← Тараджим

Тараджим · id 6676

النور السافر عن أخبار القرن العاشر

العيدروس

Полный текст (424 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عَنهُ فِي ذَلِك مَا يبهر الْعُقُول حَتَّى سَمِعت بَعضهم يَقُول مَا تشبه فتوحاته إِلَّا بِمثل فتوحات الصَّحَابَة وناهيك فِيمَن يكون بِهَذِهِ المثابة وَكَذَلِكَ حُكيَ من أَمر شجاعته غَرِيبَة قَالُوا وَكَانَت أُمُوره جَمِيعًا على قوانين الشَّرِيعَة الغراء حَتَّى أَنه كَانَ يخرج الْخمس من الْغَنِيمَة ويصرفه إِلَى أقَارِب النَّبِي ﷺ وَرَأى بعض الْأَخْبَار النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ وَعِنْده الإِمَام الْمَذْكُور قَالَ الرَّائِي فَقلت يَا رَسُول الله من هَذَا الرجل قَالَ هَذَا رجل نَشأ فصلح بِهِ بِلَاد الْحَبَشَة وَكَانَت هَذِه الرُّؤْيَا قبل أَن يترقى الإِمَام إِلَى هَذَا الْمقَام وَرَأى بَعضهم العيدروس وَهُوَ يَقُول لَا تسمونه سُلْطَانا وَلَا أَمِيرا سموهُ إِمَام الْمُسلمين وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ هَذَا الرجل من آيَات الله تَعَالَى ﵀ آمين سنة خمس وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة (٩٣٥) هـ وَفِي شهر ربيع الثَّانِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ توفّي مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد بن سَالم الجناحي بجيمين الأولى مَضْمُومَة بَينهمَا نون خَفِيفَة نِسْبَة لجناج قَرْيَة بَين البحرارية وسنهور من الغربية ثمَّ القاهري الْأَزْهَرِي الْمَكِّيّ وَرُبمَا يعرف هُنَاكَ بِابْن وَحشِي بِمَكَّة وَصلي عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة وَدفن بالمعلا وَكَانَ مولده فِي سنة سِتِّينَ أَو بعْدهَا تَقْرِيبًا وَحفظ الْقُرْآن وَنَحْو النّصْف الأول من مُخْتَصر الشَّيْخ وَمن ألفيه النَّحْو وأشتغل عِنْد دَاوُد الفلتاوي فِي الْفِقْه والعربية بل وَقَرَأَ على السنهوري النّصْف من تَوْضِيحه وَسمع عَلَيْهِ غير ذَلِك وَقَرَأَ على الديمي البُخَارِيّ وَسمع على الْكَمَال ابْن أبي شرِيف فِي مُسلم وعَلى الشاوي فِي البُخَارِيّ بِحَضْرَة الخيضري كَذَا ذكر السخاوي قَالَ وَحج غير مرّة ولقيني فِي سنة سبع وَتِسْعين بِمَكَّة فَقَرَأَ على الْمُوَطَّأ وَنَحْو النّصْف من الشِّفَاء بمساع بَاقِيه ولازمني فِي غير ذَلِك سَمَاعا وتفهماً ولديه استحضار ومشاركة وأختص بالشمس الْحلَبِي التَّاجِر ثمَّ بِأبي الْفَتْح ابْن كرمون وسافر مَعَه إِلَى الْيمن فَحصل مَا أرتفق بِهِ وَعَاد بعد أشهر فِي سنة تسع وأستمر مُقيما بِمَكَّة يقرئ ولد

стр. 177

الْمشَار إِلَيْهِ بعد رُجُوع الْأَب إِلَى الْقَاهِرَة وَمَعَهُ جَارِيَة يتقنع بهَا وَلَا بَأْس بِهِ قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَقد رزق مِنْهَا ذكران وَبنت وأنقطع بمنزله من وجع رجله وتقرر فِي عدَّة وظائف وضرر فَصَارَ أَوْلَاده يباشرون عَنهُ بحيلة واظهار فَضِيلَة وأستمر على ذَلِك حَتَّى مَاتَ ﵀ وفيهَا كَانَت وَفَاة الْأَمِير سلمَان الرُّومِي الَّذِي قتل فِي جَزِيرَة المجاملة قَرِيبا من بندر الْبقْعَة مَقْتَله لَهُ قررت وَكَانَ قَاتله ابْن أُخْته خير الدّين ثمَّ ان مصطفى بهْرَام ابْن أُخْت الْأَمِير سلمَان الثَّانِي استوفي وَأخذ ثار خَاله بقتل خير الدّين ثمَّ دخل الْهِنْد مصطفى بهْرَام هُوَ والخواجه صفر سلماني فخوطب مصطفى بهْرَام برومي خَان وخوطب صفر بخداوند خَان وَسَيَأْتِي ذكرهمَا وتاريخ ذَلِك الْعَام قَرِيبا سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة (٩٣٦) هـ وَفِي عصر صفر يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر الْمحرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ توفّي الشهَاب أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر وَصلي عَلَيْهِ صبح لَيْلَة الْجُمُعَة وَدفن على قبر أَبِيه وجده فِي شعب الْأَقْصَى جوَار الفضيل بن عِيَاض وتربة بني الشيبي وَكَانَ مولده فِي شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن وَأَرْبَعين النَّوَوِيّ والارشاد لِابْنِ الْمُقْرِئ وألأفية بن مَالك وَعرض على الْبُرْهَان ابْن ظهيره والمحب الطير والعلمي وَعمر بن فَهد فِي آخَرين قَالَ السخاوي سمع مني بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَشْيَاء بل قَرَأَ عَليّ بِالْقَاهِرَةِ فِي سنَن أبي دَاوُد وتكرر قدومه لَهَا وَهُوَ حاذق فطن منور قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَبعد الْمُؤلف اسْتمرّ على حَاله فِي التودد والحذق وَكَثْرَة دُخُول الْقَاهِرَة ومخالطة الأكابر مَعَ الْحِرْص على تَحْصِيل الْوَظَائِف وَتزَوج وَاحِدَة بعد أُخْرَى ورزق جملَة من أَوْلَاد أنجبهم عبد الله من حبشية وَغَيره من مَكِّيَّة ومدنية وَحصل

стр. 178

الْأَمْلَاك وعمرها ثمَّ ضعف فِي آخر عمره وطلع لَهُ فتق فِي بدنه وأنقطع فِي بَيته نَحْو جمعية بالاسهال ثمَّ ماتع بعد وَصِيَّة وَحصل بالإسهال الشَّهَادَة وَوقى فتْنَة الْقَبْر بِمَوْتِهِ يَوْم الْجُمُعَة وناهيك بهما من سَعَادَة رَحمَه الله تَعَالَى وايانا وَخلف عبد الله وَعمر وَعبد الْقَادِر وَأَبا السعادات قلت وَقد أشتهر كل من أَوْلَاده بمزيد الْعلم خلا عمر وَسَيَأْتِي ذكر الثَّلَاثَة مِنْهُم عِنْد ذكر السّنة الَّتِي توفوا فِيهَا فَليعلم وفيهَا توفّي السَّيِّد الشريف الْفَقِيه حُسَيْن بن أَحْمد بن عَليّ أَبَا جبهان أَبَا علوي وَكَانَ فَقِيها فَاضلا صَاحب إتقان وَتَحْقِيق تفقه بِجَمَاعَة من أهل عصره وعلماء مصره كالفقيه أَحْمد بن عَليّ خرد الملقب قَاضِي شرِيف والعلامة الْفَقِيه وَعبد الله بن مُحَمَّد أَبَا قُشَيْر صَاحب القلائد والفقيه عَليّ بن عبد الرَّحْمَن أَبَا حرمي والفقيه الزين بن الْفَقِيه عبد الله أَبَا فضل وَكَانَ كحفوظه الارشاد للمقري فِي الْفِقْه وألفية ابْن مَالك فِي النَّحْو والشاطبية فِي الْقرَاءَات وقرد الْمِنْهَاج للنووي مرَارًا وَقَرَأَ روض الْمقري والإسعاد شرح الْإِرْشَاد لِأَبْنِ أبي شرِيف وَغير ذَلِك من كتب الْمَذْهَب وَكَانَت وَفَاته بروره من بر سعد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى آمين سنة سبع وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة (٩٣٧) هـ وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ سَار جدي الشَّيْخ عبد الله العيدروس لِلْحَجِّ وأستصحب مَعَه وَلَده سَيِّدي الْوَالِد وَكَانَ الأروام فِي تِلْكَ السّنة حصروا عدن وَمنعُوا المراكب أَن تسير إِلَيْهَا مُدَّة من الزَّمن فَلَمَّا وصل سَيِّدي الْجد إِلَى الشحر وَسمع بِهِ الْأَمِير مصطفى بهْرَام الرُّومِي وَكَانَ يُرِيد الْهِنْد فتوة فِي الشحر جَاءَ اليه يزوره فَأخْبرهُ سَيِّدي الْجد بِأَنَّهُ يُرِيد عدن فَأذن لَهُ وَسَار إِلَيْهَا وَكَانَ دُخُوله فِيهَا يَوْمًا مشهوداً وَكَانَ سلطانها يَوْمئِذٍ عَامر بن دَاوُد آخر مُلُوك مُلُوك بني طَاهِر فقابله بالإجلال وَالْإِكْرَام وَقَامَ بواجبه أتم الْقيام سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة (٩٣٨) هـ وَفِي لَيْلَة السبت سادس عشر شَوَّال عَام ثَمَان وَثَلَاثِينَ توفّي يحيى بن عَليّ بن أَحْمد بن شرف الدّين الرَّحبِي الأَصْل الْمَكِّيّ الْمَالِكِي وَيعرف

стр. 179

كأبيه بالمغربي فَجهز فِي ليلته وَصلي عَلَيْهِ فِي صباحها وَدفن بالمعلا عِنْد قبر جده ﵀ وَكَانَ مولده فَبِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء رَابِع وَعشْرين من شهر ربيع الأول سنة خمس وَسِتِّينَ بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا فحفظ الْقُرْآن واربعين النَّوَوِيّ والشاطبية والرسالة وألفيه النَّحْو وَعرض فِي سنة تسع وَسبعين على قَضَاء مَكَّة الْأَرْبَعَة وَعمر بن فَهد وأشتغل قَلِيلا وَحضر عِنْد الْفَخر بن ظهيرة وأخيه الْبُرْهَان مَعَ ذكاء وَفهم ثمَّ تعاطى التِّجَارَة بعد ان أثبت الْبُرْهَان ابْن ظهيره رشده وَسلمهُ مَاله وسافر فِي التِّجَارَة لدمشق وتلقن فِي الْقَاهِرَة الذّكر من ابْن عبد الرَّحِيم الأنباسي ذكره السخاوي فِي تَارِيخه قَالَ وَله تلادد إِلَيّ وَسَمَاع عَليّ ولي إِلَيْهِ زَائِد الْميل وَنعم هُوَ تواضعاً وأدباً وفهماً وذكاء وَحسن عشرَة بِحَيْثُ صَار بَيته بِمَكَّة وَغَيرهَا مألفاً لأحبابة مَعَ عدم استاع دائرته قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وعاش بعد الْمُؤلف وَتردد للقاهرة وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ عَاد لمَكَّة وَاسْتمرّ على حَاله فِي المجع لأحبابه حَتَّى توفّي بعد طول مرض انْقَطع بِسَبَبِهِ فِي الْمنزل مُدَّة أَعْوَام وَلم يخلف غير ابْنة وَاحِدَة ملكهَا جَمِيع مخلفه وَأثبت ذَلِك فِي حَيَاته ﵀ وفيهَا توفّي الْفَقِيه الصَّالح الْمقري ابراهيم بن عَليّ بن الْوَلِيّ علوي خرد أَبَا علوي وعمره سبع وَثَلَاثُونَ سنة لِأَنَّهُ ولد سنة إِحْدَى وَتِسْعمِائَة كَمَا قَالَ أَخُوهُ الْعلم خرد تفقه بالعلامة المزجد والعلامة الرّبيع وَغَيرهمَا وَكَانَ يُحَقّق للقراء الْعشْر ورواتهم برواياتهم وَلم يسْبق إِلَى ذَلِك فِيمَا نعلم فِي زمننا فِي قطرنا وَلَا قبل ولابعد بل كَانُوا يحققون للسبعة وَكَانَ حسن الْعشْرَة وجاور بِمَكَّة المشرفة وَمَات بهَا رَحمَه الله تَعَالَى آمين وفيهَا كَانَ وُصُول مصطفي بهْرَام إِلَى أَرض الْهِنْد وَوصل فِي صحبته المدفعين الْمَشْهُورين المسميين ليلى وَالْمَجْنُون سنة تسع وَثَلَاثِينَ بعد التسْعمائَة (٩٣٩) هـ وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ قفل سَيِّدي الشَّيْخ الْجد عبد الله العيدروس من الْحَج إِلَى عدن وَأمر وَلَده سَيِّدي الشَّيْخ الْوَالِد بالذهاب إِلَى الإِمَام أَحْمد الْجواد بِالْحَبَشَةِ بِسَبَب دين لحقه فَفعل وَحصل الْمَقْصُود على أحسن

стр. 180

الْوُجُوه وأجملها وَرجع إِلَى عِنْد وَالِده بعدن فِي مُدَّة يسيرَة جدا وَقضى الله عِنْد ذَلِك الدّين الَّذِي استدانه فِي سَفَره إِلَى الْحَج وَرَأَيْت بِخَط سَيِّدي الْوَالِد أَن جَائِزَة الْجواد لَهُم كَانَت ألف وخمسماية ذهب سنة أَرْبَعِينَ بعد التسْعمائَة (٩٤٠) هـ وَفِي آخر ذِي الْحجَّة سنة أَرْبَعِينَ توفّي الشريف الصَّالح الْفَقِيه العابد الْوَلِيّ شيخ ابْن الْوَلِيّ عبد الله بن الاستاذ الْأَعْظَم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف وَكَانَ كثير الْعِبَادَة متواضعاً تفقه على عُلَمَاء عصره قَرَأَ التَّنْبِيه على الْعَلامَة الصَّالح الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل وَقَرَأَ الْمِنْهَاج على الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الله أَبَا جَعْفَر وَابْن أخي الْمَذْكُور كَانَ فَاضلا بليغاً نقل الْحَاوِي والالفية وقرأهما وحققهما على الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل بعدن ونظم على منوال القصيدة الموسومة بالوترية قصيدة أَجَاد فِيهَا ذكره الْمعلم خرد فِي كِتَابه النُّور المضيء والدر الْبَهِي وَلم يذكر تَارِيخ الْوَفَاة وَالظَّاهِر أَنه كَانَ إِذْ ذَاك حَيا واسْمه عبد الله بن أبي بكر وَكَانَ يعاني التِّجَارَة وفيهَا خرج سَيِّدي الْوَالِد من عدن إِلَى تريم بِأَمْر وَالِده وَتزَوج فِيهَا وَولد لَهُ ولد مَاتَ صَغِيرا وَقَرَأَ فِي تِلْكَ السّنة على الْفَقِيه عبد الله أَبَا سهل وَغَيره من الْمَشَايِخ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤١) هـ وَفِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين توفّي الْعَالم الْكَبِير ملا عماد بن مَحْمُود الطارمي مولده بطارم قَرْيَة من خُرَاسَان نَشأ بهَا واشتغل بتحصيل فنون الْعُلُوم حَتَّى برع ثمَّ جَاءَ إِلَى كجرات وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَسمعت شَيخنَا ملا عبد الرَّحْمَن بن حسن يَقُول إِن وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ يعاني التِّجَارَة فاتفق أَنه صنع خيمة عَظِيمَة انفق فِيهَا مَالا جزيلا ورصعها بالجواهر واللآلئ وَذهب بهَا إِلَى ملك الرّوم فعجز عَن قيمتهَا ثمَّ أَتَى بهَا إِلَى كجرات وَذَلِكَ فِي عهد السُّلْطَان مَحْمُود الْكَبِير فَلم يَأْخُذهَا أَيْضا فَأَرَادَ الرُّجُوع إِلَى وَطنه فاتفق أَن مر ذَات يَوْم وَكَانَ يَوْم جُمُعَة على بعض الْمَسَاجِد وَكَانَ الشَّيْخ الْكَبِير شاه عَالم فِي ذَلِك الْمَسْجِد فَسمع الجلبة والغوغاء فَقَالَ

