← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين الْحَمد لله الَّذِي جعل النّظر فِي أَخْبَار من غبر من أعظم العبر وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على صفوة الصفوة من الْبشر وعَلى آله قرناء الْقُرْآن كَمَا صَحَّ بذلك الْخَبَر وعَلى أَصْحَابه الَّذين أرْغم الله بفضائلهم وفواضلهم أنف من كفر وَبعد فانه لما شاع على ألسن جمَاعَة من الرعاع اخْتِصَاص سلف هَذِه الْأمة باحراز فَضِيلَة السَّبق فِي الْعُلُوم دون خلفهَا حَتَّى اشْتهر عَن جمَاعَة من أهل الْمذَاهب الْأَرْبَعَة تعذر وجود مُجْتَهد بعد الْمِائَة السَّادِسَة كَمَا نقل عَن الْبَعْض أَو بعد الْمِائَة السَّابِعَة كَمَا زَعمه اخرون وَكَانَت هَذِه الْمقَالة بمَكَان من الْجَهَالَة لَا يخفى على من لَهُ أدنى حَظّ من علم وأنزر نصيب من عرفان وأحقر حِصَّة من فهم لِأَنَّهَا قصر للتفضل الالهى والفيض الربانى على بعض الْعباد دون الْبَعْض وعَلى أهل عصر دون عصر وَأَبْنَاء دهر دون دهر بِدُونِ برهَان وَلَا قرَان على أَن هَذِه الْمقَالة المخذولة والحكاية المرذولة تَسْتَلْزِم خلو هَذِه الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة عَن قَائِم بحجج الله ومترجم عَن كِتَابه وَسنة رَسُوله ومبين لما شَرعه لِعِبَادِهِ وَذَلِكَ هُوَ ضيَاع

стр. 2

الشَّرِيعَة بِلَا مربة وَذَهَاب الدَّين بِلَا شكّ وَهُوَ تَعَالَى قد تكفل بِحِفْظ دينه وَلَيْسَ المُرَاد حفظه فِي بطُون الصُّحُف والدفاتر بل ايجاد من يُبينهُ للنَّاس فِي كل وَقت وَعند كل حَاجَة حدانى ذَلِك الى وضع كتاب يشْتَمل على تراجم أكَابِر الْعلمَاء من أهل الْقرن الثَّامِن وَمن بعدهمْ مِمَّا بلغنى خَبره الى عصرنا هَذَا ليعلم صَاحب تِلْكَ الْمقَالة أَن الله وَله الْمِنَّة قد تفضل على الْخلف كَمَا تفضل على السّلف بل رُبمَا كَانَ فِي أهل العصور الْمُتَأَخِّرَة من الْعلمَاء المحيطين بالمعارف العلمية على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا من يقل نظيرة من أهل العصور الْمُتَقَدّمَة كَمَا سيقف على ذَلِك من أمعن النّظر فِي هَذَا الْكتاب وَحل عَن عُنُقه عرى التَّقْلِيد وَقد ضممت الى الْعلمَاء من بلغنى خَبره من الْعباد وَالْخُلَفَاء والملوك والرؤساء والأدباء وَلم أذكر مِنْهُم إِلَّا من لَهُ جلالة قدر ونبالة ذكر وفخامة شَأْن دون من لم يكن كَذَلِك فَالْحَاصِل ان الْمَذْكُورين فِي هَذَا الْكتاب هم أَعْيَان الْأَعْيَان وأكابر أَبنَاء الزَّمَان من أهل الْقرن الثَّامِن وَمن بعدهمْ الى الان وَرُبمَا أذكر من أهل عصرى مِمَّن أخذت عَنهُ أَو أَخذ عَنى أَو رافقنى فِي الطّلب أَو كاتبنى أَو كاتبته من لم يكن بِالْمحل الْمُتَقَدّم ذكره لما جبل عَلَيْهِ الانسان من محبَّة أَبنَاء عصره ومصره وَرُبمَا أذكر من أهل عصرى من لم يجر بينى وَبَينه شئ من ذَلِك وَقد استكثر الْمُتَأَخّرُونَ من المشتغلين بأخبار النَّاس المؤلفين فِيهَا من تسجيع الْأَلْفَاظ والتأنق فِي تنقيحها وتهذيبها مَعَ اهمال بَيَان الاحوال والمولد والوفاه وَمثل ذَلِك لَا يعد من علم التَّارِيخ فان مطمح نظر مُؤَلفه وقصارى مَقْصُوده هُوَ مُرَاعَاة الْأَلْفَاظ وابراز النكات

стр. 3

البديعة وَهَذَا علم آخر غير علم التَّارِيخ إِنَّمَا يرغب اليه من أَرَادَ أَن يتدرب فِي البلاغة وَيتَخَرَّج فِي فن الانشاء فَرُبمَا ألجأتنى الضَّرُورَة الى نقل تَرْجَمَة بعض الْأَعْيَان من مثل تِلْكَ المؤلفات وَلم أجد لَهُ ذكرا فِي غَيرهَا فأذكره مهملا عَن ذكر المولد والوفاة منبها على عصره اجمالا مُبينًا لما أمكن بَيَانه من أَحْوَاله وَهَذَا هُوَ الْقَلِيل النَّادِر والمرجو من الله ﷻ الاعانة على اتمام هَذَا الْكتاب وبروزه فِي الْخَارِج على مادار فِي الْخلد من التَّصَوُّر فَيكون ان شَاءَ الله من أنفس الْكتب وأنفعها لطَالب هَذَا الْفَنّ وَيصير من أمعن النّظر فِي مطالعته بعد امعانه فِي مطالعة تَارِيخ الاسلام والنبلاء وكامل ابْن الْأَثِير وتاريخ ابْن خلكان محيطا باعيان أَبنَاء الزَّمَان من سلف هَذِه الامة وَخَلفهَا وسميته الْبَدْر الطالع بمحاسن من بعد الْقرن السَّابِع قَالَ مُؤَلفه الحقير أَسِير التَّقْصِير مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد الشوكانى غفر الله لَهُ ذنُوبه وَستر عيوبه وَهَذَا أَوَان الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود بمعونة الْملك المعبود وَقد جعلته على حُرُوف المعجم مقدما لمن قَدمته حُرُوف اسْمه وان كَانَ غَيره أقدم مِنْهُ مبتدئا بقطب الْيمن وجنيد ذَلِك الزَّمن الناسك المتأله (١) إبراهيم بن احْمَد بن علي بن أَحْمد الكينعي بلّ الله بوابل الرَّحْمَة ثراه وَلم أَقف على تَارِيخ مولده بعد الْبَحْث عَنهُ وَبَنُو الكينعي عرب لَهُم رياسة وَكَانُوا يسكنون قَرْيَة من قرى الْيمن بَينهَا وَبَين ذمار مِقْدَار بريد وَبهَا مولده وانتقل بِهِ أَبوهُ إلى قَرْيَة معبر وَكَانَ قريع أَوَانه وفريد زَمَانه فِي الإقبال على الله والاشتغال بِالْعبَادَة والمعاملة الربانية وبيته معمور بِالْعلمِ والزهد وَالصَّلَاح وَقد تَرْجمهُ بعض معاصريه

стр. 4

بمجلد ضخم وقفت عَلَيْهِ فِي أَيَّام مُتَقَدّمَة وَأَطْنَبَ فِي ذكره جَمِيع من لَهُ اشْتِغَال بِهَذَا الْعلم مُنْذُ عصره إلى الْآن فَمنهمْ السَّيِّد الْعَلامَة الهادي بن إبراهيم الْوَزير وَالسَّيِّد الْعَلامَة يحيى بن المهدي بن قَاسم بن المطهر وَغَيرهمَا وَكَانَ أحسن النَّاس وَجها وأتمهم خلقَة وَقد غشيه نور الإيمان وسيماء الصَّالِحين وَإِذا خرج نَهَارا ازْدحم النَّاس على تَقْبِيل يَده والتبرك بِرُؤْيَة وَجهه وَهُوَ يكره ذَلِك وينفر عَنهُ يغْضب إِذا مدح ويستبشر إِذا نصح ارتحل بعد موت وَالِده وَهُوَ فِي سن الْبلُوغ إلى صنعاء ولازم ولي الله الزَّاهِد العابد حَاتِم بن مَنْصُور الحملاني فَقَرَأَ عَلَيْهِ فِي الْفِقْه وَقَرَأَ فِي الْفَرَائِض على الشَّيْخ الْخضر بن سُلَيْمَان الهرش وَفِي الْجَبْر والمقابلة وفَاق فِي جَمِيع ذَلِك حَتَّى أقر لَهُ أقرانه وَقَالَ عَن نَفسه أَنه يقتدر على تَقْدِير مَا فِي الْبركَة الْكَبِيرَة من المَاء بالأرطال وَكَانَ يتكسب بِالتِّجَارَة مَعَ قنوع وعفاف واشتغال بأنواع الْعِبَادَة فَجمع مَالا حَلَالا عَاد بِهِ على أَهله وإخوانه وَمن يَقْصِدهُ وَكرر السفر إلى مَكَّة المشرفة وَهُوَ يزْدَاد فِي أَوْصَاف الْخَيْر على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا حَتَّى خالط الْخَوْف قلبه وشغل بوظائف الْعِبَادَة قالبه واستوحش من كل معارفه وَمَال إلى الانعزال عَن النَّاس وانجمع عَن المخالطة لَهُم وَعَكَفَ على معالجة قلبه عَن مرض حب الدُّنْيَا وَلزِمَ المحاسبة لنَفسِهِ عَن كل جليل ودقيق وَصَامَ الْأَبَد إِلَّا الْعِيدَيْنِ والتشريق وَأَحْيَا ليله بِالْقيامِ لمناجاة ربه وتناقل النَّاس عَنهُ كَلِمَات نافعة هِيَ الدَّوَاء المجرب لاصلاح الْقُلُوب القاسية كَقَوْلِه لَيْسَ الزَّاهِد من يملك شَيْئا إِنَّمَا الزَّاهِد من لَا يملك شَيْئا وَكَقَوْلِه لبَعض إخوانه يَا أخي جدد السَّفِينَة فإن الْبَحْر عميق وَأكْثر الزَّاد فإن الطَّرِيق بعيد وأخلص الْعَمَل فان النَّاقِد بَصِير

