← Тараджим

Тараджим · id 6676

النور السافر عن أخبار القرن العاشر

العيدروس

Полный текст (424 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

امامة مَقْصُورَة الْجَامِع الْأمَوِي ثمَّ نَاب فِي الْقَضَاء قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَفِيف مَعَ فَضِيلَة قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَبعد الْمُؤلف اسْتمرّ نَائِبا فِي الْقَضَاء والإمامة وَعَلِيهِ ابهة ومهابة وحصلت لَهُ محنة مَعَ قُضَاة بَلَده طلبُوا إِلَى الْقَاهِرَة لأَجلهَا ونالهم التَّعَب بِسَبَبِهَا لإنكارهم على كَاتب سرها الاسلمي سَلامَة الله تَعَالَى على ضريح وَليهَا الشَّيْخ رسْلَان وهجاه بِأَبْيَات سَمعتهَا مِنْهُ مَعَ تكلم غَيرهَا فِي رحلتي لدمشق عَام اثْنَيْنِ وَعشْرين وفيهَا تَغَيَّرت دولة الجراكسة بالعثمانية ففوضوا إِلَيْهِ قَضَاء الشَّافِعِيَّة فِي الْبِلَاد الشامية فَانْفَرد بذلك بَين فَانْتَفع بِهِ جمَاعَة من الْأَصْحَاب وَأَنا مِمَّن لاحظني بنظره وَحصل لي حجَّة على يَده فعدت بعْدهَا إِلَى بلدي ﵀ وفيهَا فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر اسْتشْهد السُّلْطَان الْملك الظافر عَامر بن عبد الْوَهَّاب سُلْطَان الْيمن وَكَانَ على جَانب عَظِيم من الدّين وَالتَّقوى وَالْمَشْي فِي طَاعَة الله تَعَالَى لَا تعلم لَهُ صبوة وَكَانَ ملازماً للطَّهَارَة والتلاوة والاذكار وَلَا يفتر عَن ذَلِك آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار كثير الصَّدقَات وَفعل المبرات وَمن مآثره المخلدة لذكره على الدَّوَام والموجبة لحلوله دَار السَّلَام فِي حوار الْملك العلام عمَارَة الْجَامِع الْأَعْظَم بِمَدِينَة زبيد لم يسْبق إِلَى مثلهَا انفق فِي ذَلِك جملَة مستكثرة من أَمْوَاله وخالص حَلَاله وَعمارَة مدرسة من جنوبه الدَّار الْكَبِير بِمَدِينَة زبيد وَعمارَة مدرسة الشَّيْخ الْكَبِير إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم الجبرتي بهَا وَعمارَة مشْهد الْفَقِيه أبي بكر الْحداد خَارج بَاب القرتب بِظَاهِر مَدِينَة زبيد ومدرستين بِمَدِينَة تعز واجراء الْعين بهَا وَالْجَامِع الْكَبِير بالمقرانة وَمَسْجِد الْقبَّة بهَا ومدرسة عَظِيمَة برداع الْعَرْش وَمَسْجِد بداخل عدن واجراء الْمِيَاه بِظَاهِر بَاب الْبر مِنْهَا وصهريج عَظِيم بهَا لم يسْبق إِلَى مثله وَآخر بقرية عسيب وَمَا لَا يُحْصى من الْمَسَاجِد والصهاريج والآبار والأسداد فِي الْأَمَاكِن الْمُحْتَاج إِلَيْهَا والمواضع

стр. 107

المنقطعة وَهُوَ اجرى التلاج إِلَى مَدِينَة عدن من أَمَاكِن بعيدَة وانفق فِي ذَلِك أَمْوَالًا عديدة وَله من أَعمال الْبر مَا لَا يُحْصى كَثْرَة ضاعف الله تَعَالَى لَهُ الثَّوَاب وَأحسن لَهُ الْمرجع والمآب وَكَانَت مُدَّة ملكه إِلَى انْقِضَاء دولته تسعا وَعشْرين سنة إِلَّا أَيَّامًا وللعلامة الديبع ﵀ فِيهِ ... اخلاي ضَاعَ الدّين من بعد عَامر ... وَبعد أَخِيه عَاد النَّاس فِي النَّاس فمذ فقدا وَالله وَالله اننا ... من الْأَمْن والسلوان فِي غَايَة الياس ... وَله فِيهِ ... تحطم من ركن الصّلاح مشيده ... وقوض من بُنْيَانه كل عَامر فَمَا من صَلَاح فِيهِ بعد صَلَاحه ... وَلَا عَامر وَالله من بعد عَامر ... سنة أَربع وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٤ هـ وَفِي سنة أَربع وَعشْرين توفّي الشريف الْفَاضِل الْعَالم الْعَامِل مُحَمَّد ابْن علوي بن الْفَقِيه الصَّالح الْوَلِيّ مُحَمَّد بن عَليّ صَاحب عيديد اشْتغل بِالْعلمِ حَتَّى برع فِيهِ تفقه بالفقيه أَحْمد بن يحيى رشيد بعدن وَنقل كتاب الارشاد للمقري وَسمع البُخَارِيّ على غَيره وَكَانَ جيد الْفَهم وَكَانَ شَيْخه الشَّيْخ القطب عبد الرَّحْمَن بن عَليّ نفعنا الله ببركاته يثنى عَلَيْهِ وَيَقُول اسْتَفَدْت مِنْهُ حَال قِرَاءَته عَليّ أَشْيَاء وَكَانَ على قدم من الصّلاح والزهد والخمول كثير التِّلَاوَة لكتاب الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته بعدن رَحمَه الله تَعَالَى وجده الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ صَاحب عيديد نفعنا الله ببركاته من كبار الْأَوْلِيَاء وَعَمه الشريف الصَّالح الْعَالم عبد الله وَهُوَ الَّذِي جمع كَلَام الاستاذ الْأَعْظَم الشَّيْخ عبد الله العيدروس فِي كتاب فَلهُ بذلك علينا الْمِنَّة معاشر الْأَصْحَاب وفيهَا مَاتَ السُّلْطَان سليم سُلْطَان الرّوم وَتَوَلَّى بعده وَلَده السُّلْطَان سُلَيْمَان وَفِي أَيَّامه زَالَ ملك الجراكسة وَاعْتِبَار خلفاء بني الْعَبَّاس فسبحان من لَا يَزُول ملكه سنة خمس وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٥ هـ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة رَابِع ذِي الْحجَّة سنة خمس وَعشْرين توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن

стр. 108

أَحْمد بن زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ السنيكي ثمَّ القاهري الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي بِالْقَاهِرَةِ وَدفن بالقرافة بِالْقربِ من الإِمَام الشَّافِعِي وحزن النَّاس عَلَيْهِ كثيرا لمحاسنه الْكَثِيرَة واوصافه الشهيرة ورثاه جمَاعَة من تلامذته بعدة مراثي مطولات وَكَانَ مولده فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة بسنيكه من الشرقية وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن عِنْد الفقيهين مُحَمَّد بن ربيع والبرهان الفاقوسي البلبيسي وعمدة الْأَحْكَام وَبَعض مُخْتَصر التبريزى فِي الْفِقْه ثمَّ تحول إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فقطن جَامع الْأَزْهَر واكمل حفظ الْمُخْتَصر ثمَّ حفظ الْمِنْهَاج الفرعي والألفية النحوية والشاطبية والرائية وَبَعض الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ وَنَحْو النّصْف من ألفية حَدِيث وَمن التسهيل إِلَى كَاد وَبَعض ذَلِك بعد هَذَا الأوان وَأقَام بعد مجيئة الْقَاهِرَة بهَا يَسِيرا ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده ثمَّ رَجَعَ ودوام الأشتغال وجد فِيهِ فَكَانَ مِمَّن أَخذ عَنْهُم الْفِقْه القاياتي وَالْعلم البُلْقِينِيّ أَخذ عَنْهُمَا بِقِرَاءَة شرح الْبَهْجَة مُلَفقًا بل وَأخذ عَنْهُمَا فِي الْفِقْه غير ذَلِك والشرف السنيكي والشموس الوفاي والحجازي والبدرشي والشهاب ابْن المجدي والبدر النسابة والزين البوشنجي وبل وَعَن شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر والزين رضوَان فِي آخَرين وَحضر دروس الشّرف الْمَنَاوِيّ وَغَيره وأصول فقه القاياتي والمحيوي الكافياجي قَرَأَ عَلَيْهِمَا الْعَضُد مُلَفقًا والعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ والكمال نزيل زَاوِيَة الشَّيْخ نصر الله قَرَأَ عَلَيْهِ العبري شرح الطوالع للآمدى وَغَيرهم وَعَن كل مشايخه فِي أصُول الدّين أَخذ النَّحْو بل وَأَخذه أَيْضا عَن ابْن المجدي وَابْن الْهمام والشمني وَالصرْف عَن الْعِزّ عبد السَّلَام والشرواني وَكَذَا عَن مُحَمَّد بن حمد الكيلاني قَرَأَ عَلَيْهِ شرح تصريف الْعزي للتفتاز اني وَطَائِفَة والمعاني وَالْبَيَان والبديع عَن القاياتي أَخذ عَنهُ المطول مَا بَين قِرَاءَة وَسَمَاع وَالشَّمْس البُخَارِيّ الْمَذْكُور فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُخْتَصر والكافياجي والشرواني وَعَن مَا عداهُ أَخذ الْمنطق وَكَذَا عَن ابْن الْهمام والآمدي والزين جَعْفَر نزيل المؤيدية قَرَأَ عَلَيْهِ شرح الشمسية وغالب حَاشِيَة السَّيِّد الْجِرْجَانِيّ والتقي الحصني أَخذ عَنهُ ظنا القطبي وحاشيته أَخذ عَن القاياتي فِي اللُّغَة كَذَا أَخذ عَنهُ وَعَن الكافياجي وَشَيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي فِي التَّفْسِير أَخذ علم الْهَيْئَة والهندسة والميقات

стр. 109

والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وَغَيرهَا عَن ابْن المجدي وقرا عَلَيْهِ من تصانيفه أشباه الْفَرَائِض والحساب أَيْضا عَن الشَّمْس الْحِجَازِي والبوشنجي كَذَا عَن أبي الْجُود اللَّيْثِيّ الْمَجْمُوع والفصول الْحكمِيَّة عَن الشرواني وجعفر الْمَذْكُور الطِّبّ عَن الشّرف بن الخشاب الْعرُوض عَن السراج الورودي علم الْحَرْف عَن مُحَمَّد بن قرقماز الْحَنَفِيّ التصوف عَن جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عبد الله الغمري والشهاب أَحْمد الأذكاوي وَمُحَمّد الغومي وَكِلَاهُمَا من أَصْحَاب أبي إِسْحَاق الأذكاوي عَن السراج عمر البُلْقِينِيّ والزين عبد الرَّحْمَن الخليلي وتلقن مِنْهُم وَمن الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه عَليّ بن مُحَمَّد بن حميد الدمياطي عرف بالزلباني الذّكر تلى بالسبع على كل من النُّور البُلْقِينِيّ أَمَام الْأَزْهَر والزين الرضْوَان والشهاب القلقيلي الكسندراني بعد تدريسه فِي ذَلِك لبَعض طلبتهم وبالثلاث الزَّائِدَة عَلَيْهَا مِمَّا تضمنته مصنفات ابْن الْجَزرِي فِي النشر والتقريب والطيبية على الزين ظَاهر الْمَالِكِي بالعشر لَكِن إِلَى المفلحون فَقَط عَن الزين ابْن عَيَّاش الْمَكِّيّ أَخذ رسوم الْخط وَعَن الزين رضوَان سمع عَلَيْهِ فِي الْبَحْث من شرح الشاطبية للجعبري وَحمل عَنهُ كتبا جمة فِي الْقرَاءَات والْحَدِيث وَغَيرهمَا كجملة من شرح الفية الحَدِيث للعراقي عَن أبن الْهمام أَخذ هَذَا الشَّرْح بِتَمَامِهِ سَمَاعا وَبَعضه قِرَاءَة وَعَن القاياتي بعضه أَخذ عَن شَيخنَا الْكثير مِنْهُ وَمن ابْن الصّلاح وَجَمِيع شرح النخبة لَهُ وقرا عَلَيْهِ والسيرة النَّبَوِيَّة لِأَبْنِ سيد النَّاس ومعظم السّنَن لِأَبْنِ ماجة وَأَشْيَاء غَيرهَا وَسمع فِي صَحِيح مُسلم عَن الزين الزَّرْكَشِيّ كَذَا سمع على الْعِزّ ابْن الْفُرَات الْبَعْث لِأَبْنِ أبي دَاوُد وَغَيره على سارة ابْنه ابْن جمَاعَة فِي المعجم الْكَبِير للطبراني بقرائتي وعَلى الْبُرْهَان الصَّالِحِي والرشيدي وَكثير مِمَّن تقدم كالزين رضوَان واشتدت عنايته بملازمته لَهُ فِي ذَلِك حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ مُسلم وَالنَّسَائِيّ والبوشنجي والبلقيني وبمكة سنة خمسين حِين حج على الشّرف أبي الْفَتْح المراغي والتقي ابْن فَهد والقاضيين أبي الْيمن النويري وَأبي السعادات أبن ظهيره فِي آخَرين بِالْقَاهِرَةِ وَغَيرهَا كتب لَهُ أَسَانِيد فِي جُزْء وَأَجَازَ لَهُ فِي ذَلِك بعض من ذكر من جَمِيع شُيُوخه فِي

стр. 110

أَخذه عَنهُ أَكثر من بعض كَمَا أَن عمله فِي هَذِه الْعُلُوم أَيْضا يتَفَاوَت وَلم يَنْفَكّ عَن الِاشْتِغَال على طَريقَة جميلَة من التَّوَاضُع وَحسن الْعشْرَة وَالْأَدب والعفة والانجماع عَن بني الدُّنْيَا مَعَ التقلل وَشرف النَّفس ومزيد الْعقل وسعة الْبَاطِن والأحتمال المداراة إِلَى أَن أذن لَهُ غير وَاحِد من شُيُوخه فِي الافتاء والاقراء وَمِمَّنْ كتب لَهُ شيخ الأسلام أبن حجر وَنَصّ كِتَابَته فِي شَهَادَته على بعض الإجازات لَهُ وأذنت لَهُ أَن يقْرَأ الْقُرْآن على الْوَجْه الَّذِي تَلقاهُ وَيقدر الْفِقْه على النمط الَّذِي نَص عَلَيْهِ الإِمَام وارتضاه قَالَ وَالله المسؤول أَن يَجْعَلنِي وإياه مِمَّن يرجوه ويخشاه إِلَى أَن نَلْقَاهُ وَكَذَا أذن لَهُ فِي إقراء شرح النخبة وَغَيرهَا وتصدى للتدريس فِي حَيَاة غير وَاحِد من شُيُوخه وانتفع بِهِ الْفُضَلَاء طبقَة بعد طبقَة وَشرح عدَّة كتب مِنْهَا آدَاب الْبَحْث وَسَماهُ فتح الْوَهَّاب شرح الْآدَاب وفصول ابْن الهايم وَسَماهُ غَايَة الْوُصُول إِلَى علم الْفُصُول مزج الْمَتْن فِيهِ وَشَرحه شرحاً آخر سَمَّاهُ مَنْهَج الْوُصُول إِلَى تَخْرِيج الْفُصُول وَهُوَ ابسطها والتحفة القدسية لِابْنِ الهايم فِي الْفَرَائِض أَيْضا سَمَّاهُ التُّحْفَة الانسية لغلق التُّحْفَة القدسية والفية ابْن الهايم أَيْضا الْمُسَمَّاة بالكفاية وَسَماهُ نِهَايَة الْهِدَايَة فِي تَحْرِير الْكِفَايَة وبهجة الْحَاوِي فقه سَمَّاهُ الْغرَر البهية بشرح الْبَهْجَة الوردية وتنقيح اللّبَاب لِابْنِ الْعرَاق ومختصر الرَّوْضَة للمقري الْمُسَمّى روض الطَّالِب سَمَّاهُ اسنى المطالب إِلَى روض الطَّالِب وَكتب على الفية النَّحْو يَسِيرا اقرأه مُعظم ذَلِك طَار اسْم شرح الْبَهْجَة فِي كثير من الأقطار قصد بالفتاوي وزاحم كثيرا من شُيُوخه فِيهَا وَله تهجد وَتوجه وصبر وَاحْتِمَال وَترك القيل والقال وَله أوراد واعتقاد وتواضع وَعدم تنَازع وَعَمله فِي التودد يزِيد عَن الْحَد ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عِبَارَته وَعدم مسارعته إِلَى الْفَتَاوَى تعد من حَسَنَاته وَاخْتصرَ الْمِنْهَاج الفرعي للنووي وَسَماهُ مَنْهَج الطلاب وَشَرحه شرحاً مُفِيدا قلت وصنف فِي كثير من الْعُلُوم كالفقه وَالتَّفْسِير والْحَدِيث والنحو واللغة والتصريف والمعاني وَالْبَيَان والبديع والمنطق والطب وَله فِي التصوف