стр. 181

مَا هَذَا فَقيل لَهُ بالقصة فَقَالَ اطلبوه فَاحْضُرْ بَين يَدَيْهِ وَعرض تِلْكَ الْخَيْمَة عَلَيْهِ فاشتراها الشَّيْخ مِنْهُ على أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِ الثّمن بعد أَيَّام وَرجع إِلَى منزله فَقَالَ بعض النَّاس لَهُ ايش صنعت ابتعت من هَذَا الشَّيْخ من أَيْن يُعْطي هَذَا الْمبلغ الَّذِي عجز عَنهُ الْمُلُوك فَدخل عِنْده هَذَا الْكَلَام وَذهب من وقته إِلَى الشَّيْخ فَوَجَدَهُ جَالِسا وَقد نصب الْخَيْمَة وَجعلهَا نهبة للنَّاس فَلَمَّا رأى التَّاجِر ذَلِك هاله هَذَا الْأَمر وَطلب من الشَّيْخ الْمبلغ قبل حُلُول الْأَجَل فَقَالَ الشَّيْخ لقد حرضك بعض النَّاس على هَذَا أَي جنس من النَّقْد تختاره فَذكر نَقْدا معينا فَرفع الشَّيْخ بساطاً كَانَ تَحْتَهُ وَأمره أَن يَأْخُذ حَقه فَوجدَ ذَلِك الْمبلغ بِعَيْنِه من جنس مَا طلب هُنَاكَ من غَيره زِيَادَة وَلَا نُقْصَان فاعترف عِنْد ذَلِك بِقدر الشَّيْخ وَطلب مِنْهُ أَن يرزقه الله ولدا فَأخْرج الشَّيْخ تانبولا من فِيهِ وَأَعْطَاهُ إِيَّاه وَقَالَ لَهُ سَيكون ذَلِك انشاء الله تَعَالَى فَرجع إِلَى بَلَده وَولد لَهُ هَذَا الْوَلَد واشتغل بتحصيل الْعُلُوم حَتَّى فاق اقرانه وَكَانَ قد سمع من وَالِده أَحْوَال الشَّيْخ وكراماته فسافر الى كجرات لملاقاته فَمَا قدر الله وُصُوله إِلَيْهَا إِلَّا بعد وَفَاته وَكَانَ وصل فِي عهد السُّلْطَان مظفر بن السُّلْطَان مَحْمُود وَكَانَ بارعاً فِي كثير من الْعُلُوم سِيمَا العقليات قيل انه كَانَ عِنْده مِنْهَا كَذَا وَكَذَا علما وَكَانَت لَهُ يَد طولى فِي علم السيميات وَعنهُ فِي ذَلِك حكايات مَشْهُورَة وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من الْعلمَاء الْأَعْلَام مَوْلَانَا وجيه الدّين ومولانا الْعَلامَة القَاضِي عِيسَى وفيهَا توفيت فَاطِمَة بنت القَاضِي كَمَال الدّين مَحْمُود بن سِيرِين بِالْقَاهِرَةِ ودفنت بالقرافة ولدت تَقْرِيبًا سنة خمس وَخمسين وَثَمَانمِائَة ونشأت فتعلمت الْكِتَابَة وَمَا تيَسّر وَتَزَوَّجت النَّاصِر بن مُحَمَّد بن الطنبغا فاستولدت ابْنَتهَا فَاطِمَة وَغَيرهَا ثمَّ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوجهَا الْعَلَاء عَليّ بن مُحَمَّد بن بيبرس حفيد ابْن أُخْت الظَّاهِر برقوق فاستولدها بيبرس ولاحظ لَهَا فِي ذَلِك مَعَ براعتها فِي النّظم وَحسن فهمها وَقُوَّة جنانها حَتَّى كَانَت فريدة فِيمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ ذكرهَا السخاوي فِي تَارِيخه وَذكر كثيرا من نظمها مِمَّا امتدحته بِهِ هُوَ وَغَيره من فضلاء ذَلِك الْعَصْر من ذَلِك أَنَّهَا أرْسلت إِلَيْهِ

стр. 182

بِأَبْيَات تستفتيه فِيهَا عَن بعض الْمسَائِل فَأجَاب عَنْهَا نثراً وَمن ذَلِك أَن الشهَاب المنصوري كتب للزين سَالم شعر أيا سيدا قد حسن الْخَالِق اسْمه ... وجمله وَالله بالخلق عَالم ... أعن بيد فِيهَا أياد لسائل وَلَا تخش حساداً فانك سَالم ... فَقَالَت هَذِه بديها أيا سيداً عَم الْخَلَائق بره ... واحسانه فرض تضَاعف لَازم ... أعن سَائِلًا يَأْتِيك والدمع سَائل ... ولاتخش من سوء فانك سَالم ... وَكَانَ بِحَضْرَة السراج الْعَبَّادِيّ وَغَيره فرجحوها عَلَيْهِ بل وَافق المنصوري على ذَلِك قَالَ وَقد حجت سنة أَربع وَثَمَانِينَ ثمَّ سنة أَربع وَتِسْعين وجاورت فِي هَذِه بجوارنا ثمَّ فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين مَعَ أَبِيهَا وجاورا فِي السّنة الَّتِي تَلِيهَا قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَبعد الْمُؤلف عمرت نَحْو أَرْبَعِينَ سنة حَتَّى بلغت نَحْو خمس وَثَمَانِينَ سنة وجاورت بِمَكَّة سِنِين عديدة فِي حُدُود الْعشْرين وخالطت سُلْطَان مَكَّة السَّيِّد بَرَكَات الحسني وَزَوجته بل وامتدحتهما وانعما عَلَيْهَا بعدة انعامات بل راسلها الشريف وَغَيره من الأكابر وجمعت نظمها فِي عدَّة كراريس وَقد أخذت دورها فِي أول دولة الأروام وتوجهت للقاهرة يسببها وفقدت نظرها وقدحت عينهَا فَلم ينْتج شَيْئا ثمَّ مَاتَ وَلَدهَا ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَضعف حَالهَا بعده رَحمهَا الله قلت وعَلى ذكر قدح الْعين فَهُنَا حِكَايَة غَرِيبَة يحسن ذكرهَا وَهِي أَن الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن الْحسن بن عبدويه بِفَتْح الْعين واسكان الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة وَالْوَاو واسكان الْمُثَنَّاة من تَحت ثمَّ هَاء تلميذ الشَّيْخ أبي اسحاق الشِّيرَازِيّ كف بَصَره فِي آخر عمره وَكَانَ متوطناً فِي جَزِيرَة كمران فَقَالَ بعض من كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ خرجت مرّة من بلدي أريده فِي الجزيرة فَدخلت المهجم فَوجدت بِهِ طَبِيبا فاخبرته بِحَال الْفَقِيه وَسَأَلته أَن يسير معي فَأَجَابَنِي وَخرج معي إِلَى المهجم ثمَّ وكبنا الْبَحْر حَتَّى أَتَيْنَا الجزيرة فَأتيت الْفَقِيه وسلمت عَلَيْهِ وأخبرته بقدومي بالطبيب فَقَالَ لَا بَأْس

стр. 183

ثمَّ لما كَانَ آخر الْيَوْم الَّذِي قدمنَا فِيهِ عَلَيْهِ دعى بِابْن ابْن لَهُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ ثمَّ املي عَلَيْهِ شعرًا وَقَالُوا قد دهى عَيْنَيْك سوء ... فَلَو عالجته بالقدح زَالا ... فَقلت الرب مختبري بِهَذَا ... فَإِن اصبر انل مِنْهُ منالا ... وان أجزع حرمت الْأجر مِنْهُ ... وَكَانَ خصيصتي مِنْهُ الوبالا ... وَإِنِّي صابر رَاض شكور ... وَلست مغيراً مَا قد أنالا ... صَنِيع مليكنا حسن جميل وَلَيْسَ لصنعه شَيْء مِثَالا ... وربي غير متصف بحيف ... تَعَالَى رَبنَا عَن ذَا تَعَالَى ... قَالَ وَلما بلغ قَوْله وَإِنِّي صابر رَاض شكور الْبَيْت رد الله تَعَالَى عَلَيْهِ بَصَره وأضاء لَهُ الْمَسْجِد وعاين ابْن ابْنه وَهُوَ يكْتب وتكامل بَصَره بِفضل الله تَعَالَى فَقَالَ لَهُ اعط الطَّبِيب مَا شَرط لَهُ فقد حصل الشِّفَاء باذن الله تَعَالَى لَا بمداواته سنة اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٢) هـ وَفِي سنة اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين توفّي الشَّيْخ الشريف عبد الله بن عَليّ بن أبي بكر وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء العارفين وَالْعُلَمَاء العاملين وَكَانَ وَالِده يَقُول فِيهِ عبد الله صوفي حَقًا وَمن كراماته أَنه كَانَ يجلس فِي بعض الْبيُوت بترم وَكَانَ الْبَيْت غميماً فَذكر لَهُ بعض الْحَاضِرين إِن الْبَيْت غميم فَقَالَ عادكم تنْظرُون من هَذِه الطَّاقَة بَيت فلَان فَبعد نَحْو عشر سِنِين اخرب السُّلْطَان بدر تِلْكَ الْبيُوت وَكَانَت كَثِيرَة وَرَأى الْبَيْت الَّذِي كَانَ أَشَارَ إِلَيْهِ من ذَلِك الْموضع وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْخَمِيس حادي عشر شعْبَان توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل بعدن وَكَانَ تفقه لوالده وانتصب بعده للتدريس بِمَسْجِد الْمدرسَة بعدن وَكَانَ فَقِيها مُحدثا فَاضلا حسن الْأَخْلَاق شرِيف النَّفس مُخَالفا للنَّاس حسن السَّعْي فِي حوائج الْمُسلمين محبباً إِلَى النَّاس سليم الصَّدْر ثمَّ عمي فِي آخر عمره وتطبب فَرد الله عَلَيْهِ بَصَره وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي ﵀ وَهُوَ من شُيُوخ وَالِدي رَحمَه الله

стр. 184

وفيهَا توصل السُّلْطَان همايون إِلَى كجرات وَهزمَ السُّلْطَان بهادر وَكَانَ مصطفى بهْرَام الْمُخَاطب رومي خَان هُوَ الَّذِي أغراه على ذَلِك وَحمله على الْمَجِيء إِلَيْهَا وكاتبه فِيهِ ثمَّ عرض لَهُ بعد ذَلِك مَا كدر خاطره من الْخَوْف على ولَايَته الْقَدِيمَة وتغلب بعض السلاطين هُنَاكَ فَذهب إِلَيْهَا وَعَاد أَمر كجرات إِلَى السُّلْطَان بهادر كَمَا كَانَ وَسبب طلب رومي خَان لَهُ أَنه كَانَ استفتح للسُّلْطَان بهارد قلعة تسمى جيتور من الْكفَّار بعد أَن تَعب فِي ذَلِك لِأَنَّهَا كَانَت حَصِينَة وَكَانَ السُّلْطَان وعده بهَا وَلم يتم لَهُ بذلك وفيهَا قتل السُّلْطَان بدر الافرانج فِي الشحر بعد أَن عزموا على قَتله فخذلهم الله تَعَالَى وَكَانَ هُوَ وإياهم فِي بَيت يشربون وَقد أغلقوا الْأَبْوَاب عَلَيْهِ فَأَخْبَرته بعض الْجوَار مِنْهُم وَلم يجد لَهُ مخرجا إِلَّا من بَيت المَاء فَخرج مِنْهُ وَسلمهُ الله مِنْهُم وَأصْبح فِي ذَلِك الْيَوْم هلب عَلَيْهِم وَقتلُوا عَن أخرهم وَأرْسل برؤوسهم إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٣) هـ وَفِي شهر ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين توفّي الْفَقِيه الصَّالح القَاضِي عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد سرومي الشحري بِمَكَّة وَكَانَ عزم إِلَى الْحَج فِي السّنة الْمَذْكُورَة فَمَا أَن وصل إِلَى مَكَّة توفّي بهَا قبل الْحَج فِي شهر ذِي الْقعدَة وَدفن بالمعلاة وَكَانَت وِلَادَته ببلدة الشحر وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ بهَا الْقُرْآن ثمَّ ارتحل لطلب الْعلم إِلَى زبيد فَأخذ عَن إمامها الْفَقِيه كَمَال الدّين مُوسَى بن الزين والعلامة جمال الدّين مُحَمَّد بن القماط وَغَيرهمَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلْدَة الشحر وَأخذ عَن عالمها الْفَقِيه الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن عبد الرَّحْمَن فضل الْمَعْرُوف بالحاج ولازمه ثمَّ سعى لَهُ ﵀ فِي وَظِيفَة الْقَضَاء بهَا فِي أَيَّام السُّلْطَان عبد الله بن جَعْفَر فولاه الْقَضَاء وَذَلِكَ أول سنة عشر بعد وَفَاة القَاضِي الصَّالح عبد الله بن عيسرين بِنَحْوِ سنتَيْن وَلم يزل مُتَوَلِّيًا بهَا الْقَضَاء إِلَى أَن عزم إِلَى الْحَج وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يحب الطّلبَة ويؤهلهم وَيُحب الإفادة والاستفادة وَكَانَ لطيفاً قريب الْجَانِب سليم الْبَاطِن ذكرَاهُ الْفَقِيه عبد الله أَبَا محزمه فِي ذيل طَبَقَات الأسنوي وَذكره أَنه

стр. 185

من جملَة شُيُوخه قَالَ وَأما مَعْرفَته فِي الْفَقِيه فَلم تكن بذلك بل كَانَ بعيد الذِّهْن ضَعِيف التَّصَرُّف بل لم أر لَهُ تَصرفا لكنه كَانَ كثير الاعتناء بالروضة قوي الصَّبْر على الطَّاعَة والأوراد النَّبَوِيَّة كثير التَّعْظِيم للأكابر من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ وَنَرْجُو من فضل الله أَن يحشرنا واياه فِي زمرتهم وينفع الْجَمِيع ببركتهم آمين وَحكي أَنه قدم إِلَى الشحر فِي بعض السنين بعض السياحين من أهل الْإِرَادَة فَقَالَ ذَات يَوْم يَوْم إِلَى القَاضِي عبد الله وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى فَأَطْرَقَ القَاضِي سَاعَة ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا أَتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ ١ فَخر ذَلِك السياح على أَقْدَام القَاضِي يقبلهَا وَبَلغنِي أَنه كَانَ اعتنى بحاشيته على الرَّوْضَة لَكِن خفيت فِي آخر أَيَّامه وَبعد وَفَاته وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن أحد أَوْلَاده دخل بهَا الْهِنْد حَتَّى أَنَّهَا عدمت وَلم تظهر وَالله أعلم فَائِدَة رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ من خرج من بَيته قَاصِدا لِلْحَجِّ وَمَات قبل أَن يحجّ فَإِن الله يُوكل ملكا يَنُوب عَنهُ بِالْحَجِّ فِي كل عَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قلت وَجرى مثل هَذَا للشَّيْخ القطب أبي الْحسن الشاذلي نفع الله بِهِ فَإِنَّهُ سَافر من بَلَده بنية الْحَج فَمَاتَ قبل أَن يحجّ وَحكي أَن الشَّيْخ فِي تِلْكَ السفرة قَالَ لأَصْحَابه فِي هَذَا الْعَام احج حجَّة نِيَابَة فَمَاتَ قبل أَن تحج فَلَمَّا رجح أَصْحَابه إِلَى الديار المصرية سَأَلُوا الْمُفْتِي شيخ الْإِسْلَام عز الدّين ابْن عبد السَّلَام وَأَخْبرُوهُ بمقالته فَبكى وَقَالَ لَهُم الشَّيْخ وَالله أخْبركُم أَنه يَمُوت وَمَا عنْدكُمْ بِهِ علم وَقد أخبر بِهِ أَن الْملك هُوَ الَّذِي يحجّ نَائِبا عَنهُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ من خرج من بَيته قَاصِدا لِلْحَجِّ وَمَات فِي قبل أَن يحجّ فَإِن الله يُوكل ملكا يَنُوب عَنهُ بِالْحَجِّ فِي كل عَام إِلَى يَوْم الْقِيَامَة

