Полный текст (892 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المشهورون وأدباء الْهِنْد وَالشَّام ومصر وَأَنا أعمل ذيل الربحانه فَهَلُمُّوا فلينظم كل وَاحِد منا قصيدة نبوية هَذِه اللَّيْلَة وَمن أحرز قصبات السَّبق حكمت بانحياز الْأَدَب إلى قطره فنظم كل وَاحِد مِنْهُم قصيدة ونظم صَاحب التَّرْجَمَة قصيدته الْمَشْهُورَة
(أَلا حى ذَاك من ساكني صنعا ... فكم أَحْسنُوا بالنازلين بهم صنعا)
فَحكم الخفاجي لَهُ بِالسَّبقِ فحسدوه وتعصبوا فَفَارَقَ مَكَّة وَعَاد إلى حَضْرَة المهدي صَاحب الْمَوَاهِب تَائِبًا ومدحه بغرر القصائد ونال مِنْهُ دنيا عريضة وَمن محَاسِن شعره مَا رَاجع بِهِ بعض أَصْحَابه قَائِلا في مطلع قصيدته
(أعقود نظمك أم حباب الراح ... قد رَاح يجلوها خضيب الراح)
وَمن قصائده الفائقة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(ألمت تهادى والمعنف قد أغفى ... )
وَالْقَصِيدَة الَّتِى مطْلعهَا
(أفي أوج الْمَوَاهِب أصفهان ... أم التخت الرفيع وشاهجان)
مدح بهَا المهدي لما وصل إليه رَسُول ملك الْعَجم وَجَرت لَهُ وقائع مَعَ المهدي تَارَة يغْضب عَلَيْهِ وَتارَة يرضى عَنهُ إلى أَن توفي في سنة ١١١٩ تسع عشرَة وَمِائَة وألف بِجَزِيرَة زيلع وشعره تَارَة يكون فِي أعلا طبقَة وَتارَة يكون سافلاً وَرُبمَا وجد فِيهِ لحن ووالده شَاعِر مَشْهُور مدح المتَوَكل على الله اسماعيل وَهُوَ دون وَلَده هَذَا فِي الشّعْر
(٢٣) أَحْمد بن إسماعيل بن أَبى بكر بن عمر بن بُرَيْدَة
بموحدة وَرَاء ودال مُهْملَة ثمَّ هَاء مُصَغرًا الشهَاب الابشيطى ثمَّ
стр. 37
القاهري الأزهري الشافعي نزيل طيبة وَأحد السادات ولد فى سنة ٨٠٢ اثْنَتَيْنِ وثمان مائَة بابشيط بِكَسْر الْهمزَة ثمَّ مُوَحدَة سَاكِنة بعْدهَا مُعْجمَة ثمَّ تَحْتَانِيَّة وطاء مُهْملَة قَرْيَة من قرى الْمحلة من الغربية وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَكَذَا الْعُمْدَة والتبريزي وأخذ الْفِقْه عَن ابْن الصَّواف وَابْن حميد وَابْن قطب الدَّين وتلى الْقُرْآن على الرمسيسي ثمَّ انْتقل إلى الْقَاهِرَة في سنة ٨٢٠ عشْرين وَثَمَانمِائَة فقطن جَامع الْأَزْهَر مُدَّة وَأخذ بهَا الْفِقْه عَن الْبُرْهَان البيجوري وَالشَّمْس البرماوي والولي العراقي وَجَمَاعَة وَأخذ الْمنطق عَن الْعِزّ بن عبد السَّلَام والنحو عَن الشهَاب أَحْمد الصنهاجي وَالشَّمْس الشنطوفي والمحلي والمحب بن نصر الله والشرف السبكي وَسمع الحَدِيث عَن جمَاعَة مِنْهُم الولي العراقي والحافظ ابْن حجر وبرع فِي الْفِقْه وأصوله والعربية والفرائض والحساب وَالْعرُوض والمنطق وَغير ذَلِك وتصدر للإقراء فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة كالبكري والجوجري وصنَّف تصانيف مِنْهَا نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه ونظم أَبى شُجَاع والناسخ والمنسوخ للبارزي وَشرح الرحبية والمنهاج الآصلي ومختصر ابْن الْحَاجِب وتصريف ابْن مَالك وايساغوجي والخزرجية وَغير ذَلِك وَعرف بالزهد وَالْعِبَادَة ومزيد التقشف والإيثار والانعزال والإقبال على وظائف الْخَيْر مَعَ قلَّة ذَات يَده بِحَيْثُ لم يكن فى بَيته شئ يفرشه لَا حَصِير وَلَا غَيره بل ينَام على بَاب هُنَالك ثمَّ جح في سنة ٧٥٧ سبع وَخمسين وَسَبْعمائة وزار النبي ﵌ وَانْقطع بِالْمَدِينَةِ الْمُبَارَكَة وَعظم انْتِفَاع أَهلهَا بِهِ وحفظوا من كراماته وبديع إشاراته مَا يفوق الْوَصْف وَكَانَ ذَلِك كلمة
стр. 38
إجماع وَصَارَ فِي غَالب السنين يحج مِنْهَا بل جاور بِمَكَّة في سنة ٧٧١ إحدى وَسبعين وَسَبْعمائة وَامْتنع من التحديث في الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة أدباً مَعَ أَبى الْفرج المراغي فِيمَا قيل قَالَ السخاوي وَالظَّاهِر أَنه للأدب مَعَ النبي ﵌ مَاتَ بعد عصر يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع رَمَضَان سنة ٧٨٣ ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَدفن بِالبَقِيعِ بِالْقربِ من قبر الإمام مَالك وَمن نظمه فِي السَّبع المنجيات
(المنجيات السَّبع مِنْهَا الواقعة ... وَقبلهَا ياسين تِلْكَ الجامعة)
(وَالْخمس الانشراح وَالدُّخَان ... وَالْملك والبروج والإنسان)
(٢٤) أَحْمد بن إسماعيل بن عُثْمَان بن أَحْمد بن رشيد ابْن إبراهيم شرف الدَّين
التبريزي الكوراني القاهري ثمَّ الرومي الشافعي عَالم بِلَاد الروم ولد في سنة ٨١٣ ثَلَاث عشرَة وثمان مائَة بقرية من كوران وَحفظ الْقُرْآن وتلي السَّبع على القزويني البغدادي وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكَشَّاف وحاشيته للتفتازاني وَأخذ عَنهُ النَّحْو مَعَ علمي الْمعَانى وَالْبَيَان وَالْعرُوض وَكَذَا اشْتغل على غَيره فِي الْعُلُوم وتميّز في الْأَصْلَيْنِ والمنطق وَغَيرهَا وفى النَّحْو والمعاني وَالْبَيَان وَغير ذَلِك من العقليات وشارك فِي الْفِقْه ثمَّ تحوّل إلى حصن كيفا فَأخذ عَن الْجلَال الحلواني في الْعَرَبيَّة وجال فى بَغْدَاد ودياربكر وَقدم دمشق في حُدُود الثَّلَاثِينَ فلازم الْعَلَاء البخاري وانتفع بِهِ وَكَانَ يرجح الْجلَال عَلَيْهِ وَكَذَا قدم مَعَ الْجلَال بَيت الْمُقَدّس وَقَرَأَ عَلَيْهِ في الْكَشَّاف ثمَّ قدم الْقَاهِرَة في حُدُود سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَهُوَ فَقير جداً فَأخذ عَن ابْن حجرٍ فِي البخاري وَشرح الألفية للعراقي ولازمه وَغَيره
стр. 39
وَسمع صَحِيح مُسلم عَن ابْن الزركشي ولازم الشرواني كثيراً وَقَرَأَ عَلَيْهِ صَحِيح مُسلم والشاطبية وأكبّ على الاشتغال والأشغال بِحَيْثُ قَرَأَ على الْعَلَاء القلقشندي في الحاوي ولازم حُضُور الْمجَالِس الْكِبَار كمجلس قِرَاءَة البخاري بِحَضْرَة السُّلْطَان وَغَيره واتصل بالكمال البارزي فَنَوَّهَ بِهِ وبالزيني عبد الباسط وَغَيرهمَا من المباشرين والأمراء بِحَيْثُ اشْتهر وناظر الأماثل وَذكر بالطلاقة والبراعة والجرأة الزَّائِدَة فَلَمَّا ولي الظَّاهِر جقمق وَكَانَ يَصْحَبهُ تردّد اليه فاكثر وَصَارَ أحد ندمائه وخواصه فانثالت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَتزَوج مرة بعد أُخْرَى لمزيد رغبته فى النِّسَاء مَعَ كَونه مطلاقا قَالَ السخاوي وَظهر لما ترفَّع حَاله مَا كَانَ كامناً عَلَيْهِ من اعْتِقَاد نَفسه الَّذِي جرّ إليه الطيش والخفة وَلم يلبث أَن وَقع بَينه وَبَين حميد الدَّين النعماني الْمَنْسُوب إِلَى أَبى حنيفَة والمحكي أَنه من ذُريَّته مبَاحث تسطَّا فِيهَا عَلَيْهِ وتشاتما بِحَيْثُ تعدى هَذَا الى ابائه وَوصل علم ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وسجنه بالبرج ثمَّ ادعى عَلَيْهِ عِنْد قاضي الْحَنَفِيَّة ابْن الديرى وأقيمت الْبَيِّنَة بالشتم وبكون المشتوم من ذُرِّيَّة الإمام أَبى حنيفَة وعزر بِحَضْرَة السُّلْطَان نَحْو ثَمَانِينَ ضَرْبَة وَأمر بنفيه وَأخرج عَن تدريس الْفِقْه بالبرقوقية فاستقر فِيهِ الْجلَال الْمحلى اه قلت وَقد لطف الله بالمترجم لَهُ بمرافعته إِلَى حَاكم ضفى فَلَو روفع إِلَى مالكي لحكم بِضَرْب عُنُقه وقبَّح الله هَذِه المجازفات والاستحلال للدماء والأعراض بِمُجَرَّد أشياء لم يُوجب الله فِيهَا إِرَاقَة دم وَلَا هتك عرض فان ضرب هَذَا الْعَالم الْكَبِير نَحْو ثَمَانِينَ جلدَة ونفيه وتمزيق عرضه والوضع من شَأْنه بِمُجَرَّد كَونه شاتم من شاتمه ظلم بَين وعسف ظَاهر وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ لَا يدري بانتساب من
стр. 40
ذكر إِلَى ذَلِك الإمام لَا جرم قد أبدله الله بسُلْطَان خيّر من سُلْطَانه وجيران أفضل من جِيرَانه ورزق أوسع مِمَّا منعُوهُ مِنْهُ وجاه أرفع مِمَّا حسدوه عَلَيْهِ فإنه لما خرج توجه الى مملكة الرّوم وَمَا زَالَ يترقى بهَا حَتَّى اسْتَقر في قَضَاء الْعَسْكَر وَغَيره وتحول حنفياً وَعظم اخْتِصَاصه بِملك الروم ومدحه وَغَيره بقصائد طنانة وَحسنت حَاله هُنَالك جداً بِحَيْثُ لم يصر عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد مُرَاد أحظى مِنْهُ وانتقل من قَضَاء الْعَسْكَر إلى منصب الْفَتْوَى وَتردد إليه الأكابر وَشرح جمع الْجَوَامِع وَكثر تعقبه للمحلي وَعمل تَفْسِيرا وشرحاً على البخاري وقصيدة في علم الْعرُوض نَحْو سِتّمائَة بَيت وَأَنْشَأَ باسطنبول جَامعا ومدرسة سَمَّاهَا دَار الحَدِيث وانثالت عَلَيْهِ الدِّينَا وَعمر الدور وانتشر علمه فَأخذ عَلَيْهِ الأكابر وَحج فى سنة ٨٦١ إحدى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَلم يزل على جلالته حَتَّى مَاتَ فى أَوَاخِر سنة ٨٩٣ ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَصلى عَلَيْهِ السُّلْطَان فَمن دونه وَمن مطالع قصائده في مدح سُلْطَانه
(هُوَ الشَّمْس إلا أَنه اللَّيْث باسلاً ... هُوَ الْبَحْر إلا أَنه مَالك الْبر)
