17

أما بعد: فقد وقع في هذا العام وهو عام أربعة وثمانين وسبعمائة حادثة، وهو أنه غم هلال ذي الحجة (١) فأكمل الناس هلال ذي القعدة، ثم تحدث الناس برؤية هلال ذي الحجة، وشهد به أناس (٢) لم يسمع الحاكم شهادتهم، واستمر الحال على إكمال عدة (٣) شهر ذي القعدة، فتوقف بعض الناس عن (٤) صيام التاسع (٥) الذي هو يوم عرفة في هذا العام. وقالوا هو يوم النحر على ما أخبر به أولئك الشهود الذين لم تقبل شهادتهم، وقيل: إن بعضهم ضحى في ذلك اليوم، وحصل للناس بسبب ذلك اضطراب.

стр. 18

فأحببت أن أكتب في ذلك ما يسره الله تعالى. وبه (١) المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فنقول: هذه المسألة لها صورتان: إحداهما: أن يكون الشك مستندا إلى قرائن مجردة (٢) ، أو إلى شهادة من لا تقبل شهادته (٣) إما لانفراده بالرؤية أو لكونه ممن لا يجوز قبول قوله ونحو ذلك. فهذه المسألة قد اختلف الناس فيها (٤) على قولين. أحدهما: أنه لا يصام في هذه الحالة (٥) . قال النخعي (٦) في صوم يوم عرفة في الحضر: إذا كان فيه اختلاف فلا تصومن (٧)

стр. 19

وعنه قال: كانوا لا يرون بصوم يوم عرفة بأسا إلا أن يتخوفوا أن يكون يوم الذبح (١) . خرجهما ابن أبي شيبة في كتابه، وسنذكر عن مسروق (٢) وغيره من التابعين مثل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى (٣) . وكلام هؤلاء قد يقال- والله أعلم- إنه محمول (٤) على الكراهة دون التحريم. وقد ذكر شيخ الإسلام تقي

стр. 20

الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في صوم هذا اليوم في هذه الحالة (١) أنه جائز بلا نزاع بين العلماء. قال: لأن الأصل عدم العاشر كما أنهم لو شكوا ليلة الثلاثين من رمضان هل طلع الهلال أم (٢) لم يطلع؟ فإنهم يصومون ذلك اليوم باتفاق الأئمة وإنما (٣) يوم الشك الذي رويت فيه الكراهة الشك (٤) في أول رمضان (٥) ، لأن الأصل بقاء شعبان. انتهى (٦) .

стр. 21

فإما أن يكون اطلع على كلام النخعي وحمله على الكراهة. فلذلك (١) نفى النزاع في جوازه، وإما أن يكون لم يطلع عليه، ومراده: أن يستصحب الأصل في كلا الموضعين، لأن الأصل بقاء الشهر المتيقن وجوده وعدم دخول الشهر المشكوك في دخوله (٢) ، فكذلك هنا إذا شك في دخول ذي الحجة (٣) بنى (٤) الأمر على إكمال ذي القعدة، لأنه الأصل، ويصام يوم عرفة على هذا الحساب، وهو تكميل شهر ذي القعدة. ولكن من السلف من كان يصوم يوم الشك في أول رمضان احتياطيا (٥) وفرق طائفة منهم بين أن تكون السماء

стр. 22

مصحية أو مغيمة (١) .