стр. 111

البارع الطَّوِيل وصنف فِي الْفَرَائِض والحساب والجبر والمقابلة والهيئة والهندسة إِلَى غير ذَلِك وترأس بجدارة دهراً وَولي المناصب الجليلة كتدريس مقَام الإِمَام الشَّافِعِي وَلم يكن بِمصْر أرفع منصباً من هَذَا التدريس وَولي تدريس عدَّة مدارس رفيعة وخانقاه صوفية وَغَيرهَا إِلَى أَن رقى إِلَى المنصب الْجَلِيل وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاة بعد امْتنَاع كثير وتعفف زَائِد وَوَقع ذَلِك فِي شهر رَجَب سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ اسْتمرّ قَاضِيا مُدَّة ولَايَة السُّلْطَان الاشرف قايتباي رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ اسْتمرّ بعد ذَلِك إِلَى أَن كف بَصَره فعزل بالعمى رَحمَه الله تَعَالَى وَلم يزل رَحمَه الله تَعَالَى ملازم التدريس والافتاء والتصنيف وانتفع بِهِ خلائق ودرس تلامذته فِي حَيَاته وافتوا وتولوا المناصب الرفيعة ببركته وبركة الانتساب إِلَيْهِ وَلم يزل كَذَلِك فِي نشر الْعلم وَكَثْرَة الْخَيْر وَالْبر والاحسان إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ الشَّيْخ ابْن حجر الهيتمي فِي مُعْجم مشايخه وقدمت شَيخنَا زَكَرِيَّا لِأَنَّهُ أجل من وَقع عَلَيْهِ بَصرِي من الْعلمَاء العاملين وَالْأَئِمَّة الْوَارِثين واعلى من عَنهُ رويت ودريت من الْفُقَهَاء الْحُكَمَاء المسندين فَهُوَ عُمْدَة الْعلمَاء الْأَعْلَام وَحجَّة الله على الانام حَامِل لِوَاء مَذْهَب الشَّافِعِي على كَاهِله ومحرر مشكلاته وَكَاشف عويصاته فِي بكرته وأصائله مُلْحق الاحفاد بالأجداد المتفرد فِي زَمَنه بعلوا الأسناد كَيفَ وَلم يُوجد فِي عصره إِلَّا من أَخذ عَنهُ مشافهة أَو بِوَاسِطَة أَو بوسائط مُتعَدِّدَة بل وَقع لبَعْضهِم انه أَخذ عَنهُ مشافهة تَارَة وَعَن غَيره مِمَّن بَينه وَبَينه نَحْو سبع وسائط تَارَة أُخْرَى وَهَذَا لَا نَظِير لَهُ فِي أحد من عصره فَنعم هَذَا التميز الَّذِي هُوَ عِنْد الْأَئِمَّة أولى واحرى لِأَنَّهُ حَاز بِهِ سَعَة التلامذة والاتباع وَكَثْرَة الآخذين عَنهُ ودوام الأنتفاع أنْتَهى كَلَام أبن الْحجر وَيقرب عِنْدِي انه المجدد على رَأس الْقرن التَّاسِع لشهرة الأنتفاع بِهِ وبتصانيفه واحتياج غَالب النَّاس إِلَيْهَا فِيمَا يتَعَلَّق بالفقه وتحرير الْمَذْهَب بِخِلَاف غَيره فان مصنفاته وان كَانَت كَثِيرَة فَلَيْسَتْ بِهَذِهِ المثابة على أَن كثيرا مِنْهَا مُجَرّد جمع بِلَا تَحْرِير حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ حَاطِب ليل وَمن أحسن مَا رثي بِهِ قَول بَعضهم شعر

стр. 112

.. قضى زَكَرِيَّا نحبه فتفجرت ... عَلَيْهِ عُيُون النّيل يَوْم حمامة إِذْ لتعلم أَن الدَّهْر رَاح امامه ... وَمَا الدَّهْر يبْقى بعد فقد امامه سقى الله قبراً ضمه مزن صيب ... عَلَيْهِ مدى الايام سح غمامه ... وَحكي أَن بعض قُضَاة مصر المحروسة كَانَ يُسمى صَالحا وَكَانَت أَحْكَامه غير مرضية وَكَانَ شيخ الْإِسْلَام الْمَذْكُور يكره أَفعاله القبيحة ويتأذى مِنْهُ جدا حَتَّى انه هجاه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ ... الِاسْم غير الْمُسَمّى ... وَالْحق أَبْلَج وَاضح أَن كنت تنكر هَذَا فَانْظُر لسيرة صَالح ... وفيهَا فِي لَيْلَة السبت ثَالِث عشر شهر ربيع الثَّانِي توفّي الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الله بن احْمَد أَبَا كثير الْحَضْرَمِيّ ثمَّ الْمَكِّيّ بِمَكَّة فَجهز فِي ليلته وَصلي عَلَيْهِ صبح يَوْمهَا عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَدفن بالمعلا فِي الشّعب الْأَقْصَى وحملت جنَازَته على الرؤوس ببركات العيدروس وَكثير بِفَتْح الْكَاف وَكسر الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَكَانَ من الْعلمَاء العاملين والفضلاء البارعين متصفاً بمحاسن الاخلاق وَحسن الأرتفاق ولد تَقْرِيبًا فِي سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بحضر موت وَنَشَأ بهَا سبع سِنِين وَنَقله وَالِده إِلَى غيل أَبَا وَزِير فحفظ القرأن فِي سنة وعمره ثَمَانِي سِنِين وَحفظ الْمِنْهَاج والبهجة لِأَبْنِ الوردي وخلاصة ابْن ظفر والفية ابْن مَالك وَغَيرهَا ثمَّ سَأَلَ وَالِده فِي الِاجْتِمَاع بشيخ من الصُّوفِيَّة فَأَشَارَ عَلَيْهِ بالشيخ عبد الله العيدروس ﵁ وَتوجه إِلَى تريم وَأخذ عَنهُ وتربى على يَدَيْهِ وَكَانَ يَقُول لَو أجتمع شُيُوخ الرسَالَة فِي جَانب الْحرم وَأَنا فِي جَانِبه الآخر مَا كنت أهتز إِلَى مَا عِنْدهم لما ملاني بِهِ الشريف يَعْنِي بِهِ عبد الله ﵁ وَحكي أَنه كَانَ سَبَب أنتقاله إِلَى مَكَّة مَا رُوِيَ أَن شيخة الشَّيْخ عبد الله العيدروس قَالَ من حصل كتاب الْأَحْيَاء وَجعله فِي أَرْبَعِينَ جُزْء ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة فسرع الْخلق إِلَى ذَلِك وَكَانَ الشَّيْخ عبد الله أَبَا كثير الْمَذْكُور مِمَّن حصله وَجعله فِي أَرْبَعِينَ جُزْءا وَجعل لكل جُزْء كيساً وزينه فِي أَوله زِيَادَة على مَا شَرطه الشَّيْخ فَلَمَّا اتاه بِهِ وَرَآهُ

стр. 113

قَالَ انك قد زِدْت فِيهِ فَيحْتَاج لَك زِيَادَة على الْجنَّة فتمن مَا تُرِيدُ فَقَالَ أُرِيد أَن أرى الْجنَّة فِي هَذِه الدَّار فَأَجَابَهُ الشَّيْخ إِلَى ذَلِك وَقَالَ لَا يمكنك االجلوس بعْدهَا عِنْدِي فَأمره بالعزم إِلَى مَكَّة والمجاورة بهَا فعزم إِلَيْهَا وَأقَام إِلَى ان توفّي بهَا ولقى جمَاعَة من الْعلمَاء وَأَجَازَهُ بَعضهم بالافتاء والتدريس فتصدى لذَلِك ونثر ونظم وَمن ذَلِك الدَّار اللوامع فِي نظم جمع الْجَوَامِع وتتمة التَّمام وَسَفك المدام فِي عقائد أهل الْإِسْلَام وقرظها لَهُ جمَاعَة وَهُوَ كثير الْفَوَائِد وَكَانَ من فضلاء مَكَّة وَعين المدرسين فِيهَا مَعَ الزّهْد وَالصَّلَاح وَالتَّعَفُّف وَالِاحْتِمَال والسكون والأنجماع عَن أنباء الدُّنْيَا وَخلف اولاداً ذُكُورا وأناثاً نَحْو الْعشْرَة وَمن شعره ... من كَانَ يعلم أَن كل مشَاهد ... فعل الْإِلَه فَمَا لَهُ أَن يغْضب بل وَاجِب أَن يرتضي مَا شاهدت ... عَيناهُ من ذَاك الفعال ويطربا ... سنة سِتّ وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٦ هـ وَفِي ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء من ذِي الْحجَّة عَام سِتّ وَعشْرين توفّي الشهَاب الْفَاضِل أَحْمد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عِيسَى بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن مُسلم الشهَاب ابْن المبذر الْمَكِّيّ وَيعرف كأبيه بِابْن العليف بِضَم الْعين تَصْغِير علف بِمَكَّة فَجهز فِي ظهر تَارِيخه وَدفن بالمعلاة وَخلف ولدا وبنتين ولد فِي جُمَادَى الأولى سنة أحدى وَخمسين وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة ونشا بهَا فحفظ القرأن والألفية النحوية وَالْأَرْبَعِينَ النواوية وعرضهما وَالْكثير من الْمِنْهَاج وَسمع بِمَكَّة على التقي أبن فَهد وَولده النَّجْم والزين عبد الرَّحِيم الأسيوطي وَأبي الْفضل الْمرْجَانِي وَيحيى الْعلم ولازم النُّور الفاكهي فِي دروسه الْفِقْهِيَّة والنحوية وبالقاهرة على الشهَاب الشادي وَحضر عِنْد الخيضري بل سمع الشِّفَاء على الْجَوْجَرِيّ وَأخذ عَن الْعباد والجوجري وَآخَرين بِالْقَاهِرَةِ فقد دَخلهَا مرَارًا قَالَ السخاوي وَكنت مِمَّن أَخذ عَنهُ بهَا وبالحرمين وتلا الْكثير لأبي عَمْرو على عمر البُخَارِيّ وَحضر دروس القَاضِي عبد الْقَادِر فِي

стр. 114

الْعَرَبيَّة قَالَ السخاوي وتكسب بالنساخة مَعَ عقل وتودد وَحسن عشرَة وتميز وَرُبمَا نظم مَا يَقع لَهُ فِيهِ الْجيد وَمَعَ ذَلِك لم يسلم مِمَّن يعاديه بل كَاد أَن يُفَارق الْمَدِينَة لذَلِك قَالَ واغلب أقامته الْآن بِطيبَة على خير وانجماع وتقلل وَنعم الرجل قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَبعد الْمُؤلف بَاعَ دَاره وَسكن مَكَّة وَتزَوج فِيهَا ورزق بنتين وَكَانَ انتصر للمؤلف على الشَّيْخ جلال السُّيُوطِيّ بالشهاب الهاوي على منشي الكاوى ثمَّ المنتقد اللوذعي عَليّ الْمُجْتَهد الْمُدَّعِي وَألف لسلطان الرّوم أَبَا يزِيد بن عُثْمَان الدّرّ المنظوم فِي مَنَاقِب سُلْطَان الرّوم ومدحه وَغَيره من أقرانه فرتب لَهُ خمسين دِينَارا فِي كل سنة فتجمل بهَا ومدح صَاحب مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات بن مُحَمَّد الحسني فقتصر على مدحه وحظي عِنْده لبلاغته حَتَّى صَار متنبي زَمَانه ثمَّ أُصِيب بِكَثْرَة الاسقام فِي آخر عمره حَتَّى مَاتَ ﵀ وَمن نظمه الْحسن هَذِه القصيدة الْعَظِيمَة الْمُشْتَملَة على الفصاحة التَّامَّة والامثال العجيبة وَهِي ... خُذ جَانب الْعليا ودع مَا يتْرك ... فرضى الْبَريَّة غَايَة لَا تدْرك وَاجعَل سَبِيل الذل عَنْك بمعزل ... فالعز أحسن مَا بِهِ يسْتَمْسك وامنح مودتك الْكِرَام فَرُبمَا ... عز الْكَرِيم وَفَاتَ مَا يسْتَدرك وَإِذا بَدَت لَك فِي عَدوك فرْصَة ... فافتك فَأن أَخا الْعلَا من يفتك ودع الْأَمَانِي للغبي فأنما ... عَقبي المنى للْحرّ دَاء مهلك من يَقْتَضِي سَببا بِدُونِ عَزِيمَة ... ضلت مذاهبه وَعز الْمدْرك تعست مداراة الْعَدو فانها ... دَاء تحول بِهِ الجسوم وتوعك لَا يدْرك الْعليا إِلَّا من لَهُ ... فِي كل حَيّ من عداهُ منسك ندب عريق لَا يرام مرجب ... ضرب جزيل فِي الْأُمُور محكك ذُو هضبة لَا ترتقى وشكيمة ... عزت يدين لَهُ الألد الأمحك إِلَّا فَاتْلُ عِنْد الحفيظة راية ... لَكِن بتجريب الزَّمَان محنك فاركب سَنَام الْعِزّ فِي طلب الْعلَا ... حتام تسكن والنوى يَتَحَرَّك وأستفرغ المجهود فِي تَحْصِيل مَا ... فِيهِ النُّفُوس تكَاد جبنا تهْلك وَإِذا نبا بك منزلا فانبذ بِهِ ... ودع المطية تستقل وَيتْرك ...

