← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٩٧ - شعْبَان بن مُحَمَّد بن قلاون الْملك الْكَامِل بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور ولي السلطنة في ربيع الآخر سنة ٧٤٦ بعد أَخِيه الصَّالح إسماعيل بِعَهْد مِنْهُ وَكَانَ شقيقه وَامْتنع جمَاعَة من الأمراء من مبايعته ثمَّ وافقوا وسلطنوه فاتفق أَنه لما ركب من بَاب الْقصر لعب بِهِ الْفرس فَنزل عَنهُ وَمَشى خطوَات حَتَّى دخل الإيوان فتطير النَّاس من ذَلِك وَقَالُوا لَا يُقيم إلا قَلِيلا فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك واستعفى النَّائِب من النِّيَابَة لما يعرف من طيش شعْبَان وباشر السلطنة بمهابة فخافوه ثمَّ أقبل على اللَّهْو وَالنِّسَاء وَصَارَ يُبَالغ فِي تَحْصِيل الْأَمْوَال وإنفاقها عَلَيْهِنَّ واشتغل باللعب بالحمام فَقَامَ عَلَيْهِ الأمراء وَاحْتَجُّوا بَان وَالِده النَّاصِر قَالَ من تسلطن من أَوْلَاده

стр. 282

وَلم يسْلك الطَّرِيق المرضية فجروا بِرجلِهِ وملكوا غَيره فخلعوه بعد سنة وَدون اشهر وقرروا أَخَاهُ المظفر حاجي الْمُتَقَدّم وَذَلِكَ فِي أول يَوْم من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٤٧ سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وأعدم بعد ذَلِك ١٩٨ - شيخ المحمودي ثمَّ الظاهري الجركسي ولد تَقْرِيبًا سنة ٧٧٠ سبعين وَسَبْعمائة فَعرض على الظَّاهِر برقوق وَكَانَ جميل الصُّورَة فرام شِرَاءَهُ من جالبه فاشتط فِي الثمن وَكَانَ ذَلِك قبل أن يلي برقوق السلطنة ثمَّ مَاتَ مَالِكه فَاشْتَرَاهُ الخواجة مَحْمُود بِثمن يسير فنسب إليه وَقدمه لبرقوق وَهُوَ يَوْمئِذٍ أتابك الْعَسْكَر فأعجبه وأعتقه فَنَشَأَ ذكيّاً فتعلم الفروسية من اللعب بِالرُّمْحِ والرمي بالنشاب وَالضَّرْب بِالسَّيْفِ والصراع وسباق الْخَيل غير ذَلِك وَمهر فِي جَمِيع ذَلِك مَعَ جمال الصُّورَة وَكَمَال الْقَامَة وَحسن الْعشْرَة وَمَا زَالَ يترقى حَتَّى صَار أَمِير عشرَة وتأمر على الْحَاج سنة ٨٠١ بعد موت برقوق وناب فِي طرابلس وَلما حاصر تيمور حلب خرج مَعَ الْعَسْكَر فَأسر ثمَّ خلص مِنْهُ بحيلة عَجِيبَة وهي أَنه ألْقى نَفسه بَين الدَّوَابّ فستره الله وَمَشى إلى قَرْيَة من أَعمال صفد وَدخل الْقَاهِرَة وأعيد كَمَا كَانَ لنيابة طرابلس ثمَّ وليّ نِيَابَة الشَّام وَجَرت لَهُ خطوب وحروب ثمَّ تغلب على السلطنة وَتمّ لَهُ ذَلِك وَاسْتمرّ سُلْطَانا خمس سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَكَانَ شهماً شجاعاً عالي الهمة كثير الرُّجُوع إلى الْحق محبّا للْعُلَمَاء مكرماً لَهُم يمِيل إلى الْعدْل وَيحسن إلى أَصْحَابه ويصفح عَن جرائمهم يحب الْهزْل والمجون ومحاسنه جمة وَحدث بِصَحِيح البخاري عَن السراج البلقيني وَفتح حصوناً ثمَّ جهز وَلَده إبراهيم الْمُتَقَدّم ذكره فظفر بِابْن قرمان وأحضره أَسِيرًا وَلما أَصَابَته عين الْكَمَال مَاتَ

стр. 283

وَلَده ابراهيم بِالسَّبَبِ الَّذِي قدمنَا ذكره ثمَّ مَاتَ هُوَ بعده بِقَلِيل وَذَلِكَ في أول الْمحرم سنة ٨٢٤ أَربع وَعشْرين وثمان مائَة قَالَ العيني لما مَاتَ كَانَ في الخزانة ألف ألف دِينَار وَخَمْسمِائة ألف دِينَار من الذَّهَب وَجمع ابْن ناهض سيرته في مُجَلد حافل قرّظه لَهُ كل عَالم وأديب وَكَانَ يجل الشَّرْع وَلَا يُنكر على من مضى من بَين يَدَيْهِ طَالبا للشَّرْع بل يُعجبهُ ذَلِك وينكر على أمرائه مُعَارضَة الْقُضَاة فِي أحكامهم غير مائل إِلَى شئ من الْبدع لَهُ قيام في اللَّيْل وَكَانَ يعاب بالشح والحسد وَكَثْرَة الْمَظَالِم الَّتِى أحدثها وَاتفقَ في مَوته موعظة فِيهَا أعظم عِبْرَة وهي أنه لما غسل لم تُوجد منشفة ينشف بهَا فنشف بمنديل بعض من حضر غسله وَلم يُوجد لَهُ مئزر يستر عَوْرَته حَتَّى أَخذ لَهُ مئزر صوف من فَوق رَأس بعض جواريه وَلم يُوجد لَهُ طاسة يصب عَلَيْهِ بهَا المَاء مَعَ كَثْرَة مَا خَلفه من أَنْوَاع المَال وَله مآثر كالجامع الذي بِبَاب زويلة قيل أَنه لم يعمر مثله في الإسلام بعد الْجَامِع الأموي وَله مدارس وسبل ومكاتب وجسور حرف الصَّاد الْمُهْملَة ١٩٩ - صَالح بن صدّيق النمّازي بالنُّون والزاي الخزرجي الأنصاري الشافعي رَحل إلى زبيد فاخد عَن جمَاعَة من علمائها وَمن جملَة مشايخه عبد الرَّحْمَن بن على الديبع ثمَّ عَاد الى وَطنه مَدِينَة صَبيا فَلم يطب لَهُ الْمقَام بهَا فَرَحل إلى حَضْرَة الإمام شرف الدَّين ولازمه وَحضر مجالسه وَشرح

стр. 284

الأثمار شرحاً مُفِيدا وَمَات بِمَدِينَة جبلة سنة ٩٧٥ خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة ٢٠٠ - السَّيِّد صَالح بن عبد الله بن علي بن دَاوُد بن الْقَاسِم بن ابراهيم ابْن الْقَاسِم بن إبراهيم بن الأمير مُحَمَّد ذي الشرفين الْمَعْرُوف بِابْن مغل ولد في رَجَب سنة ٩٦٠ سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة في بلد حبور من جِهَة ظليمة واتصل بالإمام الْحسن بن علي بن دَاوُد الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ اتَّصل بعده بالإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد بِاللَّه وَكَانَ يكْتب للائمة في جَمِيع مَا ينوبهم وَله فصاحة ورجاحة وَتعبد وتأله وَله شعر فألق فَمِنْهُ القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى أَولهَا (ضَاعَ الْوَفَاء وضاعت بعده الهمم ... وَالدّين ضَاعَ وَضاع الْمجد وَالْكَرم) (والجور في النَّاس لَا تخفى معالمه ... وَالْعدْل من دونه الاستار وَالظُّلم) (وكل من تَابع الشَّيْطَان مُحْتَرم ... وكلّ من عبد الرَّحْمَن مهتضم) وهي طَوِيلَة وفيهَا مواعظ وَاسْتمرّ مُتَّصِلا بالأئمة قَائِما بأعمالهم

стр. 285

على أوفر حُرْمَة حَتَّى مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع رَجَب سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بشهارة وقبر عِنْد قبر جده ذي الشرفين مُتَّصِلا بقبره من جِهَة الشرق ٢٠١ - صَالح بن عمر بن رسْلَان بن نصير بن صَالح علم الدَّين العسقلاني البلقيني الأَصْل القاهري الشافعي ولد في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة ٧٩١ إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا في كنف وَالِده سراج الدَّين فحفظ الْقُرْآن والعمدة وألفية النَّحْو ومنهاج الأصول والتدريب لأبيه والمنهاج وَأخذ عَن أَبِيه والزين العراقي وَالْمجد البرماوي والبيجوري والعز بن جمَاعَة والولى العراقى والحافظ بن حجر وَغير هَؤُلَاءِ من مَشَايِخ عصره في فنون عدَّة ودرس وَأفْتى وَوعظ حَتَّى قَالَ بعض أهل الْأَدَب (وعظ الأنام إمامنا الحبر الذي ... سكب الْعُلُوم كبحر فضل طافح) (فشفى الْقُلُوب بعلمه وبوعظه ... والوعظ لَا يشفي سوى من صَالح) ثمَّ اسْتَقر بعد صرف شَيْخه الولي العراقي في قَضَاء الشَّافِعِيَّة بالديار المصرية في سادس ذي الْحجَّة سنة ٨٢٦ فأقام سنة وَأكْثر من شهر ثمَّ صرف وتكرر عوده ثمَّ صرفه حَتَّى كَانَت مُدَّة ولَايَته في جَمِيع المدد

стр. 286

ثَلَاث عشرَة سنة وَنصف سنة وَكَانَ إماماً فَقِيها قوي الحافظة كثير التودد بساماً طلق الْمحيا مهاباً لَهُ جلالة وَوَقع في صُدُور الْخَاصَّة والعامة يتحاشى اللحن في مخاطباته بِحَيْثُ لَا يضْبط عَلَيْهِ في ذَلِك شَاذَّة وَلَا فاذة سريع الْغَضَب وَالرُّجُوع سليم الصَّدْر وَقد مدحه عدَّة من شعراء عصره وطارت فَتَاوِيهِ في الْآفَاق وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء من كل نَاحيَة طبقَة بعد أُخْرَى حَتَّى صَار أَكثر الْفُضَلَاء تلامذته وصنّف تَفْسِيرا وشرحا على البخاري وَلم يكمله وأفرد فَتَاوَى أَبِيه والمهم من فَتَاوِيهِ وأكمل تدريب أَبِيه وَله القَوْل الْمُفِيد في اشْتِرَاط التَّرْتِيب بَين كلمتي التَّوْحِيد وَله نظم ونثر فِي الرُّتْبَة الْوُسْطَى وَمَات يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس رَجَب سنة ٨٦٨ ثَمَان وَسِتِّينَ وثمان مائَة ٢٠٢ - صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصنعاني ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثاني عشر وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل الْعلم واستفاد لاسيما في علم الحَدِيث وَرِجَاله فإنه قوي الْفَائِدَة فِيهِ جيد الإدراك لَهُ وَهُوَ من صالحي الفتيان ونجباء شُبَّان الزَّمَان وَله قِرَاءَة عليّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وفي بعض مؤلفاتي ٢٠٣ - صَالح بن مُحَمَّد بن قلاون ولد سنة ٧٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة وَولى السلطنة بعد خلع النَّاصِر حسن في جُمَادَى الآخرة سنة ٧٥٢ وَلكنه لَا تصرف لَهُ

