Полный текст (424 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
عَن أماميها الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد محزمه والفقيه مُحَمَّد بن أَحْمد فضل ثمَّ أرتحل إِلَى زبيد وَأخذ عَن علمائها ثمَّ رَجَعَ إِلَى عدن ولازم الإِمَام عبد الله بن أَحْمد محزمة وَولده شهَاب الدّين أَحْمد وأنتفع بهما وَتخرج عَلَيْهِمَا وَلما أَن وصل الْعَلامَة مُحَمَّد بن الْحُسَيْن القماط قَاضِيا على عدن ثمَّ بعده الْعَلامَة أَحْمد بن عمر المزجد قَاضِيا أَيْضا لَازم كل مِنْهُمَا وَلم يزل مُجْتَهدا حَتَّى فاق أقرانه فِي الْفِقْه وَصَارَ فِي عدن بعد موت الأمامين عبد الله بن أَحْمد محزمه وَمُحَمّد بن أَحْمد فضل هُوَ الإِمَام فِي الْفِقْه الْمشَار إِلَيْهِ والعالم الْمعول عَلَيْهِ وأحتاج النَّاس إِلَى علمه وقصدوه بالفتاوى من النواحي الْبَعِيدَة لكنه قد كَانَ يتساهل فِي الْفَتَاوَى وَيتْرك الْمُرَاجَعَة لَا سِيمَا فِي آواخر عمره فاختلفت أجوبته وتناقضت فَتَاوِيهِ وَكَانَ ذَلِك مِمَّا عيب عَلَيْهِ ثمَّ كَانَ السُّلْطَان عَامر بن دَاوُد وَهُوَ آخر مُلُوك بني طَاهِر بعدن استماله فِي آخر عمره وَأحسن إِلَيْهِ لأغراض فَاسِدَة عزم عَلَيْهَا وَكَانَ إِذا عزم على أَمر فَاسد يتَعَلَّق بِالشَّرْعِ أرسل إِلَيْهِ من يشاوره فِي كتب سُؤال فِي الْقَضِيَّة على أَنه يُجيب عَلَيْهَا فَيُجِيبهُمْ إِلَى ذَلِك وَيكْتب على سؤالاتهم أجوبة توَافق أغراضهم فيتوصلون بهَا إِلَى مفاسد ى تَنْحَصِر وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَحكي أَن النَّاس تركُوا فَتَاوِيهِ رَأْسا
وفيهَا مَاتَ شير شاه البتاتن يجمع ذَلِك عدد حُرُوف شير مَاتَ
سمة اثْنَيْنِ وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٢) هـ
وَفِي شهر جُمَادَى الآخر سنة اثْنَيْنِ وَخمسين توفّي الشَّيْخ الإِمَام والحبر لهمام الْعَلامَة أَبُو السُّعُود مُحَمَّد بن مصطفى بن عماد الاسكليبي نِسْبَة إِلَى أسكليب قَصَبَة فِي أماسية الرُّومِي الْمَشْهُور قَاضِي السُّلْطَان سُلَيْمَان سُلْطَان الرّوم صَاحب التَّفْسِير قَالَ الأنقشاري فِي تَارِيخ وَفَاته شعر ... أَمْسَى بجوار ربه ذِي الْحلم ... مفتي الْإِسْلَام بل سمي الِاسْم
وَالْعلم بَكَى مذ قيل فِي تَارِيخه ... قد مَاتَ أَبُو السُّعُود مولى الْعلم ...
وَله فِي اسكيب تَاسِع عشر صفر سنة سِتّ وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ووالدته بنت أخي العللامة مَوْلَانَا عَلَاء الدّين عَليّ القوشجي وَكَانَ وَالِده من أهل الْعلم وَالصَّلَاح كَذَا قيل وتربى صَاحب التَّرْجَمَة فِي حجر وَالِده المرحوم
стр. 212
مرتضعا ثدي الكمالات فِي مهد الْعُلُوم فحفظه وَالِده كتبا مِنْهَا الْمِفْتَاح للسكاكي فامتاز فِي صغره بفصاحة الْعَرَب العرباء وأشتغل بفنون الأداب وَدخل إِلَى الْفَضَائِل من كل بَاب وَأخذ عَن جمَاعَة من عُلَمَاء عصره وأنتهت إِلَيْهِ رئاسة الْفتيا والتدريس وَلما جمع السُّلْطَان سُلَيْمَان ﵀ الْعلمَاء بمجلسه وَأمرهمْ بالمناظرة رجح الْمشَار إِلَيْهِ فِي بَحثه وَتبين فَضله وأستحق التَّقْدِيم وَكَانَ أَهله وَكَانَ قبل ذَلِك قد ولي التدريس فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ثمَّ ولي قَضَاء بروسا ثمَّ ولي قَضَاء اسطنبول
قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْمُفْتِي وأجتمعت بِهِ فِي الرحلة الأولى وَهُوَ قَاضِي أسطنبول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة فرأيته فصيحاً وَفِي الْفَنّ رجيحاً فعجبت لتِلْك الْعَرَبيَّة مِمَّن لم يسْلك ديار الْعَرَب وَلَا محَالة انها منح الرب ثمَّ ولي فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين قَضَاء الْعَسْكَر وَصَارَ يُخَاطب السُّلْطَان فِي الْأَمر وَالنَّهْي ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَخمسين ولي منصب الأفتاء وَكَانَ سلوكه لَا عوج فِيهَا وَلَا أمتى وسمعته يَقُول جَلَست يَوْمًا بعد صَلَاة الصُّبْح أكتب على الأسئلة المجتمعة فَكتبت إِلَى صَلَاة الْعَصْر على ألف وَأَرْبَعمِائَة واثني عشرَة فتيا وَكَانَ لَهُ فِي الْأَلْسِنَة الثَّلَاثَة شعر بديع وَمن قصائده الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان قصيدة ميمة غَرِيبَة الشَّأْن وَهِي طَوِيلَة ومطلعها هَذِه الأبيات ... أبعد سليمي مكطلب ومرام ... وَغير هَواهَا لوعة وغرام
وَفَوق حماها ملْجأ ومثابة ... وَدون ذراها موقف ومقام
وهيهات أَن يثني غير بَابهَا ... عنان المطايا أَو يشد حزَام
هِيَ الْغَايَة القصوى وَإِن فَاتَ نيلها ... فَكل من الدُّنْيَا عَليّ حرَام
سلوا النَّفس عَنْهَا واطمئن بنأيها ... سلوا رَضِيع قد عراه فطام
وصب سقَاهُ الرشد سلوان رشده ... فأمسى وَمَا فِي الْقلب مِنْهُ هيام
صَحا عَن سلاف الغي بعد أنهماكه ... عَلَيْهِ فبيان الكأس مِنْهُ وجام
محوت نقوش الجاه من لوح خاطري ... فاضحى كَانَ لم تجر فِيهِ قلام ...
وَمِنْهَا ... قد اخلق الْأَيَّام خلعة حسنها ... فالهم ضحت وديباج إلبها رمام
стр. 213
.. على حِين شيب قد الم بمفرقي ... وغادرها الشّعْر وَهُوَ ثغام
فَللَّه در الْهم حَيْثُ أمدني ... بطول حَياتِي فِي الهموم سمام
فسبحان رب الْعَرْش لَيْسَ لملكه ... تناه وحد مبدا وختام ...
قَالَ وَلم يزل فِي عزة إِلَى أَن متات رَحمَه الله تَعَالَى واتى نعيه إِلَى الْحرم فَنُوديَ بِالصَّلَاةِ من أَعلَى زَمْزَم وَصلي عَلَيْهِ صَلَاة الْغَائِب ورثاه جمَاعَة من أهل مَكَّة مِنْهُم الإِمَام الْهمام الشَّيْخ رَضِي الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد القازاني الشَّافِعِي بقصيدة ذكرهَا القطب الْحَنَفِيّ وَإِنَّمَا لم نأت بهَا هُنَا طلبا للاختصار
سنة ثَلَاث وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٣) هـ
وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين بعد التسْعمائَة توفّي السَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن علوي بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس صَاحب عدن بتريم وقبر فِي قبر أَبِيه وَهُوَ وَالِد السَّيِّد الْوَلِيّ وحيد عصره وفريد دهره شمس الشموس عمر ابْن عبد الله العيدروس الْآتِي ذكر بعض محاسنه وطرف من اوصافه الرضية
وفيهَا لست لَيَال يَقِين من شهر ربيع الثَّانِي قتل الْأَمِير الْكَبِير الخواجة صفر سلماني الرُّومِي الْمُخَاطب بخداوندخان وَيجمع تَارِيخ مَوته نبأ مقتل صفر وَكَانَ مَشْهُورا بالشجاعة والرأي وَفعل الْخَيْر وَالْإِحْسَان رَحمَه الله تَعَالَى
سنة أَربع وَخمسين بعد التعسعمائة (٩٥٤) هـ
فِي سحر لَيْلَة الثُّلَاثَاء خَامِس عشر جُمَادَى الثَّانِي عَام أَربع وَخمسين توفّي الشَّيْخ حجار الله بن عبد الْعَزِيز بن عمر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن فَهد الْهَاشِمِي الْمَكِّيّ وَيعرف كسلفه بأبن فَهد وَسنة أَربع وَسِتُّونَ سنة وَخلف أَوْلَادًا وَكَانَ مولده فِي لَيْلَة السبت الْعشْرين من شهر رَجَب سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة بِمَكَّة وَنَشَأ فِي كنف أَبَوَيْهِ فحفظ الْقُرْآن وكتبا كأرعي النَّوَوِيّ ومنهاجه وَسمع من السخاوي والمحب الطيري وَأَجَازَ
стр. 214
لَهُ جمَاعَة كَعبد العني البسطامي وَغَيره ولازم وَالِده فِي الْقِرَاءَة وَالسَّمَاع وَتوجه مَعَه للمدينة وجاور بهَا سنة تسع وَتِسْعمِائَة وَسمع بهَا من لفظ وَالِده تجار الْحُجْرَة الشَّرِيفَة الْكتب السِّتَّة والشفاء لعياض وَغَيره وعَلى السَّيِّد السمهوري بَعْضهَا وتاريخه الْوَفَاء وفتواه وَألبسهُ خرقَة التصوف وَقَرَأَ على أَبِيه فِيهَا الْعُمْدَة وَالشَّمَائِل وَغَيرهمَا
وَلما عَاد لمَكَّة أَكثر عَلَيْهِ من قِرَاءَة الْكتب الْكِبَار والأجزاء الصغار وأنتفع بارشاده وَخرج الْأَسَانِيد والمشيخات لجَماعَة من مشايخه وَغَيرهم وأستوفي مَا عِنْد مَشَايِخ بَلَده من السماع ورحل إِلَى مصر وَالشَّام وحلب وَبَيت الْمُقَدّس واليمن وَأخذ بهَا وَفِي غَيرهَا من الْبلدَانِ نَحْو السّبْعين على جمَاعَة من المسندين وَأَجَازَهُ خلق كَثِيرُونَ جمعهم فِي مجمع حافل وأشتغل فِي فنون وَأخذ الْفِقْه والنحو والأصلين عَن الشَّيْخ عبد الله أَبَا كثير وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمِنْهَاج للنووي وغالب شَرحه للمحلي وألفية ابم مَالك وَغَيرهَا وَبَعض شرح الورقات وَقسم الْمِنْهَاج على الشَّيْخ مرّة ولازمه فِي قِرَاءَة كتب الحَدِيث وَخرج لَهُ مشيخة اغتبط بهَا وَكَذَا الْخَطِيب محب الدّين النويري وَغَيرهمَا من الأكابر وَدخل الرّوم عوداً على بَدْء وتزويج ورزق الْأَوْلَاد وَحدث بالحرمين الشريفين وَغَيرهمَا
سنة خمس وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٥) هـ
وَفِي سنة خمس وَخمسين وصل من مَكَّة المشرفة الخان الْأَعْظَم آصفخان لالكجراتي إِلَى كجرات وَأقَام بهَا فِي منصب الوزارة إِلَى ان قتل مَعَ مخدومه السُّلْطَان مَحْمُود فِي اللَّيْلَة الَّتِي قل فِيهَا وَهِي لَيْلَة ثَالِث عشر شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ﵀ وَكَانَ الْوَزير آصفخان رجلا صَالحا جواداً ممدوحا شرِيف النَّفس على الهمة ذَا تهجد وأوراد وَكَانَت وِلَادَته فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشر شهر ربيع الأول سنة سبع أَو تسع وَتِسْعمِائَة وأشتغل بِالْعلمِ حَتَّى مهر فِي كثير من الْفُنُون وزر للسُّلْطَان بهادر شاه وَلما جَاءَ السُّلْطَان همايون خشِي السُّلْطَان
стр. 215
بهادر على حريمه ونفائس خزائنه فَأمر الْمَذْكُور على الْحَرِيم والخزائن وأرسله بهَا إِلَى مَكَّة المشرفة فَمَكثَ بهَا أَكثر من عشر سِنِين مشتغلا بالعبادات وأنواع الطَّاعَات حَتَّى حُكيَ أَنه أَقَامَ بِمَكَّة تِلْكَ الْمدَّة لَا يعرف انه ترك الْجَمَاعَة فِيهَا مَعَ الإِمَام بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي فرض وَاحِد من غير مرض وَنَحْوه وَكَانَ محبا لأهل الْعلم محسنا إِلَيْهِم مؤلفا لأهل الْفضل مشفقاً عَلَيْهِم حَتَّى نفق الْعلم فِي زَمَنه بِمَكَّة نفَاقًا عَظِيما وأجتهد أَهله فِيهِ اجْتِهَادًا بَالغا وثاب الطّلبَة وعكفوا عكزفا باهراُ عَلَيْهِ وَبَحَثُوا عَن الدقائق لينفقوها فِي حَضرته وتحفظوا الاشكالات ليتقربوا بهَا إِلَى خواطره كل ذَلِك لإسباغه على المنتسبين إِلَى الْعلم من صنوف الْإِحْسَان وواسع الامتنان وهوامع الْأَنْغَام وواسع الاكرام مَا لم يسمع بِمثلِهِ عَن أهل زَمَنه وَمن قبله بِمدَّة مديدة حَتَّى قَالَ بعض الْعلمَاء قد أذكرنا ذَلِك مَا يحْكى عَن الْخُلَفَاء والبرامكة وَأَبَان لنا حَقِيقَة مَا فِي التواريخ عَنْهُم حَتَّى قيل أَنه أنْفق بِمَكَّة فِي نَحْو سنة مائَة وَخمسين صندوقا ذهبيا حَتَّى أبلبس أهل مَكَّة نِسَاءَهُمْ وخدمهم حلي الذَّهَب لذِي لم يعهدوا مثله وتوسعوا فِي الملابس والمعاش بِمَا لم يعرفوه قبل ذَلِك فجزاه الله خير الْجَزَاء وأمله وأتمه وأشمله وأفضله بمنه وَكَرمه وَلما بلغ أهل مَكَّة خبر مصابه حزنوا جدا لما كَانَ ينالهم من الْإِحْسَان بِسَبَبِهِ ورثاه الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الْعَزِيز الزمزمي الْمَكِّيّ بِهَذِهِ القصيدة الْعَظِيمَة وَهِي ... أَي الْقُلُوب لهَذَا الْحَادِث الجلل ... اطواده الشم لم تنسف وَلم تزل