стр. 115

.. وأرغب بِنَفْسِك أَن ترى فِي ساحة ... يسقى بهَا الْحر الْكَرِيم المرتك وأرتحل عَن الأوطان لَا مستعظما ... خطراً وَلَو عز المدى والمسلك فالحر يُنكر ضد مَا يعتاده ... ويميط ثوب الذل عَنهُ ويبتك وَإِذا تغشاه الهوان ببلدة ... يابي الْأَذَى أَو سيم خسفاً يفلك وَمَتى تنكرت المعارف خلته ... يثني الْعَنَان عَن الديار ويعتك لَا خير فِي دَار يضام بهَا الْفَتى ... والى سواهَا لَا يمِيل وَيتْرك وفتى تقاضته المساعي نَفسه ... فغدا يمنيها الْقَضَاء ويمعك بهوى النَّفس لَا تكون عزيزة ... وَلها إِلَى طرق الْمَعَالِي مَسْلَك ولواجد سبل الْكِرَام وَلم يزل ... يغضي الجفون على القذى ويفتك والمرء يعْذر أَن سعى وتعذرت ... عَنهُ المساعي أَو حواه المهلك تبت يَد الْأَيَّام تلقى للفتى ... سلما يُسلمهُ يَد مَا تملك يبكي اللبيب على تقاعس حَظه ... حينا ويطمعه الرَّجَاء ويضحك لَكِن تغامره قد دونهَا ... عَن حَوْضه فغدا لَدَيْهَا يفرك سميتها فِي القنع أَعلَى غارب ... فغدت بِذرْوَةِ عزه تتورك وسقيتها عللاً على نهل بِهِ ... وتركتها ترْضى عَلَيْهِ وترمك عجبا لمن سر الزَّمَان وَأَهله ... فغدا بتعليل المطامع يمسك وَلمن لَهُ فضل يمن بِهِ فَلَا ... يسمو على هام السماك ويسمك حَتَّى مَتى أطوي اللَّيَالِي بالمنى ... وَالْجد ينهضني وجدي يبرك ويجول فكري فِي لَعَلَّ وَأُخْتهَا ... ويحول دونهمَا زمَان أنوك وينالني بِالنَّقْصِ غمر مَاله ... فِي الْفضل سهم مثل سهمي يُشْرك لَا صاحبتني نفس حر لم تكن ... نزاعة فِيمَا ينَال وَيتْرك هَل فِي القشية أَن أرى متقابلاً ... أحكي القوافي للئام وأحتك وأبيت أنسج من سرابيل الثنا ... حللاً على طول المدى لَا تدعك أكسو بنائله تخال وُجُوههم ... بالملح حَال الْمَدْح غيظاً تعرك واغوص عَن در النظام بهمة ... وأصوغ من تبر الْكَلَام واسبك فِي كل فدم لَا سليم يرتجى ... يرضيك مِنْهُ القَوْل وَهُوَ من وتك متغافل عَن فطنه مستبطن ... لوماً كثير الْخَيْر وافه حوتك هلا فَتى فِي الْمجد يقصر دونه ... مَعَ طول غايتها الْجبَال السّمك ...

стр. 116

.. سمح على العلات بَحر فِي الندا ... يحيى بِهِ در القريض المهتك مَاتُوا بناة الْمجد والعز الأولى ... كَانُوا بِطيب ثناءهم يسْتَمْسك النازلين من المكارم منزلا ... بترابه يتبرك المتبرك وَنَكَصت فِي حل أجل نواله ... وعد يؤكده بقول يعفك فعلام لَا ألوي رجائي عَنْهُم ... نَاسا وَفِي جَنْبي قلب دكدك وَأرى بِرَأْي يَقْتَضِي ذُو همة ... لَا يسْتَقلّ بهَا اللَّئِيم الممسك لَو لم يعارضني زمَان عَاشر ... فِيهِ وحظ حِين أعدو أشوك لله عصر بت أطوي عَتبه ... مني على تِلْكَ وَقد لَا أحبك وأشوبه عود الضَّمِير مغالطاً ... فينلني وَعدا عَلَيْهِ وينسك ويطيل بالتسويف فِي تَقْصِيره ... حلفا ويرميني بخصم يمحك لَا كنت من أولي الْفَضَائِل منتم ... للفضل أفعل مَا أروم وأترك كلا وَلَا كَانَت كرام ابوتي ... أهدي إِلَيْهِ ولَايَة تتنسك أَيْضا وَلَا منعت من أربى بهَا ... فِي موقف عِنْد التنافر يفتك أَن لم أرد النَّفس عَن أتيانه ... وأنال مِنْهُ مَا ينَال الْمدْرك وَلَقَد نَدِمت على مديحي معشراً ... ندما يضل الدمع مِنْهُ يسبك وذممت دهري اذ غَدا متغافلاً ... عني وَصَارَ باهله يتحكك دهراً مَتى أوسعت فِيهِ أَهله ... ذماً بِبَاب والمدائح توفك قلدت فِيهِ الدَّهْر غير نفيسه ... وسلكته فِي مَوضِع لَا يسْلك لَو لم يكن فِيمَا أَذمّ لأَجله ... إِلَّا معاصرة اللئام وأفرك فَمَتَى أسمو مَكَاني مثلهَا ... فلبئس دامكة تَجِيء وتدمك لَيْت المكارم لَو تكن مَقْصُودَة ... فِي كل ذِي قذر وضيع ينبك قسما بِنَفس بِالزَّمَانِ قَصِيرَة ... وبحرمة الْأَدَب الَّتِي لَا يهتك لَوْلَا أشتغال الْخطب فِي جهاله ... عني لَكُنْت لكل فضل أملك ... وفيهَا أَخذ السُّلْطَان بدر رَحمَه الله تَعَالَى تريم قسرا من السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد وَفِي ضحى يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر شهر ذِي الْقعدَة توفّي الْفَقِيه الْفَاضِل الأديب البارع حَمْزَة بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي بكر ابْن عَليّ بن مُحَمَّد النَّاشِرِيّ بِمَدِينَة زبيد وَدفن بمقبرة سلفة الصَّالح بِبَاب

стр. 117

سِهَام قَرِيبا من آل مَرْزُوق وقبر إِسْمَاعِيل الجبرتي وَكَانَت وِلَادَته ثَالِث عشر شَوَّال من سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَأخذ الْفِقْه والْحَدِيث عَن الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ مُصَنف الْإِيضَاح على الْحَاوِي وَعَن وَلَده قَاضِي الْقُضَاة عبد الله والعلامة مُحَمَّد بن أَحْمد حميش وَغَيرهم وَرُوِيَ عَن القَاضِي مجد الدّين الشِّيرَازِيّ صَاحب الْقَامُوس والفقيه مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح الْمدنِي وَأَجَازَهُ شيخ الْإِسْلَام شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي صَاحب فتح الْبَارِي وَكتب لَهُ بِالْإِجَازَةِ هُوَ وعلماء مصر كالشيخ زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ الْجَوْجَرِيّ والسيوطي وَابْن أبي شرِيف وَغَيرهم من عُلَمَاء مصر وَمن الْحجاز الْحَافِظ أَبُو الْخَيْر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السخاوي وَله مصنفات حَسَنَة غَرِيبَة مِنْهَا الْأَرْبَعُونَ التهليلية ومسالك التحبير من مسَائِل التَّكْبِير ومختصره التحبير فِي التَّكْبِير وانتهاز الفرص فِي الصَّيْد والقنص وَكتاب النَّبَات الْعَظِيم الشَّأْن الْمُسَمّى حدائق الرياض وغوضة الْفَيَّاض وعجائب الغرائب وغرائب الْعَجَائِب والبستان الزَّاهِر فِي طَبَقَات عُلَمَاء آل ناشر ذيل بِهِ على مؤلف قَرِيبه وَالنعْمَة المشكورة فِي الْمسَائِل المنثورة وسالفة العذار فِي الشّعْر المذموم وَالْمُخْتَار وَله الفية فِي غَرِيب الْقُرْآن وَغير ذَلِك وَمن مؤلفاته أَيْضا مجموعاً حسنا مُفِيدا فِي بَابه فِي الْفِقْه يُسمى مَجْمُوع حَمْزَة وَذَلِكَ من فتاوي عُلَمَاء الْيمن وغالبه من فتيا عُلَمَاء زبيد رَحمَه الله تَعَالَى آمين وغالب مؤلفاته لم تبيض قلت ووقفت لَهُ على قصيدة فِي رُوِيَ لَام ألف فِي مَنَافِع البن ذكر فِيهِ نيفاً وَسبعين خاصية وعدتها نَحْو الْخمسين بَيْتا وَمِنْهَا ... كل البن لَا تعدل بَيْنك تنبلا ... لتعلو بِهِ بَين الانام وتنبلا ... وأشتهر باللطافة وَكَثْرَة الزواج ورزق كثيرا من الاولاد مَاتَ غالبهم وَكَانَ ضَعِيف الْحَال عَظِيم الْمِقْدَار قَوِيا فِي نَفسه والتمتع بحواسه وَلَقَد قَارب الْمِائَة وَهُوَ يفتض الْأَبْكَار وَيسْتَعْمل الحرارات القوية الْمعينَة على النِّكَاح إِلَى أَن قضي نحبه وَحط سلبه وتفقه بِهِ خلائق كَثِيرُونَ كإسماعيل

стр. 118

أبن أبراهيم الْعلوِي وأخيه أَحْمد والحافظ بن الرّبيع وَأبي البركات النَّاشِرِيّ وأخيه حَافظ الدّين عبد الْمجِيد وَغَيرهم وَمن شعره فِي الفل الْأَبْيَض ... زهور الفل تنظرها ابتهاجا ... نجوماً زاهرات فِي غِيَاض وَمَا غربت نُجُوم اللَّيْل لَكِن ... نقلت من السَّمَاء إِلَى الرياض ... وَله فِيهِ ... أنظر إِلَى الفل فِي الأغصان وَالْوَرق ... ونزه الطّرف فِي رُؤْيَاهُ بالحدق تزهو حديقته فخراً ببهجتها ... فِي رَفْرَف أَخْضَر أَو أَبيض يقق كَأَن خضرتها والفل حِين بدا ... صحن السَّمَاء وَفِيه أنجم الْأُفق ... وَمن شعره فِي الانيج ... ومصفرة الملاة قد جناني ... رحيق الشهد من رشف المحاج أشبه شامة حَمْرَاء عَلَيْهِ ... بِفضل الْخمر فِي كأس الزّجاج ... وَله فِيهِ ... إِذا نظرت إِلَى الْعِنَب اتحسبه ... جَاما من التبر فِيهِ فص ياقوت أَو خد غانية يحمر من خجل ... أَو قرص عاشقه أدماه كالتوت ... ولي فِي الانيج ... يَا صَاح أَن الْعِنَب لَهُ لَذَّة ... تفوق لذات الْفَوَاكِه وَالثِّمَار وَوقت أتيانه لَا تنسه ... فَهُوَ الَّذِي ينسيك ذَات الاستار ... ولي فِيهِ ... أَيَّام الْعِنَب قدست يَا أَيَّام ... أذكرتني الرَّاحَة وَتلك الْأَعْلَام بذلتي الرَّضَاع للنَّاس دهراً ... وَمَا مفجعهم مِنْك إِلَّا الْفِطَام ... ولي فِيهِ ... الْعِنَب سُلْطَان الثِّمَار ... وَمَا سواهُ الْحَاشِيَة فلونه المحمر يَحْكِي ... حسن خد الغانية وريحه الْعطر يزري ... بِكُل طيب وغالية ...

стр. 119

سنة سبع وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٧ هـ وَفِي سنة سبع وَعشْرين توفّي الْأَمِير مرجان الظافري وتولي بعده الشَّيْخ عبد الْملك بن طَاهِر وَهَذَا مرجان هُوَ الَّذِي عمر قبَّة العيدروس بعدن وَهُوَ مدفون مَعَه فِيهَا وَكَانَت لَهُ عقيدة كَامِلَة وَحسن ظن زَائِد فِي العيدروس نفع الله بِهِ وَلَقَد قَالَ عِنْدَمَا ذكرت عِنْده كراماته قدس الله روحه لَو شِئْت أَن أملي من كراماته مجلدا لأمليت نقل ذَلِك الْعَلامَة بحرق ﵀ فِي كِتَابه مواهب القدوس فِي مَنَاقِب ابْن العيدروس وَكَانَ الْأَمِير مرجان مَشْهُورا بالشجاعة وَالْكَرم متصفاً بمحاسن الْأَوْصَاف والشيم وَيَكْفِي فِي فَضله الْعَظِيم أَن الْفَقِيه بحرق قَالَ فِي وَصفه الْكَرِيم الْأَمِير الْمُؤَيد بِتَوْفِيق الله تَعَالَى وعنايته المسدد بِحِفْظ الله ورعايته الَّذِي فتح الله بِنور الْإِيمَان عين بصيرته وطهر عَن سوء العقيدة بَاطِن سَرِيرَته وَصَارَ معدوداً من الْأَوْلِيَاء لموالاته لَهُم بَاطِنا وظاهراً وَحَازَ من بَين الْوُلَاة والحكام من التَّوَاضُع لله والرفق بالفقراء وَالْمَسَاكِين حظاً وافراً مرجان بن عبد الله الظافري لَا زَالَ على الْأَعْدَاء ظَاهرا وَإِلَى مرضاة مَوْلَاهُ مبادراً وفيهَا طلب الشَّيْخ عبد الله بن طَاهِر جدي الشَّيْخ عبد الله العيدروس إِلَى عدن المحروس فَسَار إِلَيْهِ من بَلْدَة تريم وَأقَام عِنْده مُدَّة نَحْو سِتّ سِنِين على غَايَة التَّعْظِيم ثمَّ رَجَعَ إِلَى تريم سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة ثَمَان وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٨ هـ وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين توفّي الْعَلامَة مُحَمَّد بن أسعد جلال الدّين الصّديق الدواني بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَخْفِيف النُّون نِسْبَة لقرية من كازرون الكاروني الشَّافِعِي القَاضِي بإقليم فَارس الْمَذْكُور بِالْعلمِ الْكثير وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ المحيوي اللاري وَحسن بن الْبَقَّال وَتقدم فِي الْعُلُوم سِيمَا العقليات وَأخذ عَنهُ أهل تِلْكَ النواحي وَارْتَحَلُوا إِلَيْهِ من الرّوم وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر ذكره السخاوي فِي ضوئه قَالَ وَسمعت الثَّنَاء عَلَيْهِ من جمَاعَة مِمَّن أَخذ عني فاستقره السُّلْطَان يَعْقُوب فِي الْقَضَاء وصنف الْكثير من ذَلِك

стр. 120

شرح على شرح التَّجْرِيد للطوسي عَم الِانْتِفَاع بِهِ وَكَذَا كتب على العضدي مَعَ فصاحة وبلاغة وَصَلَاح وتواضع وَهُوَ الْآن فِي سنة تسع وَتِسْعين حَيّ ابْن بضع وَسبعين انْتهى وفيهَا سُئِلَ الْحَكِيم بدر الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد القوصوني بِمَا صورته مَا قَوْلكُم رَضِي الله عَنْكُم ونفع بعلومكم الْمُسلمين فِي القهوة هَل أستعمالها مُضر أم نَافِع وَهل طبعها الْحَرَارَة أم الْبُرُودَة أم اليبوسة أم الرُّطُوبَة وَإِذا قُلْتُمْ بِأَن اسْتِعْمَالهَا نَافِع فَمَا الْقدر النافع مِنْهَا وَمَا المضر وَهل الاكثار مِنْهَا ضار أم لَا وَهل فِيهَا تَقْوِيَة للباه أم لَا وَهل اسْتِعْمَالهَا على الشِّبَع مُضر أم نَافِع وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالهَا على الْجُوع هَل هُوَ مُضر أم نَافِع وَهل فِيهَا هضم وَهل اسْتِعْمَالهَا حارة أولى من اسْتِعْمَالهَا فاترة أم عَكسه وَهل يُضَاف إِلَيْهَا شَيْء من الْأَشْيَاء عِنْد طبخها أم لَا افتونا مَأْجُورِينَ أثابكم الله الْجنَّة فَأجَاب الْحَمد الله لم أجد ذكرا للبن فضلا عَن القهوة فِي شَيْء من كتب الطِّبّ الَّتِي طالعتها واطلعت عَلَيْهَا وَالَّذِي نتكلم فِيهِ الْآن إِنَّمَا هُوَ بِحَسب مَا ظهر لنا من آثارها بطرِيق التجربة فَأَما هَل اسْتِعْمَالهَا مُضر أم لَا فَنَقُول إِنَّه لَيْسَ يمكننا الحكم على دَوَاء من الْأَدْوِيَة بِأَنَّهُ نَافِع مُطلقًا وَلَا بِأَنَّهُ ضار مُطلقًا فِي كل حَال بل أَن أثبتنا لَهُ نفعا فِي بعض الْأَحْوَال فَلَا يُنَافِي ذَلِك أَن يكون لَهُ مضرَّة فِي حَالَة أُخْرَى وَأَن يكون غَيره أَنْفَع مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال ونوضح ذَلِك بمثال فَنَقُول الدرياق الْفَارُوق قد اجْمَعْ الْأَطِبَّاء أَنه أعظم الْأَدْوِيَة وَمَعَ ذَلِك لَا يُمكن أَن يُقَال بنفعه مُطلقًا وَفِي كل حَال بل بعض الْأَدْوِيَة المبردة كبزر قطونا للمحموم مثلا أَنْفَع مِنْهُ بِكَثِير فَبَقيَ أَن يُقَال إِن القهوة كَغَيْرِهَا من الْأَدْوِيَة لَهَا نفع فِي بعض الْأَحْوَال فَأَما طبع القهوة فَنَقُول إِن فِي الكيفيتين الفاعلتين أَعنِي الْحَرَارَة والبرودة فَالظَّاهِر أَنَّهَا معتدلة ومائلة إِلَى الْبرد قَلِيلا وَلَا يبعد أَن يكون لَهَا جُزْء حَار بِهِ يكون الهضم وَنَحْوه من أفعالها فَإِن كثيرا من الْأَدْوِيَة كَذَلِك وَأما فِي الكيفيتين المنفعلتين فتجدها مائلة إِلَى جَانب اليبس لأَنا نجدها تجفف الْأَبدَان وَتغَير أَصْحَاب الْأَمْرَاض الْيَابِسَة