стр. 287

وَإِنَّمَا التَّصَرُّف للأمراء ثمَّ خلع عَن السلطنة في شهر شَوَّال سنة ٧٥٥ وَكَانَ قوي الذكاء يعرف عدَّة صناعات وَحبس بعد خلعه بالقلعة عِنْد أمه إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة ٧٦٢ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمن مآثره الْحَسَنَة الْوَقْف الَّذِي وَقفه بالديار المصرية على كسْوَة الْكَعْبَة ٢٠٤ - صَالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن سُلَيْمَان بن أسعد بن مَنْصُور المقبلي ثمَّ الصنعاني ثمَّ المكي ولد فِي سنة ١٠٤٧ سبع وَأَرْبَعين وَألف في قَرْيَة الْمقبل من أَعمال بِلَاد كوكبان وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء الْيمن مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم بن الْمفضل كَانَ ينزل للْقِرَاءَة عَلَيْهِ من مَدِينَة ثلا إِلَى شبام كل يَوْم وَبِه تخرج وانتفع ثمَّ دخل بعد ذَلِك صنعاء وَجَرت بَينه وَبَين علمائها مناظرات أوجبت المنافرة لما فِيهِ من الحدة والتصميم على مَا تَقْتَضِيه الأدلة وَعدم الِالْتِفَات إِلَى التَّقْلِيد ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة وَوَقعت لَهُ امتحانات هُنَالك وَاسْتقر بهَا حَتَّى مَاتَ في سنة ١١٠٨ ثَمَان واحدى عشرَة مائَة كتبت مولده فِيمَا علق بذهني من كتبه فإنه ذكر فِيهَا مَا يُفِيد ذَلِك وَهُوَ مِمَّن برع في جَمِيع عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وحقق الاصولين والعربية والمعانى وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وفَاق في جَمِيع ذَلِك وَله مؤلفات مقبولة كلهَا عِنْد الْعلمَاء محبوبة إليهم متنافسون فِيهَا ويحتجون بترجيحاته وَهُوَ حقيق بذلك وَفِي عباراته قُوَّة وفصاحة وسلاسة تعشقها الأسماع وتلتذ بهَا الْقُلُوب ولكلامه وَقع فِي الأذهان قلّ أَن يمعن في مطالعته من لَهُ فهم فَيبقى على التَّقْلِيد بعد ذَلِك وَإِذا رَأْي كلَاما متهافتاً زيّفه ومزّقه بِعِبَارَة عذبة حلوة وَقد أَكثر الْحَط على الْمُعْتَزلَة فِي بعض

стр. 288

الْمسَائِل الكلامية وعَلى الأشعرية فِي بعض آخر وعَلى الصُّوفِيَّة في غَالب مسائلهم وعَلى الْفُقَهَاء في كثير من تفريعاتهم وعَلى الْمُحدثين فِي بعض غلوهم وَلَا يبالي إِذا تمسّك بِالدَّلِيلِ بِمن يُخَالِفهُ كَائِنا من كَانَ فَمن مؤلفاته الفائقة حَاشِيَة الْبَحْر الزخار للإمام المهدي الْمُسَمَّاة بالمنار سلك فِيهَا مَسْلَك الإنصاف وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ بشر يُخطئ ويصيب وَلَكِن قد قيّد نَفسه بِالدَّلِيلِ لَا بالقال والقيل وَمن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ الْمُجْتَهد الَّذِي إِذا أصَاب كَانَ لَهُ أَجْرَانِ وإن أَخطَأ كَانَ لَهُ أجر وَمِنْهَا الْعلم الشامخ اعْترض فِيهِ على عُلَمَاء الْكَلَام والصوفية وَمِنْهَا في الأصول نجاح الطَّالِب على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب جعله حَاشِيَة عَلَيْهِ ذكر فِيهَا مَا يختاره من الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة وَمِنْهَا فِي التَّفْسِير الإتحاف لطلبة الْكَشَّاف انتقد فِيهِ على الزمخشري كثيراً من المباحث وَذكر مَا هُوَ الرَّاجِح لَدَيْهِ وَمِنْهَا الْأَرْوَاح النوافخ والأبحاث المسددة جمع مبَاحث تفسيرية وحديثية وفقهية وأصولية وَلما وقفت عَلَيْهِ في أَيَّام الطلب كتبت فِيهِ أبياتاً وأشرت فِيهَا إِلَى سَائِر مؤلفاته وهي (لله در المقبلى فانه ... بَحر خضم جَان بالإنصاف) (أبحاثه قد سدّدت سَهْما إِلَى ... نحر التعصّب مرهف الْأَطْرَاف) (ومنارة علم النجاح لطَالب ... مذ روّح الْأَرْوَاح بالإتحاف) وَقد كَانَ ألزم نَفسه السلوك مَسْلَك الصَّحَابَة وَعدم التعويل على تَقْلِيد أهل الْعلم في جَمِيع الْفُنُون وَلما سكن مَكَّة وقف عالمها البرزنجى مُحَمَّد ابْن عبد الرَّسُول المدني على الْعلم الشامخ فِي الرَّد على الْآبَاء والمشايخ فَكتب عَلَيْهِ اعتراضات فَرد عَلَيْهِ بمؤلف سَمَّاهُ الْأَرْوَاح النوافخ

стр. 289

فَكَانَ ذَلِك سَبَب الإنكار عَلَيْهِ من عُلَمَاء مَكَّة ونسبوه إِلَى الزندقة بِسَبَب عدم التَّقْلِيد والاعتراض على أسلافهم ثمَّ رفعوا الْأَمر إلى سُلْطَان الروم فَأرْسل بعض عُلَمَاء حَضرته لاختباره فَلم يرمنه إلا الْجَمِيل وسلك مسلكه وَأخذ عَنهُ بعض أهل داغستان ونقلوا بعض مؤلفاته وَقد وصل بعض الْعلمَاء من تِلْكَ الْجِهَة إِلَى صنعاء وَكَانَ لَهُ معرفَة بأنواع من الْعلم فَلَقِيته بمدرسة الامام شرف الدَّين بِصَنْعَاء فَسَأَلته عَن سَبَب ارتحاله من دياره هَل هُوَ قَضَاء فَرِيضَة الْحَج فَقَالَ لى بِلِسَان فِي غَايَة الفصاحة والطلاقة انه لم يكن مستطيعاً وَإِنَّمَا خرج لطلب الْبَحْر الزخار للإمام المهدي أَحْمد بن يحيى لِأَن لديهم حَاشِيَة الْمنَار للمقبلي وَقد ولع بمباحثها أَعْيَان عُلَمَاء جهاتهم داغستان وهي خلف الروم بِشَهْر حَسْبَمَا أخبرنى بذلك قَالَ وفى حَال مطالعتهم واشتغالهم بِتِلْكَ الْحَاشِيَة يلتبس عَلَيْهِم بعض أبحاثها لكَونهَا معلقَة على الْكتاب الَّذِي هي حَاشِيَة لَهُ وَهُوَ الْبَحْر فتجرّد الْمَذْكُور لطلب نُسْخَة الْبَحْر وَوصل إِلَى مَكَّة فَسَأَلَ عَنهُ فَلم يظفر بِخَبَرِهِ عِنْد أحد فلقي هُنَالك السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير فَعرفهُ أَن كتاب الْبَحْر مَوْجُود في صنعاء عِنْد كثير من علمائها قَالَ فوصلت إلى هُنَا لذَلِك ورايته في الْيَوْم الثاني وَهُوَ مكب في الْمدرسَة على نُسْخَة من الْبَحْر يطالعها مطالعة من لَهُ كَمَال رَغْبَة وَقد سر بذلك غَايَة السرُور وَمَا رَأَيْت مثله في حسن التَّعْبِير وَاسْتِعْمَال خَالص اللُّغَة وتحاشي اللحن في مخاطبته وَحسن النغمة عِنْد الْكَلَام فإني أدْركْت لسَمَاع كَلَامه من الطَّرب والنشاط مَا علاني مَعَه قشعريرة وَلكنه ﵀ مَاتَ

стр. 290

بعد وُصُوله إلى صنعاء بِمدَّة يسيرَة وَلم يكْتب الله لَهُ الرُّجُوع بِالْكتاب الْمَطْلُوب إلى وَطنه والمترجم لَهُ مَعَ اتساع دائرته فِي الْعُلُوم لَيْسَ لَهُ الْتِفَات إلى اصْطِلَاحَات الْمُحدثين فِي الحَدِيث وَلكنه يعْمل بِمَا حصل لَهُ عِنْده ظن صِحَّته كَمَا هُوَ الْمُعْتَبر عِنْد أهل الْأُصُول مَعَ أنه لَا ينْقل الأحاديث إِلَّا من كتبهَا الْمُعْتَبرَة كالأمهات وَمَا يلْتَحق بهَا وإذا وجد الحَدِيث قد خرج من طرق وان كَانَ فِيهَا من الوهن مَالا ينتهض مَعَه للاحتجاج وَلَا يبلغ بِهِ إلى رُتْبَة الْحسن لغيره عمل بِهِ وَكَذَلِكَ يعْمل بِمَا كَانَت لَهُ علل حفيفية فينبغي للطَّالِب أَن يتثبت في مثل هَذِه المواطن وَقد ذكر في مؤلفاته من أشعاره وَلكنهَا سافلة بِخِلَاف نثره فإنه فِي الذرْوَة وَمن أحسن شعره أبياته الَّتِى يَقُول فِيهَا (قبّح الإله مفرّقا ... بَين الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة) وَقد أجَاب عَلَيْهِ بعض جارودية الْيمن بِجَوَاب أقذع فِيهِ وأوله (أطرق كراً يَا مقبلي ... فلأنت أَحْقَر من ذُبَابَة) ثمَّ هجاه بعض الجارودية فَقَالَ (المقبلي ناصبيّ ... أعمى الشَّقَاء بَصَره) وَبعده بَيت أقذع فِيهِ وَهَكَذَا شَأْن غَالب أهل الْيمن مَعَ عُلَمَائهمْ وَلَعَلَّ ذَلِك لما يُريدهُ الله لَهُم من توفير الْأجر الأخروي وَكَانَ يُنكر مَا يَدعِيهِ الصُّوفِيَّة من الْكَشْف فمرضت ابْنَته زَيْنَب في بَيته من مَكَّة وَكَانَ ملاصقاً للحرم فَكَانَت تخبره وهي من وَرَاء جِدَار بِمَا فعل في الْحرم وَكَانَ يغلق عَلَيْهَا مرَارًا وتذكر أَنَّهَا تشاهد كَذَا وَكَذَا فَيخرج إلى الْحرم

стр. 291

فيجد مَا قَالَت حَقًا وَذكر ﵀ في بعض مؤلفاته أَنه أَخذ فِي مَكَّة على الشَّيْخ إبراهيم الكردي الْمُتَقَدّم ذكره ٢٠٥ - صديق بن رسّام بن نَاصِر السوادي الصعدي قَرَأَ على الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث في علم الآلة وفَاق فِيهِ الأقران وَصَارَ بعد شَيْخه المرجوع إليه في ذَلِك الْفَنّ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من النبلاء وتميزوا فِي حَيَاته ورحل بعد موت شَيْخه لطف الله وَهُوَ من مشاهير الْعلمَاء وأكابر النبلاء وَله خلف صَالح فيهم الْعلمَاء والفضلاء والنبلاء واتصل في آخر أَيَّامه بالإمام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم فولاه الْقَضَاء فِي بِلَاد خولان الشَّام بمغارب صعدة وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى توفاه الله وَله حواش على كتب النَّحْو وَالصرْف مفيدة منقولة في كتب أهل صعدة وَكَانَ مَوته فِي سنة ١٠٧٩ تسع وَسبعين وَألف ٢٠٦ - صدّيق بن علي المزجاجي الزبيدي الحنفي ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وماية وَألف وَقَرَأَ في زبيد على الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين صَحِيح البُخَارِيّ وَسنَن أَبى دَاوُد وَغَيرهمَا من الأمهات وَقَرَأَ على السَّيِّد سُلَيْمَان بن يحيى الْمُتَقَدّم الأمهات كلهَا سَمَاعا مكررا وَله قِرَاءَة في الآلات وَهُوَ مُحَقّق في فقه الْحَنَفِيَّة وَقد أجَاز لَهُ شيخاه الْمَذْكُورَان إجازة عَامَّة بجمبع مَا يجوز لَهما رِوَايَته وانتقل إلى المخا للتدريس هُنَالك وبقي أَيَّامًا ثمَّ وصل إلى صنعاء في شهر الْقعدَة سنة ١٢٠٣ وَوصل إليّ وَلم أكن قد عَرفته قبل ذَلِك وَلَا عرفنى وَجَرت بينى وَبَينه مذاكرات في عدَّة فنون ثمَّ خطر ببالي أن أطلب مِنْهُ الإجازة فَعِنْدَ ذَلِك الخاطر طلب منى هُوَ الاجازة فَكَانَ ذَلِك من المكاشفة فأجزت لَهُ وَأَجَازَ لي وَكَانَ سنه