وَقد تَرْجمهُ صَاحب الشقائق النعمانية تَرْجَمَة حافلة وَذكر فِيهَا أن سُلْطَان الروم السُّلْطَان مُحَمَّد عرض عَلَيْهِ الوزارة فَلم يقبلهَا وَأَنه أَتَاهُ مرة مرسوم من السُّلْطَان فِيهِ مُخَالفَة للْوَجْه الشرعي فمزقه وَأَنه كَانَ يُخَاطب السُّلْطَان باسمه وَلَا ينحني لَهُ وَلَا يقبل يَده بل يصافحه مصافحة وانه كَانَ لَا يأتى الى السُّلْطَان إِلَّا إِذا أرسل اليه وَكَانَ يَقُول لَهُ مطعمك حرَام وملبسك حرَام فَعَلَيْك بِالِاحْتِيَاطِ وَذكر لَهُ مَنَاقِب جمّة تدل على أَنه من الْعلمَاء العاملين لَا كَمَا قَالَ السخاوي
стр. 41
(٢٥) أَحْمد بن أويس بن الشَّيْخ حسن بن الْحُسَيْن بن اقبغا أبن ايلكان ابْن القان غياث الدَّين
صَاحب بَغْدَاد وتبريز وسلطانهما ملك بعد أَبِيه الْمُتَوفَّى بتبريز فِي سنة ٦٧٦ سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة فَأَقَامَ إلى سنة ٦٩٥ خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة ثمَّ قدم حلب وَمَعَهُ نَحْو أَرْبَعمِائَة فَارس من أَصْحَابه جافلاً من تيمورلنك حِين استيلائه على بَغْدَاد لائذاً بالطاهر برقوق فأرسل الْأَمر بإكرامه ثمَّ استقدمه الْقَاهِرَة وَبَالغ في إكرامه بِحَيْثُ تَلقاهُ وَأرْسل لَهُ نَحْو عشرَة آلاف دِينَار ومائتي قِطْعَة قماش وعدة خُيُول وَعشْرين جَارِيَة وَمثلهَا مماليك وَتزَوج السُّلْطَان أُخْتا لَهُ وَأقَام في ظله إِلَى أَن سَافر مَعَه حِين توجهه بالعساكر إلى جِهَة الشَّام وحلب فَلَمَّا رَجَعَ عَاد أَحْمد إلى بِلَاده بعد أَن ألبسهُ تَشْرِيفًا وتزايدت وجاهته وجلالته فَلم يلبث أَن ساءت سيرته وَقتل جمَاعَة فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْبَاقُونَ وأخرجوه وكاتبوا نَائِب تيمورلنك بشيراز ليستلمها فَفعل وهرب هَذَا إلى قرا يُوسُف التركماني بالموصل فسافر مَعَه إلى بَغْدَاد فَالتقى بِهِ أَهلهَا فكسروه وانهزما نَحْو الشَّام وقطعا الْفُرَات ومعهما جمع كَبِير من عَسْكَر بَغْدَاد والتركمان وَنزلا بالساجور قَرِيبا من حلب فَخرج إليهما نَائِب حلب وَغَيره من النواب فَكَانَت وقعة فظيعة انْكَسَرَ فِيهَا الْعَسْكَر الحلبي وأسر نَائِب حماه وتوجها نَحْو بِلَاد الروم فَلَمَّا كَانَ قَرِيبا من بهسنى التقاه نائبها وَجَمَاعَة فكسروه واستلبوا مِنْهُ سَيْفا يُقَال لَهُ سيف الْخلَافَة وَغير ذَلِك وَعَاد إلى بَغْدَاد فَدَخلَهَا وَمكث بهَا مُدَّة حَاكما ثمَّ جَاءَ إليها التتار فَخرج هَارِبا بمفرده
стр. 42
وَجَاء إلى حلب في صفر سنة ٧٠٦ سِتّ وَسَبْعمائة وَهُوَ بزي الْفُقَرَاء فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ رسم النَّاصِر باعتقاله فاعتقل بهَا ثمَّ طلب إلى الْقَاهِرَة فَتوجه إليها واعتقل في توجهه بقلعة دمشق ثمَّ أطلق بِغَيْر رِضَاء السُّلْطَان وَعَاد إلى بَغْدَاد ودخلها بعد أن نزل التتار عَنْهَا بوفاة تيمور لنك وَاسْتمرّ على عَادَته وتنازع هُوَ وقرا يُوسُف فَكَانَت الكسرة عَلَيْهِ فَأسرهُ وَقَتله خنفا في لَيْلَة الْأَحَد سلخ شهر ربيع الآخر سنة ٧١٣ ثَلَاث عشر وَسَبْعمائة وَقد طوّل ابْن حجر تَرْجَمته في أنبائه وَقَالَ أَنه سَار السِّيرَة الحائرة وَقتل في يَوْم وَاحِد ثَمَانمِائَة نفس من الأعيان قَالَ وَكَانَ سفاكاً للدماء متجاهراً بالقبائح وَله مُشَاركَة في عدَّة عُلُوم كَالنُّجُومِ والموسيقى وَله شعر كثير بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيرهَا وَكتب الْخط الْمَنْسُوب مَعَ شجاعة ودهاء وحيل ومحبة لأهل الْعلم وَقَالَ ابْن خطيب الناصرية كَانَ مهيباً لَهُ سطوة على الرعية فتاكاً منهمكاً على الشّرْب وَاللَّذَّات لَهُ يَد طولى فِي علم الموسيقى
(٢٦) الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد
سيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة وَالِده ولد ﵀ سنة ١٠٢٩ تسع وَعشْرين وَألف ثمَّ لما بلغ مبلغ الرِّجَال ظَهرت مِنْهُ شجاعة وبراعة وَقُوَّة جنان وإقدام زَائِد وَوَقع مِنْهُ في أَيَّام عَمه الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم بعد موت وَالِده الْمُجَاهِد الْحسن بن الإمام بعض مُخَالفَة ثمَّ عَاد الْأَمر إِلَى الْمُوَافقَة وَاسْتمرّ فِي أَيَّام الْمُؤَيد إِلَى آخرهَا ثمَّ في أَيَّام عَمه الإمام المتَوَكل على الله إسماعيل وجاهد في أَيَّامه الجهادات الْمَشْهُورَة وأوقع بِأَهْل البغي الوقعات المأثورة وَدخل بالجيش مرة بعد أُخْرَى الى خضرموت ودوخ تِلْكَ
стр. 43
الممالك وأذعن لَهُ سلاطين يافع بل وصلوا تَحت ركابه إلى الإمام ثمَّ دخل الْجوف مرّة بعد مرّة وَمَا زَالَ في مجاهدة ومناصرة للحق ومدافعة للظلمة والبغاة حَتَّى مَاتَ عَمه المتَوَكل على الله فاجتمعت الْكَلِمَة من الْعلمَاء والرؤساء والسادة والأكابر عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ وَوَقع من قَاسم بن الْمُؤَيد بعض الْمُخَالفَة ثمَّ عَاد الأمر إلى الْمُوَافقَة وَكَانَت بيعَته عِنْد موت الإمام المتَوَكل على الله في التَّارِيخ الآتي في تَرْجَمته وَاسْتمرّ كَذَلِك مُجَاهدًا قَائِما بِالدفع عَن الْمُسلمين إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى في جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٠٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وقبر بمشهده الْمَشْهُور بالغراس ومازال مَقْصُودا بالزيارة من كثير من النَّاس إلى هَذَا التَّارِيخ وَهُوَ من أعظم الْأَئِمَّة الْمُجَاهدين الباذلين نُفُوسهم لدفع المعاندين بل الله ثراه بوابل رضوانه
стр. 44
(٢٧) السَّيِّد أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد بن حميد الدَّين ابْن المطهر بن الامام شرف الدَّين
الشَّاعِر الأديب الصَّنعاني مؤلف ترويح المشوق في تلويح البروق
стр. 45
ذكر فِيهِ مادار بَينه وَبَين جمَاعَة من أهل عصره وَقد ترْجم لَهُ مُحَمَّد أَمِين في نفحة الريحانة وَترْجم لَهُ صَاحب مطلع البدور وَمن نظمه الْفَائِق القصيدة الَّتِى أَنْشَأَهَا على روي قصيدة ابْن مطروح
(بأبي وبي طيف طرق ... عذب اللما والمعتنق)
(فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة
(إياك من سود الحدق ... فهي الَّتِى تكسو القلق)
(لَا يخدعنك حسنها ... فالأمن يتبعهُ الْفرق)
(وَاحْذَرْ ملاطفة الغوا ... نى بالتذلل والملق)
(يَا أَيهَا الْمولى الذي ... أَنا من موَالِيه ارق)
ثمَّ أَطَالَ من هَذَا وَهُوَ لَيْسَ بطائل وَمن شعره القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(يارشاء أشمت بي العواذلا ... مَالك جانبت الْوَفَاء عادلا)
(مازلت توليني صدوداً دَائِما ... قد نصبت لي هدبك الحبائلا)
(أوقعتني فِيهَا فَلَمَّا وَقعت ... نفسي مَا حصلت مِنْهَا طائلا)
وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَمن نظمه القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
стр. 46
(لله أَيَّام الْغَزل ... مابين معترك الْمقل)
(أَيَّام ركضى فِي ميا ... دين المسرة والجذل)
وهي قصيدة طَوِيلَة وَمن شعره الأبيات الَّتِى أَولهَا
(سبقى الأثل كل سَحَاب مظله ... عَلَيْهِ وَلَا بَرحت مستهله)
وَمن شعره
(قدم الربيع وَخير مقدم ... والغيث أثجم ثمَّ أثجم)
(ومقدم الأنواء لَو ... صلى الولي وَرَاه سلّم)
(والجوُّ ينشر مطرفاً ... لَك فاختي اللَّوْن معلّم)
(والسحب مدّ رواق ديباج بساحتنا وخيّم)
(وَالرَّوْض نمقه الغما ... م بِحسن صَنعته ونمّم)
(فَبَدَا يروق الناظرين ... كَأَنَّهُ برد مسهم)
وهي أَبْيَات جَيِّدَة وَتُوفِّي في سنة ١٠٨٠ ثَمَانِينَ وَألف
(٢٨) أَحْمد بن الْحسن الْمَعْرُوف بالجاربرّدي
نزيل تبريز أحد الْعلمَاء الْمَشْهُورين أَخذ عَن الشَّيْخ عمر بن نجم الدَّين وَعَن نظام الدَّين الطوسى وَغَيرهمَا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة وَلَعَلَّ من جملَة من أَخذ عَنهُ الْعَضُد شَارِح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب قَالَ الأسنوي كَانَ عَالما ديّناً وقوراً مواظباً على الِاشْتِغَال والتصنيف وَقَالَ غَيره كَانَ اُحْدُ الشُّيُوخ بِتِلْكَ الْجِهَات وَله مصنفات مِنْهَا شرح منهاج البيضاوي وَشرح الحاوي الصَّغِير وَشرح شافية ابْن الْحَاجِب وَله على الْكَشَّاف حواش مفيدة وَمَات سنة ٧٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة
стр. 47
(٢٩) الْفَقِيه أَحْمد بن حسن الزهيري