وَأي نازلة فِي الْهِنْد قد نزلت ... بلفحها كل حبر فِي الْحجاز صلي
اعظم بنازلة فِي الْكَوْن طَار بهَا ... برا وبحراً مسير السفن وَالْإِبِل
أَخْبَارهَا طرقت سَمْعِي فَحَمَلَنِي ... طروقها عب رزء غير مُحْتَمل
أَهْدَت لأهل الْحجاز الْبَأْس بعد رجا ... واليأس بعد الرجا كالظل بالأسل
فَأصْبح النَّاس فِي وهج وَفِي فكر ... كَثِيرَة ومزاج غير معتدل
خطب على كل مَعْرُوف ومكرمة ... ونعمة قلدت جيد الزَّمَان حلى
أَصمّ أذنى بِهِ الناعي واسمعني ... أمرا بِهِ صرت مثل الشَّارِب الثمل
وَهُوَ البشير بضد الْأَمر رُبمَا ... أصبب من هول هَذَا الْخطب بالخطل
стр. 216
.. عمري لقد جمع الضدين فِي نسق ... وَقرب الْبعد بَين الْحزن والجذل
فِي حَال اشراق شمس الْبشر قد غربت ... فَصَارَ وَقت طُلُوع الشَّمْس كالطفل
يَا صَاح سل فُؤَادِي بِالْحَدِيثِ وَعَن ... سكري بطافح هم فِيهِ لَا تسل
على آصفخان وحدي لَا يفارقني ... أَو تبلغ الرّوح مني مُنْتَهى الْأَجَل
لهفي رجال الْعلم قاطبة على إِمَام بتحقيق الْعُلُوم ملي
على الْجواد الَّذِي فاضت مكارمه ... للآملين بِمَا أربى على الأمل
مضى شَهِيدا إِلَى دَار البقا ليرى ... مَا قدمت يَده من صَالح الْعَمَل
لقد اعد لَهُ عِنْد النُّزُول بهَا ... رب غَفُور رَحِيم أكْرم النزل
بَكت عَلَيْهِ السما وَالْأَرْض إِذْ فقدت ... تهجداً عِنْد طول الدَّهْر لم يحل
وَورد صَوْم ظماه فِيهِ ادخله ... جنَّات عدن من الربان فِي عجل
وَفعل خير وإحسان ينيل غداًُ ... قَرَار سجساج ظلّ غير منتقل
لَهَا بهاتيكم الطَّاعَات قد شهِدت ... بطاح مَسْجِد طه خَاتم الرُّسُل
وَمَسْجِد الْقُدس والمكي لَا بَرحت ... ارجاؤهم من غمام الْأَمْن فِي ظلل
وَكم طواف ببيتالله كَانَ لَهُ ... وَكم وقُوف بِبَاب الله فِي وَجل
وبالمعروف أعواماً مُتَابعَة ... بهَا استتم فروض الْحَج من كمل
سلوا مشاعر جمكع كَيفَ لَيْلَتهَا ... كَانَت تضيء ببدر مِنْهُ مكتمل
وَكَانَ شمسا مِنْهَا لم يحل منى ... أَيَّام تشريقها أشراقهن جلى
سقيا ورعيا لأيام سلفن بهَا ... وَنحن فِي مجللس سَام لَدَيْهِ عَليّ
اذ الزَّمَان عَزِيز وَجهه خضل ... بغرة من محيا وَجهه الخضل
والعيش غض بِمَا يوليه من نعم ... لدن الْحَوَاشِي بانس مِنْهُ مقتبل
والدهر يلحظنا شزراً ويوهمنا ... خديعة انه عَنَّا لفي شغل
فحين رد إِلَيْنَا طرفه أرتجعت ... يَدَاهُ منا الَّذِي اولاه من نحل
فشتت الشمل بعد الالتئام وَلم ... يقنع بِنوح مُقيم أثر مرتحل
حَتَّى رمانا فأصمتنا رمايته ... ة عمدا بأسهم هَذَا الْحَادِث الجلل
أيا أصفخان لَا يُحْصى تأسفنا ... عَلَيْك ضبط بتفصيل وَلَا جمل
لقد فقدناك الرّبيع وَلم نجد عَنْك بعد الْفَقْد من بدل
стр. 217
.. نفديك منا أُلُوف لَو فديت بهَا ... من خيرنا لَا من الدهماء والسفل
أَنِّي لأبكيك للجود الَّذِي فضحت ... أنواءه كل وَسمي وكل ولي
أبكيك للْعلم وَالْعقل اللَّذين هما ... عماد دنيا وَدين الحازم الرجل
وللحجاز وأهليه إِذا فقدوا ... مألوف بر إِلَيْهِم مِنْك مُتَّصِل
وللصيام وَأَحْيَاء الظلام إِلَى ... حِين الْمَمَات بِلَا وَهن وَلَا ملل
مُسَافِرًا وَمُقِيمًا مَا كسل وَلَا ... عجزت حوشيك من عجز وَمن كسل
قد كنت بَحر عوم بزاخرا وندا ... من فيضه كل بَحر كَانَ فِي خجل
فَفَاضَ مَا فاض م أمواجه وطغا ... مِنْهَا وروى الورى علا على نهل
بِمَوْتِهِ مَاتَ ذكر الْجُود واندرست ... مِنْهُ الربوع ورسم المكرمات بلَى
عذلت فِي قَتله دهري فَقَالَ أما ... أحطت علما بسبق السَّيْف للعذل
لبّى نِدَاء المنايا عِنْدَمَا هَتَفت بِهِ وَسَار بهَا يمشي على مهل
لَا قته وَهِي كمين فاستكان وَلَو ... بَدَت لَهُ لم تَجدهُ كَانَ ذَا فشل
فَإِنَّهُ كَانَ ثبتاً فاشلا حذرا ... وَلم يكن راميه يُؤْتى من الزلل
أباد أَحْمد أباد هول مصرعه ... وباء بعد الْآبَاء من فِيهِ بالوجل
فذم مَحْمُود أباد النَّاس حِين بدا ... مِنْهَا عناًُ مَا بِهِ للنَّاس من قبل
وريح نكسبه كنبائت عواصفها ... نكبآء هبت خلال الدّور وَالْحلَل
وَالنَّار شبت بشنبانير من فتن ... تموج كالبحر ملْء السهل والجبل
والدير أودت بهَا أدواؤها وبدت ... فِيهَا أراجيف أهل العل وَالنَّقْل
فَلَا ملام على سرات أَن لبست ... ملابس الْحزن بعد الْحلِيّ وَالْحلَل
اوفي وسلطانه السَّامِي الْمقَام مَعًا ... على انْتِهَاء الْأَجَل المحتوم فِي الازل
كَذَا الْخَلِيفَة وَالْفَتْح الْوَزير لَهُ ... كَانَت وفاتهما فِي اعصر أول
عز العزا وأزمان المسرة قد ... ولت وكل خلي بالهموم ملي
عبد الْعَزِيز عَزِيز مَا أصبت بِهِ ... على الممالك والأديان والملل
عبد الْعَزِيز عَزِيز مَا أصبت بِهِ ... على شهامة أهل الْملك والدول
عبد الْعَزِيز عَزِيز مَا أصبت بِهِ ... على الْمَشَايِخ والطلاب والملل
عبد الْعَزِيز عَزِيز مَا أصبت بِهِ ... على مجَالِس أهل الْبَحْث والجدل
كَانَت تتوق لأرض الْهِنْد أَنْفُسنَا ... كَيْمَا تحقق أَن الْعِزّ فِي النَّقْل
стр. 218
.. فمذ نعيت عَنْهَا امنى وغدت أَبْوَاب نيل الْغنى مسدودة السبل
يلومني فِيك أَقوام وَلَو علمُوا ... عُذْري لما أَكْثرُوا لومي وَلَا عذلي
محبب كل من يولي الْجَمِيل وَقد ... أوليتني جملا مِنْهَا عَليّ جمل
يعطيك والبشر يكسو صفيحته فَقل ... بعدا لتقطيب وَجه الْعَارِض الهطل
أَفعاله صدقت مَا قد تكذبه أسماعنا من حَدِيث الْجُود فِي الأول
فَانْظُر إِلَى فعله واترك حَدِيثهمْ ... فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل
يلقاك إِلَى فعله واترك حَدِيثهمْ ... فِي طلعة الشَّمْس مَا يُغْنِيك عَن زحل
يلقاك لابس برد من تواضعه ... يظنّ بِالْكبرِ تعلو رُتْبَة السّفل
بِالْعلمِ كَانَ وَفعل الْخَيْر مشتغلا ... وَلم يكن عَنْهُمَا باللهو فِي شغل
وَلم يزل بِرِجَال الْعلم محتفلا ... لكنه بسواهم غير محتفل
تأثلوا المَال فِي أَيَّامه وَبِه ... نالوا مَكَانا من العلياء لم ينل
فِي حَضْرَة ومغيب كَانَ يمنحهم ... مَا لم يكن لَهُم وَالله فِي أمل
مِنْهُ اتتني سنيات الهبات وَمن ... تَمامهَا أَنَّهَا جَاءَت وَلم أسل
مدحته كي أفوي شكرها فَأبى ... مزِيد فائض احسان لَهُ هطل
والآن عَليّ أوفى بالرثاء لَهُ ... حَقًا فَانِي وَفِي بالحقوق ملي
قد كنت آمل هَذَا الدَّهْر يمتعنا ... بِهِ ويبقيه غوثا للعفاة ولي
وَمَا توهمت أَن الدَّهْر يَنْزعهُ ... نزعاً ويجفؤه بِالْقَتْلِ والغيل
شلت يَمِين الَّذِي بِالْقَتْلِ فاجأه ... عمدا وشين كف الْمجد بالشلل
ملاحم حكم الْمولى بهَا وَقضى ... وجودهَا سَابق فِي علمه الْأَزَل
يَا من يسائل عَن تَارِيخ مصرعه ... عَنهُ الْجَواب انْقَضى فَاكْفُفْ وَلَا تسل
عَلَيْك وَالله لَا أَنْفك ذَا أَسف ... أهْدى إِلَيْهِ الدُّعَاء مَا امْتَدَّ فِي أَجلي
ههمت على روض قبر حلّه ديم ... من الرضى مَا هما دمع من الْمقل
ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار من مُضر ... خير الْبَريَّة طه خَاتم الرُّسُل
والآل والصحب مالوفي الحجيج عل ... بَيت الْإِلَه وَحي الرُّكْن بالقبل
سنة سِتّ وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٦) هـ
وشفي سنة سِتّ وَخمسين توفّي السَّيِّد الشريف الصَّالح الْفَاضِل الشَّيْخ
стр. 219
حُسَيْن بن عَليّ وَكَانَ من الْمَشَايِخ العارفين وَعباد الله الصَّالِحين صَاحب هَيْبَة عَظِيمَة لَا يرَاهُ أحد إِلَّا هاب وَكَانَ يُصَلِّي إِمَامًا فِي مَسْجِد وَالِده الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر وَكَانَ إِذا دخل الصَّلَاة وَأحرم ارتعدت فَرَائض الْحَاضِرين لهيبة فهم بِالصَّلَاةِ مَعَه الْوَلِيّ الشريف عبد الله بن الْفَقِيه أَبَا علوي فَلَمَّا سوى الصُّفُوف وَكبر طاش لبه ودهش عقله وَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ إِلَّا بقر يَعْنِي الْحَاضِرين وَحمل ثَوْبه وَخرج هَارِبا وَلم يصل مَعَه
قلت وَحضر وَفَاة ابْن مُحَمَّد الشَّيْخ أَبُو بكر العيدروس بعدن وَصلى على جنَازَته إِمَامًا كَذَا قَالَه الْعَلامَة جَار الله بن فهج الْمَكِّيّ ﵀ فِي مُعْجَمه
سنة سبع وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٧) هـ
وَفِي سنة سبع وَخمسين توفّي الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشريف عمر ابْن شهَاب الدّين بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ أَبَا علوي وَكَانَ مَشْهُورا بالصلاح والمكاشفات وفيهَا توفّي الْعَلامَة القَاضِي أَحْمد شرِيف ابْن عَليّ ابْن علوي وَكَانَ مولده يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع شهر ذِي الْحجَّة سنة أَربع أَو خمس وَثَمَانمِائَة واشتغل بالفقه على جمَاعَة كالعلامة الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن أَبَا فضل صَاحب الْمُخْتَصر الْمَشْهُور وكالعلامة الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأَسْقَع أَبَا علوي وَغَيرهمَا وجد واجتهد حَتَّى برع فِيهِ وأشير إِلَيْهِ بالرئاسة وَالْفَتْوَى وَذكره أَخُوهُ الْمعلم خرد فِي طَبَقَات فُقَهَاء آل أَبَا علوي قَالَ وَولي قَضَاء ابْن رَاشد وَهُوَ مُشْتَمل على مدن مُتعَدِّدَة من قرى حَضرمَوْت اشهرها تريم لم يُعَارضهُ معَارض وَلم ينْقض عَلَيْهِ مُنَاقض انْتهى
قلت وَلم يل أحد من آل أَبَا علوي الْقَضَاء ﵀ وَبَلغنِي أَنه لم يكن من الْقُضَاة الورين سامحه الله وإيانا آمين
وَفِي تَارِيخ شنبل أَنه وأخاه عبد الله شرِيف ولدا توأمين فِي بطن وعزل من الْقَضَاء وَقَالَ أَنا لَا أعزل وَإِن عزلني السُّلْطَان بِسَبَب أَنه لَيْسَ فِي الْجِهَة من هُوَ أعلم مني
قلت وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ القَاضِي أَحْمد شرِيف لَا أَدْرِي أهوَ لَهُ
стр. 220
وَجه ضَعِيف فِي الْمَسْأَلَة أَو أَرَادَ بِهِ النُّكْتَة والمطايبة وَقَرِيب من هَذَا أَن الصاحب ابْن عباد قَالَ لقَاضِي قُم أَيهَا القَاضِي بقم عد عزلناك فَقُمْ فَكَانَ القَاضِي يَقُول أَنا مَعْزُول السجع قلت وَذكرت بقوله أَنا لَا أعزل وَأَن عزلني الْوَالِي قَول بَعضهم ... إِن الْأَمِير هُوَ الَّذِي ... يُضحي أَمِيرا يَوْم عَزله
إِن زَالَ السُّلْطَان الولا ... ية لم يزل سُلْطَان فَضله ...