стр. 186

وفيهَا فِي ثَالِث شهر رَمَضَان قتل السُّلْطَان بهادر ابْن السُّلْطَان مظفر صَاحب كجرات فِي بندر الديو تجمع ذَلِك عدد حُرُوف قتل سلطاننا بهادر سنة أَربع وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة) ٩٤٤) هـ وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر شعْبَان سنة أَربع وَأَرْبَعين توفّي جدي الشريف عبد الله ابْن شيخ (١) عبد الله العيدروس بتريم وَدفن بهَا وَكَانَ مولده سنة سبع وَثَمَانمِائَة وَكَانَ من كبار الْأَوْلِيَاء صحب عَمه الشَّيْخ الْكَبِير فَخر الدّين أَبَا بكر بن عبد الله العيدروس صَاحب عدن واختص بِهِ وَكَذَا صحب عَمه الشَّيْخ حُسَيْن وأباه الشَّيْخ شيخ وَغَيرهمَا من الأكابر وَأخذ عَنْهُم وَتخرج بهم إِلَى بلغ الْمرتبَة الَّتِي تقعد عَلَيْهَا الخناصر وَكَانَ لَهُ جاه عَظِيم فِي قطر الْيمن وَقبُول كثير عِنْد الْخَاص وَالْعَام خُصُوصا فِي ثغر عدن وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة جمَاعَة من أَعْيَان مَكَّة وَذكر الشَّيْخ ابْن حجر الهيثمي فِي مُعْجم مشايخه ان لَهُ فِي لبس الْخِرْقَة جملَة طرق يرجع بَعْضهَا إِلَى العيدروس وَالظَّاهِر أَن الشَّيْخ ابْن حجر لبس من الْمَذْكُور بِلَا وَاسِطَة أَو لبس من بعض أُولَئِكَ الْجَمَاعَة الَّذين لبسوا من يَده الشَّرِيفَة وَالله أعلم وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق كثير الانفاق شرِيف الْأَوْصَاف نقيب الاشراف وافر الْعقل ظَاهر الْفضل غَنِي النَّفس قانعا بالكفاف وضيء الْوَجْه أَخْضَر اللَّوْن طَوِيل الْقَامَة كثير المناقب عَظِيم الْمَوَاهِب لَيْسَ فِي زمانة نَظِير وبحر فضائله غزير وبينما هُوَ ذَات يَوْم فِي الْحرم الشريف بِمَكَّة إِذْ دخل رجل بصبي وَهُوَ يُهَرْوِل بِهِ وألقاه بَين يَدَيْهِ فَإِذا بِرجلِهِ مرض واعوجاج خلقي فَمسح بِيَدِهِ الْمُبَارَكَة عَلَيْهَا فَعَادَت كاختها مُسْتَقِيمَة لَيْسَ بهَا شَيْء ببركته وكراماته كَثِيرَة رَحمَه الله تَعَالَى وَقد نظم صاحبنا الْعَلامَة عبد الْقَادِر ابْن الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد الحياني كتابي الفتوحات

стр. 187

القدوسية فَقَالَ لما انْتهى فِي النّظم إِلَى ذكر هَذَا السَّيِّد الْعَظِيم وأتى من ذَلِك بِمَا يفوق الدّرّ النّظم أما أَبوهُ الشَّيْخ عبد الله ... ذُو الْعقل وَالْفضل وسيع الجاه ... قد جَازَ فِي زَمَانه السِّيَادَة ... وَالْعلم والزهد مَعَ الْعِبَادَة ... عَلَيْهِ أنوار الْجمال الباهره ... تخافه الْمُلُوك والجبابره ... كريم نفس مكثر الانفاق ... مهذب وَحسن الْأَخْلَاق ... أَوْصَافه كَثِيره عديده ... شائعة بَين الورى حميده ... وفيهَا فِي ذِي الْقعدَة توفّي الْفَقِيه الصَّالح الشريف عمر أَبَا شَيبَان بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي بكر وَكَانَ مولده سنة ثَمَانِينَ أَو احدى وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَكَانَ من الْعلمَاء العاملين والأولياء الصَّالِحين وَحكى الْفَقِيه الصَّالح عَليّ بن عَليّ أَبَا يزِيد الدوعني المقبور بالشحر أَنه زار السَّادة الْأَشْرَاف آل أَبَا علوي فِي بعض السنين فَاجْتمع بالشريف عمر أَبَا شَيبَان وَمِمَّا وَقع لَهُ مَعَه من الكرامات أَنه قَالَ عِنْد الْخُرُوج لزيارة قبر نَبِي الله هود ﵇ تَجِدُونَ عِنْد الْقَبْر رجلا من أهل الْكَشْف يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان أَبَا سِنَان يتَكَلَّم بِكَلَام يزْعم أَنه منامات وَهُوَ من طَرِيق الْكَشْف فالزموه وَعِنْده ولدان من أَوْلَاد الْأَشْرَاف أَحدهمَا عقيل بن عبد الله وَالثَّانِي عبد الْوَدُود ف فَوَجَدنَا الْأَمر كَمَا ذكر وَوجدنَا أُولَئِكَ الَّذين سماهم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ وَقَالَ لي لابد لَك من عودة إِلَى هُنَا فعدت بعد ثَلَاثِينَ سنة وَمن تصانيفه كتاب ترياق اسقام الْقُلُوب الواف فِي ذكر حكايات السَّادة الْأَشْرَاف وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر رَجَب توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ الْحجَّة المتقن شيخ الْإِسْلَام عَلامَة الْأَنَام الجهبذ الإِمَام مُسْند الدُّنْيَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي حَدِيث سيد الْمُرْسلين خَاتِمَة الْمُحَقِّقين شيخ مَشَايِخنَا المبروزين أَبُو مُحَمَّد عبد الله الرَّحْمَن بن عَليّ الديبع الشَّيْبَانِيّ الْعَبدَرِي وجيه الدّين الشَّافِعِي الْعَالم الْفَاضِل مُلْحق الْأَوَاخِر بالأوائل قَالَ ﵀ وَرَضي عَنهُ فِي آخر كِتَابه بغية المستفيد بأخبار زبيد كَانَ مولدِي بِمَدِينَة زبيد المحروسة فِي يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع من شهر اللع الْحَرَام

стр. 188

الْحرم أول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة بمنزل وَالِدي مِنْهَا وَغَابَ وَالِدي عَن مَدِينَة زبيد فِي آخر السّنة الَّتِي ولدت فِيهَا وَلم تره عَيْني قطّ ونشأت فِي حجر جدي لأمي الْعَلامَة الصَّالح الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى شرف الدّين أبي الْمَعْرُوف إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد مبارز الشَّافِعِي ﵀ وانتفعت بدعائه لي فِي أَوْقَات الْإِجَابَة وَغَيرهَا وَهُوَ الَّذِي حدب عَليّ ورباني وأطعمني وسقاني وكساني وواساني وعليني وأوصاني جزاه الله عني بِالْإِحْسَانِ وقابله بِالرَّحْمَةِ والرضوان وَكَانَ الْمَذْكُور على قدم فِي عبَادَة الله محافظاً على قيام اللَّيْل واحياء مَا بَين العشائين وملازمة الْجَمَاعَة فِي الصَّلَوَات المفروضات تالياً لكتاب الله تَعَالَى عَارِفًا بِسنة رَسُول الله صلَة الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ الْعلم عَن غير وَاحِد من أَشْيَاخ قطره وَغَيرهم كالعلامة نور الدّين الفخري والخطيب كَمَال الدّين الضجامي والنفيس الْعلوِي وَالشَّيْخ أبي الْفَتْح المارفي والمقري شمس الدّين الجزوي وَالْقَاضِي زين الدّين مكي وَغَيرهم رَحْمَة الله عَلَيْهِم وَصَحب الشَّيْخ الصَّالح شرف الدّين أَبَا الْمَعْرُوف واسماعيل بن أبي بكر الجبرتي الصُّوفِي نفع الله بِهِ وَقَرَأَ كتب الْقَوْم وحفظها وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي فتح مغلقها وَكَانَ رَحْمَة الله تَعَالَى يؤثرني حَتَّى على أَوْلَاده الَّذين لصلبه آثر الله بحبه وقربه ثمَّ إِنِّي تعملت الْقُرْآن الْكَرِيم عِنْد سَيِّدي الْفَقِيه نور الدّين عَليّ بن أبي بكر خطاب كَانَ الله لَهُ حَتَّى بلغت سُورَة يس وانتفعت بِهِ كثيرا وَظَهَرت نجابتي عِنْده ثمَّ انْتَقَلت إِلَى سَيِّدي وخالي الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين أَبُو النجباء مُحَمَّد الطّيب بن اسماعيل مبارز جزاه الله عني خيرا فَلَمَّا رأى نجابتي أَمرنِي بِنَقْل الْقُرْآن الْعَظِيم من أول سُورَة الْبَقَرَة إِلَى آخر فقرآته عِنْده شرفاً وَاحِدًا حَتَّى ختمته وحفظته بذلك الشّرف عَن ظهر الْقلب وَأَنا ابْن عشر سِنِين وَالله الْحَمد ثمَّ توفى الله وَالِدي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى ببندر الديو من بِلَاد الْهِنْد فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَسبعين وَلم يحصل لي من مِيرَاثه سوى ثَمَانِيَة دَنَانِير ذَهَبا ثمَّ أخذت بعد ختم الْقُرْآن على خَالِي الْمَذْكُور فِي علم الْقرَاءَات السَّبع فنقلت الشاطبية ثمَّ قَرَأت الْقرَاءَات عِنْده مُفْردَة ومجموعة وَتمّ لي ذَلِك بِحَمْد

стр. 189

الله وعوني ثمَّ أخذت فِي علم الْعَرَبيَّة على خَالِي الْمَذْكُور وعَلى غَيره وَأخذت عَلَيْهِ خُصُوصا فِي علم الْحساب والجبر والمقابلة والمساحة والفرائض وَالْفِقْه حَتَّى انتفعت من كل علم مِنْهَا ثمَّ قَرَأت كتاب الزّبد فِي الْفِقْه للْإِمَام شرف الدّين البازري على شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة الصَّالح المعمر تَقِيّ الدّين مفتي الْمُسلمين أ [ي حَفْص عمر بن مُحَمَّد الْفَتى بن معيبد الْأَشْعَرِيّ ﵀ قِرَاءَة بحث وَتَحْقِيق وَفهم وتدقيق فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ حججْت إِلَى بَيت الله الْحَرَام فِي آخرهَا وانفقت الثَّمَانِية الدَّنَانِير الَّتِي ورثتها من وَالِدي ﵀ فِي تِلْكَ الْحجَّة ثمَّ تقدّمت بعد الْحَج إِلَى مَدِينَة زبيد وَقد توفّي بهَا جدي الْمَذْكُور فِي حَال غيبتي وَكَانَت وَفَاته ضحى يَوْم الْأَرْبَعَاء منتصف الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة عَن ثَمَانِينَ سنة غير أَرْبَعَة أشهر رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ قدومي يَوْم رَابِع مَوته فأقمت بزبيدعند خَالِي الْمَذْكُور فِي أطيب عَيْش وَأتم سرُور وَلم أزل عِنْده حَتَّى ذهبت إِلَى الْحجَّة الثَّانِيَة فِي أَوَاخِر سنة خمس وَثَمَانِينَ فَرَجَعت إِلَى مَدِينَة زبيد سالما غانماً ثمَّ مَنَّ الله عَليّ بِصُحْبَتِهِ شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث بَقِيَّة أهل الْيمن زين الدّين أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أَحْمد بن عيد اللَّطِيف الشرجي كَانَ الله لَهُ فَأخذت عَلَيْهِ فِي علم حَدِيث سَوَّلَ الله ﷺ وَكَانَ هُوَ المرشد لي إِلَى ذَلِك جزاه الله عني أحسن الْجَزَاء فَقَرَأت عِنْده صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَسنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وموطأ الإِمَام مَالك والشفاء للْقَاضِي عِيَاض وَعمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة لِابْنِ السّني وَالشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي والرسالة للقشيري وَجَمِيع مؤلفاته ومصنفاته وَمَا لَا يُحْصى من الْأَجْزَاء والكتب اللطيفة وَبِه تخرجت وانتفعت وألفت فِي حَياتِي كتابي المسمي بغاية الْمَطْلُوب وَأعظم الْمِنَّة فِيمَا يغْفر الله بِهِ الذُّنُوب وَيُوجب بِهِ الْجنَّة وَهُوَ الَّذِي تعلمت مِنْهُ صنعه التَّأْلِيف والتصنيف وَارْتَحَلت فِي حَيَاته بإشارته إِلَى بَيت الْفَقِيه ابْن عجيل لزيارة الْفُقَهَاء بني جغمان فَأخذت فِي الْفِقْه بهَا على شَيخنَا الإِمَام الصَّالح الْمقري ولي الله تَعَالَى جمال الدّين أبي أَحْمد الطَّاهِر بن أَحْمد عمر بن جغمان فَقَرَأت عَلَيْهِ منهاج الطالبين للنووي جَمِيعه وَمن الْحَاوِي الصَّغِير وتيسيره للبارزي ونظمه لِابْنِ الوردي إِلَى ثلث كل كتاب مِنْهَا وَأخذت فِي الحَدِيث بهَا على شَيخنَا الإِمَام الأوحد الصَّالح ذِي الْفُنُون العديدة

стр. 190

والمآثر الحميدة برهَان الدّين أبي اسحاق إِبْرَاهِيم بن أبي الْقَاسِم بن جغمان فَقَرَأت عَلَيْهِ كتاب الْأَذْكَار للْإِمَام النَّوَوِيّ وَالشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي وعدة الْحصن الْحصين للجزري وَغير ذَلِك وَسمعت عِنْده بِقِرَاءَة غَيْرِي مجَالِس من صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وبعضاً من كتاب الْإِرْشَاد مُخْتَصر الْحَاوِي للعلامة شرف الدّين ابْن الْمقري وَغير ذَلِك وانتفعت بِدُعَاء كل وَاحِد من مشايخي الْمَذْكُورين ومحبتهم لي رحم الله جَمِيعهم وشكر صنعهم ثمَّ حججْت الْحجَّة الثَّالِثَة فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وزرت بعد الْحَج قبر سيدنَا رَسُول الله ﷺ فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة مِنْهَا ثمَّ رجعت إِلَى مَكَّة المشرفة فِي الْمحرم من سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة فمنَّ الله عَليّ بلقاء الشَّيْخ الإِمَام حَافظ الْعَصْر مُسْند الدُّنْيَا فريد الْوَقْت شمس الدّين أبي الْخَيْر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السخاوي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي فِيهَا فصحبته وانتفعت بِهِ وَأخذت عَلَيْهِ فِي علم الحَدِيث النَّبَوِيّ وَسمعت عِنْده كثيرا من صحيحي البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن كتاب مشكاة المصابيح للتبريزي وَجُمْلَة من الفية الحَدِيث وقرأت عَلَيْهِ كتاب بُلُوغ المرام من أَدِلَّة الْأَحْكَام لِلْحَافِظِ أبي الْفضل بن حجر وبعضاً من كتاب سيرة ابْن سيد النَّاس الْيَعْمرِي الْمُسَمَّاة بعيون الْأَثر وبعضاً من كتاب رياض الصَّالِحين للنووي وثلاثيات البُخَارِيّ وَمَا لَا يُحْصى من الْأَجْزَاء والمسلسلات وَكَانَ يجلني وَيُشِير إِلَيّ ويعظني ويقدمني على سَائِر الطّلبَة ويؤثرني وَأحسن إِلَيّ كثيرا جزاه الله عني خيرا ثمَّ لما رجعت من الْحَج إِلَى وطني وألفت كتابي المسمي كشف الْكُرْبَة فِي شرح دُعَاء الإِمَام أبي حوبة ثمَّ ألفت بعده كتابي هَذَا بغية المستفيد فِي أَخْبَار مَدِينَة زبيد وَلما وقف عَلَيْهِ مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الظافر عَامر بن عبد الْوَهَّاب بن دَاوُد طَاهِر جدد الله سعوده ونضر جُنُوده طلبني إِلَى مَجْلِسه الشريف العالي المنيف واستجاده وَاسْتَحْسنهُ وَدَعَانِي ونبهني على إِلْحَاق أَشْيَاء فِيهِ كنت أغفلتها واستدراك فَوَائِد شوارد لم اكن ذكرتها ثمَّ اختصرت مِنْهُ كتابي الْمُسَمّى بِالْعقدِ الباهر فِي تَارِيخ دولة بني طَاهِر ذكرت فِيهِ دوله جديه بني طَاهِر ووالده ومآثرهم الحميدة ودلته الْمُبَارَكَة الميمونة السعيدة