стр. 121

وَأما الْقدر النافع مِنْهَا فَهُوَ مُخْتَلف بِحَسب مزاج مستعملها وَأما هَل الْإِكْثَار مِنْهَا مُضر فقد قَالَ الْأَطِبَّاء إِن كل كَثْرَة عَدو للطبيعة وَلَا شكّ أَن الْإِكْثَار من القهوة مُضر خُصُوصا بذوي الأمزجة الْيَابِسَة وَأما هَل فِيهَا تَقْوِيَة للباه فَنَقُول لَا نبعد ذَلِك بِوَاسِطَة تجفيفها للرطوبات المرطبة للأعصاب فَيكون ذَلِك بطرِيق الْعرض وَأما هَل اسْتِعْمَالهَا على الشِّبَع مُضر فنقلول قد نهى الْأَطِبَّاء عَن اسْتِعْمَال سَائِر المشروبات عقب اسْتِعْمَال الْغذَاء لما يفجج الْغذَاء وينفذه قبل انهضامه لَكِن الْقَلِيل من المشروبات خُصُوصا الْمعينَة على الهضم كالقهوة وَنَحْوهَا نافعة بِشَرْط أَن لَا تبلغ إِلَى حد تنفذ الْغذَاء إِلَى فجاجته وَأولى مَا اسْتعْملت القهوة بعد أَخذ الْغذَاء فِي حَالَة الانهضام فَأَما على الْجُوع فمجففة تَنْفَع أَصْحَاب الأمزجة الْبَارِدَة الرّطبَة وَتغَير المهزولين ويابسي الأمزجة واستعمالها فاترة أولى لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تكون ألذ طعماً وَأقوى على النّفُوذ وَأما هَل أَنه يُضَاف إِلَيْهَا دَوَاء عِنْد الطَّبْخ فَنَقُول لَا يتَعَذَّر أَن يُضَاف إِلَيْهَا أدوية مصلحَة لمزاجها مقوية لافعالها لَكِن تخرج عَن كَونهَا قهوة وَتدْخل فِي جملَة الادوية النافعة وَلَكِن الأولى أَن يُضَاف إِلَيْهَا شيئ من السكر أَو الْعَسَل لباردي المزاج ليعين ذَلِك على نفوذها وَالله أعلم قَالَه بدر الدّين مُحَمَّد القوصوني فِي الْمحرم سنة ٩٣٨ هـ سنة تسع وَعشْرين بعد التسْعمائَة ٩٢٩ هـ وَفِي سنة تسع وَعشْرين توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بالحاج أَبَا فضل وَكَانَ مولده يَوْم الْجُمُعَة خَامِس شَوَّال من سنة سبع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وتفقه بِأَبِيهِ وبالفقيه مُحَمَّد بن أَحْمد فضل وَأخذ عَن قَاضِي الْقُضَاة الْعَلامَة يُوسُف بن يُونُس الْمقري القَاضِي أَحْمد بن عمر المزجد وَغَيرهمَا وبرع وتميز وتصدر للإفتاء والتدريس فِي زمَان وَالِده وَكَانَ مُتَوَلِّيًا الاعادة فِي درس الْجَامِع فِي زمَان وَالِده وَلما مَاتَ وَالِده خَلفه وَصَارَ فِي عين الْمَكَان وَكَانَ فَقِيها فَاضلا حسن الاستنباط قوي الذِّهْن شرِيف النَّفس

стр. 122

وَكَانَ وَالِده يعظمه ويثنى عَلَيْهِ وَيُشِير إِلَيْهِ بالمعرفة فِي الْفِقْه وَحج مرَارًا وَاجْتمعَ فِي حجَّته الْأَخِيرَة بالشيخ الْعَالم الصَّالح مُحَمَّد بن عراق وَكَانَ من رجال الطَّرِيق الْمَشَايِخ التَّحْقِيق فصحبه ولازمه وتسلك على يَده وَكَانَ سخياً كثير الصَّدَقَة وَفعل الْمَعْرُوف محباً للصالحين والفقراء حسن العقيدة فيهم كثير المواصلة لَهُم مواضبا على الطَّاعَة وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى اسْتشْهد فِي معركة الْكفَّار لما دخل الافرنج الشحر وَقتلُوا الْأَمِير مطران وَغَيره وأسروا ونهبوا وَذَلِكَ بعد فجر يَوْم الْجُمُعَة عَاشر شهر ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن عِنْد وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما آمين آمين وَله من التصانيف نكت على روض الْمقري فِي مجلدين لطيفين وَله نكت على الارشاد فِي مجلدين لطيفين أَيْضا وَله تصنيف حسن فِي بَابه مُفِيد جدا وَله أَيْضا كتاب مشكاة الْأَنْوَار وَهُوَ غَايَة الْحسن كثير النَّفْع وَكَفاهُ شرفاً أَن مُؤَلفه قَالَ فِي وَصفه فِي أثْنَاء وَصيته وَعَلَيْك بالأوراد الَّتِي علقتها فِي كراريس سميتها مشكاة الْأَنْوَار عَلَيْك بهَا عَلَيْك بهَا فَانِي ضمنتها وَالله الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي هُوَ اكسير الْأَوْلِيَاء وَلَكِن لَا يظْهر إِلَّا بالمداومة مَعَ الصيانة والديانة والعفة والسلامة من الْوُقُوع فِي الشُّبُهَات والشهوات عَلَيْك بِحِفْظ مَا فِيهَا عَن ظهر الْقلب وَله وَصِيَّة مختصرة وَمن كَلَامه من كَانَ همه المعالف فَاتَتْهُ المعارف وَكَأن يعظم السَّادة الْأَشْرَاف ال أَبَا علوي جدا وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ طفت كثيرا من الْبلدَانِ كمكة المعظمة وَالْمَدينَة المشرفة واليمن والأنيس وَغَيرهَا وَنظر كثيرا من الْحجَّاج مِمَّن يفد إِلَى بَيت الله الْحَرَام من أَطْرَاف الْبِلَاد وَسَائِر الْآفَاق وَسَأَلت غير وَاحِد من الثِّقَات فَمَا ذكرُوا لي وَلَا وجدت فِي الاشراف مثل آل أَبَا علوي وطريقتهم فِي الاسْتقَامَة والاتباع للْكتاب وَالسّنة وَمِمَّا كتب بِهِ إِلَى بعض السَّادة آل ابا علوي من جملَة مَكْتُوب مَا صورته فَأنْتم أهل الْفضل والاحسان ومعدن سر النُّبُوَّة والفضائل والفتوة قليلكم كثير حقيركم جليل ضعيفكم قوي مسكينكم غَنِي وَلَكِن أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ أَوْصَاف غَيْركُمْ طارئة وكمالاتكم ذاتية كَيفَ يبلغ شأو الذَّات فَضِيلَة الصِّفَات

стр. 123

هَذَا إِن صحت كَيفَ وَقد سَاق الله لكم الكمالين نَعُوذ بِاللَّه من الْجَهْل بِمَعْرِِفَة حقكم انْتهى سنة ثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة ٩٣٠ هـ فِي فجر يَوْم الْأَحَد شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ إِمَام شيخ الْإِسْلَام الْعَلامَة ذُو التصانيف المفيدة والفتاوي السديدة الْمجمع على جلالته وتحريه وورعه اقضى قَضَاهُ الْمُسلمين أوحد عباد الله الصَّالِحين صفي الدّين أَبُو السرُور القَاضِي أَحْمد بن عمر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن القَاضِي يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن حسان بن الْملك سيف بن ذِي يزن المدحجي السيفي الْمرَادِي شهَاب الدّين الشهير بالمزجد بميم مَضْمُومَة ثمَّ زاء مَفْتُوحَة ثمَّ جِيم مُشَدّدَة مَفْتُوحَة ودال مُهْملَة آخر الْحُرُوف الشَّافِعِي الزبيدِيّ ببلدة زبيد وَصلي عَلَيْهِ بجامعها الْكَبِير وَدفن بِبَاب سِهَام وقبره قبلي تربة الشَّيْخ عَليّ افلح وَلم يخلف بعده مثله رَحمَه الله تَعَالَى ونفعنا بسره وسر علومه ورثاه جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء والأدباء من تلامذته ومعاصريه وَعظم الأسف عَلَيْهِ وَكَانَ من الْعلمَاء الْمَشْهُورين وَبَقِيَّة الْفُقَهَاء الْمَذْكُورين وَاحِد الْمُحَقِّقين المعتمدين المرجوع إِلَيْهِم فِي النَّوَازِل المعضلة والحوادث المشكلة وَكَانَ على الْغَايَة من التَّمَكُّن فِي مَرَاتِب الْعُلُوم الإسلامية من الْأُصُول وَالْفُرُوع وعلوم الْأَدَب وَذكروا لَهُ كرامات وَهُوَ الَّذِي افتى بحلية البن والقهوة ولد رَحمَه الله تَعَالَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بِجِهَة قَرْيَة الزبيدية وَنَشَأ بهَا وَحفظ جَامع المختصرات ثمَّ اشْتغل فِيهَا على أبي الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد بن مريفد ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْفَقِيه بن عجيل فَأخذ فِيهَا على شيخ الْإِسْلَام إِبْرَاهِيم بن أبي الْقَاسِم جغمان والطاهر بن أَحْمد بن عمر جغمان وَأخذ أَيْضا عَن القَاضِي عبد الله بن الطّيب النَّاشِرِيّ وَقَالَ تِلْمِيذه شمس الدّين النَّاشِرِيّ لقد سَمِعت شَيخنَا شهَاب الدّين الْمشَار إِلَيْهِ يَقُول مَا دخلتني هَيْبَة من أحد قطّ كَمَا كَانَت تدخلني بَين يَدي إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور انْتهى

стр. 124

ثمَّ ارتحل إِلَى زبيد واشتغل فِيهَا بالفقه على الْعَلامَة أبي حَفْص عمر الْفَتى وَنجم الدّين يُوسُف الْمقري بن يُونُس الجباي وَبِهِمَا تخرج وانتفع وَأخذ الْأُصُول عَن السفيكي والجبائي والْحَدِيث عَن الْحَافِظ يحيى العامري وَعَن الصّديق الطّيب المطيب والحساب والفرائض عَن موفق الدّين النَّاشِرِيّ والعلامة الْحُسَيْن الصباحي بتعز وَغَيرهم وبرع فِي عُلُوم كَثِيرَة وتميز فِي الْفِقْه حَتَّى كَانَ فِيهِ أوحد وقته وَمن مصنفاته الْمَشْهُورَة فِي الْفِقْه الْعباب وَالْمُحِيط بمعظم نُصُوص الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب وَهُوَ كاسمه وكما وَصفه جَامعه ﵀ إِذْ قَالَ شعر ... إِلَّا أَن الْعباب أجل سفر ... من الْكتب الْقَدِيمَة والجديده كتاب قد تعبت عَلَيْهِ دهراً ... وخضت لجمعه كتبا عديده وَقربت القصي لطالبيه ... وَقد كَانَت مسافته بعيده وغصت على الخبايا فِي الزوايا ... فها هِيَ فِيهِ بارزة عتيده وَكم قد رضت فِيهِ جِيَاد فكري ... وَمَرَّتْ لي بِهِ مدد مديده إِلَى أَن بلغ الرَّحْمَن مِنْهُ ... مرادي من مواهبه المديده فدونك كنز علم لست تلقى ... مدى الْأَزْمَان فِي الدُّنْيَا مديده وثق بِجَمِيعِ مَا فِيهِ فَانِي ... منحت الْعلم فِيهِ مستفيده إلهي اجْعَلْهُ لي ذخْرا وضاعف ... ثوابي من عطاياك الحميده وجد بقبوله وَاجعَل جزائي ... رضاك وجنة الْخلد المشيده بجاه مُحَمَّد خير البرايا ... وتنقذهم عَن الكرب الشديده وصل مُسلما أبدا عَلَيْهِ ... وَعم جَمِيع عترته السعيده ... وَهُوَ على أسلوب الرَّوْض جمع فِي مسَائِل الرَّوْض ومسائل التَّجْرِيد وَهُوَ كتاب عَظِيم جَامع لأكْثر أَقْوَال الإِمَام الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وأبحاث الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم على الْغَايَة من جزالة اللَّفْظ وَحسن التَّقْسِيم وَلَقَد اشْتهر هَذَا الْكتاب فِي الْآفَاق وَوَقع على حسنه ونفاسته الاجماع والاتفاق وَكثر اعتناء النَّاس بِشَأْنِهِ وانتفاع الطّلبَة بِهِ واغتباطهم ببيانه واعتناء غير وَاحِد من عُلَمَاء الْإِسْلَام بشرحه كالعارف شيخ الْإِسْلَام أبي الْحسن الْبكْرِيّ فانه شَرحه بشرحين صَغِير وكبير كتب الصَّغِير أَولا وَجعله

стр. 125

أصلا وميز فِيهِ الْمَتْن من الشَّرْح بخطوط سود ثمَّ كتب على الْحَوَاشِي زيادات كَثِيرَة وميزها عَن الشَّرْح الأول وَذكر أَن مَا دونهَا شرح صَغِير وَأَنَّهَا مَعَ الشَّرْح الصَّغِير شرح كَبِير قَالُوا وَخط الشَّارِح على غَايَة من الصعوبة بِحَيْثُ عجز أَكثر أَصْحَابه عَن اسْتِخْرَاج خطه وَاسْتمرّ الشَّرْح فِي المسودة لتِلْك الصعوبة ثمَّ تصدى بعض الطّلبَة لتبييض الشرحين الْمَذْكُورين فبيض حَتَّى وصل إِلَى نَحْو ثلث الشَّرْح وانْتهى ذَلِك إِلَى نَحْو من تسعين جُزْءا وَكَذَا شَرحه شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن حجر الهيتمي رَحمَه الله تَعَالَى إِلَّا أَنه لم يتم بل قَارب ثلث الْكتاب فِيمَا أَظن نعم عيب عَلَيْهِ فِيهِ قَوْله خلافًا لِلشَّيْخَيْنِ فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة وَقد تقرر أَن الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى الْآن فِي مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي هُوَ مَا اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فَإِن اخْتلفَا فالنووي لِأَنَّهُ متعقب رُبمَا ظهر لَهُ مَا خَفِي على الأول الا مَا اتّفق الْمُتَأَخّرُونَ قاطبة على أَنه سَهْو أَو غلط وَمَا عداهُ لَا عِبْرَة بِمن خَالف فِيهِ نبه على ذَلِك خَاتِمَة الْمُتَأَخِّرين شهَاب الدّين أَحْمد بن حجر الهيتمي رَحمَه الله تَعَالَى وَذكر أَن هَذَا هُوَ مَا أَخذه عَن مشايخه وهم عَن مشايخهم وَهَكَذَا انْتهى وَالله أعلم وَهُوَ فِي مُجَلد ضخم وَمِنْهَا تَجْرِيد الزَّوَائِد وتقريب الفرائد فِي مجلدين جمع فِيهِ الْفُرُوع الزَّائِدَة على الرَّوْضَة غَالِبا وَكتاب تحفة الطلاب ومنظومة الارشاد فِي خَمْسَة آلَاف وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعين بَيْتا وَزَاد على الارشاد كثيرا من الْمسَائِل والقيود ونظم أَوَائِله إِلَى الرَّهْن فِي مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ مكث نَحْو خمس عشرَة سنة ثمَّ شرع فِي تتمته فكمله فِي أقل من سنة وفتاوى جمعهَا وَلَده القَاضِي الْعَلامَة بركَة الْمُسلمين حُسَيْن بن أَحْمد المزجد ثمَّ جمعهَا ابْن النَّقِيب وَزَاد فِيهَا من تفقهاته مَا لَا غنى عَنهُ وَله غير ذَلِك وتفقه بِهِ خلائق كَثِيرُونَ مِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس الطبنداوي وَشَيخ الْإِسْلَام ابْن زِيَاد والحافظ الديبع والعلامة مُحَمَّد بن عمر بحرق وَصَالح النماري وَغَيرهم من أكَابِر الْأَعْيَان وَاخْتِلَاف أَجنَاس الطّلبَة من جِهَات شَتَّى وَله شعر حسن وَمِنْه فِي الْحصن الْحصين