وَمَا أحسن قَوْلهم فِي الحكم إِن أردْت أَن لَا تعزل فَلَا تتول
سنة ثَمَان وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٨) هـ
وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين توفّي الشَّيْخ الصَّالح الْعَلامَة الْفَقِيه عبد الله ابْن الْفَقِيه مُحَمَّد بن الشَّيْخ حكم سهل بن الْفَقِيه الْوَلِيّ بن الْفَقِيه الْجَلِيل الإِمَام مُحَمَّد بن الشَّيْخ حكم أَبَا قُشَيْر الشَّافِعِي الْحَضْرَمِيّ بحضرموت فِي الْعَجز ببلدة قسم وقبره بهَا مَعْرُوف يزار وَكَانَ من الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء والعاملين وَالْفُقَهَاء البارعين صَاحب تصانيف مفيدة وحيد زَمَانه علما وَعَملا وزهداً وورعاً جمع بَين معالم الشَّرِيعَة وسلوك الطَّرِيقَة وعلوم الحققة
وَمن تصانيفه الْمَشْهُورَة فِي الْفِقْه كتاب قلائد الخرائد وفرائد الْفَوَائِد فِي مُجَلد ضخم ذكر إِنَّه جمع فِيهِ مَا لَا يُوجد صَرِيحًا فِي الْكتب المختصرة فِي الْفِقْه مِمَّا أَخذ من المبسوطات والفتاوى المتفرقات وَمِنْهَا القل الموجز الْمُبين وَمِنْهَا كتاب السَّعَادَة وَالْخَيْر فِي مَنَاقِب السَّادة بني قُشَيْر ورسالة صَغِيرَة فِي الْفرج
ومنمشايخه الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعلم الشهير القطب الرباني شمس الشموس أَبُو بكر عبد الله العيدروسي وَالْوَلِيّ الصَّالح الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ أَبَا علوي والفقيه الصَّالح الْعَلامَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْحَاج أَبَا فضل
وَمن كراماته ان وَالِدي ﵀ لما اسنودع مِنْهُ فِي دُخُول الْهِنْد فِي سفرته الْأَخِيرَة قَالَ لَهُ أَظن أَن هَذَا آخر عهدكم بحضرموت فَكَانَ كَذَلِك
стр. 221
وفيهَا وَقع أَمِير الْحَاج الْفَاجِر مِمَّا سَوَّلَ لَهُ نَفسه الخبيثة من الهجوم على السَّيِّد الشريف صَاحب مَكَّة مُحَمَّد أبي نمى يَوْم عيد النَّحْر ليَقْتُلهُ هُوَ وَأَوْلَاده فِي سَاعَة وَاحِدَة فظفروا بِهِ وَأَرَادُوا قَتله ة جَمِيع جُنُوده لكنهأعني السَّيِّد أَبُو نمي أشْفق على الْحجَّاج أَن يقتل عَن آخِره فَلَا يعقل مِنْهُ عقال فَأمْسك عَن قِتَاله ثمَّ ذهب لَيْلَة اغْدُ إِلَى مَكَّة وَالنَّاس فِي أَمر مريج فَلم يزدْ ذَلِك الْجَبَّار إِلَّا طغيانا فَنَادَى ان الشريف مَعْزُول فَلَمَّا سَمِعت الاعراب ذَلِك سقطوا على الْحَاج ونهبوا مِنْهُم أَمْوَالًا لَا تعد وعزموا على نهب مَكَّة بأسرها واستئصال الْحجَّاج والأمير وجنده فَركب الشريف جزاه الله تَعَالَى عَن الْمُسلمين خيرا وأثخن فِي العر الْجراح وَقتل الْبَعْض فخمدوا وَاسْتمرّ ذَلِك الْجَبَّار بِمَكَّة وَالنَّاس فِي أَمر مريج بِحَيْثُ بطلت أَكثر مَنَاسِك الْحَج وقاسوا من الْخَوْف والشدة مَا لم يسمع بِمثلِهِ ثمَّ رَحل ذَلِك الْجَبَّار بِأَن يسْعَى فِي بَاب السُّلْطَان بعزله وَقَتله
قَالَ بعض الصَّالِحين من أهل الْيمن فَخرجت من مَكَّة فِي تِلْكَ الْأَيَّام إِلَى جدة وَأَنا فِي غَايَة الضّيق والوجل على الشريف وَأَوْلَاده وَالْمُسْلِمين فَلَمَّا قربت من جدة قبل الْفجْر نزلت استريح سَاعَة حَتَّى يفتح سورها فَرَأَيْت فِي النّوم النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ فِي كرم الله وَجهه وَرَضي اله عَنهُ وَفِي يَده عصى معوجة الرَّأْس وَكَانَ يضْرب عَن الشريف أبي نمى وَيَقُول أخبرهُ أَنه لَا يُبَالِي بهؤلاء زأن الله تَعَالَى ينصره عَلَيْهِم فَمَا مَضَت إِلَّا مُدَّة بسيرة وَإِذا الْخَبَر يَأْتِي من بَاب السُّلْطَان بغاية الاجلال والتعظيم للشريف فنصره الله تَعَالَى على ذَلِك الْمُفْسد وَمن أغراه على ذَلِك وَعَاد أَمر الْمُسلمين إِلَى مَا عهدوا من الْأَمْن الَّذِي لم يعْهَد فِي غير ولَايَته
وفيهَا كَانَت وقْعَة الجرب بجيم مُوَحدَة بَينهمَا رَاء سَاكِنة الْمَشْهُورَة وَهِي أَن جمَاعَة من الْقَبَائِل مفتنين يُقَال لَهُم عبيد آل يماني وَكَانَ السُّلْطَان لَا يقدر عَلَيْهِم لكثرتهم ولشجاعتهم وشيعتهم فاتفق أَنهم اجْتَمعُوا كلهم فِي قَرْيَة تسمى الجرب بِأَسْفَل حضروموت فَأخْبر السُّلْطَان بذلك فَجهز إِلَيْهِم عسكراً وحاصرهم فِي تِلْكَ الْقرْيَة مُدَّة إِلَى أَن اضربهم الْجُوع والتعب من شدَّة الْحصار حَتَّى أكلُوا الْجُلُود والميتتة ودخلوا عَلَيْهِم فقلوهم عَن
стр. 222
آخِرهم وَكَانُوا نَحْو خَمْسمِائَة رجل وطهر الله الأَرْض مِنْهُم وَصَارَ قَتلهمْ تَارِيخا مَشْهُورا عِنْد أهل حَضرمَوْت يُقَال سنة وقْعَة الجرب
وفيهَا دخل وَالِدي الْهِنْد وَأقَام فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى
سنة تسع وَخمسين بعد التسْعمائَة (٩٥٩) هـ
وَفِي سنة سع وَخمسين كَانَت عمَارَة الْبَيْت الشريف زَاده اللع تَعْظِيمًا وتاريخ ذلمك الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي فِي المصراع الْأَخير من هَذَا الْبَيْت ... وَقد أَتَى تَارِيخ ترميمه ... رمم بَيت الله سلطاننا ...
وفيهَا سَافر الْمولى الشهير الشريف عبد الله بن الْفَقِيه أَبَا علوي من حَضرمَوْت بنية الْعَزْم إِلَى مَكَّة بأَهْله فأدركه يَوْم عَرَفَة وَهُوَ باللحية
وفيهَا عمر السُّلْطَان بُد ابْن السُّلْطَان عبد الله بن جَعْفَر الكثيري مدرسة لطلبة الْعلم بالشحر وَجعل فِيهَا وَقفا مَعْلُوما فَقَالَ الْفَقِيه أَحْمد الجابري يرد الله مضجعه مؤرخاً لذَلِك الْعَام ... شاده الْبَدْر مَسْجِد قد ... تعاى بعلاه على النُّجُوم المضيئة
رب من قَالَ ارخوه فَقلت ... مَسْجِدا شيدوه للشَّافِعِيَّة ...
سنة سِتِّينَ بعد التشسعمائة (٩٦٠) هـ
وَفِي سنة سِتِّينَ توفّي الشريف الْفَاضِل جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن علوي خرد أَبَا علوي صَاحب كتاب غرر إليا
وفيهَا وَقعت عمَارَة ميزاب الرَّحْمَة من الْبَيْت الشريف عَظمَة الله تَعَالَى وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق أَن جَاءَ تَارِيخ ذَلِك لَا رَحْمَة من رَبك وَكَانَ قد جعل هَذَا التَّارِيخ الشَّيْخ أَبُو بكر الْيَتِيم الْمَكِّيّ ثمَّ نظمه فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ ... يَا أَيهَا الْمولى الْجَلِيل وَمن لَهُ ... الْمجد الأثيل الْفَائِق المريخا
ميزاب بيتالله جدد فا ... فتبسنا رَحْمَة من رَبك التاريخا
سنة إِحْدَى وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٦٢) هـ
وَفِي لَيْلَة ثَلَاثَة عشر من شهر ربيع الأول سنة احدى وَسِتِّينَ قتل السُّلْطَان مَحْمُود شاه ابْن لطيف صَاحب كجرات شَهِيدا وَسَببه أَن
стр. 223
بعض خدمه سَوَّلت لَهُ نَفسه قتل السُّلْطَان فدبر الْحِيلَة فِي ذَلِك وواطأ بعض الوزراء أَيْضا حرسة السُّلْطَان وخدمه وَكَانَ ذَلِك الْخَادِم هُوَ الْمُتَوَلِي لمأكول السُّلْطَان ومشروبه فَقيل دس لَهُ سما فِي شربه وَقيل فِي نَحْو علو وَقيل غير ذَلِك فَشكى السُّلْطَان عقيب تنَاوله حرارة عَظِيمَة اشتعلت بباطنه فاستغاث فَقيل بل لَهُ سكرا نباتا ودس لَهُ سما أَيْضا ليعجل مَوته قبل أَن يشْعر بِهِ وَقيل بل طلب السُّلْطَان الطَّبِيب فبادر ذَلِك الشقي وَذبح السُّلْطَان وَذبح أَيْضا الطَّبِيب كَذَلِك وَلم يشْعر أحد ثمَّ أرسل رسل السُّلْطَان المعتادين إِلَى وزرائه وطلبوهم على لِسَان السُّلْطَان فَقدم كل على انْفِرَاده من غير شُعُور لَهُ بِشَيْء مِمَّا وَقع وَاحِدًا بعد واحدى وَذَلِكَ الشقي وجماعته واقفون وَالسُّلْطَان عِنْدهم مقتول فَكل من دخل من الوزراء قَتَلُوهُ بأسلحتهم فَلَمَّا أَكثر الْقَتْل وَقع الاحساس بِبَعْض مَا جرى
وَفِي زَمَنه أَخذ الافرنج الدَّيْر من الْمُسلمين وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه العفلي الْعَظِيم
وفيهَا مَاتَ السَّيِّد أَحْمد بن أبي نمى صَاحب مَكَّة وَهُوَ الَّذِي دعس بسط سُلْطَان الرّوم سُلَيْمَان وَلم يدعس غَيره غَيره من سلاطين مَكَّة وشوكته اسْتَقَرَّتْ فِي حَيَاة أَبِيه وحكاياته مَشْهُورَة
وفيهَا مَاتَ سليم شاه بن شير شاه البتان
وفيهَا مَاتَ برهَان نظام شاه سُلْطَان الدكن
وفيهَا قتل السُّلْطَان أَبَا يزِيد بن سُلَيْمَان العثماني قَتله شاه طهماز بِأَمْر أَبِيه السُّلْطَان سُلَيْمَان فَهَؤُلَاءِ خَمْسَة سلاطين اتّفق مَوْتهمْ فِي هَذِه السّنة فَقَالَ بَعضهم مؤرخاً لذَلِك زَوَال خسروان
سنة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٢) هـ
وَفِي سنى ة اثْنَيْنِ وسين توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْهمام الشَّيْخ حَامِد ابْن مَحْمُود الجبروني نزيل مَكَّة المشرفة وَكَانَ إِلَيْهِ النِّهَايَة فِي الْعلم وَالْعِبَادَة ورثاه الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي بِهَذِهِ القصيدة الْعَظِيمَة وَهِي ... أَيهَا الغافل الغبي تنبه ... إِن بِالنَّوْمِ يقظة النَّاس أشبه
стр. 224
.. وَتَأمل فَإِنَّمَا الاس سفر ... وَدَار دنياهم لَهُم دَار غربه
كل يَوْم تحل فِي السرج مِنْهَا ... عصبَة مِنْهُم وترحل عصبه
كَيفَ يهنى الْفَتى بهَا وَهُوَ فِيهَا ... يشتكي دَائِما فِرَاق الْأَحِبَّة
وَاحِد إِثْر وَاحِد يتسارعون ... للفتى يالكربة أثر كربه
كل حُلْو بعد الْأَحِبَّة مر فحياتي من بعدهمْ غير عذبه
يَا خليلي فرقة الْخلّ وَالله ... على الانفس الْكَرِيمَة صعبة
سِيمَا خلك الحصيص الَّذِي لم ... يزل يسوؤك الزَّمَان يَوْمًا بنكبه
الحبيب الَّذِي حوى كل وصف ... حِين يملي يمْلَأ الْقُلُوب القاوب محبه
ذَاك وَالله حَامِد غير خل ... قطّ مَا ذمّ صَاحبه مِنْهُ صَحبه
قد مضى حَامِد حميد فَمَا لي ... بعده فِي الْحَيَاة والعيش رغبه
صَاحِبي من قريب خمسين عَاما ... مَا ترآءيت فِي محياه غصبه
مزجت روحه بروحي فاضحى ... منطقي نطقه وقلبي قلبه
يبتديني بِمَا بِهِ ابتديه ... من حَدِيث لم تنتقص ٢ مِنْهُ حبه
ذُو حفاظ تلقيه فِي الْهزْل وَالْجد ... صَدُوقًا عَلَيْهِ مَا عد كذبه
طَاهِر الذيل لم يزن بِسوء صين مَا عليهتؤثر سبه
لم يكن فَاحِشا لم يسب وَلم يلق ... من النَّاس وَاحِد قد سبه
حَازِم الرَّأْي ثَابت الجأش شهم ... فِيهِ مَعَ غرمه اناة ودربه
أَي حفظ وَأي ايراد لفظ ... مستلذ ينسى أَخَاهُ الكرب كربه
من جَمِيع الْعُلُوم جَازَ فنوزنا ... فتسامى بهَا لأرفع رُتْبَة
ة نازعته إِلَى سمو المراقي ... همة أنزلت فِي الْأُفق شَيْبه
بلغت غَايَة المطالب والأغراض أحبابه الْجَمِيع وَصَحبه
لم يكن رَاهِبًا سوى الله لَكِن ... كَانَ فِي لله أعظم رهبة
كَانَ يحي إِلَى الْمَمَات اللَّيَالِي ... آخِذا بِالنّصب من كل قَرْيَة
كم صَلَاة يطول وصفي فِيهَا قَامَ عَن فرشه لَهَا وتنبه
وَطواف مَا عَنهُ ورد ... شكر الله سَعْيه فِيهِ غبه
وَمن الذّكر والتلاوى ة أوراد بهَا لم يزل يرتب حزبه
بَكت الأَرْض وَالسَّمَاء فقد عبد ... كَانَ يَعْصِي الْهوى ويعبد ربه
стр. 225
.. وسيبكيه حِين يفقد مِنْهُ ... رَمَضَان إِذا أَتَى أَي أهبه
طالما قَامَ وشمرا فِيهِ ... مئزراً واستحث قوما وانبه
كَيفَ لَا يدْخل الْجنان من ... الريان والمعاطف رطبه
كَيفَ يظمأ غَدا وَفِي كل يَوْم ... كَانَ وَالله مآء زَمْزَم شربه
يَا رعى الله اعصراً وبقاعا ... جمعتنَا فِي عنفوان وَشبه
حَيْثُ ندعى إِلَى الدُّرُوس ونلقى ... كل شيخ ربى المريد وربه
من رضَاع الْعُلُوم أَي اخاء ... بَيْننَا بَيْننَا بِهِ أَي نسبه
يَا أخي يَا أَبَا مُحَمَّد عهدي بك ... تهدي لقيا اخياك وقربه
كَيفَ فارقتني وَكُنَّا جَمِيعًا ... فرقدي ألفة سفت ومحبه
كنديمي جذيمة نتعاطى من كؤوس الوداد اعذب شربه
كل يَوْم نزداد حبا إِذا مل سوانا من الأحباء حبه
فجعلني فِيهِ الْمنون فنفسي ... للتفاني من بعده مشرئبه
فِي فني الترب للبيب نَذِير ... أَنه لَا حق على الْقرب تربه
أَن أعش بعده لعمري إِنِّي ... خنته فِي دواده والمحبة
إِنَّه الْمَوْت لَيْسَ فِيهِ وَفَاء ... فِيهِ ضاهى إِلَى الْفَتى من أحبه
وبعيد ذَا انْقَضى نحب شخص ... إِن شخصا يقْضِي لذَلِك نحبه
يَا جليسي الَّذِي على كل خير ... فعله دلّ والمقال وَنبهَ
يَا صديقي الَّذِي يكافح عني زمني إِن عدا وَيدْفَع خطبه
يَا سميري لقد قرح جفني ... سهرا مذ أَتَى الردى أَن تنبه
نم هَنِيئًا فطالما فِي اللَّيَالِي ... سهرت مقلتاك دنيا وَحسب
وَسَلام عَلَيْك مَا حنت الْوَرق ... فابكت على حبيب محبه
روح الله مِنْك فِي الْخلد روحاً ويسقي صيب الحيا مِنْك تربه ...