стр. 292

إِذْ ذَاك فَوق خمسين سنة وعمري دون الثَّلَاثِينَ ثمَّ مَا زَالَ يتَرَدَّد إليّ وفي بعض المواقف بِمحضر جمَاعَة وَقعت بيني وَبَينه مُرَاجعَة في مسَائِل وَأَكْثَرت الِاعْتِرَاض على مسَائِل من فقه الْحَنَفِيَّة وأوردت الدَّلِيل وَمَا زَالَ يتطلب المحامل لما تَقوله الْحَنَفِيَّة فَلَمَّا خلوت بِهِ قلت لَهُ أصدقني هَل ماتبدية فِي الْمُرَاجَعَة تعتقده اعتقاداً جَازِمًا فإن مثلك فِي علمك بِالسنةِ لَا يظن بِهِ أنه يُؤثر مذْهبه الَّذِي هُوَ مَحْض الرَّأْي في بعض الْمسَائِل على مَا يُعلمهُ صَحِيحا ثَابتا عَن رَسُول الله ﵌ فَقَالَ لَا أعتقد صِحَة مَا يُخَالف الدَّلِيل وإن قَالَ بِهِ من قَالَ وَلَا أدين الله بِمَا يَقُوله أَبُو حنيفَة وأصحابه إِذا خَالف الحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِن الْمَرْء يدافع عَن مذْهبه في الظَّاهِر ثمَّ وَفد إلى صنعاء مُدَّة أُخْرَى بعد سنة ١٢٠٩ وَوصل إليّ وَرجع إلى وَطنه وَبلغ بعد ذَلِك مَوته ﵀ وَكَانَ ذكياً فطناً سَاكِنا متواضعاً جيد الْفَهم قوي الإدراك ٢٠٧ - السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد بن مهدي المؤيدي كَانَ من عجائب الدَّهْر وغرائبه فإن مَجْمُوع عمره تسع وَعِشْرُونَ سنة وَقد فَازَ من كل فن بِنَصِيب وافر وَصَارَ لَهُ فِي الْأَدَب قصائد طنانة يعجز أهل الْأَعْمَار الطَّوِيلَة عَن اللحاق بِهِ فِيهَا وصنف في هَذَا الْعُمر الْقصير التصانيف المفيدة والفوائد الفريدة العديدة فَمن مصنفاته شرح شَوَاهِد النَّحْو وَاخْتصرَ شرح العباسى لشواهد التَّلْخِيص وَشرح الْفُصُول شرحاً حافلاً وَشرح الْهِدَايَة ففرغ من الْخطْبَة وَقد اجْتمع من الشَّرْح مُجَلد وَله مَعَ ذَلِك ديوَان شعر كُله غررودرر وَفِيه مغانى مبتكره فَمِنْهُ

стр. 293

(وصغيرة حاولت فضّ ختامها ... من بعد فرط تَحَنن وتلطّف) (وقلبتها نحوي فَقَالَت عِنْد ذَا ... قلبي يحدثني بأنّك متلفي) وَهَذَا تضمين يطرب لَهُ الجماد وترقّ لحسنه الصم الصلاد وَمَعَ هَذِه الْفَضَائِل الَّتِى نالها فِي هَذَا الأمد الْقَرِيب فَهُوَ مُجَاهِد للأتراك محاصر لصنعاء مَعَ الْحسن وَالْحُسَيْن ابني الإمام الْقَاسِم كَانَ مطرحه فِي الجراف يَشن الغارات على الأروام في جَمِيع الأيام وافتتح مَدِينَة أَبى عَرِيش وغزا إلى جِهَات مُتعَدِّدَة وَكَانَ منصوراً فِي جَمِيع حروبه وَكَانَ مَجْلِسه معموراً بالعلماء والأدباء وَأهل الْفَضَائِل قَالَ القاضي أَحْمد بن صَالح في مطلع البدور رَأَيْته في بعض الأيام خَارِجا إلى بعض المنتزهات بصعدة فَسمِعت الرهج وحركة الْخَيل فوقفت لأنظر فَخرج فِي نَحْو خَمْسَة وَثَلَاثِينَ فَارِسًا إلى منتزه وهم يتراجعون في الطَّرِيق بالأدبيات وَمِنْهُم من ينشد صَاحبه الشّعْر ويستنشده وَكَانَ هَذَا دأبه وإذا سَافر أول مَا تضرب خيمة الْكتب وإذا ضربت دخل إليها وَنشر الْكتب والخدم يصلحون الخيم الأخرى وَلَا يزَال ليله جَمِيعه ينظر فِي الْعلم وَيُحَرر ويقرر مَعَ سَلامَة ذوقه وَكَانَ مَعَ هَذِه الْجَلالَة يلاطف أَصْحَابه وَكتابه بالادبيات والاشعار السحريات من ذَلِك أَبْيَات كَاتب بهَا السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال مِنْهَا (أفدي الحبيب الَّذِي قد زارني وَمضى ... ولاح مبسمه كالبرق إذ ومضا) (نضا عليّ حساما من لواحظه ... فظلت الثم ذَاك اللحظ حِين نضا) فأجابه السَّيِّد الْحسن بأبيات مِنْهَا (قد لَاحَ سعدك فاغتنم حسن الرِّضَا ... من أهل ودّك واستعض عَمَّا مضى)

стр. 294

(لما بعثت لَهُم بطيفك زَائِرًا ... تَحت الدجى ولفضلهم متعرّضا) (بعثوا إليك كتائباً من كتبهمْ ... هزموا بهَا جَيش اصطبارك فانقضى) وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَكَذَلِكَ الابيات الاولى وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة الْفَائِق قَوْله فِي التورية (ومايش أرشفنى رِيقه ... لله من غُصْن وريق وريق) (لقى خد فَوْقه حمرَة ... فصرت مَا بَين النقا والعقيق) وَتوفى ﵀ فِي سنة ١٠٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وعَلى هَذَا فَيكون مولده سنة ١٠١٩ وَكَانَ مَوته بقلعة غمار من جبل رازج وقبر بالقبة الَّتِى فِيهَا السَّيِّد أَحْمد بن لُقْمَان وَالسَّيِّد أَحْمد بن المهدي ورثاه جمَاعَة من شعراء عصره

стр. 295

٢٠٨ - السَّيِّد صَلَاح بن حُسَيْن بن يحيى بن على الاحفش الصّنعاني الْعَالم الْمُحَقق الزَّاهِد الْمَشْهُور المتقشّف الْمُتَعَفِّف أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء عصره مِنْهُم العبالى الْمَشْهُور والقاضى مُحَمَّد إبراهيم السحولي والقاضي علي بن يحيى البرطي وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وأصول الْفِقْه وَكَانَ يؤم النَّاس أول عمره بِمَسْجِد دَاوُد بِصَنْعَاء ثمَّ بالجامع الْكَبِير بهَا ثمَّ عَاد إِلَى مَسْجِد دَاوُد لأمور اتّفقت وَكَانَ لَا يَأْكُل إلا من عمل يَده يعْمل القلانس ويبيعها وَيَأْكُل مَا تحصل لَهُ من ثمنهَا وَلَا يقبل من أحد شَيْئا كَائِنا من كَانَ وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير وَهُوَ ينفر من ذَلِك غَايَة النفور وَله في إنكار الْمُنكر مقامات محمودة وَهُوَ مَقْبُول القَوْل عَظِيم الْحُرْمَة مهاب الجناب وَله مَعَ الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الإمام وَولده الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم من هَذَا الْقَبِيل امور يطول شرحها وَكَانَ لايخاف فِي الله لومة لائم وَلَا يبالي بِأحد مُخَالف للحق وَله شهرة عَظِيمَة في الديار اليمنية وَلَا سِيمَا صنعاء وَمَا يتَّصل بهَا فإنه يضْرب بِهِ الْمثل في الزّهْد إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَله مُنْذُ مَاتَ زِيَادَة على

стр. 296

سبعين سنة وَكَانَ طلبة الْعلم في عصره يتنافسون في الأخذ عَنهُ وَهُوَ يمتحنهم بالأسئلة فاذا رأى من اُحْدُ فطنة مَال إِلَيْهِ وعظمه ونوّه بِذكرِهِ وَله مؤلف في النَّحْو سَمَّاهُ نزهة الطرف في الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف جمع فِيهِ فَوَائِد نفيسة وَشَرحه شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد بشرح حافل وَله رِسَالَة في الصَّحَابَة سلك فِيهَا مَسْلَك التنزية لَهُم على مافيها من تطفيف لما يستحقونه وَمَعَ ذَلِك اعْترض عَلَيْهَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله ابْن على الْوَزير باعتراض سَمَّاهُ ارسال الذؤابة بَين جنبى مسئلة الصَّحَابَة وَحَاصِل مَا فِي هَذَا الِاعْتِرَاض هدم مَا بناه السَّيِّد صَلَاح من التنزيه للصحابة عَن السب والثلب فإنا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَكَانَ بَين هذَيْن السيدين مُنَافَسَة عَظِيمَة ومناقضة ظَاهِرَة ومازال الأقران هَكَذَا وَلَكِن إذا بلغت المنافسة إلى حد الْحَط على خير الْقُرُون فابعدها الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم فائق فَمن ذَلِك القصيدة الطَّوِيلَة الَّتِى ذكر فِيهَا عُلُوم الِاجْتِهَاد مَا يرجحه في الْمِقْدَار الْمُعْتَبر مِنْهَا وتزييف قَول من قَالَ إن علم الْمنطق من جملَة عُلُوم الِاجْتِهَاد وَلَعَلَّه يُشِير إلى السَّيِّد عبد الله الْوَزير الْمَذْكُور فانه كَانَ مشتغلالا بِهَذَا الْفَنّ ومطلع القصيدة (بتحميدك اللَّهُمَّ فِي البدأ أنطق ... وإن لم يقم مني بحَمْدك منطق) وَلم يزل مستمرا على حَاله الْجَمِيل في نشر الْعلم وَعمارَة معالم الْعَمَل وإشادة ربوع الزّهْد حَتَّى توفاه الله فِي سنة ١١٤٢ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي يَوْم الأربعاء سَابِع وَعشْرين من رَجَب من هَذِه السنة وازدحم النَّاس على جنَازَته وغلقت الأسواق وأرّخ مَوته الأديب احْمَد الرقيحي فَقَالَ

стр. 297

(قضى صَلَاح نحبه ... أفضل من فِيهَا مَشى) (السَّيِّد الحبر الَّذِي ... مَا مثله قط نشا) (لَا شكّ ان ربه ... قد خصّه بِمَا يشا) إن تأنس الْحور بِهِ ... فكم لنا قد أوحشا) (فِي رَجَب من عَامه ... أرّخ صَلَاح الأخفشا) سنة ١١٤٢ ٢٠٩ - السَّيِّد صَلَاح بن جلال بن صَلَاح الدَّين بن مُحَمَّد بن الْحسن ابْن المهدي بن الأمير علي بن المحسن بن يحيى بن يحيى ولد بِهِجْرَة رغافة سنة ٧٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَهُوَ صَاحب تَتِمَّة شِفَاء الْأَمِير الْحُسَيْن لَان الأمير الْحُسَيْن ﵀ شرع بتصنيف الْجُزْء الآخر من كتاب الْبيُوع إِلَى آخِره ثمَّ شرع فِي تصنيف الْجُزْء الأول فوضل إِلَى بعض كتاب النِّكَاح وعاقه عَن تَمَامه الأجل فكمله من كتاب النِّكَاح إِلَى آخر كتاب الطَّلَاق دون كتاب الرَّضَاع السَّيِّد