стр. 5

بَصِير وَكَقَوْلِه بالفقر والافتقار والذل والانكسار تحيى قُلُوب العارفين وَمن شعره الَّذِي تحيى بِهِ الْقُلُوب قَوْله ببابك عبد وَاقِف متضرع ... مقل فَقير سَائل متطلع) (حَزِين كئيب من جلالك مطرق ... ذليل عليل قلبه مُنْقَطع) وَمِنْهَا (فُؤَادِي محزون ونومي مشرد ... ودمعي مسفوح وقلبي مروع) وَكَانَ مجاب الدعْوَة فِي كل مَا يتَوَجَّه لَهُ وَله فِي ذَلِك حكايات وَرِوَايَات وَكَانَ إِذا دعي إلى طَعَام لَيْسَ من الْحَلَال الْخَالِص يَبِسَتْ يَده وَلم يقدر على مدها إليه وَقد رَآهُ بعض الصَّالِحين بعد مَوته وَهُوَ فِي مَكَان أرفع من مَكَان إبراهيم بن أدهم فَقَالَ سُبْحَانَ الله منزلَة إبراهيم الكينعي أرفع من منزلَة إبراهيم بن أدهم فَسمع قَائِلا يَقُول لَوْلَا أَن منَازِل الْأَنْبِيَاء لَا يحل بهَا غَيرهم لَكَانَ بهَا إبراهيم الكينعي وجاور فِي آخر عمره ثَلَاث سِنِين بِالْبَيْتِ الْحَرَام فوصل إلى جازان وَكَانَ قد انْقَطع عَنْهُم الْمَطَر مُدَّة طَوِيلَة فَسَأَلُوهُ أَن يَدْعُو لَهُم بالمطر فَدَعَا لَهُم فَحصل من الْمَطَر مَا عَم نَفعه وبركته جَمِيع تِلْكَ الْبلدَانِ ثمَّ وصل إلى صعده وَكَانَ بهَا مَوته ﵀ فِي صبح نَهَار الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة ٧٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَوهم الصَّفَدِي فِي كِتَابه الوافي بوفيات الأعيان فَقَالَ إنه توفي فِي سنة ٧٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَالصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ وقبر بِرَأْس الميدان غربي مَدِينَة صعدة وَعمر عَلَيْهِ مشْهد وَهُوَ مَشْهُور يزأر فِي تِلْكَ الديار وَقد رثاه جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْهَادِي إبراهيم بقصيدة طنانة مطْلعهَا

стр. 6

(شجر السَّلامَة والكرامة أينعي ... للقاء سيدنَا الإمام الكينعي) والإحاطة بِبَعْض الْبَعْض من مَنَاقِب هَذَا الإمام تقصر عَنْهَا ألسن الأقلام فَمن رام الْوُقُوف على مَا يكون لَهُ من أعظم العبر فَلْينْظر فِي سيرته الَّتِى قدمت الإشارة إليها وَقد بسط فِيهَا الْكَلَام على أَحْوَاله ووظايف عباداته (٢) إبراهيم بن احْمَد اليافعي الصَّنْعَانِيّ المولد وَالدَّار والوفاة الشَّاعِر الْمَشْهُور الْمجِيد الْفَائِق فِي جَمِيع الأنواع فَمن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا (هَذَا العذيب بدا فَقل بشرا كَا ... والزم اخائي لاعدمت أخاكا) وَمن شعره القصيدة الَّتِي مطْلعهَا (أعيدوا على سمعي الحَدِيث وكرروا ... قديم اللِّقَاء وَالْوَقْت كالعيش أَخْضَر) وَمِنْهَا فِي الِاسْتِخْدَام (وأصبوا إلى وَادي العقيق وسفحه ... على وجنتي من مقلتي يتحدر) وَقَبله فِي الِاسْتِخْدَام أَيْضا (أميل إلى ذكر الغضا وأنثني ... ونيرانه فِي مهجتي تتسعّر) وَمَا أحسن قَوْله فِيهَا (أهيم بِذكر المنحنا وسويلع ... وأنشق أنفاس الصباحين تعبر) (وَمَا هَمت فِي قد وجيد ومقلة ... وَلَا شاقني ثغر شنيب معطر) وَهُوَ مَوْجُود فِي دولة الإمام الْمهْدي مُحَمَّد بن أَحْمد صَاحب الْمَوَاهِب وَفِي دولة من قبله من الْخُلَفَاء وَمَات يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين فِي شهر رَجَب سنة ١١١٠ عشر وَمِائَة وَألف وَقد بَالغ فِي حَقه صَاحب

стр. 7

نسمَة السحر وَقدمه على شعراء عصره فَلم يُصِيب فَهُوَ لم يرتق إلى منزلَة رَفِيقه ومعاصره الشَّيْخ إبراهيم الْهِنْدِيّ الْآتِي ذكره وَلَا كَاد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ منسجم الشّعْر قَلِيل التَّكَلُّف (٣) إبراهيم بن أَحْمد خَان سُلْطَان الروم استولى على السلطنة فِي أَيَّام أَخِيه السُّلْطَان مُرَاد بن احْمَد وَتمّ لَهُ الدست وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن السُّلْطَان مُرَاد تجهز بجيوشه إلى محاصرة بَغْدَاد وَقد كَانَ استولى عَلَيْهَا الشاه سُلْطَان الْعَجم وَهِي كَانَت من ممالك السُّلْطَان مُرَاد فَلَمَّا بلغه أَن أَخَاهُ السُّلْطَان إبراهيم قد استولى على الدست مَاتَ كمداً واستقرت قدم صَاحب التَّرْجَمَة فِي السلطنة وَكَانَ قعوده على دستها فِي سنة ١٠٥٠ خمسين وَألف وَله جهادات وفتوحات مَشْهُورَة وَاسْتمرّ سُلْطَانا إلى أَن مَاتَ فِي سنة ١٠٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وألف وَصَارَت السلطنة إلى وَلَده مُحَمَّد بن إبراهيم وَكَانَ يَوْمئِذٍ فِي سنّ الْبلُوغ وابتدأء سلطنته بمصاولة الإفرنج وغزوهم إلى دِيَارهمْ (٤) إبراهيم بن احْمَد بن نَاصِر بن خَليفَة بن فرج بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن الْمَقْدِسِي الناصري الباعوني الدمشقي الصَّالِحِي الشافعي وباعون بِالْمُوَحَّدَةِ والمهملة المضمومة قَرْيَة من قرى حوران بِالْقربِ من عجلون والناصرة قَرْيَة من عمل صفد ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر رَمَضَان سنة ٧٧٧ سبع وَسبعين وَسَبْعمائة بصفد وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن تجويدا على الشهَاب حسن بن حسن الفرغني إمام جَامعهَا وَحفظ بعض الْمِنْهَاج ثمَّ انْتقل مِنْهَا قَرِيبا من سنّ الْبلُوغ مَعَ أَبِيه إلى الشَّام فَأخذ الْفِقْه عَن الشرف الغزي وَغَيره

стр. 8

ولازم النُّور الأنباري حَتَّى حمل عَنهُ الْكثير من الْفِقْه والعربية واللغة وَبِه انْتفع فِي عُلُوم الْأَدَب وَغَيرهَا وَدخل مصر لَعَلَّه قَرِيبا من سنة ٨٠٤ أَربع وثمان مائَة فَأخذ عَن السراج البلقيني ولازمه سنة وَأخذ عَن الْكَمَال الدميري شَيْئا من مصنفاته ولازمه وَسمع إِذْ ذَاك على العراقي والهيثمي وَتردد بهَا إلى غير وَاحِد من شيوخها ثمَّ عَاد إلى بَلَده فَأَقَامَ بهَا على أحسن حَال وأجمل طَريقَة وَسمع على أَبِيه وَالْجمال ابْن الشرائحي والتقى صَالح بن خَلِيل بن سَالم وَعَائِشَة ابْنة عبد الهادى وَالشَّمْس بن حطاب وباشر نِيَابَة الحكم عَن أَبِيه والخطابة بِجَامِع بني أُمِّيّه ومشيخة الشُّيُوخ وَنظر الْحَرَمَيْنِ ثمَّ صرف وجهز إليه الْقَضَاء حِين اسْتَقر الْكَمَال بن البارزي في كِتَابَة سر الديار المصرية فَامْتنعَ وصمم وراجعه النَّائِب وَغَيره من أَعْيَان الرؤساء فَمَا أذعن وتكرر خطبه لذَلِك مرة بعد أُخْرَى إلى أَن قيل لَهُ فعين لنا من يصلح فعين أَخَاهُ وَولى مشيخة الخانقاه الباسطيه من صالحية دمشق وروي عَنهُ حِكَايَة عَجِيبَة وهي أَنه دخل على واقفها قبل أَن يَجْعَلهَا مدرسة فَأَعْجَبتهُ وَقَالَ فِي نَفسه إنه لَا يتهيأ لَهُ سُكُون مثلهَا الا فِي الْجنَّة فَلَمَّا انْفَصل عَنهُ بعد السَّلَام عَلَيْهِ لم يصل إلى بَابهَا إلا وَبَعض جمَاعَة صَاحبهَا قد تبعه وَأخْبر أَنه تحدث عقب خُرُوجه بأنه سيجعلها مدرسة ويقرره في مشيختها ثمَّ جعلهَا كَذَلِك وَقَررهُ فِيهَا وَهُوَ مَحْمُود الْمُبَاشرَة في جَمِيع مَا تولاه يصمم على الْحق وَلَا يلْتَفت إلى رسائل الكبراء في شفاعات وَنَحْوهَا وَله مؤلفات مِنْهَا مُخْتَصر الصِّحَاح للجوهري وَهُوَ مُخْتَصر حسن وَله ديوَان خطب ورسائل وديوان شعر ومؤلف سَمَّاهُ الْغَيْث الهاتن في وصف العذار الفاتن أَتَى فِيهِ بمقاطيع فائقة نَحْو مائَة وَخمسين مَقْطُوعًا

стр. 9

أودع كلاً مِنْهَا معنى غَرِيبا غير الآخر مَعَ كَثْرَة مَا قَالَ النَّاس فى ذَلِك وَله رسائل عاطلة عَن النقط من عجائب الْوَضع في السلاسة والانسجام وَصَارَ شيخ الْأَدَب بالبلاد الشامية بِغَيْر مدافع كَذَا قَالَ السخاوي في تَارِيخه وَابْن حجر في مُعْجَمه وَقَالَ المقريزي أَنه مهر في عدَّة فنون سِيمَا الأدب فَلهُ النظم الْجيد وَكَانَ يحْكى أَن الزيني عبد الباسط قَالَ لَهُ إن مراسلاتك المسجعة إلينا تبلغ أَربع مجلدات وإذا كَانَ هَذَا مِقْدَار مَا كتبه إلى فَرد من أَفْرَاد النَّاس فَمَا ظَنك بِمَجْمُوع مَا كتبه وَالْحَاصِل أَنه وَقع الِاتِّفَاق من جَمِيع من تَرْجمهُ على أَنه لم يكن في عصره من يدانيه فى النّظم والنثر مَاتَ يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر ربيع الأول سنة ٨٧٠ سبعين وثمان مائَة وَصلى عَلَيْهِ بالجامع المظفري وَدفن بالروضة من سفح قاسيون يوصية مِنْهُ وَمن شعره (سل الله رَبك مَا عِنْده ... وَلَا تسْأَل النَّاس مَا عِنْدهم) (وَلَا تبتغي من سواهُ الْغِنَا ... وَكن عَبده لَا تكن عبدهم) وَله (سئمت من الدُّنْيَا وصحبة أَهلهَا ... وأصبحت مرتاحا الى نقلتى مِنْهَا) (وَوَاللَّه مَا آسى عَلَيْهَا وأننى ... وَإِن رغبت فِي صحبتى رَاغِب عَنْهَا) وَله (اذا اسْتغنى الصّديق وصا ... رذا وصل وَذَا قطع) (وَلم يبد احتفالابى ... وَلم يحرص على نفعى) (فأنأى عَنهُ استغى ... بجاه الصَّبْر والقنع) (وأحسب أَنه مَا مرّ ... في الدُّنْيَا على سمعي)

