← Тараджим

Тараджим · id 6671

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

الشوكاني

Полный текст (892 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وتصانيفه نَحْو أَرْبَعَة آلاف كراسة وَأكْثر وَقَالَ وَأما نَقله للفقه ومذاهب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فضلاً عَن الْمذَاهب الْأَرْبَعَة فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِير وَقَالَ أَنه لَا يذكر مَسْأَلَة إِلَّا وَيذكر فِيهَا مَذَاهِب الْأَئِمَّة وَقد خَالف الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة في عدَّة مسَائِل صنّف فِيهَا وَاحْتج لَهَا بِالْكتاب وَالسّنة وَقد أثنى عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء عصره فَمن بعدهمْ ووصفوه بالتفرد وأطلقوا في نَعته عِبَارَات ضخمة وَهُوَ حقيق بِذَاكَ وَالظَّاهِر أنه لَو سلم مِمَّا عرض لَهُ من المحن المستغرقة لأكْثر أَيَّامه المكدرة لذهنه المشوشة لفهمه لَكَانَ لَهُ من المؤلفات والاجتهادات مَا لم يكن لغيره قَالَ الصفدي وَكَانَ كثيراً مَا ينشد (تَمُوت النُّفُوس بأوصابها ... وَلم يدر عوادها مَا بهَا) (وَمَا أنصفت مهجة تشتكى ... أذاها إِلَى غير أَرْبَابهَا) وَمِمَّا أنْشد لَهُ على لِسَان الْفُقَرَاء) (وَالله مَا فقرنا اخْتِيَار ... وَإِنَّمَا فقرنا اضطرار) (جمَاعَة كلنا كسَالَى ... وأكلنا مَاله عيار) (تسمع منا إِذا اجْتَمَعنَا ... حَقِيقَة كلهَا فشار) (٤١) أَحْمد بن عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن بن ابراهيم ابْن أَبى بكر بن إبراهيم الولي بن الزين العراقى الآتى أَبوهُ انشاء الله تَعَالَى ولد في سحر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث ذي الْحجَّة سنة ٧٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وأحضره وَالِده على جمَاعَة من الشُّيُوخ ورحل بِهِ إلى دمشق فَأحْضرهُ بهَا على أَعْيَان علمائها ثمَّ لما عَاد من الرحلة إلى مصر اجْتهد فِي اسْتِيفَاء شُيُوخ الديار المصرية وَأخذ

стр. 72

عَمَّن دبّ ودرج وَكتب الطباق وَضبط الْأَسْمَاء وتدرب بوالده في الحَدِيث وفنونه وَكَذَا في غَيره من فقه وأصول وعربيه وَمَعَان وَبَيَان وبرع في جَمِيع ذَلِك وشارك في غَيرهَا من الْفَضَائِل وَأذن لَهُ غير وَاحِد من شُيُوخه بالإفتاء والتدريس وَاسْتمرّ يترقّى لمزيد ذكائه حَتَّى سَاد وأبدا وَأعَاد وَظَهَرت نجابته ونباهته واشتهر فَضله وبهر عقله مَعَ حسن خلقه وخُلقه وَشرف نَفسه وتواضعه وانجماعه وصيانته وديانته وأمانته وعفته وضيق حَاله وكثرة عِيَاله ودرّس وَهُوَ شَاب فِي حَيَاة أَبِيه وَقَالَ أَبوهُ فِي دروسه (دروس أَحْمد خير من دروس أبه ... وَذَاكَ عِنْد أَبِيه مُنْتَهى أربه) وَلما توجه وَالِده لقَضَاء الْمَدِينَة وخطابتها قَامَ بِجَمِيعِ وظائفه إِلَّا مشيخة دَار الحَدِيث فإنه انتزعها مِنْهُ شَيْخه ابْن الملقّن فَتحَرك لمعارضته ثمَّ سكنه بعض مشايخه فسكن ثمَّ أضيفت إليه جِهَات أَبِيه بعد مَوته فزادت رئاسته وانتشرت في الْعُلُوم وجاهته وأضيف إليه في بعض الْأَوْقَات قَضَاء منوف وناب فى الْقَضَاء عَن الْعِمَاد الكركي نَحْو عشْرين سنة ثمَّ ترفع عَن ذَلِك وَفرغ نَفسه للإفتاء والتدريس والتصنيف إلى أَن خطبه الطَّاهِر ططر بِغَيْر سُؤال إلى قَضَاء الديار المصرية فِي منتصف شَوَّال سنة ٨٢٤ مَعَ وجود السعاة فِيهِ بالبذل وَذَلِكَ عقب موت الْجلَال البلقيني بأَرْبعَة أَيَّام فَسَار فِيهِ أحسن سيرة بعفة ونزاهة وَحُرْمَة وصرامة وشهامة وَمَعْرِفَة وَكَانَ يحضّ أَصْحَابه على الاهتمام بإجابة من يلْتَمس مِنْهُم الشَّفَاعَة عِنْده عملاً بِالسنةِ وَقَامَ عَلَيْهِ جماعته حَتَّى ألزموه بتفضيل الرفيع من الثِّيَاب وقرروا لَهُ أَن في ذَلِك قُوَّة في الشَّرْع وتعظيماً

стр. 73

للقائم بِهِ والا فَلم يكن عزمه التَّحَوُّل عَن جنس لِبَاسه من قبل وَاسْتمرّ حَتَّى صرف لتصميمه على الْحق وَعدم مداراته لأهل الدولة فِي أُمُور لَا يحتملونها حَتَّى شقّ ذَلِك عَلَيْهِم فتمالئوا عَلَيْهِ وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة دون شَهْرَيْن فتمالئت وتكدرت الخواطر الصافية لعزله وتنغصت معيشته وَلكنه لزم طَرِيقَته فِي الاكباب على نشرالعلم وتصنيفه إِلَى أَن مَاتَ قبل استكمال سنة من صرفه مبطوناً شَهِيدا آخر يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر من شعْبَان سنة ٨٢٦ سِتّ وَعشْرين وثمان مائَة ثمَّ دفن الى جنب وَالِده بتربته قَالَ ابْن حجر وَلما صرف من الْقَضَاء حصل لَهُ سوء مزاج من كَونه صرف بِبَعْض تلامذته بل بِبَعْض من لَا يفهم عَنهُ كَمَا ينبغى فَكَانَ يَقُول لَو عزلت بِغَيْر فلَان مَا صَعب عليَّ وَله مؤلفات مِنْهَا الْبَيَان والتوضيح لمن أخرج لَهُ في الصَّحِيح وَقد مس بِضَرْب من التجريح والمستجاد فى مهمات الْمَتْن والاسناد وتحفة التَّحْصِيل فى ذكر رُوَاة الْمَرَاسِيل وأخبار المدلّسين والذيل على الكاشف للذهبي وأضاف إليه رجال مُسْند أَحْمد والأطراف بأوهام الأطراف للمزي وَشرح السّنَن لأبي دَاوُد كتب قِطْعَة مِنْهُ وَعمل التعقيبات على الرافعي كتب مِنْهُ نَحْو سِتَّة مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع شرحاً مُخْتَصرا وَاخْتصرَ الْكَشَّاف مَعَ تَخْرِيج أَحَادِيثه وتتمات وَنَحْوهَا وَله تذكرة مفيدة فِي عدَّة مجلدات وأقرأ مصنفاته فِي حَيَاته وَكَانَ يسرّ بِذكرِهِ وَله نظم ونثر كثير

стр. 74

(٤٢) أَحْمد بن عبد الله بن بدر بن مفرح بن بدر بن عُثْمَان بن كَامِل بن ثَعْلَب الشهَاب العامري الغزي ثمَّ الدمشقي الشافعي ولد في ربيع الأول سنة ٧٧٠ سبعين وَسَبْعمائة بغزة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والتنبيه ثمَّ في كبره الحاوي وَأخذ عَن قاضيها الْعَلَاء على ابْن خلف وَسمع عَلَيْهِ الصَّحِيح ثمَّ تحوّل إلى دمشق بعد الثَّمَانِينَ وَهُوَ فَاضل فقطنها وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من أَهلهَا ورحل إِلَى الْقُدس فَأخذ عَن التقي القلقشندي وبرع في الْفِقْه وأصوله وشارك في غَيرهمَا مَعَ مذاكرة حَسَنَة في الحَدِيث ومتعلقاته وناب في الحكم عَن الشَّمْس الاحنائى وَعين مرّة للْقَضَاء اسْتِقْلَالا فَلم يتم وَولى افتاء دَار الْعدْل والتدريس بعدة أَمَاكِن وتصدر للإقراء والإفتاء واشتهر برئاسة الْفَتْوَى بِدِمَشْق فَلم يبْق في أَوَاخِر عمره من يُقَارِبه وَله تصانيف مِنْهَا شرح الحاوي الصَّغِير فِي أَربع مجلدات وَشرح جمع الْجَوَامِع وَشرح مُخْتَصر الْمُهِمَّات للأسنوي في خَمْسَة أسفار وَحج من دمشق غير مرة وجاور بِمَكَّة ثَلَاث سِنِين مُتَفَرِّقَة وَكَانَت وَفَاته بهَا مبطوناً في ظهر يَوْم الْخَمِيس سادس شَوَّال سنة ٨٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثمان مائَة وَصلى عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَدفن في المعلاة قَالَ ابْن حجر في أنبائه وبلغني أَن صديقه النَّجْم المرجاني رَآهُ في النوم فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فتلى عَلَيْهِ ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ السَّيِّد أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن عز الدَّين بن الْحسن الشامي ولد تَاسِع شهر ذي الْحجَّة سنة ١٠٩٥ خمس وَتِسْعين وَألف وَكَانَ

стр. 75

من أكَابِر عُلَمَاء صنعاء قَرَأَ في فنون الْعلم على مشايخها فبرع في الْآلَات وَالْفِقْه والْحَدِيث ثمَّ إِن المتَوَكل قَاسم بن حُسَيْن أرسل لَهُ ورغّبه في أَن يَجْعَل بنظره من وصل من القاصدين من تهامة فأسعد وَكَانَ يُرْسل إليه بِمَا يَحْتَاجُونَ إليه من نقد وَكِسْوَة ثمَّ بعد ذَلِك ولاه الْقَضَاء الأكبر بِحَضْرَتِهِ في صنعاء فاستمر في ذَلِك إلى أَن توفي المتَوَكل ثمَّ اسْتمرّ على ذَلِك في أَيَّام وَلَده الْمَنْصُور حَتَّى مَاتَ ثمَّ اسْتمرّ فِي ذَلِك فِي أَيَّام الإمام الْمهْدي وَقد ارْتَفَعت دَرَجَته في أَيَّام الْمَنْصُور ارتفاعاً زَائِدا حَتَّى كَانَ مَقْبُول القَوْل فِي الْجَلِيل والدقيق وَصَارَ أَمر الْقَضَاء في جَمِيع جِهَات الْيمن مَنُوطًا بِهِ وَكَانَ يصدع بِالْحَقِّ مَعَ حسن صناعته فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهي عَن الْمُنكر وَله شهرة كَبِيرَة وصولة عَظِيمَة فِي مملكة الْيمن وَكَانَ يضْرب بعقله ورصانته الْمثل وَإِلَى الْآن كَذَلِك وَله شغف بِالْعلمِ والتدريس وَله تلامذة مِنْهُم القاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن الآتي ذكره إنْشَاء الله وَمن حسن أخلاقه وَقُوَّة اصطباره واحتماله أَنه سمّه رجل ظن أَنه غير عَلَيْهِ بعض أُمُور دُنْيَاهُ فاستمر الإسهال مَعَه مِقْدَار سنة وَلم يحدث بذلك أحداً وكافاً الَّذِي سمه بإيصاله إِلَى مطلبه وَالْقِيَام في قَضَاء غَرَضه فَللَّه در هَذِه الْأَخْلَاق الشَّرِيفَة وَتوفى ﵀ يَوْم الْأَحَد السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٧٢ اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة ألف (٤٤) أَحْمد بن عبد الله الضّمدي ولد في سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وَألف تَقْرِيبًا وَقَرَأَ بِبَلَدِهِ على