стр. 191

فَلَمَّا وقف عَلَيْهِ مَوْلَانَا السُّلْطَان أضَاف عَليّ مواهب الْجُود والاحسان وأجازني من مواهبه الهنية بجائزة مَيْمُونَة سنية ثمَّ حصل هَذَا التَّارِيخ تحصيلا عظميا وَتَقَدَّمت بِهِ إِلَى مَوْلَانَا السُّلْطَان وَهُوَ إِذْ ذَاك بمحروسته المقرانة مُقيما وقدمت إِلَيْهِ فأثابني بِثَوَاب عَلَيْهِ وأفاض عَليّ من مواهبه وَكَرمه مَا يقصر صوب الْغَمَام عَن غزير ديمه وَلم أزل عِنْده فِي روض اريض وجود فياض عريض حَتَّى أذن لي فِي الرُّجُوع إِلَى وطني وخلع عَليّ خلعة نفيسة وأكرمني وتصديق عَليّ بَيْتا مِنْهُ سلطانية بمدنية زبيد للسُّكْنَى وَأَعْطَانِي قِطْعَة نخل بوادي زبيد وصيرني إحسانه قِنَا وتلافاني بعد الضعْف وتدارك وَجعل لي قِرَاءَة الحَدِيث بِجَامِع زبيد عَليّ الْمِنْبَر الْمُبَارك فَرَجَعت مَسْرُورا إِلَى الوطن فِي نعْمَة وافرة وَحَال حسن شاكرا لجوده وإحسانه معترفا بفضله وامتنانه سَائِلًا الله تَعَالَى أَن يجمع الْخلق على طَاعَته وَأَن يمد فِي أَيَّام دولته وَأَن يعز بمتابعته كل صبار شكور ويذل بمخالفته كل ختار كفور وَيجمع لَهُ بَين نَصره الْعَزِيز وفتحه الْمُبين وَيجْعَل كلمة الْحق بَاقِيَة فِيهِ عقبَة إِلَى يَوْم الدّين آمين آمين آمين لَا أرْضى بِوَاحِدَة ... حَتَّى أضيف إِلَيْهَا ألف آمينا ... وَهَذَا مُحَصل خبر مبتداه إِلَى منتهاه رَحمَه الله تَعَالَى أَخذ عَنهُ الأكابر كالعلامة بن زِيَاد وَالسَّيِّد الْحَافِظ بن حُسَيْن الأهدل وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ المزجاجي وَغَيرهم وَأَجَازَ لمن أدْرك حَيَاته أَن يروي عَنهُ فَقَالَ أجزت المدركي وقتي وعصري ... رِوَايَة مَا تجوز روايتي لَهُ ... من المقروء والسموع طرا ... وَمَا ألفت من كتب قَليلَة ... وَمَا لي من مجَاز من شيوخي ... من الْكتب القصيرة والطويلة ... وأجو الله يخْتم لي بِخَير ... ويرحمني برحمته الجزيله ... وَسمعت صاحبنا الْعَلامَة الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد الجابري ﵀ يَقُول أخبرنَا شَيخنَا السَّيِّد الطَّاهِر بن عبد الرَّحْمَن بن الأهدل قَالَ أخبرنَا شَيخنَا الضياء وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الديبع بِمَا لَفظه قَالَ

стр. 192

أَخْبرنِي شَيخنَا القَاضِي الْعَلامَة الْعدْل الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النَّاشِرِيّ كَانَ الله لَهُ وَزَاد فَضله قَالَ اخبرني الْفَقِيه كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله فقيش وَهُوَ رجل ثِقَة صَالح قَالَ أَخْبرنِي الْفَقِيه عمر بن مُحَمَّد الملاح وَهُوَ ثِقَة صَالح قَالَ تزوجت امْرَأَة شَابة وَأَنا رجل كَبِير وَكَانَ أَهلهَا يحبوني ويعتقدوني وَهِي كارهة بباطنها لصحبتي من حَيْثُ كبري وَتظهر الود من أجل أَهلهَا فاتفق أَن امْرَأَة دخلت عَلَيْهَا خُفْيَة مني وَأَنا أسمع وَهِي لَا تشعر بِي وَكَانَت كلما تَكَلَّمت كلمة كتبتها فِي ورقة عِنْدِي ثمَّ أَن الْمَرْأَة أَرَادَت أَن تخرج فَقَالَت لَهَا زَوْجَتي أصبري نقرا الْفَاتِحَة كَمَا يفعل الْفَقِيه وَأَصْحَابه فَقَرَأت هِيَ وَالْمَرْأَة فَكتبت أَيْضا قراءتهما الْفَاتِحَة ثمَّ ذكرت لأخوتها وَقلت لَهُم لَا تكرهوها وَأَرَدْت أَن أفارقها فكرهوا ذَلِك وعتبوا عَلَيْهَا فأنكرت جَمِيع مَا صدر عَنْهَا فَقلت لَهُم قد كتبت كَلَامهَا فِي ورقة ثمَّ جِئْت بِالْوَرَقَةِ لأريهم كَلَامهَا فَلم أجد فِي الورقة شَيْئا سوى الْفَاتِحَة وَهَذَا من بَرَكَات الْفَاتِحَة قَالَ الْحَافِظ الديبع قَالَ شَيخنَا جمال الدّين هَذَا مَا أَخْبرنِي بِهِ الْفَقِيه مُحَمَّد فقيش ولعمري أَن هَذَا من فَضلهَا قَلِيل وَقد قَالَ مُحَمَّد ﷺ أَنَّهَا رقية وَذَلِكَ حَقِيقَة أَنَّهَا رقية الظَّاهِر وَالْبَاطِن قَالَ الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد السَّلَام وَلَقَد أَخْبرنِي الْفَقِيه مُحَمَّد بن عطيف أَيَّام وصل إِلَيْنَا زبيد أَن رجلا رأى أَن الْقِيَامَة قَامَت وَأَن منادياً يُنَادي يَا أهل الْيمن قومُوا ادخُلُوا الْجنَّة فَقيل للمنادي بِمَا أعْطوا هَذِه الْمنزلَة قَالَ لقراءتهم الْفَاتِحَة وَكَانَ اخباره لي بذلك إِنَّا كُنَّا دَخَلنَا عَلَيْهِ نتحدث عِنْده سَاعَة فَإِذا أردنَا الْخُرُوج طلب منا قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَكَذَا كل من دخل عَلَيْهِ من أهل زبيد يعجب من هَذِه الْقَاعِدَة وَذكر هَذِه الْقِصَّة وَالْحَمْد الله الَّذِي ألهمنا ذَلِك وتفضل علينا بفضله سُبْحَانَهُ وَوجدت بِخَط شَيخنَا الشَّيْخ أبي السعادات الفاكهي الملكي قَالَ وجدت بِخَط شَيخنَا الْحَافِظ وحيد الدّين عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الديبع مَا لَفظه الْحَمد الله مُصَنف كتاب مولد النَّبِي ﷺ المفتتح بِالْحَمْد لله الَّذِي شرف الْأَنَام بِصَاحِب الْمقَام الْأَعْلَى هُوَ الشَّيْخ الامهام شهَاب الدّين أَحْمد

стр. 193

ابْن عَليّ بن قَاسم الْمَالِكِي الأندلسي المرسي اللَّخْمِيّ الشهير بالحريري وَهَذَا المولد هُوَ الْفَصْل التَّاسِع من كِتَابه الَّذِي صنفه فِي الْوَعْظ وَالرَّقَائِق ووقفت على الْجُزْء الأول مِنْهُ يشْتَمل على خَمْسَة وَعشْرين فصلا بعد طول الْبَحْث عَن مؤلف هَذَا الْكتاب وَعدم مَعْرفَته عِنْد أَكثر الْعلمَاء وَهَذِه فَائِدَة تَسَاوِي رحْلَة انْتهى مَا وجدته قلت وَبِذَلِك بِعلم عدم صِحَة نِسْبَة هَذَا المولد إِلَى ابْن الْجَوْزِيّ فَإِنِّي سَمِعت كثيرا من النَّاس بنسبونه إِلَيْهِ وَالله أعلم وَمن شعره فِي اللُّغَات الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن نزل الْقُرْآن بِلَفْظ سبع قبائل ... وَهُوَ قُرَيْش مَعَ خُزَاعَة واليمن ... وَتَمِيم ثمَّ هُذَيْل والسعدان ... سعد هزيم مَعَ سعد بن بكر فاعلمن ... وَله فِي مصنفات النَّوَوِيّ أَيهَا السالك نهج الْمُصْطَفى ... تَابعا سنته فِي كل حِين ... غير كتب النَّوَوِيّ لَا تعتمد ... وتنزه فِي رياض الصَّالِحين ... وَله فِي الْأَرْبَعين النَّوَوِيّ أَيهَا الطالبون علم حَدِيث ... هَذِه أَرْبَعُونَ حَقًا صَحِيحَة ... كلهَا غير سَبْعَة فحسان ... فاعتمدها فَأَنَّهَا لصحيحة ... وَمِنْه فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم تنَازع قوم البُخَارِيّ وَمُسلم ... لدي وَقَالُوا أَي ذين يقدم ... فَقلت لقد فاق البُخَارِيّ صِحَة ... كَمَا فاق فِي حسن الصِّنَاعَة مُسلم ... وَمِنْه أَيْضا فيهمَا قَالُوا لمُسلم سبق ... قلت البُخَارِيّ جلا ... قَالُوا تكَرر فِيهِ ... قلت المكرر أحلا ... وَمن شعره كفاني من عجزي وفخري أَنِّي ... جبلت على التَّوْحِيد واخترته طبعا ... وَأَنِّي لم أُشرك بربي غَيره ... وَأَنِّي للرحمن عبد لَهُ أدعا ...

стр. 194

وَمِنْه قَوْله يارب كم أَنْعَمت من نعْمَة ... عَليّ مَعَ عجزي وتقصيري ... إِن لم تقبل عَمَلي لم يكن ... بنافعي جدي وتشميري ... وَمِنْه قَوْله أذنبت والرحمن ذُو منَّة ... بِالْعَفو والغفران للمذنبين ... أوقعني فِي الذَّنب تَقْدِيره وَهُوَ تَعَالَى أرْحم الرَّاحِمِينَ ... وَمِنْه قَوْله أَعْضَاء ابْن آدم فِيهَا مَا ... بأوله كَاف وعدتها عشر هِيَ الْكُوع ... كف وكتف وكبد كَاهِل ... وكلا وكمرة كفل كَعْب وكرسوع ... وَمِنْه قَالَت لي النَّفس أما تَسْتَحي ... فَقلت توفقي على خالقي ... قد أحسن الرَّحْمَن فِيمَا مضى ... لَا بُد أَن يحسن فِيمَا بَقِي ... وَله وَقد أشترى جَارِيَة أسمها حَرِير حَرِير لعمري جنَّة ولي وجنة ... بهَا الله أغناني وَكنت فَقِيرا ... صبرت فساق الله لي أحسن الجزا ... على حسن صبري جنَّة وَحَرِيرًا ... وَله فِي الزَّبِيب الرازقي يَا أهل صنعاء قد رزقم جنَّة ... أنهارها حفت بلطف الْخَالِق ... ورزقم فِيهَا زبيباً ابيضا ... وَبلا نوى فتنعموا بالرازق ... وَمِنْه فِي مقامات الحريري أحب مقامات الحريري لِأَنَّهَا ... لَدَى مسمعي أحلى من الْمَنّ والسلوى ... وَلست بِهَذَا القَوْل أول قَائِل ... بريت إِلَى الرَّحْمَن من كذب الدَّعْوَى ... فقد قَالَ قبلي ابْن العجيل لصحبه ... بِغَيْر تحاش هَذِه طبق الْحَلْوَى ... وَكَانَ إِمَامًا لايجازف فِي الَّذِي يفوه ... بِهِ فوه وحاشاه أَن يغوى ... وَمَا قَالَ إِلَّا الْحق وَالله أَنَّهَا ... لأحلى من الْحَلْوَى وَمن وصع من أَهْوى ... وَبَلغت من فضلاء عصره أَنه ﷺ خضب لحيته فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ وَكتب بِهَذِهِ الأبيات

стр. 195

وَالله مَا وقر الْمُخْتَار من مُضر ... من أدعى أَنه للشيب قد خضبا ... لم يبلغ الخضب فِيمَا قَالَه أنس ... وَهُوَ الْخَبِير بِهِ من دون من صحبا ... إِذْ كَانَ خادمه دهرا ملازمه ... لَيْلًا وصبحا مُقيما عِنْده حقبا ... قَالُوا احمر مِنْهُ الشّعْر قَالَ نعم ... من كَثْرَة الطّيب تِلْكَ الْحمرَة اكتسبا ... مَا شَاب شيباً إِلَى فَفعل الخضاب دعى ... بل كَانَ يدْخل تَحت الْحصْر لوحسبا ... إِذْ تدهن وارى الدّهن ذَاك فَلم ... ير لَهُ اثراً من رام أَو طلبا ... وَمن يقل قد أرتني أم سَلمَة مخضوبا ... من الشّعْر أَي من طيبه أنخضبا ... إِذْ لم يُقَال أَنَّهَا لَهُ خضب النَّبِي ... هَذَا مقَال الْحق قد وجبا ... وَمن روى صبغة بالصفرة اعتبروا ... مَا قَالَ فِي ثَوْبه أَو فعله أدبا ... لَا فِي الشُّعُور وَقس مَا قيل فِيهِ على ... مَا قيل أَن رَسُول الله قد كتبا ... وَكَانَ ثِقَة صَالحا حَافِظًا للْأَخْبَار والْآثَار متوضعا انْتَهَت اليه رئاسة الرحلة فِي علم الحَدِيث وقصده الطّلبَة من نواحي الأَرْض وَمن مصنفاته تيسير الْوُصُول إِلَى جَامع الْأُصُول مجلدين مِصْبَاح الْمشكاة وَشرح دُعَاء ابْن أبي حربه وَكتاب غَايَة الْمَطْلُوب وَأعظم الْمِنَّة فِيمَا يغْفر الله بِهِ الذُّنُوب وتوجب بِهِ الْجنَّة وَله كتاب بغية المستفيد فِي أَخْبَار مَدِينَة زبيد وَكتاب قُرَّة الْعُيُون فِي أَخْبَار الْيمن الميمون وَله مولد شرِيف نبوي وَله كتاب الْمِعْرَاج إِلَى غير ذَلِك من المؤلفات وَلم يزل على الإفادة وملازمة بَيته ومسجده لتدريس الحَدِيث وَالْعِبَادَة واشتغاله بخصوصيته عَمَّا لَا يعنيه إِلَى أَن توفّي رجمه الله وَاجْتمعَ بِهِ سَيِّدي الْوَالِد بزبيد سنة اثْنَتَيْنِ وأبعين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَنهُ ﵏ الْجَمِيع آمين سنة خمس وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٥) هـ وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة آخر يَوْم من شهر صفر الْخَيْر سنة خمس وَأَرْبَعين توفيت أم السيدة الشَّرِيفَة الصَّالِحَة فضل الله بنت السَّيِّد الشريف الصَّالح المجود لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم مُحَمَّد بن حسن بن أَحْمد بن عمر أَبَا علوي وَذَلِكَ بعد وَفَاة زَوجهَا السَّيِّد عبد الله بِنَحْوِ سِتَّة أشهر وَنصف وَهِي أم سَائِر أَوْلَاده خلا رقية رَحمهَا الله تَعَالَى