أديب الْعَصْر وشاعره ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَله في النظم الْيَد الطُّولى وجميعه غرر والسافل مِنْهُ قَلِيل وَقد وقفت على ديوانه فى مُجَلد لطيف وَأكْثر فى مدح أهل كوكبان السَّيِّد أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وأخيه عبد الْقَادِر وإبراهيم وَعِيسَى وَقَلِيل مِنْهُ في غير هَؤُلَاءِ من أَعْيَان كوكبان كأولاد الْأَرْبَعَة الْأُخوة الْمَذْكُورين وَله في مدح مَوْلَانَا الْأَمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ﵀ قصائد وَمَعَ طول بَاعه فِي الْأَدَب لَهُ في الْوَعْظ مَسْلَك حسن ويأتى فِيهِ بالرقائق ويستطرد كثيراً من الْأَشْعَار الَّتِى لَهَا موقع في الْقُلُوب ومطابقة في الْمقَام وَكَانَ يجْتَمع عَلَيْهِ بِجَامِع صنعاء جم غفير ولوعظه فِي الْقُلُوب قبُول وَله معرفَة تَامَّة بِعلم الآلة والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْأَدب وَفِيه ميل إِلَى الطَّرِيقَة وتشبه بِأَهْلِهَا وَله في حسن المحاضرة وحلاوة المفاكهة وملاحة النادرة وإملاء غرائب الْأَخْبَار والأشعار مَا لَيْسَ لغيره فَهُوَ لَا يمل جليسه وَقد وَفد إليّ مَرَّات مُتعَدِّدَة وَجرى بيني وَبَينه من المطارحات الأدبية والمسائل العلمية مَا لَا يأتي عَلَيْهِ الْحصْر وَلَا أقدم عَلَيْهِ فِي جودة الشّعْر أحدا مِمَّن أَدْرَكته من أهل الْعَصْر وشعره مَشْهُور بأيدي النَّاس وَلَهُم إليه رَغْبَة كَامِلَة وَهُوَ حقيق بِذَاكَ فإنه جَامع بَين الجزالة والجودة وَحسن السبك وَقُوَّة الْمعَانى وَكَثِيرًا مَا يمشي فِي شعره على نمط الْعَرَب ويتشبه بهم وينتحي طريقهم من غرر شعره قصيدته الَّتِى يَقُول فِيهَا
(بُلُوغ المنى وصل الْأَحِبَّة فَاعْلَم ... وَلم تلْتَفت عَن مغنمٍ خوف مغرم)
стр. 48
(وَمن حاول الْأَمر الْمحَال بعزمه ... ينله وَمن يعجز عَن الحزم يحرم)
(معاهد أنس من أراكة أسلم ... أصخت لَهَا أذني فَلم تَتَكَلَّم)
(دعتنى فلباها فؤادى وأدمع ... سقى وادييها مثل صوب مثجم)
(أسائلها عَن أَهلهَا فتجيبني ... فأصغي وَلَكِن الصدى صَوت أعجم)
(وَمَا الْعِزّ إِلَّا فَوق كل مطهم ... من الجرد مابين الخميسين أدهم)
(من الصخر إِلَّا أَنه فَوق أَربع ... من الهوج قد شدّت بِخلق مطهم)
(إِذا قلت من حرّ الهجير بظلّه ... فَقل أَنا ضاح تَحت ظل المقلم)
(وَخير النُّفُوس السايلات على القنا ... وَخير المنايا تَحت أَزْرَق سلجم)
وَمن قصائده الطنانة القصيدة الَّتِى مطْلعهَا
(وعدت بوصل عميدها بشر ... صدقت وَمَا صدق المنى صَبر)
وَكم لَهُ من قصائد فرائد وَهُوَ الْآن فى الحيوة إِلَّا أَنه قد ضعف عَن الْحَرَكَة بِسَبَب فالج أَصَابَهُ وَلَعَلَّه قد جَاوز السّبْعين وَمَات يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن محرم سنة ١٢١٤ أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف بِصَنْعَاء
(٣٠) أَحْمد بن حُسَيْن بن حسن بن على بن يُوسُف ابْن علي بن أرسلان
بِالْهَمْزَةِ وَقد تحذف في الْأَكْثَر بل هُوَ الذي عَلَيْهِ الْأَلْسِنَة الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس الرملى الشافعي نزيل بَيت الْمُقَدّس وَيعرف بِابْن رسْلَان ولد فِي سنة ٧٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة وَقيل في سنة ٧٧٥ خمس وَسبعين وَسَبْعمائة برملة وَنَشَأ بهَا لم يعلم لَهُ صبوة فحفظ الْقُرْآن وَله نَحْو عشر سِنِين وَكَانَ فِي الِابْتِدَاء يشْتَغل بالنحو واللغة والشواهد وَالنّظم وَقَرَأَ الحاوي على القلقشندي وَابْن الهائم وَأخذ عَنهُ الْفَرَائِض
стр. 49
والحساب وَولى تدريس الخاصكية ودرس بهَا مُدَّة ثمَّ تَركهَا وَأَقْبل على الله وعَلى الاشتغال تَبَرعا وعَلى التصوف وَجلسَ في الْخلْوَة مُدَّة لَا يكلم أحداً وَأخذ عَن جمَاعَة من أهل الطَّرِيقَة وَسمع من جمَاعَة فِي الحَدِيث وَغَيره حَتَّى صَار إِمَامًا فِي الْفِقْه وأصوله والعربية مشاركاً في الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْكَلَام وَغير ذَلِك مَعَ حرصه على سَائِر أَنْوَاع الطَّاعَات من صَلَاة وَصِيَام وتهجد ومرابطة بِحَيْثُ لم تكن تَخْلُو سنة من سنيه عَن إِقَامَة على جَانب الْبَحْر قَائِما بِالدُّعَاءِ إِلَى الله سراً وجهراً آخذاً على أيدي الظلمَة مؤثراً محبَّة الخمول والشغف بِعَدَمِ الظُّهُور تَارِكًا لقبُول مَا يعرض عَلَيْهِ من الدُّنْيَا ووظائفها حَتَّى أَن الْأَمِير حسام الدَّين حسن جدد بالقدس مدرسة وَعرض عَلَيْهِ مشيختها وقررله فِيهَا كل يَوْم عشرَة دَرَاهِم فضَّة فَأبى بل كَانَ يمْتَنع من أَخذ مَا يُرْسل بِهِ هُوَ وَغَيره إليه من المَال ليفرقه على الْفُقَرَاء وَرُبمَا أَمر صَاحبه بتعاطي تفرقته بِنَفسِهِ وَله مُحَافظَة على الْأَذْكَار والأوراد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر معرضاً عَن الدُّنْيَا وبنيها جملَة حَتَّى أَنه لما سَافر الْأَشْرَف إِلَى آمد هرب من الرملة إِلَى الْقُدس في ذَهَابه وإيابه لِئَلَّا يجْتَمع بِهِ وَمَا زَالَ فى ازدياد من الْخَيْر وَالْعلم حَتَّى صَار الْمشَار إليه بالزهد فِي تِلْكَ النواحى وَقصد للزيارة من سائرالآفاق وَكَثُرت تلامذته ومريدوه وتهذب بِهِ جمَاعَة وعادت على النَّاس بركته قَالَ السخاوي وَهُوَ في الزّهْد والورع والتقشّف وَاتِّبَاع السنّة وَصِحَّة العقيدة كلمة إجماع بِحَيْثُ لَا أعلم فِي وقته من يدانيه في ذَلِك وانتشر ذكره وَبعد صيته وَشهد بخيره كل من رَآهُ انْتهى وَقَالَ ابْن أَبى عذيبة وَكَانَ شَيخا طَويلا تعلوه صفرَة حسن المأكل والملبس
стр. 50
والملتقى لَهُ مكاشفات ودعوات مستجابات وَلما اجْتمع مَعَ الْعَلَاء البخاري الآتي ذكره إِن شَاءَ الله وَذَلِكَ في ضِيَافَة عِنْد ابْن أَبى الْوَفَاء بَالغ الْعَلَاء فِي تَعْظِيمه بِحَيْثُ أَنه بعد الْفَرَاغ من الْأكل بَادر يصب المَاء على يَدَيْهِ ورام الشَّيْخ فعل ذَلِك مَعَه فَمَا مكنه وَصرح بِأَنَّهُ لم ير مثله واجتمعا اجتماعاً آخر عِنْد قدوم الْعَلَاء البخاري إِلَى الْقُدس فإنه اجْتمع بِهِ ثَلَاث مَرَّات الأولى جَاءَ إليه مُسلما وجلسا ساكتين فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ ابْن أَبى الْوَفَاء يَا سيدي هَذَا ابْن رسْلَان فَقَالَ اعرف ثمَّ قَرَأَ الْفَاتِحَة وتفارقا وَالثَّانيَِة أول يَوْم من رَمَضَان اجْتمعَا وَشرع الْعَلَاء يُقرر أَدِلَّة ثُبُوت رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان بِشَاهِد وَيذكر الْخلاف في ذَلِك وَابْن رسْلَان لَا يزِيد على قَوْله نعم وانصرفا ثمَّ أن الْعَلَاء في اللَّيْلَة الْعَاشِرَة سَأَلَ ابْن أَبى الْوَفَاء في الْفطر مَعَ ابْن رسْلَان فَسَأَلَهُ فَامْتنعَ فَلم يزل يلح عَلَيْهِ حَتَّى أجَاب فَلَمَّا أفطر أحضر خَادِم الْعَلَاء الطشت والإبريق بَين يدي الْعَلَاء فَحمل الْعَلَاء الطشت بيدَيْهِ مَعًا وَوَضعه بَين يدي ابْن رسْلَان وَأخذ الإبريق من الْخَادِم وصب عَلَيْهِ حَتَّى غسل وَلم يحلف عَلَيْهِ حَتَّى وَلَا تشوش وَلَا توجه لفعل نَظِير مَا فعله الْعَلَاء مَعَه غير أَنه لما فرغ الْعَلَاء من الصب عَلَيْهِ دَعَا لَهُ بالمغفرة فشرع يُؤمن على دُعَائِهِ ويبكي وَله مصنفات مِنْهَا في التَّفْسِير قطع مُتَفَرِّقَة وَشَرحه لسنن أَبى دَاوُد وَهُوَ في أحد عشر مجلداً وَشرع في شرح البخاري وَوصل فِيهِ إِلَى آخر الْحَج في ثَلَاثَة مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع في مُجَلد ومنهاج البيضاوي في مجلدين ومختصر ابْن الْحَاجِب وَله غير ذَلِك مِمَّا يكثر تعداده وَله نظم في أَنْوَاع من الْعلم كالمنظومة فى الثَّلَاث القرا آتٍ الزَّائِدَة على السَّبع وفي الثَّلَاث الزَّائِدَة
стр. 51
على الْعشْر وَمَا زَالَ ﵀ على وَصفه الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ في يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر شعْبَان سنة ٨٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وثمان مائَة وَحكى السخاوي فِي الضَّوْء اللامع أَنه قيل لما الْحَد سَمعه الحفّار يَقُول ربِّ أنزلني منزلاً مُبَارَكًا وَأَنت خير المنزلين وَرَآهُ حُسَيْن الكردي أحد الصَّالِحين بعد مَوته فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ أوقفني بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا أَحْمد أَعطيتك الْعلم فَمَا عملت بِهِ قَالَ عَلمته وعملت بِهِ فَقَالَ صدقت يَا أَحْمد تمنَّ عليَّ فَقلت تغْفر لمن صلى عليَّ فَقَالَ قد غفرت لمن صلى عَلَيْك وَحضر جنازتك وَلم يلبث الرائي أَن مَاتَ
(٣١) أَحْمد بن الْحُسَيْن الرقيحي
نِسْبَة إِلَى الرقيح بِضَم الرَّاء وَفتح الْقَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بعْدهَا مُهْملَة وَهُوَ بَلْدَة من أَعمال يحصب ثمَّ الصنعاني الأديب صَاحب المقطعات الفائقة الرائقة وَكَانَ يتعيش بالصباغة فَلَا تزَال كَفه سَوْدَاء كأكف الصباغين فعوتب على ذَلِك فَقَالَ
(الْمجد في الْعلم والكف المسود من ... فن الصباغة لَا في صُحْبَة الدول)
(فَمَا سعيت إلى هَذَا وَذَاكَ مَعًا ... إلا لأجمع بَين الْعلم وَالْعَمَل)
وَمن مقطعاته
(قد بلغت الْكَمَال في كل معنى ... ثمَّ ترجو أَن تسلم الحسادا)
(أَنْت أمرضتهم فَدَعْهُمْ فَمن حق لئيم الطباع أَن لَا يعادا)