стр. 298

الْعَلامَة صَلَاح بن أَمِير الْمُؤمنِينَ إبراهيم بن تَاج الدَّين أَحْمد بن مُحَمَّد ثمَّ كمل هَذَا المترجم لَهُ كتاب الرَّضَاع وَمَات فِي سنة ٨٠٥ خمس وثمان مائَة وَقد سلك هَذَانِ السيدان في تَتِمَّة كتاب الشِّفَاء مَسْلَك مُصَنفه الأمير الْحُسَيْن ﵀ في النَّقْل وَالتَّرْجِيح والتصحيح وَلَوْلَا قيامهما بِتَمَامِهِ لم يبلغ من الْحَظ مَا بلغ من اشْتِغَال لناس بِهِ مُنْذُ زمَان مُصَنفه إِلَى الآن كَمَا هُوَ شَأْن مالم يكن كَامِلا من الْكتب فإن الرَّغْبَة تقل فِيهِ وَقد كنت أَرْجُو أن أجعَل على هَذَا الْكتاب حَاشِيَة أبين فِيهَا مَا لَعَلَّه يحك في الخاطر من مَوَاضِع مِنْهُ فَأَعَانَ الله وَله الْحَمد والْمنَّة على ذَلِك وكتبت عَلَيْهِ حَاشِيَة تَأتي في مِقْدَار حجمه أَو أقل سميتها وبل الْغَمَام على شِفَاء الأوام وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهَا في رَجَب سنة ١٢١٣ وَهُوَ الْعَام الذي شرعت فِيهِ في تَحْرِير هَذِه التراجم وَقد سلكت في تِلْكَ الْحَاشِيَة مَسْلَك الإنصاف كَمَا هُوَ دأب من كَانَ فَرْضه الِاجْتِهَاد وَمن نظر فِيهَا بِعَين الإنصاف مَعَ كَمَال أَهْلِيَّته عرف مقدارها

стр. 299

حرف الضَّاد الْمُعْجَمَة ٢١٠ - ضِيَاء بن سعد بن مُحَمَّد بن عمر الفومى ابْن قاضي الْقَوْم العقيقي القزويني الشافعي أَخذ عَن أَبِيه والخلخالى والبدر القشيري وَغَيرهم وَسمع الحَدِيث لما حج وَقدم الْقَاهِرَة وحظي عِنْد الأشرف شعْبَان وَولى مشيخة البيبرسية فِي سنة ٧٦٧ وتدريس الشَّافِعِيَّة بالسجونية وولاه الأشرف مشيخة مدرسته وَسَماهُ شيخ الشُّيُوخ وَكَانَ ماهرا فى الْفِقْه والاصول والمعانى وَالْبَيَان ملازماً للتدريس لَا يمل من ذَلِك وَكَانَ من ذوي المروءات كثير الإحسان إِلَى الطّلبَة سليم الْبَاطِن مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة ٧٨٠ ثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة وَقد كتب إليه طَاهِر بن حسن بن حبيب هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (قل لربّ الْعلَا وَمن طلب الْعلم ... مجداً إلى سَبِيل السوَاء) (إن أردت الْخَلَاص من ظلمَة الْجَهْل ... فَمَا تهتدي بِغَيْر الضّياء) فَأَجَابَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بقوله (قل لمن يطْلب الْهِدَايَة منى ... خلت لمع السراب بركَة مَاء) (لَيْسَ عندي من الضّياء شُعَاع ... كَيفَ تبغي الْهدى من اسْم الضّياء) ٢١١ - ضِيَاء العجمي قدم إلى دمشق وَقرر في الخانكاه وأقرا في النَّحْو وَكَانَ يثني على مُقَدّمَة ابْن الْحَاجِب واستفاد مِنْهُ جمَاعَة وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق لكنه كَانَ مغرماً بمشاهدة الحسان من المردان لَا يَنْفَكّ عَن هوى وَاحِد

стр. 300

يتهتك فِيهِ وَيخرج عَن طور الْعقل مَعَ الْعِفَّة وَكَانَ يمشي وَفِي يَده حزمة من الرياحين فَمن لقِيه من المرد أدناها إلى أَنفه فيشمها إِيَّاه فإن التمس مِنْهُ ذَلِك ذُو لحية قَلبهَا وضربه على أَنفه ثمَّ علق بصبي من أَبنَاء الْجند وَكَانَ يخرج إلى سوق الْخَيل ليشاهده إذا ركب فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ كَمَال الدَّين بن الزملكاني لم عشقت هَذَا وَلم تعشق أَخَاهُ وَهُوَ أحسن مِنْهُ قَالَ أعشقه أنت فَقَالَ ان أَذِنت لى قَالَ انت ماتحتاج إلى إذن وَقَالَ شخص فِي مجْلِس ابْن فضل إلى مَتى أَنْت في عشقة بعد عشقة فَأَنْشد ابْن فضل الله (الْحبّ أولى بذاتي في تصرّفه ... من أَن يغادرني يَوْمًا بِلَا شجن) فصاح وخرّ مغشياً عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ نطقت عَن ضميري وأنشده الشهَاب مَحْمُود يَوْمًا (يَقُولُونَ لَو دبرت بِالْعقلِ حبها ... ولاخير فِي حب يدبّر بِالْعقلِ) فصاح حَتَّى سقط مغشياً عَلَيْهِ وَاتفقَ أنه دخل مصر فَرَأى نَصْرَانِيّا نازعه في أَمر من الْأُمُور فَضَربهُ بعكاز فِي يَده ضَرْبَة قضى مِنْهَا فِي الْحَال فتعصب عَلَيْهِ بعض الرؤساء إلى أَن أَمر السُّلْطَان بقتْله فَقتل ﵀ وَهُوَ مظلوم لَا محَالة لِأَن الْقَائِل بقتل الْمُسلم بالكافر وهم الْحَنَفِيَّة لَا يوجبون الْقصاص فِي الْقَتْل بالمثقل وَسَائِر الْعلمَاء لَا يَقُولُونَ إنه يقتل مُسلم بِكَافِر وَكَانَ وجود صَاحب التَّرْجَمَة في الْقرن الثَّامِن

стр. 301

حرف الطَّاء الْمُهْملَة ٢١٢ - ططر الْملك الظَّاهِر كَانَ في الِابْتِدَاء من ممالك الظَّاهِر برقوق ثمَّ ترقى فِي سلطنة المؤبد حَتَّى صَار أحد المقدمين ثمَّ جعله في مرض مَوته متكلماً على ابْنه المظفر احْمَد وسافر بِهِ بعد موت أبيه ثمَّ اسْتَقر أتابكا وَأخذ في تمهيد الْأَمر لنَفسِهِ إلى أَن خلع المظفر وَاسْتقر عوضه في المملكة يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر شعْبَان سنة ٧٢٤ ثمَّ برز فى سَابِع عشر رَمَضَان عائداالى الْقَاهِرَة فوصلها فِي رَابِع شَوَّال ثمَّ مرض وَلزِمَ الْفراش الى مستهل ذي الْقعدَة وانتعش قَلِيلا ثمَّ أَخذ يتزايد مَرضه إلى ثاني ذي الْحجَّة فَجمع الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء وعهد إِلَى وَالِده مُحَمَّد ثمَّ مَاتَ في رَابِع ذي الْحجَّة من السنة الْمَذْكُورَة وَله نَحْو خمسين سنة وَدفن من يَوْمه بالقرافة فَكَانَت مدَّته نيفا وَتِسْعين يَوْمًا وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويعظمهم مَعَ حسن الْخلق والمكارم الزَّائِدَة وَالعطَاء الواسنع وَقد كَانَ فِي آخر أَيَّام الْمُؤَيد يحْتَاج إِلَى الْقَلِيل فَلَا يجده لِكَثْرَة عطائه حَتَّى انه أَرَادَ مُكَافَأَة شخص قدم لَهُ مَأْكُولا فَلم يجد شَيْئا فَسَأَلَ خواصه هَل عِنْدهم شئ يقرضونه فَكل وَاحِد مِنْهُم يحلف أَنه لَيْسَ عِنْده شئ الا وَاحِدًا مِنْهُم فَلم يكن بَين هَذَا وَبَين استيلائه على المملكة بأسرها وعَلى جَمِيع مَا في الخزائن السُّلْطَانِيَّة الَّتِى جمعهَا الْمُؤَيد سوى أُسْبُوع قَالَ المقريزي كَانَ يمِيل إلى تدين وَفِيه لين واعطاء وكرم مَعَ طيش وخفة وَشدَّة تعصب لمَذْهَب الْحَنَفِيَّة يُرِيد أَن لَا يدع أحداً من الْفُقَهَاء غير الْحَنَفِيَّة وأتلف في مدَّته مَعَ قصرهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وَحمل الدولة كلفاً

стр. 302

كَبِيرَة اتعب بهَا من بعده وَقَالَ ابْن خطيب الناصرية إنه كَانَ مائلاً إلى الْعدْل وَأهل الْعلم يُحِبهُمْ ويكرمهم وَيتَكَلَّم فِي مسَائِل من الْفِقْه على مَذْهَب أَبى حنيفَة ٢١٣ - طقطاي بن منكوتمر بن سابر خَان بن جنكزخان المغلي ملك التتار كَانَ وَاسع المملكة جداً وعساكره تفوت الْحصْر حَتَّى يُقَال إنه جهّز جَيْشًا فَأخْرج من كل عشرَة وَاحِدًا فبلغوا مأتي ألف كَذَا قَالَ ابْن حجر في الدُّرَر الكامنة وَهَذَا شئ لم يسمع في جَيش ملك من الْمُلُوك وَكَانَت مُدَّة ملكه ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَكَانَت وَفَاته سنة ٧١٢ اثنتي عشر وَسَبْعمائة وَلم يسلم بل كَانَ يحب الْمُسلمين خُصُوصا الْفُضَلَاء مِنْهُم وَمن كل الْملَل ويميل إِلَى الْأَطِبَّاء والسحرة وَأسلم وَلَده وَيُقَال إن عرض مَمْلَكَته ثَمَانِيَة أشهر وطولها سنة قَالَ بَعضهم وَفِيه عدل وميل إِلَى أهل الْخَيْر وَكَانَ يحب الأطباء ومملكته وَاسِعَة جداً حَتَّى يُقَال ثماني مائَة فَرسَخ في سِتّمائَة فَرسَخ وَكَانَ لَهُ ولد حسن الشكل فَأسلم وَأحب الْقُرْآن وسماعه ٢١٤ - طهماسب ملك بِلَاد الْعَجم طارت أخباره إلى الْيمن في وسط الْمِائَة الثَّانِيَة عشر من الْهِجْرَة وَأخْبر عَنهُ الأغراب بِقُوَّة باهرة وسلطنة عَظِيمَة ومحصل مَا بلغ عَنهُ حَسْبَمَا نَقله من إدراك تِلْكَ الأيام من أهل هَذِه الأرض انه كَانَ خَادِمًا فِي بعض مشَاهد الْأَئِمَّة الَّتِى هُنَالك ثمَّ بعد ذَلِك خرج إلى بعض الأمكنة ودعا جمَاعَة من النَّاس إلى اتِّبَاعه فَاتَّبعُوهُ وَمَا زَالَ امْرَهْ يظْهر حَتَّى استولى على ملك تِلْكَ الديار وعَلى سَائِر ممالك الْعَجم وعَلى ممالك الْعرَاق ثمَّ لما تقرر