стр. 196

وفيهَا فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشْرين الْمحرم كَانَت ولادَة شَيخنَا السَّيِّد الْكَبِير وَالْعلم الشهير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عفيف الدّين الشَّيْخ عبد الله العيدروس فسح الله فِي مدَّته بتريم وتاريخ ذذلك الْعَام بجمعه ذرهم وَكَانَ جعل هَذَا التَّارِيخ وَالِده نفع الله بِهِ ثمَّ نظمه فَقَالَ ذرهم إِشَارَة للك عَن الْعبارَة ... بفصح بميلادك مَعَ الْبشَارَة ... الله قل ذرهم فِي الْحَرَارَة ... فِي ضمنهَا التَّوْحِيد وَالْإِشَارَة ... وَنَشَأ على قدم العفاف وَالتَّقوى وَقَرَأَ على جمَاعَة من عُلَمَاء عصره وشارك فِي كثير من الْفُنُون مَعَ عقل وجود وتواضع وحلم وَحسن خلق وَمَا أحسن قَوْله شَيخنَا الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي بن حسن أَبَا كثير الْمَكِّيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِيهِ هُوَ القطب عبد الله نخبة حيدر ... رَبِّي العلى وَالْمجد وَالْأَصْل هَاشم ... تفرد بِالْمَعْرُوفِ وَالدّين والتقى ... وَلَيْسَ لَهُ فِي عصره من يُقَاوم ... لَهُ همة فَوق السماكين قد علت ... وَحسن اتضاع زينته المكارم ... فِيمَا ابْن رَسُول الله يَاسر سبطه ... وَيَا بضعَة الزهراء جاهاً وفايم ... ورثت الْعلَا وَالْمجد لَا عَن كَلَالَة ... فآباؤك الْأَطْهَار أَسد ضراغم ... فياقطب ياابن القطب يَا أوحد الورى ... رقيت مقَاما لَيْسَ فِيهِ مُزَاحم ... بصدر رحيب وَاسع قد وسعتهم ... وجود حَكَاهُ الوابل المتراكم ... وسعت الورى حلماً وبشراً بهيبة ... وَبِذَلِك للمعروف والثغر باسم ... ثَنَاء جميل عَنْك يثنى معطر ... ووفرك مبذول وعرضك سَالم ... دماثة أَخْلَاق عَطِيَّة خَالق ... وخيم كريم أَصله متقادم ... جمعت خِصَالًا يَا ابْن شيخ حميدة ... بِوَاحِدَة يسمو الْفَتى ويساهم ... حَيَاء ومعروفاً وجودا بشاشة ... وعلماً وحلماً جلّ من هُوَ قَاسم ... وَهُوَ الله كَمَا وَصفه شَيخنَا وَفَوق ذَلِك فكم قد اجْتمع فِي ذَاته الشَّرِيفَة من الْأَخْلَاق المحمودة المنيفة كالحياء والمروءة والسخاء والفتوة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ جواد كريم عَالم بِالْكتاب وَالسّنة عَامل بهما قَائِم بِمَا جرى عَلَيْهِ سلفه من الأوراد الْأَذْكَار واكرام الوافدين واطعام الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وبذل الجاه فِي الشفاعات للْمُسلمين وَإِصْلَاح ذَات بَينهم حَتَّى أَنه لَو

стр. 197

حلف الْحَالِف أَنه لم يكن أكْرم مِنْهُ وَلَا أَعقل مِنْهُ فِي زَمَنه لم يَحْنَث إِلَى غير ذَلِك من الْأَحْوَال الباهرة والكرامات الظَّاهِرَة ومقامات الرِّجَال وصفات الْكَمَال ورحم الله الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي حَيْثُ يَقُول فِيهِ من قصيدة ي خليلي يمما أَرض نجد ... واسلكا كل فدفد وقفار ... واقصدا حَضرمَوْت نَحْو تريم ... بقْعَة الْخَيْر منبت الْأَخْبَار وانزلا ساحة الْمجد عبد الله ... مَعْدن الْأَسْرَار ... الشريف المنيف غوث البرايا ... كَامِل الْوَصْف عالي الْمِقْدَار ... عيدروس الْهدى إِمَام الْمَعَالِي ... مستباح الندى منيع الْجَار ... وسع الوافدين حلماً وجودا ... قد حكى شيخ فِي اقتفاء الْآثَار ... خلق كالنسيم سهل وجود ... فِي يَدَيْهِ كالوابل المدرار ... همة زاحمت نُجُوم الثريا ... واتضاع مزين بوقار ... لَك يَا عيدروس ذكر جميل ... وثناء فِي سَائِر الاعصار ... خصك الله بالسماحة وَالْبر ... وبذل الْمَعْرُوف للزوار ... وبفضل جم وخيم كريم ... فطْرَة الله الْوَاحِد القهار ... لَا برحم يَا آل شيخ هداة ... وحماكم مستودع الْأَسْرَار ... مِنْكُم القطب وَالْوَلِيّ ومنكم ... كل قرم يسمو على الأقمار ... وَأمه الواليه الصَّالِحَة فَاطِمَة بنت الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ عَليّ ابْن أبي بكر وَأثْنى عَلَيْهِ جمَاعَة من الكبراء وَأَشَارَ إِلَيْهِ غير وَاحِد من الصلحاء وَكَانَ وَالِده يُحِبهُ ويجله ويعظمه ويحترمه حَتَّى أَنِّي سمعته مرَارًا يَقُول مَا أحد يعرف قدري مثل وَالِدي عبد الله وَكَانَ بعض أَوْلَاد السَّيِّد عبد الله الْمَذْكُور يقْرَأ عَلَيْهِ بعض المدائح الَّتِي قيلت فِي سَيِّدي الشَّيْخ عبد اللع العيدروس فَقَالَ لَهُ عِنْد ذَلِك لَا تشهد هَذَا إِلَّا فِي أَبِيك أَو كَمَا قَالَ وَكَانَ بنى الْمَسَاجِد والنخيل الَّتِي اتخذها وَالِدي بحضرموت كلهَا على يَدَيْهِ وَكَانَ وَالِدي قد جعله وَكيلا مُطلقًا فِي كل مَا يتَعَلَّق بِهِ لما رآى من نجابته وكياسته وَلم يُسَافر من بَلَده تريم إِلَّا مرّة وَاحِدَة فانه قد دخل فِيهَا إِلَى الْهِنْد لزيارة وَالِده وَذَلِكَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَرجع إِلَيْهَا فِي عَامه وَله من المصنفات شَجَرَة آل أَبَا علوي وَضعهَا على أسلوي بديع

стр. 198

وَمن كراماته أَنه كَانَ أَمرنِي بِالسَّفرِ إِلَى بروج والاقامة بهَا إِلَى أَن يَأْذَن الله وَمَا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة من حَيْثُ الظَّاهِر وامتثلت اشارته فَفتح الله عَليّ من فَضله بأَشْيَاء مَا كنت أتوقعها وَمِنْهَا أَنه كَانَ فِي بعض السنين كتب يَأْمر بالاهتمام فِي عمَارَة قبَّة على ضريح وَالِده نفع الله بِهِ وَمَا كَانَ يَتَيَسَّر ذَلِك بِسَبَب قلَّة توفيق أهل الزَّمَان وَعدم مساعدتهم فِي فعل الْخَيْر ثمَّ وَقع الشُّرُوع فِيهَا بعد ذَلِك وتيسر بناؤها على احسن مَا يكون ببركته نفع الله بِهِ آمين وَكَانَ كف بَصَره الشريف مُنْذُ سنوات ثمَّ رد الله عَلَيْهِ بَصَره وعد ذَلِك من خرق الْعَادَات وَكتب إِلَيْهِ الشَّيْخ الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد عَليّ البسكري مهنئاً لَهُ بِهَذِهِ الأبيات حمداً لما اولاك مَوْلَاك من ... نعمائه الظَّاهِرَة الخافيه ... قد نور الْأَبْصَار من نوره فالعين كالسمع غَدَتْ واعيه ... وسل سَيْفا كَانَ فِي غنده ... على عتاة حسد طاغيه ... يهني عفيف الدّين غوث الورى ... قطب الملا أنواره الزاهيه ... بهناك نور الْحق هاقد أَتَى ... من فضل رب عينه راعيه ... فَالْحَمْد الله وشكراً لَهُ ... على زَوَال الْعِلَل الماضيه ... قد سرنا وَالله مَا قد أَتَى ... من صِحَة تبقى وَمن عافيه ... وسر سادتنا وَأهل وَمن ... قد كَانَ فِي الْحَضَر وَفِي الباديه ... وسر أهل الْجُود ثمَّ التقى ... وَخص مولى ذَاته ساميه ... غوث الورى فَخر الْعلَا سيد ... إِلَى الْمَعَالِي نَفسه راقيه ... عبد الاله الْقَادِر الْفَخر من ... يمناه بالجود غَدَتْ ساريه ... ذُو غرَّة كالبدر فِي تمه ... ترتاح مِنْهُ الند والغاليه ... والمسك والكافور والعنبر ... الرطب إِذا وافا مَعَ الناغيه ... كَذَا شهَاب الدّين ذُو الْحَال من ... كل الملا مِنْهُ الدعا راجيه ... العيدروس القطب رب الندا ... حاوي الْعلَا ذُو الْأَنْفس الزاكيه ... قد سرهم وَالله أخباركم ... من كل مَكْتُوب وَمن ناحيه ... فدم مدى الْأَيَّام فِي نعْمَة ... تبقى لكم فِي عيشة راضيه

стр. 199

وَالْعَبْد يَرْجُو مِنْكُم دَعْوَة ... بِأَن ينَال الْأَمْن فِي الفانيه ... فِي الدّين وَالدُّنْيَا وَفِي الْأَهْل مَا ... كَانُوا بِذِي الدُّنْيَا وَفِي الثانيه ... وصل يَا رب على الْمُصْطَفى ... وَآله مَا دَامَت العاليه ... سنة سِتّ وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٦) هـ وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين توفّي الشَّيْخ الْكَبِير الْوَلِيّ شهَاب الدّين أَحْمد ابْن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ عَليّ بن الشَّيْخ أبي بكر أَبَا علوي وَكَانَ من الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين وَحكى انه اجْتمع بِحجَّة الاسلام الْغَزالِيّ يقظة فِي غرفَة بداره فِي بلدته تريم فاستجاز مِنْهُ كتبه فَأَجَازَهُ وَأذن لَهُ اجازتها روى ذَلِك عَن الشَّيْخ الْوَلِيّ عبد الرَّحْمَن بن عمو العمودي نفع الله بِهِ وروى أَنه زار مرّة قبر جده السَّيِّد أَحْمد بن عِيسَى وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى بور لأخذ شَيْء من التفاؤل مِنْهَا فَحصل لَهُ وَهُوَ جَالس عِنْد قبوه الْمَعْرُوف الْآن ذُهُول وغيبة ثمَّ أَفَاق وَأخْبر أَنه استحضر روحانيته وَسَأَلَهُ عَن قَبره أهوَ ذَلِك حَقِيقَة فَقَالَ نعم ثمَّ ذكر أَنه طلب وَهُوَ تِلْكَ الْحَالة أَن يحصل لَهُ من أهل بور اربعمائة نقِيل من غير طلب وَقَالَ ان حصل لنا ذَلِك مِنْهُم من غير طلب فَذَلِك حق ثمَّ دخل بور وَقصد جَامعهَا فهرع النَّاس إِلَيْهِ وَكَانَ كل من سلم عَلَيْهِ مِنْهُم قَالَ عِنْدِي لكم من النقاول مَا هُوَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى وفت الأربعمائة فَأَرَادَ أَن يُحَقّق ذَلِك أَيْضا فَأمر من يطْلب مِنْهُم غير ذَلِك فاجتهدوا فِي ذَلِك فَلم يحصل فَزَالَتْ الشُّبْهَة وَمِنْهَا أَنه قدم بعض قرى حَضرمَوْت وَكَانَ قد شرع فِي بِنَاء بَيت لَهُ بتريم فَطلب بعض أهل تِلْكَ الْقرْيَة وَقَالَ نُرِيد مِنْك حَاجَة فَقَالَ لَهُ ذَلِك الرجل وَأَنا أُرِيد مِنْك حَاجَة فَقَالَ الشَّيْخ تتمّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ نُرِيد الْخَشَبَة الَّتِي عنْدك نَجْعَلهَا بَابا للبيت وَأَنت مَا حَاجَتك قَالَ أُرِيد أَن أَقرَأ الْقُرْآن بِظهْر الْغَيْب فَقَالَ لَهُ افْتَحْ فمك ففتحه فتفل فِيهِ ثَلَاثًا فحفظ الْقُرْآن لوقته وَرَأَيْت فِي مَجْمُوع مناقبه لفقيره الْوَلِيّ الصَّالح الشهير يحيى خطيب أَنه سَمعه يَقُول دخلت على جدي الشَّيْخ يَوْمًا فِي حَيَاته ولي من

стр. 200

الْعُمر سبع سِنِين فَقَالَ تَعَالَى فَجئْت إِلَيْهِ فَمد إِلَيْهِ لِسَانه وَقَالَ لي مصها فمصصتها سَاعَة طَوِيلَة ثمَّ قَالَ لي يَا وَلَدي أَنْت وَارِث سري وَفِيه أَيْضا من كَلَامه أَنه نفع الله بِهِ قَالَ من نظر إِلَى الْمَشَايِخ بِعَين العظمة حرم بركتهم وَمن نظرهم بِعَين التَّعْظِيم رزق بركتهم وَلحق بهم وَإِن لم يعلم بعملهم وَكَانَ مولده سنة سبع وَثَمَانِية وثمانيائة وفيء هَذِه السّنة سَار الشَّيْخ أَبُو بكر العيدروسي نفعنا الله ببركاته من بَلْدَة تريم لِلْحَجِّ وَهِي الْحجَّة الْأَخِيرَة وَلم يعد إِلَى تريم بل أَقَامَ بعدن وتوطنها إِلَى أَن مَاتَ بهَا ﵀ سنة سبع وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٧) هـ سنة سبع وَأَرْبَعين توفّي الْعَلامَة الطَّيِّبِيّ ابْن الْفَقِيه الإِمَام الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد محزمه بعدن وَدفن فِي قبر جده لأمه القَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن مَسْعُود أبي شكيل بِوَصِيَّة وَلَك فِي قبَّة الشَّيْخ جَوْهَر رَحِمهم الله تَعَالَى وَكثر الْحزن والتأسف من الْخَاص وَالْعَام وَكَانَ من محَاسِن الدَّهْر جمع الله فِيهِ من محَاسِن الصِّفَات من التواصع وَحسن الْخلق والبشاشة ولين الْجَانِب وكرم النَّفس وصلَة الاخوان وَالصَّبْر والرفق ومداراة النَّاس وَحسن التَّدْبِير والمواظبة على الطَّاعَة ولد بعدن لَيْلَة الْأَحَد لَيْلَة الْأَحَد الثَّانِي عشر شهر ربيع الثَّانِي سنة سبعين وَثَمَانمِائَة وَأخذ عَن وَالِده وَعَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد فضل وانتفع بِعْ كثيرا ولازمه وكلك أَخذ عَن غَيرهمَا كَالْقَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن حُسَيْن القماط وَالْقَاضِي الْعَلامَة أَحْمد بن عمر المزجد وَذَلِكَ فِي أَيَّام قضائهما بعدن وتفنن فِي الْعُلُوم وبرع وتصدر للقتوى والأشغال وَكَانَ من أصح النَّاس ذهناً واذكاهم قريحة واقربهم فهما وَمن أحسن الْفُقَهَاء تدريساً حَتَّى أَن جمَاعَة من الطّلبَة وَغَيرهم يذكرُونَ أَنهم لم يرَوا مثله فِي حسن التدريس وَحل المشكلات فِي الْفِقْه وَصَارَ فِي آخر عمره عُمْدَة الْفَتْوَى بعدن هُوَ ومعاصره الْعَلامَة مُحَمَّد بن عمر أَبَا قضام وَأَبُو الْمَذْكُور كثير الاسحضار للفروع وَحسن التَّصَرُّف فِيهَا وَلَيْسَ لَهُ فِي غير الْفُرُوع يَد وَأما الْمَذْكُور فَإِنَّهُ يُشَارك فِي كثير من الْعُلُوم مِنْهَا الْفِقْه وَالتَّفْسِير