وفيهَا كَانَ موت السُّلْطَان همايون ابْن بابور وَكَانَ سَبَب مَوته سُقُوطه من سقف فَقَالَ مؤرخ وَفَاته بالفارسي همايون باد شاه ازبام افتاد
سنة ثَلَاث وستي بعد التسْعمائَة (٩٦٣) هـ
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وصل الْوَزير الْأَعْظَم الفخان الْكَبِير ياقوت
стр. 226
سُلْطَان فِي جُمَادَى الثَّانِي مكسوراً من بيرم كام إِلَى وسرت كَذَا ذكره الْعَلامَة أَبُو اسعادات الفاكهي الْمَكِّيّ فِي رحلته
وفيهَا قتل السَّيِّد مرتضى ﵀
وفيهَا سَافر الشَّيْخ أَبُو السعادات من أَحْمد أباد سرت ثمَّ جَاءَ بعده بأَرْبعَة أشهر الشَّيْخ عبد الكعطي بن حُسَيْن أَبَا كثير الْمَكِّيّ والخطيب أَبُو السعادات ابْن ظهيره وَعبد الله الْعِرَاقِيّ من أَحْمد أباد إِلَى سرت بأهلهم وتدبروا بهَا
سنة أَربع وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٤) هـ
وفس شهر جُمَادَى الأول من سنة أَربع وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ الْوَلِيّ الصَّالح الْعَلامَة الْمُحَقق الْعَارِف المدقق بَحر الْحَقِيقَة وَإِمَام الشَّرِيعَة والطريقة بَقِيَّة السّلف الصَّالح ومرشد الْخلق إِلَى النهج الْوَاضِح أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن على المزاجي الْحَنَفِيّ شهَاب الدّين وَدفن بجوار مَسْجده بتربة الظَّاهِر الَّذِي أنشأ جده الشَّيْخ الصّديق بن عبد الله المزجاجي الصُّوفِي قدس الله أَرْوَاحهم
ولد رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَقَرَأَ الْقُرْآن وَحفظه وَسمع الحَدِيث على جمَاعَة مِنْهُم الْحَافِظ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الديبع ﵀ وَكتب لَهُ الاجازة والأسانيد بِخَطِّهِ ونفقه بِجَمَاعَة من الْحَنَفِيَّة وَقَرَأَ فِي كتب الرقَاق وَسمع على الشَّيْخَيْنِ الوليين اكاملين الْمُحَقِّقين نور الدّين القطب الرباني يحيى بن الصّديق النُّور وَبِه تخرج وانتفع وَالشَّيْخ الْعَلامَة الْحَافِظ الْعَلامَة بَقِيَّة الْمُحَقِّقين العارفين الصَّادِقين المكملين أبي الضيا وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن ى بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي ألعى الله أنواره وأسمى مناره وَقَرَأَ فِي أصُول الدّين على الشَّيْخ الْعَالم المصقعي المفنن شرف الدّين دامغ الْمُلْحِدِينَ إِسْمَاعِيل أبي الذَّبِيح شرف الدّين بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي أَخذ عَلَيْهِ الْكتاب النكت لأبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَسمع عَلَيْهِ بِقِرَاءَة غَيره شَيْئا كثيرا من كتب الْأُصُول وَغَيرهَا وَلبس الْخرق من وَالِده ثمَّ ألبسهُ مرّة أُخْرَى أَخُوهُ لأمه الشَّيْخ اسماعيل بن الْمَشْهُور المزجاجي
стр. 227
وَأذن لَهُ فِي الباسها من اسْتحقَّهَا وَكَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي كتب الْقَوْم وَهُوَ شَاب وَأفَاد وأملى وأجاد واستمد فامد وَبلغ فِي كل فضل الأمد تخرج بِهِ وَلَده الْعَلامَة الْحَافِظ الْمُجْتَهد اولي المقرب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى شَيخنَا ومولانا أَبُو الْحسن عَليّ شمس لدين وحقق وانتفع انتفاعاً عَم الْخلق نَفعه وَأخذ عَنهُ شَيخنَا الْأُسْتَاذ الْإِنْسَان الْكَامِل الْمُحَقق خَاتم الْأَوْلِيَاء مَوْلَانَا السَّيِّد الشريف حَاتِم بن أَحْمد الأهدل وخلائق لَا تحصى وَالشَّيْخ كَمَال الدّين أَحْمد بن غبلراهيم الْعلوِي وَله اتِّبَاع بلغُوا مبلغ الكاملين ومكنوا فِي الْولَايَة أَي تَمْكِين
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ فريد دهره ونادرة عصره ونسيج وَحده ولزيم ابده علما وَعَملا وأفادة وسيادة وَله كَلَام فِي الْحَقَائِق يشْهد لَهُ بحيازة عل وَكَانَ عُلَمَاء وقته يجلونه غَايَة الإجلال وَيشْهدُونَ لَهُ بالتقدم على الْأَمْثَال من رَآهُ ذكر الله وَقَالَ تبَارك الله بِقَصْدِهِ الْخَاص وَالْعَام والقضاة والحكام للزيارة والتبرك بِهِ والتماس الدُّعَاء مِنْهُ إِذا نزل بهم مُهِمّ وَكَانَ يبسط لَهُ فِي الْوَقْت ويمد لَهُ فِيهِ بِحَيْثُ أَنه يقْرَأ مائَة شرف الْقُرْآن فِي نصفف نَهَار أَو دون ذَلِك
وَحكى لي فقيره الصَّادِق مُحَمَّد قحطان وَكَانَ رجلا صَدُوقًا من أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح وتلاوة الْقُرْآن وَكتبه وَكتب القو قَالَ بلغ سمع شَيخنَا ﵀ ان رجلا يحوك الثِّيَاب بجواره يقْرَأ سِتِّينَ ختمة من بعد الشروق إِلَى بعد الظّهْر فَعظم أمره على الشَّيْخ وَقَالَ هَذَا فِي جوارنا وَلَا نطلع عَلَيْهِ أَو كَمَا قَالَ قَلما الْيَوْم الثَّانِي بكر إِلَيّ فجَاء وَهُوَ يسدي خيوطه ويهذبها وينقيها فَلَمَّا وَقع نظر الرجل على لاشيخ سر سُرُورًا عظيمابدخول الشَّيْخ منزله فَرَحَّبَ بِهِ وانبسطت نَفسه فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ يَا فلَان مَا حَدِيث حدثته عَنْك من تلاوتك الْقُرْآن كل يَوْم كَذَا وَكَذَا ختمة فَقَالَ نعم كل يَوْم سِتِّينَ فَقَالَ لَهُ هَل شرعت الْيَوْم فِي الْقِرَاءَة قَالَ بلَى الْآن افرغ من التسديد واقعد للعم واشرع فَقَالَ الشَّيْخ أحب أَن اشرع أَنا وَأَنت فَمَتَى تفرغ من السِّتين قَالَ وَقت كَذَا من النَّهَار فَلَمَّا قعد للْعَمَل شرعا
стр. 228
مَعًا وفارقه الشَّيْخ فَلَمَّا كَانَ الْوَقْت الَّذِي عينه الحائك للشَّيْخ جَاءَهُ الشَّيْخ فَقَالَ لَهُ كَيفَ أَنْت قَالَ حصل لي ببركة دخولكم عَليّ فِي هَذَا الْيَوْم زِيَادَة سِتّ ختمات فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَأَنا أتممت الْمِائَة ﵄ وَهَذَا من بَاب خرق الْعَادة وتوسعة اوقت فقد حكى الفرغاني فِي تائية ابْن الفارض مَا هُوَ أعظم م ذَلِك فيطلب من هُنَالك
وَكَانَ الْفَقِيه إِسْمَاعِيل الْعلوِي الْمَذْكُور من أكبر المنكرين على الشَّيْخ الْمَذْكُور وَكَانَ لمقوي لاسماعيل على ذَلِك صَالح المنيماري وَكَانَ إِسْمَاعِيل يعنف أَخَاهُ أَحْمد عى كَثْرَة تردده إِلَى الشَّيْخ أَحْمد صحبته لَهُ فَقَالَ أَخُوهُ أَحْمد على كَثْرَة تردده إِلَى الشَّيْخ أَحْمد وصحبته لَهُ فَقَالَ أَخُوهُ أَحْمد يَا أخي أَنْت أخي وشيخي ووالدي ولد عَليّ حق وطاعتك وَاجِبَة فَهَلُمَّ نَذْهَب أَنا وَأَنت اللَّيْلَة إِلَى راتب الشَّيْخ ونقعد من وَرَاء ونباشر حَال الشَّيْخ وَعَمله فَإِن وجدت على طَريقَة مَرضه دَخَلنَا عَلَيْهِ وَإِلَّا رَجعْنَا وَلَا أصل بعْدهَا إِلَى الشَّيْخ وَكَانَ هَذَا من أَحْمد كيد خَفِي لِأَنَّهُ يعلم أَنه مَتى وَقع بصر اخيه على الشَّيْخ الصَّبْغ وَإِن لم يره الشَّيْخ بِعَين الرَّأْس فطنع أَخُوهُ إِسْمَاعِيل فِيهِ وَلم يدر أَن للبيت رَبًّا يحميه فذهبا مَعًا فحضرا درس الْقُرْآن فكاد إِسْمَاعِيل يَحْتَرِق من ذَلِك فَلَمَّا ختم الدَّرْس وَالدُّعَاء أنْشد المنشد وَشرع صاب السماع فِي الاسمعاع قَالَ لَهُ أَخُوهُ أَحْمد نَذْهَب إِلَى الْبَيْت قَالَ لَا بل ندخل على الشَّيْخ فَهُوَ على قدم صدق فسر بذلك أَحْمد ودخلا على الشَّيْخ أَحْمد فَلَمَّا رَآهُ اليخ سر بِهِ وَحصل لَهُ من الانس والبسط مَا لَا يزِيد عَلَيْهِ فَعَاد إِسْمَاعِيل من أكبر المحبين الآبين إِلَى الله تَعَالَى وَكَانَ صَالح النيماري فِي جِهَة الْجَبَل فَلَمَّا نزل بلغه فصد الْفَقِيه إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور فجَاء إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا فَقِيه إِسْمَاعِيل انتظمت فِي سلك فلَان ثمَّ تكلم فِي حق الشَّيْخ وطريقته فَقَالَ لَا تقل بيني وَبَيْنك اللَّيْلَة وَقت صَلَاة الْمغرب بلمسجد الْمَذْكُور فَلَمَّا أذن واقيمت الصَّلَاة دخل الْفَقِيه الصَّالح الْوَلِيّ الفالح عبد ارؤوف المشيم يُصَلِّي بِالنَّاسِ فكاد أَن يفوت بِكَثْرَة الْخُشُوع فِي الْقِرَاءَة فَلَمَّا فرغت الصللاة قَالَ الْفَقِيه
стр. 229
إِسْمَاعِيل لصالح رَأَيْت حا هَذَا الرجل وَعظم توجهه ورقة قلبه وَالله لَو تَلَوت أَنا وَأَنت كَذَا وَكَذَا ختمة مَا قطرت لنا دمعة قَالَ نعم مَعَ قوى معرفتنا إِنَّا نَقْرَأ أحسن مِنْهُ قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل هَكَذَا الْقبُول قَالَ نعم وَإِن هَذَا من أَوْلِيَاء الله تاعالى قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيل هَذَا أَصْغَر أَصْحَاب أَحْمد بن عَليّ مقَاما فَمَا زَاده ذَلِك إِلَّا نفوراً حَتَّى أفْضى الْأَمر إِلَى منافرة ومنافرة وأهاجي بَينهمَا وَالله الْمُسْتَعَان
سنة خمس وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٥) هـ
وَفِي يَوْم السبت إِحْدَى عشر شهر الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ الْكَبِير والقدوة الشهير الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الإِمَام الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد الْفَقِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن عمر بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْكَبِير الْوَلِيّ المربي سعيد بن عِيسَى بن أَحْمد الشهير بالعمودي بتعز وَكَانَ من كبار أهل الْعلم وَأهل الْفتيا والتدريس مَعَ الْوَرع التَّام والزهد الْعَظِيم والاقبال على الطَّاعَة وَكَثْرَة الْعِبَادَة والسلوك على نهج السّلف الصَّالح وَلُزُوم الخمول وَترك مَا لَا يَعْنِي وَالْإِحْسَان الدَّائِم إِلَى الْفُقَرَاء والمحتاجين والطلبة والملازمين وَكَانَ مَعَ ذَلِك من أهل الْولَايَة اللعظيمة والتصريف النَّافِذ فِي الْوُجُود وَقيل أَنه كَانَ يعرف اسْم الله الْأَعْظَم وَكَانَ ينْفق من الْغَيْب وَكَانَ الباشوات تعظمه وتخضع لهيبته وَكَانَ من محفوظاته الارشاد فِي الْفِقْه وَكَانَت تَجِيء إِلَيْهِ الْفَتَاوَى من الْبِلَاد الْبَعِيدَة فيجيب عَنْهَا وَكَانَ ولي مدرسته بتعز وَكَانَ ينْفق جَمِيع مَا يصير إِلَيْهِ من وَقفهَا على الْفُقَرَاء والطلبة وَلَا يمسك مِنْهُ لنفقته شَيْئا وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى مَاتَ
وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ أوحد عصره علما وصلاحاً وَلم يخلفه بعده مثله وَكَانَت وِلَادَته بزبيد وَمَا وقفت على تَارِيخ مولده إِلَّا انه مَاتَ وَهُوَ ابْن خمسين سنة تَقْرِيبًا وبنيت عَلَيْهِ بعد مَوته قبَّة عَظِيمَة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ وَالِده الْفَقِيه عُثْمَان بن مُحَمَّد من أهل اعْلَم وَالصَّلَاح وَكَانَ انْتقل من بِلَاده قيدون إِلَى زبيد وَهُوَ شَاب لتَحْصِيل الْعلم فَأخذ عَن جماعته حَتَّى برع فِي الْعلم وَتزَوج هُنَاكَ امْرَأَة فَولدت لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة هَذَا
стр. 230
وَهُوَ الَّذِي أَخذ عَنهُ وَتخرج بِهِ الْفَقِيه الصَّالح عَليّ بن عَليّ أَبَا يزِيد الدوعن يصاحب النكت على الارشاد وَصَاحب الْفَتَاوَى الْمَشْهُورَة وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ عُثْمَان فِي هَذَا الْقرن وتاريخ مَوته لم أعثر عَلَيْهِ وَلِهَذَا لم افرده بِالذكر فِي هَذَا التَّارِيخ والا فَهُوَ حقيق بذلك
فَائِدَة
أعلم ان فِي قلبِي حسرة عَظِيمَة اذ لم يَتَيَسَّر إِلَى الْوُقُوف على تواريخ جمَاعَة من الاعيان الْمَشْهُورين كطائفة من الْأَوْلِيَاء الْكِرَام وَجُمْلَة من الْعلمَاء الاعلام مثل الشَّيْخ الإِمَام والحبر الْهمام مُجْتَهد زَمَانه وعارف اوانه الشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ وَالشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الْحق السنباطي الْمصْرِيّ وَالْوَلِيّ الْعَارِف سراج الدّين الفقي عمر بن عبد الله أَبَا محزمة الْحَضْرَمِيّ وَالشَّيْخ الْكَبِير والوالي الشهير عمر بن أَحْمد العمودي وَالِد الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْآتِي ذكره وَالشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد الحباني وَالشَّيْخ الْعَلامَة عَليّ بن أَحْمد البسكري الْمَالِكِي المغربي الْمَكِّيّ وَالِد صاحبنا الشَّيْخ أَحْمد البسكري وَالشَّيْخ الْفَاضِل مُحَمَّد الْحطاب سمي ابيه وَالشَّيْخ الْعَلامَة عَليّ بن عراق وَأَخُوهُ الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير أحمدج بن سهل أَبَا قُشَيْر وَالْوَلِيّ الصَّالح الْمعلم أَبَا جَابر صَاحب عندل وَالشَّيْخ الْعَلامَة عبد الرؤوف الْوَاعِظ تلميذ الشَّيْخ ابْن حجر الهيثمي والعلامة الشهير الشَّيْخ مُحَمَّد الرَّمْلِيّ الْمصْرِيّ والعلامة الطبلاوي وَآخَرين يطول ذكرهم ويتعذر حصرهم مَعَ أَنِّي قد اذكر بَعضهم فِي تَرْجَمَة غَيره بطرِيق الأستطراد وَلَكِنِّي لم استوعب أخباره كَمَا يَنْبَغِي وَيُرَاد والمرجو أَن يمن الله عَليّ بذلك حَتَّى أشفى العليل بشرح مناقبهم العديدة وسيرتهم الحميدة وَالله ولي التَّوْفِيق والمسؤول مِمَّن وقف على هَذَا الْكتاب من الأخوان الْفُضَلَاء وظفر بِشَيْء من ذَلِك فليضفه إِلَيْهِ على هَذَا النمط والسياق ويرجي لمن فعل ذَلِك إنْشَاء الله ببركتهم الاندراج فِي المسرعين إِلَى الْخيرَات السباق انْتهى
стр. 231
وَبَنُو العمودي أهل اصلاح وَولَايَة أشتهر مِنْهُم جمَاعَة بالعلوم الظَّاهِرَة ومقامات الْولَايَة الفارة وَيُقَال ان نسبهم يرجع إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ وَأما خرقتهم فَهِيَ ترجع إِلَى الشَّيْخ أبي مَدين المغربي ﵁ فَإِن جدهم الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعلم الشير تَاج العارفين ومربي المريدين الشَّيْخ سعيد بن عِيسَى العمودي قدس الله روحه أَخذهَا عَن الشَّيْخ عبد الله الصَّالح رَسُول الشَّيْخ أبي مدجين فَهِيَ كخرقة قطب العارفين وأمام الْأَوْلِيَاء المتمكنين الشَّيْخ فَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ مقدم التربة
وَحكى أَن الشَّيْخ أَبَا مَدين أرسل تِلْمِيذه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المقعد من الْمغرب نَائِبا عَنهُ وَأمره بالذهاب إِلَى حَضرمَوْت وَقَالَ لَهُ أَن لنا فِيهَا أَصْحَاب سر إِلَيْهِم وَخذ عَلَيْهِم عقد الحكم وأخقر بِأَنَّهُ سيموت فِي أثْنَاء الطَّرِيق فَكَانَ كَذَلِك وَمَات بِمَكَّة المشرفة ثمَّ أرسل تِلْمِيذه الشَّيْخ عبد الله الصال كَمَا أمره شَيْخه وَقَالَ لَهُ أذهب إِلَى حَضرمَوْت تَجِد فِيهَا الْفَقِيه مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد أَبَا مَرْوَان وسلاحه على رجلَيْهِ مَوْضُوع فأطلبه من عِنْده وَحكمه ثمَّ اذب إِلَيّ قيدون تَجِد فِيهَا الشَّيْخ سعد بن عِيسَى العمودي فَحكمه فقما قدم إِلَى تريم وجد الْفَقِيه بِتِلْكَ الصّفة الَّتِي ذكرهَا لَهُ شَيْخه فَفعل مَا امْرَهْ وَذهب إِلَى قيدون ذكلك وَكَانَ الشَّيْخ سعيد أحد كبار مَشَايِخ حضروموت مَشْهُورا بِالْولَايَةِ الْكَامِلَة والكرامات الْعَظِيمَة ة وَكَانَ كَامِلا مريبا مسلكاً وَبِه انْتفع الشَّيْخ أَبُو معبد وَغَيره وَله فِي ناحيه ذُرِّيَّة مباركة وَاتِّبَاع وزاوية لَهُم مَشْهُورَة
وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ زيارتي بعد وفاتي أفضل من زيارتي فِي حَياتِي وَرُوِيَ عَنهُ أَيْضا أَنه قَالَ من احبني أَو أحب من أَحبَّنِي أَو زارني أَو زار من زارني أَو صَافَحَنِي اَوْ صَافح من صَافَحَنِي فَأَنا ضمينه بِالْجنَّةِ وَحكي أَنه عمر فِي القطبية ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ من رَضِي بِي شَيْخه فليشهد الله على نَفسه أَنه رَضِي بِي شَيْخه دينا وأخري وَأَنا شَيْخه وَلَا يمد يَده إِلَى أحد وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ من زارني ثَلَاث مَرَّات ينعني مَا لَهُ حَاجَة إِلَّا زيارتي فَأَنا ضمينه بِالْجنَّةِ
وَكَانَ الشَّيْخ سعيد ﵁ امياً وَيرد الْفُقَهَاء فِي الْمسَائِل
стр. 232
الْفَقِيه وعَلى الْقَارِي إِذا غلط أَو لحن وَتُوفِّي سنة احدى وَسبعين وسِتمِائَة وتربته مَقْصُورَة للزيارة والتبرك نفع الله بِهِ آمين وطبقت تَارِيخ وَفَاته بِحِسَاب الْجمل على أحرف سآء معشر ثمَّ نظمته فَقلت ... سعيد الَّذِي شاع فَضله ... سآء معشر نَقله ...
وَكَذَا طبقَة على أحرف شعر سما ثمَّ نظمت ذَلِك أَيْضا فَقلت ... هُوَ العمود الشَّيْخ سعيد العلما ... تَارِيخ عَام نقلته شعر سما ...
وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء من الصَّالِحين فِي ذَلِك ايضاً ... بست مئين كَانَ تَارِيخ شَيخنَا ... واحدى وَسبعين بذلك فاعلما
سعيد بن عِيسَى القطب وَاحِد عصره ... عَمُود لدين الله قدره مُعظما
وَيجمع ذَا التَّارِيخ إعداد أحرف إِذْ ١ اشبت فاعددها تجدها عرش سما ...
سنة سِتّ وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٦) هـ
وَفِي سنة سِتّ وستي توفّي الإِمَام عبد الْقَادِر الشافي ﵀ ورثاه صَاحبه الأديب الْفَاضِل السَّيِّد مُحَمَّد السمر قندي نزيل ظيبة المشرفة على سكناهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى السَّلَام بِهَذِهِ القصيدة وَهِي ... مَاتَ الإِمَام فعيشي بعده كدر ودمع عَيْني لَا ينفعك ينحدر
قضى وَلم يقْض لي من وده وطر ... وأصبحت دوره بعد الْعلَا الْحفر
يَا ليته علني من بعد نهلته ... علا بِهِ تشرف الاسماع وَالْبَصَر
قد كنت احذر هَذَا الْيَوْم من عمري ... لَو كَانَ ينفع فِي مقدوره الحذر
حَتَّى رميت بِسَهْم لَيْسَ يَمْنعنِي ... مِنْهُ صديق وَلَا خدن وَلَا وزر
مَالِي وَمَا لليالي كلما جنحت ... سالمتها وَهِي لَا تبقي وَلَا تذر
حملت من جهلها مَا لَيْسَ يحملهُ ... قلب وَمَا عجزت عَن دركه الْفِكر
وَأَنت يَا رائحاً عني وتاركني ... ونار وجدي فِي الاحشاء تستعر
إِن جِئْت دَارا أعز الله جَانبهَا ... وجادك المزن لَا يَنْفَكّ ينهمر
بلغ سلامي إِلَى من بِالتُّرَابِ ثوى ... مَا كَانَ ظَنِّي فِيهِ ينزل الْقَمَر
بلغ تَحِيَّة محزون إِلَى جدث ... بِهِ الَّذِي عف مِنْهُ الْفَرح والازر
بلغ تَحِيَّة محزون إللى جدث ... بِهِ الَّذِي طَابَ مِنْهُ الْخَبَر وَالْخَبَر
стр. 233
.. امام مَكَّة عبد الْقَادِر ابْن أبي ... الْيمن الَّذِي خبر من قد انجبت مُضر
من نبعه الْمُصْطَفى الْهَادِي أرومته ... أكْرم بفرع ذَاك الأَصْل يفتخر
يَا ابْن الائمة وَالْقَوْم الَّذين هم ... على الْحَقِيقَة فِينَا الأنجم الزهر
يَا صَاحب الرُّتْبَة الْمَعْذُور حاسدها ... إِن الحسود على مرماك ينعذر
إِلَيْك قد كَانَ يعزى الْفضل منتسبا وَالْيَوْم فِيك يعزي البدو والحضب
قد كَانَ وَجهك فِي الاقبال قبلتنا ... بِهِ تعززت الحجات والعمر
أَنْت الَّذِي كنت نعم المستشار بِهِ ... إِذا دهتني فِي دنياي الْغَيْر
جعلت فضلك فِيمَا بَيْننَا سبا ... إِذا كَانَ فِي الْأُم والآباء منحصر
ارضعتني ثدي انس مِنْك الفه ... وَالْيَوْم عَنْك رَضِيع الانس منقهر
تبدي التَّوَاضُع للإخوان منبسطا ... وَلَو وصضعت على هام لَهُم شكروا
كم خطْبَة لَك عِنْد الْبَيْت فائقة ... بهَا تسلسل عَن خير الورى الْأَثر
لله كم من مقَام بالْمقَام لكم ... حلت بترديده الْآيَات والسور
يبكي الْمقَام على هَذَا الإِمَام كَمَا ... يبكيه مِنْبَر بَيت الله وَالْحجر
أبْكِي عيه وَهل يشفي البكا كبداً ... كَادَت لموقع هَذَا الْخطب تنفطر
قد كَانَ يجدي التأسي عنط دمع أسى ... لَو كَانَ مثلك فِي ام الْقرى بشر
برغم أنفي أَن يَدْعُوك ذُو أمل ... فَلم يجبهُ سوى الاطباق والستر
وان يرى ربعك العالي وَلَيْسَ بِهِ ... لكل ذِي مقة ورد وَلَا صدر
مَاتَ بموتك عرب كنت غيثهم ... فَكيف حَال عريب مَا لَهُم مطر
سقى ضريحك صوب المزن منتحباً ... حَتَّى يضاحك أقْصَى تربه الزهر
تَارِيخه جنَّة الفردوس منزله ... ثمَّ الصَّلَاة على من جفه الْحجر
والآل والصب والأزواج مَا نظموا ... أهل القريض مديحاً فِيهِ أَو نثروا ...