стр. 303

ملكه لَهَا غزا بجيوش لَا تحصى إلى بِلَاد الْهِنْد وَكَانَ ملكهَا إذ ذَاك يُقَال لَهُ مُحَمَّد شاه فَتَلقاهُ بجيوش عَظِيمَة فَوَقع المصاف بَين الجيشين وتطاول أَيَّامًا وَقتل في بَعْضهَا أَمِير أُمَرَاء ملك الْهِنْد وَكَانَ من يَلِيهِ في الرُّتْبَة من أمراء السُّلْطَان يطْمع فِي أَن يكون مَكَانَهُ فولى السُّلْطَان رجلاً آخر فخامر عَلَيْهِ ذَلِك الأمير وانخزل بطَائفَة من جُنُوده إلى طهماسب فضعف بذلك السَّبَب سُلْطَان الْهِنْد ثمَّ سعى ذَلِك الأمير في الصُّلْح بَين الْملكَيْنِ فتواعدا للاجتماع إلى مَكَان عَيناهُ فَسبق إليه سُلْطَان الْهِنْد ثمَّ وصل طهماسب فَقعدَ وَنظر إلى سُلْطَان الْهِنْد وَهُوَ يشرب التنباك ولحيته محلوقة فأنكر عَلَيْهِ ذَلِك ووبخّه ثمَّ تم الصُّلْح على أَن يدْخل طهماسب بجيوشه إلى مَدِينَة السُّلْطَان وهى مَدِينَة عَظِيمَة تسمى نى خور وَيكون أَهلهَا في أمان وَيعود سُلْطَان الْهِنْد مَعَه مكرماً وَيبقى في مَمْلَكَته فدخلا تِلْكَ الْمَدِينَة وَلما حضرت صَلَاة الْجُمُعَة خَافَ أهل الْهِنْد أَن يُغير طهماسب رسومهم فى الْخطْبَة إِلَى رسوم الْعَجم فَلم يفعل بل تَركهم على حَالهم فَفَرِحُوا بذلك وَكَانَ جَيْشه منتشراً فِي جَمِيع الْمَدِينَة نازلين مَعَ أهلها فَكَانَ أوباش الْهِنْد إِذا ظفروا بِوَاحِد من جيوش طهماسب قَتَلُوهُ غيلَة وأفنوا بِهَذَا السَّبَب جمَاعَة كَثِيرَة فَبلغ السُّلْطَان طهماسب ذَلِك فبحث عَنهُ وتفقد أَصْحَابه ففقد كثيراً مِنْهُم فَأمر جيوشه بقتل أهل الْمَدِينَة فَمَا زَالُوا يقتلُون من وجدوه فِي ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى بلغ الْقَتْلَى من الْهِنْد زِيَادَة على مائَة ألف ثمَّ أَمرهم بعد الْيَوْم الثَّالِث بِرَفْع السَّيْف ونادى بالأمان وصادر أهل الْمَدِينَة واستخرج مَا مَعَهم من الأموال وأخذ من خَزَائِن سلطانهم مَا أحب أَخذه ثمَّ ارتحل وَقد دوخ بِلَاد الْهِنْد وَصَارَ سلطانها الْمَذْكُور نَائِبا لَهُ فِيهَا وَعَاد إِلَى بِلَادهمْ ثمَّ عزم على

стр. 304

الْغَزْو إِلَى مصر وَالشَّام وَالروم وَقد خافته الْمُلُوك وأيقنوا بِأَنَّهُ لَا طَاقَة لَهُم بِهِ فَكفى الله شَره وَدفع عَن الْمُسلمين ضره وسلط عَلَيْهِ جمَاعَة من غلمانه تواطؤا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ على فرَاشه وَكَانَت مُدَّة ملكه تسع سِنِين هَذَا حَاصِل مَا علق بحفظي من أَخْبَار من أخبرنَا عَن أَخْبَار من أخْبرهُم فِي تِلْكَ الأيام من الغرباء الواصلين إِلَى هَذِه الديار ثمَّ وصل إِلَى صنعاء السَّيِّد إبراهيم العجمي الْحَكِيم وَكَانَ أَبوهُ من جملَة الأطباء لطهماسب وَذكر لنا من أخباره غرائب وعجائب وَأخْبرنَا أنه كَانَ فِي ابْتِدَاء أمره سايسا من سواس الْجمال وَكَانَ عَظِيم الْخلقَة قوي الْبدن فاتفق أَن ملك الْهِنْد غزا بِلَاد الْعَجم وَكَانَ سلطانها إِذا ذَاك مشتغلاً باللهو والبطالة فَمَا زَالَ سُلْطَان الْهِنْد يفتحها إقليماً بعد إقليم ومدينة بعد مَدِينَة حَتَّى لم يبْق الا الْمَدِينَة الَّتِى فِيهَا سُلْطَان الْعَجم وسلطان الْعَجم مشتغل بِمَا هُوَ فِيهِ من البطالة ثمَّ التجأ سُلْطَان الْعَجم إِلَى بعض الْمشَاهد المعتقد فِيهَا فِي تِلْكَ الْمَدِينَة خوفاً من صَاحب الْهِنْد فَلَمَّا وَقع مِنْهُ ذَلِك قَامَ صَاحب التَّرْجَمَة يَدْعُو النَّاس إِلَى جِهَاد سُلْطَان الْهِنْد وَدفعه عَن مَدِينَة سُلْطَان الْعَجم الَّتِى قد أشرف على أَخذهَا فَتَبِعَهُ جمَاعَة وَخَرجُوا من الْمَدِينَة وَهُوَ أمامهم فهزموا جيوش سُلْطَان الْهِنْد وتبعوهم وأخرجوا من قد كَانَ مِنْهُم في مَدَائِن الْعَجم حَتَّى أخرجوهم من بِلَاد الْعَجم ثمَّ رجعُوا إِلَى الْمَدِينَة فَصَارَ صَاحب التَّرْجَمَة الْمُتَكَلّم فى مملكة الْعَجم ومازال أمره يقوى حَتَّى خلع السُّلْطَان العجمي الْمَذْكُور سَابِقًا وَبعد ذَلِك غزا بِلَاد الْهِنْد مكافئاً لَهُم بِمَا فعلوا فى بِلَاد الْعَجم وَقع مِنْهُ فِي بِلَادهمْ من الْقَتْل والاسر والنهب ملا ياتى عَلَيْهِ الْحصْر وصف لنا أَنه لما كَانَ من الهنود مَا قدمنَا من الْقَتْل لاصحابه غيلَة خرج

стр. 305

الْيَوْم الثاني إِلَى سطح جَامعهَا وَهُوَ مَكَان مُرْتَفع وَحَوله فسحة كَبِيرَة من جَمِيع الْجِهَات وَكَانَ لابساً للحمرة وَذَلِكَ عَلامَة الْقَتْل ثمَّ صعد على سطح الْجَامِع وجيوشه حول الْجَامِع من جَمِيع جهاته ينظرُونَ إِلَيْهِ ويرتقبون مَا يَأْمر بِهِ فاستقر سَاعَة ثمَّ أَخذ سَيْفه وسله من غمده وَوَضعه مسلولاً وَصَاح الْجَيْش صَيْحَة وَاحِدَة وشهروا سِلَاحهمْ وَسعوا نَحْو الْمَدِينَة يقتلُون من وجدوه ثمَّ اسْتمرّ ذَلِك من أول يَوْم الى وَقت الْعَصْر فوصل سُلْطَان الْهِنْد وَكَانَ قد أَمنه وَعلم أَنه لَا ذَنْب لَهُ فِيمَا وَقع من الهنود وَوصل وَعَلِيهِ كفن منشور وَسيف مَشْهُور وَاضع لَهُ على رقبته ثمَّ رمى نَفسه بَين يدي صَاحب التَّرْجَمَة وَقَالَ أَيهَا السُّلْطَان قد كَانَ هلك غَالب أهل الْمَدِينَة وَوصل الْقَتْل إلى الأخيار وَلم يَقع مَا وَقع الامن جمَاعَة يسيرَة من الأشرار فَلَمَّا سمع ذَلِك أَخذ السَّيْف الَّذِي قد كَانَ سَله فِي أول الْيَوْم فأغمده فِي غمده فَذهب جمَاعَة كَثِيرَة من البَاقِينَ حوله يصيحون للجيش الَّذِي صَار يقتل أهل الْهِنْد فَمن سمع الصائح رَجَعَ وَترك الْقَتْل ثمَّ من جملَة مَا ذكره لنا السَّيِّد إبراهيم أَن صَاحب التَّرْجَمَة صَار لَا يصبر بعد ذَلِك عَن سفك الدِّمَاء وَصَارَ يقتل من لَا ذَنْب لَهُ من أَصْحَابه ورعيته فأجمع رأي ابْن أَخِيه وَنَحْو ثلثمِائة نفر من جنده على قَتله وَهُوَ فِي الْغَزْو فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقد تساقط أَكْثَرهم فِي الْخيام من هيبته ثمَّ قَتَلُوهُ وَله أخيار طَوِيلَة

стр. 306

حرف الظَّاء الْمُعْجَمَة ٢١٥ - ظافر بن مُحَمَّد بن صَالح بن ثَابت الأنصاريّ الْعَدْوى من شعراء الْمِائَة الثَّامِنَة لَهُ نظم جيد رَوَاهُ عَنهُ الشَّيْخ ابو حَيَّان وَغَيره وَكَانَ فَقِيرا خيرا فَمِنْهُ (تميس فتخجل الاغصان تيها ... وتزرى فِي التلفت بالغزال) (وتحسب بالإزار لقد تغطّت ... وَقد أبدت بِهِ كلّ الْجمال) (سلوها لم تغطي الْبَدْر تيهاً ... وتسمح للنواظر بالهلال) (وَلم تصلى الحشا بالعتب نَارا ... وَفِي ألفاظها بردّ الزلَال) ٢١٦ - ظَاهر بن احْمَد بن شرف الغصيني الفيومي ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثَّامِن وَله فَضِيلَة فِي النَّحْو وَالْفِقْه مَعَ فهم ونظم كثير فِي مجلدات وباشر الأمر كأسلافه فِي تِلْكَ النَّاحِيَة ثمَّ اعْرِض عَنْهَا لوَلَده شرف الدَّين وَاقْبَلْ على الْعِبَادَة والأوراد وَصَحب الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مهلهل فَعَادَت بركته عَلَيْهِ وَحج وَدخل مصر وَمن شعره معرضاً بالعروض (تَوَاتَرَتْ لكَمَال الدا بلياتي ... تحكي طَوِيل مديد الذابليات) (وَقد تقَارب حقفي بالسريع إلى ... خَفِيف منسرح الأهوا المضلاّت) وَله ديوَان شعر مُخْتَصّ بالمدائح النَّبَوِيَّة وَمَات فِي بضع وَسبعين وثمان مائَة

стр. 307

٢١٧ - ظهيرة بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن على بن احْمَد ابْن عَطِيَّة بن ظهيرة القرشي المكّي المالكي الْمَعْرُوف كسلفه بِابْن ظهيرة ولد فِي ذي الْحجَّة سنة ١٨٤١ إحدى وأربعين وثمان مائَة فحفظ الْقُرْآن وَالْأَرْبَعِينَ النووية ومختصر ابْن الْحَاجِب الأصلي والفرعي والرسالة لِابْنِ أَبى زيد وألفية الحَدِيث والنحو وَعرض على ابْن الْهمام وآخرين وتفقه بالقاضي عبد الْقَادِر وَعنهُ أَخذ الْعَرَبيَّة وَأخذ الأصول والمنطق على ابْن مَرْزُوق وَغَيره وَكَانَ ديّناً كثير المحاسن بارعاً فِي الْفِقْه والعربية ولي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمَكَّة بعد ابْن أبي الْيمن فِي سنة ٨٦٨ وباشره بعفة ونزاهة ثمَّ انْفَصل عَنهُ لضعف بَصَره وَلم يلبث أَن مان لَيْلَة الْأَحَد ثامن ذي الْحجَّة من تِلْكَ السنة حرف الْعين الْمُهْملَة ٢١٨ - عَامر بن عبد الْوَهَّاب بن دَاوُد بن طَاهِر ولد سنة ٨٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ وثمان مائَة بالمقرانة مَحل سلفه وَنَشَأ فِي كَفَالَة أَبِيه فحفظ الْقُرْآن واشتغل قَلِيلا ثمَّ ملك الْيمن بعد أَبِيه ولقب الْملك الظافر فَاخْتلف عَلَيْهِ بَنو عَامر فقهرهم وأذعنوا وَملك الْيمن الأسفل وتهامة ثمَّ صنعاء وصعدة وغالب مَا بَينهمَا من الْحُصُون وَلما خرج الجراكسة إِلَى الْيمن غلبوه بِالسَّبَبِ الَّذِي قَدمته فِي تَرْجَمَة الإمام شرف الدَّين واستولوا على جَمِيع ذخايره وَهِي شئ يفوق الْحصْر وأخرجوه من مداينه وقتلوه قريب صنعاء فِي آخر شهر ربيع سنة ٩٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَقد شرح ماجرى لَهُ الديبع فِي بغية المستفيد بأخبار مَدِينَة زبيد وَفِي