стр. 76

من بهَا من أهل الْعلم ثمَّ ارتحل إِلَى صنعاء فَأخذ عَن جمَاعَة من أكَابِر علمائها كشيخنا السَّيِّد الامام عبد الْقَادِر بن أَحْمد والقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن وَشَيخنَا الْعَلامَة قَاسم بن يحيى الخولاني وَغَيرهم وَعَاد إِلَى وَطنه وَقد برع في الْفِقْه والْحَدِيث والعربية ثمَّ بعد وُصُوله إلى بَلَده عكف عَلَيْهِ الطّلبَة من أَهلهَا وَرَغبُوا فِيهِ وَأخذُوا عَنهُ فنونا من الْعلم وَعظم شَأْنه هُنَالك وَصَارَ الْمرجع إِلَيْهِ في التدريس والإفتاء فِي ضمد وَغَيرهَا كصبيا وأبي عَرِيش ثمَّ ارتحل إلى صنعاء رحْلَة أُخْرَى فَقَرَأَ عليّ في شرح الْغَايَة وسألنى بمسائل عديدة أجبْت عَلَيْهَا بِجَوَاب سميته العقد المنضد فى جيد مسَائِل عَلامَة ضمد ثمَّ عَاد إِلَى بِلَاده وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل فِي نشر الْعلم وَالْفَتْوَى والزهد والاشتغال بِخَاصَّة النَّفس ثمَّ مَاتَ ﵀ فِي سنة ١٢٢٢ اثنتين وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف تَقْرِيبًا (٤٥) مَوْلَانَا الإمام المتَوَكل على الله أَحْمد بن الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الإمام المهدي الْعَبَّاس ابْن الإمام الْمَنْصُور بن الْحُسَيْن بن الإمام المتَوَكل الْقَاسِم بن حُسَيْن ابْن أَحْمد بن حسن بن الْقَاسِم وسيأتي تَمام نسبه في تَرْجَمَة جده الْحسن بن الْقَاسِم مولده حفظه الله حَسْبَمَا أخبرني بِهِ في أول شهر محرم سنة ١١٧٠ سبعين وَمِائَة وألف وَهُوَ أكبر أَوْلَاد أَبِيه وَلما صَارَت الْخلَافَة إِلَى

стр. 77

أَبِيه جعل إليه بعد مضي نَحْو نصف سنة إِمَارَة الأجناد وَولَايَة صنعاء وَمَا إليها فباشر ذَلِك بِحرْمَة وافرة ومهابة ونجابة وَحسن سياسة وَبَعثه وَالِده لِحَرْب من يناوئه غير مرّة فظفر وانتصر وَهُوَ مَيْمُون النقيبه مَا بَاشر حَربًا من الحروب إِلَّا وَكَانَ الغلب لَهُ وَله فِي ذَلِك مَوَاقِف لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها مِنْهَا حَرْب حَده بَينه وَبَين بكيل لما خرج بهم سيدي على بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدي وَمِنْهَا خُرُوجه بجنده إِلَى بني الْحَارِث لما أفسدوا فاستولى على جَمِيعهم وَمِنْهَا حَرْب الرَّوْضَة لما خرج أَهلهَا عَن الطَّاعَة بِسَبَب تغرير جمَاعَة من السَّادة الكباسية وَال أبي طَالب عَلَيْهِم وعاضدهم على ذَلِك سيدي أَحْمد بن عبد الله بن المهدي فاستولى عَلَيْهِم مَوْلَانَا المتَوَكل على الله في أَيَّام وَالِده ﵀ وَمَا زَالَ في خلَافَة وَالِده جَمِيعهَا يسوس أَمر النَّاس وينوب عَن أَبِيه فِي كثير من الْأُمُور ويفاوضه الوزراء في غَالب مَا تَدْعُو إليه الْحَاجة حَتَّى ولّيَ الوزارة الْفَقِيه حسن بن حسن عُثْمَان بعد وَالِده فَلم يسْلك مَسْلَك الوزراء بل مازال يواحش بَين الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه ﵀ وَولده وتزايد الْأَمر مَعَ سوء تَدْبِير الْوَزير الْمَذْكُور وَضعف رَأْيه حَتَّى كَادَت الدولة أَن تذْهب وتقاصر ظلها وَهَلَكت الرعايا وانقطعت الطرق وَمَات كثير من أهل صنعاء جوعا بِسَبَب حصارها فَعِنْدَ ذَلِك وَقع من مَوْلَانَا المتَوَكل على الله مَا سيأتي في تَرْجَمَة وَالِده ﵀ وَكَانَت الْبيعَة لَهُ في اللَّيْلَة الَّتِى مَاتَ فِيهَا وَالِده وَهِي لَيْلَة خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة ١٢٢٤ أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكنت أول من بَايعه وتوليت قبض الْبيعَة لَهُ من أخوته وأعمامه وَسَائِر آل الإمام الْقَاسِم وأعيان الْعلمَاء والرؤساء وَكَانَ

стр. 78

تَحْرِير هَذِه التَّرْجَمَة فِي الْيَوْم الثاني من بيعَته وَتَوَلَّى وزارته الْفَقِيه على ابْن إسماعيل فارع وشاركه في بعض الْأَعْمَال القاضي حسن بن على عبد الْوَاسِع ثمَّ توفى ﵀ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لَعَلَّه سَابِع عشر شهر شَوَّال سنة ١٢٣١ إحدى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف وَقَامَ بعده وَلَده عبد الله وتلقب بالمهدي وَكنت المتولي لأخذ الْبيعَة لَهُ بعد مبايعتي لَهُ وستأتى لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة انشاء الله تَعَالَى ٤٦ - أَحْمد بن علي بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن إبراهيم بن مُحَمَّد بن تَمِيم ابْن عبد الصَّمد بن أَبى الْحسن بن عبد الصَّمد بن تَمِيم التقي أَبُو الْعَبَّاس الحسيني العبيدي البعلي الأَصْل القاهري وَيعرف بِابْن المقريزي وهي نِسْبَة لحارة فِي بعلبك تعرف بحارة المقارزة قَالَ السخاوي كَانَ مولده حَسْبَمَا كَانَ يخبر بِهِ ويكتبه بعد السِّتين يعْنى وَسَبْعمائة وَقَالَ ابْن حجر إنه رأى بِخَطِّهِ مَا يدل على تَعْيِينه فِي سنة ٦٦ سِتّ وَسِتِّينَ بِالْقَاهِرَةِ ونشأ بهَا نشأة حَسَنَة فحفظ الْقُرْآن وَسمع من جمَاعَة من الشُّيُوخ كالا مدى والبلقيني والعراقي والهيثمي وَحج فَسمع بِمَكَّة من علمائها وَسمع في الشَّام من جمَاعَة واشتغل كثيراً وَطَاف على الشُّيُوخ ولقي الْكِبَار وجالس الْأَئِمَّة وتفقّه حنفيّاً على مَذْهَب جده لأمه ثمَّ تحول شافعياً قَالَ السخاوي وَلَكِن كَانَ مائلاً إِلَى الظَّاهِر وَكَذَا قَالَ ابْن حجر إنه أحب الحَدِيث فواظب عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ يتهم بِمذهب ابْن حزم انْتهى وَنظر في عدَّة فنون وشارك في الْفَضَائِل وَقَالَ النظم والنثر وناب في الحكم وَكتب التوقيع وَولى الْحِسْبَة بِالْقَاهِرَةِ غير مرّة والخطابة بِجَامِع عَمْرو والإمامة بِجَامِع الْحَاكِم وَقِرَاءَة الحَدِيث بالمؤيدة

стр. 79

وحمدت سيرته في مباشراته كلهَا وَكَانَ قد اتَّصل بِالظَّاهِرِ برقوق وَدخل دمشق مَعَ وَلَده النَّاصِر وَعرض عَلَيْهِ قَضَائهَا مرَارًا فَأبى وَصَحب بشيك الدوادار وقتاً ونالته مِنْهُ دنيا وَحج غير مرة وجاور وَكَذَا دخل دمشق مرَارًا وَتَوَلَّى بهَا تداريس ثمَّ أعرض عَن جَمِيع ذَلِك وَأقَام بِبَلَدِهِ عاكفاً على الِاشْتِغَال بالتاريخ حَتَّى اشْتهر بِهِ ذكره وَبعد فِيهِ صيته وَصَارَت لَهُ فِيهِ جملَة تصانيف كالخطط والْآثَار للقاهرة وَهُوَ من أحسن الْكتب وأنفعها وَفِيه عجائب ومواعظ وَكَانَ فِيهِ ينشر محَاسِن العبيدية ويفخم شانهم ويشيد بِذكر مناقبهم وَكنت قبل أَن أعرف انتسابه إليهم أعجب من ذَلِك كَونه على غير مَذْهَبهم فَلَمَّا وقفت على نسبه علمت أَنه استروح إلى ذكر مَنَاقِب سلفه قَالَ السخاوي أَن المترجم لَهُ ظفر بمسودة للأوحدي في خطط الْقَاهِرَة وآثارها فأخذها وَزَاد فِيهَا زَوَائِد غير طائلة ونسبها لنَفسِهِ انْتهى وَالرجل غير مَدْفُوع عَن فضل لَا سِيمَا فِي التَّارِيخ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَالله أعلم وَمن مؤلفاته دُرَر الْعُقُود الفريدة في تراجم الْأَعْيَان المفيدة ذكر فِيهِ من عاصره وإمتاع الاسماع بِمَا للرسول من الأنباء والحفدة وَالْمَتَاع وَعقد جَوَاهِر الاسفاط فى مُلُوك مصر والفسطاظ وَالْبَيَان والإعراب عَمَّا في أَرض مصر من الأعراب والالمام فِيمَا بِأَرْض الْحَبَشَة من مُلُوك الاسلام والطرفة الغريبة فى أَخْبَار وادى حَضرمَوْت العجيبة وَمَعْرِفَة مَا يجب لأهل الْبَيْت النبوي على من عداهم وايقاظ الحنفاء بأخبار الْأَئِمَّة الفاطميين الْخُلَفَاء والسلوك بِمَعْرِِفَة دوَل الْمُلُوك والتاريخ الْكَبِير وَهُوَ في سِتَّة عشر مجلداً وَله مؤلفات غير هَذِه وجد بِخَطِّهِ أَن تصانيفه

стр. 80

زَادَت على مائتي مُجَلد وَأَن كبار شُيُوخه بلغت سِتّمائَة نفس وَكَانَ متبحراً في التَّارِيخ على اخْتِلَاف أَنْوَاعه ومؤلفاته تشهد لَهُ بذلك وإن جَحده السخاوي فَذَلِك دأبه في غَالب أَعْيَان معاصريه وَكَانَ حسن الْخِبْرَة بالزايرجة والأسطرلاب والرمل والميقات قَالَ ابْن حجر فِي تَرْجَمته لَهُ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق والتصانيف الباهرة خُصُوصا في تَارِيخ الْقَاهِرَة فإنه أَحْيَا معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وَترْجم أعيانها قَالَ وَكَانَ حسن الصُّحْبَة حُلْو المحاضرة مَاتَ في عصر يَوْم الْخَمِيس سادس عشر رَمَضَان سنة ٨٤٥ خمس وَأَرْبَعين وثمان مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَمن شعره (سقى عهد دمياط وحيّاه من عهد ... فقد زادني ذكرَاهُ وجداً على وجدي) (وَلَا زَالَت الأنواء يسقى سحابها ... دياراً حكت من حسنها جنَّة الْخلد) (٤٧) (أَحْمد بن علي بن عبد الْكَافِي بن يحيى بن تَمام بن يُوسُف بن مُوسَى بن تَمام بن حَامِد بن يحيى بن سليم السُّبْكِيّ أَبُو حَامِد بهاء الدَّين ولد بعد الْمغرب من لَيْلَة الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧١٩ تسع عشرَة وَسَبْعمائة وأحضر على الحجار في الْخَامِسَة وَسمع علي الدبوسي والبدر بن جمَاعَة وبدمشق على ابْن الجزري والمزي وَغَيرهمَا قَالَ الذهبي في المعجم الْمُخْتَص الْأَمَام الْعَلامَة الْمدرس لَهُ فَضَائِل وَعلم جيد وَفِيه أدب وتقوى وساد وَهُوَ ابْن عشْرين سنة وأسرع إليه الشيب فاتقى وَهُوَ في حُدُود الْعشْرين قَالَ ابْن حجر وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى في علم اللِّسَان الْعَرَبيَّة والمعاني وَالْبَيَان وَله عروس الأفراح شرح تَلْخِيص الْمِفْتَاح أبان عَن سمعة دَائِرَة في الْفَنّ وَله تَعْلِيق