وفيهَا قتل الْوَزير عماد الْملك ﵀ يَوْم سبع وَعشْرين فِي شهر رَمَضَان وَقتل مَعَه جمع مِنْهُم مصطفى القرماني عيدل خَان وَغَيرهم قَتلهمْ رَجَب خلاوند خَان ولد الخواجا صفر
سنة سبع وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٧) هـ
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع عشْرين من شهر رَجَب الحارم سنة سبع وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير قدوة العارفين وَحجَّة الله على السالكين
стр. 234
وجيه الدّين عبد لرحمن بن الشَّيْخ عمر بن الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عُثْمَان ابْن مُحَمَّد العمودي وَهُوَ الَّذِي يلتقي فِيهِ نسبه مَعَ ابْن عَمه الشَّيْخ أَحْمد ابْن عُثْمَان الَّذِي تقدم ذكره بِمَكَّة المشرفة وَدفن بالمعلاه وَكَانَ من الْأَوْلِيَاء الصَّالِحين والمشيخ العارفين كثير الْعِبَادَة والإجتهاد عَظِيم اورع والزهد والمثابرة على الاعمال الصَّالِحَة مَعَ الِاشْتِغَال بالعلوم النافعة لوجه الله تَعَالَى وكاتن مشاركاً فِي كثير من فنونها وَكَانَ يحفظ الارشاد فِي الْفِقْه
وَمن مشايخه الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ وَالشَّيْخ الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر الهيتمي وَمَا أحسن قَول الشَّيْخ عبد الْقَادِر الفاكهي فِيهِ حِين ذكر أَنه أَخذ عَن الشَّيْخ ابْن حجر أَخذ عنخ رِوَايَة أخد شيخ عَن شيخ كَمَا قيل فِي أَخذ أَحْمد عَن الشَّافِعِي ثمَّ قَالَ ولعمري أَن شَيخنَا العمودي هُوَ أجل من ايْنَ يُقَال فِي حَقه بعد انتهائ تقيذ وَيُطلق وَإِن جلّ اشيخ يَعْنِي ابْن حجر وحسبك بِمَا أَشرت إِلَيْهِ لمنصب الْمُشبه والمشبه بِهِ انْتهى
وَمن تصانيفه حَاشِيَة على الارشاد وَكَانَ أَرَادَ محوها فَمَنعه الشَّيْخ ابْن حجر من ذَلِك وَمِنْهَا النُّور المزرورو وَكَانَ كثيرا التَّعْظِيم لأهل الْعلم مَعَ الخمول المفرط والتواضع الزَّائِد والاستقامة والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى فَلم يتَزَوَّج لذَلِك مُدَّة عمره مُقبلا على الطَّاعَة مذ نَشأ
وحكطر الفاكهي أَنه سَمعه يَقُول طلب مني الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْبكْرِيّ الْحُضُور فِي اللَّيْل سَاعَة لاستماع درسه الْعَام فَمَا وافقته إِلَّا امتثالا لامره الأكيد قَالَ فَقلت لَهُ مَا سَمِعت فَقَالَ وقفت سَاعَة وَأَنا مَشْغُول وَلم أدر مَا يَقُول وَإِنَّمَا وقفت امتثالاً أَي لشغله بالاوراد الَّتِي لَا رخصَة عِنْده فِي تَركهَا
وروى أَنه قدم إِلَى تريم لزيارة من بهَا مكن الْمَشَايِخ فَاجْتمع بالشيخ الْكَبِير الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه شهَاب ابْن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ عَليّ أَبَا عليوي فَأخْبرهُ بِأَنَّهُ اجْتمع بالامام الْغَزالِيّ فِي غرفَة بداره يقظة من طَرِيق الْكَشْف واستجاز مِنْهُ كتبه فَأَجَازَهُ بهَا فَطلب مِنْهُ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أَن
стр. 235
يُجِيزهُ بهَا بِالْإِجَازَةِ الْمَذْكُورَة بذلك وَكَانَت لَهُ أَحْوَاله فاخرة وكرامات طَاهِرَة قَالَ الفاكهي ومناقبه افردتها برسالة
قلت وَهُوَ الَّذِي طلب من الشَّيْخ ابْن حجر أَن يشْرَح مُخْتَصر الْفَقِيه عبد الله أَبَا فضل فِي الْفِقْه جاور بِمَكَّة سنينا وَمَات بهَا رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ لَا يقبل من أحد شَيْئا
وَحكي أَن الشريف أَبُو نمى سُلْطَان مَكَّة أرسل إِلَيْهِ بِمِائَة دِينَار فَلم يقبلهَا واستحى الرَّسُول أَن يردهَا على الشريف فَبَقيت عِنْده حَتَّى مَاتَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ﵁ فَأخْبر الشريف عِنْد ذَلِك فَأمره بِأَن يَدْفَعهَا إِلَى الشريف عبد الله بن الْفَقِيه الْآتِي ذكره
قَالَ الفاكهي وَسمعت من لفظ شَيخنَا صَاحب الكرامات الباهرة والمجاهدات المعلومات الظَّاهِرَة ولي الله علد الرَّحْمَن العمودي نفع الله بِهِ يَقُول ان شخصا من آل العمودي يخرج من مَقْبرَة المعلاه وَهُوَ من السّبْعين الْألف الشافعة وَلَا أعلم فِي المعلاة من العمودين أجل مِنْهُ وان كَانَ بهَا عَمه وَآخَرُونَ مِنْهُم بل سَمِعت مِنْهُ أَيْضا مَا دلّ دلَالَة صَرِيحَة أَن أَبَاهُ الشَّيْخ عمر المدفون بالقنفذه من السّبْعين الْألف الشافعين وَلَا يستعظم هَذِه المنقبة عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه الأجاهل بحالهما وَلَو من مخالطيه وَمن أَرَادَ لوقوف على عنوان مناقبه وعَلى مراتبه فليقف على كتابي ارشاد الْمُغنِي وَالْفَقِير إِلَى فضل التقشف وَالرِّضَا باليسير فَانِي شرحت فِيهِ بعض أَحْوَاله وأشرت إِلَى جمع كراماته الدَّالَّة على قطبيته وكماله بل ان أَرَادَ أوسع مِنْهُ فليتطلبه فَرُبمَا يعثر عَلَيْهِ فَإِنِّي أَرْجُو جمع كتاب أوسع فِي كراماته بعد تتبعها من أهل جهاته وخصوصياته ضاماً ذَلِك إِلَى مَا عِنْدِي من كثير وَلَا ينبئك مثل خَبِير وَمن نظمه هَذِه الأبيات فِي القهوة ... أسرار قهوتنا خُذْهَا مبينَة ... تعين سالكنا فِي اللَّيْل مَا سهرا
وتشرح الْقلب والأعضء تبسطها ... وَتذهب الْهم وَالْأَحْزَان والكدرا
فَاشْرَبْ فديتك مِنْهَا مَا قدرت لَهُ ... وقم نَصَحْتُك بالأسحار مَا يسرا
واخلص لَدَى نِيَّة مهما شربت لَهَا ... وَكن كيئيساً بهَا الْخيرَات مدخرا
واقتد بشربها مِمَّن مضى خلفا ... ذَوي الصّلاح وَلَا تقتد بِمن خسرا
стр. 236
.. واسال آلهك ان يفضل برحمته ... على نبيك خير الْخلق والبشرا ...
وَكَانَ وَالِده الشَّيْخ عمر نفع الله بِهِ من كبار أهل الْعلم وَكَانَ يدرس بِبَلَدِهِ قيدون ويفتي بهَا وَحكي أَنه ارْتَفع إِلَيْهِ اثْنَان فِي دَعْوَى وَكَانَ أَحدهمَا على الْحق وَالْآخر على الْبَاطِل فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا الشَّيْخ أَن يصطلحا سترا للْحَال فَأبى ذَلِك الرجل الَّذِي كَانَ مُبْطلًا وَقَالَ لَا أرْضى أَلا بِحكم الشَّرْع فَغَضب الشَّيْخ عِنْد ذَلِك وَقَالَ أما إِذا كَانَ هَكَذَا فشهود الملاحف مَا يجوزوا عِنْدِي وَكَانَ ذَلِك الشَّخْص أعْطى اثْنَيْنِ كل وَاحِد ثوبا حَتَّى يَشْهَدَانِ لَهُ فكاشف الشَّيْخ بذلك
وَحكي أَنه دخل عدن فِي زمَان الشَّيْخ أبي بكر العيدروس فإضافه الشَّيْخ أَبُو بكر وَبَالغ فِي ذَلِك فَلَمَّا راي الشَّيْخ عمر كَثْرَة مَا صنع خطر فِي قلبه أَن هَذَا اسراف فَالْتَفت إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو بكر عِنْد ذَلِك وَقَالَ أكرمناهم قَالُوا إسارف قَالَ الشَّيْخ عمر عِنْد ذَلِك اسْتغْفر الله وَلم يعلم الْحَاضِرُونَ بِشَيْء من ذَلِك حَتَّى حكى لَهُم الشَّيْخ عمر بخاطره الَّذِي خطر لَهُ وكاشفه الشَّيْخ بِهِ
وَحكى وَلَده الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمودي ﵀ أَنه كَانَ فِي مجْلِس وَفِيه جمَاعَة من أهل الْكَشْف فصدر من أحدهم سوء أدب عَلَيْهِ فَعُوقِبَ ذَلِك الرجل بالسلب فِي لحَال
وَحكي أَن الشَّيْخ عمر ﵁ بلغ رُتْبَة القطبية وَكَانَ قد ولي المشيخة ببلاده قيدون بعد أَبِيه على طَرِيقه سلفه فَلَمَّا آل الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى صفك الدِّمَاء وَنَحْوه وَرُجُوع أَمر لَك امرتبة إِلَى قوانين الْملك ترك ذَلِك وعزل نَفسه زهدا فِيهَا ورغبة فِيمَا عِنْد الله من الثَّوَاب وَكَانَ فِي زَمَنه يسوس الْخلق إِلَى قوانين الشَّرْع الشريف وَلَا يحابى فِي الْحق الْقوي على الضَّعِيف فكرهنه الْعَامَّة لذَلِك وعزموا على أَنهم يقتلوه وبولوا مَكَانَهُ أَخَاهُ عُثْمَان فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ مَا يحْتَاج إِلَى هَذَا وتركهم وَمَا يُرِيدُونَ وعزم إِلَى مَكَّة المشرفة ففلما قفل مِنْهَا مَاتَ بالقنفذه وقبره بهَا مَشْهُور وَعَلِيهِ بِنَاء عَظِيم رَحمَه الله تَعَالَى وَقيل أَنه دَعَا عِنْد ذَلِك عَلَيْهِم أَن الله تَعَالَى يبتليهم بِسبع مثل يُوسُف فَاسْتَجَاب الله ذَلِك فمنعوا الْقطر هَذِه الْمدَّة
стр. 237
حَتَّى أقحطت الأَرْض ولاقى النَّاس بِسَبَب ذَلِك شدَّة عَظِيمَة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة وَأَبوهُ هَذَا يكرهان مايفعله بَنو عمهم من حم لالسلاح وَنَحْوه وَكَانَ ينكران عَلَيْهِم أَشد الْإِنْكَار أعَاد الله علينا من بركتهما فِي الدَّاريْنِ آمين
وَكَانَت وَفَاته فِي هَذَا الْقرن وَلم أعلم تَارِيخه وَلِهَذَا لم أرجم لَهُ كماوقع لي فِي غَيره وَقد ذكرت السَّبَب فِي ذَلِك وَإِلَّا فَهُوَ حري بأنيذكر على الِاسْتِقْلَال كَيفَ وَهُوَ أحد مِمَّن تنزل الرَّحْمَة عِنْد ذكره وَهُوَ غَنِي بفضله وشهرته عَن الإطناب فِي أمره وترجمته
وفيهَا كَانَت وَفَاة أَحْمد شاه أَبَا أَحْمد آباد قَتِيلا
وفيهَا جَاءَ كنكيز خَان إِلَى سرت وَحرق دورها وخربها وَخرب أَهلهَا واستأسر ثمَّ صَالحه سرت خداوند وَذهب إِلَى بَلَده بروج
سنة ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٨) هـ
ثمَّ جَاءَ إِلَى سرت أَيْضا عَام ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ خرب جانباً من الكوت وأخرب جمعا من أهل سرت ومنبر وَغَيرهمَا من التُّجَّار والرعية ثمَّ ذهب إِلَى بروج فِي أوار شهر رَمَضَان وَكَانَ ذهب من الكوت خُفْيَة لَيْلًا صَاحب سر خداوند خَان فَذهب إِلَى بِلَاد الْكفَّار ثمَّ وصل إِلَى أَحْمد آباد ثَانِي شَوَّال ثمَّ قتل آخر يَوْم من ذِي الْقعدَة يَوْم الثُّلَاثَاء بعد الْعَصْر قَتله بجليخان وأغا ريحَان ورستم خَان مَعَ عَسْكَرهمْ وَفِي الْعَسْكَر جمع ابْن عبيج خداوند خَان هربوا مِنْهُ منرهبته وَقد قلت فِي الْوَاقِعَة الْمَذْكُورَة شعر ... سمي حرَام ذاق الْحمام فِي مثله ... وَفعل حرَام فِي حرَام من أعظم الْوزر ...