стр. 126

إِذا مَا خفت من نوب الفنا ... فلازم عدَّة الْحصن الْحصين وثق بِجَمِيعِ مَا فِيهَا لتظفر ... سَرِيعا بالتخلص عَن يَقِين فقد جربتها فَوجدت فِيهَا ... أَمَان الْخَائِفِينَ من الْمنون وفيهَا برْء دَاء لَا يداوى ... تفريج عَن الْقلب الحزين وَمِنْه ... لَا تصْحَب الْمَرْء إِلَّا فِي استكانته ... تَلقاهُ سهلاً أديباً لين الْعود واحذره ان كَانَت الايام دولته ... لَعَلَّ يوليك خلقا غير مَحْمُود فَإِنَّهُ فِي مهاو من تغطرسه ... لَا يرعوي لَك أَن عادى وَأَن عودي وَقل لأيامه اللَّاتِي قد انصرمت ... بِاللَّه عودي علينا مرّة عودي ... وَمِنْه ... قلت للفقر أَيْن أَنْت مُقيم ... قَالَ لي فِي محابر الْعلمَاء إِن بيني وَبينهمْ لاخاء ... وعزيز عَليّ قطع الاخاء ... وَكَانَ ينظم فِي الْيَوْم الْوَاحِد نَحْو ثَمَانِينَ بَيْتا مَعَ الْقُيُود والاحترازات وَله مرثية عَظِيمَة فِي شَيْخه عمر الْفَتى قَالَ حفيده شيخ الْإِسْلَام قَاضِي قُضَاة الْأَنَام أَبُو الْفَتْح ابْن حُسَيْن المزجد رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ جدي رَحمَه الله تَعَالَى شرح جَامع المختصرات للنسائي فِي سِتّ مجلدات ثمَّ لما رَآهُ لم يسْتَوْف مَا حواه الْجَامِع الْمَذْكُور من الْجمع وَالْخلاف القاه فِي المَاء فاعدمه وَالله الْمُسْتَعَان قَالَ عَلامَة الْعَصْر ومفتيه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن النَّاشِرِيّ أبقاه الله تَعَالَى كَانَ القَاضِي الْمشَار إِلَيْهِ إِذا سئم من الْقِرَاءَة والمطالعة استدعى بمقامات الحريري فيطالع فِيهَا ويسميها طبق الْحَلْوَى وَولي قَضَاء عدن ثمَّ قَضَاء زبيد وباشر ذَلِك بعفة وديانة وطالت مدَّته فِيهَا وَحكي أَنه لما جَاءَ زبيد وأتى إِلَيْهِ بمعلومها قَالَ جِئْنَا من عدن إِلَى عدم وَكَأَنَّهُ وَالله أعلم كَانَ غير رَاض بِهَذِهِ الْمرتبَة لما فِيهَا من الْخطر الْعَظِيم وَذَلِكَ لكَمَال ورعه واحتياطه فِي دينه واستحقاره لزهرة الدُّنْيَا ومنصبها وَكَانَ على جَانب عَظِيم من الدّين حَتَّى قَالَ بَعضهم فِي عصره لَو جَازَ أَن يبْعَث الله نَبيا فِي عصرنا لَكَانَ أَحْمد المزجد هُوَ ذَلِك النَّبِي

стр. 127

قَالَ النماري وَلما دخلت عَلَيْهِ وشرعت فِي قِرَاءَة الْعباب لَدَيْهِ أخذتني من دهشته الهيبة وَالْعَظَمَة مَا مَنَعَنِي اسْتِيفَاء مَا كنت آلفه من الانبساط فِي حَال الْقِرَاءَة ففهم ذَلِك مني وَأخذ يباسطني بِذكر بلدي وَأَن مِنْهَا الشَّاعِر الْفُلَانِيّ الَّذِي قَالَ فِي قصيدته مَا هُوَ كَيْت وَكَيْت حَتَّى زَالَ عني ذَلِك الدهش وثابت إِلَيّ نَفسِي قلت والهيبة من عَلَامَات الْأَوْلِيَاء وَلَا يعزب عَنْك مَا مر قَرِيبا من أَنه أَي المزجد قَالَ مَا دخلتني هَيْبَة قطّ كَمَا كَانَت تدخلني بَين يَدي الْفَقِيه ابراهيم يَعْنِي شَيْخه ابراهيم بن أبي الْقَاسِم جغمان وَبِذَلِك يعلم أَنه من وَفقه الله ليعظم شَيْخه قيض الله لَهُ من يعظمه من الآخذين عَنهُ وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى ملازماً للعزلة وَالْعِبَادَة وتلاوة الْقُرْآن وَالدَّفْع بِالَّتِي هِيَ أحسن وَيشْهد لَهُ بذلك قَوْله من قصيدة ... فلازم كسر بَيْتك فَهُوَ ادّعى ... لبعدك عَن قَبِيح الاعتياد وسامح أهل عصرك واعف عَنْهُم ... وعش مستأنساً بالانفراد وَقل أقرضتكم عرضي جَمِيعًا ... وَقد ابرأتكم يَوْم الْمعَاد لكم حق عَليّ وَلَا أرى لي ... حقوقاً عنْدكُمْ هَذَا اعتقادي لِأَنِّي عبد سوء ذُو عُيُوب ... يصاح عَليّ فِي سوق الكساد ... وَقَالَ النماري شَيخنَا الْمَذْكُور أوقاته مرتبَة يَجْعَل أَوَاخِر اللَّيْل وَأول النَّهَار لدرس الْقُرْآن ثمَّ يشْتَغل بِمَا لَهُ من أوراد ثمَّ بالتفسير ثمَّ بالفقه ثمَّ يخرج إِلَى الحكم إِلَى وَقت الظّهْر ثمَّ يقيل ثمَّ يشْتَغل بالاحياء للغزالي وَنَحْوه من كتب الرَّقَائِق وَفِي آخر النَّهَار ينظر فِي التَّارِيخ إِلَى أَن يخرج لمجلس الحكم بعد صَلَاة الْعَصْر لِأَنَّهُ كَانَ يجلس للْحكم فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد انْتفع بِهِ النَّاس وَأخذ عَنهُ الطّلبَة وَاسْتمرّ على عَظمته ووجاهته حَتَّى مَاتَ فِي دولة الأروام رَحمَه الله تَعَالَى انْتهى وَحكى تِلْمِيذه العَبْد الصَّالح الْعَلامَة المفنن مُحَمَّد بحرق قَالَ رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام فِي ثغر عدن وَقت السحر وَبِيَدِهِ الْكَرِيمَة كتاب يطالع فِيهِ قَالَ فَقلت لَهُ أَلَك اطلَاع يَا رَسُول الله على تصانيف امتك فَقَالَ نعم فَقلت مَا تَقول فِي عقيدة احياء عُلُوم الدّين قَالَ

стр. 128

لابأس بهَا فَقلت هَل لَك اطلَاع على تصانيفهم الْفِقْهِيَّة قَالَ نعم وَلم أر أجزل عبارَة عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَا رَأَيْت مثل مَجْمُوع لأبي السرُور الَّذِي ضمنه الرَّوْض وَزَاد عَلَيْهِ بَاقِي مسَائِل الْمَذْهَب فَوَقع ببالي أَن الْمَجْمُوع الْمَذْكُور هُوَ الْعباب انْتهى وَكَانَ بَينه وَبَين سَيِّدي الشَّيْخ القطب شمس الشموس أَبُو بكر بن عبد الله العيدروس اتِّحَاد كلي وَلكُل مِنْهُمَا إِلَى الآخر ميل قلبِي وَكَانَت بَينهمَا محبَّة ومكاتبات ومواصلات ومراسلات ومدح هُوَ العيدروس بقصيدة سبقت فِي تَرْجَمته وَفِيه أَيْضا يَقُول العيدروس نفع الله بِهِ ... سَلام كوبل عَم ساجمه ... تفتح عَن نور الكمام مباسمه سَلام يفوق الْمسك فِي نشر عطره ... ويزرى بذوق الشهد فيَّ طاعمه على السَّيِّد الحبر الْعَلِيم شهابنا ... نواوي الْعلَا مفتي الزَّمَان وحاكمه لَهُ فِي سلوك الدّين أوضح مَنْهَج ... لَهُ من فنون الْعلم أوفى مقاسمه لكل زمَان عَالم يقْتَدى بِهِ ... وَهَذَا زمَان لَا شكّ أَنْت عالمه بمجلسه تجلى الْعُلُوم ويهتدي ... بِهِ كل حبر لَيْت من هُوَ ملازمه يفك عويص المشكلات دراية ... بديهته تبدي خَفِي مكارمه ... وَفِيه يَقُول أَيْضا من قصيدة لَهُ أُخْرَى شعر ... شهَاب الْعلَا غوث الملا هُوَ أَحْمد ... وقاضي قُضَاة الْوَقْت فِي مُدَّة الْعَصْر فَيوم لَهُ فِي الْعلم وَالْفضل والحجى ... يزِيد على أَعمار سبع من النسْر وَفِي الْعلم يم لم يزل متلاطماً ... يجل عَن الاحصاء وَالْعد والحصر ... ومناقبه كَثِيرَة وترجمته طَوِيلَة وَقد أفردها بالتصنيف حفيده القَاضِي أَبُو الْفَتْح بن الْحُسَيْن المزجد فِي جُزْء لطيف سَمَّاهُ منية الأحباب فِي مَنَاقِب صَاحب الْعباب وَإِذا تَأَمَّلت مَا أسلفناه عَنهُ من الْأَخْبَار الجميلة وَالسير الحميدة علمت أَنه من الْعلمَاء الاخيار الابرار وَلَا يُنَافِي ذَلِك مَا كَانَ متلبساً بِهِ من الْقَضَاء وَنَحْوه فقد ابتلى بِمثل ذَلِك غير وَاحِد من الْعلمَاء الصلحاء كشيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَشَيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ وحسبك أَن العيدروس نفع الله بِهِ وَصفه بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الجليلة والنعوت الجميلة

стр. 129

وَإِذا وَقع من مثل هَذَا الرجل فِيهِ مثل هَذَا القَوْل فقد أغْنى ثناءه عَن كل وصف وَالشَّهَادَة مِنْهُ خير من شَهَادَة ألف ألف وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة أَرْبَعَة أَوْلَاد عَليّ وَالْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن وكل مِنْهُم افتى فِي حَيَاة أَبِيه وَمَات مِنْهُم اثْنَان فِي حَيَاة ابيهما وهما عبد الرَّحْمَن وَحسن ورثاهما وحزن عَلَيْهِمَا فوفاة حسن سنة تسع وَتِسْعمِائَة ووفاة عبد الرَّحْمَن سنة احدى عشر وَتِسْعمِائَة وفيهَا فِي لَيْلَة الْعشْرين من شعْبَان توفّي الشَّيْخ الإِمَام البارع النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الأديب المفنن القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر بن مبارك أبن عبد الله بن عَليّ الْحِمْيَرِي الْحَضْرَمِيّ الشَّافِعِي الشهير بحرق بحاء مُهْملَة بعد الْمُوَحدَة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة بعْدهَا قَاف وَكَانَ من الْعلمَاء الراسخين وَالْأَئِمَّة المتبحرين اشْتغل بالعلوم وتفنن بالمنطوق مِنْهَا وَالْمَفْهُوم وتمهر فِي المنثور والمنظوم وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي جَمِيع الْعُلُوم وصنف فِي كثير من الْفُنُون كالحديث والتصوف والنحو الصّرْف والحساب والطب وَالْأَدب والفلك وَغير ذَلِك وَمَا رَأَيْت أحدا من عُلَمَاء حضر موت أحسن وَلَا أوجز عبارَة مِنْهُ وَله نظم حسن وَهُوَ أحد من جمع بَين ديباجتي النّظم والنثر فنثره منثور الرياض جاد بهَا السحائب ونظمه منظوم الْعُقُود زانتها النحور والترائب ... إِن شَاءَ أنشأ نثراً رائعاً وَكَذَا ... إِن ود أنْشد نظماً يشبه الدررا ... وَهُوَ الَّذِي يَقُول هَذِه الأبيات مجيباً لبَعض الْفُضَلَاء الممتحنين لَهُ من أهل زَمَانه شعر ... يَا من أَجَاد غَدَاة أنْشد مقولا ... وَأفَاد من احسانه وتفضلا إِن كنت ممتحني بِذَاكَ فانني ... لست الهيوبة حَيْثُ مَا قيل انزلا وَإِذا تبادرت الْجِيَاد بحلبة ... يَوْم النزال رَأَيْت طرفِي أَولا قسما بآيَات البديع وَمَا حوى ... من صنعتيه موشحاً ومسلسلا لَو كنت مفتخراً بنظم قصيدة ... لبنيت فِي هام المجرة منزلا من كل قافية تروق سماعهَا ... وتعيد سحبان فصاحة باقلا وَيرى لبيد فِيهَا بليد قلبه ... حصراً وينقلب الفرزدق أخطلا ...