стр. 81

على الحاوى وَعمل قِطْعَة على شرح الْمِنْهَاج لِأَبِيهِ وَكَانَ أديباً فَاضلا متعبداً كثير الصَّدَقَة وَالْحج والمجاورة سريع الدمعة قَائِما مَعَ أَصْحَابه وَولى قَضَاء الشَّام عوضاً عَن أَخِيه في سنة ٧٦٢ فأقام سنة وَلم يصنع ذَلِك إِلَّا حفظاً للوظيفة على أَخِيه ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر وَكَانَ شرع في شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فَكتب مِنْهُ قِطْعَة لَطِيفَة في مُجَلد وَلَو أتمه لَكَانَ عشر مجلدات أَو أَكثر وَقَالَ وَالِده الشَّيْخ تقي الدَّين لما درس وَلَده هَذَا (دروس أَحْمد خير من دروس علي ... وَذَاكَ عِنْد عليّ غَايَة الأمل) وَكَانَ من رحّالي الْعَالم وَكَانَ أَبوهُ قاضي الشَّام فكثرت جهاته واتسع مَاله لِأَنَّهُ نَاب عَن وَالِده في جَمِيع جهاته وَضم إِلَى ذَلِك وظايف عدَّة وَكَانَ إِذا مَاتَ من لَهُ تدريس أَو نَحوه سعى فِيهِ لنَفسِهِ وَمَات مجاوراً بِمَكَّة لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع عشر من شهر رَجَب سنة ٧٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَله أَربع وَخَمْسُونَ سنة وَبَعض أشهر (٤٨) السَّيِّد احْمَد بن علي بن محسن بن الْأَمَام المتَوَكل على الله إسماعيل بن الْقَاسِم الصنعاني ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٥٠ خمسين وَمِائَة وَألف واشتغل بِطَلَب الْعلم بعد أَن قَارب الْخمسين من عمره ثمَّ قَرَأَ عليّ في النَّحْو وَالصرْف والمنطق والمعاني وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَأدْركَ إدراكاً كَامِلا لاسيما في الْعُلُوم الآلية وفهمه جيد وفكره صَحِيح وتصوره حسن وإدراكه كَامِل وأكبَّ على الِاشْتِغَال عليّ نَحْو عشر سِنِين مَعَ جمَاعَة من الطّلبَة ثمَّ جرى بَينه وَبَين بَعضهم مَا يجري بَين أمثالهم من المنافسة فانزعج وَمَعَ كَثْرَة تحيله ظن أَنى مُؤثر لمن نافسه عَلَيْهِ فَصَارَ بعد ذَلِك يرْوى ماقد

стр. 82

حفظه عَنى من اجتهاداتي الْجَارِيَة على نمط الدَّلِيل الَّتِى يُخَالف مَا عَلَيْهِ غَالب من لَا تَمْيِيز لَهُ وَكَانَ لَدَيْهِ كتاب لي عَارِية أَحْسَنت إليه بعاريته فَرَأى فِيهِ بخطي في مَسْأَلَة الْفرْقَة النَّاجِية كلَاما مضمونه أَنهم لَيْسُوا بعض هَذِه الْمذَاهب الإسلامية على التَّعْيِين بل هم من تمسك بالشريعة المطهرة واهتدى بهدي الْمُصْطَفى ﵌ على أى مَذْهَب كَانَ وفي أيّ عصر وجد وَدفعت قَول من قَالَ انهم فرقته كَمَا وَقع لكثير من المتعصبين فَأَقَامَ هَذَا الْقِيَامَة وَمَا زَالَ يعرضه على كل من لَهُ اشْتِغَال بِالْعلمِ فَلم يُوَافقهُ أحد على ذَلِك فَعَاد يعرضه على الْمُقَصِّرِينَ والعوام ويوهمهم بأوهام لَا حَقِيقَة لَهَا فَكَادَتْ تثور فتْنَة وقى الله شَرها ثمَّ طلبت مِنْهُ إرجاع كتابي فَمَا ساعد كل هَذَا وَله من الْفَهم والعرفان نصيب تَامّ وَهُوَ لَا يخفى عَلَيْهِ خطأ نَفسه وَبطلَان مَا زَعمه وَلم يرع حق التَّعْلِيم وَبعد ذَلِك ترك الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَلم يبْق عَلَيْهِ من رونقه شئ ورام أَن يعود للْقِرَاءَة عليّ فَمَا ساعدته وأرجع الْكتاب الْمشَار إليه بعد سِنِين ومدحني بِأَبْيَات وَأظْهر النَّدَم على مَا سلف مِنْهُ عفى الله عَنهُ وَمن جملَة مَا كتبه إِلَى هَذِه القصيدة وفيهَا إِشَارَة إِلَى مَا قَدمته (ياقاضيا لفظ مَاض إِذْ تنَاوله ... زهى بِهِ كل مَنْقُوص من الْكَلم) (وَلم يزل كلِّ مَمْدُود يمد إلى ... مَا نَالَ عَيْنَيْهِ من فَخر وَمن كرم) (وكل مَا نَالَ مَقْصُور عَلَيْهِ فيا ... ذَا الْمَدّ اقصر وَلَا تطمع وَلَا تحم) (فالاسم مرجع مَا يحويه من شرف ... إلى مُسَمَّاهُ من نعت وَمن علم) (قَاض بهجته الْأَيَّام مشرقة ... كَالشَّمْسِ لَكِن نور الشَّمْس لم يدم) (فَالْحَمْد لله دُنْيَانَا بهجته ... إشراقها غير مسلوخ عَن الظُّلم)

стр. 83

(قَاض إِذا جِئْته يَوْمًا لقِيت بِهِ ... كل الأفاضل من عرب وَمن عجم) (يخْشَى الْخُصُوم ارتعاداً من مهابته ... حَتَّى كَأَن بهم ضرب من اللمم) (لِأَن مَا أضمروه فِي فراسته ... من حسن إيمَانه نَار على علم) (كم من أَلد بِلَا مَا زَالَ مُلْتَزما ... من خَوفه عادلاً عَنْهَا إِلَى نعم) (فالمبتغون لغير الْحق في نقم ... مِنْهُ وكل محق مِنْهُ في نعم) (صحبته زمن التدريس مقتطفاً ... من روض أملاه نور الحكم وَالْحكم) (فَكَانَ براً رؤوفا بى ومغتفرا ... لزلتي لم يعاتبني وَلم يلم) (أرَاهُ إِن طَال قولي فِي بشاعته ... كَأَنَّهُ عَن كلامي الغث فى صمم) (وغبت عَنهُ زَمَانا واتصلت بِهِ ... فِي رُتْبَة هُوَ فِيهَا صَاحب الْعلم) (قاضي قُضَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ على ... يَمِينه قَاعِدا فِي الصَّدْر لم يقم) (فَقَامَ تَعْظِيمه فِي صدر كلّ فَتى ... مُسلم للأكف الطُّهْر مستلم) (وشاع تَعْظِيمه في النَّاس ثمَّ غَدا ... عِنْد الْجَنِين كرأي الْعين فِي الرَّحِم) (وَمثل ذَاك أعادي تواتره ... ... فِينَا وفي الْغَيْر من مُسْتَقْبل الْأُمَم) (فَمَا تغير شئ كنت أعهده ... قبل التصدر في القاضي من الشيم) (كأنه للندامى من تواضعه ... على جلالته من أَصْغَر الخدم) (فَقَامَ ذَاك دَلِيلا أَن همته ... من فَوق ذَاك الَّذِي يعْطى ذَوُو الهمم) (وَلَو أحلّ الْفَتى فِي النَّاس رتبته ... دهراً لأصبح ربّ السَّيْف والقلم) (مملّكاً كلّ إقليم وناصية ... عمّاله فِي نواحي مصر وَالْحرم) (يامن يرى أَن نظمي قد قضيت بِهِ ... حق المديح فقد أَخْطَأت فاستقم) (لَيست مبالغتي فِيهِ مُبَالغَة ... وَلَا الغلو غلوا يَا أَخا الهمم) (وَلَو أتيت بأنواع البديع لما ... قضيت حَقًا وَكَانَ الْعَجز ملتزمي)

стр. 84

وَهُوَ الآن في قيد الْحَيَاة لَعَلَّه قد صَار في سِتِّينَ سنة من عمره وَله إِلَى أشعار غيرهذه ومسائل سألني عَنْهَا وأجبته بأجوبة هي في مَجْمُوع جواباتي ثمَّ توفي ﵀ لَعَلَّه في سنة ١٢٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف (٤٩) أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن أَحْمد طشِي الصّعدي ثمَّ الرداعي ولد تَقْرِيبًا سنة ١١٩٠ تسعين وَمِائَة وَألف وَقَرَأَ في ذمّار وَغَيرهَا فَصَارَ عَارِفًا بالفقه والآلات يفهم ذَلِك فهماً جيداً وَله ذكاء عَظِيم وفطنة باهرة وَقُوَّة عارضة وَحسن محاضرة ورقة طبع وانسجام خلق عَجِيب ويشعر شعراً حسناً سمع مني مُدَّة إقامتي فِي مَدِينَة ذي جبلة عِنْد قدومي إليها مَعَ مَوْلَانَا المتَوَكل على الله فِي سنة ١٢٢٦ فِي صَحِيح مُسلم وَسمع فِي غَيره وَكَانَ يحضر للْقِرَاءَة عِنْد إقامتي هُنَالك وَهُوَ الْآن مُقيم بِمَدِينَة رداع

стр. 85

(٥٠) أَحْمد بن لطف الباري بن أَحْمد بن عبد الْقَادِر الْورْد خطيب صنعاء وَابْن خطيبها ولد في شهر رَمَضَان سنة ١١٩٢ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة وَألف وولاه الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه علي بن الْعَبَّاس الخطابة مَكَان وَالِده الْعَلامَة التقى الْفَاضِل الْوَرع الزَّاهِد الْمسند وَكَانَ كل أحد من النَّاس لَا يظن أَنه يلْحق بِهِ فِي الخطابة أحد فَلَمَّا مَاتَ استشرف للخطابة جمَاعَة وَكَانَ سن صَاحب التَّرْجَمَة إِذْ ذَاك ثَمَان عشرَة سنة فَقَامَ بالخطابة قيَاما لَا يقوم بِهِ أحد وفَاق وَالِده عَن قرب وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على ذَلِك وَله شغلة بِطَلَب الْعلم كَبِيرَة مَعَ ذهن وقاد وطبع منقاد وَفهم سليم وفكر مُسْتَقِيم وَقد صَار معدوداً من الْعلمَاء مَعَ حَدَاثَة سنه قَرَأَ عليّ في شرح الْجلَال الْمَعْرُوف بضوء النَّهَار وفي شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي وَهُوَ الْآن مُسْتَمر على ذَلِك وعمره عِنْد تَحْرِير هَذِه الأحرف نَحْو الْعشْرين سنة وَمن أعلم مشايخه اللَّذين تخرج بهم وَالِده وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن عبد الْقَادِر وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن يُوسُف بن أَحْمد بن يُوسُف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الزَّمن في غَالب أَوْصَافه بِحَيْثُ يقصر عَن حسن سمته ورصانة عقله وطهارة لِسَانه وعفته ونزاهته كثير من أهل الْأَسْنَان الْعَالِيَة ثمَّ انجمع وَاعْتَزل النَّاس أما زهدا أوفرارا من الْخطْبَة

стр. 86

كَمَا يَفْعَله كثير من عباد الله الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء العاملين أَو أَنه حدث فِي مزاجه سَوْدَاء أوجبت لَهُ الاستيحاش من النَّاس وَقَامَ مقَامه أَخُوهُ الْعَلامَة مُحَمَّد بن لطف الباري وَهُوَ تلوه فِي الْفَضَائِل وَله قِرَاءَة عليّ في أُمَّهَات الحَدِيث وَسمع مني بَعْضًا من تفسيري وقرأ على أخي يحيى فى الْأُصُول وَغَيرهَا وَصَارَ ثَابت الْقدَم فِي الخطابة بِحَيْثُ إنه يفوق كثيراً من الخطباء مَعَ حسن أَدَاء وفصاحة لِسَان وثبات جنان وَحسن أَخْلَاق وَعمل بِمَا في السنة المطهرة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الْعَصْر (٥١) أَحْمد بن علي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن علي بن أَحْمد الشهَاب أبو الْفضل الكنانى العسقلانى القاهرى الشافعى الْمَعْرُوف بِابْن حجر وَهُوَ لقب لبَعض آبَائِهِ الْحَافِظ الْكَبِير الشهير الإمام الْمُنْفَرد بِمَعْرِِفَة الحَدِيث وَعلله في الْأَزْمِنَة الْمُتَأَخِّرَة