وَمعنى الْبَيْت أَن سمي شهر حرَام يَعْنِي رَجَب ذاق الْحمام وَهُوَ الْمَوْت فِي مثله يَعْنِي فِي شهر حرَام أَيْضا وَهُوَ الْقعدَة وَفعل حرَام وَهُوَ الْقَتْل فِي شهر حرَام هُوَ الْقعدَة من أعظم الذُّنُوب وَلَا شكّ أَن الْمعاصِي
стр. 238
إِذا وَقعت فِي مَكَان عَظِيم كمكة أَو زمَان شرِيف كالأشهر الْحرم تتضاعف من الله الْعقُوبَة عى مرتكبيها وَهَذَا ظَاهر
وَكَانَ خداوند رَحمَه الله تَعَالَى أَمِيرا كَبِيرا جليل الْقدر رفيع الْمنزلَة حسن الْأَخْلَاق كثير الإنفقا جميل الصُّورَة طيب السِّيرَة جواداً سخياً وشهماً أَبَيَا شَدِيد الْبَأْس محببا إِلَى النَّاس متواضعاً مملاحا لبن الْجَانِب مكشهورا فِي الْمَشَارِق والمغارب كثير الْإِحْسَان والأفضال مَقْصُودا بشد الرّحال محباً لأهل الْخَيْر والفلاح مجمعا لأهل الْعلم وَالصَّلَاح حسن العقيدة فِي الْأَوْلِيَاء وَالصَّالِحِينَ محسناً إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين عَظِيم الصَّدَقَة وَالْمَعْرُوف كثير الإحتفال بالوفود والضيوف وَكَانَ عريق الرِّئَاسَة حسن السياسة ظريفاً لطيفاً وَفِي آخر الْأَمر أعتراه نوع من الوسواس حمله على الاستيحاش من النَّاس اخْتَلَّ بِهِ نظام تَدْبيره فخذله وزيره ومشيره وَقل مَعَه معاونه وناصره وَتَفَرَّقَتْ بِسَبَبِهِ عَنهُ عساكره والكمال لله فَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي زَوَال الْملك عَنهُ وظفر الْعَدو بِهِ ونفور النَّاس مِنْهُ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وللشيخ الْعَلامَة أبي السعادات الفاكهي فِيهِ مرثية عَظِيمَة وَهِي ... الدَّهْر فِي يقظه والسهر للبشر ... وَالْمَوْت يَبْدُو ببطش البدو والحضر
والسام أصعب كأس أَنْت ذائقه ... قبل التدثر للأجساد بِالْحفرِ
لامين فِيمَا قلت لَا وَلَا ريب ... إِن كت ذَا ريب فاسأل عَنهُ وَاذْكُر
وأسأل زَمَانك عَن كسْرَى وقيصره ... كَذَا السلاطين والأقيال من مصر
أفناهم الدَّهْر حَتَّى صَار ذكرهم ... كَانُوا وَكَانُوا وَهَذَا أعظم العبر
يَا وَيْح ناع أَتَى يَوْمًا يخبرنا ... أجْرى دموعاً على الأخداد كالمطر
أَتَى بِرَأْس رَئِيس كَانَ مفخرنا ... كَأَصْلِهِ منبع الْإِحْسَان واظفر
أَبُو الأرامل والايتام والغربا ... بِمَوْتِهِ مَا صفت أَرْوَاح من كدر
أَبُو الْمَشَايِخ والأشراف والنجبا ... أَبُو الرّعية من أُنْثَى وَمن ذكر
خَان عَظِيم لَهُ رَجَب سمي رَجَب ... مرجبقد يرَاهُ الله من صفر
أكْرم بِهِ وفروع مِنْهُ قد بسقت ... وَبَيت سلمَان أهل الْخَيْر وَالظفر
هم الأكابر أصلا ثمَّ فرعهم ... أصل الفخار إِلَى حِين من الدَّهْر
стр. 239
.. تَبًّا لناعق بَين صَاح ينبئنا ... أبكى الدِّمَاء وأبكى الْجِنّ والبشر
أبكى الفحول مَعَ الْأَبْطَال أجمعها ... أبكى الْخُيُول كَذَا الأفيال فَاعْتبر
أبكى الْأسود مَعَ النمور مَعَ الظبا ... أبكى الديار وأعماها مَعَ الْبَصَر
أبكى الرّعية والفتوة والندا ... أبكى الْبَريَّة من ساه ومدكر
أبكى المواكب والأملاك قاطبة ... أبكى المراكب والأفلاك ذُو الدسر
أبكى الرمال كَذَا الأطلال نادبة ... أبكى القفار مَعَ الْأَنْهَار وَالْبَحْر
أما التُّجَّار فقد صَارُوا بأسرهم ... كالشاة تخشى شَرّ ذِي أشر
يَا ويحسرت مَا سرت لساكنها ... الله يحفظها من طَارق الْغَيْر
لبس السوَاد رعاياه وَلم يلموا ... لَكِن حكم القضا جَار بِلَا نكر
كَانَ شجاعته فِي كل معترك ... كَيَوْم ميران أسى من سنا الْقَمَر
وَكم خَصَائِص فِيهِ مَا لَهَا عدد ... ومكرمات بِلَا عدد لمستطر
لَو كَانَ يسمع أهل الرّوم كَيفَ جرى ... لجهزوا الْجَيْش اغارات فِي الْأَثر
لَكِن نصر إلهجل ناصرنا ... يَكْفِي وَيجْعَل من عَادَاهُ فِي عبر
تَارِيخ ميتَته سلخ لقعدتنا ... يَوْم الثُّلَاثَاء مسآء مِنْهُ فاذكر
أما السنون فَإِذا سَوف أرقمها ... بحمرة بِحِسَاب اجمل البهر
لَا غرو أَن الشَّهَادَة حازها رَجَب ... فَرد كفرد عَظِيم الْقدر فِي الشَّهْر
خُوطِبَ كأصل لَهُ مذ كَانَ فِي صغر ... خَان خداوند سَاد النَّاس فِي كبر
فأعجب لهذي الدنا لَا تحتشم أحدا ... قد أسست صفوها دأبا على كدر
فقللمغرور فِي دُنْيَاهُ كن يقظا ... لَهَا المصرع فِي غفلات محتذر
كَيفَ التحذر والأقدار سَابِقَة ... لَا بُد مِنْهَا على الْأَرْوَاح والصور
لَو كَانَ يفدى من الْأَمْوَات سيدنَا ... كُنَّا فديناه بالأسماك وَالْبَصَر
يارب ترحمه تغْفر لمعشره ... تجْعَل مآثره ابهى من الدُّرَر
وَأَرْض عَنهُ خصوماً أَنْت تعلمهمْ ... وَخَصه بعلا الجنات والسرر
وَعم أَهلا وأحباباً وكل فَتى ... يهوى لخير وبالخيرات مشتهر
وَخص أصلا ل أَيْضا قرَابَته ... الله يحفظهم بِالْعلمِ والسور
يارب وَارْحَمْ لميتهم فضلا وميتنا ... يارب واعمم بِخَير مِنْك وانتصر
يارب فاحرس الكوت ثمَّ ساكنه ... وأحفظ لحافظيه وصفيهم من الكدر
وأغفر لمنشئها حَقًا وسامعها ... وأرحم لراقمها فِي الطرس والسطر
стр. 240
يارب أحمي الْإِسْلَام وحوزته ... من الضلال وَأهل الْكفْر وَالْفَجْر
يارب وانصر لدينك وكل ناصره ... يارب وانعم بجبر كل منكسر
يارب يارب أَنْت الله مقتدر ... أَنْت الْغَنِيّ فاغني كل مفتقر
يارب وأستر بِفَضْلِك كل معترف ... بالهفو فِيمَا فَاه من عور أَو من عثر
من الفعال والأقوال أجمعها ... يارب يارب يَا ساترا على العثر
يارب يارب يَا رَحْمَن يَا صَمد ... أَغفر لمن قد مضى فِي غابر الدَّهْر
أَو أحفظ لمن قد بقى وابقية فِي رغد ... وجمل الْكل وأحمل كل ذِي الْعسر
ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار صفوته ... خير الْبَريَّة من فهر وَمن مُضر
كَذَا السَّلَام عَلَيْهِ دَائِما أبدا ... صلى عَلَيْهِ آله الْخلق وَالْفطر
وَخص من بعده آلا وعثرته ... وَصَحبه وَالتَّابِعِينَ لَهُ فِي كل مفتخر
وَكَانَ اشيخ أَبُو السعادات الْمَذْكُور من المشمولين بعنايته والمنتظمين فِي سلك نعْمَته كَغَيْرِهِ من الْعلمَاء والصلحاء فَإِن سرت فِي أَيَّامه السعيدة كَانَت طافحة بالمشايخ والفضلاء ومشحونة بأكابر النَّاس من سَائِر الاجناس مَمْلُوءَة باعيان التُّجَّار والأكابر وشجعان الْجنُود والعساكر وَكَانَت عامرة أَشد الْعِمَارَة يجلب إِلَيْهَا سَائِر البضائع والنفائس للتِّجَارَة وَكَانَ يُسَافر مِنْهَا عدَّة من المراكب والسفن إِلَى سئر النواحي كمصر وَغَيرهَا من المدن وَكَانَت الرّعية فِي أعظم أَمَان وسرور دَائِم بِلَا أحزان وَالنَّاس فِي أرغد عَيْش وَأَنَّهُمْ بَال وَالْوَقْت فِي أطيب سناء واسترحال والقلوب مطمئنة والشرور مستكنة حَتَّى قَالَ بَعضهم سرت سرت الخواطر وقرت النواظريعني لِكَثْرَة مَا كَانَ بهَا فِي زَمَنه من الأفراح وَأَسْبَاب الإنشراح وَبَلغنِي انه كَانَ يَجْعَل لكل من يدْخل إِلَيْهَا من الغرباء مُرَتبا بِحَسب حَاله وَإِذا أَرَادَ الذّهاب كَذَلِك زوده من مَاله
وبالجمله فمحاسن هَذَا الرجل كَثِيرَة وأخباره مَعْرُوفَة فِي النَّاس شهيرة رَحمَه الله تَعَالَى وايانا آمين آمين
وفيهَا فِي سَابِع جُمَادَى الأولى توفّي الشَّيْخ الْكَبِير القطب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد بن الشَّيْخ حُسَيْن بن الشَّيْخ عبد الله العيدرس بتريم وَكَانَ من سَادَات مَشَايِخ الطَّرِيقَة المكاشفين بأنوار الْحَقِيقَة جمع لَهُ بَين
стр. 241
كَمَال الْخلق وَحسن الْأَخْلَاق وَبسط الْمعرفَة وَصِحَّة النِّيَّة وَصدق الْمُعَامَلَة مناقه كَثِيرَة وأحواله شهيرة
وَمن كرااته ﵁ كَانَ يَوْمًا بِمَسْجِد فيسماع عَظِيم وَبِيَدِهِ سبْحَة يسر وَكَانَ كلما قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ودرج الْحبَّة فانفلقت أَربع فلق وَأَقل وَأكْثر فَأَخَذُوهَا مِنْهُ وَقد انفقلق مِنْهَا أَكْثَرهَا كَذَلِك وَأصَاب بعض الْحَاضِرين بِشَيْء من ذَلِك فِي بدنه فآلمه
وروى الْوَلِيّ الصَّالح الشهير أَحْمد بن عبد الْقوي أَبَا فضل أَنه رأى الشَّيْخ عيَانًا وَاقِفًا بِعَرَفَات وَشَاهده يطوف بِالْبَيْتِ اعتيق وَيسْعَى بَين الصَّفَا والمروة ولسيدي الشَّيْخ الْوَالِد فِيهِ مرثية عَظِيمَة وَهِي ... تقضي فتمشضي حكمهَا الأقدار ... والصفو يحدث بعد الأكدار
والدهر أبلغ واعظ بفعاله ... وَكفى لنا بفعاله إنذار
نَادَى وأسمع لَو وعت آذاننا ... وَأرى العواقب لَو رَأَتْ أبصار
قل للَّذي يغتر مِنْهُ برونق ... لَا تغتر فحظيره أَخْبَار
مَا كنت قلت ان تريم تضعضعت ... ارجاؤها أَو انها تنهار
حَتَّى نعى ناعي شهَاب أحمدا ... بن الْحُسَيْن بن الْعَفِيف مَزَار
العيدروس سر سر الله من ... أسرارهتسري بِهِ الأدوار
رفع الْوَلِيّ ابْن الْوَلِيّ ابْن الْوَلِيّ ... من جده خير الورى الْمُخْتَار
أَرْوَاحهم بالعرش قنديل يضيء ... كشعاع شمس زَادهَا الْأَنْوَار
مَا أَن ذكرت فَضَائِل فِي أَحْمد ... إِلَّا وهيج حزني التذْكَار
فسقى الحيا تَابُوت قبر قد ثوى ... وتعاهدت تابوته الأمطار
آه على وَاد ابْن رَاشد بعده ... واستبهمت من بعده الْأَسْرَار
قد كنت نورا فِي تريم ظَاهرا ... تقضى بِهِ الْحَاجَات والأوطار
هَيْهَات مَا أَن للمنية دَافع أبدا وَلَا لحياتنا اسْتِقْرَار
قد قَالَ لي بِلِسَان حَال مفصح ... لما احتست لربنا الفهار
هون عَلَيْك فَكل حَيّ ميت ... والدهر فِي أبنائه دوار
فَلْينْظر أهلة مِنْكُم فقد ... طلعت فِي سما الْعلَا أقمار
стр. 242
.. لَا زَالَ مِنْكُم فِي الْولَايَة سيد ... ماغردت فِي أبكها الأطيار ...