стр. 308

قُرَّة الْعُيُون بأخبار الْيمن الميمون وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويكرمهم وَيُحب الْكتب حَتَّى اهتمّ بتحصيل فتح الْبَارِي وَلم يكن إذ ذَاك بِالْيمن وَكَذَلِكَ كتاب الْخَادِم للزركشي وَلم تزل الْحَرْب قَائِمَة بَينه وَبَين جمَاعَة من أئمة أهل الْبَيْت سَلام الله عَلَيْهِم فَتَارَة لَهُ وَتارَة عَلَيْهِ ومحبة الرياسة والتنافس فِيهَا من أعظم مصايب الْأَدْيَان نسْأَل الله السَّلامَة والعافية وقدرثاه الديبع بقوله (أخلاى ضَاعَ الدَّين بعد عَامر ... وَبعد أَخِيه أعدل النَّاس فِي النَّاس) (فمذ فقدا وَالله وَالله إنّنا ... من الْأَمْن والإيناس فِي غَايَة الياس) ٢١٩ - السَّيِّد عَامر بن عليّ بن مُحَمَّد بن علي عَم الإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن علي قد تقدم تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة الْحسن بن الْقَاسِم وَهُوَ الْمَعْرُوف بعامر الشَّهِيد ولد سنة ٩٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَقَرَأَ على القاضي عبد الرَّحْمَن الرحمي وَقَرَأَ الْعَرَبيَّة والكشاف على السَّيِّد عُثْمَان بن علي بن الإمام شرف الدَّين بشبّام قبل دَعْوَة الإمام الْقَاسِم وَسكن بأهله هُنَالك لطلب الْعلم وَلما دَعَا ابْن أَخِيه الإمام الْقَاسِم بِبِلَاد قارة كتب اليه فوصل ثمَّ توجه بِجُنُود فَافْتتحَ من بِلَاد الأمراء آل شمس الدَّين كثيراً وَكَانُوا أعضاد الْوَزير حسن والكخيا سِنَان فَمَا زَالَ كَذَلِك من سنة ١٠٠٦ إلى سنة ١٠٠٨ ثمَّ إن جمَاعَة من أهل قاعة غدروا بِهِ وَقد كَانَ تزوج بِامْرَأَة مِنْهُم هُنَالك وتفرق عَنهُ أَصْحَابه وَلم يبْق سواهُ فسعوا إِلَى الأتراك وأخبروهم بتفرده فأقبلوا إِلَيْهِ واحاطوا بِهِ ثمَّ اسروه وادخلوا شبام فطافوا بِهِ فِي كوكبان وشبّام على جمل وأمير كوكبان يَوْمئِذٍ السَّيِّد احْمَد بن مُحَمَّد بن شمس الدَّين

стр. 309

ثمَّ أنه أرسل بِهِ إِلَى الأتراك مَعَ جمَاعَة إِلَى الكخيا سِنَان وَكَانَ فِي بني صريم فأمر بِهِ أَن يسلخ فسلخ جلده وصبر فَلم يسمع لَهُ أَنِين وَلَا شكوى بل كَانَ يَتْلُو سُورَة الإخلاص وَكَانَ ذَلِك يَوْم الأحد الْخَامِس عشر من رَجَب سنة ١٠٠٨ ثَمَان وَألف ثمَّ إن سِنَانًا أملى جلده الشريف تينا وَأرْسل بِهِ على جمل إلى صنعاء إلى الْوَزير حسن فشهره على الدائر على ميمنة بَاب الْيمن وَدفن سَائِر جسده بجمومة من بني صريم ثمَّ نقل إلى خمر بأمر الإمام وقبره هُنَالك مَشْهُور مزور ثمَّ احتال بعض الشِّيعَة فأخذ الْجلد وَدَفنه على خُفْيَة وَعَلِيهِ ضريح هُنَالك وقبة على يَمِين الدَّاخِل بَاب الْيمن ورثاه القاضي أَحْمد بن سعد الدَّين المسوّري بأبيات مِنْهَا (أزائر هَذَا الْقَبْر إن جِئْت زَائِرًا ... ونلت بِهِ سَهْما من الأجر قامرا) (وَأديت حقّ الْمُصْطَفى ووصيه ... وأهليه لمّا زرت فِي الله عَامِرًا) (سليل الْكِرَام الشّمّ من آل أَحْمد ... وَمن كَانَ للدين الحنيفي عَامِرًا) ٢٢٠ - الإمام المهدي لدين الله الْعَبَّاس بن الامام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن ابْن الإمام المتَوَكل الْقَاسِم بن الْحُسَيْن بن الإمام المهدي أَحْمد بن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد ولد فِي سنة ١١٣١ إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ قبل خِلَافَته وَبعدهَا فَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ قبل خِلَافَته السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن لطف الباري الكبسي ثمَّ كَانَ فِي أَيَّام وَالِده الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه رَئِيسا عَظِيما فخيما ولمامات وَالِده فِي سنة ١١٦١ أجمع النَّاس على صَاحب التَّرْجَمَة فَبَايعُوهُ واتفقت عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَبَايَعَهُ من كَانَ خَارِجا عَن طَاعَة وَالِده كعمه أَحْمد بن المتَوَكل وَكَانَ إماماً فطناً ذكياً عادلاً قوي التَّدْبِير عالي الهمة منقاداً إِلَى الْخَيْر مايلا

стр. 310

إِلَى أهل الْعلم محبا للعدل مصنفا للمظلوم سيوساً حازماً مطلعاً على أَحْوَال رَعيته باحثاً عَن سيرة عماله فيهم لَا تخفى عَلَيْهِ خافية من الأحوال لَهُ عُيُون يوصلون إِلَيْهِ ذَلِك وَله هَيْبَة شَدِيدَة فِي قُلُوب خواصه لَا يَفْعَلُونَ شَيْئا الاوهم يعلمُونَ أَنه سينقل إِلَيْهِ وَبِهَذَا السَّبَب اندفعت كثير من الْمَظَالِم وَكَانَ يدْفع عَن الرعايا مَا ينوبهم من الْبُغَاة الَّذين يخرجُون فِي الصُّورَة على الْخَلِيفَة وَفِي الْحَقِيقَة لإهلاك الرعية فَكَانَ تَارَة يتألّفهم بالعطاء وَتارَة يُرْسل طَائِفَة من أجناده تحول بَينهم وَبَين الرعية وَعظم سُلْطَانه فِي الْيمن وَبعد صيته واشتهر ذكره وقصده أهل الْعلم وَالْأَدب من الْجِهَات الْبَعِيدَة لمزيد اكرامه لمن كَانَ لَهُ فَضِيلَة لَا سِيمَا غرباء الديار وَكَانَ مشتغلاً بِالْعلمِ بعد دُخُوله فِي الْخلَافَة شفلة كَبِيرَة لَا يبرح إذا خلى نَاظرا فِي كتاب من الْكتب وَقَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء وَكَانَ إذا حدث حَادث من بغي بَاغ أَو خُرُوج خَارج عَن طَاعَة أهمه ذَلِك وأقلقه وَلَا يزَال فِي تَدْبِير دَفعه حَتَّى يَدْفَعهُ وَله صدقَات وصلات وافرة جَارِيَة على كثيرين من الْفُقَرَاء والضعفاء والقصاد والوافدين وَفِيه محَاسِن جمة وَله سنَن حَسَنَة سنّهَا وَبِه اندفعت مفاسد كَثِيرَة كَانَت مَوْجُودَة قبل خِلَافَته وَالْحَاصِل أَنه من أفراد الدَّهْر وَمن محَاسِن الْيمن بل الزَّمن وَلم يزل قاهراً لأضداده قامعاً لحساده وأنداده حَافِظًا لأطراف مَمْلَكَته بِقُوَّة صولة وَشدَّة شكيمة لَا يطْمع فِيهِ طامع وَلَا ينجع فِيهِ خدع خَادع بل يتَصَرَّف بالأمور حسب اخْتِيَاره ويتفرد بتدبير الْمُهِمَّات وَلَيْسَ لوزرائه مَعَه كَلَام بل يعْملُونَ مَا يَأْمُرهُم بِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يلبسوا عَلَيْهِ شَيْئا من أَمر المملكة أَو يخادعونه فِي قَضِيَّة من القضايا وَكَانَ لَهُ نقادة كُلية فِي الرِّجَال وخبرة كَامِلَة بأبناء دهره وإذا الْتبس عَلَيْهِ حَال شخص

стр. 311

مِنْهُم امتحنه بِمَا يَلِيق بِهِ حَتَّى يعرف حَقِيقَة حَاله وَله قدرَة كَامِلَة على هتك ستر من يتظاهر بالزهد والعفاف والانقباض عَن الدُّنْيَا فِي ظَاهر الأمر لَا فِي الْوَاقِع فَإِنَّهُ يدْخل عَلَيْهِ من مدَاخِل دقيقة بجودة فطنته وَقُوَّة فكرته فيتضح لَهُ أمره ويحيط بِهِ خَبرا وَله من هَذَا الْقَبِيل عجائب وغرائب وَمَا زَالَ على الْحَال الْجَمِيل حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي شهر رَجَب سنة ١١٨٩ تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وأيامه كلهَا غرر ودولته صَافِيَة عَن شوائب الكدر وَمَا قَامَ عَلَيْهِ قَائِم الا دمره وَلَا خرج عَلَيْهِ خَارج الا قهره وَكَانَ استقراره فِي جَمِيع خِلَافَته بِصَنْعَاء وَمَات بهَا وَدفن بقبته الَّتِى أعدهَا لنَفسِهِ ﵀ ورضي عَنهُ وبويع عِنْد مَوته مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر وَلَده الْمَنْصُور بِاللَّه رب الْعَالمين عَليّ بن الْعَبَّاس حفظه الله وَسَتَأْتِي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ وزيره الأكبر الْفَقِيه أَحْمد بن على النهمى مَا زَالَ قَائِما بالمهم من أُمُوره وَأمر أَكثر بِلَاده إِلَيْهِ من أول خِلَافَته إلى قبيل مَوته بِقَلِيل وَكَانَ هَذَا الْوَزير من محَاسِن الزَّمن لَهُ محبَّة للخير وإقبال على الطَّاعَة وميل إلى أهل الْعلم وَالصَّلَاح ومواساة الضُّعَفَاء مَعَ صدق لهجة وَحسن اعْتِقَاد وَكَانَ يغْضب اذا قَالَ لَهُ قَائِل انه وَزِير أَو عظمه أَو وَصفه بِوَصْف لَهُ مدح لَهُ وَلم يَأْتِ بعده فِي مَجْمُوع خصاله مثله إلا الْحسن بن علي حَنش الْمُتَقَدّم ذكره فَإِنَّهُ سلك طَرِيقَته وفاقه بِكَثْرَة الْبَذْل وَالعطَاء وَلَكِن لم يكن إليه من الأعمال مَا كَانَ إلى هَذَا فإن الَّذِي إلى هَذَا من الْبِلَاد هُوَ غَالب الْبِلَاد اليمنية وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة أَوْلَادهم سَادَات السادات وكل وَاحِد مِنْهُم لَا يَخْلُو عَن فَضِيلَة ويجمعهم جَمِيعًا حسن الفروسية وجودة الْخلق والتمسك بِنَصِيب من الْعرْفَان وأكبرهم عبد الله