стр. 87

ولد في ثاني عشر شعْبَان سنة ٧٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَسَبْعمائة بِمصْر وَنَشَأ بهَا يَتِيما في كنف أحد أوصيائه فحفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن تسع ثمَّ حفظ الْعُمْدَة وألفية الحَدِيث للعراقي والحاوي الصَّغِير ومختصر ابْن الْحَاجِب فِي الْأُصُول والملحة وَبحث في ذَلِك على الشُّيُوخ وتفقه بالبلقيني والبرماوي وَابْن الملقن والعز بن جمَاعَة وَعَلِيهِ أَخذ غَالب الْعُلُوم الآلية والأصولية كالمنهاج وَجمع الْجَوَامِع وَشرح الْمُخْتَصر والمطول ثمَّ حبب الله إليه فن الحَدِيث فَأقبل عَلَيْهِ بكليته وَطَلَبه من سنة ٧٩٣ وَمَا بعْدهَا فعكف على الزين العراقي وَحمل عَنهُ جملَة نافعة من علم الحَدِيث سنداً ومتناً وعللاً وَاصْطِلَاحا وارتحل إِلَى بِلَاد الشَّام والحجاز واليمن وَمَكَّة وَمَا بَين هَذِه النواحي وَأكْثر جداً من المسموع والشيوخ وَسمع العالي والنازل وَاجْتمعَ لَهُ من ذَلِك مالم يجْتَمع لغيره وَأدْركَ من الشُّيُوخ جمَاعَة كل وَاحِد رَأس فِي فنه الَّذِي اشْتهر بِهِ فالتنوخى فى معرفَة القرا آتٍ والعراقي في الحَدِيث والبلقيني فِي سَعَة الْحِفْظ وَكَثْرَة الِاطِّلَاع وَابْن الملقن فِي كَثْرَة التصانيف وَالْمجد صَاحب الْقَامُوس في حفظ اللُّغَة والعز بن جمَاعَة في تفننه فِي عُلُوم كَثِيرَة بِحَيْثُ كَانَ يَقُول أنا أقرأ في خَمْسَة عشر علماً لَا يعرف عُلَمَاء عصري أسمائها ثمَّ تصدى لنشر الحَدِيث وَقصر نَفسه عَلَيْهِ مطالعة واقراءً وتصنيفاً وإفتاءً وَتفرد بذلك وَشهد لَهُ بِالْحِفْظِ والإتقان الْقَرِيب والبعيد والعدو وَالصديق حَتَّى صَار إطلاق لفظ الْحَافِظ عَلَيْهِ كلمة إجماع ورحل الطّلبَة إليه من الأقطار وطارت مؤلفاته فِي حَيَاته وانتشرت في الْبِلَاد وتكاتبت الْمُلُوك من قطر إِلَى قطر في شَأْنهَا وهي كَثِيرَة جداً مِنْهَا مَا كمل وَمِنْهَا مَا لم يكمل وَقد عَددهَا السخاوي في الضَّوْء اللامع

стр. 88

وَكَذَلِكَ عدد مصنفاته فى الأربعينيات والمعاجم وَتَخْرِيج الشُّيُوخ والأطراف والطرق والشروح وعلوم الحَدِيث وفنونه وَرِجَاله في أوراق من تَرْجَمته وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ لست رَاضِيا عَن شئ من تصانيفي لأني عملتها في ابتداء الْأَمر ثمَّ لم يتهيأ لي من يحرّرها معي سوى شرح البخارى وقدمته والمشتبه والتهذيب ولسان الْمِيزَان وروى عَنهُ في مَوضِع آخر أَنه أثنى على شرح البخارى وَالتَّعْلِيق والنخبة ولاريب أَن أجلّ مصنفاته فتح الباري وَكَانَ شُرُوعه في تصنيفه سنة ٨١٧ على طَرِيق الإملاء ثمَّ صَار يكْتب من خطه يداوله بَين الطّلبَة شَيْئا فَشَيْئًا والاجتماع في يَوْم من الْأُسْبُوع للمقابلة والمباحثة إِلَى أَن انْتهى في أول يَوْم من رَجَب سنة ٨٤٢ سوى مَا الْحق فِيهِ بعد ذَلِك وَجَاء بِخَطِّهِ في ثَلَاثَة عشرَة سفراً وبيض في عشرَة وَعشْرين وَثَلَاثِينَ وَأَقل وَأكْثر وَقد سبقه إِلَى هَذِه التَّسْمِيَة شَيْخه صَاحب الْقَامُوس فَأَنَّهُ وجد لَهُ فِي أَسمَاء مصنفاته أَن من جُمْلَتهَا فتح الباري في شرح صَحِيح البخاري وَأَنه كمل ربعه في عشْرين مجلداً وَله مؤلفات في الْفِقْه وأصوله وَالْعرُوض والآداب سردها السخاوي وَقَالَ بعد ذَلِك أنها تهادت تصانيفه الْمُلُوك بسؤال عُلَمَائهمْ لَهُم في ذَلِك حَتَّى ورد كتاب في سنة ٨٣٣ من شاه رخ بن تيمور ملك الشرق يستدعي من السُّلْطَان الْأَشْرَف برسباي هَدَايَا من جُمْلَتهَا فتح الباري فَجهز لَهُ صَاحب

стр. 89

التَّرْجَمَة ثَلَاث مجلدات من أَوَائِله ثمَّ أعَاد الطلب في سنة ٨٣٩ وَلم يتَّفق أَن الْكتاب قد كمل فَأرْسل إليه أَيْضا قِطْعَة أُخْرَى ثمَّ في زمن الطَّاهِر جقمق جهزت لَهُ نُسْخَة كَامِلَة وَكَذَا وَقع لسلطان الغرب أَبى فَارس عبد الْعَزِيز الحفصي فَأَنَّهُ أرسل يستدعيه فَجهز لَهُ مَا كمل من الْكتاب وَكَانَ يُجهز لكتبة الشَّرْح ولجماعة مجْلِس الإملاء ذَهَبا يفرق عَلَيْهِم هَذَا ومصنفه حي ﵀ وَلما كمل شرح البخاري تصنيفاً وَقِرَاءَة عمل مُصَنفه ﵀ وَلِيمَة عَظِيمَة بِالْمَكَانِ الَّذِي بناه الْمُؤَيد خَارج الْقَاهِرَة في يَوْم السبت ثامن شعْبَان سنة ٨٤٢ وَقَرَأَ الْمجْلس الْأَخير هُنَالك وَجلسَ الْمنصف على الكرسي قَالَ تِلْمِيذه السخاوي وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً لم يعْهَد أهل الْعَصْر مثله بِمحضر من الْعلمَاء والقضاة والرؤساء والفضلاء وَقَالَ الشُّعَرَاء في ذَلِك فَأَكْثرُوا وَفرق عَلَيْهِم الذَّهَب وَكَانَ الْمُسْتَغْرق فِي الْوَلِيمَة الْمَذْكُورَة نَحْو خَمْسمِائَة دِينَار وَوَقعت في ذَلِك الْيَوْم مطارحة أدبية فَمِنْهَا أَن الْمقَام الناصرى قَالَ للْمُصَنف يامولانا شيخ الإسلام هَذَا يَوْم طيب فَلَعَلَّ أَن تنعشونا فِيهِ بِبَيْت من مفرداتكم لَعَلَّ أَن نمشي خلفكم فِيهِ فَقَالَ المترجم لَهُ أخْشَى ان إبتدأت أَن لَا يكون مُوَافقا لما وَقع فِي خاطرك وَالْأَحْسَن أَن تبتدأ أَنْت فَقَالَ الناصري (هويتها بَيْضَاء رعبوبة ... قد شغفت قلبي خود رداح) فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة (سَأَلتهَا الْوَصْل فضنت بِهِ ... إنّ قَلِيلا فِي الملاح السماح) فَقَالَ علي الدوساني

стр. 90

(قد جرحت قلبى لما رنت ... عيونها السودا لمراض الصِّحَاح) فهمهم الشرف الطنوني وَلم يُمكنهُ أَن يَقُول شَيْئا فَقَالَ صَاحب التَّرْجَمَة (مَا للطنوني غَدا حائرا ... ) فَقَالَ الناصري لعلي الْمُتَقَدّم أجزه فَقَالَ وحياة أَبِيك السلاّري وَالْفرس فَقَالَ هما لَك من غير مُهْملَة وتراخ فَقَالَ (وَخرب الْبَيْت وخلى وَرَاح) وَكَانَ للمترجم لَهُ يَد طولى في الشّعْر قد أورد مِنْهُ جمَاعَة من الأدباء المصنفين أَشْيَاء حَسَنَة جداً كَابْن حجَّة في شرح البديعية وَغَيره وهم معترفون بعلو دَرَجَته فى ذَلِك وَمِمَّا أحفظه الان حَال تَحْرِير هَذِه الْكَلِمَات قَوْله (بنده الْأَزْرَق لما ... شده من قد سباني) (جدول فَوق كثيب ... دَار يسقي غُصْن بَان) وَهَذَا غَايَة في الْحسن لَا يلْحق وَأورد لَهُ السخاوي في الضَّوْء اللامع قَوْله (خليلي ولّى الْعُمر منا وَلم نتبْ ... وننوي فعال الصَّالِحَات وَلَكنَّا) (فحتى مَتى نبنى الْبيُوت مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وَمَا تبنى وَقد كَانَ ﵀ مصمّماً على عدم الدُّخُول فِي الْقَضَاء ثمَّ قدّر أَن الْمُؤَيد ولاه الحكم في بعض القضايا ثمَّ عرض عَلَيْهِ الاستقلال بِهِ

стр. 91

والزم من أحبائه بقبوله فَقبل وَاسْتقر في الْمحرم سنة ٨٢٧ بعد أَن كَانَ عرض عَلَيْهِ قبل ذَلِك وَهُوَ يَأْبَى وتزايد ندمه على الْقبُول لعدم فرق أَرْبَاب الدولة بَين الْعلمَاء وَغَيرهم ومبالغتهم فِي اللوم لرد إشاداتهم وإن لم تكن على وفْق الْحق واحتياجه لمداراة كَبِيرهمْ وصغيرهم بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ مَعَ ذَلِك الْقيام بِمَا يرومونه وَصرح بِأَنَّهُ جنى على نَفسه بذلك وَلم يلبث أَن صرف ثمَّ أُعِيد وَلَا زَالَ كَذَلِك إِلَى أَن أخْلص فِي الإقلاع عَنهُ عقب صرفه فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٨٥٢ وَجَمِيع مدد قَضَائِهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وزهد في الْقَضَاء زهداً كَبِيرا لِكَثْرَة مَا توالى عَلَيْهِ من المحن والأنكاد بِسَبَبِهِ وَصرح بِأَنَّهُ لم يبْق في بدنه شَعْرَة تقبل اسمه وَقد درّس بمواطن مُتعَدِّدَة واشتهر ذكره وَبعد صيته وارتحل اليه الْعلمَاء وتبجح الْأَعْيَان بلقائه وَأخذ عَنهُ وَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد طبقَة وَألْحق الأصاغر بالأكابر وامتدحه الْكِبَار وتبجح فحول الشُّعَرَاء بمطارحته وَاسْتمرّ على طَرِيقَته حَتَّى مَاتَ في أَوَاخِر ذى الْحجَّة سنة ٨٥٢ اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمان مائَة وَكَانَ لَهُ مشْهد لم ير مثله من حَضَره من الشُّيُوخ فضلاً عَمَّن دونهم وشهده أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَان فَمن دونهمَا وَقدم الْخَلِيفَة للصَّلَاة عَلَيْهِ وَدفن تجاه تربة الديلمي بالقرافة وتزاحم الْأُمَرَاء والكبراء على حمل نعشه ٥٢ - أَحْمد بن علي بن هادي النهمي ثمَّ الصنعانى ولد سنة ١١٣٠ ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء واتصل بالإمام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن قبل أَن يلي الْخلَافَة وَبعد أَن ولي الْخلَافَة جعله الْوَزير الْأَعْظَم وَاسْتمرّ وزيراً حَتَّى مَاتَ وَكَانَ صَادِق اللهجة