стр. 10

(٥) إبراهيم بن حسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد اليعمري زاهد الْعَصْر وناسك الدَّهْر ولد سنة ١١٦٤ أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وتلى الْكتاب الْعَزِيز على شيخ الْقُرْآن الْعَظِيم صَالح الجرادي وَأخذ في الْآلَات على شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن علي بن حُسَيْن بن علي بن المتَوَكل وَأخذ الْفِقْه والفرائض على السَّيِّد بن حسن الصعدى وَأخذ في علم السنّة على السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن عبد الله الكبسي وانتفع بِعِلْمِهِ فَعمل بِهِ وَعَكَفَ على الْعِبَادَة وتحلّى بالزهد وَصَارَ عَابِد الْعَصْر وزاهده وانْتهى إليه الْوَرع وَحسن السمت والتواضع والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس وَاتفقَ النَّاس على الثَّنَاء عَلَيْهِ والمدح لشمائله فَصَارَ الْمشَار إليه في هَذَا الْبَاب وانتفع النَّاس بصلاح دعواته وقصدوه لذَلِك وَهُوَ الْآن حَسَنَة الزَّمن وزينة الْيمن مَعَ الْمُحَافظَة على الشَّرْع والاقتداء برَسُول الله ﵌ والاستكثار من النَّوَافِل والأوراد وَكَانَ جده أَحْمد على هَذِه الصفة الَّتِى حفيده هَذَا عَلَيْهَا زَاده الله مِمَّا أولاه ونفع بِهِ وَمَات ﵀ لعشرين خلت من شهر شَوَّال سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وألف (٦) إبراهيم بن حسن بن شهَاب الدَّين الكوراني الشهرزوري الشهراني الكردي الشافعي الإمام الْكَبِير الْمُجْتَهد ولد فِي سنة ١٠٢٥ خمس وَعشْرين وَألف بِبِلَاد شَهْرَان من جبال الكرد وَنَشَأ في عفة طَاهِرَة فَأخذ في بِلَاده الْعَرَبيَّة والمنطق والحساب والهيئة والهندسة وَغير ذَلِك وَكَانَ دأبه إذا

стр. 11

عرضت لَهُ مَسْأَلَة في فن أتقن ذَلِك الْفَنّ غَايَة الإتقان ثمَّ قَرَأَ في الْمعَانى وَالْبَيَان والأصول وَالْفِقْه وَالتَّفْسِير ثمَّ سمع الحَدِيث عَن جمَاعَة في غير بِلَاده كالشام ومصر والحجاز والحرمين وَقد ذكر مشايخه في الْأُمَم وَترْجم لكل وَاحِد مِنْهُم وَله مصنفات كَثِيرَة حَتَّى قيل إِنَّهَا تنيف على ثَمَانِينَ مِنْهَا إتحاف الْخلف بتحقيق مَذْهَب السّلف واتحاف الْمُنِيب الأواه بِفضل الْجَهْر بِذكر الله واعمال الْفِكر وَالرِّوَايَات في شرح حَدِيث إِنَّمَا الأعمال بِالنِّيَّاتِ ولوامع اللآل فى الْأَرْبَعين العوال ومسلك الارشاد الى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فى الْجِهَاد وانباه الإنباه في إعراب لَا إِلَه إِلَّا الله وَقصد السَّبِيل وَغير ذَلِك وبرع في جَمِيع الْفُنُون وأقرأ باللغة الْعَرَبيَّة والفارسية والتركية وَسكن بعد ذَلِك مَكَّة المشرفة وانتفع بِهِ النَّاس ورحلوا اليه وَأخذُوا عَنهُ في كل فن حَتَّى مَاتَ في ثامن عشر شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٠١ وَاحِدَة وَمِائَة وَألف وَدفن بعد الْمغرب ببقيع الْغَرْقَد وَأَنا أروي عَن يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين عَن أَبِيه عَن جده عَنهُ بِالسَّمَاعِ من عَلَاء الدَّين مِنْهُ (٧) إبراهيم بن خَالِد بن أَحْمد بن قَاسم العلفي ثمَّ الصنعاني ولد على رَأس الْقرن الحادي عشر تَقْرِيبًا وَقيل سنة ١١٠٦ سِتّ وَمِائَة وَألف أوفى الَّتِى بعْدهَا وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَطلب علم الْفُرُوع وحققه ثمَّ طلب بَقِيَّة عُلُوم الِاجْتِهَاد فشارك فِيهَا مُشَاركَة قَوِيَّة واشتهر بِصَنْعَاء وَبعد صيته وقصده طلبة علم الْفُرُوع فَأخذُوا عَنهُ وتنافسوا في ذَلِك واستفادوا وصاروا أعياناً وَكَانَ يقْصد بالفتاوى من الْعَامَّة والخاصة

стр. 12

ويعارض باجتهاداته وصحيح أنظاره أنضار أكَابِر عُلَمَاء عصره كالسيد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وَغَيره وَلِلنَّاسِ بِمَا يصدر عَنهُ من الْفَتَاوَى اشْتِغَال ورغبة عَظِيمَة وهي مَجْمُوعَة في مُجَلد جمعهَا الْعَلامَة حَامِد بن حسن شَاكر الآتي ذكره وَشرع في جمع حَاشِيَة على الأزهار وَلم تكمل وَهُوَ مِمَّن يضْرب بزهده الْمثل وَمَات وَلم يتَزَوَّج وَكَانَ مَوته في وسط الْقرن الثاني عشر وأرّخه بَعضهم في ثامن عشر شعْبَان سنة ١١٥٦ سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف وَمن مشايخه السَّيِّد الْعَلامَة هَاشم ابْن يحيى الشامى وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم ومولده برداع ثمَّ هَاجر إلى ذمار وارتحل بعد ذَلِك إلى صنعاء وَاسْتقر بهَا حَتَّى مَاتَ (٨) إبراهيم بن شيخ الأمير صارم الدَّين بن السُّلْطَان شيخ الآتي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى ولد بالبلاد الشامية فِي أوائل الْقرن الثَّامِن تَقْرِيبًا وَأمه أم ولد اسْمهَا نور مَاتَت قبل سلطنة أَبِيه ذكره ابْن خطيب الناصرية فَقَالَ كَانَ مَعَ أَبِيه وَهُوَ صَغِير حِين كَانَ نَائِب حلب ثمَّ

стр. 13

قدمهَا مَعَه فِي أَيَّام سلطنته ثمَّ لما جرده أَبوهُ فِي سنة ٨٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة لفتح الْبِلَاد القرمانية وَمَعَهُ عدَّة من المقدمين كططر وجقمق وَغَيرهمَا فَفَتحهَا وَفتح غَيرهَا وَأقَام هُنَالك ثَلَاثَة أشهر ثمَّ عَاد إلى حلب فِي أثْنَاء رَجَب وَنزل بقلعتها وَأقَام بهَا إلى الْعشْر الأخيرة من شعْبَان إلى أَن رسم لَهُ بِالرُّجُوعِ إلى الديار المصرية فَرجع بالعساكر فِي أَوَاخِر شعْبَان وبرز أَبوهُ لملاقاته فِي سَابِع عشر رَمَضَان وتيمن بطلعته فَلم يلبث أَن مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وثمان مائَة مسموماً وَكَانَ شَابًّا حسنا شجاعاً عِنْده حشمة وملوكية كَرِيمًا عَاقِلا مائلاً إلى الْخَيْر وَالْعدْل والعفة عَن أَمْوَال النَّاس وَلما لقِيه الأمراء سلم عَلَيْهِم وَهُوَ رَاكب وبمجرد أَن عاين النَّاصِر بن البارزي كَاتب السِّرّ نزل عَن فرسه وتعانقا لعلمه بتمكنه عِنْد أَبِيه ثمَّ عَاد الْجَمِيع في خدمته إلى منزله فَلَقوا السُّلْطَان هُنَالك فَنزل الْأُمَرَاء القادمون صُحْبَة الأمير إبراهيم ثمَّ نزل هُوَ وَقبل الأَرْض ثمَّ قَامَ وَمَشى حَتَّى قبل ركاب أَبِيه فبكي لفرحه بِهِ وَبكى النَّاس لبكائه وَكَانَت سَاعَة عَظِيمَة ثمَّ سارا بموكبهما إلى خانقاه سريا قوسي وباتا بهَا لَيْلَة الْخَمِيس تَاسِع عشر وَركب السُّلْطَان من اللَّيْل فَرمى الطير بِالْبركَةِ واصطاد وَدخل السُّلْطَان الْقَاهِرَة من بَاب النَّصْر وَقد احتفل النَّاس بالزينة لوَلَده وَهُوَ بتشريف هائل وَخَلفه الأسرى الَّذين جاءبهم وهم نَحْو الْمِائَتَيْنِ فى الأغلال وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَنزل إلى دَاره وَاسْتمرّ على حَاله فَدس كَاتب السِّرّ إِلَى أَبِيه فى غُضُون ذَلِك من يُخبرهُ أَنه صَار يتوعد أَبَاهُ بِالْقَتْلِ وأنه يتَمَنَّى مَوته لكَونه يحب بعض حظاياه وَلَا يتَمَكَّن مِنْهَا إِلَّا

стр. 14

خُفْيَة وَبرهن على ذَلِك بأمارات وعلامات وأنه صمم على قَتله بالسم أَو غَيره إن لم يمت عَاجلا من الْمَرَض مَعَ مَا فِي نَفسه من محبَّة الاستبداد وإنه يعد الأمراء بمواعيد فَحِينَئِذٍ أذن السُّلْطَان لبَعض خواصه أَن يُعْطِيهِ مَا يكون سَببا لقَتله من غير إسراع فدسوا إليه من سقَاهُ من المَاء الذي يطفى فِيهِ الْحَدِيد فَلَمَّا شربه أحس بالمغص فِي جزفه فعالجه الْأَطِبَّاء مُدَّة وَنَدم السُّلْطَان على مَا فرط مِنْهُ وَأمر الْأَطِبَّاء بِالِاجْتِهَادِ فِي علاجه فلازموه نصف شهر إلى أَن تراجعت إليه بعض الصِّحَّة وَركب فِي محفة وَكَاد أَن يتعافى فدسوا عَلَيْهِ من سقَاهُ ثَانِيًا من غير علم أَبِيه فانتكس وَاسْتمرّ إلى خَامِس عشر جُمَادَى الأولى وَنزل أَبوهُ لعيادته ثمَّ مَاتَ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَاشْتَدَّ جزع أَبِيه عَلَيْهِ إلا أَنه تجلد وأسف النَّاس كَافَّة على فَقده وشاع بَينهم أن أَبَاهُ سمه إِلَّا أَنهم لَا يَسْتَطِيعُونَ التَّصْرِيح بذلك قَالَ السخاوي وَلم يَعش أَبوهُ بعده سوى سِتَّة أشهر وأياماً كدأب من قتل أَبَاهُ أَو ابْنه على الْملك فَتلك عَادَة مُسْتَقِرَّة وَطَرِيقَة مستقرأة وَكَذَا قَالَ ابْن حجر وَصَارَ الَّذين حسّنوا لَهُ ذَلِك الْفِعْل يبالغون فِي ذكر معايبه وينسبونه إلى الإسراف على نَفسه والتبذير والمجاهرة بِالْفِسْقِ من اللواط وَالزِّنَا وَالْخمر والتعرّض لحرم أَبِيه وَغير ذَلِك مِمَّا كَانَ برَاء عَن أَكْثَره وَعند الله يجْتَمع الْخُصُوم وخطب ابْن خطيب الناصرية يَوْم مَوته وَهُوَ يَوْم الْجُمُعَة خطْبَة حَسَنَة سبك فِيهَا قَوْله ﵌ تَدْمَع الْعين ويحزن الْقلب وَلَا نقُول مَا يسْخط الرب وإنا عَلَيْك يَا إبراهيم لَمَحْزُونُونَ فأبكى السُّلْطَان وَمن حضر وَبعد مَوته وَقع الْخلَل فِي دولة وَالِده السُّلْطَان وَمَات