стр. 312

توفى فِي حَيَاة وَالِده وَبعده مَوْلَانَا الإمام خَليفَة الْعَصْر الْمَنْصُور بِاللَّه علي وستأتي تَرْجَمته وَبعده مُحَمَّد وَهُوَ من أكَابِر آل الإمام وَله نصيب من الكمالات وافر وَبعده الْقَاسِم وَهُوَ من فحول السادات وأعيان القادات وَله مُشَاركَة فِي الْعلم جَيِّدَة وَبعده يُوسُف وَهُوَ حسن الْأَخْلَاق كريم الأعراق وَبعده أَحْمد وَهُوَ أوسعهم علماً وَأَقْوَاهُمْ فهماً لَهُ اطلَاع كلي على علم التَّارِيخ وَالْأَدب وَمَعْرِفَة بفنون من الْعلم ومشاركة كُلية فِي أَنْوَاع مِنْهُ وَله شعر وَفِيه رَغْبَة إلى المباحثة وَهُوَ كريم مُطلق قَلِيل النظير فِي مَجْمُوعه وَبعده اسمعيل وَهُوَ قَلِيل النظير فِي حسن أخلاقه وتواضعه وسلامة فطرته وعفافه وهؤلاءهم الْكِبَار من أولاد صَاحب التَّرْجَمَة وهم كَثِيرُونَ وجميعهم كَمَا قَالَ الْقَائِل (من تلق مِنْهُم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النُّجُوم الَّتِى يسرى بهَا الساري) ٢٢١ - السَّيِّد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد المغربيّ التونسي قدم إِلَى صنعاء فِي سنة ١٢٠٠ وَله معرفَة بِعلم الْحُرُوف والأوفاق

стр. 313

رَأينَا مِنْهُ فِي ذَلِك عجائب وغرائب وأخذنا عَنهُ فِي علم الأوفاق لقصد التجريب لَا لاعتقاد شئ من ذَلِك وَكَانَ إذا احْتَاجَ إِلَى دَرَاهِم أَخذ بَيَاضًا وقطعه قطعاً على صور الضَّرْبَة المتعامل بهَا ثمَّ يَجْعَلهَا فِي وعَاء وَيَتْلُو عَلَيْهَا فتنقلب دَرَاهِم وَكنت فِي الِابْتِدَاء أَظن ذَلِك حِيلَة وشعوذة فَأخذت ذَلِك الْوِعَاء وفتشته فَلم أقف على الْحَقِيقَة فَسَأَلته أَن يصدقني فَقَالَ ان تِلْكَ الدَّرَاهِم يجِئ بهَا خَادِم من الْجِنّ يَضَعهَا فِي ذَلِك الْوِعَاء بِقدر مَا جعله من قطع الْبيَاض وَيكون ذَلِك قرضاً حَتَّى يتَمَكَّن من الْقَضَاء فَيَقْضِي وَكَانَ يضع خَاتم أحد الْحَاضِرين فِي اناء وَيجْعَل فِيهِ مَاء ويرتب فَيسمع الْحَاضِرُونَ فِي ذَلِك الإناء صَوتا مفزعاً ويرتفع ذَلِك الْخَاتم فَيَقَع فِي حجر صَاحبه فَظَنَنْت أنه يضع فِي الإناء تَحت الْخَاتم شَيْئا من الْمَعَادِن يكون لَهُ قُوَّة يدْفع بهَا الْخَاتم فتركته حَتَّى وضع الإناء وَوضع فِيهِ الْخَاتم فَقُمْت فأخذته فَلم أجد فِيهِ شَيْئا ثمَّ أمرنى أَن آخذ إِنَاء آخر وأضع فِيهِ مَاء بيدي وَاضع الْخَاتم من دون أَن يمس هُوَ شَيْئا من ذَلِك فَفعل وتلا فسمعنا ذَلِك الصَّوْت وارتفع الْخَاتم وَوَقع فِي حجر صَاحبه وَله من هَذَا الْجِنْس عجائب وغرائب واتصل بخليفة الْعَصْر حفظه الله وكساه كسْوَة عَظِيمَة وَأَعْطَاهُ عَطاء وَاسِعًا وَكَانَ يكثر التَّرَدُّد الى وأنا إِذْ ذَاك مشتغل بِطَلَب الْعلم ثمَّ عزم صُحْبَة الْحجَّاج فوصل إلى مَكَّة وإذا جمَاعَة من حجاج الغرب يسْأَلُون عَنهُ حجاج الْيمن وَمن جملَة من سألوا رفقته الَّذين حجّ مَعَهم من أهل الْيمن فَسَأَلُوهُمْ عَن حَاله فَأَخْبرُوهُمْ أَن أَبَاهُ من أكَابِر تجار الغرب وَأَنه مَاتَ وَخلف دنيا عريضة وَكَذَلِكَ وصف لنا من رافقه من حجاج الْيمن فِي الطَّرِيق من مروءته وإحسانه إليهم فِي الطَّرِيق وشكره لأهل الْيمن عِنْد أَصْحَابه وَغَيرهم مَا يدل

стр. 314

على أَنه من أهل المروءات وَمن جملَة مَا وصفوه أَنهم وصلوا إلى الْبَحْر فَعدم المَاء فِي السَّفِينَة وهم بِقرب جَزِيرَة فِيهَا مَاء عذب وَلَكِن فِيهَا جمَاعَة من اللُّصُوص قد حالوا بَين أهل السَّفِينَة وَبَين المَاء واشتدت حَاجتهم إلى المَاء وَلم يقدر أحد على الْخُرُوج فَاشْتَمَلَ هَذَا السَّيِّد على سَيْفه وَخرج وَأخرج مَعَه قرب المَاء فَلَمَّا رَآهُ اللُّصُوص هربوا وَكَانَ طَويلا ضخماً حسن الْأَخْلَاق ابيض اللَّوْن شَدِيد الْقُوَّة ويحفظ منظومة فِي فقه الْمَالِكِيَّة وَله معرفَة بمسائل من أصُول الدَّين وَكَانَ يصمم على مَا يعرفهُ فإذا ظهر لَهُ الْحق مَال إليه وَكنت مرة أَنا وشخص عندي كَانَ يحضر عِنْد اجتماعي بالسيّد فاخذنا من تَحْرِير أوفاق قد خفظناها مِنْهُ وَلم يكن حَاضرا فَلَمَّا فَرغْنَا من تَحْرِير بَعْضهَا وضعناه فِي النَّار حَتَّى التهب ثمَّ جَعَلْنَاهُ فِي الطَّاقَة فَلم نشعر إلا بطائر قد انقضّ على تِلْكَ الْوَرق الَّتِى تلتهب فأخذها وَذهب فعجبنا من ذَلِك غَايَة الْعجب وَلم نقف للمترجم لَهُ على خبر بعد ارتحاله وَقد كَانَ يحْكى لنا من أَحْوَال أهل الغرب حكايات عَجِيبَة وَكَانَ مُدَّة الِاجْتِمَاع بِهِ نَحْو ثَلَاثَة أشهر أَو أَكثر ٢٢٢ - عبد الباسط بن خَلِيل بن إبراهيم الدمشقي ثمَّ القاهري قَالَ السخاوي هُوَ أول من سمي بِعَبْد الباسط ولد سنة ٧٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة وَنَشَأ فِي خدمَة كَاتب سرها مُحَمَّد ين مُوسَى بن مُحَمَّد الشهَاب مَحْمُود واختص بِهِ ثمَّ اتَّصل بالمؤيد شيخ حِين كَانَ نَائِبا بِدِمَشْق ولازمه حَتَّى قدم مَعَه إلى الديار المصرية فَلَمَّا تسلطن الْمُؤَيد أعطَاهُ نظر الخزانة وَالْكِتَابَة بهَا وسلك مَسْلَك عُظَمَاء الدولة فِي الحشم والخدم والمماليك من سَائِر الأجناس والندماء وَرُبمَا ركب بالسرج الذَّهَب

стр. 315

وَالسُّلْطَان زَائِد الإقبال عَلَيْهِ والتقريب لَهُ وتكرر نُزُوله غير مرّة فتزايدت وجاهته بذلك كُله وَزَاد تعاظمه حَتَّى صَار لَا يسلم على أحد الا نَادرا فمقتته الْعَامَّة واسمعوه الْمَكْرُوه كَقَوْلِهِم ياباسط خُذ عَبدك فَشَكَاهُمْ إلى الْمُؤَيد فتوعدهم بِكُل سوء فأخذوا فِي قَوْلهم يَا جبال يَا رمال يَا الله يَا لطيف فَلَمَّا طَال ذَلِك عَلَيْهِ الْتفت اليهم بِالسَّلَامِ وخفض الْجنَاح فَسَكَتُوا عَنهُ واحبوه وَلَا يزَال يترقى إلى أَن أثرى جداً وَأَنْشَأَ القيسارية الْمَعْرُوفَة بالباسطية وَعمر الاملاك الجليلة ثمَّ صَار فِي دولة السُّلْطَان ططر نَاظر الْجَيْش عوضاً عَن الْكَمَال بن البارزي فِي سَابِع ذي الْقعدَة سنة ٨٢٤ فَلَمَّا اسْتَقر السُّلْطَان الأشرف بَالغ فِي التَّقَرُّب إليه بالتقادم والتحف وَفتح لَهُ أبواباً فِي جَمِيع الأموال فَزَاد اخْتِصَاصه بِهِ وَصَارَ هُوَ الْمعول عَلَيْهِ وأضاف إليه الوزارة والأستاذ داريه فسدهما بِنَفسِهِ وَبَعض خدمه إلى أَن مَاتَ الأشرف وَاسْتقر ابْنه الْعَزِيز وَكَانَ من أعظم القائمين فِي سلطنته ثمَّ صَارَت السلطنة إلى السُّلْطَان جقمق فَخلع عَلَيْهِ باستمراره فِي نظر الْجَيْش ثمَّ قبض عَلَيْهِ وحبسه وَطلب مِنْهُ ألف ألف دِينَار فتلطف بِهِ الْكَمَال بن البارزي وَغَيره من أَعْيَان الدولة حَتَّى صَارَت إلى ثَلَاث مائَة ألف دِينَار ثمَّ أطلق وَأمر بالتوجه إلى الْحجاز فسافر بعد أَن خلع عَلَيْهِ وعَلى عِيَاله وحواشيه فِي ثامن شهر ربيع الآخر سنة ٨٤٣ فأقام بِمَكَّة سنة ثمَّ رَجَعَ مَعَ الركب الشامي إلى دمشق امتثالاً لما أَمر بِهِ فَأَقَامَ بهَا سِنِين وزار مِنْهَا بَيت الْمُقَدّس وأرسل بهدية من هُنَاكَ إلى السُّلْطَان ثمَّ قدم الْقَاهِرَة فَكَانَ يَوْمًا مَشْهُورا وخلع عَلَيْهِ وعَلى أَوْلَاده ثمَّ أرسل بتقدمة هائلة وَعَاد إلى دمشق بعد أَن أنعم عَلَيْهِ السُّلْطَان بأمرة عشْرين بهَا ثمَّ بعد سِنِين عَاد إلى الْقَاهِرَة مستوطناً لَهَا ثمَّ