стр. 92

كثير الْبر والإحسان ملازماً للطاعات وَالْجَمَاعَات مُقبلا على أهل الْعلم وَالْفضل كثير السعي فِيمَا فِيهِ صَلَاح الْمُسلمين لَا رَغْبَة لَهُ في الشَّرّ وَلَا يجلبه إِلَى أحد وأحبه الْأَمَام المهدي محبَّة شَدِيدَة وَكَانَ يعول عَلَيْهِ فِي جَمِيع الْأُمُور وَلم يكن كثير المَال مَعَ كَونه قد ولي الوزارة زِيَادَة على خمس وَعشْرين سنة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْخُذ إلا على وَجه يَأْمَن من عاقبته وَلَو فعل كَمَا يفعل غَيره لترك من المَال مالم يسمع بِمثلِهِ في وزراء الْخُلَفَاء بِالْيمن وَمَات لَيْلَة الاثنين ثاني وَعشْرين ربيع الآخر سنة ١١٨٦ سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف (٥٣) أَحْمد بن عماد بن يُوسُف بن عبد النبيّ الشهَاب أَبُو الْعَبَّاس الأقفهسي ثمَّ القاهري الشافعي وَيعرف بِابْن الْعِمَاد قَرَأَ على الأسنوي والبلقيني والباجي وآخرين وَمهر وَتقدم في الْفِقْه وَكتب على مهمات الأسنوي كتاباً سَمَّاهُ التعقبات على الْمُهِمَّات وَشرح الْمِنْهَاج عدَّة شُرُوح وَله مؤلف في أَحْكَام الْمَأْمُوم والإمام وآخر في موقف الْأَمَام وَالْمَأْمُوم وَله منظومات مِنْهَا منظومة فِيمَا يحل وَيحرم من الْحَيَوَان تزيد على أَربع مائَة بَيت والتبيان فِي آدَاب حَملَة الْقُرْآن تزيد على سِتّ مائَة بَيت وفي العقائد منظومة تزيد على خَمْسمِائَة بَيت وَله مصنفات غير ذَلِك قَالَ ابْن حجر في أنبائه أحد أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة في هَذَا الْعَصْر قَالَ وَكَانَ كثير الْفَوَائِد كثير الإطلاع والتصانيف دمث الْأَخْلَاق وفي لِسَانه بعض حبسة مَاتَ فِي شهر جماد سنة ٨٠٨ ثَمَان وثمان مائَة وَكَانَ في تعقباته على الأسنوي يكثر من تخطئته وَرُبمَا أقذع في بعض ذَلِك وَنسبه إِلَى سوء

стр. 93

الْفَهم وَفَسَاد التَّصَوُّر مَعَ أَنه شَيْخه لَكِن قَالَ بعض الْفُضَلَاء رُبمَا كَانَ مقْصده حسناً في ذَلِك لتَضَمّنه الْتِفَات النَّاس إِلَى سَماع مَا رأى وَأَن غَيره أَخطَأ لِأَنَّهُ لَو أورد الْكَلَام ساذجاً بِدُونِهِ لم يلتفتوا إليه لكَون الأسنوي عِنْدهم جليل الْمِقْدَار انْتهى وَهَذَا محمل حسن فإنّ في مثل ذَلِك تَأْثِيرا ظَاهرا ولمثل هَذَا الْمَقْصد سلكت فِي حاشيتي على شِفَاء الأوام ذَلِك المسلك ونسأل الله إصْلَاح الْأَقْوَال والأعمال (٥٤) أَحْمد بن أَبى الْفرج بَرَكَات الفارقاني تَاج الدَّين كَانَ أَبوهُ نَصْرَانِيّا يعرف بِسَعْد الدولة فَأسلم ولقب بشرف الدَّين وخدم وَلَده عِنْد بهادر رَأس النّوبَة فَتقدم إِلَى أَن صَار مُسْتَوفى الدولة فَلَمَّا ولي الْأَعَز الوزارة الْمرة الثَّامِنَة صادره وضربه بالمقارع فَترك الْمُبَاشرَة وَانْقطع بزاوية الشَّيْخ نصر المنبجي وَكَانَ الشَّيْخ نصر صديق السُّلْطَان بيبرس الجاشنكير وَقل أَن يُخَالِفهُ فى شئ فَكَلمهُ في أمره فأعفاه من الْمُبَاشرَة وَاسْتمرّ بالزاوية إِلَى أَن حفظ الْبَقَرَة وَآل عمرَان وتوصل إِلَى أَن استخدمه بيبرس وَحصل لَهُ أَمْوَالًا جمة في مُدَّة يسيرَة وَتقدم عِنْده إِلَى أَن صَار هُوَ المتحدث في الدولة باسرها وَلَا يعْمل فِيهَا شئ إلا بعد مُرَاجعَته وَكَانَ كثير الإعجاب والزهو بِنَفسِهِ والتعاظم بِحَيْثُ كَانَ الشَّخْص إِذا كَلمه وَهُوَ رَاكب امْر بضربه بالمقارع فَصنعَ ذَلِك مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَلم يَجْسُر اُحْدُ أَن يتحدث مَعَه وَهُوَ رَاكب وَإِذا نزل وَدخل منزله لم يَجْسُر أحد على الهجوم عَلَيْهِ فيصبر النَّاس على اخْتِلَاف مَرَاتِبهمْ على بَابه حَتَّى الْقُضَاة فَصَارَ مهاباً مُحْتَرما جداً وَمَعَ ذَلِك فَلَا يقبل هَدِيَّة وَلَا يخالط أحداً وَلَا يجْتَمع بغريب ويقتصد في

стр. 94

ملبسه فَلَا يلبس في الصَّيف إلا الشامي الرفيع الْأَبْيَض وَلَا في الشتَاء إلا الملطي الصُّوف الْأَبْيَض وَلَا يرى عَلَيْهِ الافرجية بَيْضَاء ثمَّ إن سلاّر ألزمهُ بِلبْس خلعة الوزارة وَكَانَ شَدِيد البغض لَهُ فَلم يسْتَطع مُخَالفَته فلبسها فِي النّصْف من الْمحرم سنة ٧٠٦ فَعمل بالوزارة ذَلِك الْيَوْم بالقلعة على الْعَادة إِلَى أَن انْصَرف إِلَى منزله وشيّعه النَّاس ثمَّ أَصْبحُوا إِلَى بَابه ليركبوا في خدمته فأقام حَتَّى تَعَالَى النَّهَار وَأرْسل يَقُول لَهُ مَعَ غُلَامه أَنه عزل نَفسه وَتوجه إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ نصر فَكتب نصر إِلَى بيبرس يشفع فِيهِ وَلم يزل حَتَّى أعفي عَن الوزارة وبقي على عَادَته وَالْأَمر كُله إِلَيْهِ في جَمِيع مَا يرجع إِلَى الدولة وَلم يكن السُّلْطَان يكْتب علامته على شئ حَتَّى يرى خطه فِيهِ كَذَا ترْجم لَهُ ابْن حجر في الدُّرَر وَلم يذكر وَفَاته (٥٥) أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جاد الله مشحم الصعدي ثمَّ الصنّعاني ولد سنة ١١٥٥ خمس وَخمسين ومائة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على شَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن إسماعيل المغربي في الْفِقْه وعَلى غَيره في الْعَرَبيَّة واشتغل بِالْحَدِيثِ وَكتب بِخَطِّهِ الْحُسَيْن كتباً وَلما مَاتَ وَالِده وَكَانَ قَاضِيا ولاه الْأَمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْقَضَاء بِصَنْعَاء من جملَة قضاتها وَجعل لَهُ مقرراً فباشر ذَلِك مُبَاشرَة حَسَنَة بعفة ونزاهة وديانة وَأَمَانَة وسكينة ووقار فَمَا زَالَت دَرَجَته ترْتَفع فِيهِ وَلما مَاتَ الْأَمَام المهدي وَقَامَ مقَامه مَوْلَانَا الْأَمَام الْمَنْصُور بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر عظمه وركن عَلَيْهِ في أُمُور جليلة وَهُوَ الآن من أَعْيَان الْقُضَاة ونبلائهم وكل مَا تولاه وَحكم بِهِ انشرحت الخواطر وَطَابَتْ بِهِ النُّفُوس وَهُوَ مُسْتَمر على حَاله الْجَمِيل

стр. 95

مقبل على شَأْنه وَله ولد عَلامَة هُوَ مُحَمَّد بن أَحْمد سيأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى (٥٦) احْمَد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مطهر القابلي نِسْبَة إِلَى جمَاعَة مَعْرُوفَة يسكنون بِالْقربِ من حصن شبّام حراز الْمَعْرُوف بالحرازي شيخ شُيُوخ الْفُرُوع بِلَا مدافع ولد حَسْبَمَا كتبه إِلَى بِخَطِّهِ في يَوْم الْأَضْحَى من شهر الْحجَّة سنة ١١٥٨ ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَألف بذمار ثمَّ نشأ بهَا وَقَرَأَ على الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن حُسَيْن الشويطر وعَلى السَّيِّد الْعَلامَة الْحُسَيْن بن يحيى الديلمي وبرز في الْفِقْه والفرائض وارتحل فِي أول شبابه إِلَى مَدِينَة صنعاء فاتصل بِجَمَاعَة من أكَابِر أَهلهَا كالقاضي الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد قاطن والقاضي الْعَلامَة إسماعيل ابْن يحيى الصّديق ثمَّ أَقرَأ الطّلبَة في جَامع صنعاء فِي شرح الأزهار لِابْنِ مِفْتَاح وَفِيمَا عَلَيْهِ من الحواشي الواسعة وَفِي بَيَان ابْن مظفر وفي شرح الناظري على الْفَرَائِض وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطّلبَة وانتفعوا بِهِ وتنافسوا فِي الْأَخْذ عَنهُ وَصَارَت تلامذته شُيُوخًا ومفتيين وحكاماً وَله عافاه الله قدره على حسن التَّعْبِير وجودة التَّصْوِير مَعَ فصاحة لِسَان ورجاحة عقل وجمال صُورَة ووفور حَظّ عِنْد جَمِيع الْخلق لَا ترد لَهُ شَفَاعَة وَلَا يكسر لَهُ جاه وَقد خطب للأعمال الْكَبِيرَة فَقبل مِنْهَا مَا فِيهِ السَّلامَة فى دينه ودنياه وأرجع مَا عداهُ وَاجْتمعَ لَهُ من ذَلِك دنيا عريضة صانه الله بهَا عَن الْوُقُوع فِيمَا لَا يشتهى من التورطات وَقد بَاشر قسْمَة تَرِكَة الامام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وتركة الامام المهدى لدين الله الْعَبَّاس

стр. 96

ابْن الْحُسَيْن فَأحْسن الْعَمَل فى التركتين جَمِيعًا مَعَ كَثْرَة الْوَرَثَة ذُكُورا وأناثا وَقد صارمولانا خَليفَة الْعَصْر حفظه الله يعْتَمد عَلَيْهِ في كثير من الْأَعْمَال وَلَو رغب فِي الْقَضَاء لَكَانَ أَهلا لَهُ وَقد اعْتمد النَّاس عَلَيْهِ في الْفَتْوَى وقصدوه بالمشكلات من كل مَكَان وَتفرد في معرفَة الْفِقْه وَلم يبْق لَهُ الْآن فِيهِ نَظِير لَا فى صنعاء ولافى ذمار فان شَيْخه الْعَلامَة الْحُسَيْن ابْن يحيى الْمُتَقَدّم ذكره هُوَ الْآن حَيّ وَلكنه لَا يبلغ رتبته في خُصُوص هَذَا الْفَنّ وَإِن كَانَ لَهُ فنون أُخْرَى وَقد لازمته في الْفُرُوع نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وانتفعت بِهِ وتخرجت عَلَيْهِ وقرأت عَلَيْهِ في الأزهار وَشَرحه وحواشيه ثَلَاث دفعات الدفعتين الْأَوليين اقتصرنا على ماتدعو إليه الْحَاجة والدفعة الثَّالِثَة استكملنا الدَّقِيق والجليل من ذَلِك مَعَ بحث وَتَحْقِيق ثمَّ قَرَأت عَلَيْهِ الْفَرَائِض للعصيفري وَشَرحهَا للناظري وَمَا عَلَيْهِ من الحواشي وقرأت عَلَيْهِ بَيَان ابْن مظفر وحواشيه وَكَانَت هَذِه الْقِرَاءَة بحث وإتقان وتحرير وَتَقْرِير وَهُوَ الآن حفظه الله حي ينْتَفع النَّاس بِهِ في الْقِرَاءَة وَالْفَتْوَى وَقَضَاء أغراضهم وَالْقِيَام بِمَا توجه إليه من الْأَعْمَال وأحواله جميلَة وغالب حركاته جليلة عافاه الله ونفع بِعُلُومِهِ وَمَات ﵀ فِي شهر شَوَّال سنة ١٢٢٧ سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف (٥٧) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن أسحق بن المهدى أَحْمد ابْن الْحسن بن الإمام الْقَاسِم ولد فِي سَابِع وَعشْرين شهر شعْبَان سنة ١١٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَألف وَنَشَأ بِصَنْعَاء وَقَرَأَ على علمائها فِي علم الْآلَة وَالْأُصُول