وَله
(هَذِه الأطماع رِجْس وَبهَا ... سل إِذا مَا شِئْت أَرْبَاب الْوَرع)
(فاصرف الراحات عَن إمساكها ... إِنَّمَا الرَّاحَة في ترك الطمع)
стр. 52
وَمن شعره
(أفدي الَّذِي صلى بميدانه ... ثمَّ تَلا التَّسْلِيم بِالْوَاجِبِ)
(قلت وَقد كلمني طرفه ... لَا يتبع الْمسنون بِالْوَاجِبِ)
وَله
(أَرَاك جهلت أصُول الرِّجَال ... فأنعمت يَا عَمْرو في سكرها)
(وَلَكِن من بعد بالاختبار ... ستعرف مَا الحلو من مرّها)
(فسل عَن معادنها عَارِفًا ... يبين لَك الصفر من تبرها)
(فإن الصداقة محتاجة ... إلى عَارِف بانتها أمرهَا)
وَكَانَت وَفَاته آخر دولة الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم ﵀
(٣٢) أَحْمد بن حُسَيْن الْوزان الصّنعاني المولد والمنشأ
ولد سنة وَأخذ الْعلم عَن مَشَايِخ الْعَصْر فبرع في الْعُلُوم الآلية ثمَّ
стр. 53
اشْتغل بِالْحَدِيثِ فَسمع الْكثير مِنْهُ وَهُوَ قوي الْحِفْظ جيد الْفَهم حسن التَّصَوُّر سمع مني سنَن الترمذي وَهُوَ عِنْد تَحْرِير هَذَا يقْرَأ عليّ فِي الْكَشَّاف وحواشيه وَقد صَار مدرساً فِي الْعُلُوم الآلية والكتب الحديثية وَهُوَ من أفراد عُلَمَاء الْعَصْر جمّله الله بِوُجُودِهِ وَله شعر في غَايَة الْجَوْدَة يعجز عَنهُ غَالب أهل الْعَصْر مَعَ طول نفس وَحسن انسجام وَقُوَّة معَان ثمَّ سمع عليَّ بعد هَذَا في الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وفي كثير من مؤلفاتي وفي الْكَشَّاف والمطول وَغير ذَلِك وَهُوَ إِلَى الْآن مُسْتَمر على السماع عليَّ مَعَ عناية قَوِيَّة وَفهم صَادِق وتصور تَامّ وَمن مشايخه شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَغَيرهمَا من أَعْلَام الْعَصْر
(٣٣) أَحْمد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عِيسَى ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُسلم الشهَاب
المكي الشافعي الْمَعْرُوف بِابْن العليف بِضَم الْعين الْمُهْملَة تَصْغِير علف ولد فِي جُمَادَى الأولى سنة ٨٥١ إِحْدَى وَخمسين وثمان مائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والألفية النحوية وَالْأَرْبَعِينَ النووية وعرضهما وَبَعض الْمِنْهَاج وَسمع بِمَكَّة على التقي ابْن فَهد وَولده النَّجْم والزين عبد الرَّحِيم الآميوطي وأبي الْفضل المرجاني وَيحيى العلمى ولازم
стр. 54
النُّور الفاكهاني فِي كثير من دروسه الْفِقْهِيَّة والنحوية وَسمع بِالْقَاهِرَةِ على الخضيري والجوجري وَجَمَاعَة ودخلها مرَارًا وَله نظم مَقْبُول وَمِنْه هَذِه القصيدة الطنانة
(خُذ جَانب الْعليا ودع مَا ينزل ... فرضى الْبَريَّة غَايَة لَا تدْرك)
(وَاجعَل سَبِيل الذل عَنْك بمعزل ... فالعز أحسن مَا بِهِ يتَمَسَّك)
(وامنح مودتك الْكِرَام فَرُبمَا ... عز الْكَرِيم وَفَاتَ مَا يسْتَدرك)
(وَإِذا بَدَت لَك من عَدو فرْصَة ... فافتك فإن أَخا الْعلَا من يفتك)
(ودع الأماني للغبي فإنما ... عقب المنى للْحرّ دَاء منهك)
(من يقتضي سَببا بِدُونِ عَزِيمَة ... ضلت مذاهبه وَعز الْمدْرك)
(تعست مداراة الْعَدو فإنها ... دَاء تحول بِهِ الجسوم وتوعك)
(لَا يدْرك الغايات إِلَّا من لَهُ ... في كل حيّ من عداهُ منسك)
(ندب غريق لَا يرام مرحب ... ضرب جزيل في الورى محكك)
(ذُو هضبة لَا ترتقي وشكيمة ... عزت يدين لَهُ الألد الأمحك)
(لَا فائل عِنْد الحفيظة رَأْيه ... لَكِن بتجريب الزَّمَان محنك)
(واركب سَنَام العزفى طلب العلى ... حتام تسكن والنوى تتحرك)
(واستفرغ المجهود فى تَحْصِيل مَا ... فِيهِ النُّفُوس تكَاد حبا تهْلك)
(وَإِذا نبابك منزل فانبذ بِهِ ... ودع المطية تستقل وتبرك)
(وارغب بِنَفْسِك إِن ترى في ساحة ... يشقى بهَا الْحر الْكَرِيم المرمك)
(وارحل عَن الأوطان لَا مستعظماً ... خطراً وَلَو عز المدى والمسلك)
(فالحر يُنكر ضد مَا يعتاده ... ويميط ثوب الذل عَنهُ ويبتك)
(وَإِذا تغشاه الهوان ببلدة ... يَأْبَى الْأَذَى أَو سيم خسفاً يفتك)
стр. 55
(وَمَتى تنكرت المعارف خلته ... يثنى الْعَنَان عَن الديار ويعنك) وَمِنْهَا
(بهراً لنَفس لَا تكون عزيزة ... وَلها الى طرق لمعالى مَسْلَك)
(ولواجد سبل الْكِرَام وَلم يزل ... يغضى الجفون عَن القذى ويفنك)
(تبت يَد الْأَيَّام تلقى للفتى ... سلماً وتسلبه غَدا مَا يملك)
(تبكي اللبيب على تقاعس حَظه ... حينا وتطعمه الرجا فيضحك)
وهي قصيدة فريدة طَوِيلَة وَفِي هَذَا الْمِقْدَار دلَالَة على الْبَقِيَّة وَله رد على السيوطي في مُصَنفه الَّذِي سَمَّاهُ الكاوي لدماغ السخاوي فأجاب عَنهُ صَاحب التَّرْجَمَة بمؤلف سَمَّاهُ الهاوي على الكاوي وَألف لسلطان الروم بايزيد عُثْمَان كتاباً سَمَّاهُ الدر المنظوم ومدحه وَغَيره من أمرائه فرتب لَهُ خمسين دِينَارا في كل سنة فتجمل بهَا ومدح صَاحب مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات بن مُحَمَّد الْحسنى وَاقْتصر على مدحه فَأتى بِهِ وَقرر لَهُ مبلغاً لبلاغته وَحسن نظمه قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد وَصَارَ متنبي زَمَانه والمشار إليه فِي نظمه مَعَ سُكُون وَقلة حَرَكَة وبقي فِي مَكَّة حَتَّى مَاتَ في ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء من ذي الْحجَّة سنة ٩٢٦ سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة
(٣٤) أَحْمد بن رَجَب بن طنبغا الْمجد بن الشهَاب القاهري الشافعي
وَيعرف بِابْن المجدي نِسْبَة لجده ولد في الْعشْر الأولى من ذي الْقعدَة سنة ٧٦٧ سبع وَسِتِّينَ وسبعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَبَعض الْمِنْهَاج ثمَّ جَمِيع الحاوي وألفية النَّحْو وَغير ذَلِك وتفقه
стр. 56
بالبلقيني وَابْن الملقن والكمال الدميري والشرف مُوسَى بن البابا وَبِه انْتفع في الحاوي لمزيد تقدمه فِيهِ وَالشَّمْس العراقي وَعنهُ أَخذ الْفَرَائِض وَغَيرهَا وَكَذَا أَخذ الْفَرَائِض والحساب عَن التقي بن عز الدَّين الجنبلى والعربية عَن الشَّمْس العجيمي وجد فِي الطلب واجتهد وَتقدم فى الْفُنُون مَعَ ذكاء مفرط وأشير إليه بالتقدم وَصَارَ رَأْسا في أَنْوَاع الْحساب والهندسة والهيئة والفرائض وَعلم الْوَقْت بِلَا مُنَازع وَلَا مدافع وانتفع بِهِ الْأَعْيَان ولازموه فِي فنونه وصنف التصانيف المفيدة مِنْهَا إبراز لطائف الغوامض فِي إحراز صناعَة الْفَرَائِض وَشرح الجعبرية والرسالة الْكُبْرَى وهي سِتُّونَ بَابا لشيخه المارواني وَشرح أيضاً تَلْخِيص ابْن الْبناء في الْحساب وَهُوَ عَظِيم الْفَائِدَة وَله إرشاد الحائر فِي الْعَمَل بِربع الدَّوَائِر وَالْقَوْل الْمُفِيد فِي جَامع الْأُصُول والمواليد والمنهل العذب الزلَال فِي معرفَة حِسَاب الْهلَال والفصول فى الْعَمَل بالمقنطرات والرسالة فى الْعَمَل بالجيب والضوء اللائح في وضع الخطوط على الصفائح ورسالة في الربع الْمسير وَأُخْرَى في الربع الهلالي وكراسة في معرفَة الأوساط وَأُخْرَى فِي اسْتِخْرَاج التواريخ بَعْضهَا من بعض وَغير ذَلِك من التصانيف المفيدة كل ذَلِك مَعَ التَّوَاضُع والأمانة والسكون والسمت الْحسن وإيراد النُّكْتَة والنادرة والطرف والانجماع عَن النَّاس بمنزله المجاور للأزهر والاستغناء عَنْهُم بإقطاع بِيَدِهِ وَكَانَ يبرُّ الطّلبَة والفقراء ودرّس في الْمدرسَة الجانبكية وَمِمَّا حكي عَنهُ أَنه صعد القلعة للاجتماع بِالْملكِ الْأَشْرَف في قَضِيَّة ضَاقَ بهَا صدره فَمَا تيَسّر وَرجع وَقد تزايد كربه فاتفق أَنه دخل مدرسة قريبَة من القلعة فَتَوَضَّأ وَصلى
стр. 57
رَكْعَتَيْنِ وَرفع رَأسه فَوجدَ بِجَانِب مِحْرَابهَا مَكْتُوبًا
(دعها سَمَاوِيَّة تجري على قدر ... لَا تعترضها بِأَمْر مِنْك تنفسد)
فَاسْتَبْشَرَ بذلك وآلى إِن قضى أمره أَن ينظمه فِي أَبْيَات فَلم يشْعر إِلَّا وَقد جَاءَ قَاصد السُّلْطَان يَطْلُبهُ وَحصل الْغَرَض فَقَالَ
(فَقلت للقلب لما ضَاقَ مضطرباً ... وخانني الصَّبْر والتفريط وَالْجَلد)
(دعها سَمَاوِيَّة تجري على قدر ... لَا تعترضها بِأَمْر مِنْك تنفسد)
(فخفنى بخفيَّ اللطف خالقنا ... نعم الْوَكِيل وَنعم العون والمدد)
وَمَا زَالَ مستمراً على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ لَيْلَة السبت حادي عشر ذي الْقعدَة سنة ٨٥٠ خمسين وثمان مائَة وَلم يخلف بعده في فنونه مثله
٣٥ - أَحْمد بن سعد الدَّين بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن علي بن غَانِم بن يُوسُف ابْن الهادي بن علي بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْوَاحِد بن عبد الحميد الْأَصْغَر ابْن عبد الحميد الْأَكْبَر