стр. 130

.. وعَلى جرير نجر مطرف تيهنا ... ومهلهلا ينديه نسيح مهلهلا وَلَئِن تبنا ابْن الْحُسَيْن فانني ... سأكون فِي تِلْكَ الصِّنَاعَة مُرْسلا أظننت أَن الشّعْر يصعب صوغه ... عِنْدِي وَقد أضحى لدي مذللاً أبدي العجاب إِذا برزت مفاخراً ... أَو مادحاً للْقَوْم أَو متغزلا لكنني رجل أصون بضاعتي ... عَمَّن يساوم بخسها مبتذلا وَأرى من الجرم الْعَظِيم خريدة ... حسنا تهدى للئيم وتجتلا مَا كنت أَحسب عقرباً تَحْتك بالأفعى ... وَلَا هيفا يزاحم بزلا وَأَنا الْغَرِيب وَأَنت ذَاك وبيننا ... رحم يحِق لمثلهَا أَن توصلا ... وَلَقَد أَجَاد فِيهَا كل الإجادة وَللَّه دره وَلَا يبعد أَن براعته فِي الشّعْر لِمَعْنى ارثى من إِمَامه الشَّافِعِي ﵁ فقد حُكيَ عَنهُ من ذَلِك الْكثير وَكَانَ من فحول الشُّعَرَاء وَهُوَ الَّذِي يَقُول ... وَلَوْلَا الشّعْر بالعلماء يرزي ... لَكُنْت الْيَوْم أشعر من لبيد ... فَائِدَة ذكر الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ ﵀ فِي كِتَابه مَنَاقِب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ قبل ذكر الْأَشْعَار المنقولة عَن الشَّافِعِي مُقَدّمَة وَهِي إِن انشاء الشّعْر وأنشاده غير مَذْمُوم وَالدَّلِيل عَلَيْهِ النَّص والمعقول أما النَّص فَمَا رُوِيَ أَن رَسُول الله ﷺ أستنشد من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت مائَة بَيت وَقَالَ أَن كَاد يسلم وأستنشد من أبي بكر ﵁ شعر قس بن سَاعِدَة وَهُوَ قَوْله شعر ... فِي الذاهبين الْأَوَّلين ... من الْقُرُون لنا بصائر لما رَأَيْت مواردا للْمَوْت لَيْسَ لَهَا مصَادر ... وَقد تلفظ ﵊ بمصاريع من أَبْيَات لبيد مِنْهَا ... إِلَّا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل ... وَمِنْهَا قَول طرفَة ... ستبدي لَك الْأَيَّام مَا كنت جَاهِلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوده ... وَكَانَ الصّديق ﵁ حَاضرا فَقَالَ بِأبي أَنْت وَأمي لم يقل الْقَائِل كَذَلِك بل قَالَ ﴿ويأتيك بالأخبار من لم تزَود﴾

стр. 131

وَأما الْمَعْقُول فالنكتة فِيهِ مَا ذكره الشَّافِعِي ﵁ وَهُوَ أَن الشّعْر حسنه حسن وقبيحه قَبِيح وَلذَلِك قَالَ ﵊ أَن من الشّعْر لحكمة وَالْمَقْصُود من هَذِه الْمُقدمَة أَن لَا يَقُول جَاهِل أَن صَنْعَة الشّعْر لَا تلِيق بالعلماء الْمُجْتَهدين فان ذَلِك جهل بالشعر لَان الشّعْر اذا كَانَ مُشْتَمِلًا على الْعلم وَالْحكمَة كَانَ اشرف الْكَلِمَات انْتهى وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَكتبه تدل على غزارة علمه وَكَثْرَة أطلاعه وَكَانَ غَايَة فِي التَّحْقِيق وجودة الْفِكر والتدقيق وَكَانَ مولده فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة بحضرموت وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن ومعظم الْحَاوِي ومنظومة الْبرمَاوِيّ فِي الاصول والفية النَّحْو بكمالها وَأخذ عَن جمَاعَة من فُقَهَاء حضر موت مِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا جرفيل ثمَّ ارتحل إِلَى عدن ولازم الإِمَام عبد الله بن أَحْمد محزم واشتغل عَلَيْهِ فِي الْفِقْه وأصوله والعربية حَتَّى كَانَ جلّ أنتفاعه بِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ جَمِيع الفية ابْن مَالك فِي النَّحْو وَجَمِيع سيرة ابْن هِشَام وَجُمْلَة صَالِحَة من الْحَاوِي الصَّغِير فِي الْفِقْه وَسمع عَلَيْهِ جملَة من عُلُوم شَتَّى وَكَذَلِكَ أَخذ عَن الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل ثمَّ أرتحل إِلَى زبيد وَأخذ عَن علمائها فَأخذ علم الحَدِيث عَن زين الدّين مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف الشرجي وَعلم الْأُصُول عَن الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الصَّائِغ وَكَذَلِكَ أَخذ عَنهُ التَّفْسِير والْحَدِيث والنحو وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح الْبَهْجَة الوردية لأبي زرْعَة وَأخذ أَيْضا عَن السَّيِّد الشريف الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأهدل والبسه خرقَة التصوف وَصَحب الشَّيْخ أَبَا بكر العيدروس واخذ عَنهُ وانتفع بِهِ فَعَادَت عَلَيْهِ بركته وَلما حج فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة سمع من الْحَافِظ شمس الدّين السخاوي وسلك السلوك فِي التصوف وَحكي عَنهُ انه قَالَ دخلت الأربعينية بزبيد فَمَا اتممتها إِلَّا وانا اسْمَع أعضائي تذكر الله تَعَالَى كلهَا وَلزِمَ الْجد والأجتهاد فِي الْعلم وَالْعَمَل وَأَقْبل على نفع النَّاس أَقراء وافتاء وتصنيفاً

стр. 132

وَكَانَ ﵀ من محَاسِن الدَّهْر لَهُ الْيَد الطولي فِي النّظم والنثر والخطب وَغَيرهَا وَكَانَ غَايَة فِي الْكَرم محسناً إِلَى الطّلبَة وَغَيرهم كثير الايثار محباً لأهل الْخَيْر متصفاً بالأنصاف رجاعاً إِلَى الْحق مفضالاً جواداً سيداً قوي النَّفس مواظباً على أَفعَال الْخَيْر وتولي الْقَضَاء بالشحر فصدع بِالْحَقِّ وحمدت احكامه وعزل نَفسه من الْقَضَاء ثمَّ عزم إِلَى عدن وَحصل لَهُ بهَا قبُول وجاه عِنْد اميرها مرجان ثمَّ لما مَاتَ مرجان عزم إِلَى الْهِنْد ووفد على السُّلْطَان مظفر فقربه السُّلْطَان وعظمه وَلما خبر علمه وفضله زَاد فِي تَعْظِيمه وتبجيله وأنزله الْمنزلَة الَّتِي تلِيق بِهِ وَمن تصانيفه تبصرة الحضرة الشاهية الاحمدية بسيرة الحضرة النَّبَوِيَّة الاحمدية والاسرار النَّبَوِيَّة فِي اخْتِصَار الاذكار النووية ومختصر التَّرْغِيب والترهيب لِلْمُنْذِرِيِّ وَكتاب الحديقة الانيقة فِي شرح العروة الْوَثِيقَة وَكتاب عقد الدُّرَر فِي الْإِيمَان بِالْقضَاءِ وَالْقدر وَكتاب العقد الثمين فِي أبطال القَوْل بالتقبيح والتحسين وَكتاب الحسام المسلول على منتقصي أَصْحَاب الرَّسُول وَكتاب العقيدة الشَّافِعِيَّة فِي شرح القصيدة اليافعية وَكتاب الْحَوَاشِي المفيدة على أَبْيَات اليافعي فِي العقيدة وَذكر فِي كِتَابه تَرْتِيب السلوك ان لَهُ على أَبْيَات الشَّيْخ عبد الله بن أسعد اليافعي ثَلَاثَة شُرُوح بسيط ووسيط وووجيز ومختصر الْمَقَاصِد الْحَسَنَة وَكتاب حلية الْبَنَات والبنين فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَمر الدّين وَكتاب ذخيرة الاخوان الْمُخْتَصر من كتاب الِاسْتِغْنَاء بِالْقُرْآنِ وَكتاب النبذة المنتخبة من كتاب الاوائل للعسكري وَكتاب تَرْتِيب السلوك إِلَى ملك الْمُلُوك وَكتاب مُتْعَة الاسماع باحكام السماع الْمُخْتَصر من كتاب الأمتاع وَكتاب النبذة المختصرة فِي معرفَة الْخِصَال المكفرة للذنوب الْمُقدمَة والمؤخرة وَكتاب مواهب القدوس فِي مَنَاقِب ابْن العيدروس وَكتاب شرح الملحة للحريري وَشرح لامية ابْن مَالك فِي التصريف وَهُوَ شرح مُفِيد جدا وَله أَيْضا عَلَيْهَا شرح أَصْغَر مِنْهُ وَاخْتصرَ شرح الصَّفَدِي على لامية الْعَجم وَله أَيْضا رِسَالَة فِي الْحساب ورسالة فِي الْفلك والمنظومة فِي الطِّبّ وَشَرحهَا وَغير ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فمحاسنه كَثِيرَة وفضائله شهيرة وَمن مقاطيعه

стр. 133

.. انا فِي سلوة على كل حَال ... اذ اتاني الحبيب أَو ان اباني اغنم الْوَصْل إِن دنى فِي أَمَان ... وَإِذا مَا نأى أعش بالأماني ... وَله أَيْضا ... لَئِن بلغ الزوار خيف منى منا ... وَأمنا برمي الْخمر من لَهب لجمر ... فبالمنحنى من أضلعي والعقيق من ... دموعي على التَّشْرِيق شاركت فِي الْأجر ... وَذكره السخاوي فِي ضوئه قَالَ وصاهر صاحبنا حَمْزَة النَّاشِرِيّ على ابْنَته واولدها وتولع بالنظم ومدح عَامر بن عبد الْوَهَّاب حِين شرع فِي بِنَاء مدارس بزبيد وَالنَّظَر فِيهَا وَكَانَ من أَولهَا فِيمَا انشدنيه حِين لقِيه بِمَكَّة وَأَخذه عَليّ وَكَانَ قدومه لَيْلَة الصعُود فحج حجَّة الاسلام وَأقَام قَلِيلا ثمَّ رَجَعَ كَانَ الله لَهُ شعر ... أبي الله إِلَّا أَن تحوز المفاخرا ... فسماك من بَين الْبَريَّة عَامِرًا عمرت رسوم الدّين بعد دروسها ... فاحييت آثَار الآله الدواثرا فَأَنت صَلَاح الدّين لَا شكّ هَذِه ... شواهده تبدو عَلَيْك ظواهرا ... قَالَ وَكَذَلِكَ أَنْشدني مِمَّا امتدح بِهِ الْمشَار إِلَيْهِ بَيْتا هُوَ عشر كَلِمَات وَهُوَ ... نشرت بحراً برا معينا ناصراً ... شمس الْمُلُوك صَلَاح دينك عَامِرًا ... وَضَمنَهُ فِي أَرْبَعَة أَبْيَات يسْتَخْرج مِنْهَا الضَّمِير من الْعشْر فَقَالَ ... ايدت دينك يَا رب الْعلَا أبدا ... بناصرالملوك الأَرْض قد ضهدا اعني بِهِ عَامِرًا شمس الْمُلُوك فَكُن ... نصيره ابداً فِي كل مَا قصدا وناصراً ومعيناً فَهُوَ شمس ضحى ... اخفى نُجُوم مُلُوك الأَرْض مُنْذُ بدا سميته عَامِرًا لما أردْت بِهِ ... صَلَاح دينك أرغاماً لمن جحدا ... انْتهى وَكَانَ السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب يراسل الشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله العيدروس بقصائد يخبر فِيهَا بأموره وَيطْلب مِنْهُ الدُّعَاء فَكَانَ الْفَقِيه الْمَذْكُور يجِيبه عَنْهَا والقصائد مَذْكُورَة مَعَ جواباتها مثبتة فِي كتاب الشَّيْخ أَحْمد بن الْحُسَيْن الَّذِي صنفه فِي أَخْبَار وَالِده وَهِي فِي غَايَة الفصاحة والبلاغة وَأعظم شَاهد على فضل الْفَقِيه وَمَا أودعهُ الله من السِّرّ فِيهِ وَذكر الشَّيْخ أَحْمد فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَنه اجْتمع بالفقيه بحرق ومدحه

стр. 134

وَأَطْنَبَ فِيهِ غَايَة الْأَطْنَاب ﵀ وَسَتَأْتِي قصيدته الَّتِي رثى بهَا الشَّيْخ أَحْمد بن أبي بكر العيدروس فِي تَرْجَمته وَهِي فِي غَايَة الْجَوْدَة وَمن نظمه الْحسن هَذِه القصيدة المسمطة الَّتِي امتدح بهَا شَيْخه سَيِّدي الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الله العيدروس نفعنا الله ببركاته وَهِي ... سأبيح بالغرام ... كم ذأ تستر بعشيقى وَأَرْفَع ذِي اللثام ... أَو خُذ نَصِيبي ورزقي زِدْنِي فِي الملام ... يَا عاذلي لَا تتبقي وَأشهر ذَا الْكَلَام ... فِي كل غرب وشرق مَا للنَّاس معي ... إِذا هويت كل رعنا وأحنيت أُصْبُعِي ... فِي عشق سلمى ولبنا واصغى مسمعي ... لكل معنى ومغنا وسأشرب من مدام ... الْحبّ يَا صَاح وأسقى مَا فِي الْحبّ عَار ... كلا وَلَا فِيهِ من باس سأخلع ذَا العذار ... وأحمله شَهْري على الراس وأعصي من أَشَارَ ... وأترك رضَا النَّاس للنَّاس من كَانَ مستهام ... مثلي فَيَأْتِي بشقي وَالله الْعَظِيم ... لَا أرعوي للعواذل لي رب كريم ... بجوده الْكل شَامِل كرر يَا نديم ... من مطربات البلابل حدك يَا غُلَام ... الدُّف من كل طرقي سأصرح وَأَقُول ... عشقت زيد المسما وأغنم ذَا الْقبُول ... من قبل أما وَأما مَا للنَّاس فضول ... من هابهم مَاتَ غما دعهم فِي سَلام ... يسْعد حد الله ويشقى سأنثر فِي الْجُلُوس ... عُقُود در وعقيان فِي ابْن العيدروس ... عالي المقامات والشان منفوس النُّفُوس ... ومنتهى كل إِنْسَان طَال عمره ودام ... لكل فتق ورتق ...

стр. 135

وَله قصيدة عَظِيمَة سَمَّاهَا العروة الْوَثِيقَة فِي الْجمع بَين الشَّرِيعَة والحقيقة أَجَاد فِيهَا إِلَى الْغَايَة ورحها وَشَرحهَا سَمَّاهَا الحديقة الانيقة وَقد مر ذكره عِنْد مؤلفاته وَقد كتبت عَلَيْهَا أَيْضا شرحاً مُخْتَصرا سميته الْحَوَاشِي الرشيقة على العروة الْوَثِيقَة وَله هَذَا اللغز وَقد حلّه بالنثر بعده وَهُوَ مَذْكُور بعبارته قَالَ شعر ... يَا متقناً كَلِمَات النَّحْو أجمعها ... حدا ونوعاً وافراداً ومنتظمه مَا أَربع كَلِمَات وَهِي أحرفها ... أَيْضا وَقد جمعتها كلهَا كلمة ... ثمَّ قَالَ هَذَا فِي تَمْثِيل الْوَقْف على هَاء السكت أَي قَوْلك كلمد فالكاف فِي قَوْلك كلمة للتمثيل وَاللَّام للجر وَالْمِيم أَصْلهَا مَا الاستفهامية حذفت الفها والهآء للسكته وَوجدت بِخَطِّهِ مَا صورته فرع لَو صدر مِنْهُ لفظ مُحْتَمل للطَّلَاق فَظَنهُ طَلَاقا أَو أفتاه جَاهِل بِوُقُوع الطَّلَاق الْبَائِن فاقر عِنْد الشُّهُود انه طَلقهَا أَو أنشأ طَلَاقا آخر مَعَ اعْتِقَاده انها قد بَانَتْ بِاللَّفْظِ الأول لم يُؤَاخذ باقراره وَلم يَقع طَلَاقه الثَّانِي لانه مَبْنِيّ على ظن فَاسد وَالله اعْلَم قَالَ مُحَمَّد بن عمر بحرق الْحَضْرَمِيّ كَانَ الله لَهُ وَمن كراماته مَا حُكيَ انه حضر مجْلِس بعض الوزراء بِالْهِنْدِ وَكَانَ فِي ذَلِك الْمجْلس رجل من السَّحَرَة فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ أرتفع ذَلِك السَّاحر وَقعد فِي الْهَوَاء قَالَ فَوَقع عِنْدِي من ذَلِك واستغثت بِالنَّبِيِّ ﷺ واومأت إِلَيْهِ بغردة من حذائي فَمَا زَالَت تضربه إِلَى ان رَجَعَ إِلَى مَكَانَهُ بالارض وَحكي أَنه وَقع بَينه وَبَين بعض وزراء السُّلْطَان بحث فاحتقره ذَلِك الْوَزير فتعب الْفَقِيه من ذَلِك ودعا عَلَيْهِ فنهب بَيته فِي ذَلِك الْيَوْم وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ فجَاء إِلَى الْفَقِيه معتذراً ومستعطفاً وَوَصله بِشَيْء وَطلب مِنْهُ الدُّعَاء فَحسب انه فعل ذَلِك واذا بالْخبر يَأْتِيهِ من عِنْد السُّلْطَان بالاجلال والتعظيم وَيرد جَمِيع مَا نهب لَهُ وان الَّذِي وَقع من ذَلِك إِنَّمَا كَانَ غَلطا فَإِنَّهُ امْر بِنَهْب بَيت غَيره فَرد جَمِيع مَا أَخذ لَهُ وَحكي ان ام الْفَقِيه كَانَت من جواري الشَّيْخ عبد الله العيدروس فيرون ان تِلْكَ الْبركَة كَانَت فِيهِ بِسَبَبِهَا