стр. 97

والْحَدِيث وَالتَّفْسِير فبرع فِي جَمِيع هَذِه المعارف وَكَانَ لَهُ عناية بتصحيح النسخ والكتب على هوامشها وتوضيح غامضها وَعَكَفَ عَلَيْهِ الطّلبَة أَيَّامًا متداولة وَمن جملَة تلامذته شَيخنَا الْعَلامَة عَليّ ابْن إبراهيم بن عَامر الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَله رئاسة عَظِيمَة وجلالة فخيمة وَهُوَ الْمُتَوَلِي لأمور آل إِسْحَاق بعد موت وَالِده وَقد كَانَ تولاها صنوه الْعَلامَة إِبْرَاهِيم فتعقب ذَلِك خُرُوج صَاحب التَّرْجَمَة من صنعاء مغاضباً للْإِمَام المهدي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ثمَّ جرت خطوب كَثِيرَة وَال الْأَمر أَنه صولح على أَنه يعود وَيكون لَهُ مَا كَانَ لوالده وَيقوم هُوَ مقَامه فوصل إِلَى صنعاء وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى وَفَاته في شهر جُمَادَى الآخرة سنة ١١٩٠ تسعين وَمِائَة وَألف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أكَابِر الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وأفاضل السَّادة القادة الْمَشْهُورين وَقَامَ وَلَده الْعَلامَة الأديب الرئيس علي بن أَحْمد مقَامه فِي تجميع مَا كَانَ إليه وستأتي لَهُ تَرْجَمَة مُسْتَقلَّة (٥٨) أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَشْهُور بِابْن مَعْصُوم الحسيني الحجازي المولد ذكره وَلَده علي فِي سلافة الْعَصْر لَهُ أَن مولده لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس عشر شهر شعْبَان سنة ١٠٢٧ سبع وَعشْرين وَألف بِالطَّائِف وَحفظ الْقُرْآن وتلاه بالسبع وَأخذ الْفِقْه عَن شرف الدَّين اليافعي والْحَدِيث عَن السَّيِّد نور الدَّين الشامي والعربية عَن علي المكي والمعقول عَن الشَّمْس الجيلاني وبرع فِي الْفُنُون سِيمَا الْعَرَبيَّة واعتنى بالأدب فنظم نظماً جيداً وارتحل إِلَى الْهِنْد فوصل إِلَى سلطانها قطب الدَّين شاه صَاحب حيدر آباد في شهر شَوَّال سنة ١٠٥٤ فَعَظمهُ وأكرمه وَكَانَ قد اشتاق اليه غَايَة الاشتياق واحتال على وُصُوله فَلَمَّا وصل إليه زوّجه ابْنَته واستوزره

стр. 98

وَيُقَال انه استولى على المملكة بعده وَهَذِه من الغرائب وَمن شعره قَوْله فِي غُلَام لَهُ ضربه فَبكى (ترَاءى كظبي نافر من حبائل ... يصول بِطرف فاتن مِنْهُ فاتر) (وَقد ملئت عَيناهُ من سحب جفْنه ... كنرجس روض جاده وبل ماطر) وَأَجَازَهُ وزيره أَحْمد بن مُحَمَّد الجوهري بقوله (وظبي غرير بالدلال محجب ... يرى أَن فرض الْعين ستر المحاجر) (رماني بِطرف أسبل الدمع دونه ... لكي لَا أرى عَيْنَيْهِ من غير سَاتِر) وَمَات المترجم لَهُ فِي يَوْم السبت لثلاث بَقينَ من صفر سنة ١٠٨٥ خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَهُوَ امامى الْمَذْهَب غفر الله لَهُ (٥٩) أَحْمد بن مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرَّحِيم بن يُوسُف بن سمير بن حَازِم أَبُو حَازِم المصري التيمي وَيعرف بِابْن الْبُرْهَان ولد فِيمَا بَين الْقَاهِرَة ومصر في ربيع الأول سنة ٧٥٤ أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة واشتغل بالفقه شافعيّاً وَسمع الحَدِيث وأحبه ثمَّ صحب بعض الظَّاهِرِيَّة فَجَذَبَهُ إِلَى النظر في كَلَام ابْن حزم فَأَحبهُ ثمَّ نظر في كَلَام ابْن تَيْمِية فغلب عَلَيْهِ بِحَيْثُ صَار لَا يعْتَقد أَن أحداً أعلم مِنْهُ وَكَانَت لَهُ نفس أبيَّة ومروءة وعصبية وَنظر في أَخْبَار النَّاس فطمحت نَفسه إِلَى الْمُشَاركَة في الْملك مَعَ أَنه لَيْسَ لَهُ فِيهِ قدم وَلَا لَهُ سلف في ذَلِك وَلَا مَعَه مَال فَلَمَّا غلب الظَّاهِر برقوق على

стр. 99

المملكة وَحبس الْخَلِيفَة رام جعل ذَلِك وَسِيلَة لما حدثته بِهِ نَفسه فَغَضب من ذَلِك وَخرج فِي سنة ٧٨٥ إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى الْعرَاق يَدْعُو إِلَى طلب رجل من قُرَيْش فاستقرى جَمِيع الممالك وَدخل حلب فَلم يبلغ قصداً ثمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّام فاستغوى كثيراً من أَهلهَا وَكَانَ من أكبر الموافقين لَهُ مِمَّن يتدين مِنْهُم الياسوفي والحسباني لما ظهر من فَسَاد الْأَحْوَال وَكَثْرَة المعاصي وفشوّ الرِّشْوَة فِي الْأَحْكَام وَغير ذَلِك فَلم يزل على هَذِه الطَّرِيقَة إِلَى أَن نمى أمره إِلَى بيدمر نَائِب الشَّام فَسمع كَلَامه وأصغى إليه وَلم يشوش عَلَيْهِ لعلمه أَنه لَا يجِئ من يَدَيْهِ شئ ثمَّ نمى أمره إِلَى نَائِب القلعة شهَاب الدَّين الحمصي وَكَانَت بَينه وَبَين بيدمر عَدَاوَة شَدِيدَة فَوجدَ فرْصَة فى التأليب عَلَيْهِ بذلك فَاسْتَحْضر ابْن الْبُرْهَان واستخبره وَأظْهر أَنه مَال إِلَى مقَالَته فَبَثَّ إليه جَمِيع مَا كَانَ يَدْعُو إليه فَتَركه ثمَّ كَاتب السُّلْطَان بذلك كُله فَلَمَّا علم بِهِ كتب إِلَى النَّائِب يَأْمُرهُ بتحصيل ابْن الْبُرْهَان وَمن وَافقه على رَأْيه وبتشهيرهم فتورّع النَّائِب عَن ذَلِك وتكاسل عَنهُ وَأجَاب بالشفاعة فيهم وَالْعَفو عَنْهُم وَأَن أَمرهم متلاشي وَإِنَّمَا هم قوم خفت أدمغتهم من الدَّرْس وَاسْتمرّ ابْن الحمصي في انتهاز الفرصة فكاتب أيضاً بِأَن النَّائِب قد عزم على المخامرة فوصل إليه الْجَواب بمسك ابْن الْبُرْهَان وَمن كَانَ على رأيه وإن آل الْأَمر في ذَلِك إِلَى قتل بيدمر فَمَاتَ الياسوفي خوفاً بعد أَن قبض عَلَيْهِ وفرّ الحسباني وَلما حضر الْبُرْهَان إِلَى السُّلْطَان استدناه واستفهمه عَن سَبَب قِيَامه عَلَيْهِ فَأعلمهُ أَن غَرَضه أَن يقوم رجل من قُرَيْش يحكم بِالْعَدْلِ فإن هَذَا هُوَ الدَّين الَّذِي لَا يجوز غَيره وَزَاد في نَحْو هَذَا فَسَأَلَهُ عَمَّن مَعَه على مثل

стр. 100

رَأْيه من الْأُمَرَاء فبرأهم فَأمر بضربه فَضرب هُوَ وَأَصْحَابه وحبسوا في الخزانة حبس أهل الجرائم وَذَلِكَ في ذي الْحجَّة سنة ٧٨٨ ثمَّ أفرج عَنْهُم في ربيع الأول سنة ٧٩١ فاستمر ابْن الْبُرْهَان مُقيما بِالْقَاهِرَةِ على صُورَة إملاق إِلَى أَن مَاتَ لأَرْبَع بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة ٨٠٨ ثَمَان وَثَمَانمِائَة وحيداً فريدا بِحَيْثُ لم يحضر فى جنازنه إِلَّا سَبْعَة أنفس لَا غير وَكَانَ ذَا مُرُوءَة علية وَنَفس أَبِيه حسن المذاكرة والمحاضرة عَارِفًا بأكثر الْمسَائِل الَّتِى يُخَالف فِيهَا أهل الظَّاهِر الْجُمْهُور يكثر الِانْتِصَار لَهَا ويستحضر أدلتها وأملى وَهُوَ في الْحَبْس بِغَيْر مطالعة مَسْأَلَة رفع الْيَدَيْنِ فِي السُّجُود وَمَسْأَلَة وضع الْيُمْنَى على الْيُسْرَى في الصَّلَاة ورسالة في الإمامة وَذَلِكَ يدل على وفور اطِّلَاعه قَالَ ابْن حجر وَقد جالسته كثيراً وَسمعت من فَوَائده كثيراً وَكَانَ كثير الإنذار بِمَا حدث بعده من الْفِتَن والشرور لما جبل عَلَيْهِ من الِاطِّلَاع على أَحْوَال النَّاس وَلَا سِيمَا مَا حدث من الغلاء وَالْفساد بِسَبَب رخص الْفُلُوس بِالْقَاهِرَةِ بِحَيْثُ أَنه رأى عندي قَدِيما مرة مِنْهَا جانباً كثيراً فَقَالَ لي أحذر أَن تقتنيها فإنها لَيست رَأس مَال فَكَانَ كَذَلِك لِأَنَّهَا كَانَت في ذَلِك الْوَقْت يساوي القنطار مِنْهَا عشْرين مِثْقَالا فأكثر وَصَارَ الْأَمر في هَذَا الْعَصْر إِلَى أَنَّهَا تساوي أربعة مَثَاقِيل ثمَّ صَار تساوى ثَلَاثَة ثمَّ اثْنَيْنِ وَربع وَنَحْو ذَلِك ثمَّ انعكس الْأَمر بعد ذَلِك وَصَارَت من عِنْده شئ مِنْهَا اغتبط فِيهِ لما رفعت قيمتهَا من كل رَطْل إِلَى اثني عشر ثمَّ إِلَى أَرْبَعَة وَعشْرين ثمَّ انعكس الْأَمر فَظهر أَنَّهَا لَيست مَالا يقتنى لوُجُود الْخلَل في قيمتهَا وَعدم ثباتها على قيمَة وَاحِدَة انْتهى