المسورى الزيدى القاضى الْفَاضِل المترسل البليغ المنشئ الْعَارِف شَارك في الْفُنُون وتميَّز فِي كثير مِنْهَا وحرر رسائل وفتاوى واتصل في أول عمره بالإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد ﵇ وَأخذ عَنهُ وَكتب لَدَيْهِ وَكَانَ يؤثره ثمَّ اتَّصل بعد ذَلِك بولده الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه فارتفعت دَرَجَته لَدَيْهِ وَصَارَ أَكثر الْأُمُور مَنُوطًا بِهِ وَلم يكن لغيره مَعَه كَلَام ثمَّ اتَّصل بعد موت الْمُؤَيد بِاللَّه بأَخيه الإمام المتَوَكل على الله وشارك في أُمُور وَنقص حَظه قَلِيلا بِسَبَب أَنه بَادر إلى مبايعة أَحْمد بن الإمام الْقَاسِم عِنْد موت الْمُؤَيد ثمَّ لم تتم تِلْكَ الْبيعَة وَتمّ الْأَمر للمتوكل على الله ومازال على جلالته وفخامته حَتَّى مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر شهر محرم سنة ١٠٧٩ تسع
стр. 58
وَسبعين وَألف وقبر بجوار قبر الْأَمَام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد وَقد تَرْجمهُ تِلْمِيذه القاضي احْمَد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال في مطلع البدور تَرْجَمَة نفيسة وأطال الثَّنَاء عَلَيْهِ وَوَصفه بأوصاف فخيمة وَله شهرة كَبِيرَة بالديار اليمنية الى الآن وَلَعَلَّ ذَلِك بِسَبَب متاخمته للأئمة وارتفاع حَظه في تِلْكَ الدولة ومشيه في جَمِيع مُبَاشَرَته على طَريقَة الْعلمَاء
(٣٦) أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال
وَصَالح هُوَ ابْن مُحَمَّد بن علي بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن علي بن الْحسن الْمَعْرُوف بأبي الرِّجَال بن سرح بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن ابْن عبد الله بن أَبى حَفْص عمر بن الْخطاب الْخَلِيفَة الصحابى ولد فى لَيْلَة الْجُمُعَة من شهر شعْبَان سنة ١٠٢٩ تسع وَعشْرين وَألف في جِهَات الأهنوم وَأخذ عَن جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء مِنْهُم الإمام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عز الدَّين المؤيدي وَالسَّيِّد عز الدَّين بن دريب وَالسَّيِّد الرئيس مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم والقاضي أَحْمد بن سعد الدَّين الْمَذْكُور قبله والقاضي إبراهيم بن يحيى السحولي وَجَمَاعَة غير هَؤُلَاءِ وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة وَآخَرُونَ وبرع فِي كثير من المعارف وَهُوَ صَاحب مطلع البدور وَمجمع البحور ترْجم فِيهِ لأعيان الزيدية فجَاء كتاباً حافلاً وَلَوْلَا كَمَال عنايته واتساع اطِّلَاعه لما تيَسّر لَهُ جمع ذَلِك الْكتاب لِأَن الزبدية مَعَ كَثْرَة فضلائهم
стр. 59
وَوُجُود أَعْيَان مِنْهُم فِي كل مكرمَة على تعاقب الْأَعْصَار لَهُم عناية كَامِلَة ورغبة وافرة في دفن محَاسِن أكابرهم وطمس آثَار مفاخرهم فَلَا يرفعون إلى مَا يصدر عَن أعيانهم من نظم أَو نثر أَو تصنيف رَأْسا وَهَذَا مَعَ توفر رغباتهم إلى الِاطِّلَاع على مَا يصدر من غَيرهم والاشتغال الْكَامِل بِمَعْرِِفَة أَحْوَال سَائِر الطوائف والإكباب على كتبهمْ التاريخية وَغَيرهَا وإني لأكْثر التَّعَجُّب من اخْتِصَاص الْمَذْكُورين بِهَذِهِ الْخصْلَة الَّتِى كَانَت سَببا لدفن سابقهم ولاحقهم وغمط رفيع قدر عالمهم وفاضلهم وشاعرهم وَسَائِر أكابرهم وَلِهَذَا أهملهم المصنفون في التَّارِيخ على الْعُمُوم كمن يترجم لأهل قرن من الْقُرُون أَو عصر من العصور وَإِن ذكرُوا النَّادِر مِنْهُم ترجموه تَرْجَمَة مغسولة عَن الْفَائِدَة عاطلة عَن بعض مَا يسْتَحقّهُ لَيْسَ فِيهَا ذكر مولد وَلَا وَفَاة وَلَا شُيُوخ وَلَا مسموعات وَلَا مقروءات وَلَا أشعار وَلَا أَخْبَار لِأَن الَّذين ينقلون أَحْوَال الشَّخْص إِلَى غَيره هم معارفه وَأهل بَلَده فإذا أهملوه أهمله غَيرهم وجهلوا أمره وَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة تجدني في هَذَا الْكتاب إِذا ترجمت أحداً مِنْهُم لم أدر مَا أَقُول لِأَن أهل عصره أهملوه فَلم يبْق لَدَى من بعدهمْ إِلَّا مُجَرّد أَنه فلَان بن فلَان لَا يدري مَتى ولد وَلَا فِي أَي وَقت مَاتَ وَمَا صنع فِي حَيَاته فَمن عرف مَا ذَكرْنَاهُ علم أَن المترجم لَهُ ﵀ قد أَجَاد في ذَلِك الْكتاب فِي كثير من التراجم وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة من الْعلمَاء المشاركين فى فنون عدَّة وَله أبحاث ورسائل وقفت عَلَيْهَا وهي نفيسة ممتعة ونظمه ونثره في رُتْبَة متوسطة وَتوفى لَيْلَة الثُّلَاثَاء لَعَلَّه خَامِس ربيع الأول سنة ١٠٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف ورثاه جمَاعَة من الْفُضَلَاء
стр. 60
بمراثٍ وَقد ذكر في تَارِيخه شَيْئا كثيراً من شعره مفرقا في تراجم شُيُوخه وَغَيرهم
(٣٧) القاضي أَحْمد بن صَالح بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن صَالح الْمَذْكُور قبله الْمَعْرُوف بِابْن أَبى الرِّجَال
الصَّنعاني ولد يَوْم السبت خَامِس شهر محرم سنة ١١٤٠ أَرْبَعِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء فَقَرَأَ على جمَاعَة من أعيانها مِنْهُم القاضي الْعَلامَة أَحْمد ابْن زيد الهبل وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير وَالسَّيِّد الْعَلامَة محسن بن اسماعيل الشامى وَالسَّيِّد عبد الله بن أَحْمد بن اسحاق ابْن المهدى وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسماعيل بن مُحَمَّد بن إسحاق بن المهدي وَالسَّيِّد يُوسُف العجمي وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن زيد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم وبرع في جَمِيع المعارف وَهُوَ شيخ مَشَايِخنَا وَله يَد طولى في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان والأصول وَالتَّفْسِير ومشاركة فِيمَا عدا ذَلِك وَقد عكف عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَعْيَان وَأخذُوا عَنهُ في فنون مُتعَدِّدَة وتخرجوا بِهِ وصاروا أَعْيَان عصرهم فَمنهمْ شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي ﵀ وَمِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة الْقَاسِم بن يحيى الخولاني وَمِنْهُم سيخنا الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن علي الْأَبْيَض وَمِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة على ابْن هادي عرهب وَالسَّيِّد الْعَلامَة إسماعيل الْمُفْتى وسيأتي ذكرهم انشاء الله تَعَالَى وَقد اتَّصل المترجم لَهُ بالإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ﵀ ليقرئ أَوْلَاده فِيمَا يَحْتَاجُونَ إليه من الْعلم ثمَّ ارْتَفَعت دَرَجَته عِنْد الإمام وَكَانَ يجالسه ويحادثه وَيَأْخُذ عَنهُ من فَوَائده وأركبه الْخَيل واختصه وَرفع مَنْزِلَته حَتَّى كَانَ تَارَة بِمَنْزِلَة الْوَزير وَأُخْرَى بِمَنْزِلَة
стр. 61
المشير وَمَعَ ذَلِك فَلم يَنْقَطِع عَن نشر الْعلم بِحَسب الطَّاقَة وَلم يزل على حَاله الْجَمِيل حَتَّى مَاتَ سنة ١١٩١ إحدى وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَله حواش على شرح الْغَايَة والكشاف وحواشيه مفيدة جدّاً في غَايَة من الدقة وَالتَّحْقِيق نقلهَا عَنهُ شَيخنَا المغربي الْمُتَقَدّم في كتبه
٣٨ - السَّيِّد أَحْمد بن صَلَاح بن يحيى الْخَطِيب الكوكباني ثمَّ الصّنعاني
أَخذ الْعلم عَن السَّيِّد الْعَلامَة إسحق بن إبراهيم بن المهدي وَبِه تخرج وَعَلِيهِ عوّل وبرع فِي المعارف وَجمع رسائل مِنْهَا رِسَالَة في كَون الفرجين من أَعْضَاء الْوضُوء سَمَّاهَا الرياض الندية وَقد أجبْت عَلَيْهِ برسالة سميتها الصوارم الْهِنْدِيَّة المسلولة على الرياض الندية وَمِنْهَا رِسَالَة أجَاب بهَا على رِسَالَة السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إسماعيل الأمير جمعهَا فِي مسَائِل ثَمَان وَمِنْهَا رِسَالَة فِي تَحْرِيم الْمُتْعَة وَحصل مَعَه خفَّة فِي الدِّمَاغ فَكَانَ يتَرَدَّد مَا بَين صنعاء وشبام ثمَّ تراجع عقله وتصوّف وَمَال إليه جمَاعَة من النَّاس وأخبروا عَنهُ بمكاشفات وأحوال وابتلى آخر الْمدَّة بذهاب بَصَره وَلَعَلَّ مَوته على رَأس الْقرن الثاني عشر أَو قبله بِقَلِيل
(٣٩) أَحْمد بن عَامر الحدائى ثمَّ الصّنعاني
أَخذ علم الْفِقْه والفرائض بِصَنْعَاء عَن جمَاعَة من علمائها وتصدّر للتدريس فِي الفنين بِجَامِع صنعاء واستفاد عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَعْيَان وَكَانَ في لِسَانه ثقل لَا يكَاد يعرف عِبَارَته ويفهمها إلا من مارس ذَلِك
стр. 62