стр. 15

الساعون فِي هَلَاك وَلَده وَاحِدًا بعد وَاحِد وَلم يستكمل بعده ابْن البارزى أَرْبَعَة أشهر (٩) الشَّيْخ ابراهيم بن صَالح الهندى الصَّنعاني الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ أشعر أهل عصره غير مدافع وَله ديوَان شعر فِي مُجَلد ضخم رَأَيْته فِي أَيَّام قديمَة فَوجدت فِيهِ مَا هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعليا والمتوسطة والسافلة وَلَكِن الْجيد أغلب وَكَانَ يتشبه فِي مدحه وحماسته بأبي الطيب وَمن فائق مقطعاته قَوْله (أشبه ثغره والقات فِيهِ ... وَقد لانت لرقَّته الْقُلُوب) (لآل قد نبتن على عقيق ... وَبَينهمَا زمردة تذوب) وَمن مقطعاته فِي مليح يسبح فِي مَاء (وأبيض عاينته سابحاً ... فِي لجة للْمَاء زرقاء) (فَقلت هَذَا الْبَدْر فِي لجة ... أم ذَا خيال الشَّمْس فِي المَاء وَكَانَ وَالِده من جملَة البانيان الواصلين إلى صنعاء فَأسلم على يَد بعض آل الإمام وَحسن إسلامه وَنَشَأ وَلَده هَذَا مشغوفاً بالأدب مُولَعا بعالي الرتب وَأكْثر مدائحه فِي الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ومدح الإمام المتَوَكل إسماعيل بن الْقَاسِم وَابْنه علي بن المتَوَكل وَمُحَمّد ابْن الْحسن وَلما صَارَت الْخلَافَة إلى المهدي صَاحب الْمَوَاهِب وَفد إليه صَاحب التَّرْجَمَة وَقد كَانَ بلغه عَنهُ شئ فَقَالَ لَهُ بأيِّ شَفِيع جِئْت فَقَالَ لَهُ بِهَذَا وَأخرج الْمُصحف من صَدره فَقَالَ قد قبلنَا هَذَا الشَّفِيع وَلَكِن لَا أَرَاك بعد الْيَوْم فتغيب عَنهُ من ذَلِك الْيَوْم ولازم الْعِبَادَة والتزهد وَكَانَ إِذا

стр. 16

قَامَ إلى الصَّلَاة اصفر لَونه وَحج وَمَات عقب عوده فِي سنة ١١٠٠ مائَة وألف أَو فِي الَّتِى قبلهَا (١٠) السَّيِّد إبراهيم بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين الْعَلامَة ابْن شَيخنَا الإمام الآتي ذكره إن شَاءَ الله تَعَالَى ولد فِي لَيْلَة ثامن عشر رَمَضَان سنة ١١٦٩ تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَتخرج بشيخنا وَالِده رَحْمَة الله فِي النَّحْو

стр. 17

وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالْعرُوض واللغة والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع فِي جَمِيع هَذِه المعارف وَصَارَ الْآن من أَعْيَان عُلَمَاء الْعَصْر المفيدين المجيدين ارتحل مَعَ وَالِده من كوكبان إلى مَدِينَة صنعاء وَمَا زَالَ مكبّا على الْقِرَاءَة على وَالِده ورافقني فِي بعض مَا سمعته مِنْهُ وَبعد موت وَالِده في تَارِيخه الآتي قَصده الطّلبَة إلى منزله وقرأوا عَلَيْهِ فِي فنون مُتعَدِّدَة وَله رسائل ومسائل مفيدة مَعَ تواضع وَحسن أَخْلَاق وكرم وعفاف وشهامة نفس وصلابة دين وَحسن محاضرة وَقُوَّة عارضة وفصاحة ورجاحة وقدرة على النّظم والنثر وسيلان ذهن جمَّل الله بِوُجُودِهِ ونفع بِعُلُومِهِ وَهُوَ الْآن فِي قيد الحيوة مَا بَين الْأَرْبَعين وَالْخمسين وَله تلامذة نبلاء فضلاء تخْرجُوا بِهِ ولزموا طَرِيقَته فصاروا من أعيان الْعلمَاء والمترجم لَهُ عافاه الله لَا تقيد بِمذهب وَلَا يُقَلّد فِي شَيْء من أُمُور دينه بل يعْمل بنصوص الْكتاب وَالسّنة ويجتهد رَأْيه وَهُوَ أهل لذَلِك وَله معرفَة بعلوم أُخْرَى غير مَا قدمنَا ذكره مِنْهَا مَا اسْتَفَادَ عَن وَالِده وَمِنْهَا مَا عرفه بفاضل ذهنه وقويم فكره وَتُوفِّي رَحْمَة الله فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لَعَلَّه ثَالِث عشر شهر رَمَضَان سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ والف

стр. 18

(١١) السَّيِّد إبراهيم بن عبد الله بن إسماعيل الحوثيِّ ثمَّ الصَّنعاني ولد ثامن شهر شَوَّال سنة ١١٨٧ سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وألف وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة علي بن عبد الله الْجلَال وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر بن أَحْمد وَلَعَلَّه أَخذ عَن شَيخنَا الإمام السَّيِّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد في آخر مدَّته واستفاد صَاحب التَّرْجَمَة فِي عدَّة عُلُوم مِنْهَا النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والأصول والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وبرع فِي هَذِه الْعُلُوم وتاقت نَفسه إلى مطالعة فنون من علم الْمَعْقُول فادرك فِيهِ إدراكاً جيداً لجودة فهمه وَحسن تصَوره وَهُوَ الْآن ملازم للسَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر الْمَذْكُور قبله وَلَا يُفَارِقهُ فِي غَالب الْأَوْقَات فيستفيد مِنْهُ ويفيد وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الزَّمن وَمن الضاربين بِسَهْم وافر في كل فن وَهُوَ الْآن يشْتَغل بِجمع تراجم عُلَمَاء الْقرن الثاني عشر من أهل الْيمن وَقد بعث إليَّ بَعْضهَا فرأيته قد جوّد غَالب تِلْكَ التراجم وطولها وَهُوَ كمشايخه في اجْتِهَاد رَأْيه وَالْعَمَل بِمَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيل ثمَّ مَاتَ ﵀ فِي يَوْم الْأَحَد ثامن شهر شَوَّال سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف (١٢) إبراهيم بن عمر بن حسن بن الرِّبَاط بِضَم الرَّاء بعْدهَا مُوَحدَة خَفِيفَة ابْن علي بن أَبى بكر البقاعي نزيل الْقَاهِرَة ثمَّ دمشق الإمام الْكَبِير برهَان الدَّين ولد تَقْرِيبًا سنة ٨٠٩ تسع وثمان مائَة بقرية من عمل الْبِقَاع وَنَشَأ بهَا ثمَّ تحوَّل إلى دمشق ثمَّ فَارقهَا وَدخل بَيت الْمُقَدّس ثمَّ الْقَاهِرَة وَقَرَأَ على التَّاج بن بهادر فِي الْفِقْه والنحو وعَلى الجزرى فِي القرا آتٍ جَمِيعًا للعشرة على أثْنَاء سُورَة الْبَقَرَة

стр. 19

وَأخذ عَن التقي الحصني والتاج الغرابيلي والعماد بن شرف والشرف السبكي والْعَلَاء القلقشندي والقاياني والحافظ ابْن حجر وأبي الْفضل المغربي وبرع فِي جَمِيع الْعُلُوم وفَاق الأقران لَا كَمَا قَالَ السخاوي أَنه مَا بلغ رُتْبَة الْعلمَاء بل قصارى أمره إدراجه فِي الْفُضَلَاء وَأَنه مَا علمه أتقن فَنًّا قَالَ وتصانيفه شاهدة بِمَا قلته قلت بل تصانيفه شاهدة بِخِلَاف مَا قَالَه وَأَنه من الْأَئِمَّة المتقنين المتبحرين فِي جَمِيع المعارف وَلَكِن هَذَا من كَلَام الأقران فِي بَعضهم بعض بِمَا يُخَالف الإنصاف لما يجري بَينهم من المنافسات تَارَة على الْعلم وَتارَة على الدُّنْيَا وَقد كَانَ المترجم لَهُ منحرفاً عَن السخاوي والسخاوي منحرفاً عَنهُ وَجرى بَينهمَا من المناقضة والمراسلة والمخالفة مَا يُوجب عدم قبُول أَحدهمَا على الآخر وَمن أمعن النظر فِي كتاب المترجم لَهُ فِي التَّفْسِير الَّذِي جعله فِي الْمُنَاسبَة بَين الآي والسور علم أَنه من أوعية الْعلم المفرطين فِي الذكاء الجامعين بَين علمي الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَكَثِيرًا مَا يشكل على شئ فِي الْكتاب الْعَزِيز فأرجع إلى مطولات التفاسير ومختصراتها فَلَا أجد مَا يشفي وأرجع إلى هَذَا الْكتاب فأجد مَا يُفِيد فِي الْغَالِب وَقد نَالَ مِنْهُ عُلَمَاء عصره بِسَبَب تصنيف هَذَا الْكتاب وأنكروا عَلَيْهِ النَّقْل من التَّوْرَاة والإنجيل وترسلوا عَلَيْهِ وَأغْروا بِهِ الرؤساء وَرَأَيْت لَهُ رِسَالَة يُجيب بهَا عَنْهُم وينقل الْأَدِلَّة على جَوَاز النَّقْل من الْكِتَابَيْنِ وفيهَا مَا يشفي وَقد حجّ ورابط وانجمع فَأخذ عَنهُ الطّلبَة فِي فنون وصنَّف التصانيف وَلما تنكر لَهُ النَّاس وبالغوا فِي أَذَاهُ لمّ أَطْرَافه وَتوجه إلى دمشق وَقد كَانَ بلغ جمَاعَة من أهل الْعلم فِي التَّعَرُّض لَهُ بِكُل مَا يكره إلى حد التَّكْفِير حَتَّى رتبوا عَلَيْهِ دَعْوَى عِنْد