стр. 101

(٦٠) أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الْملك بن الزين أَحْمد بن الْجمال مُحَمَّد بن الصفيّ مُحَمَّد بن الْمجد حُسَيْن بن التَّاج علي القسطلاني الأَصْل المصري الشّافعي وَيعرف بالقسطلاني ولد في ثاني عشر ذي الْقعدَة سنة ٨٥١ إِحْدَى وَخمسين وثمان مائَة بِمصْر ونشأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والشاطبيتين وَنصف الطّيبَة الجزرية والوردية في النَّحْو وتلى بالسبع على السراج عمر بن قَاسم الأنصاري الساوي وبالثلاث إِلَى وَقَالَ الَّذين لَا يرجون لقاءنا على الزين عبد الْغنى الهيثمي وبالسبع ثمَّ بالعشر في ختمتين على الشهَاب بن أَسد وَأخذ القرا آتٍ عَن جمَاعَة أَيْضا وَأخذ الْفِقْه عَن الْفَخر المقسي تقسيماً والشهاب العيادي وَقَرَأَ ربع الْعِبَادَات من الْمِنْهَاج وَمن البيع وَغَيره من الْبَهْجَة على الشَّمْس اليامي وَقطعَة من الحاوي على الْبُرْهَان وَمن أول حَاشِيَة الْجلَال البكري على الْمِنْهَاج إِلَى أثْنَاء النِّكَاح بِفَوَات في أَثْنَائِهَا على مؤلفها وَسمع مَوَاضِع فِي شرح الألفية وَسمع على المليونى والرضى الأوحاقى والسخاوي وَسمع صَحِيح البخاري بِتَمَامِهِ في خَمْسَة مجَالِس على الشاوي وَقَرَأَ فِي الْفُنُون على جمَاعَة ثمَّ حجّ غير مرة وجاور سنة ارْبَعْ وَثَمَانِينَ ثمَّ جاور مجاورة أُخْرَى سنة أَربع وَتِسْعين وَسمع بهَا عَن جمَاعَة وَجلسَ للوعظ بالجامع الْعُمْرَى وَكَانَ يجْتَمع عِنْده جمع جم ثمَّ جلس بِمصْر شَاهدا رَفِيقًا لبَعض الْفُضَلَاء وَبعده انجمع وَكتب بِخَطِّهِ لنَفسِهِ أَشْيَاء بل جمع فى القرا ات الْعُقُود السّنيَّة فِي شرح الْمُقدمَة الجزرية في التجويد والكنز في وقف حَمْزَة وَهِشَام على الْهَمْز وشرحاً على الشاطبية وصل فِيهِ إِلَى الإدغام الصَّغِير زَاد فِيهِ زيادات ابْن الجزرى مَعَ فَوَائِد غَرِيبَة لَا تُوجد فِي شرح غَيره

стр. 102

وَكتب على الطّيبَة قِطْعَة مزجاً وعَلى الْبردَة مزجاً أَيْضا سَمَّاهُ مَشَارِق الْأَنْوَار المضية في مدح خير الْبَريَّة وتحفة السَّامع والقارى بِخَتْم صَحِيح البخاري وَمن مؤلفاته الْمَشْهُورَة شرح البخاري الْمُسَمّى إرشاد الساري على صَحِيح البخاري فِي أَربع مجلدات وَشرح صَحِيح مُسلم مثله وَلم يكمل والمواهب اللدنية بالمنح المحمدية وَكَانَ متعففاً جيد الْقِرَاءَة لِلْقُرْآنِ والْحَدِيث والخطابة شجي الصَّوْت مشارك فِي الْفَضَائِل متواضع متودد لطيف الْعشْرَة سريع الْحَرَكَة كثرت أسقامه واشتهر بالصلاح وَالتَّعَفُّف على طَرِيق أهل الْفَلاح قَالَ الشَّيْخ جَار الله ابْن فَهد وَلما اجْتمعت بِهِ فِي الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفي الرحلة الثَّانِيَة عظّمني واعترف لي بِمَعْرِِفَة فني وتأدب معي وَلم يجلس على مرتبته بحضرتي فَالله يزِيد فِي إكرامه ويبلغه غَايَة مرامه قَالَ ثمَّ بلغني فِي رحلتي إِلَى الشَّام أَنه مَاتَ في لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع الْمحرم سنة ٩٢٣ ثَلَاث وعشربن وَتِسْعمِائَة وَصلى عَلَيْهِ بعد الْجُمُعَة بالجامع الْأَزْهَر وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ جوَار منزلَة تغمده الله برحمته (٦١) أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد الحيمي الكوكباني الْخَطِيب البليغ الشَّاعِر نَشأ بكوكبان وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أَعْيَان الْعلمَاء ذكرهم في كِتَابه الْمُسَمّى طيب السمر وَهُوَ كتاب حافل ترْجم فِيهِ لجَماعَة من الْأَعْيَان تراجم مسجعة كَمَا هُوَ صنع غَالب المؤرخين الْمُتَأَخِّرين وَمن مصنفاته شرح قصيدة مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الإمام شرف الدَّين سَمَّاهُ الأصداف المشحونة باللئالي المكنونة وَهُوَ شرح مُفِيد طالعته فرايته فائقاً في بَابه وَله شرح على رِسَالَة الواثق الْمَشْهُورَة سلك فِيهَا مَسْلَك الصفدي فِي شرح لامية الْعَجم وَله مؤلفات أدبية تزيد على

стр. 103

الْأَرْبَعين وَهُوَ مجيد في كل مَا يصنفه وَمن شعره الأبيات الَّتِى مطْلعهَا (لعب النسيم بِغُصْن قد أهيف ... لابل من دَاء السقام وَلَا شفى) (وَمن شعره) (نسيم الرَّوْض عَن وبل بلَيْل ... تنفس لَا بسا برد الْأَصِيل) (ووافى رَاوِيا خَبرا صَحِيحا ... من الأنباء عَن جسم عليل) (لقد سهرت عيوني حِين وافا ... لذكرى من يعدّوا خير جيل) (فَمَا اكتحلت بنوم قط إلا ... بميل في الْمسَافَة بعد ميل) وَله نظم كَثِيرَة ونثر وَاسع وَكله في رُتْبَة متوسطة وَهُوَ طَوِيل النَّفس فِي جَمِيع مَا يأتي بِهِ توفي سنة ١١٥١ إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة وَألف (٦٢) أَحْمد بن مُحَمَّد الحجازي الينبعي الأَصْل الصنعاني المولد والوفاة الشَّاعِر الْمَشْهُور هُوَ من مشاهير الشُّعَرَاء وَله قصائد طنانة ومعاني رائقة لَو لم يكن لَهُ مِنْهَا إلا مَا وَقع لَهُ من تَشْبِيه الْهلَال الَّذِي فاق من قبله وَلم يلْحق بِهِ من بعده وَهُوَ قَوْله من قصيدة (وَنَنْظُر في الغرب الْهلَال كَأَنَّهُ ... من العاج مشط غاص في آخر الْفَرْع وَتوفى بِصَنْعَاء تَقْرِيبًا سنة ١٠٩٥ خمس وَتِسْعين وَألف (٦٣) السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الْقَادِر بن النَّاصِر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدَّين بن الإمام شرف الدَّين الكوكباني أَمِير كوكبان وبلادها ولد في خَامِس وَعشْرين شهر الْقعدَة سنة ١١٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَألف وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل جِهَته كالسيّد الْعَلامَة صَلَاح بن يحيى الْخَطِيب والفقيه عبد الله القاعي وَشَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد الآتى

стр. 104

ذكره وبرع فِي الْعُلُوم واشتهرت فضائله وسارت الركْبَان بعد لَهُ فِي رَعيته بِحَيْثُ كَانَت مباشراته على وفْق الشَّرِيعَة المطهرة وَولى الإمارة في حَيَاة أَبِيه وَلما مَاتَ الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم دَعَا إِلَى نَفسه وثوقاً مِنْهُ بكتب وصلت إِلَيْهِ من جمَاعَة من أهل صنعاء وَغَيرهم ثمَّ أرسل الإمام المهدي طَائِفَة من جُنُوده وَوَقعت خطوب وحروب وآخر الْأَمر بَايع صَاحب التَّرْجَمَة للإمام المهدي وَاسْتقر اميرا لكوكبان وبلادهما ناشرا للعدل محييا للشريعة حَتَّى مَاتَ لعشرين خلت من شعْبَان سنة ١١٨١ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَصَارَت الإمارة بعده إِلَى أَخِيه عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد وَمَشى على طَرِيقَته ثمَّ صَارَت الإمارة بعده إِلَى أَخِيه السَّيِّد إبراهيم بن مُحَمَّد ثمَّ إِلَى وَلَده السَّيِّد الْعَبَّاس بن إبراهيم ثمَّ عَادَتْ إِلَى أخي صَاحب التَّرْجَمَة السَّيِّد الْعَلامَة عِيسَى بن مُحَمَّد وستأتي تَرْجَمته ثمَّ انْتَقَلت عَنهُ إِلَى ابْن صَاحب التَّرْجَمَة وَهُوَ السَّيِّد شرف الدَّين ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد وستأتي تَرْجَمته أيضاً وَهُوَ الْأَمِير حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم فَمِنْهُ قَوْله (كَأَنَّمَا الْعَارِض لما بدا ... كتائب قد صففت لِلْقِتَالِ) (ورعده والبرق قد أشبها ... بِنَا دقافي الصَّوْت والأشتعال

стр. 105

(وَبَعْضهمْ رام بقوس وَمن ... تراكس السحب بجر النبال) (٦٤) أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَالم بن ابى الْمَوَاهِب الْحسن بن هبة ابْن مَحْفُوظ بن الْحسن بن صصري الملقب نجم الدَّين الدمشقي ولد في ذي القعدة سنة ٦٥٥ خمس وَخمسين وسِتمِائَة وأحضر على الرشيد الْعَطَّار سنة ٦٥٨ وبدمشق على ابْن عبد الدَّائِم وعَلى جدّه لأمه الْمُسلم بن عَدْلَانِ وعَلى ابْن أَبى الْيُسْر وتفقه على التَّاج ابْن الفركاح وَأخذ بِمصْر عَن شمس الدَّين الاصبهانى وَكتب في ديوَان الإنشاء وَكَانَ جيد الْخط فائق النظم والنثر سريع الْكِتَابَة جداً حَتَّى قيل أنه كتب خمس كراريس في يَوْم وَكَانَ فصيح الْعبارَة طَوِيل الدُّرُوس ينطوي على دين وَتعبد وَمَكَارِم وَولى قَضَاء دمشق سنة ٧٠٢ ودام فِيهِ إِلَى أَن مَاتَ في شهر ربيع الأول سنة ٧٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة وط الت مدَّته وَكَانَ كثير التودّد والمكارم والمواددة قَالَ ابْن الزملكاني كَانَ طلق الْعبارَة لَا يكَاد يتَكَلَّم في فن إِلَّا وَيذكر دروساً طَوِيلَة وَلم يزل في نمو وارتفاع إِلَى أَن مَاتَ في التَّارِيخ الْمَذْكُور بحماه ولشعراء عصره فِيهِ غرر المدائح كالشهاب مَحْمُود وَالْجمال بن نباتة وَغَيرهمَا وَخرج لَهُ العلائي مشيخة فَأَجَازَهُ بجملة دَرَاهِم وَأول مادرس بالعادلية سنة ٦٨٢ ثمَّ درس بالأرمستية ثمَّ درس بالغزالية ثمَّ ولي قَضَاء الْعَسْكَر ومشيخة الشُّيُوخ ثمَّ الْقَضَاء الأكبر بِدِمَشْق في التَّارِيخ السَّابِق وَكَانَ يتفضل على كل من قدم إليه من كَبِير وصغير وهداياه لَا تَنْقَطِع عَن أهل الشَّام وَلَا عَن أهل مصر مَعَ التودد والتواضع الزايد والحلم وَالصَّبْر على الْأَذَى هجاه ابْن الْمرجل بِأَبْيَات فتحيل حَتَّى وصلت إليه بِخَط النَّاظِم فاتفق أَنه