стр. 201

والْحَدِيث والنحو واللغة وَغَيرهَا وَرُوِيَ عَن تِلْمِيذه الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر الْحَكِيم أَنه كَانَ يَقُول سَمِعت شَيخنَا يَعْنِي شَيْخه الْمَذْكُور يَقُول اقرئ فِي أَرْبَعَة عشر علما أَو كَمَا قَالَ يقر فِي أَرْبَعَة عشر علما وَالله أعلم وَولى الْقَضَاء بعدن وَحدث بِهِ فِي آخر عمره وَجمع عطله عَن الْحَرَكَة وَذَلِكَ يبس قوي فِي عصبَة وتشنج فِي بدنه وَلم يزل يتزايد بِهِ حَتَّى مَنعه من الصَّلَاة إِلَّا بالايماء بِرَأْسِهِ وَمكث كَذَلِك نَحْو سنتَيْن أَو أَكثر واستمرت بِهِ هَذِه الْعلَّة إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَلابْن أَخِيه الْفَقِيه عبد الله عبد الله بن عمر محزمه فِيهِ مرثية عَظِيمَة مطْلعهَا ... انهد ركن الدّين وَهُوَ قويم ... وانهار طود الْمجد وَهُوَ صميم وتغيرت شمس الْبِلَاد واظلمت ... وتناثرت من أفقهن نُجُوم والأفق متعسكر الظلام كَأَنَّمَا ... الدُّخان هُوَ جو السما مركوم هَذِه عَلَامَات الْقِيَامَة هَذِه أَلا ... شراط هَذَا الْموعد المحتوم هَذَا لإِمَام قضى عَلَيْهِ نحبه ... الطّيب الْعَلامَة المرحوم شيخ الْعُلُوم وناشر أعلامها ... محيي الفهوم إِذا تَمُوت فهوم علم الْأَئِمَّة وَاحِد فِي عصره ... وَلكُل عصر وَاحِد مَعْلُوم من للعلوم الزهر بعد وَفَاته ... هَيْهَات ق رمست وَرَاه عُلُوم ... وَمِنْهَا ... مولَايَ اوحشت الديار فَهَذِهِ ... أطلالكم فِيهَا تصيح البوم لَا عَيْش يصفو بعدكم كلا ... تِلْكَ الرسوم وَإِن عظمن رسوم قد كَانَت الدُّنْيَا تزين بذكركم ... مِنْهَا الْعرَاق ومصرها وَالروم واختص ذَا الْيمن الْمُبَارك الَّذِي قد خصّه واليمن فِيهِ قديم لَا سِيمَا عدن فقد فخرت بكم ... فخراً على وَجه العلى مرقوم والثغر مِنْهَا كَانَ يبسم ضَاحِكا ... فاليوم يبكي واعترته هموم لهفي على تِلْكَ المحاسن أَنَّهَا ... كالزهر وَهُوَ الطّيب المشموم وسع الْأَنَام فكلهم أَوْلَاده ... راضون عَنهُ كَأَنَّهُ مَعْصُوم كثرت فضائله فطاب لقَائِل ... فِي وَصفه المنثور والمنظوم

стр. 202

وَله رَحمَه الله تَعَالَى تصانيف حَسَنَة مِنْهَا شرح صَحِيح مُسلم غَالب واستمداده فِيهِ من شرح الإِمَام النَّوَوِيّ بل هُوَ فِي الْحَقِيقَة شرح النَّوَوِيّ من زيادات وتحقيقات فِي بعضص الْمَوَاضِع وَأَسْمَاء رجال مُسلم وتاريخ مطول مُرَتّب على الطَّبَقَات وَالسّنَن وَابْتِدَاء التَّارِيخ الْمَذْكُور من أول الْهِجْرَة وَكتاب فِي مشتبه النِّسْبَة إِلَى الْبلدَانِ وَهُوَ مُفِيد فِي بَابه جدا سنة ثَمَان وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٨) هـ وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين توفّي أَحْمد بن الطّيب ابْن شمس الدّين الطبنداوي الْبكْرِيّ الصديقي الشَّافِعِي شهَاب الدّين شيخ الْإِسْلَام الحبر الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه القانت الأواه وَاضح المحجة وَالسّنَن بلغ غَايَة من الْعلم مَا ارْتقى إِلَيْهَا أهل ذَلِك الزَّمن كَانَ مَعَ أهل عصره بِمَنْزِلَة الشَّمْس مَعَ النُّجُوم وتميز عَلَيْهِم فِي معرفَة الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم شَدِيد الصلب فِي الدّين والصداع بِالْحَقِّ لَا يخَاف فِي الله لومة لائم مولده بعد السّبْعين وَثَمَانمِائَة تَقْرِيبًا تفقه بِالنورِ السمهوري وَالْقَاضِي أَحْمد المزجد والكمال الرداد وَالْجمال القماط والعلامة شيخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النَّاشِرِيّ وَأحمد بن الطَّاهِر جغمان وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ خلق كثير مِنْهُم شيخ الاسلام ابْن زِيَاد والحافظ شهَاب الدّين أَحْمد الخزجي والغريب الأكسع وَعبد الْملك بن النَّقِيب وَعبد الرَّحْمَن البَجلِيّ وَصَلَاح النماري وَغَيرهم وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْفَتْوَى والتدريس بِمَدِينَة زبيد وللى التدريس فِي كثير من مساجدها وَأقَام بذلك أتم قيام وانتفع بِهِ الْخَاص وَالْعَام وَله فتاوي مَشْهُورَة عَلَيْهَا الِاعْتِمَاد بِيَزِيد وَشرح التَّنْبِيه فِي أَربع مجلدات قَالَ الْفَقِيه الْعَلامَة مفتي الْوَقْت العَبْد الصَّالح شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن النَّاشِرِيّ كَانَ أَبُو الْعَبَّاس يَعْنِي المترجم لَهُ يَقُول لشَيْخِنَا ابْن زِيَادَة تِلْمِيذه أَنْتُم نفعكم أَحْمد الزجد بلحظه وَنحن بلحظه وَلَفظه انْتهى وَله على الْعباب حَاشِيَة علقها على نسخته وأفردها بعض تلامذته فِي كراريس وَهِي مَوْجُودَة مفيدة

стр. 203

قَالَ الشَّيْخ صَالح النمراوي وَمن عَجِيب مَا سمعته مِنْهُ أَنه قَالَ طالعت جَمِيع الايضاح شرح الْحَاوِي للْقَاضِي الطّيب النَّاشِرِيّ فِي لَيْلَة وَاحِدَة وَهُوَ مجلدان ضخمان قَالَ وعلقت من كل بَاب فَائِدَة وَهَذَا خرق عَادَة وَقَالَ الْخَولَانِيّ سمعته يَقُول كَانَت الفوئاد الَّتِي كتبتها تِلْكَ اللَّيْلَة ثَلَاثَة كراريس انْتهى وَكَانَ يَقُول قراءتي للارشاد سبع مَرَّات وَمَا صَحَّ لي إِلَّا فِي الْمرة السَّابِعَة مَعَ أَنه كَانَ يحفظه وَكَانَ ﵀ مفرطا فِي الذكاء صافي الخاطر نقي الذِّهْن المعياً مُسَددًا فِي فتواه وبحوثه شَدِيد الِاعْتِقَاد فِي أهل الله من المتصوفين حكى الْعَلامَة الْحَافِظ جمالالدين مُحَمَّد بن الْمَعْرُوف أَفْلح مُحدث الديار اليمنية قَالَ كنت أَيَّام قراءتي عَلَيْهِ اخْرُج مَعَه فِي الاسبوع يَوْمًا نزور السَّبْعَة الْمَشْهُورين الْمُسلمين بالأعلية جمع على غير قِيَاس لأَنهم يُرِيدُونَ جمع عَليّ فَكَمَا وصل إِلَى قبر وَاحِد مِنْهُم قَرَأَ مَا شَاءَ الله تَعَالَى واهدى ذَلِك إِلَى روح صَاحب الْقَبْر ثمَّ يَأْمُرنِي أَن آتيه باناء من مَاء فَيَضَع من تُرَاب الْقَبْر فِيهِ وَيشْرب ثمَّ يَأْمُرنِي أَن افْعَل مثله وَيَقُول لي هُوَ ترياق مجرب وَهُوَ مِمَّن أفتى بحلية القهوة وَله فِي حلهَا وإباحتهخا فتاوي مُتعَدِّدَة قَالَ فِي بَعْضهَا وَأما القهوة فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا روحنة يسيرَة وتقوية قَليلَة قَالَ وَقد سَمِعت شيخ الْإِسْلَام الْمجمع على تجديده للقرن التَّاسِع زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ أَنه كتب إِلَيْهِ بعض الْمَالِكِيَّة بِتَحْرِيم شرب القهوة وساعده من لَا بَصِيرَة لَهُ على ذَلِك وَمنع النَّاس من شربهَا فانتشر الْخَبَر إِلَى مصر والقاهرة فَكتب المولعون بهَا سوؤالا إِلَيْهِ فَكَانَ جَوَابه إِن قَالَ احضروا الي جمَاعَة من المتعاطين لَهَا فَسَأَلَهُمْ عَن عَملهَا فَذكرُوا لَهُ أَنَّهَا لَا عمل فِيهَا سوى مَا قدمْنَاهُ من التَّقْوَى فَأَرَادَ الاختبار فأحضر قشر البن ثمَّ أَمر بطبخه ثمَّ أمرهَا بشربها ثمَّ فاتحهم فِي الْكَلَام فراجعهم فِيهِ سَاعَة زمنية لَا تغيراً وَلَا طَربا فَاحِشا بل وجد مِنْهُم انبساطاً قَلِيلا فَلم يُؤثر ثمَّ زَاد فَلم يُؤثر فصنف فِي حلهَا مصنفاً قَاطعا بِالْحلِّ

стр. 204

قلت لله دره لم يقدم على التَّحْرِيم بِمُجَرَّد مَا نقل إِلَيْهِ بل اختبرها فَلَمَّا لم ير فِيهَا شَيْئا من أَسبَاب التَّحْرِيم فَأفْتى بحلها ﵀ وَقد افتيت قَدِيما بحلها واستدللت على ذَلِك بِدَلِيل اجْمَعْ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب وَهُوَ ان الشَّيْء إِنَّمَا يحرم تنَاوله وَأكله وشربه إِمَّا لاضراره كالسم أَو لإسكاره كَالْخمرِ والنبيذ مَعَ نجاسبته أَو لنجاسته كالبول وَالْغَائِط أَو لتحذيره وتخييله لِلْعَقْلِ كالبنج والحشيش وَنَحْوهمَا أَو لاستقذاره كالمخاط والبزاق الْمُنْفَصِل من الْآدَمِيّ فَإِنَّهُ يحرم بلعه بعد اخراجه من الْأنف والفم كَمَا يحرم تعاطيه من غَيره مُطلقًا سَوَاء تنَاوله بعد انْفِصَاله أَو قبله لاستقذاره وَلَيْسَ فِي القهوة شَيْء من ذَلِك لِأَنَّهَا لَيست بمضرة وَلَا مسكرة وَلَا نَجِسَة وَلَا مخدرة وَلَا مخيلة وَلَا مستقذرة وَهَذِه أَسبَاب التَّحْرِيم فانتفاء أَسبَابه قَالَ وَقد كنت كتبت هَذَا الْجَواب قَدِيما وَأَنا بَاقٍ عَلَيْهِ مُقَدّر لَهُ قإن قيل إِن بعض النَّاس يضرّهُ شرب القهوة أَو الْإِكْثَار مِنْهَا فَالْجَوَاب أَن نقُول إِنَّهَا مُحرمَة فِي حَقه فَقَط لِأَن حجَّة الْإِسْلَام مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْغَزالِيّ الطوسي حبر هَذِه الْأمة ﵁ ونفع بِهِ وبعلومه قَالَ فِي كتب مُتعَدِّدَة إِن الشَّيْء الْمجمع على حلّه كالعسل قد يحرم فِي حق من غلبت عَلَيْهِ الْحَرَارَة وَشهد عُلَمَاء الطِّبّ بأنهيضره فَكَذَلِك القهوة من بَاب أولى نقُول بتحريمها حَيْثُ أضرت بعض النَّاس لَكِن فِي حَقه فَقَط ثمَّ قَالَ فَيَنْبَغِي أنيقال فِي حق من تعينه القهوة على التِّلَاوَة أَو مطالعة الْعلم أَن تعاطيها مُبَاح وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة رَحمَه الله تَعَالَى ... شهِدت بِأَن رَبِّي ذُو اقتدار ... على كل الْأُمُور بِغَيْر شكّ وَذُو لطف وَذُو علم مُحِيط ... تَعَالَى الله عَن كَيفَ ودرك فَاسْأَلْهُ يلاطفني سَرِيعا ... ويفرج كربتي ويزيل ضنكي ... وَمِنْه ... أَلا قل للحسود والمعاند أقل ... عناك فالاحسان زَائِد

стр. 205

.. يزِيد عَدَاوَة وَيزِيد رَبِّي ... فزدني كي يزِيد لي العوائد ... وَمِنْه بجودك الجم رب قصدي ... أنزلت يَا مُنْتَهى الْمَقَاصِد مَعَ اعترافي بِضعْف رَأْي ... وفبح فعلي الَّذِي أكابد فَقُمْ بحالي بِحَسب فضل ... وقك عني عرى الشدائد واصلح الشَّأْن رَبِّي جمعا ... وَلَا تَكِلنِي إِلَى العوائد ... وَمِنْه ... يارب جدلى الَّذِي ترضاه يَا أملي ... واصلح بِفَضْلِك جوداً فَاسد الْخلَل وقم بحالي فِي الدَّاريْنِ مرحمة ... وَلَا تَكِلنِي إِلَى علم وَلَا عمل ... وَأَخْبرنِي سَيِّدي الْفَقِيه عمر بن زيد قَالَ سَمِعت شَيخنَا الشيخبدر الدّين الْمصْرِيّ يَقُول اجْتمعت بالعلامة الطبنداوي فِي زبيد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وأنشدني من لَفظه ... ومذ كنت مَا اهديت للحب خَاتمًا ... ومسكاً وكافوراً ولابست عينه وَلَا الْقَلَم المبري أخْشَى عَدَاوَة ... تكون مذى الْأَيَّام ببيني وَبَينه ... قلت وَلَا أعلم لهَذِهِ الْخِصَال أصلا من الْكتاب وَالسّنة وَسمعت سَيِّدي الْوَالِد يَقُول لَيْسَ لَهَا تَأْثِير قلت وَلَا بَأْس باجتنابها مَعَ عدم اعتقادها وَرَأَيْت بِخَط الْفَقِيه أَحْمد بن الْفَقِيه مُحَمَّد أَبَا جَابر قَالَ وجدت بِخَط الْعَلامَة أبي الْعَبَّاس الطبنداوي ان من قَرَأَ الْفَاتِحَة اربعمائة وَتِسْعين مرّة فضيت حَاجته كائنة مَا كَانَت مجرب مجرب وفيهَا فِي ظهر يَوْم السبت عَاشر شهر ربيع الثَّانِي توفّي أَحْمد بن الشَّمْس بن مُحَمَّد بن القطب محمدج بن السراج البُخَارِيّ الأَصْل الملكي الْحَنَفِيّ بجدة وَحمل مِنْهَا لمَكَّة وَدفن فِيهَا ثَانِي يَوْم تَارِيخه على أَبِيه بالمعلاه وَخلف أَوْلَادًا ﵀ وَكَانَ مولده فِي صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ بِمَكَّة واشتغل بِالْعلمِ فَقَرَأَ على السخاوي فِي سنَن أبي دَاوُود والشفاء وَدخل الْقَاهِرَة مرَارًا وَسمع الحَدِيث فِيهَا على جمَاعَة مِنْهُم