стр. 20

القاضي المالكي أَنه قَالَ إن بعض المغاربة سَأَلَهُ أَن يفصل في تَفْسِيره بَين كَلَام الله وَبَين تَفْسِيره بقوله أي أَو نَحْوهَا دفعاً لما لَعَلَّه يتَوَهَّم وَقد كَانَ رام المالكي الحكم بِكُفْرِهِ وإراقة دَمه بِهَذِهِ الْمقَالة حَتَّى ترامى المترجم لَهُ على القاضي الزيني بن مزهر فعذره وَحكم بإسلامه وَقد امتحن الله أهل تِلْكَ الديار بقضاه من الْمَالِكِيَّة يتجرون على سفك الدِّمَاء بِمَا لَا يحل بِهِ أدنى تَعْزِير فأراقوا دِمَاء جمَاعَة من أهل الْعلم جَهَالَة وضلالة وجرأة على الله وَمُخَالفَة لشريعة رَسُول الله وتلاعباً بِدِينِهِ بِمُجَرَّد نُصُوص فقهية واستنباطات فروعية لَيْسَ عَلَيْهَا اثارة من علم فانا لله وإنا إليه رَاجِعُون وَلم يزل المترجم لَهُ ﵀ يكابد الشدائد ويناهد العظائم قبل رحلته من مصر وَبعد رحلته إلى دمشق حَتَّى توفاه الله بعد أَن تفتت كبده كَمَا قيل في لَيْلَة السبت ثامن عشر رَجَب سنة ٨٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وثمان مائَة وَدفن خَارج دمشق من جِهَة قبر عَاتِكَة وَقد ترْجم لَهُ السخاوي تَرْجَمَة مظْلمَة كلهَا سب وانتقاص وطولها بالمثالب بل مَا زَالَ يحط عَلَيْهِ فى جَمِيع كِتَابه الْمُسَمّى بالضوء اللامع لِأَن المترجم لَهُ كتب لأهل عصره تراجم ونال من أَعْرَاض جمَاعَة مِنْهُم لاسيما الأكابر الَّذين أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَكَانَ السخاوي ينْقل قَوْله في تَرْجَمَة أُولَئِكَ الأكابر ويناقضه وينتقصه ولشعراء عصره فِيهِ أمداح وأهاجى وَمَا زَالَت الأشراف تهجى وتمدح وَهُوَ كثير النظم جيد النثر في تراجمه ومراسلاته ومصنفاته وَهُوَ مِمَّن رثى نَفسه فى حيوته فَقَالَ (نعم إنني عَمَّا قريب لمَيت ... وَمن ذَا الذي يبْقى على الْحدثَان)

стр. 21

(كَأَنَّك بي أنعى عَلَيْك وَعِنْدهَا ... ترى خَبرا صمّت لَهُ الأذنان) (فَلَا حسد يبْقى لديك وَلَا قلى ... فينطق في مدحي بأي معَان) (وَتنظر أوصافى فتعلم أَنَّهَا ... علت عَن مدان في أعز مَكَان) (ويمسي رجَالًا قد تهدّم ركنهم ... فمدمعهم لي دَائِم الهملان) (فكم من عَزِيز بي يذل جماحه ... ويطمع فِيهِ ذُو شقا وهوان) (فيارب من تفجأ بهول يوده ... وَلَو كنت مَوْجُودا لَدَيْهِ دعانى) (ويارب شخص قد دهته مُصِيبَة ... لَهَا الْقلب أَمْسَى دَائِم الخفقان) (فيطلب من يجلو صداها فَلَا يرى ... وَلَو كنت جلتها يدي ولساني) (وَكم ظَالِم نالته مني غَضَاضَة ... لنصرة مظلوم ضَعِيف وجنان) (وَكم خطة سامت ذووها معرة ... أُعِيدَت بِضَرْب من يَدي وطعان) (فإن يرثني من كنت أجمع شَمله ... بتشتيت شملي فالوفاء رثاني) وَمن محاسنه الَّتِى جعلهَا السخاوي من جملَة عيوبه مَا نَقله عَنهُ أَنه قَالَ في وصف نَفسه أَنه لَا يخرج عَن الْكتاب وَالسّنة بل هُوَ متطبع بطباع الصَّحَابَة انْتهى وَهَذِه منقبة شريفة ومرتبة منيفة (١٣) السَّيِّد ابراهيم بن الْقَاسِم بن المؤبد بِاللَّه مُحَمَّد بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد الْعَلامَة الْحَافِظ المؤرخ مُصَنف طَبَقَات الزيدية وَهُوَ كتاب لم يؤلَّف مثله في بَابه جعله ثَلَاثَة أَقسَام الْقسم الأول في من روى عَن أَئِمَّة الْآل من الصَّحَابَة وَالْقسم الثانى فِيمَن بعدهمْ الى رَأس خَمْسمِائَة وَالْقسم الثَّالِث في أهل الْخَمْسمِائَةِ وَمن بعدهمْ إلى أَيَّامه وَذكر جمَاعَة من أَعْيَان الْقرن الثاني عشر وَمَات فِيهِ وَلم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة وَقد ذكر فى الْكتاب الْمَذْكُور مشايخه

стр. 22

وماسمعه مِنْهُم وكل طبقَة من الطَّبَقَات الثَّلَاث الْمَذْكُورَة جعلهَا على حُرُوف المعجم

стр. 23

(١٤) السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي أَحْمد ابْن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ولد سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة علي بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن احْمَد بن عَامر وَغَيرهمَا وجدَّ فِي ذَلِك حَتَّى صَار من أَعْيَان الزَّمن ومحاسن بني الْحسن لَهُ مَكَارِم وفضائل وَحسن أخلاق واشتغال بالعلوم والعبادات وَالْقِيَام بوظائف الطَّاعَات وَقَضَاء حوائج المحتاجين والسعى فى صَلَاح الْمُسلمين مَالا يقدر على الْقيام بِهِ غَيره وَكم تصل إليَّ مِنْهُ رسائل ونصائح فِيمَا يتَعَلَّق بشأن الدولة وَيَأْخُذ عليَّ أَنه لَا يحل السُّكُوت وَله رَغْبَة في المباحثات العلمية شَدِيدَة بِحَيْثُ أَنه لَا يعرض الْبَحْث في مَسْأَلَة من الْمسَائِل إِلَّا وفحّص عَنهُ وَسَأَلَ وراجع وَكَثِيرًا مَا تفد عليّ مِنْهُ سُؤَالَات أُجِيب عَنْهَا برسائل كَمَا يحْكى ذَلِك مَجْمُوع رسائلي مَعَ أَنه نفع الله بِهِ إِذْ ذَاك عالى السن قد قَارب السّبْعين وَأَنا في نَحْو الثَّلَاثِينَ وَهَذَا أعظم دَلِيل على تواضعه ثمَّ مَا زَالَ هَذَا دأبه إلى الْآن وَهُوَ صديقي وحبيبي يدعوني إلى بَيته الْمرة بعد الْمرة وَله في المكارم مَسْلَك لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَفِي حسن الْأَخْلَاق وتفويض الأمور إلى الْمُهَيْمِن الخلاق أَمر عَجِيب وَقد

стр. 24

أَعَانَهُ الله على بر وَالِده وَالْقِيَام بِوَاجِب حَقه والمشي على مَا يُريدهُ وَكَانَ وَالِده ﵀ رَئِيس آل اسحق والمتولي لأمورهم بعد أَن دَعَا إلى نَفسه وَبَايَعَهُ النَّاس قاطبة ثمَّ اخْتَار الله لَهُ التَّخَلُّص من ذَلِك فَمَا زَالَ على رئاسة أهل بَيته حَتَّى مَاتَ ثمَّ قَامَ وَلَده هَذَا مقَامه أَيَّامًا فَلم تطب نفس أَخِيه الأكبر السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد فَخرج من صنعاء مغاضبّا للإمام المهدي ﵀ وسيأتي شرح ذَلِك في تَرْجَمته إن شَاءَ الله تَعَالَى وَحَاصِله أَنه صَار مَكَان وَالِده وَرغب صَاحب التَّرْجَمَة عَن الرِّئَاسَة الدُّنْيَوِيَّة فاستبدل بِالْخَيْلِ والخول الزّهْد والتقشف وَترك زي أَبنَاء جنسه من بَيت الْخلَافَة والمملكة وَمَعَ هَذَا فَلهُ جلالة في الْقُلُوب ونبالة في النُّفُوس وضخامة زَائِدَة عِنْد جَمِيع النَّاس إِذا مرَّ بِهِ رَاكب من آل الامام أَو من أكَابِر الوزراء والأمراء وَالْقَضَاء ترجل لَهُ وَسلم عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْت مَوْلَانَا الْخَلِيفَة يجلُّ أحداً كإجلاله لَهُ وَهُوَ حقيق بِذَاكَ وَهُوَ الْآن حيٌّ ينْتَفع بِهِ النَّاس

стр. 25

(١٥) إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن علي بن مَسْعُود بن رضوَان المقدسي ثمَّ القاهري الشافعي أَخُو الْكَمَال مُحَمَّد الآتي ذكره ولد لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن عشر ذي الْقعدَة سنة ٨٣٦ سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمان مائَة بِبَيْت الْمُقَدّس ونشأبه فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع وتلاه تجويداً لِابْنِ كثير وأبي عَمْرو وَأخذ عَن سراج الرومي في الْعَرَبيَّة وَالْأُصُول والمنطق وَعَن يَعْقُوب الرومي فِي الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان بل سمع عَلَيْهِمَا كثيراً من فقه الْحَنَفِيَّة وَسمع على التقى القلقشندى المقدسى والزين ماهر وَآخَرين وَأَجَازَ لَهُ خلق ثمَّ لما قدم الْقَاهِرَة قَرَأَ على الإمامين الأقصراني في شرح العقائد والجلال الْمحلى فى شَرحه لجمع الْجَوَامِع وَقَرَأَ على جمَاعَة كَثِيرَة في فنون مُتعَدِّدَة ثمَّ حجّ سنة ٨٥٣ ثَلَاث وَخمسين وثمان مائَة وَقَرَأَ في مَكَّة على التقي بن فَهد وابى الْفَتْح المراغى والمحب الطبري وَجَمَاعَة وبرع فِي الْفُنُون وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالإقراء والإفتاء وصنَّف التصانيف مِنْهَا شرح الحاوي فِي مُجَلد ضخم وَمِنْهَا شرح قَوَاعِد الاعراب فِي نَحْو عشرَة كراريس وَشرح العقائد لِابْنِ دَقِيق الْعِيد وَشرح الْمِنْهَاج الفرعي ونظم النخبة ومختصرات كَثِيرَة كتهذيب الْمنطق للتفتازانى والورقات لامام الْحَرَمَيْنِ وشذورالذهب وعقائد النسفي وَاخْتصرَ الرسَالَة القشيرية وَله مصنفات غير هَذِه ودرس في عدَّة فنون

стр. 26

وَأخذ عَنهُ الطّلبَة وَاسْتقر في تدريس التَّفْسِير بِجَامِع ابْن طولون وَفِي غَيره من الْجَوَامِع والمدارس وَولى قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِالْقَاهِرَةِ في ذِي الْحجَّة سنة ٩٠٦ عوض عبد الْقَادِر بن النَّقِيب وَاسْتمرّ إلى ثَالِث ربيع الأول سنة ٩١٠ عشر وَتِسْعمِائَة فعزل بقاضي الشَّام الشهابي وَصَارَ رَئِيس مصر وعالمها وَعَلِيهِ الْمدَار فِي الْفتيا وَمن صلابته في الدَّين أَنه اتفق للقضاة محنة مَعَ الْأَشْرَف الْمَذْكُور بِسَبَب اقرار الزَّانِيَيْنِ اللَّذين أَرَادَ الْأَشْرَف رجمهما قَاصِدا لإحياء هَذِه السنة فصمم صَاحب التَّرْجَمَة على عدم مُوَافَقَته في ذَلِك فعزل الْقُضَاة الْأَرْبَعَة وشنق الزَّانِيَيْنِ فَوقف صَاحب التَّرْجَمَة عَلَيْهِمَا وَقَالَ أشهد بَين يدي الله بظلمهما وَأَن قاتلهما يقتل بهما فَبلغ الْأَشْرَف ذَلِك فَعَزله عَن مشيخة مدرسته ثمَّ بلغه الله إلى أَن كَانَ قتل الْملك فِي حَيَاته وانقراض دولته فَرد إليه معلومهما من أول ولَايَته لَهما وعد ذَلِك من شهامته وَكَمَال دينه فَعظم بِهِ عِنْد الْخَاص وَالْعَام مَعَ لُزُوم منزله وَتردد النَّاس إليه للِانْتِفَاع بِهِ فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية حَتَّى مَاتَ فِي يَوْم الْجُمُعَة ثاني شهر الْمحرم سنة ٩٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَصلى عَلَيْهِ الْخَلِيفَة المتَوَكل على الله العباسي صَاحب مصر عقب صَلَاة الْجُمُعَة وَدفن بتربته الَّتِى أعدهَا فِي ساباط وَله نظم فَمِنْهُ من قصيدة (دموعي قد نمت بسرِّ غرامي ... وباح بوجدي للوشاة سقامي) (فأضحى حديثي بالصبابة مُسْندًا ... بمرسل دمعى من جفون دوامى) وَمن أُخْرَى (مَا خلت برقاً بأرجاء الشآم بدا ... إِلَّا تنفست من أشواقي الصعدا) (وَلَا شممت عبيراً من نسيمكم ... إِلَّا قضيت بَان أقضي بِهِ كمدا)