стр. 106

دخل عَلَيْهِ فغمز مَمْلُوكه فَوضع الأبيات أَمَامه مَفْتُوحَة فَلَمَّا جلس ابْن الْمرجل لمحها فعرفها فَلَمَّا تحقق القاضي أَنه عرفهَا أَشَارَ برفعها ثمَّ أحضر لَهُ قماش وصرة فضة وَقَالَ لَهُ هَذِه جائزة الأبيات فَأَخذهَا ومدحه وَدخل عَلَيْهِ شَاعِر وَمَعَهُ قصيدتان في إحداهما هجو وفي الْأُخْرَى مدح وأضمر أَن يُعْطِيهِ الْمَدْح فإن أرضاه وإلاّ أعطَاهُ الهجو فغلط فَأعْطَاهُ الهجو فقرأه وَأَعْطَاهُ جَائِزَة وأوهم من حضر أَنه مدح فَلَمَّا خرج الشَّاعِر وجد قصيدة الْمَدْح فَعَاد وَدفعهَا إليه وَأظْهر الِاعْتِذَار فَمَا واخذه (٦٥) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن عَطاء الله تَاج الدَّين أَبُو الْفضل الإسكندراني الشاذلي صحب الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس المرسي صَاحب الشاذلية وصنّف مناقبه ومناقب شَيْخه وَكَانَ الْمُتَكَلّم على لِسَان الصوفية في زَمَانه وَهُوَ مِمَّن قَامَ على الشَّيْخ تقى الدَّين ابْن تَيْمِية فَبَالغ في ذَلِك وَكَانَ يتَكَلَّم على النَّاس وَله فِي ذَلِك تصانيف قَالَ الذهبي كَانَت لَهُ خلال عَجِيبَة وَوَقع في النُّفُوس ومشاركة فِي الْفَضَائِل وَرَأَيْت الشَّيْخ تَاج الدَّين الفارقي لما رَجَعَ من مصر مُعظما لوعظه وإشارته وَكَانَ يتَكَلَّم بالجامع الْأَزْهَر يمزج كَلَام الْقَوْم بآثار عَن السلف وفنون من الْعلم فَكثر أَتْبَاعه وَكَانَ عَلَيْهِ سيماء الْخَيْر وَيُقَال أن ثَلَاثَة قصدُوا مَجْلِسه فَقَالَ أحدهم لَو سلمت من العائلة لتجردت وَقَالَ الآخر أَنا أصلي وَأَصُوم وَلَا أجد من الصلاح ذرة فَقَالَ الثَّالِث إن صلاتي مَا ترضيني فَكيف ترْضى ربي فَلَمَّا حَضَرُوا مَجْلِسه قَالَ في أثْنَاء كَلَامه وَمن النَّاس من يَقُول فَأَعَادَ كَلَامهم بِعَيْنِه وَمن جملَة من أَخذ عَنهُ الشَّيْخ تقي الدَّين السبكي وَقَالَ الْكَمَال جَعْفَر سمع من الأبرقوهي

стр. 107

وَقَرَأَ النَّحْو على المحيى وشارك فِي الْفِقْه وَالْأَدب وَصَحب المرسي فَتكلم على النَّاس فسارعت إليه الْعَامَّة وَكثير من المتفقهة وَكثر أَتْبَاعه قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَالَ الْكَمَال ابْن المكين حكى لَهُ المراكشي قَالَ كنت أصحب فَقِيرا فَحَضَرَ اليه الخليلى الْوَزير يزوره فَقَالَ لَهُ جاءني ابْن عَطاء الله فَقَالَ لي اللَّيْلَة ترى النبى ﵌ فِي الْمَنَام فَاجْعَلْ بشارتي أَن توليني الخطابة بالإسكندرية فمضت اللَّيْلَة وَمَا رَأَيْت شَيْئا وَقد عزمت على ضربه فَلم يزل الْفَقِير يتلطف بِهِ حَتَّى عَفا عَنهُ وَإِذا صَحَّ هَذَا فَهُوَ محتال وَلَيْسَ من الرِّجَال وَهُوَ صَاحب الحكم الْمَشْهُورَة الآن بِحكم ابْن عَطاء الله الَّتِى يلهج كثير من متصوفه زمننا بِحِفْظ كَلِمَات مِنْهَا وَمَات في نصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٧٠٩ تسع وَسَبْعمائة (٦٦) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الأزديّ الْعَدْوى أَبُو الْعَبَّاس ابْن الْبناء أَخذ عَن قاضي الْجَمَاعَة مُحَمَّد بن على المراكشى وأبى عبد الله مُحَمَّد ابْن أَبى البركات أَبى الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَدْعُو ابْن أَبى عَطاء وأبي الْحُسَيْن ابْن أَبى عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم وَكَانَ فَاضلا عَاقِلا نبيهاً انْتفع بِهِ جمَاعَة في التَّعْلِيم وَكَانَ يشْتَغل من بعد صَلَاة الصُّبْح إِلَى قريب الزَّوَال مُدَّة إِلَى أَن كَانَ فى سنة ٦٩٩ فَخرج إِلَى صَلَاة الْجُمُعَة في يَوْم ريح وغبار فتأذى بذلك وأصابه يبس في دماغه وَكَانَ لَهُ مُدَّة لَا يَأْكُل مَا فِيهِ روح فبدت مِنْهُ أَحْوَال لم تعهد وهيئات عَجِيبَة وَصَارَ يكاشف كل من دخل عَلَيْهِ ويخبره بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأمر الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم الأغماتي أَهله أَن يحجبوه فَأَقَامَ سنة ثمَّ صَحَّ وَخرج إلى النَّاس وَصَارَ يذكر مَا جرى لَهُ من ذَلِك وَفِيه عجائب مِنْهَا أَنه رأى صوراً علوِيَّة

стр. 108

وُجُوههم مضيئة تكلمُوا بعلوم جمة تتَعَلَّق بمعاني الْقُرْآن بأساليب بديعة قَالَ ثمَّ هجم عليّ جمَاعَة في صور مفزعة فَذكر كلَاما طَويلا وَله مصنفات مِنْهَا التخليص فِي الْحساب فى سفر وَكتاب فِي الأوفاق وَكتاب في الأنواء وَغير ذَلِك وَاسْتمرّ بِبَلَدِهِ يُفِيد النَّاس إِلَى أَن مَاتَ سنة ٧٢١ إحدى وَعشْرين وَسَبْعمائة (٦٧) أَحْمد بن مُحَمَّد بن حجر الوائلي السعدي الهيثمي المصري ثمَّ المكي ولد سنة ٩٠٩ تسع وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بِبَلَدِهِ وَحفظ الْقرَان ثمَّ انْتقل إلى مصر فحفظ مختصرات وَقَرَأَ على الشَّيْخ عمَارَة المصرى والرملى وأبى السحن البكري وَغَيرهم وبرع في جَمِيع الْعُلُوم خُصُوصا فقه الشافعي وصنّف التصانيف الْحَسَنَة ثمَّ انْتقل من مصر إِلَى مَكَّة المشرفة وَسبب انْتِقَاله أَنه اختصر الرَّوْض للمقري وَشرع في شَرحه فأخذه بعض الحساد وفتته وأعدمه فَعظم عَلَيْهِ الْأَمر وَاشْتَدَّ حزنه وانتقل إلى مَكَّة وصنّف بهَا الْكتب المفيدة مِنْهَا الامداد وَفتح الْجواد شرحاً على الإرشاد الأول بسيط والثاني مُخْتَصر وتحفة الْمُحْتَاج شرح الْمِنْهَاج وَالصَّوَاعِق المحرقة وَشرح الهمزية وَشرح الْعباب وَكَانَ زاهداً متقللاً على طَريقَة السلف أمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ في سنة ٩٧٣ ثَلَاث وَسبعين وَتِسْعمِائَة (٦٨) أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن أَبى نصر مُحَمَّد بن عرب شاه الدمشقي الأَصْل الرومي الحنفي وَيعرف بالعجمي وبابن عرب شاه وَهُوَ الْأَكْثَر وَلَيْسَ هُوَ بقريب لداود وَصَالح ابني مُحَمَّد بن عرب شاه

стр. 109

الهمذانيين الأَصْل الدمشقيين الحنفيين ولد فِي لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف ذي الْقعدَة سنة ٧٩١ إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا فَقَرَأَ الْقرَان على الزين عمر بن اللبان المقري ثمَّ تحول في سنة ثَلَاث وثمان مائَة في زمن الْفِتْنَة مَعَ أخوته وأمهم وَابْن أُخْته عبد الرَّحْمَن بن إبراهيم بن حولان إِلَى سَمَرْقَنْد ثمَّ بمفرده إِلَى بِلَاد الخطا وَأقَام بِبِلَاد مَا وَرَاء النَّهر مديماً للاشتغال وَالْأَخْذ عَن من هُنَاكَ من الأستاذين فَكَانَ مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد الجرجاني وَابْن الجزري وهما نزيلا سَمَرْقَنْد وعصام الدَّين ابْن الْعَلامَة عبد الْملك وَجَمَاعَة ولقي بسمرقند الشَّيْخ الْعُرْيَان الأدهمي الَّذِي استفيض هُنَالك أَنه ابْن ثلثمِائة وَخمسين سنة وبرع فى الْفُنُون ثمَّ توجه إِلَى خوارزم فَأخذ عَن نور الله وَأحمد بن شمس الْأَئِمَّة ثمَّ إِلَى بِلَاد الدشت وَتلك النواحى ثمَّ قطع بَحر الرّوم إِلَى مملكة ابْن عُثْمَان فَأَقَامَ بهَا نَحْو عشر سِنِين وَترْجم فِيهَا للْملك غياث الدَّين أَبى الْفَتْح مُحَمَّد بن أَبى يزِيد مُرَاد بن عُثْمَان كتاب جَامع الحكايات ولامع الرِّوَايَات من الفارسي إِلَى التركي فِي نَحْو سِتّ مجلدات وَتَفْسِير أبي اللَّيْث السَّمرقَنْدِي القادري بالتركي نظماً وباشر عِنْده ديوَان الإنشاء وَكتب عَنهُ إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف عَرَبيا وشامياً وتركياً ومغولياً وعجمياً كل ذَلِك مَعَ حرصه على الاستفادة بِحَيْثُ قَرَأَ الْمِفْتَاح على الْبُرْهَان الحوافي وَأخذ عَنهُ الْعَرَبيَّة أَيْضا فَلَمَّا مَاتَ ابْن عُثْمَان رَجَعَ إِلَى وَطنه الْقَدِيم فَدخل حلب فَأَقَامَ بهَا نَحْو ثَلَاث سِنِين ثمَّ الشَّام وَكَانَ دُخُوله إليها في جُمَادَى الآخرة سنة ٨٢٥ فَجَلَسَ بحانوت مَسْجِد الْقصب مَعَ شُهُوده يَسِيرا لكَون مُعظم أوقاته الانعزال عَن النَّاس وَقَرَأَ بهَا على القاضي شهَاب الدَّين الْحَنْبَلِيّ صَحِيح مُسلم فى سنة ٨٣٠

стр. 110

فَلَمَّا قدم الْعَلَاء البخاري سنة ٨٣٢ مَعَ الركب الشامي من الْحجاز انْقَطع إليه ولازمه في الْفِقْه والأصليين والمعاني وَالْبَيَان والتصوف وَغير ذَلِك حَتَّى مَاتَ وَتقدم في غَالب الْعُلُوم وَأَنْشَأَ النظم الْفَائِق والنثر الرَّائِق وصنف نظماً ونثراً وَمن تصانيفه مرآة الْأَدَب في علم الْمعَانى وَالْبَيَان والبديع سلك فِيهِ أسلوباً بديعاً نظم فِيهِ التَّلْخِيص عمله قصائد غزلية كل بَاب مِنْهُ قصيدة مُفْردَة على قافية ومقدمة في النَّحْو عُقُود النَّصِيحَة والرسالة الْمُسَمَّاة العقد الفريد فِي التَّوْحِيد وَهُوَ مؤلف تَارِيخ تيمور وَسَماهُ عجائب الْمَقْدُور في نَوَائِب تيمور وَفِيه بلاغة فائقة وسجعات رائقة وَله فَاكِهَة الْخُلَفَاء ومفاكهة الظرفاء والترجمان المترجم بمنتهى الأرب فِي لُغَة التّرْك والعجم وَالْعرب وأشير إليه بالفضيلة وأجله الأكابر وَكَانَ أحد الْأَفْرَاد في إجادة النظم والنثر وَمَعْرِفَة اللُّغَات والمجئ بالمستظرفات وإجادة الْخط وإتقان الضَّبْط وعذوبة الْكَلَام وملاحة المحاضرة وَكَثْرَة التودد ومزيد التَّوَاضُع وعفة النَّفس ووفور الْعقل وَاسْتمرّ على جميل أَوْصَافه حَتَّى مَاتَ في يَوْم الِاثْنَيْنِ منتصف شهر رَجَب سنة ٨٥٤ أَربع وَخمسين وثمان مائَة وَجَرت لَهُ محنة من الظَّاهِر جقمق شكى اليه حميد الدَّين فَأدْخلهُ سجن أهل الجرائم فدام فِيهِ خَمْسَة أَيَّام ثمَّ أخرج وَاسْتمرّ مَرِيضا من الْقَهْر حَتَّى مَاتَ بعد اثني عشر يَوْمًا وَمن نظمه (قَمِيص من الْقطن من حله ... وشربة مَاء قراح وقوت) (ينَال بهَا الْمَرْء مَا يبتغي ... وَهَذَا كثير على من يَمُوت) وَمن نظمه
следующие страницы →