стр. 206

الْحَافِظ الديلمي والجلال السُّيُوطِيّ وَلبس خرقَة التصوف من بعض الْمَشَايِخ وَولى المناصب الجليلة كالقضاء والإمامة والمشيخة وَأَجَازَهُ بَعضهم وَقَرَأَ الْكتب السِّتَّة وَغَيرهَا وأسمع كثيرا من الْفِقْه والْحَدِيث مَعَ قُوَّة حافظة وَحسن كِتَابَة وناطقية سنة تسع وَأَرْبَعين بعد التسْعمائَة (٩٤٩) هـ وَفِي صبح يَوْم الثُّلَاثَاء من جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع وأرعين كَانَ مولد سيدنَا ومولانا الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعلم الشهير الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه شمس الشموس شهَاب الدّين أَحْمد بن الشَّيْخ القطب شيخ بن عبد الله بن الشَّيْخ القطب الْغَوْث عبد الله العيدروس أبقاه الله تَعَالَى آمين وتاريخ ذَلِك الْعَام يجمعه ولي الله شمس الشموس وَجعل هَذَا التَّارِيخ الْوَالِد وَأَنْشَأَ فِي مولده قصيدة ... لله حمدي بمولود ... طالعه سعد السُّعُود أمحمد مُحَمَّد مَحْمُود ... عبد الآله المعبود فَوق الْخَلَائق يسود ... بِفضل ربه يجود يُعْطِيهِ ربه امان ... من كل حَاسِد ظمان يفهم مَعَاني الْقُرْآن ... والمعرفة والبرهان بِالْقَلْبِ والترجمان ... دَائِم وَهُوَ فِي شُهُود تَارِيخه خطى ولد ... حصنت روحه بالأحد وَقل هُوَ الله اُحْدُ ... مَحْفُوظ بِاللَّه الصَّمد ملحوظ من عين الْأَبَد ... عناية الله الْوَدُود يَا حَافظ أحفظ أَحْمد ... قَوْله وَفعله يحمد وَفِي العراقب يرشد ... وَسَوْطه وَأحمد والعيدروس الممجد ... نفحه لطفل مولودج ... أحد أَوْلَاد الْوَالِد من السيدة الطاهرة فَاطِمَة بنت الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن عَليّ وشقيق أَخِيه علد الله كِلَاهُمَا نجل ذَلِك السَّيِّد الْكَرِيم وشبل ذَلِك الْأسد الْعَظِيم نَشأ بتريم وَدخل الْهِنْد فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة لزيارة وَالِده ثمَّ رَجَعَ إِلَى حَضرمَوْت معاوداً لوطنه وتجديد المعاهدة وَدخل

стр. 207

الْهِنْد مرّة ثَانِيَة فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَبَقِي بهَا إِلَى الْآن ورزق الْقبُول الْعَظِيم من النَّاس وَصَارَ لَهُم فِيهِ أعتقاد وَرويت عَنهُ كرامات وَحصل لَهُ حَال غيبه عَن إحساسه وَقلت فِيهِ شعر ... أَيهَا الشهَاب المفدى ... أَنْت هُوَ الْفَرد الأوحدا أَعْطَاك الْمُهَيْمِن منحا ... تفوق الْمنح وأزيد الله أقامك مقصدا ... يَا فوز من لَك يقصدا تهن بالشهود ذِي نلته ... فيا سعد من لَك يشهدَا أتيت مراتباً بَعْضهَا إِذا نالها الشَّخْص سُودًا فَبين الْأَوْلِيَاء بأسرهممقامك الأحمد يَا أحمدا ... وَمَا أحسن قَول العللامة حميد بن عبد الله السندي فِيهِ ... الله أَتَاك فضل الْعلم وَالْعَمَل ... يَا أَحْمد الْخلق هَذَا غاي الأمل مواهب لَك دون النَّاس قد خبئت فِي لوحك الْمُودع الْمَحْفُوظ فِي الْأَزَل لله فِي الْخلق أسرار تدق وَلَا ... نكر إِذا أجمع السرَار فِي رجل فَمن يساميك لَا ينفيك مستفلا ... وَأَنت أَنْت على رغم الحسود على وَأَنت فِي الْفضل بَحر لَا أنتهاء لَهُ ... وَأَنت أشبه وَقت الْحلم بالحبل والخلق مِنْك حكته رَوْضَة أنق ... تغتر أكمامها فِي زهرها الخضل وَلم تكن عنْدك الدُّنْيَا لَهَا خطر فَلَيْسَ أهمالك الدُّنْيَا من الخطل لَو أَن زهرتها مِنْك فِي الْكَتف وَقد ... سَأَلتهَا كنت تعطيها وَلم تسل عَطاء من لم يضيق صَدرا بقلتها وَلَا بكثرتها تلقيه ذَا جذل وَقد صفا الْقلب مِنْهُ عَن تكدرها ... لما تولاه قطب الْوَقْت خير ولي شيخ الشريف ابْن عبد الله وَالِده ... فَهُوَ العريق إِذا فِي السَّادة الكمل أطَاع خالقه فالخلق أجمعها ... فِي طوعه لم تحل عَنهُ وَلم تزل وَكم لَهُ من كرامات قد أشتهرت ... فِي الشرق والغرب ايضاً شهرة الْمثل ...

стр. 208

.. رَبًّا وهذب أَقْوَامًا وأرشهدهم ... فَصَارَ طبعهم مَا فِيهِ من ميل فَأَصْبحُوا كلهم أَعْيَان وقتهم ... زأنت إِنْسَان تِلْكَ الاعين النجل لله دَرك أَخْلَاقًا عرائسها ... تحلى محاسنها فِي أَفْخَر اللل بقيت بَحر فيوض من جواهره ... تبدي تصاريف قد أضحى بِهن ملي ودمت بِالْعلمِ مَشْغُولًا وملتهياً ... عَمَّا يعانيه أهل اللَّهْو من شغل ودمت تجلى بِحِفْظ قد حفظت بِهِ ... حُدُود مِلَّة جدك خَاتم الرُّسُل أزكى الصَّلَاة عَلَيْهِ وَالسَّلَام مَعًا ... والآل مَاعِز ذُو شرف وَصَارَ ولي ... سنة خمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٠) هـ وَفِي سنة خمسين توفّي السَّيِّد الْجَلِيل صَاحب الكرامات الخارقة والآيات الصادقة الشَّيْخ شيخ الْمَشَايِخ الْكِبَار ﵀ وَحكي عَنهُ انه لَهُ هَا هُنَا رجل تحصل لَهُ حَالَة عَظِيمَة عِنْد السماع فَقَالَ لَيْسَ الرجل الَّذِي يحْتَاج إِلَى محرك يحركه إِنَّمَا الرجل هُوَ الَّذِي لَا يغيب عَنهُ الشُّهُود حَتَّى فِي حَالَة الْجِمَاع فضلا عَن غَيره فَيحْتَمل أَنه أَشَارَ بذلك إِلَى نَفسه نفع الله بِهِ وكانيعظم الشَّيْخ أَبَا بكر العيدروس وَبَلغنِي أَن لَهُ ديوَان شعر وَمن نظمه فِي القهوة شعر ... ذِي قهوة مَا مثلهَا قهوة ... سل فِيهَا بِالسِّين من ياسين أَبُو الْفُقَرَاء بِاللَّه تجبرني ... تقْرَأ لي ثَلَاث من ياسين وَإِن زِدْته أرع فَذا قصدي ... عد أَرْكَان الْبَيْت بالتمكين فِي الحضرة دئم فتقرأها ... والقهوة تكون فِي التسكين ان دَامَت هَذَا بهَا دمنا ... زَاد النُّور فِي الْبَصَر وَالْعين الشافع الْمُصْطَفى النافع ... ياغوثي من كل كرب أَو دين فِيهَا توفّي الشريف الصَّالح الْوَلِيّ حُسَيْن بن أَحْمد أَبَا علوي صَاحب قسم بهَا وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء الْكِبَار أهل المقامات والانوار وَمن كراماته مَا حَكَاهُ اخي السَّيِّد عبد الله قَالَ ارسلني وَالِدي إِلَيْهِ فَجِئْنَا وزلم جده فنادت بعض نِسَائِهِ وَهِي عندنَا بِصَوْت خَفِي كثيبر وَقَالَت

стр. 209

حُسَيْن حُسَيْن ثَلَاث مَرَّات فَحسب أنيجيئ الجائي من الْمَسْجِد إِلَى الْبَيْت إِلَّا هُوَ يدق الْبَاب وَيَقُول أَنْتُم طلبتمونا فالوا نعم واخبروه الْخَبَر وفيهَا توفّي الصَّالح الشريف عبد الرَّحْمَن زين أَبَا فَقِيه أَبَا علوي وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء وَذكروا عَنهُ كرامات ﵀ وفيهَا فِي الصِّنْف الْأَخير من لَيْلَة السبت ثَانِي عشر صفر توفّي الشَّيْخ الإِمَام والحبر الْهمام ولي الله تَعَالَى الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن حُسَيْن بن مُحَمَّد أَبُو عبد الله الرعيني الاندلسي الأَصْل الطرابلسي المولد الْمَالِكِي نزيل مَكَّة وَيعرف هُنَاكَ كسلفه بِالْخِطَابِ ويتميز عَن شَقِيق لَهُ أكبر مِنْهُ أُسَمِّهِ مُحَمَّد أَيْضا بالرعيني وَذَلِكَ بِالْخِطَابِ وَأَن اشْتَركَا فِي ذَلِك لَكِن للتمييز وَيعرف فِي مَكَّة بالطرابلسي ولد وَقت صَلَاة الْجُمُعَة من العغشر الأخيرر من صفر سنة احدى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة بطرابلس وَنَشَأ فِيهَا يَسِيرا على مُحَمَّد الْقَابِسِيّ وَرُبمَا يحذف الفه وعَلى أَخِيه فِي الْمُخْتَصر ثمَّ تحول مَعَ أَبَوَيْهِ وأخيه وجماعتهم إِلَى مَكَّة سنة سبع وَسبعين فحجوا وَرَجَعُوا وَقد توفّي بَعضهم فأقاموا بهَا سِنِين وَمَات كل من أَبَوَيْهِ فِي أُسْبُوع وَاحِد فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بالطاعون وَاسْتمرّ هُوَ وَأَخُوهُ بهَا إِلَى أَن عادا لمَكَّة فِي موسم سنة أَربع وثماني فحجا ثمَّ جاورا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَقَرَأَ بهَا على الشَّمْس الْعَوْفِيّ فِي الْعَرَبيَّة وَكَذَا حضر عِنْد السراج معمر فِي الْفِقْه وَغَيره وَعَاد لمَكَّة فلازم الشَّيْخ مُوسَى الحاجبي وَقَرَأَ فِيهَا الْقرَاءَات على مُوسَى المراكشي وصاهر بن حزم فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين على أبنته بل أَخذ عَن الشهَاب بن حَاتِم مَعَ كَونه أفضل مِنْهُ وَكثر انتماؤه بِعَبْد الْمُعْطِي وَسمع من الْحَافِظ السخاوي وَجلسَ للاقراء فِي الْفِقْه والعربية وَغَيرهَا وَولي مشيخة رِبَاط الْمُؤلف وباشر فِي عمَارَة وقف الطرحا كل ذَلِك مَعَ الفاقه والعفة وَنعم الرجل قَالَ لاشيخ جَار الله بن فَهد أَقُول وَقد فتح عَلَيْهِ فِي آخر عمره

стр. 210

وَصَارَ من المعتقدين فِي الْعلم وَالدّين وَظهر لَهُ ثَلَاثَة من الْأَوْلَاد وهم الْجمال مُحَمَّد وزيني بَرَكَات والشهاب أَحْمد وزوجهم فِي حَيَاته وَرَأى أَوْلَادهم مَعَ نجابتهم وَصَارَ أَكْثَرهم من المفتيين والمدرسين بحرم الله الْأمين وَقدمه وَالِده فِي جَمِيع جهاته لعَجزه عَن الْحَرَكَة لكَونه بيلغ من الْعُمر تسعين سنة إِلَّا عَاما وأنقطع بمنزله عدَّة سِنِين وَهُوَ يدرس فِيهِ ورتب لَهُ مُرَتّب فِي الجوالي وأعتقده النَّاس فِي الْآفَاق وَقصد بالفتوحات والودائع وناله الضَّرَر من الدولة بِسَبَبِهَا وَهُوَ منتفع متعفف مُجْتَهد فِي عمَارَة الْأَوْقَاف الَّتِي تَحت نظره وَكَذَلِكَ وَلَده الْأَكْبَر من حَيَاته وَتحمل لذَلِك طثيرا من الدُّيُون وقاسى شدَّة فِي مَرضه حَتَّى قضى نحبه ﵀ سنة إِحْدَى وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥١) هـ وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين توفّي الْوَلِيّ الصَّالح الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ الْحلَبِي تلميذ الشَّيْخ أَبُو بكر العبيدروس أَبَا أَحْمد آباد وَكَانَ قد تحكم للشَّيْخ العيدروس الْمَذْكُور وَأخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ وأختص بنظره وَمكث فِي ملازمته نَحوا من عشْرين سنة ثمَّ أمره بِالدُّخُولِ إِلَى اهند والاقامة بهَا فَدَخلَهَا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ وأنتفع بِهِ خلائق لَا تحصى وَكَانَ قبل دُخُوله فِي ذها الطَّرِيق من أَعْيَان التُّجَّار فآثر زِيّ الفققر وَترك مَا كَانَ عَلَيْهِ من أَسبَاب التجراة وَكَانَ حسن الْخط وَحكي أَنه كَانَ بِمَكَّة وَكَانَ يعاني تعلم الْخط فَلَقِيَهُ بجل بالمسعى وَقَالَ لَهُ أذهب فقد أعطيناك الْخط والحظ قَالَ فَلَمَّا لقِيت الشَّيْخ أَبَا بكر وتلمذت لَهُ قَالَ أَتَذكر مَا قَالَ لَك ذَلِك الشَّخْص وَتَدْرِي من هُوَ وَمَا عناه بذلك ثمَّ قَالَ الشَّيْخ هوالشيخ أَبُو الْعَبَّاس الْخضر وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من الْحَظ فَهُوَ نَحن نفع الله بهم وفيهَا فِي يَوْم السبت ثامن شهر ربيع الأول توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الفروعي جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر أَبَا قضام أَبُو محزمه يجْتَمع مَعَ الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بن أَحْمد محزمه فِي الْأَب السَّادِس ولد ببلدة الهجرين وَنَشَأ بهَا ثمَّ أرتحل إِلَى عدن لطلب الْعلم وَأخذ