стр. 27

(١٦) إبراهيم بن مُحَمَّد بن خَلِيل الْبُرْهَان الطرابلسي الأَصْل الشامي المولد وَالدَّار الشافعي ولد في ثاني عشر رَجَب سنة ٧٥٣ ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة بالجلوم بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد اللَّام المضمومة وَمَات أَبوهُ وَهُوَ صَغِير فكفلته أمه وانتقلت بِهِ إلى دمشق فحفظ بهَا بعض الْقُرْآن ثمَّ رجعت بِهِ إلى حلب فَنَشَأَ بهَا وأدخلته مكتب الْأَيْتَام فأكمل بِهِ حفظه وَصلى بِهِ على الْعَادة التَّرَاوِيح فِي رَمَضَان وتلا تجويدا على الْحسن السايس المصري وعَلى الشهَاب ابْن أبي الرضى والحراني وَقَرَأَ في الْفِقْه على ابْن العجمي وَجَمَاعَة كالبلقيني وَابْن الملقن وفي اللُّغَة على مجد الدَّين صَاحب الْقَامُوس وفي الحَدِيث علي الزين العراقي والبلقيني وَابْن الملقن أَيْضا وَجَمَاعَة كَثِيرَة وارتحل إلى مصر مرَّتَيْنِ لقي بهَا جمَاعَة من أعيان الْعلمَاء وإلى دمشق وإسكندرية وَبَيت الْمُقَدّس وغزة والرملة ونابلس وحماه وحمص وطرابلس وبعلبك وروي عَنهُ أَنه قَالَ مشايخي في الحَدِيث نَحْو الْمِائَتَيْنِ وَمن رويت عَنهُ شيئاً من الشّعْر دون الحَدِيث بضع وَثَلَاثُونَ وفي الْعُلُوم غير الحَدِيث نَحْو الثَّلَاثِينَ وَقد جمع الْكل النَّجْم ابْن فَهد في مُجَلد ضخم وَكَذَلِكَ الْحَافِظ ابْن حجر وَاسْتقر بحلب وَلما هجمها تيمور لنك طلع بكتبه الى القلعة فَلَمَّا دخل الْبَلَد وسلبوا النَّاس كَانَ فِيمَن سلب حَتَّى لم يبْق عَلَيْهِ شئ ثمَّ أسروه وبقي مَعَهم إلى أَن رحلوا إلى دمشق فَأطلق وَرجع إلى بَلَده فَلم يجد أحداً من أَهله وَأَوْلَاده قَالَ فَبَقيت قَلِيلا ثمَّ تَوَجَّهت إلى الْقرى الَّتِى حول حلب مَعَ جمَاعَة فَلم أزل هُنَالك إلى أَن رَجَعَ الطغاة جِهَة بِلَادهمْ فَدخلت بيتى فَعَادَت إِلَى أمتى نرجس وَلَقِيت زَوْجَتي وأولادي مِنْهَا وصعدت حِينَئِذٍ القلعة

стр. 28

فَوجدت أَكثر كتبي فأخذتها وَرجعت وَقد اجْتهد المترجم لَهُ فى الحَدِيث اجْتِهَاد كَبِيرا وَسمع العالي والنازل وَقَرَأَ البخاري أَكثر من سِتِّينَ مرة وَمُسلمًا نَحْو الْعشْرين واشتغل بالتصنيف فَكتب تَعْلِيقا لطيفاً على سنَن ابْن مَاجَه وشرحّا مُخْتَصرا على البخاري سَمَّاهُ التلقيح لفهم قَارِئ الصَّحِيح وَهُوَ في أَرْبَعَة مجلدات والمقتضى فِي ضبط الفاظ الشفا فى مُجَلد وَنور النبراس على سيرة ابْن سيد النَّاس فِي مجلدين والتيسير على ألفية العراقي وَشَرحهَا مَعَ زِيَادَة أَبْيَات فى الأَصْل غير مُسْتَغْنى عَنْهَا وَنِهَايَة السؤل في رُوَاة السِّتَّة الْأُصُول في مُجَلد ضخم والكشف الحثيث عَمَّن رمى بِوَضْع الحَدِيث في مُجَلد لطيف والتبيين لأسماء المدلسين فِي كراستين وَتَذْكِرَة الطَّالِب الْمعلم فِيمَن يُقَال انه مخضرم كَذَلِك والاعتباط فِيمَن رمي بالاختلاط قَالَ السخاوي وَكَانَ إماماً عَلامَة حَافِظًا خيراً ديّناً ورعاً متواضعاً وافر الْعقل حسن الْأَخْلَاق متخلقا بجميل الصِّفَات جميل الْعشْرَة محبا للْحَدِيث وَأَهله كثير النصح والمحبة لأَصْحَابه سَاكِنا منجمعاً عَن النَّاس متعففاً عَن التَّرَدُّد إلى بني الدُّنْيَا قانعاً باليسير طارحاً للتكلف رَأْسا في الْعِبَادَة والزهد والورع مديم الصيام وَالْقِيَام سهلاً في التحدث كثير الانصاف والبشر لمن يَقْصِدهُ للأخذ عَنهُ خُصُوصا الغرباء مواظباً على الِاشْتِغَال والإشغال والإقبال على الْقِرَاءَة بِنَفسِهِ حَافِظًا لكتاب الله كثير التِّلَاوَة لَهُ صبوراً على الإسماع رُبمَا أسمع الْيَوْم الْكَامِل من غير ملل وَلَا ضجر عرض عَلَيْهِ قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِبَلَدِهِ فَامْتنعَ وأصرّ على الِامْتِنَاع فَصَارَ بعد ذَلِك كل وَاحِد من قاضيها الشافعي والحنفي من تلامذته وَاتفقَ أَنه في بعض الْأَوْقَات حوصرت

стр. 29

حلب فَرَأى بعض أَهلهَا في الْمَنَام السراج البلقيني فَقَالَ لَهُ لَيْسَ على أهل حلب بَأْس وَلَكِن رح إلى خَادِم السنّة إبراهيم الْمُحدث وَقل لَهُ يقْرَأ عُمْدَة الْأَحْكَام ليفرج عَن الْمُسلمين فَاسْتَيْقَظَ فَاعْلَم الشَّيْخ فبادر إلى قرَاءَتهَا في جمع من طلبة الْعلم وَغَيرهم يَوْم الْجُمُعَة بكرَة النَّهَار ودعا للْمُسلمين بالفرح فاتفق أَنه في آخر ذَلِك النَّهَار نصر الله أهل حلب وَقد حدث بالكثير وَأخذ عَنهُ الْأَئِمَّة طبقَة بعد طبقَة وَألْحق الأصاغر بالأكابر وَصَارَ شيخ الحَدِيث بالبلاد الحلبية بلامدافع وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من الأكابر ابْن خطيب الناصرية والحافظ ابْن حجر وامتحنه فَأدْخل عَلَيْهِ شَيخا في حَدِيث مسلسل رام بذلك اختباره هَل يفْطن أم لَا فَتنبه الْبُرْهَان لذَلِك وَقَالَ لبَعض خواصه إن هَذَا الرجل يعْنى ابْن حجر لم يلقني إِلَّا وَقد صرت نصف رجل إِشَارَة إِلَى أَنه قد كَانَ عرض لَهُ قبل ذَلِك الفالج وأنسي كل شئ حَتَّى الْفَاتِحَة ثمَّ عوفي وَصَارَ يتراجع إليه حفظه كالطفل شَيْئا فَشَيْئًا وَلما دخل التقي الحصني حلب بلغني أَنه لم يتَوَجَّه لزيارته لكَونه كَانَ يُنكر على لابسي الأثواب النفيسة وعَلى المتقشفين فَمَا وسع المترجم لَهُ إِلَّا المجئ إليه فَوَجَدَهُ نَائِما بِالْمَدْرَسَةِ الشرفية فَجَلَسَ حَتَّى انتبه ثمَّ سلم عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ لَعَلَّك التقي الحصني ثمَّ سَأَلَهُ عَن شُيُوخه فسماهم فَقَالَ لَهُ إِن شيوخك الَّذين سميتهم عبيد ابْن تَيْمِية أَو عبيد من أَخذ عَنهُ فَمَا بالك تحط أَنْت عَلَيْهِ فَمَا وسع التقي إِلَّا أَن أَخذ نَعله وَانْصَرف وَلم يَجْسُر يرد عَلَيْهِ وَلم يزل على جلالته وعلو مَكَانَهُ حَتَّى مَاتَ مطعوناً في يَوْم الاثنين سادس عشر شَوَّال سنة ٨٤١ إحدى وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَهُوَ يَتْلُو وَلم يغب لَهُ عقل وَدفن بالجبيل عِنْد أَقَاربه

стр. 30

(١٧) إبراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الهادي بن إبراهيم بن علي بن المرتضى الوزيرى الْعَلامَة الْكَبِير مُصَنف الْهِدَايَة والفصول اللؤلؤية ولد تَقْرِيبًا سنة ٨٦٠ سِتِّينَ وثمان مائَة وَقَرَأَ بِصَنْعَاء وصعدة على جمَاعَة من الشُّيُوخ في الْأُصُول والعربية وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَسَائِر الْفُنُون وَمن مشايخه السَّيِّد علي بن مُحَمَّد بن المرتضى وَالسَّيِّد عبد الله بن يحيى بن المهدي والإمام المتَوَكل على الله المطهر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان والقاضى على بن مُوسَى الدوَّاري والغزولي المصري الْوَاصِل إلى الْيمن وَغير هَؤُلَاءِ وبرع في جَمِيع الْفُنُون وَصَارَ الْمرجع في عصره والمشار إليه بالفضيلة وَله مصنفات أشهرها وأجلّها مَا تقدم وَله نظم رائق فَمِنْهُ قَوْله (وإني وحبِّي للنبي وَآله ... وَمَا اشْتَمَلت مني عَلَيْهِ ضلوع) (وَأَن أفلت مِنْهُم شموس طوالع ... يكون لَهَا بعد الأفول طُلُوع)