стр. 23

كما هو المشهور عن الإمام أحمد (١) . والاحتياط هنا: إنما يؤثر (٢) في استحباب صيام الثامن والتاسع من ذي الحجة مع الشك احتياطا. كما قال ابن سيرين وغيره أنه مع اشتباه الأشهر في (٣) شهر المحرم يصام منه ثلاثة أيام احتياطا ليحصل بذلك صيام يوم التاسع والعاشر، ووافقه (٤) الإمام أحمد ﵀ على ذلك (٥) . وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يعلل (٦) صيام التاسع مع العاشر بالاحتياط (٧) أيضا خشية فوات صوم يوم عاشوراء (٨) . وأما أن الاحتياط ينهض (٩) إلى تحريم صيام يوم التاسع من ذي الحجة لمجرد (١٠) الشك فكلا، لأن الأصل

стр. 24

بقاء ذي القعدة وعدم استهلاك ذي الحجة، فلا (١) يحرم صوم يوم (٢) التاسع منه بمجرد الشك، كما يجب صوم الثلاثين (٣) من رمضان مع الشك في استهلاك شوال، لأن الأصل عدمه وبقاء رمضان. القول الثاني: أنه يصام ولا يلتفت إلى الشك، وهو مروي عن عائشة ﵂ من وجوه. قال عبد الرزاق في كتابه: أخبرنا (٤) معمر عن جعفر بن برقان عن الحكم أو غيره (٥) عن مسروق أنه دخل هو ورجل معه (٦) على عائشة يوم عرفة فقالت عائشة: يا جارية خوضي لهما سويقا وحليه، فلولا أني صائمة لذقته، قالا: أتصومين (٧) يا أم

стр. 25

المؤمنين ولا تدرين لعله يوم النحر؟ فقالت: إنما يوم النحر إذا نحر الإمام وعظم (١) الناس، والفطر إذا أفطر الإمام وعظم (٢) الناس (٣) . وروي من وجه آخر (٤) . رواه أبو إسحاق السبيعي عن مسروق قال: دخلت على عائشة أنا وصديق لي (٥) يوم عرفة فدعت لنا بشراب، فقالت: لولا أني صائمة لذقته. فقلنا لها: أتصومين (٦) والناس يزعمون أن اليوم يوم النحر (٧) ؟ قالت: " الأضحى يوم يضحي الناس، والفطر يوم يفطر الناس ": رواه الإمام

стр. 26

أحمد عن ابن نمير (١) وابن فضيل كلاهما عن الأعمش عن أبي إسحاق به (٢) . خرجه عنه ابنه عبد الله في كتاب المسائل (٣) . وخرجه (٤) أيضا عبد الله عن أبيه عن ابن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عطية ومسروق قالا (٥) : دخلنا على عائشة في اليوم الذي يشك فيه الأضحى (٦) ، فقالت: خوضي لابني سويقا وحليه، فلولا أني صائمة لذقته. فقيل لها: يا أم المؤمنين: إن الناس يرون أن اليوم يوم الأضحى، فقالت: " إنما يوم (٧) الأضحى يوم يضحي

стр. 27

الإمام وجماعة الناس " (١) . وكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عطية ومسروق عن عائشة بنحوه (٢) . ورواه دلهم (٣) بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي عطية (٤) ومسروق عن عائشة (٥) . واختلف عليه في رفع آخر الحديث، وهو: "إنما (٦) الأضحى يوم يضحي الإمام "، فمن أصحابه من رفعه عنه وجعله من قول النبي ﷺ ، ومنهم من وقفه على عائشة، وهو الصحيح (٧) . ورواه أيضا مجالد (٨) عن الشعبي عن مسروق عن

стр. 28

عائشة بنحوه موقوفا أيضا (١) . فهذا الأثر (٢) صحيح عن عائشة ﵂ (٣) ، إسناده في غاية الصحة، ولا يعرف لعائشة (٤) مخالف من الصحابة (٥) . ووجه قولها: إن الأصل في هذا اليوم أن يكون يوم عرفة، لأن اليوم المشكوك فيه، هل هو من ذي

стр. 29

الحجة أو من ذي القعدة؟ الأصل فيه: أنه من ذي القعدة فيعمل بذلك استصحابا للأصل. ومأخذ آخر: وهو (١) الذي أشارت إليه عائشة ﵂: أن يوم عرفة هو يوم مجتمع الناس (٢) مع الإمام على التعريف فيه، ويوم النحر هو الذي يجتمع الناس مع الإمام على التضحية فيه، وما ليس كذلك فليس بيوم عرفة، ولا يوم أضحى، وإن كان بالنسبة إلى عدد أيام الشهر هو التاسع، أو العاشر. وقد روي ذلك عن النبي ﷺ (٣) من وجوه متعددة. خرجه الترمذي من طريق المقبري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون» وقال (٤) : حسن غريب (٥) .