وَكَانَ زاهداً متقللاً من الدُّنْيَا مواظباً على الطَّاعَات آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر يغْضب إِذا بلغه مَا يُخَالف الشَّرْع وَفِيه سَلامَة صدر زَائِدَة قَرَأت عَلَيْهِ في الأزهار وَشَرحه مرَّتَيْنِ وفي الْفَرَائِض وَشَرحهَا للناظري مَرَّات وَكَانَ مواظباً على التدريس لَا يمنعهُ مِنْهُ مَانع فإنه يَقع الْمَطَر الْعَظِيم الَّذِي يمْنَع من خُرُوج من هُوَ في سن الشَّبَاب فَلَا يكون ذَلِك عذراً لَدَى صَاحب التَّرْجَمَة لرغبته فِي الْخَيْر وحرصه على إفادة الطّلبَة وَلَقَد اسْتمرّ انصباب الْمَطَر في بعض السنين من قبل الْفجْر إلى قريب وَقت الظّهْر وَكَانَ مَعنا درس عَلَيْهِ وَقت الشروق فَمَا تركت الذهاب إلى الْجَامِع لعلمي بَان مثل ذَلِك لَا يمنعهُ مَعَ علو سنه فانتظرت لَهُ فِي الْمَكَان الْمعد للدرس فَلم يأت هُوَ وَلَا أحد من الطّلبَة وهم كَثِيرُونَ فجَاء الْيَوْم الثاني وَقَالَ لي هَل أتيت إلى هُنَا قلت نعم قَالَ لَو علمت أَنَّك أتيت مَا اخْتلفت ثمَّ تأسف كثيرا على فَوت الدَّرْس وَمَا زَالَ كَذَلِك حَتَّى مَاتَ في شهر رَجَب أَو شعْبَان سنة ١١٩٧ سبع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وَلَعَلَّه قد جَاوز السّبْعين ورثيته بِأَبْيَات غَابَتْ عَنى وَذكرت فِيهَا تَارِيخ مَوته وَهُوَ حط بجنات الخلود أَحْمد ﵀ وإياي
(٤٠) أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن عبد الله بن الْقَاسِم بن تَيْمِية
الحرّاني الدمشقي الحنبلي تقي الدَّين أَبُو الْعَبَّاس شيخ الإسلام إمام الْأَئِمَّة الْمُجْتَهد الْمُطلق ولد سنة ٦٦١ إحدى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وتحول بِهِ أَبوهُ من حران سنة ٦٦٧ سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَسمع من ابْن عبد الدايم وَالقَاسِم الأريلى وَالْمُسلم ابْن عَلان وَابْن أَبى نمر وَالْفَخْر وَمن آخَرين قَالَ ابْن حجر فِي الدُّرَر وَقَرَأَ بِنَفسِهِ وَنسخ سنَن
стр. 63
أَبى دَاوُد وَحصل الْأَجْزَاء وَنظر في الرِّجَال والعلل وتفقه وتمهّر وَتقدم وصنّف ودرس وَأفْتى وفَاق الأقران وَصَارَ عجباً في سرعَة الاستحضار وَقُوَّة الْجنان والتوسع فى الْمَنْقُول والمقعول والاطلاع على مَذَاهِب السلف وَالْخلف انْتهى وَأَقُول أَنا لَا أعلم بعد ابْن حزم مثله وَمَا أَظُنهُ سمح الزَّمَان مَا بَين عصر الرجلَيْن بِمن شابههما أَو يقاربهما قَالَ الذهبي مَا ملخصه كَانَ يقْضى مِنْهُ الْعجب إِذا ذكر مَسْأَلَة من مسَائِل الْخلاف الَّتِى يوردها مِنْهُ وَلَا أَشد استحضاراً للمتون وعزوها مِنْهُ وَكَانَت السنة نصب عَيْنَيْهِ وعَلى طرف لِسَانه بِعِبَارَة رشيقة وَكَانَ آية من آيَات الله في التَّفْسِير والتوسع فِيهِ وَأما أصُول الدّيانَة وَمَعْرِفَة أَقْوَال الْمُخَالفين فَكَانَ لَا يشق غباره فِيهِ هَذَا مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْكَرم والشجاعة والفراغ عَن ملاذ النَّفس وَلَعَلَّ فَتَاوِيهِ في الْفُنُون تبلغ ثَلَاثمِائَة مُجَلد بل أَكثر وَكَانَ قوالاً بِالْحَقِّ لَا تَأْخُذهُ بِاللَّه لومة لائم ثمَّ قَالَ وَمن خالطه وعرفه قد ينسبني إِلَى التَّقْصِير فِيهِ وَمن نابذه وَخَالفهُ قد ينسبني إِلَى التغالي فِيهِ وَقد أوذيت من الْفَرِيقَيْنِ من أَصْحَابه وأضداده وَكَانَ أَبيض اسود الرَّأْس واللحية قَلِيل الشيب شعره إِلَى شحمة أُذُنَيْهِ كَأَن عَيْنَيْهِ لسانان ناطقان ربعَة من الرِّجَال بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ جهوريّ الصَّوْت فصيحاً سريع الْقِرَاءَة تعتريه حِدة لَكِن يقهرها بالحلم قَالَ وَلم أرمثله في ابتهاله واستعانته بِاللَّه وَكَثْرَة توجهه وَأَنا لَا أعتقد فِيهِ عصمَة بل أَنا مُخَالف لَهُ في مسَائِل أَصْلِيَّة وفرعية فَأَنَّهُ كَانَ مَعَ سَعَة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدَّين بشراً من الْبشر تعتريه حِدة فِي الْبَحْث وَغَضب وصدمة للخصوم
стр. 64
تزرع لَهُ عَدَاوَة فى النُّفُوس وَلَولَا ذَلِك لَكَانَ كلمة إجماع فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بأنه بَحر لَا سَاحل لَهُ وكنز لَيْسَ لَهُ نَظِير وَلَكِن ينقمون عَلَيْهِ أخلاقاً وأفعالاً وكل أحد يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك قَالَ وَكَانَ محافظاً على الصَّلَاة وَالصَّوْم مُعظما للشرائع ظَاهرا وَبَاطنا لَا يُؤْتى من سوء فهم فإن لَهُ الذكاء المفرط وَلَا من قلَّة علم فإنه بَحر زاخر وَلَا كَانَ متلاعباً بِالدّينِ وَلَا ينْفَرد بمسائل بالتشّهي وَلَا يُطلق لِسَانه بِمَا اتفق بل يحْتَج بِالْقُرْآنِ والْحَدِيث وَالْقِيَاس ويبرهن ويناظر أُسْوَة بِمن تقدمه من الْأَئِمَّة فَلهُ أجر على خطأه وأجران على إصابته انْتهى وَمَعَ هَذَا فقد وَقع لَهُ مَعَ أهل عصره قلاقل وزلازل وامتحن مرة بعد أُخْرَى في حَيَاته وَجَرت فتن عديدة وَالنَّاس قِسْمَانِ فِي شَأْنه فبعض مِنْهُم مقصر بِهِ عَن الْمِقْدَار الَّذِي يسْتَحقّهُ بل يرميه بالعظائم وَبَعض آخر يُبَالغ في وَصفه ويجاوز بِهِ الْحَد ويتعصب لَهُ كَمَا يتعصب أهل الْقسم الأول عَلَيْهِ وَهَذِه قَاعِدَة مطردَة في كل عَالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بِالْكتاب وَالسّنة فإنه لَا بُد أَن يستنكره المقصرون وَيَقَع لَهُ مَعَهم محنة بعد محنة ثمَّ يكون أمره الْأَعْلَى وَقَوله الأولى وَيصير لَهُ بِتِلْكَ الزلازل لِسَان صدق في الآخرين وَيكون لعلمه حَظّ لَا يكون لغيره وَهَكَذَا حَال هَذَا الإمام فإنه بعد مَوته عرف النَّاس مِقْدَاره واتفقت الألسن بالثناء عَلَيْهِ إلا من لَا يعْتد بِهِ وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته وَأول مَا أنكر عَلَيْهِ أهل عصره فِي شهر ربيع الأول سنة ٦٩٨ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ شيأ من مقالاته فَقَامَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَبَحَثُوا مَعَه وَمنع من الْكَلَام ثمَّ طلب ثاني مرة في سنة ٧٠٥ إِلَى مصر
стр. 65
فتعصب عَلَيْهِ بعض أَرْكَان الدولة وَهُوَ بيبرس الجاشنكير وانتصر لَهُ ركن آخر وَهُوَ الْأَمِير سلار ثمَّ آل أمره أَن حبس في خزانَة البنود مُدَّة ثمَّ نقل في صفر سنة ٩ إلى الإسكندرية ثمَّ أفرج عَنهُ وأعيد إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ أُعِيد إِلَى الإسكندرية ثمَّ حضر السُّلْطَان النَّاصِر من الكرك فأطلقه وَوصل إلى دمشق في آخر سنة ٧١٢ وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه المحنة أَن مرسوم السُّلْطَان ورد على النَّائِب بامتحانه في معتقده لما رفع إليه من أُمُور تنكر في ذَلِك فعقد لَهُ مجْلِس فِي سَابِع رَجَب فَسئلَ عَن عقيدته فأملى مِنْهَا ثمَّ أحضروا العقيدة الَّتِى تعرف بالواسطية فَقَرَأَ مِنْهَا وَبَحَثُوا في مَوَاضِع ثمَّ اجْتَمعُوا في ثاني عشرة وقرروا الصفي الهندي يبْحَث مَعَه ثمَّ أخروه وَقدمُوا الْكَمَال الزملكاني ثمَّ انْفَصل الْأَمر على أَنه أشهد على نَفسه أَنه شافعي المعتقد فأشاع أَتْبَاعه أَنه انتصر فَغَضب خصومه وَرفعُوا وَاحِدًا من أَتبَاع ابْن تَيْمِية إلى الْجلَال القزوينى نَائِب الحكم بالعادلية فعزره وَكَذَا فعل الحنفى بِاثْنَيْنِ مِنْهُم وفى ثاني عشر رَجَب قَرَأَ المزي فصلاً من الْكتاب أَفعَال الْعباد للبخاري في الْجَامِع فَسمع بعض الشَّافِعِيَّة فَغَضب وَقَالَ نَحن المقصودون بِهَذَا ورفعوه إلى القاضي الشافعي فَأمر بحبسه فَبلغ ابْن تَيْمِية فَتوجه إلى الْحَبْس فَأخْرجهُ بِيَدِهِ فَبلغ القاضي فطلع إلى القلعة فوافاه ابْن تَيْمِية فتشاجرا بِحَضْرَة النَّائِب فَأمر النَّائِب من يُنَادى أَن من تكلم فِي العقائد فعل بِهِ كَذَا وَقصد بذلك تسكين الْفِتْنَة ثمَّ عقد لَهُ مجْلِس في سلخ شهر رَجَب وَجرى فِيهِ من ابْن الزملكاني وَابْن الْوَكِيل مباحثة فَقَالَ ابْن الزملكاني لِابْنِ الْوَكِيل مَا جرى على الشَّافِعِيَّة قَلِيل حَيْثُ تكون أَنْت رئيسهم
стр. 66
فَظن القاضي ابْن صصري أَنه يعرض بِهِ فعزل نَفسه ثمَّ وصل بربد من عِنْد السُّلْطَان إلى دمشق أَن يرسلوا بِصُورَة مَا جرى في سنة ٦٩٨ ثمَّ وصل مَمْلُوك النَّائِب وَأخْبر أَن بيبرس وَالْقَاضِي المالكي قد قاما في الإنكار على ابْن تَيْمِية وَأَن الْأَمر قد اشْتَدَّ على الْحَنَابِلَة حَتَّى صفع بَعضهم ثمَّ توجه القاضي ابْن صصري وَابْن تَيْمِية صُحْبَة الْبَرِيد إلى الْقَاهِرَة ومعهما جمَاعَة فوصلا في الْعشْر الْأَخِيرَة من رَمَضَان وَعقد مجْلِس في ثاني عشرينه بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَادّعى على ابْن تَيْمِية عِنْد المالكي فَقَالَ هَذَا عدوى وَلم يجب عَن الدَّعْوَى فكرّر عَلَيْهِ فأصرَّ فَحكم المالكي بحبسه فأقيم من الْمجْلس وَحبس فِي برج ثمَّ بلغ المالكي أَن النَّاس يَتَرَدَّدُونَ إليه فَقَالَ يجب التَّضْيِيق عَلَيْهِ ان لم يقتل والا فقد ثَبت كفره فنقلوه لَيْلَة عيد الْفطر إلى الْجب وَلَقَد أحسن المترجم لَهُ ﵀ بالتصميم على عدم الإجابة عِنْد ذَلِك القاضى الجرئ الْجَاهِل الغبي وَلَو وَقعت مِنْهُ الإجابة لم يبعد الحكم بإراقة دم هَذَا الإمام الَّذِي سمح الزَّمَان بِهِ وَهُوَ بِمثلِهِ بخيل وَلَا سِيمَا هَذَا القَاضِي من الْمَالِكِيَّة الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن مخلوف فَإِنَّهُ من شياطينهم المتجرئين على سفك دِمَاء الْمُسلمين بِمُجَرَّد أكاذيب وكلمات لَيْسَ المُرَاد بهَا مَا يحملونها عَلَيْهِ وناهيك بقوله أَن هَذَا الإمام قد اسْتحق الْقَتْل وَثَبت لَدَيْهِ كفره وَلَا يساوي شَعْرَة من شعراته بل لَا يصلح لِأَن يكون شسعاً لنعله وَمَا زَالَ هَذَا القاضى الشَّيْطَان يتطلب الفرص الَّتِى يتَوَصَّل بهَا إلى إِرَاقَة دم هَذَا الإمام فحجبه الله عَنهُ وَحَال بَينه وَبَينه وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ بعد هَذَا نودي بِدِمَشْق أَن من اعْتقد عقيدة ابْن تَيْمِية حلَّ دَمه وَمَاله خُصُوصا الْحَنَابِلَة فنودي بذلك وَقُرِئَ المرسوم قَرَأَهُ ابْن الشهَاب مَحْمُود في