стр. 31

وَقد تَرْجمهُ السّخاوي في الضَّوْء اللامع فَلم يزدْ على أن قَالَ السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الله الصّنعاني الآتي أَبوهُ وَابْنه علي كهل فَاضل من أدباء صنعاء الْمَوْجُودين بهَا بعد السّبْعين وثمان مائَة أنشدني وَلَده الْمشَار إليه عَنهُ من قَوْله في أَبْيَات (وَلَا صدعنى ماجد ذُو حفيظة ... وَلَا هجرتني زَيْنَب وسعاد) (وَلَكِن شعري مِثْلَمَا قَالَ شَاعِر ... حَكِيم زُهَيْر دونه وَزِيَاد) (إِذا أنكرتني بَلْدَة أَو نكرتها ... خرجت مَعَ البازي عليّ سَواد) (أَبَت لي نفس حرَّة أَن أهينها ... وَقد شرفتها طيبَة ومعاد) (فَلَيْسَتْ على خسف تقيم ببلدة ... وَلَا بزمام الاحتقار تقاد) انْتهى ماذكره السخاوي وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَقد وهم في قَوْله وَلَده علي فَلَيْسَ لَهُ ولد اسْمه علي بل أَوْلَاده هم احْمَد وَمُحَمّد والهادي شيخ الْأَمَام

стр. 32

شرف الدَّين وَهَذِه الأبيات لَيست لَهُ بل هى لجده الهادى بن ابراهيم ابْن علي بن المرتضى وفي الأبيات خلط وَلم يزل المترجم لَهُ على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ قبل الْعشَاء الْأَخِيرَة من لَيْلَة الْأَحَد ثاني شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٩١٤ أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة (١٨) السَّيِّد ابراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير سيأتي ذكره في تَرْجَمَة وَلَده السَّيِّد علي بن إبراهيم (١٩) إبراهيم بن يحيى بن مُحَمَّد بن صَلَاح السحولي الشجري سيأتي ذكره في تَرْجَمَة وَلَده مُحَمَّد ذكر من اسْمه أَحْمد (٢٠) أَحْمد بن إبراهيم بن الزّبير بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن عَاصِم بن مُسلم بن كَعْب الْعَلامَة أَبُو جَعْفَر الأندلسي الْحَافِظ النحوي ولد سنة ٦٢٧ سبع

стр. 33

وَعشْرين وسِتمِائَة وتلى بالسبع على أَبى الْحسن الساوي وَسمع مِنْهُ وَمن إسحاق بن إبراهيم الطوسي بِفَتْح الطَّاء وإبراهيم بن مُحَمَّد بن الْكَمَال والمؤرخ أَحْمد يُوسُف وأبي الْوَلِيد إسماعيل بن يحيى الأزدي وأبي الْحُسَيْن بن السراج وَمُحَمّد بن أَحْمد بن خَلِيل السلوي وَغَيرهم وَجمع وصنّف وَحدث بالكثير وَبِه تخرّج الْعَلامَة أَبُو حَيَّان وَصَارَ عَلامَة عصره فِي الحَدِيث وَالْقِرَاءَة وَله ذيل على تَارِيخ ابْن بشكوال وَجمع كتاباً في التَّفْسِير سَمَّاهُ ملاك التَّأْوِيل وَقَالَ أَبُو حَيَّان كَانَ يحرر اللُّغَة وَكَانَ أفْصح عَالم رَأَيْته وتفقه عَلَيْهِ خلق وَقَالَ غَيره إنه انفرد بالإفادة وَنشر الْعلم وَحفظ الحَدِيث وتمييز صَحِيحه من سقيمه وصنّف تَارِيخ عُلَمَاء الأندلس وَله كتاب الإعلام فِيمَن ختم بِهِ الْقطر الأندلسي من الْأَعْلَام وَمَا زَالَ على حَاله الْجَمِيل الى أَن توفى سنة ٧٠٨ ثَمَان وَسَبْعمائة في ثاني عشر شهر ربيع الأول مِنْهَا وَمن مناقبه أَن الفازاري السَّاحر أدعى النُّبُوَّة فَقَامَ عَلَيْهِ فاستظهر عَلَيْهِ بتقربه الى أميرها بِالسحرِ وأوذى أَبُو جَعْفَر فتحول الى غرناطه فاتفق قدوم الفازاري رَسُولا من أمير مالقة فَاجْتمع أَبُو جَعْفَر بِصَاحِب غرناطه وَوصف لَهُ حَال الفازارى فأذن لَهُ إذا انْصَرف بِجَوَاب رسَالَته أَن يخرج إليه بِبَعْض أهل الْبَلَد ويطالبه من نَائِب الشَّرْع فَفعل فَثَبت عَلَيْهِ الْحَد وَحكم بقتْله فَضرب بِالسَّيْفِ فَلم يُؤثر فِيهِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر جرّدوه فجردوه فوجدوا جسده مَكْتُوبًا فَغسل ثمَّ وجد تَحت لِسَانه حجراً لطيفاً فَنَزَعَهُ فَعمل فِيهِ السَّيْف فَقتله قَالَ بعض من تَرْجمهُ كَانَ ثِقَة قَائِما بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر

стр. 34

دامغاً لأهل الْبدع وَله مَعَ مُلُوك عصره وقائع وَكَانَ مُعظما عِنْد الْخَاصَّة والعامة (٢١) أَحْمد بن أَحْمد بن عبد الْوَاحِد بن عبد الْغنى ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سَالم ابْن دَاوُد بن يُوسُف بن خَالِد الشَّيْخ شهَاب الدَّين الأذرعيّ ولد بأذرعات الشَّام في سنة ٧٠٨ ثَمَان وَسَبْعمائة وَسمع من الحجاري والمزي وَحضر عِنْد الذهبي وتفقه على ابْن النَّقِيب وَدخل الْقَاهِرَة فَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الْفَخر المصري ثمَّ ألزم بالتّوجه إلى حلب وناب عَن قاضيها نجم الدَّين بن الصَّائِغ فَلَمَّا مَاتَ ترك ذَلِك وَأَقْبل على الِاشْتِغَال والأشغال وراسل السبكي بالمسائل الحلبيات وهي في مُجَلد مَشْهُور واشتهرت فَتَاوِيهِ بالبلاد الحلبية وَكَانَ سريع الْكِتَابَة منطرح النَّفس صَادِق اللهجة شَدِيد الْخَوْف من الله وَله مُصَنف سَمَّاهُ جمع التَّوَسُّط وَالْفَتْح بَين الرَّوْضَة وَالشَّرْح فِي عشْرين مجلدا وَشرح الْمِنْهَاج بشرح سَمَّاهُ غنية الْمُحْتَاج وباخر سَمَّاهُ فَوت الْمُحْتَاج وفي كل مِنْهُمَا مَا لَيْسَ في الآخر وَقدم الْقَاهِرَة بعد موت الشَّيْخ جمال الدَّين الأسنوى وَذَلِكَ فِي جماد الأولى سنة ٧٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة وَأخذ عَنهُ بعض أَهلهَا وَلما قدم دمشق أَخذ عَنهُ جمَاعَة وَحكى عَن نَفسه أَنه كَانَ يكْتب في اللَّيْل كراساً تصنيفاً وفي النَّهَار كراساً تصنيفاً لَا يقطع ذَلِك وَلَو كَانَ ذَلِك مَعَ الْمُوَاظبَة لكَانَتْ تصانيفه كَثِيرَة جداً وَكَانَ فَقِيه النَّفس لطيف الذَّوْق كثير الإنشاد للشعر وَكَانَ يَقُول الْحق وينكر الْمُنكر ويخاطب نواب حلب بالغلظة وَكَانَ محباً للغرباء محسناً إليهم مُعْتَقدًا لأهل

стр. 35

الْخَيْر وَقد ذكر عَنهُ كرامات ومكاشفات وَبَالغ ابْن حبيب في الثَّنَاء عَلَيْهِ وَمن نظمه (يَا موجدي من الْعَدَم ... أقل فقد زلّ الْقدَم) (واغفر ذنوباً قد مضى ... وُقُوعهَا من الْقدَم) (لَا عذر في اكتسابها ... إِلَّا الخضوع والندم) (إِن الْجواد شَأْنه ... غفران زلات الخدم) مَاتَ ﵀ في خَامِس عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٨٣ ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ٢٢ - السَّيِّد أَحْمد بن أَحْمد الأنسي القهدة اليماني الْمَعْرُوف بالزنمة الشَّاعِر الْمَشْهُور نَشأ بِصَنْعَاء ومدح الإمام الْمُؤَيد مُحَمَّد بن إسماعيل بن الْقَاسِم وَكَانَ حاد الطَّبْع سريع الانجراف فعامله الْمُؤَيد بِاللَّه بالحلم ومدح المهدى صَاحب الْمَوَاهِب مُحَمَّد بن احْمَد وَجَرت لَهُ مَعَه خطوب كَثِيرَة فلحق بِمَكَّة ومدح أميرها الشريف أَحْمد بن غَالب بقصيدة طنانة حثه فِيهَا على أَخذ الْيمن لما جبل عَلَيْهِ من القحة وأولها (عج بالكثيب وحيِّ الحي من كثب ... فثمّ يذهب مَا بالصب من وصب) (وَانْزِلْ بِحَيْثُ ترى الآرام سانحة ... بَين الخميسين والهندية القضب) فَأحْسن الشريف نزله وَاجْتمعَ هُنَالك بِجَمَاعَة من أدباء الْعَصْر من مَكَّة ومصر والهند وَالشَّام وَمِنْهُم حفيد الخفاجى صَاحب الربحانه وَابْن مَعْصُوم وَالسَّيِّد حُسَيْن بن عبد الْقَادِر فَاجْتمعُوا فِي منزل الشريف فَقَالَ الخفاجي هَا نَحن قد اجْتَمَعنَا هَذَا الِاجْتِمَاع وَهَؤُلَاء أدباء الْيمن

стр. 36

المشهورون وأدباء الْهِنْد وَالشَّام ومصر وَأَنا أعمل ذيل الربحانه فَهَلُمُّوا فلينظم كل وَاحِد منا قصيدة نبوية هَذِه اللَّيْلَة وَمن أحرز قصبات السَّبق حكمت بانحياز الْأَدَب إلى قطره فنظم كل وَاحِد مِنْهُم قصيدة ونظم صَاحب التَّرْجَمَة قصيدته الْمَشْهُورَة (أَلا حى ذَاك من ساكني صنعا ... فكم أَحْسنُوا بالنازلين بهم صنعا) فَحكم الخفاجي لَهُ بِالسَّبقِ فحسدوه وتعصبوا فَفَارَقَ مَكَّة وَعَاد إلى حَضْرَة المهدي صَاحب الْمَوَاهِب تَائِبًا ومدحه بغرر القصائد ونال مِنْهُ دنيا عريضة وَمن محَاسِن شعره مَا رَاجع بِهِ بعض أَصْحَابه قَائِلا في مطلع قصيدته (أعقود نظمك أم حباب الراح ... قد رَاح يجلوها خضيب الراح) وَمن قصائده الفائقة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا (ألمت تهادى والمعنف قد أغفى ... ) وَالْقَصِيدَة الَّتِى مطْلعهَا (أفي أوج الْمَوَاهِب أصفهان ... أم التخت الرفيع وشاهجان) مدح بهَا المهدي لما وصل إليه رَسُول ملك الْعَجم وَجَرت لَهُ وقائع مَعَ المهدي تَارَة يغْضب عَلَيْهِ وَتارَة يرضى عَنهُ إلى أَن توفي في سنة ١١١٩ تسع عشرَة وَمِائَة وألف بِجَزِيرَة زيلع وشعره تَارَة يكون فِي أعلا طبقَة وَتارَة يكون سافلاً وَرُبمَا وجد فِيهِ لحن ووالده شَاعِر مَشْهُور مدح المتَوَكل على الله اسماعيل وَهُوَ دون وَلَده هَذَا فِي الشّعْر (٢٣) أَحْمد بن إسماعيل بن أَبى بكر بن عمر بن بُرَيْدَة بموحدة وَرَاء ودال مُهْملَة ثمَّ هَاء مُصَغرًا الشهَاب الابشيطى ثمَّ