стр. 136

وَحكي انه مَاتَ بالسم وَالسَّبَب ذَلِك انه حظى عِنْد السُّلْطَان إِلَى غَايَة فحسده الوزراء على ذَلِك فَوَقع مِنْهُم مَا أوجب لَهُ الشَّهَادَة وناهيك بهَا من سَعَادَة وَمن أحسن مَا قيل فِيهِ هَذَا الدوبيت لبَعْضهِم يمدحه ... لأي الْمعَانِي زيدت الْقَاف فِي أسمكم ... وَمَا غيرت شَيْئا إِذا هِيَ تذكر لانك بَحر الْعلم وَالْبَحْر شَأْنه ... اذا زيد فِيهِ الشىء لَا يتَغَيَّر ... وَمثله قَول الآخر فِيهِ أَيْضا ... فَأَنت بَحر وقاف مَا لَهُ طرف ... مُحَمَّد أسمك الْمَعْرُوف مَوْصُوفا سمي خير الْأَنَام الطَّاهِر من مضى ... يهناك يهناك هَذَا الْفَخر تَشْرِيفًا ... وفيهَا توفّي الشهَاب أَحْمد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الله الْكِنَانِي الحوراني الْمقري الْحَنَفِيّ المغربي نزيل مَكَّة ببلدة غَزَّة وَدفن بهَا وَولد فِي حُدُود السِّتين وَثَمَانمِائَة بغزة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَمجمع الْبَحْرين وطيبة النشر وَغَيرهمَا واشتغل بالقراءات وتميز فِيهَا وَفهم الْعَرَبيَّة وأشتغل فِيهَا وقطن مَكَّة على خير وانجماع مَعَ تحرز وتبجل كَذَا ذكره السخاوي قَالَ وَقد لازمني فِي الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة وكتبت لَهُ إجَازَة ووسمعته ينشدني نظمه شعر ... سَلام على دَار الْغرُور لِأَنَّهَا ... مكدرة لذاتها بالفجائع فَإِن جمعت بَين المحبين سَاعَة ... فعما قَلِيل اردفت بالموانع ... قَالَ ثمَّ قدم الْقَاهِرَة من الْبَحْر فِي رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وأنشدني من لَفظه قصيدتين فِي الْحَرِيق والسيل الْوَاقِع بِالْمَدِينَةِ وَمَكَّة وكتبهما لي بِخَطِّهِ وسافر لغزة لزيارة امهِ وَأَقْبل عَلَيْهِ جمَاعَة من اهلها قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ وَبعد الْمُؤلف اجْتمعت بِهِ فِي غَزَّة سنة اثْنَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَهُوَ يعظ بهَا ويخطب نائبها بِجَامِع الْأَشْرَف قايتباي فِيهَا ويقرىء الْأَبْنَاء مَعَ فقره وفضله وَحسن نظمه وكتبت عَنهُ بعضه وَقَالَ لي أَنه اقام بِمَكَّة ثَلَاثَة عشر سنة وَتردد إِلَى الْمَدِينَة واليمن وزيلع وَأخذ عَن جمَاعَة فِيهَا وَفِي الْقَاهِرَة وَهُوَ مبارك متقشف نفع الله بِهِ

стр. 137

وفيهَا توفّي الشريف بَرَكَات بن مُحَمَّد سُلْطَان الْحجاز وَالِد الشريف أبي نمى سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة ٩٣١ هـ وَفِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ عِنْد طُلُوع فجر لَيْلَة الْجُمُعَة مستهل شهر رَمَضَان توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الْحق بن مُحَمَّد بن عبد الْحق السنباطي القاهري الشَّافِعِي وَيعرف كأبيه بِابْن عبد الْحق بِمَكَّة فَجهز فِي يَوْمه وَصلي عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة عقيب صَلَاة الْجُمُعَة بعد النداء لَهُ على زَمْزَم وشيعه خلق بِحمْل جنَازَته على الرؤوس وَطَابَتْ برؤيتها النُّفُوس وَدفن بالمعلاه ورثاه جمَاعَة بمراثي مُطَوَّلَة مِنْهُم تِلْمِيذه الأديب الزيني عبد اللَّطِيف الديري الْأَزْهَرِي وَقَالَ مضمنا لتاريخ وَفَاته فِي ثَلَاثَة أَبْيَات وَهِي ... توفّي عبد الْحق يَوْم عرُوبَة ... بِمَكَّة عِنْد الصُّبْح بَدْء تَمَامه قضى عَالم الدُّنْيَا كَأَن لم يكن بهَا ... سقى الله قبراً ضمه من غمامه وزد إِحْدَى فَوق الثَّلَاثِينَ مردفاً ... بتسع مئين وأجعله عَام حمامه ... وفجع الْخلق بِمَوْتِهِ وَكثر الأسف عَلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ بَقِيَّة شُيُوخ الأسلام وصفوة الْعلمَاء الْأَعْلَام وَكَانَ مولده فِي أحد الجمادين سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بسنباط وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن والمنهاج الفرعي ثمَّ أقدمه أَبوهُ الْقَاهِرَة فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَخمسين فحفظ بهَا الْعُمْدَة والألفيتين والشاطبيتين والمنهاج الْأَصْلِيّ وتلخيص الْمِفْتَاح والجعبرية فِي الْفَرَائِض والخزرجية وَعرض على خلق كالجلال البُلْقِينِيّ والمحلي وَابْن الْهمام والديري أبي الْفضل المغربي وَالْوَلِيّ السنباطي والبدر الْبَغْدَادِيّ وجد فِي الأشتغال فَأخذ عَن الْأَوَّلين يَسِيرا وَالْفِقْه عَن الْمَنَاوِيّ ولازمه والعبادي وَمن قبلهمَا عَن الْجلَال الْبكْرِيّ والمحيوي الطوحي وَكَذَا أَخذ فِيهِ عَن الْفَخر فلَان وَالدّين زَكَرِيَّا والجوجري والأصلين عَن التقي الشمني والحصني والأقصري والشرواني وأصل الدّين فَقَط عَن زَكَرِيَّا وَاصل

стр. 138

الْفِقْه فَقَط عِنْد السنهوري وَكَذَا أَخذ عَنهُ وَعَن النفيس والنور الْوراق والآمدي الْعَرَبيَّة وَعَن الحصني والعز عبد السَّلَام الْبَغْدَادِيّ الصّرْف وَعَن الشرواني والسنهوري والنفيس الْمعَانِي وَالْبَيَان وَعَن الْوراق وَالسَّيِّد عَليّ الرضي الْفَرَائِض والحساب واليسير من الْفَرَائِض فَقَط عَن أبي الْجُود وَعَن الشرواني قِطْعَة من الْكَشَّاف وحاشيته وَعَن السَّيْف الْحَنَفِيّ قِطْعَة من أَولهمَا وَبَعض الْبَيْضَاوِيّ عَن الشمني وَشرح الفية الْعِرَاقِيّ بِتَمَامِهِ عَن الزين قَاسم الْحَنَفِيّ وَالْكثير مِنْهُ عَن الْمَنَاوِيّ والقراءات بقرَاءَته أَفْرَاد الْغَالِب السَّبع وجمعاً إِلَى أثْنَاء الْأَطْرَاف عَن النُّور الإِمَام وجمعا فَأَما عَن ابْن أَسد بل قَرَأَ على الشهَاب السكندري يسير النافع إِلَى غير هَؤُلَاءِ وَبَعْضهمْ فِي الْأَخْذ أَكثر من بعض وَجل أنتفاعه بالتقي الحصني ثمَّ بالشمني وَمِمَّا أَخذه عَنهُ حَاشِيَته على الْمُغنِي والشرواني وَأَجَازَ لَهُ شيخ الاسلام أبن حجر الْعَسْقَلَانِي والبدر الْعَيْنِيّ والعز بن فرآت وَآخَرُونَ فَإِذن لَهُ غير وَاحِد بالتدريس والأفتاء وَولي المناصب الجليلة فِي أَمَاكِن مُتعَدِّدَة كتدريس الحَدِيث فِي موضِعين ومشيخة الصُّوفِيَّة وَغير ذَلِك وتصدى للاقراء بالجامع الْأَزْهَر وَغَيره وَكثر الآخذون عَنهُ وَحج مَعَ أَبِيه وَسمع هُنَاكَ يَسِيرا ثمَّ حج بعده فِي سنة أثنين وَثَمَانِينَ وجاور بِمَكَّة فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا ثمَّ بِالْمَدِينَةِ النُّبُوَّة الَّتِي تَلِيهَا ثمَّ بِمَكَّة أَيْضا واقرأ الطّلبَة بالمسجدين متوناً كَثِيرَة بل أَقرَأ بِجَانِب الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة غير وَاحِد من الْكتب ثمَّ رَجَعَ فاستمر على الْأَقْرَاء والأفتاء هَذَا ملخص مَا ذكره السخاوي قَالَ وَهُوَ على طَريقَة جميلَة فِي التَّوَاضُع والسكون وَالْعقل وَفِي أزدياد من الْخَيْر بِحَيْثُ أَنه الْآن أحسن مدرسي الْجَامِع قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد وَبعد وَفَاة الْمُؤلف سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة عَاد لمَكَّة من الْحَاج وجاور بهَا فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا وزار الْمَدِينَة واقرأ بهَا عدَّة عُلُوم ثمَّ رَجَعَ مَعَ الْحَاج وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ يدرس الْفِقْه والْحَدِيث وَكنت أحد الْقُرَّاء عَلَيْهِ بل لَا يخلوا سَاعَة من النَّهَار مَعَ ضعفه بِالْمرضِ وَكبر سنه وَكَثْرَة عائلته وَقلة مَا بِيَدِهِ ثمَّ توجه إِلَى الْمَدِينَة فِي أثْنَاء جُمَادَى الأولى وَأقَام بهَا إِلَى آخر رَجَب ثمَّ رَجَعَ لمَكَّة وسافر مَعَ الْحَاج قَالَ ثمَّ ملك كتبه لأولاده وَنزل لَهُم عَن وظائفه وتخلى عَن الدُّنْيَا وتكفل بِهِ أَوْلَاده

стр. 139

الثَّلَاثَة فَانْتَفع بِهِ خلائق لَا يُحصونَ ثمَّ عَاد لمَكَّة فِي موسم سنة ثَلَاثِينَ بأولاده وعائلته وأقاربه وأحفاده ليَمُوت بِأحد الْحَرَمَيْنِ فانتعشت بِهِ الْبِلَاد وأغتبط بِهِ الْعباد فَأخذ النَّاس عَنهُ طبقَة بعد أُخْرَى وَألْحق الأحفاد بالأجداد وأجتمع فِيهِ كثير من الْخِصَال الحميدة كالعبادة وَالْعلم والتواضع والحلم وصفاء الْبَاطِن والتقشف وَطرح التَّكَلُّف بِحَيْثُ علم هَذَا من طبعه كل من اجْتمع بِهِ وَلَا زَالَ على جلالته وعظمته إِلَى أَن توفّي ﵀ سنة أثنين وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة ٩٣٢ هـ وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع صفر سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ توفّي الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعلم الشهير قطب العارفين وسلطان العاشقين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن مَحْمُود بن ابراهيم بن مُحَمَّد السودي الشهير بالهادي اليمني بتعز وقبره مَشْهُور بهَا يزار وَعَلِيهِ قبَّة عَظِيمَة أحد الْأَوْلِيَاء الْكِبَار والمشايخ الْمَشْهُورين فِي الأقطار وَأحد من تنزل عِنْد ذكرهم الرَّحْمَة وَكَانَ من الْعلمَاء الراسخين وَالْأَئِمَّة المتبحرين ودرس وَأفْتى ثمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الجذب وصدرت مِنْهُ أُمُور تدل على أَنه من العارفين بِاللَّه وَرويت عَنهُ كرامات وَله ديوَان مَشْهُور وشعره رائق جدا على طَريقَة أهل التصوف ونظمه هَذَا مَا وَقع إِلَّا بعد الجذب وَحكي أَنه كَانَ مَا يَقُوله إِلَّا فِي حَال الْوَارِد مثل ابْن الفارض فَكَانَ يكْتب بالفحم فَوق الجدران فَإِذا أَفَاق مُحي مَا كتبه من ذَلِك وَكَانَ فقراؤه بعد أَن علمُوا مِنْهُ ذَلِك يبادرون بكتب مَا وجدوه من نظمه على الجدران فيجمعونه بعضه إِلَى بعض وَحكي أَن بعض المنشدين أنْشد بَين يَدَيْهِ قصيدة من نظمه فطرب لَهَا وتمايل عَلَيْهَا ثمَّ سَأَلَ عَن قَائِلهَا فَقيل أَنَّهَا من نظمك فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ حاشا مَا قلت شَيْئا حاشا مَا قلت شَيْئا وَكَانَ مُولَعا بِشرب القهوة لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَانَ يطبخها بِيَدِهِ وَكَانَ لَا يزَال قدرهَا بَين يَدَيْهِ وَقد يَجْعَل رجله تحتهَا فِي النَّار مَكَان الْحَطب وَكَانَ كلما يَأْتِي إِلَيْهِ من النذورات أَن كَانَ من المأكولات طَرحه فِيهَا أَو من غَيرهَا أَو قد بِهِ تحتهَا كَائِنا مَا كَانَ من ثوب نَفِيس أَو عود أَو غير ذَلِك

стр. 140

وَقيل أَن السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب بعث إِلَيْهِ بخلعة نفيسة فألقاها تحتهَا فاحترقت فَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَغَضب وَأرْسل يطْلبهَا مِنْهُ فَأدْخل يَده فِي النَّار وأخرجها كَمَا كَانَت وَدفعهَا إِلَيْهِم وَقد اشار إِلَى هَذَا الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي بن حسن أَبَا كثير فِي قصيدته الَّتِي عَارض فِيهَا شيخ الاسلام أَبَا الْفَتْح مالكي وَكِلَاهُمَا مدحا الْقُوَّة فَقَالَ ... قهوة البن جلّ مقصودي ... فِي الخفا والعلن هام فِيهَا أمامنا السودى ... قطب أهل الْيمن وطبخها بالند والعودي ... وبغالي الثّمن من ثِيَابه حَرِير مَعَ قطن ... فاخر الملبس وبذاكم خوارق تثني ... عَلَيْهِ لم تدرس ... وَحكي أَنه كَاد يقْرَأ فِي الْفِقْه على بعض الْعلمَاء فَلَمَّا وصل إِلَى هَذِه الْمَسْأَلَة وَالْعَبْد لَا يملك شَيْئا مَعَ سَيّده كرر هَذَا السُّؤَال على شَيْخه كالمستفهم وأعترته عِنْد ذَلِك هَيْبَة عَظِيمَة وبهت وَحصل عَلَيْهِ الجذب وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ آيَة من آيَات الله وأقوااله تدل على حَاله فِي الْمحبَّة ومقامه فِي الْمعرفَة وكذاا تدل على تفننه فِي الْعُلُوم الظَّاهِرَة مثل النَّحْو والبديع والمعاني وَالْبَيَان وَغير ذَلِك وعَلى اطلااعه على الْأَخْبَار السالفة والأمثال السائرة حَتَّى كَأَنَّمَا جَمِيع الْعُلُوم والمعاني كَانَت ممثلة بَين عَيْنَيْهِ يخْتَار مِنْهَا الَّتِي يُرِيد وَلَا يعدل عَن الشَّيْء إِلَّا إِلَى مَا هُوَ خير مِنْهُ وعَلى نظمه قبُول عَجِيب وَفِيه تَأْثِير غَرِيب فَإِنَّهُ السهل الْمُمْتَنع يفهمهُ كل أحد مَعَ متانة عِبَارَته وتتأثر بِهِ النَّاس غَالِبا وَيكثر عَلَيْهِ وجد المتواجدين بل قيل أَنه فارضى الْيمن وَهُوَ رَقِيق جدا تقبله الطباع ويفهمه الْخَاص وَالْعَام وَيذكر الأوطان ويهيج الأشجان فَهُوَ فِي رقته يشبه كَلَام التلمساني والحاجري رحمهمَا الله تَعَالَى ... شَاهد جمال محيا غَايَة الطّلب ... تظفر فديتك بالاعلى من الْقرب وَلَا تكن عَن حَيَاة الرّوح مشتغلا ... بالترهات فَمَا هَذَا من الْأَدَب والحظ محَاسِن تسبي الْعقل أجمعه ... من السرُور بهَا والأنس والطلب وخلص الْقلب من أكوان غربته ... وَأدْخل حمى ربة الأستار والحجب ...