стр. 30

وخرجه أبو داود وابن ماجه (١) من طريق ابن المنكدر

стр. 31

عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه بدون ذكر " الصوم " (١) .

стр. 32

وخرجه الترمذي من حديث ابن المنكدر عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ (١) وقال صحيح (٢) . وقد روي عن عائشة من وجوه أخر مرفوعا (٣) .

стр. 33

وروي عن أبي هريرة من قوله موقوفا (١) . وروى السفاح بن مطر عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: أن النبي ﷺ قال: «يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه» مرسل حسن (٢) ، احتج به الإمام أحمد

стр. 34

على أن الناس إذا وقفوا في يوم عرفة خطأ أجزأهم حجهم (١) . وقال مجاهد: الأضحى يوم يضحون والفطر

стр. 35

يوم يفطرون، والجمعة يوم يجمعون. خرجه عبد الله بن الإمام أحمد (١) . الصّورة الثّانية: أن يشهد برؤية هلال ذي الحجة (٢) من يثبت الشهر به، لكن لم يقبله الحاكم إما لعذر ظاهر، أو لتقصير في أمره. ففي هذه الصورة. هل يقال: يجب على الشهود العمل بمقتضى رؤيتهم، وعلى من يخبرونه ممن يثق بقولهم، أم لا؟ فقد يقال: إن هذه المسألة تخرج على الخلاف المشهور في مسألة المنفرد برؤية هلال شوال، هل يفطر عملا برؤيته أم لا يفطر إلا مع الناس؟ وفي ذلك (٣) قولان مشهوران للعلماء:

стр. 36

أحدهما: لا يفطر. وهو قول عطاء (١) ، والثوري (٢) ، والليث (٣) ، وأبي حنيفة (٤) ، وأحمد (٥) ، وإسحاق (٦) . وروي مثله عن عمر بن الخطاب ﵁ (٧) .

стр. 37

والثاني: يفطر. وهو قول الحسن بن صالح (١) والشافعي (٢) ،

стр. 38

وأبي ثور (١) ، وطائفة من أصحابنا (٢) . وروي عن مالك كلا (٣) القولين (٤) . قالت طائفة من أصحابنا (٥) : هذه المسألة تبنى على هذا الأصل. وهو الصحيح من المذهب. فعلى قول من يقول: لا يفطر المنفرد برؤية هلال شوال، بل يصوم ولا يفطر إلا مع الناس. فإنه يقول: يستحب صيام يوم عرفة للشاهد الذي لم تقبل شهادته بهلال ذي الحجة، لأن هذا هو (٦) يوم عرفة في حق

стр. 39

الناس، وهو منهم. ومن قال في الشاهد (١) بهلال شوال يفطر سرا (٢) . قال ههنا: إنه يفطر ولا يصوم، لأنه يوم عيد في حقه. قال: وليس له التضحية قبل الناس في هذا اليوم، كما أنه لا ينفرد بالوقوف بعرفة دون الناس بهذه الرؤية، لأن الذين أمروا بالفطر في آخر رمضان إنما أمروا به سرا ولم يجيزوا له إظهاره. والانفراد بالذبح والوقوف فيه من مخالفة الجماعة ما في إظهار الفطر. وهذا ما ذكره الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى (٣) ،

стр. 40

مع أنه قد روى عن سالم بن عبد الله بن عمر (١) وخرجه عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عمر بن محمد قال: شهد نفر أنهم رأوا هلال ذي الحجة فذهب بهم سالم إلى
следующие страницы →