стр. 37

القاهري الأزهري الشافعي نزيل طيبة وَأحد السادات ولد فى سنة ٨٠٢ اثْنَتَيْنِ وثمان مائَة بابشيط بِكَسْر الْهمزَة ثمَّ مُوَحدَة سَاكِنة بعْدهَا مُعْجمَة ثمَّ تَحْتَانِيَّة وطاء مُهْملَة قَرْيَة من قرى الْمحلة من الغربية وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَكَذَا الْعُمْدَة والتبريزي وأخذ الْفِقْه عَن ابْن الصَّواف وَابْن حميد وَابْن قطب الدَّين وتلى الْقُرْآن على الرمسيسي ثمَّ انْتقل إلى الْقَاهِرَة في سنة ٨٢٠ عشْرين وَثَمَانمِائَة فقطن جَامع الْأَزْهَر مُدَّة وَأخذ بهَا الْفِقْه عَن الْبُرْهَان البيجوري وَالشَّمْس البرماوي والولي العراقي وَجَمَاعَة وَأخذ الْمنطق عَن الْعِزّ بن عبد السَّلَام والنحو عَن الشهَاب أَحْمد الصنهاجي وَالشَّمْس الشنطوفي والمحلي والمحب بن نصر الله والشرف السبكي وَسمع الحَدِيث عَن جمَاعَة مِنْهُم الولي العراقي والحافظ ابْن حجر وبرع فِي الْفِقْه وأصوله والعربية والفرائض والحساب وَالْعرُوض والمنطق وَغير ذَلِك وتصدر للإقراء فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة كالبكري والجوجري وصنَّف تصانيف مِنْهَا نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه ونظم أَبى شُجَاع والناسخ والمنسوخ للبارزي وَشرح الرحبية والمنهاج الآصلي ومختصر ابْن الْحَاجِب وتصريف ابْن مَالك وايساغوجي والخزرجية وَغير ذَلِك وَعرف بالزهد وَالْعِبَادَة ومزيد التقشف والإيثار والانعزال والإقبال على وظائف الْخَيْر مَعَ قلَّة ذَات يَده بِحَيْثُ لم يكن فى بَيته شئ يفرشه لَا حَصِير وَلَا غَيره بل ينَام على بَاب هُنَالك ثمَّ جح في سنة ٧٥٧ سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وزار النبي ﵌ وَانْقطع بِالْمَدِينَةِ الْمُبَارَكَة وَعظم انْتِفَاع أَهلهَا بِهِ وحفظوا من كراماته وبديع إشاراته مَا يفوق الْوَصْف وَكَانَ ذَلِك كلمة

стр. 38

إجماع وَصَارَ فِي غَالب السنين يحج مِنْهَا بل جاور بِمَكَّة في سنة ٧٧١ إحدى وَسبعين وَسَبْعمائة وَامْتنع من التحديث في الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة أدباً مَعَ أَبى الْفرج المراغي فِيمَا قيل قَالَ السخاوي وَالظَّاهِر أَنه للأدب مَعَ النبي ﵌ مَاتَ بعد عصر يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع رَمَضَان سنة ٧٨٣ ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَدفن بِالبَقِيعِ بِالْقربِ من قبر الإمام مَالك وَمن نظمه فِي السَّبع المنجيات (المنجيات السَّبع مِنْهَا الواقعة ... وَقبلهَا ياسين تِلْكَ الجامعة) (وَالْخمس الانشراح وَالدُّخَان ... وَالْملك والبروج والإنسان) (٢٤) أَحْمد بن إسماعيل بن عُثْمَان بن أَحْمد بن رشيد ابْن إبراهيم شرف الدَّين التبريزي الكوراني القاهري ثمَّ الرومي الشافعي عَالم بِلَاد الروم ولد في سنة ٨١٣ ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة بقرية من كوران وَحفظ الْقُرْآن وتلي السَّبع على القزويني البغدادي وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكَشَّاف وحاشيته للتفتازاني وَأخذ عَنهُ النَّحْو مَعَ علمي الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْعرُوض وَكَذَا اشْتغل على غَيره فِي الْعُلُوم وتميّز في الْأَصْلَيْنِ والمنطق وَغَيرهَا وفى النَّحْو والمعاني وَالْبَيَان وَغير ذَلِك من العقليات وشارك فِي الْفِقْه ثمَّ تحوّل إلى حصن كيفا فَأخذ عَن الْجلَال الحلواني في الْعَرَبيَّة وجال فى بَغْدَاد ودياربكر وَقدم دمشق في حُدُود الثَّلَاثِينَ فلازم الْعَلَاء البخاري وانتفع بِهِ وَكَانَ يرجح الْجلَال عَلَيْهِ وَكَذَا قدم مَعَ الْجلَال بَيت الْمُقَدّس وَقَرَأَ عَلَيْهِ في الْكَشَّاف ثمَّ قدم الْقَاهِرَة في حُدُود سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَهُوَ فَقير جداً فَأخذ عَن ابْن حجرٍ فِي البخاري وَشرح الألفية للعراقي ولازمه وَغَيره

стр. 39

وَسمع صَحِيح مُسلم عَن ابْن الزركشي ولازم الشرواني كثيراً وَقَرَأَ عَلَيْهِ صَحِيح مُسلم والشاطبية وأكبّ على الاشتغال والأشغال بِحَيْثُ قَرَأَ على الْعَلَاء القلقشندي في الحاوي ولازم حُضُور الْمجَالِس الْكِبَار كمجلس قِرَاءَة البخاري بِحَضْرَة السُّلْطَان وَغَيره واتصل بالكمال البارزي فَنَوَّهَ بِهِ وبالزيني عبد الباسط وَغَيرهمَا من المباشرين والأمراء بِحَيْثُ اشْتهر وناظر الأماثل وَذكر بالطلاقة والبراعة والجرأة الزَّائِدَة فَلَمَّا ولي الظَّاهِر جقمق وَكَانَ يَصْحَبهُ تردّد اليه فاكثر وَصَارَ أحد ندمائه وخواصه فانثالت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَتزَوج مرة بعد أُخْرَى لمزيد رغبته فى النِّسَاء مَعَ كَونه مطلاقا قَالَ السخاوي وَظهر لما ترفَّع حَاله مَا كَانَ كامناً عَلَيْهِ من اعْتِقَاد نَفسه الَّذِي جرّ إليه الطيش والخفة وَلم يلبث أَن وَقع بَينه وَبَين حميد الدَّين النعماني الْمَنْسُوب إِلَى أَبى حنيفَة والمحكي أَنه من ذُريَّته مبَاحث تسطَّا فِيهَا عَلَيْهِ وتشاتما بِحَيْثُ تعدى هَذَا الى ابائه وَوصل علم ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وسجنه بالبرج ثمَّ ادعى عَلَيْهِ عِنْد قاضي الْحَنَفِيَّة ابْن الديرى وأقيمت الْبَيِّنَة بالشتم وبكون المشتوم من ذُرِّيَّة الإمام أَبى حنيفَة وعزر بِحَضْرَة السُّلْطَان نَحْو ثَمَانِينَ ضَرْبَة وَأمر بنفيه وَأخرج عَن تدريس الْفِقْه بالبرقوقية فاستقر فِيهِ الْجلَال الْمحلى اه قلت وَقد لطف الله بالمترجم لَهُ بمرافعته إِلَى حَاكم ضفى فَلَو روفع إِلَى مالكي لحكم بِضَرْب عُنُقه وقبَّح الله هَذِه المجازفات والاستحلال للدماء والأعراض بِمُجَرَّد أشياء لم يُوجب الله فِيهَا إِرَاقَة دم وَلَا هتك عرض فان ضرب هَذَا الْعَالم الْكَبِير نَحْو ثَمَانِينَ جلدَة ونفيه وتمزيق عرضه والوضع من شَأْنه بِمُجَرَّد كَونه شاتم من شاتمه ظلم بَين وعسف ظَاهر وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا يدري بانتساب من

стр. 40

ذكر إِلَى ذَلِك الإمام لَا جرم قد أبدله الله بسُلْطَان خيّر من سُلْطَانه وجيران أفضل من جِيرَانه ورزق أوسع مِمَّا منعُوهُ مِنْهُ وجاه أرفع مِمَّا حسدوه عَلَيْهِ فإنه لما خرج توجه الى مملكة الرّوم وَمَا زَالَ يترقى بهَا حَتَّى اسْتَقر في قَضَاء الْعَسْكَر وَغَيره وتحول حنفياً وَعظم اخْتِصَاصه بِملك الروم ومدحه وَغَيره بقصائد طنانة وَحسنت حَاله هُنَالك جداً بِحَيْثُ لم يصر عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد مُرَاد أحظى مِنْهُ وانتقل من قَضَاء الْعَسْكَر إلى منصب الْفَتْوَى وَتردد إليه الأكابر وَشرح جمع الْجَوَامِع وَكثر تعقبه للمحلي وَعمل تَفْسِيرا وشرحاً على البخاري وقصيدة في علم الْعرُوض نَحْو سِتّمائَة بَيت وَأَنْشَأَ باسطنبول جَامعا ومدرسة سَمَّاهَا دَار الحَدِيث وانثالت عَلَيْهِ الدِّينَا وَعمر الدور وانتشر علمه فَأخذ عَلَيْهِ الأكابر وَحج فى سنة ٨٦١ إحدى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَلم يزل على جلالته حَتَّى مَاتَ فى أَوَاخِر سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَصلى عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه وَمن مطالع قصائده في مدح سُلْطَانه (هُوَ الشَّمْس إلا أَنه اللَّيْث باسلاً ... هُوَ الْبَحْر إلا أَنه مَالك الْبر) وَقد تَرْجمهُ صَاحب الشقائق النعمانية تَرْجَمَة حافلة وَذكر فِيهَا أن سُلْطَان الروم السُّلْطَان مُحَمَّد عرض عَلَيْهِ الوزارة فَلم يقبلهَا وَأَنه أَتَاهُ مرة مرسوم من السُّلْطَان فِيهِ مُخَالفَة للْوَجْه الشرعي فمزقه وَأَنه كَانَ يُخَاطب السُّلْطَان باسمه وَلَا ينحني لَهُ وَلَا يقبل يَده بل يصافحه مصافحة وانه كَانَ لَا يأتى الى السُّلْطَان إِلَّا إِذا أرسل اليه وَكَانَ يَقُول لَهُ مطعمك حرَام وملبسك حرَام فَعَلَيْك بِالِاحْتِيَاطِ وَذكر لَهُ مَنَاقِب جمّة تدل على أَنه من الْعلمَاء العاملين لَا كَمَا قَالَ السخاوي
следующие страницы →