стр. 67
الْجَامِع ثمَّ جمعُوا الْحَنَابِلَة من الصالحية وَغَيرهَا وَأشْهدُوا على أنفسهم أَنهم على مُعْتَقد الإمام الشافعي وَكَانَ من أعظم القائمين على المترجم لَهُ الشَّيْخ نصر المنبجي لِأَنَّهُ كَانَ بلغ ابْن تَيْمِية أَنه يتعصب لِابْنِ العربي فَكتب إليه كتاباً يعاتبه على ذَلِك فَمَا أعجبه لكَونه بَالغ في الْحَط على ابْن العربي وكفّره فَصَارَ هُوَ يحط على ابْن تَيْمِية ويغرى بيبرس الَّذِي يفرط في محبَّة نصر وتعظيمه وَقَامَ القاضي المالكي الْمُتَقَدّم ذكره مَعَ الشَّيْخ نصر وَبَالغ في أذية الْحَنَابِلَة وَاتفقَ أَن قاضي الْحَنَابِلَة كَانَ قَلِيل البضاعة في الْعلم فبادر إلى إجابتهم في المعتقد واستكتبوا خطه بذلك وَاتفقَ أَن قاضي الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَهُوَ شمس الدَّين ابْن الجزرى انتصر لاين تَيْمِية وَكتب في حَقه محضراً بالثناء عَلَيْهِ بِالْعلمِ والفهم وَكتب فِيهِ بِخَطِّهِ ثَلَاثَة عشر سطرا من جُمْلَتهَا أَنه مُنْذُ ثلثمِائة سنة مَا رأى النَّاس مثله فَبلغ ذَلِك ابْن مخلوف فسعى في عزل ابْن الجزري فعزل وَقرر عوضه شمس الدَّين الأذرعى ثمَّ لم يلبث الأذرعي أَن عزل في السنة الْمُقبلَة وتعصّب سلاّر لِابْنِ تيمية وأحضر الْقُضَاة الثَّلَاثَة الشافعي والمالكي والحنفي وَتكلم مَعَهم فِي إخراجه فاتفقوا على أَنهم يشترطون فِيهِ شُرُوطًا وَأَن يرجع عَن بعض العقيدة فأرسلوا إِلَيْهِ مَرَّات فَامْتنعَ من الْحُضُور إليهم وَاسْتمرّ على ذَلِك وَلم يزل ابْن تَيْمِية في الْجب إلى أَن تشفع فِيهِ مهنّا أَمِير آل فضل فَأخْرج في ربيع الأول في الثَّالِث وَالْعِشْرين مِنْهُ وأحضر إِلَى القلعة وَوَقع الْبَحْث مَعَ بعض الْفُقَهَاء فَكتب عَلَيْهِ محْضر بأنه قَالَ أَنا أشعري ثمَّ اجْتمع جمَاعَة من الصُّوفِيَّة عِنْد تَاج الدَّين بن عَطاء فطلعوا في الْعشْر الأوسط من شَوَّال إِلَى القلعة وَشَكوا من ابْن تَيْمِية أَنه يتَكَلَّم فِي حق مَشَايِخ الطَّرِيقَة وَأَنه قَالَ لَا يستغاث
стр. 68
بالنبى ﵌ فاقتصى الْحَال أَن أَمر بتسييره إلى الشَّام فَتوجه على خيل الْبَرِيد وكل ذَلِك والقاضي زين الدَّين ابْن مخلوف مشتغل بِالْمرضِ وَقد أشرف على الْمَوْت فَبَلغهُ سير ابْن تَيْمِية فراسل النَّائِب فَرده من نابلس وَادّعى عَلَيْهِ عِنْد ابْن جمَاعَة وَشهد عَلَيْهِ شرف الدَّين ابْن الصابونى وَقيل ان عَلَاء الدَّين القونوى شهد عَلَيْهِ أَيْضا فاعتقل بسجن حارة الديلمة في ثامن عشر شَوَّال إلى سلخ شهر صفر سنة ٧٠٩ فَنقل عَنهُ أَن جمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إليه وَأَنه يتَكَلَّم عَلَيْهِم في نَحْو مَا تقدم فَأمر بنقله إِلَى الإسكندرية فَنقل إليها في سلخ صفر وَكَانَ سَفَره صُحْبَة أَمِير مقدم وَلم يُمكن أحداً من جِهَته من السفر مَعَه وَحبس ببرج شرقي ثمَّ توجه إليه بعض أَصْحَابه فَلم يمنعوا مِنْهُ فتوجهت طَائِفَة مِنْهُم بعد طَائِفَة وَكَانَ مَوْضِعه فسيحاً فَصَارَ النَّاس يدْخلُونَ إليه ويقرأون عَلَيْهِ ويبحثون مَعَه فَلم يزل إِلَى أَن عَاد النَّاصِر إلى السلطنة فشفع فِيهِ عِنْده فَأمر بإحضاره فَاجْتمع بِهِ في ثامن عشر شَوَّال سنة ٧٠٩ فَأكْرمه وَجمع الْقُضَاة فَأصْلح بَينه وَبَين القاضي المالكى فَاشْترط المالكي أَن لَا يعود فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان قد تَابَ وَسكن الْقَاهِرَة وَتردد النَّاس إليه إِلَى أَن توجه صُحْبَة النَّاصِر إِلَى الشَّام بنية الْغَزْو سنة ٧١٢ فوصل إِلَى دمشق وَكَانَت غيبته مِنْهَا أَكثر من سبع سِنِين وتلقاه جمع كثير فَرحا بمقدمه وَكَانَت والدته إِذْ ذَاك حَيَّة ثمَّ قَامُوا عَلَيْهِ في شهر رَمَضَان سنة ٧١٩ بِسَبَب قَوْله أن الطَّلَاق الثَّلَاث من دون تخَلّل رَجْعَة بِمَنْزِلَة طَلْقَة وَاحِدَة ثمَّ عقد لَهُ مجْلِس آخر في رَجَب سنة ٧٢٠ ثمَّ حبس بالقلعة ثمَّ أخرج في عَاشُورَاء سنة ٧٢١ ثمَّ قَامُوا عَلَيْهِ مرة أُخْرَى
стр. 69
في شعْبَان سنة ٧٢٢ بِسَبَب مَسْأَلَة الزِّيَارَة واعتقل بالقلعة فَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لعشرين من شهر الْقعدَة سنة ٧٣٨ بِجَامِع دمشق وَصَارَ يضْرب الْمثل بِكَثْرَة من حضر جنَازَته وَأَقل مَا قيل في عَددهمْ أَنهم خَمْسُونَ ألفاً قَالَ ابْن فضل الله لما قدم ابْن تَيْمِية على الْبَرِيد إلى الْقَاهِرَة فِي سنة ٧٠٠ حض أهل المملكة على الْجِهَاد وَأَغْلظ القَوْل للسُّلْطَان والأمراء ورتبوا لَهُ كل يَوْم دِينَارا وَطَعَامًا فَلم يقبل ذَلِك ثمَّ قَالَ حضر عِنْده شَيخنَا أَبُو حَيَّان فَقَالَ مَا رَأَتْ عيناي مثل هَذَا الرجل ومدحه بِأَبْيَات ذكر أَنه نظمها بديهة مِنْهَا
(لما أَتَانَا تقي الدَّين لَاحَ لنا ... دَاع إلى الله فَرد مَاله وزرُ)
(على محياه سيماء الأولى صحبوا ... خير الْبَريَّة نور دونه الْقَمَر)
قَالَ ثمَّ دَار بَينهمَا كَلَام فَجرى ذكر سِيبَوَيْهٍ فَأَغْلَظ ابْن تَيْمِية القَوْل في سِيبَوَيْهٍ فنافره أَبُو حَيَّان وقطعه وصير ذَلِك ذَنبا لَا يغْفر وَسُئِلَ عَن السَّبَب فَقَالَ ناظرته فى شئ من الْعَرَبيَّة فَذكرت لَهُ كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ مَا كَانَ سِيبَوَيْهٍ نبيّ النَّحْو وَلَا كَانَ مَعْصُوما بل أَخطَأ فِي الْكتاب في ثَمَانِينَ موضعاً مَا تفهمها أَنْت فَكَانَ ذَلِك سَبَب مقاطعته إِيَّاه وَذكره في تَفْسِيره الْبَحْر بِكُل سوء وَكَذَلِكَ في مُخْتَصره النَّهر وَقد ترْجم لَهُ جمَاعَة وبالغوا في الثَّنَاء عَلَيْهِ ورثاه كثير من الشُّعَرَاء وَقَالَ جمال الدَّين السرمدي فِي أَمَالِيهِ وَمن عجائب زَمَاننَا في الْحِفْظ ابْن تيميه كَانَ يمر بِالْكتاب مرّة مطالعة فينقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَحكى بَعضهم عَنهُ أَنه قَالَ من سألني مستفيداً حققت لَهُ وَمن سألني مُتَعَنتًا ناقصته فَلَا يلبث أن يَنْقَطِع فأكفى مُؤْنَته
стр. 70
وَقد ترْجم لَهُ الصفدي وسرد أَسمَاء تصانيفه في ثَلَاثَة أوراق كبار وَمن أنفعها كِتَابه فِي ابطال الْحِيَل فانه نَفِيس جدا وَكتاب الْمِنْهَاج فى الرَّد على الروافض فِي غَايَة الْحسن لَوْلَا أَنه بَالغ فِي الدفع حَتَّى وَقعت لَهُ عِبَارَات وألفاظ فِيهَا بعض التحامل وَقد نسبه بَعضهم إلى طلب الْملك لِأَنَّهُ كَانَ يلهج بِذكر ابْن تومرت ونظرائه فَكَانَ ذَلِك مولداً لطول سجنه وَله وقائع مَشْهُورَة وَكَانَ إِذا حوقق وألزم يَقُول لم أرد هَذَا وَإِنَّمَا أردْت كَذَا فيذكر احْتِمَالا بَعيدا وَلَعَلَّ ذَلِك وَالله أعلم أَنه يُصَرح بِالْحَقِّ فتأباه الأذهان وتنبوا عَنهُ الطبائع لقُصُور الأفهام فيحوله إِلَى احْتِمَال آخر دفعاً للفتنة وَهَكَذَا ينبغي للْعَالم الْكَامِل أَن يفعل يَقُول الْحق كَمَا يجب عَلَيْهِ ثمَّ يدْفع الْمفْسدَة بِمَا يُمكنهُ وَحكى عَنهُ أَنه لما وصل إِلَيْهِ السُّؤَال الَّذِي وَضعه السكاكيني على لِسَان يهودي وَهُوَ
(أيا عُلَمَاء الدَّين ذميُّ دينكُمْ ... تحيّر دلّوه بأعظم حجَّة)
(إِذا مَا قضى ربي بكفري بزعمكم ... وَلم يرضه مني فَمَا وَجه حيلتي)
إلى آخرهَا فَوقف ابْن تَيْمِية على هَذِه الأبيات فَثنى إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى وَأجَاب في مَجْلِسه قبل ان يقوم بِمِائَة وَتِسْعَة عشر بَيْتا أَولهَا
(سؤالك ياهذا سُؤال معاند ... مخاصم ربّ الْعَرْش ربّ الْبَريَّة)
وَقَالَ ابْن سيّد النَّاس اليعمري في تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية إنه برز في كل فن على أَبنَاء جنسه وَلم تَرَ عين من رَآهُ مثله وَلَا رَأَتْ عينه مثل نَفسه وَقَالَ الذَّهَبِيّ مترجماً لَهُ فِي بعض الإجازات قَرَأَ الْقُرْآن وَالْفِقْه وناظر وَاسْتدلَّ وَهُوَ دون الْبلُوغ وَبلغ في الْعُلُوم وَالتَّفْسِير وَأفْتى ودرّس وَهُوَ دون الْعشْرين وصنّف التصانيف وَصَارَ من أكَابِر الْعلمَاء فى حَيَاة مشايخه
стр. 71