стр. 211

عَن أماميها الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد محزمه والفقيه مُحَمَّد بن أَحْمد فضل ثمَّ أرتحل إِلَى زبيد وَأخذ عَن علمائها ثمَّ رَجَعَ إِلَى عدن ولازم الإِمَام عبد الله بن أَحْمد محزمة وَولده شهَاب الدّين أَحْمد وأنتفع بهما وَتخرج عَلَيْهِمَا وَلما أَن وصل الْعَلامَة مُحَمَّد بن الْحُسَيْن القماط قَاضِيا على عدن ثمَّ بعده الْعَلامَة أَحْمد بن عمر المزجد قَاضِيا أَيْضا لَازم كل مِنْهُمَا وَلم يزل مُجْتَهدا حَتَّى فاق أقرانه فِي الْفِقْه وَصَارَ فِي عدن بعد موت الأمامين عبد الله بن أَحْمد محزمه وَمُحَمّد بن أَحْمد فضل هُوَ الإِمَام فِي الْفِقْه الْمشَار إِلَيْهِ والعالم الْمعول عَلَيْهِ وأحتاج النَّاس إِلَى علمه وقصدوه بالفتاوى من النواحي الْبَعِيدَة لكنه قد كَانَ يتساهل فِي الْفَتَاوَى وَيتْرك الْمُرَاجَعَة لَا سِيمَا فِي آواخر عمره فاختلفت أجوبته وتناقضت فَتَاوِيهِ وَكَانَ ذَلِك مِمَّا عيب عَلَيْهِ ثمَّ كَانَ السُّلْطَان عَامر بن دَاوُد وَهُوَ آخر مُلُوك بني طَاهِر بعدن استماله فِي آخر عمره وَأحسن إِلَيْهِ لأغراض فَاسِدَة عزم عَلَيْهَا وَكَانَ إِذا عزم على أَمر فَاسد يتَعَلَّق بِالشَّرْعِ أرسل إِلَيْهِ من يشاوره فِي كتب سُؤال فِي الْقَضِيَّة على أَنه يُجيب عَلَيْهَا فَيُجِيبهُمْ إِلَى ذَلِك وَيكْتب على سؤالاتهم أجوبة توَافق أغراضهم فيتوصلون بهَا إِلَى مفاسد ى تَنْحَصِر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَحكي أَن النَّاس تركُوا فَتَاوِيهِ رَأْسا وفيهَا مَاتَ شير شاه البتاتن يجمع ذَلِك عدد حُرُوف شير مَاتَ سمة اثْنَيْنِ وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٢) هـ وَفِي شهر جُمَادَى الآخر سنة اثْنَيْنِ وَخمسين توفّي الشَّيْخ الإِمَام والحبر لهمام الْعَلامَة أَبُو السُّعُود مُحَمَّد بن مصطفى بن عماد الاسكليبي نِسْبَة إِلَى أسكليب قَصَبَة فِي أماسية الرُّومِي الْمَشْهُور قَاضِي السُّلْطَان سُلَيْمَان سُلْطَان الرّوم صَاحب التَّفْسِير قَالَ الأنقشاري فِي تَارِيخ وَفَاته شعر ... أَمْسَى بجوار ربه ذِي الْحلم ... مفتي الْإِسْلَام بل سمي الِاسْم وَالْعلم بَكَى مذ قيل فِي تَارِيخه ... قد مَاتَ أَبُو السُّعُود مولى الْعلم ... وَله فِي اسكيب تَاسِع عشر صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ووالدته بنت أخي العللامة مَوْلَانَا عَلَاء الدّين عَليّ القوشجي وَكَانَ وَالِده من أهل الْعلم وَالصَّلَاح كَذَا قيل وتربى صَاحب التَّرْجَمَة فِي حجر وَالِده المرحوم

стр. 212

مرتضعا ثدي الكمالات فِي مهد الْعُلُوم فحفظه وَالِده كتبا مِنْهَا الْمِفْتَاح للسكاكي فامتاز فِي صغره بفصاحة الْعَرَب العرباء وأشتغل بفنون الأداب وَدخل إِلَى الْفَضَائِل من كل بَاب وَأخذ عَن جمَاعَة من عُلَمَاء عصره وأنتهت إِلَيْهِ رئاسة الْفتيا والتدريس وَلما جمع السُّلْطَان سُلَيْمَان ﵀ الْعلمَاء بمجلسه وَأمرهمْ بالمناظرة رجح الْمشَار إِلَيْهِ فِي بَحثه وَتبين فَضله وأستحق التَّقْدِيم وَكَانَ أَهله وَكَانَ قبل ذَلِك قد ولي التدريس فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ثمَّ ولي قَضَاء بروسا ثمَّ ولي قَضَاء اسطنبول قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْمُفْتِي وأجتمعت بِهِ فِي الرحلة الأولى وَهُوَ قَاضِي أسطنبول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة فرأيته فصيحاً وَفِي الْفَنّ رجيحاً فعجبت لتِلْك الْعَرَبيَّة مِمَّن لم يسْلك ديار الْعَرَب وَلَا محَالة انها منح الرب ثمَّ ولي فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين قَضَاء الْعَسْكَر وَصَارَ يُخَاطب السُّلْطَان فِي الْأَمر وَالنَّهْي ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَخمسين ولي منصب الأفتاء وَكَانَ سلوكه لَا عوج فِيهَا وَلَا أمتى وسمعته يَقُول جَلَست يَوْمًا بعد صَلَاة الصُّبْح أكتب على الأسئلة المجتمعة فَكتبت إِلَى صَلَاة الْعَصْر على ألف وَأَرْبَعمِائَة واثني عشرَة فتيا وَكَانَ لَهُ فِي الْأَلْسِنَة الثَّلَاثَة شعر بديع وَمن قصائده الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان قصيدة ميمة غَرِيبَة الشَّأْن وَهِي طَوِيلَة ومطلعها هَذِه الأبيات ... أبعد سليمي مكطلب ومرام ... وَغير هَواهَا لوعة وغرام وَفَوق حماها ملْجأ ومثابة ... وَدون ذراها موقف ومقام وهيهات أَن يثني غير بَابهَا ... عنان المطايا أَو يشد حزَام هِيَ الْغَايَة القصوى وَإِن فَاتَ نيلها ... فَكل من الدُّنْيَا عَليّ حرَام سلوا النَّفس عَنْهَا واطمئن بنأيها ... سلوا رَضِيع قد عراه فطام وصب سقَاهُ الرشد سلوان رشده ... فأمسى وَمَا فِي الْقلب مِنْهُ هيام صَحا عَن سلاف الغي بعد أنهماكه ... عَلَيْهِ فبيان الكأس مِنْهُ وجام محوت نقوش الجاه من لوح خاطري ... فاضحى كَانَ لم تجر فِيهِ قلام ... وَمِنْهَا ... قد اخلق الْأَيَّام خلعة حسنها ... فالهم ضحت وديباج إلبها رمام

стр. 213

.. على حِين شيب قد الم بمفرقي ... وغادرها الشّعْر وَهُوَ ثغام فَللَّه در الْهم حَيْثُ أمدني ... بطول حَياتِي فِي الهموم سمام فسبحان رب الْعَرْش لَيْسَ لملكه ... تناه وحد مبدا وختام ... قَالَ وَلم يزل فِي عزة إِلَى أَن متات رَحمَه الله تَعَالَى واتى نعيه إِلَى الْحرم فَنُوديَ بِالصَّلَاةِ من أَعلَى زَمْزَم وَصلي عَلَيْهِ صَلَاة الْغَائِب ورثاه جمَاعَة من أهل مَكَّة مِنْهُم الإِمَام الْهمام الشَّيْخ رَضِي الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد القازاني الشَّافِعِي بقصيدة ذكرهَا القطب الْحَنَفِيّ وَإِنَّمَا لم نأت بهَا هُنَا طلبا للاختصار سنة ثَلَاث وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٣) هـ وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين بعد التسْعمائَة توفّي السَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن علوي بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس صَاحب عدن بتريم وقبر فِي قبر أَبِيه وَهُوَ وَالِد السَّيِّد الْوَلِيّ وحيد عصره وفريد دهره شمس الشموس عمر ابْن عبد الله العيدروس الْآتِي ذكر بعض محاسنه وطرف من اوصافه الرضية وفيهَا لست لَيَال يَقِين من شهر ربيع الثَّانِي قتل الْأَمِير الْكَبِير الخواجة صفر سلماني الرُّومِي الْمُخَاطب بخداوندخان وَيجمع تَارِيخ مَوته نبأ مقتل صفر وَكَانَ مَشْهُورا بالشجاعة والرأي وَفعل الْخَيْر وَالْإِحْسَان رَحمَه الله تَعَالَى سنة أَربع وَخمسين بعد التعسعمائة (٩٥٤) هـ فِي سحر لَيْلَة الثُّلَاثَاء خَامِس عشر جُمَادَى الثَّانِي عَام أَربع وَخمسين توفّي الشَّيْخ حجار الله بن عبد الْعَزِيز بن عمر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن فَهد الْهَاشِمِي الْمَكِّيّ وَيعرف كسلفه بأبن فَهد وَسنة أَربع وَسِتُّونَ سنة وَخلف أَوْلَادًا وَكَانَ مولده فِي لَيْلَة السبت الْعشْرين من شهر رَجَب سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ فِي كنف أَبَوَيْهِ فحفظ الْقُرْآن وكتبا كأرعي النَّوَوِيّ ومنهاجه وَسمع من السخاوي والمحب الطيري وَأَجَازَ

стр. 214

لَهُ جمَاعَة كَعبد العني البسطامي وَغَيره ولازم وَالِده فِي الْقِرَاءَة وَالسَّمَاع وَتوجه مَعَه للمدينة وجاور بهَا سنة تسع وَتِسْعمِائَة وَسمع بهَا من لفظ وَالِده تجار الْحُجْرَة الشَّرِيفَة الْكتب السِّتَّة والشفاء لعياض وَغَيره وعَلى السَّيِّد السمهوري بَعْضهَا وتاريخه الْوَفَاء وفتواه وَألبسهُ خرقَة التصوف وَقَرَأَ على أَبِيه فِيهَا الْعُمْدَة وَالشَّمَائِل وَغَيرهمَا وَلما عَاد لمَكَّة أَكثر عَلَيْهِ من قِرَاءَة الْكتب الْكِبَار والأجزاء الصغار وأنتفع بارشاده وَخرج الْأَسَانِيد والمشيخات لجَماعَة من مشايخه وَغَيرهم وأستوفي مَا عِنْد مَشَايِخ بَلَده من السماع ورحل إِلَى مصر وَالشَّام وحلب وَبَيت الْمُقَدّس واليمن وَأخذ بهَا وَفِي غَيرهَا من الْبلدَانِ نَحْو السّبْعين على جمَاعَة من المسندين وَأَجَازَهُ خلق كَثِيرُونَ جمعهم فِي مجمع حافل وأشتغل فِي فنون وَأخذ الْفِقْه والنحو والأصلين عَن الشَّيْخ عبد الله أَبَا كثير وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمِنْهَاج للنووي وغالب شَرحه للمحلي وألفية ابم مَالك وَغَيرهَا وَبَعض شرح الورقات وَقسم الْمِنْهَاج على الشَّيْخ مرّة ولازمه فِي قِرَاءَة كتب الحَدِيث وَخرج لَهُ مشيخة اغتبط بهَا وَكَذَا الْخَطِيب محب الدّين النويري وَغَيرهمَا من الأكابر وَدخل الرّوم عوداً على بَدْء وتزويج ورزق الْأَوْلَاد وَحدث بالحرمين الشريفين وَغَيرهمَا سنة خمس وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٥) هـ وَفِي سنة خمس وَخمسين وصل من مَكَّة المشرفة الخان الْأَعْظَم آصفخان لالكجراتي إِلَى كجرات وَأقَام بهَا فِي منصب الوزارة إِلَى ان قتل مَعَ مخدومه السُّلْطَان مَحْمُود فِي اللَّيْلَة الَّتِي قل فِيهَا وَهِي لَيْلَة ثَالِث عشر شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ﵀ وَكَانَ الْوَزير آصفخان رجلا صَالحا جواداً ممدوحا شرِيف النَّفس على الهمة ذَا تهجد وأوراد وَكَانَت وِلَادَته فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشر شهر ربيع الأول سنة سبع أَو تسع وَتِسْعمِائَة وأشتغل بِالْعلمِ حَتَّى مهر فِي كثير من الْفُنُون وزر للسُّلْطَان بهادر شاه وَلما جَاءَ السُّلْطَان همايون خشِي السُّلْطَان

стр. 215

بهادر على حريمه ونفائس خزائنه فَأمر الْمَذْكُور على الْحَرِيم والخزائن وأرسله بهَا إِلَى مَكَّة المشرفة فَمَكثَ بهَا أَكثر من عشر سِنِين مشتغلا بالعبادات وأنواع الطَّاعَات حَتَّى حُكيَ أَنه أَقَامَ بِمَكَّة تِلْكَ الْمدَّة لَا يعرف انه ترك الْجَمَاعَة فِيهَا مَعَ الإِمَام بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي فرض وَاحِد من غير مرض وَنَحْوه وَكَانَ محبا لأهل الْعلم محسنا إِلَيْهِم مؤلفا لأهل الْفضل مشفقاً عَلَيْهِم حَتَّى نفق الْعلم فِي زَمَنه بِمَكَّة نفَاقًا عَظِيما وأجتهد أَهله فِيهِ اجْتِهَادًا بَالغا وثاب الطّلبَة وعكفوا عكزفا باهراُ عَلَيْهِ وَبَحَثُوا عَن الدقائق لينفقوها فِي حَضرته وتحفظوا الاشكالات ليتقربوا بهَا إِلَى خواطره كل ذَلِك لإسباغه على المنتسبين إِلَى الْعلم من صنوف الْإِحْسَان وواسع الامتنان وهوامع الْأَنْغَام وواسع الاكرام مَا لم يسمع بِمثلِهِ عَن أهل زَمَنه وَمن قبله بِمدَّة مديدة حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء قد أذكرنا ذَلِك مَا يحْكى عَن الْخُلَفَاء والبرامكة وَأَبَان لنا حَقِيقَة مَا فِي التواريخ عَنْهُم حَتَّى قيل أَنه أنْفق بِمَكَّة فِي نَحْو سنة مائَة وَخمسين صندوقا ذهبيا حَتَّى أبلبس أهل مَكَّة نِسَاءَهُمْ وخدمهم حلي الذَّهَب لذِي لم يعهدوا مثله وتوسعوا فِي الملابس والمعاش بِمَا لم يعرفوه قبل ذَلِك فجزاه الله خير الْجَزَاء وأمله وأتمه وأشمله وأفضله بمنه وَكَرمه وَلما بلغ أهل مَكَّة خبر مصابه حزنوا جدا لما كَانَ ينالهم من الْإِحْسَان بِسَبَبِهِ ورثاه الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الْعَزِيز الزمزمي الْمَكِّيّ بِهَذِهِ القصيدة الْعَظِيمَة وَهِي ... أَي الْقُلُوب لهَذَا الْحَادِث الجلل ... اطواده الشم لم تنسف وَلم تزل وَأي نازلة فِي الْهِنْد قد نزلت ... بلفحها كل حبر فِي الْحجاز صلي اعظم بنازلة فِي الْكَوْن طَار بهَا ... برا وبحراً مسير السفن وَالْإِبِل أَخْبَارهَا طرقت سَمْعِي فَحَمَلَنِي ... طروقها عب رزء غير مُحْتَمل أَهْدَت لأهل الْحجاز الْبَأْس بعد رجا ... واليأس بعد الرجا كالظل بالأسل فَأصْبح النَّاس فِي وهج وَفِي فكر ... كَثِيرَة ومزاج غير معتدل خطب على كل مَعْرُوف ومكرمة ... ونعمة قلدت جيد الزَّمَان حلى أَصمّ أذنى بِهِ الناعي واسمعني ... أمرا بِهِ صرت مثل الشَّارِب الثمل وَهُوَ البشير بضد الْأَمر رُبمَا ... أصبب من هول هَذَا الْخطب بالخطل
следующие страницы →