стр. 141

.. وَأنس الْعُلُوم وماا قد كنت تكتبه ... فمحوه وَاجِب من كل مكتتب وأنهض إِلَى الْعَالم الْأَسْنَى على ... قدم التجرد لَا تلْتَفت يَوْمًا إِلَى سَبَب وأصرف على حسن من تهوى وصالهم ... جسماً وروحاً وَهَذَا لَيْسَ بالعجب وَلَا ترد عوضا عَنْهُم إِذا قبلوا ... فَالْكل ملكهم مَا فهت بِالْكَذِبِ وَمَا أَنْت لولاهم أجروا عنايتهم ... عَلَيْك إِلَّا مَحل الشَّك والريب ... لَوْلَا تعرفهم مَا كنت تعرفهم ... وَلَا رفعت إِلَى شَيْء من الرتب ... هم أهلوك لَهُم جودا ومكرمة ... وبلغوك الَّذِي ترجو من الْأَدَب سَافر إِلَى حَضْرَة عليا مُقَدَّسَة ... تصح من ألم الأغيار وَالنّصب وَمن مقالك لم هَذَا وَكَيف وَهل ... لَا كَانَ هَذَا مقَال الْجَهْل والعطب وَكن عبيدا لَهُم لَا تعترض أبدا ... وأضمم جناحك مَعَ هَذَا من الرهب وَأَن بدا وَجه ذَات الْخَال صل لَهُ ... وأسجد كَمَا جَاءَ فِي القرأن وأقترب وأشطح على سَائِر النساك أَن عدلوا ... وَقل لمن لَام من عجم وَمن عرب فنيت عني بهَا يَا صَاح إِذْ برزت ... وغبت إِذْ حضرت حَقًا وَلم تغب فَمَا أُبَالِي إِذا مَا لمتني أبدا ... وَرُبمَا ذقت طعم اللوم كالضرب ... وَمِنْه ... يَا عرب نجد انتم لي فتْنَة ... وبطيب ذكركُمْ الذ وأطرب وأغيب عَن كلي وحقكم بكم ... وعذابكم يحلوا لدي ويعذب وَإِذا شهِدت جمالكم وجلالكم ... فَجَمِيع مَا يحوي الْوُجُود مغيب رمدت عُيُون لَيْسَ تلحظ حسنكم ... هَل ظَاهر عَن غير اعمى يحجب روح بحبكم تحلى جيدها ... عَنْهَا المعارف كلهَا لَا يعرب يَا سادتي بل يَا أحبة مهجتي ... كم ذَا عَن الرّبع الأنيس تغرب إِن دَامَ هَذَا الهجر هَا أَنا ميت ... حاشا يضام نزيلكم ويخيب ... وَمِنْه ... يَا سادة مَا عَنْهُم مَذْهَب ... فِي حبكم لي مَذْهَب مَذْهَب قد رام مني عاذلي تَركه ... لكنه فِيمَا نوى أشعب من أَيْن تسلو عَنْكُم مهجتي ... وَفِيكُمْ الْأَمْثَال بِي تضرب يَا سَاكِني وَادي عذيب الْهوى ... تعذيبكم كالشهد يستعذب ...

стр. 142

.. بددتم شملي فيا هَل ترى ... بعد الجفا يصفو لي المشرب استودع الله الزَّمَان الَّذِي ... مَا فَارَقت ربعي بِهِ زَيْنَب ناشدتك الله يَا نسيم الصِّبَا ... من أَيْن هَذَا النَّفس الطّيب هَل أَنْت من ليلى بشير الرِّضَا ... أم أَنْت عَن أسرارها تعرب أم جزت فِي روض بِهِ قدمشت ... ام ثغرها قبلك الأشنب فهات اطربني بأخبارها ... فعهدك الْيَوْم بهَا اقْربْ عجبت دهراً من رجال صبوا ... فاليوم منى عجبي يعجب يَا أهل نجد هَذِه قصتي ... لَكِن إِلَيْكُم مِنْكُم الْمَهْرَب ... وَمِنْه ... معَاذ الله أَن أسلوا عريبا ... هُوَ أهم فِي الحشى أرسى خيامه ثملت بهم وَمَا خامرت خمرًا ... وَلَا دانيت أَدْيَان المدامه رعى الله الأبيرق والمصلى ... وَبَان الْحَيّ مَا سجعت حمامه فَتلك مَوَاطِن الصب الْمَعْنى ... بهَا الْأَرْوَاح صارة مستهامه على عرب بهَا مني سَلام ... يكون الْمسك من قبلي ختامه ... وَمِنْه ... لَيْسَ عِنْد الْخلق من خبر ... عَنْك يَا أغلوطة الْفِكر تاهت الْأَلْبَاب فِيك وَمَا ... ميزت وردا من الصَّدْر حيرة عَمت فَأَي فَتى ... رام عرفانا وَلم يحر عميت انباء ذَاك على ... كل من فِي البدو والحضر وَغدا يسْأَل بَعضهم ... عَنْك بَعْضًا عل من ظفر فانثنوا وَالله مَا وَقَعُوا ... لَا على عين وَلَا أثر بل عَظِيم الْقَوْم مطلبه ... شدَّة التحيير والحصر كَيفَ حاروا فِيك وَاعجَبا ... يَا منى سَمْعِي وَيَا بَصرِي أَنْت لَا تخفي على أحد ... غير عشق الْفِكر وَالنَّظَر أَو على شخص بِهِ كمه ... لم يُشَاهد صُورَة الْقَمَر بالظهور الصّرْف محتجب ... أَنْت هَذَا صَحَّ فِي الْأَثر وَأَنت فيهم ظَاهر وبهم ... وَلَهُم لَوْلَا بَقَاء الْأَثر ...

стр. 143

لَو تلاشت عَنْهُم ظلم ... وانمحوا عَن عَالم الصُّور شاهدوا معناك منبسطاً ... سارياً فِي سَائِر الْفطر ودروا أَن الْحجاب هم ... عَن شُهُود المنظر النَّضر وَقضى يَعْقُوب حَاجته ... وانْتهى زيد إِلَى الوطر ... وَمِنْه ... ثق بمولاك فِي جَمِيع الْأُمُور ... وأحسب النَّاس كلهم فِي الْقُبُور وارج مِنْهُ العطا لَا من سواهُ ... فَهُوَ يوليك كل فضل وَخير لَا تعول إِلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى ... عَن شريك فِي ملكه وظهير كل من فِي الْوُجُود كل عليم ... لَيْسَ يرجون غَيره من نصير عِنْده مَا تروم من كل خير ... جلّ من خَالق عَظِيم قدير فَالْزَمْ الْبَاب لَا تحل عَنهُ يَوْمًا ... لم يفز غير من حظى بالحضور فَهُوَ بَاب مجرب للأماني ... فِيهِ مَا شِئْت من منى وسرور حسبي الله من جَمِيع البرايا ... وَكفى عَن غنيهم وَالْفَقِير هُوَ غوثي إِذا طلبت غياثاً ... ومعيني على المُرَاد الخطير عَم بِالْفَضْلِ كل عبد وحر فهم بَين حَامِد وشكور وَصَلَاة الاله فِي كل يَوْم ... وَأَوَان على البشير النذير ... وَمِنْه ... يَا مقْعد العزمات يَا عبد الْهوى ... يَا بانيا والبين يهدم مَا بنى زرني أعلمك الْهوى وفنونه ... وأشتم نفاسي يزل عَنْك العنى فَأَنا أَمَام جيوشه وَجُنُوده ... وَأَنا الدَّلِيل لَهُم على كنز الْغَنِيّ لي فِي الغرام حقائق ودقائق ... من نالها أَو بَعْضهَا نَالَ الهنى يَا نازلين على منى وحياتكم ... لَيْسَ الْقَتِيل بحبكم إِلَّا أَنا أَنْتُم سكنتم فِي سويدا مهجتي ... لم لَا أصير لسركم كلي أَنا لكم الْجمال بديعه وغريبه ... وَالْحب لي مَا شط مِنْهُ وَمَا دنى يَا من أعيذ جمَالهمْ بجلالهم ... مَا كَانَ فِيهِ رضاكم فَهُوَ المنى لَا تحسبوني خَائفًا من هجركم ... أَو راجياً لدوام وصل يجتنى هَيْهَات لي شغل بكم عَن ذَا وَذَا ... وبكم عَلَيْكُم فِي الْهوى إذلالنا ...

стр. 144

.. مَا قَدرنَا مَا نَحن حَتَّى إننا ... طبنا بكم لولاكم طبتم بِنَا لولاكم مَا شاقني بَان اللوى ... كلا وَلَا وَادي النقا والمنحنى ... وَقد خمس هَذِه القصيدة سيدنَا ومولانا وَشَيخنَا وأستاذنا الْعَارِف بغوامض الْحَقَائِق الْجَامِع للطائف أسرار الدقائق المعرب عَن مغيبات الْأَسْرَار الْمغرب بلدنيات الْأَخْبَار مظهر الصِّفَات الازلية مهبط الرحمات الأبدية شَيخنَا السَّيِّد حَاتِم بن أَحْمد الأهدل أعَاد الله علينا من بركاته آمين تخميساً بديعاً بِحَيْثُ يظنّ انها لوَاحِد وَكَانَ السَّيِّد حَاتِم الْمَذْكُور من آيَات الله الْكُبْرَى وأعجوبة الزَّمَان الَّذِي بهر الورى لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي أَحْوَاله وأقواله ومقاماته وَكَانَت لَهُ يَد فِي جَمِيع الْعُلُوم لَكِن غلب عَلَيْهِ علم التصوف فَكَانَ ابْن عَرَبِيّ زَمَانه ويومي أَوَانه لم ير نَفسه وَلَا رأى الراؤون مثله فِي كَمَاله وبراعته جمع بَين علمي الشَّرِيعَة والحقيقة وَشرح احسن الشَّرْح أصُول الطَّرِيقَة وَكَانَت لَهُ أَحْوَال فاخرة وكرامات باهرة ظَهرت بَرَكَات أنفاسه على خلق كثير من العصاة فتابوا وأنابوا إِلَى الله تَعَالَى وَوصل بِهِ خلق عَظِيم إِلَى الله وَصَارَ لَهُ أَصْحَاب وَاتِّبَاع كَالنُّجُومِ وَبِالْجُمْلَةِ كَانَ قطب زَمَانه وَسيد وقته وسر الله بَين خلقه والتطويل بِذكر كراماته تَطْوِيل فِي مَشْهُور وإسهاب فِي مَعْرُوف وَكنت أحب لقاءه وأحدث نَفسِي بِهِ وَأَنا شغف بحبه كلف بِقُرْبِهِ فعاق دون لِقَائِه بعد الشقة وضعفي عَن تحمل الْمَشَقَّة وتأسفت بعد مَوته جدا حَيْثُ لم أكن ذهبت إِلَيْهِ وفزت من علومه ومعارفه فِيمَا بَقِي من عمره بِمَا يخرج فَضله عَن الْحَد والحصر وَمَا علمت أَنِّي أَصبَحت فِي عمري بِمثل مصابي بِهِ وَلَكِن الله غَالب ومطلوبه لَا يخرج عَنهُ من الطالبين طَالب وَكَانَ قد وصلتني مِنْهُ قبل وَفَاته بِنَحْوِ تسع سِنِين مُكَاتبَة جَوَاب كتابي إِلَيْهِ فَلَمَّا حصل الْيَأْس من الِاجْتِمَاع بِهِ أنشدت فِي ذَلِك هَذِه الأبيات ... أفدي زَمَانا نعمت بِهِ ... ثغر الزَّمَان كَانَ فِيهِ بأسم عصرالشباب لَهُ رونق ... سِيمَا ان يكن الْخلّ فِيهِ رَاحِم ...

стр. 145

.. حظيت فِيهِ بورود خطابه ... وَكَانَ مكتوبه خير قادم كُنَّا نؤمل وَنَرْجُو دَائِما ... لقاه وَالله فِي أشرف المواسم فشح باللقا وحرمته ... واعجباه من بخل حَاتِم حاشا علاهُ حاشاه ان ... يحرم الراجي المكارم لَئِن قصرت فِي قصدي لَهُ ... فقد كنت فِي ذكرى لَهُ دَائِم أسائل الركْبَان عَنهُ أبدا ... وشغفي بِهِ لَا يزَال ملازم وَكَانَ شوقي لرُؤْيَته متزايداً ... وَكَانَ حبي لذاته متقادم وَمَعَ هَذَا فاشتغالي بسواه ... كَانَ وَالله من أعظم الجرائم كَذَا وتشويقي بلقاه ... كَانَ وَالله من أعظم العظائم لقد أصبت بفقده مصاباً ... مَا أَظن أُصِيب بِمثلِهِ العوالم ... نُسْخَة مَا كتبه وَمن خطه الشريف نقلت بِحُرُوفِهِ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم حمداً لَك يَا من عَم الْخلق احسانه وشكراً لَك اللَّهُمَّ على مَا أسليت من بركَة الإيجاد والوجود وأنعمت من المدد المتوالي امكانه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من خص بِالسَّبقِ فِي ميادين الشُّهُود وعمم ارساله فَلم يشذ عَن أمره وَنَهْيه من وسم برسم الْوُجُود فَهُوَ السَّابِق إِلَى مجالي الْأَرْوَاح والفاتق رتق حَضْرَة الواحدية لظُهُور الاظهار وبروز الأشباح ﷺ ضلاة لَا غَايَة لَهَا وَلَا انْتِهَاء وَلَا أمد لَهَا وَلَا انْقِضَاء مَا دَامَت التجليات الذاتية مدَار الحضرات الصفاتية وَمَا قبلت القوابل الأحمدية فيوض الكمالات الالهية من الْأَسْرَار المحمدية والأنوار القاسمية حَتَّى يظْهر الِاسْم الظَّاهِر بِكَمَالِهِ فِي ذَات مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا الشريف الْوَلِيّ المقرب عبد الْقَادِر العيدروس ظهورا ملتحقا بالجمال لجلاله معتجرا بالمجد الباذخ الْمجِيد بنواله فينشد لِسَان حَاله فِي مرتبَة كَمَاله معرباً عَن حَاله مغرباً عَن مجاله شعر ... لَيْسَ بِي حَاجَة إِلَى ... ظَاهر من علومه قد كفاني بِذَاتِهِ ... عَن مباني رسومه ... وصل كتابكُمْ فشرح صدر التصوف وَنور جِهَات التعرف فافعم قوابل الْأَعْيَان بِمَا أفاضه من نفس الرَّحْمَن ووصلت الطَّاقَة الْبَيْضَاء
следующие страницы →