стр. 316

حج وَعَاد فَأَقَامَ قَلِيلا وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع شَوَّال سنة ٨٥٤ أَربع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ رَئِيسا محتشماً سائساً كَرِيمًا وَاسع الْعَطاء ممدوحاً محبا للْعُلَمَاء مفضلا عَلَيْهِم وَكَانَ الْحَافِظ ابْن حجر من جملَة من اتَّصل بِهِ وَهُوَ الذي ذكره في فتح الباري لما ذكر كسْوَة الْكَعْبَة حَيْثُ قَالَ وَلم يزل الْمُلُوك يتداولون كسوتها إلى ان وقف عَلَيْهَا الصَّالح إسماعيل بن النَّاصِر فِي سنة ٧٤٣ قَرْيَة من ضواحي الْقَاهِرَة يُقَال لَهَا بيسوس كَانَ اشْترى الثُّلثَيْنِ مِنْهَا من وَكيل بَيت المَال ثمَّ وَقفهَا على هَذِه الْجِهَة قَالَ وَلم تزل تُكْسَى من هَذَا الْوَقْف إلى سلطنة الْمُؤَيد شيخ فكساها من عِنْده سنة لضعف وَقفهَا ثمَّ فوض أمرهَا إلى بعض أمنائه وَهُوَ القاضي زين الدَّين عبد الباسط بسط الله في رزقه وعمره فَبَالغ في تحسينها بِحَيْثُ يعجز الواصف عَن وصف حسنها جزاه الله على ذَلِك أفضل المجازاة انْتهى وَمن غرائب مَا اتفق لصَاحب التَّرْجَمَة أَن جَوْهَر القيقباي رام ان يخْدم عِنْده فَمَا وَافق ثمَّ ترقى حَتَّى صَار صَاحب التَّرْجَمَة خاضعاً لَهُ مَاشِيا فِي أغراضه رَاضِيا وكارهاً وَكَذَلِكَ أحضرت أم الْعَزِيز إلى صَاحب التَّرْجَمَة ليشتريها قبل وصولها إلى الْأَشْرَف فَامْتنعَ فَصَارَت إلى الْأَشْرَف وحظيت عِنْده فَصَارَ المترجم لَهُ يمشي فِي خدمتها وَسَار مَعهَا إِلَى مَكَّة يخدمها وَرُبمَا مَشى وَهَذَا شَأْن هَذِه الدُّنْيَا ٢٢٣ - عبد الباقي بن عبد الْمجِيد بن عبد الله بن مثّنى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن يُوسُف بن عبد الْمجِيد اليماني المخزومي تَاج الدَّين ولد فِي رَجَب سنة ٦٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بِمَكَّة وَدخل الْيمن فأقام بهَا مُدَّة ثمَّ قدم مصر بعد السبعمائة بِيَسِير فَأَقَامَ بهَا مُدَّة وَقدم الشَّام فى

стр. 317

زمن الأقرم فرتب لَهُ راتباً واشتغل النَّاس عَلَيْهِ في الْعرُوض والمقامات ثمَّ رَجَعَ إلى الْيمن في سنة ٧١٦ وولاه الْمُؤَيد الرسولي الوزارة فاستمر فِيهَا إلى أن مَاتَ الْمُؤَيد وولاه ابْنه الظافر فقربه وعظمه ثمَّ صادره الْمُجَاهِد واجتاح أَمْوَاله ففرّ مِنْهُ إلى مَكَّة وَدخل الديار المصرية في سنة ٧٣٠ فدرس بالمشهد النفيسي ثمَّ استوطن بَيت الْمُقَدّس ومازال يتَرَدَّد بَين حلب ودمشق ومصر وطرابلس حَتَّى مَاتَ فِي سنة ٧٤٤ أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ قدرَة على النظم والنثر وَكَانَ يحط على القاضي الْفَاضِل ويرجح عَلَيْهِ ابْن الأثير وَعمل تَارِيخا لليمن وتاريخاً للنحاة وَاخْتصرَ تَارِيخ ابْن خلكان في جُزْء وذيل عَلَيْهِ إلى زَمَانه وَضبط ألفاظ الشِّفَاء لعياض في جُزْء وَله مطرب السمع في حَدِيث أم زرع وَغير ذَلِك وَله اشْتِغَال كَبِير بالفقه وَالْأُصُول وفنون الْأَدَب وَله اخْتِصَار الصِّحَاح وَحكى عَن بعض معاصريه أَنه قَالَ لَا يعْتَمد عَلَيْهِ في الرِّوَايَة وَمن شعره (تجنّب أَن تذمّ بك اللّيالي ... وحاول أَن يذم لَك الزَّمَان) (وَلَا تحفل إذا كملت ذاتاً ... أصبت الْعِزّ أم حصل الهوان) ٢٢٤ - عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن الْحسن على البهكلى الضمدى ثمَّ الصبيانى ولد سنة ١١٨٠ ثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا بصبيا وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على وَالِده وَغَيره من أهل صَبيا ثمَّ رَحل إِلَى صنعاء سنة ١٢٠٢ فَأخذ عَن أكَابِر علمائها كشيخنا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد وَالسَّيِّد الْعَلامَة على بن عبد الله الْجلَال وَالسَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد الْأَمِير وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن اسمعيل المغربي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله بن الْحسن بن

стр. 318

عَليّ بن الْحُسَيْن بن علي بن المتَوَكل والعلامة علي بن هادي عرهب وَغير هَؤُلَاءِ وَأخذ عَنى في فنون مُتعَدِّدَة واختص بي اختصاصاً كَامِلا وسألني مسَائِل كَثِيرَة فأجبت عَلَيْهِ بأجوبة مُطَوَّلَة ومختصر وَعَاد إِلَى وَطنه وَقد برع فِي النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير والْحَدِيث فِي أقرب مُدَّة لحسن فهمه وجودة تصَوره وَكَمَال اداركه وَقُوَّة ذهنه ثمَّ مازال بعد رُجُوعه إِلَى وَطنه يكاتبني بالأشعار الرايقة فَأُجِيب عَلَيْهِ بمضمون مَا يَكْتُبهُ إِلَى وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتأسف على مفارقتى وأتاسف على مُفَارقَته لما بيني وَبَينه من الْمَوَدَّة الصادقة والمحبة الزَّائِدَة الَّتِى تفوق الْوَصْف بل قد لَا يتَّفق مثلهَا بَين الأخوين الشقيقين وَقد جرت بينى وَبَينه من المطارحات الأدبية نظماً ونثراً مَالا يَتَّسِع لَهُ الا مجلدا وَفِيه فصاحة ورجاحة مَعَ حسن تودد ولطافة طبع وكرم أَخْلَاق وملاحة محاضرة واستحضار لرايق الاشعار وفائق الاخبار لَا يمل جليسه لماجبل عَلَيْهِ من مُوَافقَة كل جليس وجلب خاطره بِمَا يلايمه وَالْوُقُوف على الْحَد الَّذِي يُريدهُ وَلِهَذَا أحبته الْقُلُوب وانجذبت إِلَيْهِ الخواطر وَرغب إِلَيْهِ كل اُحْدُ فعاشر أهل صنعاء وَعرف طباعهم وَاخْتِلَاف أوضاعهم وَصَارَ أخبر بهم من أحدهم لَا يخفى عَلَيْهِ من أَحْوَالهم دَقِيق وَلَا جليل ثمَّ ارتحل إلى صنعاء رحْلَة ثَانِيَة وَكنت إِذْ ذَاك مَشْغُولًا بالتدريس والتأليف والإفتاء وَلكنه قد جفاني جمَاعَة من الَّذين لَا يعْرفُونَ الْحَقَائِق لصدور اجتهادات مني مُخَالفَة لما ألفوه وعرفوه وَهَذَا دأبهم سلفاً عَن خلف لَا يزالون يعادون من بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد وَخَالف مادبوا عَلَيْهِ ودرجوا من مَذَاهِب الْآبَاء والأجداد فوصل صَاحب التَّرْجَمَة فِي سنة ١٢٠٩ والمواحشة بيني وَبَين

стр. 319

الْمَذْكُورين زَائِدَة وَلَهَب نَار الِاخْتِلَاف صادعة فَقَرَأَ على فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَشَرحه لعضد الدَّين وحاشيته للسعد وَقَرَأَ على فى الخرازبة وَشَرحهَا فى الْعرُوض ومازال يعادى اعداى ويوادد أوداي وَيقوم في غيبتي مقَام الْأَخ الْحَمِيم ويتوجع من أَحْوَال أَبنَاء الزَّمن وَمَا جبل عَلَيْهِ طلبة الْعلم في قطر الْيمن ثمَّ وصل إِلَى صنعاء مرة ثَالِثَة فِي شهر رَمَضَان سنة ١٢١١ وَكنت إِذْ ذَاك قد امتحنت بِقبُول الْقَضَاء الْأَكْبَر بعد الإلزام بِهِ من مَوْلَانَا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله فاستقر المترجم لَهُ فِي صنعاء نَحْو نصف سنة يتَّصل بِي فِي كل وَقت ويحضر فِي مَوَاقِف التدريس ومجالس المنادمة والتأنيس ويطارحني بأدبياته ويواصلني بفقرة الفايقة وأبياته حَتَّى ولاه مَوْلَانَا الإمام حفظه الله قَضَاء بَيت الفقيه بن عجيل بعد موت القَاضِي الْعَلامَة عبد الفتاح بن أَحْمد العواجي وَهُوَ الْآن قَاض هُنَالك وَقد بَاشرهُ مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة كَامِلَة وصدع بِالْحَقِّ بِحَسب الْحَال وَمِقْدَار مَا يبلغ إِلَيْهِ الطَّاقَة وَقد أجزته بِكُل مَا يجوز لى رِوَايَته وَهُوَ مشارك لي فِي السماع من أكابر شيوخي وَله قدرَة على النظم والنثر وملكة كَامِلَة فِي جَمِيع الْعُلُوم عقلاً ونقلاً وَلَا يُقَلّد أحداً بل يجْتَهد برأيه وَهُوَ حقيق بذلك وَلما وقف على أَبْيَات لي من الحماسة رضت القريحة بهَا مرغباً في الرُّتْبَة وَالْوُسْطَى اذا أعجزت الْغَايَة وهي (إذا أعوز الْمَرْء الصعُود إلى الَّتِى ... اليها تناهى كل أروع أصيد) (فَمن دون تحليق النسور منَازِل ... تروح بهَا رقش البزاة وتغتدي) (ودع عَنْك أدنى مسرح الْعِزّ إنه ... مطار بغاث الطير عِنْد التبلد) (فهم الْفَتى كل الْفَتى غير وَاقِف ... على الدون إن الدون غير مُحَمَّد)

стр. 320

(وَفِي الْغَايَة الْوُسْطَى تعلّل مغرم ... على الْغَايَة القصوى مقَام التفرد) (أيا منزلاً من دون مضربه السهى ... ويامقعدا من دونه كل مقغد) (أبرى دون مرقا شأوك الْمَوْت وَاقِفًا ... لكلّ الذي يهوى لقاك بِمَرْصَد) فَقَالَ هَذِه الأبيات الَّتِى هي السحر الْحَلَال وَقد غَابَ عَنى أَولهَا (فَتى لَا وَحقّ الله لَوْلَا قِيَامه ... بِبَاب الْعلَا وَالْمجد لم يَتَجَدَّد) (وأبلج مَا من آله وقبيلة ... على قلَّة السادات من لم يسود) (أَخُو همة مَا حَاجِب بن زُرَارَة ... أَخُوهَا وَلَا العالي يزِيد بن مزِيد) (وَذُو سلف مَا فيهم من مذمم ... لئيم وَلَا فِي غَيرهم من مُحَمَّد) (وأيمن أن تصدم بِهِ الْفقر يَنْقَلِب ... غَنِيا وان تصدم بِهِ النحس تسعد) ووقف على أَبْيَات لي من ذَلِك الطراز الأول نظمتها لقصد امتحان الْفِكر وَهِي (ولي سلف فَوق المجرّة خيموا ... سرادقهم من دونه كلّ كَوْكَب) (رقوا في مراقي الْعِزّ شأوا ممنعاً ... وذادوا الورى عَنهُ بخطب المشطب) (فَمَا مِنْهُم في قومه غير سيد ... يروح وَيَغْدُو وَهُوَ بالمجد محتبي) (وَمَا بِي عَن أوساطهم من تخلف ... وَلَا ركبُوا في مجدهم غير مركبي) (وَلكنهَا الْأَيَّام يلبسهَا الْفَتى ... على قدر من غَالب أَو مغلب) (واني امْرأ أما نجاري فخالص ... وَأما فعالي فاسأل الدَّهْر واكتب) (وَلست بلباس لثوب مزور ... وَلَكِن ضوء الشَّمْس غير محجب) (وإن فَتى يغشى الدنايا وبيته ... على قمة الْعليا فَتى غير معتب) (فَمَا الْمَرْء الامن ينوء بِنَفسِهِ ... إلى منزل فَوق السَّمَاء مطنب) (وَلَا خير فِي حفظ من الْعَيْش دونه ... تجرّع كأس الذل من أى مشرب)
следующие страницы →