وتصانيفه نَحْو أَرْبَعَة آلاف كراسة وَأكْثر وَقَالَ وَأما نَقله للفقه ومذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فضلاً عَن الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِير وَقَالَ أَنه لَا يذكر مَسْأَلَة إِلَّا وَيذكر فِيهَا مَذَاهِب الْأَئِمَّة وَقد خَالف الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة في عدَّة مسَائِل صنّف فِيهَا وَاحْتج لَهَا بِالْكتاب وَالسّنة وَقد أثنى عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء عصره فَمن بعدهمْ ووصفوه بالتفرد وأطلقوا في نَعته عِبَارَات ضخمة وَهُوَ حقيق بِذَاكَ وَالظَّاهِر أنه لَو سلم مِمَّا عرض لَهُ من المحن المستغرقة لأكْثر أَيَّامه المكدرة لذهنه المشوشة لفهمه لَكَانَ لَهُ من المؤلفات والاجتهادات مَا لم يكن لغيره قَالَ الصفدي وَكَانَ كثيراً مَا ينشد
(تَمُوت النُّفُوس بأوصابها ... وَلم يدر عوادها مَا بهَا)
(وَمَا أنصفت مهجة تشتكى ... أذاها إِلَى غير أَرْبَابهَا)
وَمِمَّا أنْشد لَهُ على لِسَان الْفُقَرَاء)
(وَالله مَا فقرنا اخْتِيَار ... وَإِنَّمَا فقرنا اضطرار)
(جمَاعَة كلنا كسَالَى ... وأكلنا مَاله عيار)
(تسمع منا إِذا اجْتَمَعنَا ... حَقِيقَة كلهَا فشار)
(٤١) أَحْمد بن عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم ابْن أَبى بكر بن إبراهيم الولي بن الزين العراقى
الآتى أَبوهُ انشاء الله تَعَالَى ولد في سحر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث ذي الْحجَّة سنة ٧٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وأحضره وَالِده على جمَاعَة من الشُّيُوخ ورحل بِهِ إلى دمشق فَأحْضرهُ بهَا على أَعْيَان علمائها ثمَّ لما عَاد من الرحلة إلى مصر اجْتهد فِي اسْتِيفَاء شُيُوخ الديار المصرية وَأخذ
стр. 72
عَمَّن دبّ ودرج وَكتب الطباق وَضبط الْأَسْمَاء وتدرب بوالده في الحَدِيث وفنونه وَكَذَا في غَيره من فقه وأصول وعربيه وَمَعَان وَبَيَان وبرع في جَمِيع ذَلِك وشارك في غَيرهَا من الْفَضَائِل وَأذن لَهُ غير وَاحِد من شُيُوخه بالإفتاء والتدريس وَاسْتمرّ يترقّى لمزيد ذكائه حَتَّى سَاد وأبدا وَأعَاد وَظَهَرت نجابته ونباهته واشتهر فَضله وبهر عقله مَعَ حسن خلقه وخُلقه وَشرف نَفسه وتواضعه وانجماعه وصيانته وديانته وأمانته وعفته وضيق حَاله وكثرة عِيَاله ودرّس وَهُوَ شَاب فِي حَيَاة أَبِيه وَقَالَ أَبوهُ فِي دروسه
(دروس أَحْمد خير من دروس أبه ... وَذَاكَ عِنْد أَبِيه مُنْتَهى أربه)
وَلما توجه وَالِده لقَضَاء الْمَدِينَة وخطابتها قَامَ بِجَمِيعِ وظائفه إِلَّا مشيخة دَار الحَدِيث فإنه انتزعها مِنْهُ شَيْخه ابْن الملقّن فَتحَرك لمعارضته ثمَّ سكنه بعض مشايخه فسكن ثمَّ أضيفت إليه جِهَات أَبِيه بعد مَوته فزادت رئاسته وانتشرت في الْعُلُوم وجاهته وأضيف إليه في بعض الْأَوْقَات قَضَاء منوف وناب فى الْقَضَاء عَن الْعِمَاد الكركي نَحْو عشْرين سنة ثمَّ ترفع عَن ذَلِك وَفرغ نَفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف إلى أَن خطبه الطَّاهِر ططر بِغَيْر سُؤال إلى قَضَاء الديار المصرية فِي منتصف شَوَّال سنة ٨٢٤ مَعَ وجود السعاة فِيهِ بالبذل وَذَلِكَ عقب موت الْجلَال البلقيني بأَرْبعَة أَيَّام فَسَار فِيهِ أحسن سيرة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة وصرامة وشهامة وَمَعْرِفَة وَكَانَ يحضّ أَصْحَابه على الاهتمام بإجابة من يلْتَمس مِنْهُم الشَّفَاعَة عِنْده عملاً بِالسنةِ وَقَامَ عَلَيْهِ جماعته حَتَّى ألزموه بتفضيل الرفيع من الثِّيَاب وقرروا لَهُ أَن في ذَلِك قُوَّة في الشَّرْع وتعظيماً
стр. 73
للقائم بِهِ والا فَلم يكن عزمه التَّحَوُّل عَن جنس لِبَاسه من قبل وَاسْتمرّ حَتَّى صرف لتصميمه على الْحق وَعدم مداراته لأهل الدولة فِي أُمُور لَا يحتملونها حَتَّى شقّ ذَلِك عَلَيْهِم فتمالئوا عَلَيْهِ وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة دون شَهْرَيْن فتمالئت وتكدرت الخواطر الصافية لعزله وتنغصت معيشته وَلكنه لزم طَرِيقَته فِي الاكباب على نشرالعلم وتصنيفه إِلَى أَن مَاتَ قبل استكمال سنة من صرفه مبطوناً شَهِيدا آخر يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر من شعْبَان سنة ٨٢٦ سِتّ وَعشْرين وثمان مائَة ثمَّ دفن الى جنب وَالِده بتربته قَالَ ابْن حجر وَلما صرف من الْقَضَاء حصل لَهُ سوء مزاج من كَونه صرف بِبَعْض تلامذته بل بِبَعْض من لَا يفهم عَنهُ كَمَا ينبغى فَكَانَ يَقُول لَو عزلت بِغَيْر فلَان مَا صَعب عليَّ وَله مؤلفات مِنْهَا الْبَيَان والتوضيح لمن أخرج لَهُ في الصَّحِيح وَقد مس بِضَرْب من التجريح والمستجاد فى مهمات الْمَتْن والاسناد وتحفة التَّحْصِيل فى ذكر رُوَاة الْمَرَاسِيل وأخبار المدلّسين والذيل على الكاشف للذهبي وأضاف إليه رجال مُسْند أَحْمد والأطراف بأوهام الأطراف للمزي وَشرح السّنَن لأبي دَاوُد كتب قِطْعَة مِنْهُ وَعمل التعقيبات على الرافعي كتب مِنْهُ نَحْو سِتَّة مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع شرحاً مُخْتَصرا وَاخْتصرَ الْكَشَّاف مَعَ تَخْرِيج أَحَادِيثه وتتمات وَنَحْوهَا وَله تذكرة مفيدة فِي عدَّة مجلدات وأقرأ مصنفاته فِي حَيَاته وَكَانَ يسرّ بِذكرِهِ وَله نظم ونثر كثير
стр. 74
(٤٢) أَحْمد بن عبد الله بن بدر بن مفرح بن بدر بن عُثْمَان بن كَامِل بن ثَعْلَب الشهَاب العامري الغزي ثمَّ الدمشقي الشافعي
ولد في ربيع الأول سنة ٧٧٠ سبعين وَسَبْعمائة بغزة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والتنبيه ثمَّ في كبره الحاوي وَأخذ عَن قاضيها الْعَلَاء على ابْن خلف وَسمع عَلَيْهِ الصَّحِيح ثمَّ تحوّل إلى دمشق بعد الثَّمَانِينَ وَهُوَ فَاضل فقطنها وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من أَهلهَا ورحل إِلَى الْقُدس فَأخذ عَن التقي القلقشندي وبرع في الْفِقْه وأصوله وشارك في غَيرهمَا مَعَ مذاكرة حَسَنَة في الحَدِيث ومتعلقاته وناب في الحكم عَن الشَّمْس الاحنائى وَعين مرّة للْقَضَاء اسْتِقْلَالا فَلم يتم وَولى افتاء دَار الْعدْل والتدريس بعدة أَمَاكِن وتصدر للإقراء والإفتاء واشتهر برئاسة الْفَتْوَى بِدِمَشْق فَلم يبْق في أَوَاخِر عمره من يُقَارِبه وَله تصانيف مِنْهَا شرح الحاوي الصَّغِير فِي أَربع مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع وَشرح مُخْتَصر الْمُهِمَّات للأسنوي في خَمْسَة أسفار وَحج من دمشق غير مرة وجاور بِمَكَّة ثَلَاث سِنِين مُتَفَرِّقَة وَكَانَت وَفَاته بهَا مبطوناً في ظهر يَوْم الْخَمِيس سادس شَوَّال سنة ٨٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة وَصلى عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَدفن في المعلاة قَالَ ابْن حجر في أنبائه وبلغني أَن صديقه النَّجْم المرجاني رَآهُ في النوم فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فتلى عَلَيْهِ ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ السَّيِّد أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن عز الدَّين بن الْحسن الشامي
ولد تَاسِع شهر ذي الْحجَّة سنة ١٠٩٥ خمس وَتِسْعين وَألف وَكَانَ
стр. 75
من أكَابِر عُلَمَاء صنعاء قَرَأَ في فنون الْعلم على مشايخها فبرع في الْآلَات وَالْفِقْه والْحَدِيث ثمَّ إِن المتَوَكل قَاسم بن حُسَيْن أرسل لَهُ ورغّبه في أَن يَجْعَل بنظره من وصل من القاصدين من تهامة فأسعد وَكَانَ يُرْسل إليه بِمَا يَحْتَاجُونَ إليه من نقد وَكِسْوَة ثمَّ بعد ذَلِك ولاه الْقَضَاء الأكبر بِحَضْرَتِهِ في صنعاء فاستمر في ذَلِك إلى أَن توفي المتَوَكل ثمَّ اسْتمرّ على ذَلِك في أَيَّام وَلَده الْمَنْصُور حَتَّى مَاتَ ثمَّ اسْتمرّ فِي ذَلِك فِي أَيَّام الإمام الْمهْدي وَقد ارْتَفَعت دَرَجَته في أَيَّام الْمَنْصُور ارتفاعاً زَائِدا حَتَّى كَانَ مَقْبُول القَوْل فِي الْجَلِيل والدقيق وَصَارَ أَمر الْقَضَاء في جَمِيع جِهَات الْيمن مَنُوطًا بِهِ وَكَانَ يصدع بِالْحَقِّ مَعَ حسن صناعته فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَله شهرة كَبِيرَة وصولة عَظِيمَة فِي مملكة الْيمن وَكَانَ يضْرب بعقله ورصانته الْمثل وَإِلَى الْآن كَذَلِك وَله شغف بِالْعلمِ والتدريس وَله تلامذة مِنْهُم القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن الآتي ذكره إنْشَاء الله وَمن حسن أخلاقه وَقُوَّة اصطباره واحتماله أَنه سمّه رجل ظن أَنه غير عَلَيْهِ بعض أُمُور دُنْيَاهُ فاستمر الإسهال مَعَه مِقْدَار سنة وَلم يحدث بذلك أحداً وكافاً الَّذِي سمه بإيصاله إِلَى مطلبه وَالْقِيَام في قَضَاء غَرَضه فَللَّه در هَذِه الْأَخْلَاق الشَّرِيفَة وَتوفى ﵀ يَوْم الْأَحَد السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة ألف
(٤٤) أَحْمد بن عبد الله الضّمدي
ولد في سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا وَقَرَأَ بِبَلَدِهِ على
следующие страницы →