وَقد ضمنهَا التَّارِيخ فِي قَوْله العيدروس سرا سرا لله
سنة تسع وَسِتِّينَ بعد التسْعمائَة (٩٦٩) هـ
وَفِي لَيْلَة السبت خَامِس عشر صفر الْخَيْر سنة تسع يستين توفّي الشَّيْخ الْكَبِير والقدوة الشهير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو مُحَمَّد مَعْرُوف بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد مؤذ ابْن عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد جمال بدوعان وَكَانَت وِلَادَته بشبام فِي لَيْلَة الْجُمُعَة حادي عشر شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ كَبِير الشَّأْن ذَا كرامات ظَاهِرَة وآيات باهرة وَبَلغنِي أَن مناقبه أفلردها بعض الْفُضَلَاء بتصنيف ﵀ العه وَكَانَ من الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين والاساتذة الْكِبَار الْمَذْكُورين بتربية المريدين وَتَخْرِيج السالكين وَكَانَ ذَا جاه عَظِيم وَقبُول عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَسبب خُرُوجه من بَلَده إِلَى دوعان أَنه كَانَ وشي بهإلى السُّلْطَان بدر الكثيري فِي أَشْيَاء مِنْهَا فرط اعْتِقَاد النَّاس فِيهِ وامتثالهم لأوامره ونواهيه فَأمر بنفيه من الْبِلَاد بعد الاشتهار باهانته بَين الْعباد فَنُوديَ عَلَيْهِ هَذَا معبودكم يَا أهل الشَّام وَجعل فِي عُنُقه حبلاً وطيف بِهِ بَين الْأَنَام
وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق أَن السُّلْطَان أَمر بعض أمرائه أَن يتَوَلَّى فعل ذلاك مِنْهُ بِنَفسِهِ وَكَانَ ذَلِك الشَّخْص من معتقدي الشَّيْخ الْمَذْكُور فتوقف لذَلِك فأرسصل إِلَيْهِ الشَّيْخ مَعْرُوف قجس الله سره أَن أفعل مَا أمرت بِهِ وَأَنا ضمينك على اللهبالجنة فَانْظُر إللا مشْهد هَذَا الشَّيْخ الْعَظِيم الَّذِي يرى الْأَشْيَاء كلهَا من الله الْحَكِيم وَمَا وَقع عَلَيْهِ من الامتحان لَهُ فِيهِ أُسْوَة بِغَيْرِهِ من الْأَعْيَان أَرَادَ اله أَن يرفع بِهِ فِي درجاتهم ويضاعف بِسَبَبِهِ فِي ثوابهم وحسناتهم على أَن هَذِه الطَّائِفَة الْعلية كَمَا قيل فِي نعوتهم السّنيَّة انهم ﵃ يتلذذون بالبلاء كَمَا يتلذذ غَيرهم بالنعيم وَذَلِكَ فضضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذوالفضل الْعَظِيم
وفيهَا صَار بحضرموت حريق الْبرد الْمَشْهُور
стр. 243
سنة سبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٠) هـ
وَفِي سنة سبعين ثَانِي يَوْم من شَوَّال كَانَ السَّيْل الْعَظِيم الهائل بحضروموت الَّذِي لم يسمع بِمثلِهِ اخرب كثيرا من النخيل واهم تلكالجهة يذكرُونَهُ إِلَى الْيَوْم ويؤرخونه بِهِ وَهُوَ الْمُسَمّى عِنْدهم سيل الاكليل وَقد ضمن تَارِيخه الْفَاضِل الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد فلاح الْحَضْرَمِيّ فِي بَيْتَيْنِ هما ٥ سيل بوادي حَضرمَوْت أَذَاهُ عَم ... فِي سنو إكليل النُّجُوم أَخذ نسم
وضعُوا لَهُ تَارِيخ ناسب جوره ... بلقاه من يطْلب فِي أحرف ظلم ...
وَيُقَال أَنه فِي قديم الزَّمَان كَانَ وَقع سيل أَو سيلان مثله أَو قريب مِنْهُ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
سنة احدى وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧١) هـ
وَفِي شهر جُمَادَى الأولى سنة غحدى وَسبعين توفّي الشَّيْخ الْكَبِير الْعلم الشهير تَاج العارفين وَبَقِيَّة الْأَوْلِيَاء الكاملين وجيه الدّين الشريف عبد الرَّحْمَن بن حُسَيْن بن الصّديق الأهدل اليمني قدس الله روحه بزبيد وقبره بهَا مَشْهُور مزور وَعَلِيهِ قبَّة وَكَانَ من كبار الْمَشَايِخ أَرْبَاب الْأَحْوَال الفاخرة والكرامات الظَّاهِرَة نهد إِلَيْهِ الزائرون من سَائِر الأقطار وقصدالتبرك بقضل الْخَاص وَالْعَام من الْقرى والأمصار دائره مهبط الوفاد ومحط رحال الْقَصْد مَا قصد إِلَّا وأحرز غَايَة المُرَاد وفاز بالمدن الْمَعْنَوِيّ والمحسوس من فضل الله الْجواد ولد ﵁ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة نَشأ بِمَدِينَة زبيد وَقَرَأَ بهَا الْقُرْآن الْعَظِيم وَصَحب جمَاعَة من الْمَشَايِخ وَحكمه الشَّيْخ الْمَعْرُوف بن إِسْمَاعِيل الجبرتي ونصبه شَيخا وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة فَقَالَ للشَّيْخ يَا سَيِّدي أَنا لَا أقدر أقوم بِمَا تقوم بِهِ الْمَشَايِخ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَنْت حظك مُطلق وَظَهَرت عَلَيْهِ آثَار بركَة الْمَشَايِخ الصَّالِحين وَفتح عَلَيْهِ فتوح العارفين حَتَّى لحق من قبله وساد أَهله وتضالت عَلَيْهِ الْمَشَايِخ الأكابر وَشهِدت لَهُ بالتقدم على الْأَوَائِل والأواخر فَأصْبح فريد دهره ووحيد عصره مُنْقَطع النظير مُتَّصِلا مجده
стр. 244
بالأثير كثرت اتِّبَاعه وَأَصْحَابه من الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء والقضاة والأمراء والوزراء والأغنياء والفقراء وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى كثير الْإِنْفَاق مسيرَة عَلَيْهِ الأرزاق مَا قَصده سَائل فخاب وَلَا أمه وَافد إِلَّا وَرجع بزلفى إِلَيْهِ من الْفتُوح فَكل ينَال مِنْهُ مَا قسم وَخط فِي فِي اللَّوْح من ذهب وَفِضة وفلوس وَكسَاء وَغير ذَلِك
وَكَانَ ﵁ دأبه الانفاق على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين خَارِجا عَن صدقَات مَخْصُوصَة بِأَقْوَام وَعَن صلَة ذَوي الْقُرْبَى والأرحام وَهُوَ مَعَ صدقَات مَخْصُوصَة بِأَقْوَام وَعَن صلَة ذِي الْقُرْبَى والأرحام وَهُوَ مَعَ ذَلِك على قدوم التَّوَكُّل وَالْفَتْح الرباني وَكَانَ محباً للْعلم وَأَهله مُعظما مشاركاً فِي كثير من الْعُلُوم وَجمع كتبا كَثِيرَة فِي فنون شَتَّى وَكَانَ من حسن الْخلق ولين الْجَانِب ولطف الشَّمَائِل وسلامة الصَّدْر وطلاقة الْوَجْه والبشر مَا يحل عَن الْوَصْف وَكَانَ إِذا خرج من بَيته يزدحم فِيهِ النَّاس ويلتمسون بركته ورزق من الْقبُول والمحبة والوجاهة مَا يشْهد أَن لَهُ عِنْد الله أعظيم من ذَلِك وحببه الله إِلَى خلقه واعتقده الْخَاص والعاموانتشر صيته واشتغل بِهِ النَّاس اشتغالاً عَظِيما الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصغَار والكبار حَتَّى لَا يكَاد يَخْلُو عَنْهُم سَاعَة وَاحِدَة يتبركون بِهِ ويلتمسون دعآءه وَكَانَت شَفَاعَته لَا ترد عِنْد أوي المر فَمن دونهم
وَكَانَ صَاحب كرامات خارقة وأحواله صَادِقَة وانتفع بِهِ النَّاس انتفاعاً عَظِيما وعَلى الْجُمْلَة فترجمة هَذَا الرجل لَا يَسعهَا الأوراق وَمن كراماته أَنه جَاءَ إِلَيْهَا مَرِيض وَقد عظم بَطْنه من لاسيفاء فقب إِلَيْهِ طَعَاما وامره أنيأكله جَمِيعه فَحسب أَن فعل مَا أمره زَالَ عَنهُ ذَلِك الْمَرَض فِي الْحَال واستوى بَطْنه وكراماته كَثِيرَة لَا تَنْحَصِر
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ وحيد عصره وفريد دهره لم يخلفه مثل فِي مصره وشهرته تغني عَن تَرْجَمته وَمن شهر وَالِده الْحُسَيْن ... قد كَانَ فِي سنة خير الورى ... صلى عَلَيْهِ الله طول الزَّمن
ان لَا يرد الطّيب وَلَا المتكا ... وَالتَّمْر وَاللَّحم كَذَاك اللَّبن ...
стр. 245
وَمِنْه ... لاأعتب الدَّهْر وَلَا أَهله ... فِي حط مِقْدَاره وَلَا منزله
نَحن قسمنا بَينهم قَالَه ... إلهناوالفضل وَالْعدْل لَهُ
الْحَمد وَالشُّكْر لمن قد جرت ... أَحْكَامه بِالْقِسْمَةِ العادلة ...
رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا توفّي الشريف الْعَالم الْفَاضِل النسابة نور الدّين عَليّ أَبَا حبهان أَبَا علوي
وفيهَا فاضت أَوديَة بِمَكَّة المشرفة بسيول عَظِيمَة فَدخل الْحرم الشريف وَعلا الرُّكْن الْيَمَانِيّ ذِرَاع فَقَالَ مؤرخالذلك الأديب صَلَاح الدّين الْقرشِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيت مُفْرد وَهُوَ ... يَا سائلي تَارِيخ سيل طما ... على على الرُّكْن الْيَمَانِيّ ذِرَاع ...
وفيهَا عمر وَالِدي ﵀ مَسْجده بسرت فَقَالَ الشَّيْخ الأديب عبد الْمُعْطِي بن حسن أَبَا كثير الْمَكِّيّ فِي تَارِيخ ذَلِك هَذِه الأبيات وَهِي ... هَذِه بقْعَة شرفت فِي الْأَزَل ... قد حوت قبَّة نزهت عَن مثل
شقّ فِيهَا ضريح الشريف الْأَجَل
... مِيم حَامِيم دَال مصطفى فِيهِ حل
الْوَلِيّ الْكَبِير للجنان انْتقل ... تجل من قد سما فَوق هام القلل
الشريف شيخ شيخ الشُّيُوخ الأول ... سَيِّدي العيدروس غيث فضل هيطل
الصفي الْوَلِيّ سر خير الرُّسُل ... قطب هَذَا الزَّمَان الرفيع الْمحل
يَا لَهَا بقْعَة سرها قد حصل ... وَبهَا مَسْجِد فَضله لم يزل
جَاءَ تَارِيخه رافلا فِي حلل ... مَسْجِد خَالص لوجه الله جلّ ...
سنة اثْنَيْنِ وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٢) هـ
وَفِي سنة اثين وَسبعين توفّي الشيخالعلامة عبد الله بن أَحْمد الفاكهي الْمَكِّيّ الشَّافِعِي وَأمه أم ولد حبشية وَكَانَ مولدهسنة تسع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ من كبار الْعلمَاء مشاركاً فِي جَمِيع الْعُلُوم وَله مصنفات مفيدة مِنْهَا شرح الآجرومية وَشرح على متممتها للحطاب أَجَاد فِيهَا كل الاجادة
стр. 246
وَشرح على قطر ابْن هِشَام ف غَايَة الْحسن وصنفه سنة سِتَّة عشر وَتِسْعمِائَة وَكَانَ عمره حِينَئِذٍ ثَمَانِيَة عشر سنة وَشرح على الملحة واستنبط حدوداً للنحو وَجَمعهَا فِي نَحْو كراسة ثمَّ شرحها أَيْضا فيكراريس وَلم يسْبق إِلَى مثل ذَلِك
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ نَظِير فِي زَمَانه فِي علم النَّحْو فَكَانَ فِيهِ آيَة من آيَات الله حَتَّى أَنه سِيبَوَيْهٍ عصره ﵀
وَحكي أَنه حضر فِي الْجَامِع الْأَزْهَرِي وقارئ يقْرَأ شرح الْقطر على بعض الْمَشَايِخ فاشكل عَلَيْهِم بعض الْعبارَات فِيهِ فحفتها الذمكور وَذكر أَنه هُوَ الشَّارِح فَلم يصدقوه حَتَّى أَقَامَ الْبَيِّنَة على ذَلِك وَشهد لَهُ من كَانَ هُنَالك من اهل مَكَّة بذلك
وفيهَا فِي لَيْلَة الإثنثن لعشر لَيَال مَضَت من شهر رَجَب الْحَرَام توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بن الْفَقِيه الصُّوفِي عمر بن الإِمَام الْعَلامَة عبد الله ابْن أَحْمد محزمة بعدن وعمره خمس وَسِتُّونَ سة وَكَانَ آيَة فِي الْعلم خُصُوصا الْفِقْه والفلك أَخذ عَن وَالِده الْفَقِيه الْوَلِيّ عمر وَعَمه الْعَلامَة طيب وَالْقَاضِي العلامكة عبد الله بن أَحْمد أَبَا سرومي وَكَانَ يَقُول إِنِّي اسْتَفَدْت وَالْقَاضِي الْعَلامَة عبد الله بن أَحْمد أَبَا سرومي وَكَانَ يقولإني اسْتَفَدْت من هَذَا الْوَلَد أَكثر مِمَّا اسْتَفَادَ مني وجد واجتهد حَتَّى برع وانتصب للتدريس وَالْفَتْوَى وَصَارَ عُمْدَة يرجع إِلَى فتواه وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْعلم وَالْفَتْوَى وَصَارَ عُمْدَة يرجع إِلَى فتواه وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْعلم وَالْفَتْوَى فِي جَمِيع جِهَات الْيمن وَقصد بالفتاوي من الْجِهَات النازظحة والأقاليم الْبَعِيدَة وكانعمه الطّيب يَقُول لَا أَسْتَطِيع مَا يَسْتَطِيع عَلَيْهِ ابْن أخي فِي حل المشكلات وتحرير الجوابات على الْمسَائِل العويصات الغامضات
وَكَانَ الشيخح الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن الإِمَام عبد الْقَادِر الحباني يعظمه جدا ويرجحه على وَالِده وَكَانَ مُعظم تَحْصِيله عَلَيْهِ وَجل انتفاعه بِهِ وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ أَيْضا من الْعلمَاء والأعلام وشيوخ الْإِسْلَام سيدنَا وَشَيخنَا الشيخالعلامة الصَّالح الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم أَبَا جَابر ومدحه الأديب أَبُو زَكَرِيَّا الدِّمَشْقِي ببيتين وهما ... ياعمري الأَصْل أَنْت مالكي ... ونافعي بفضله بَين الْبشر
стр. 247
.. هَا قد رفعت مسندي اليكم ... لمَالِك لنافع لِابْنِ عمر ...
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَلَامه وأبحاثه فِي كتبه وأجوبته تدل على قُوَّة فطنته وغزارة مادته وَكَانَ مَعَ ذَلِك يغلب عَلَيْهِ الْحَرَارَة حَتَّى عى طلبه وَكَانَ فِيهِ على مَا قيل باو مفرط والكمكال لله وَكَانَ فصيحاً بليغاً فَاضلا فِي الْأَدَب نادرة الْوَقْت فِي النّظر والنثر وَكَانَ قد ولي قَضَاء مَدِينَة الشحر مرَّتَيْنِ وَفِي آخر عمره أَقَامَ بعدن وَولي بهَا مشيخة التدريس فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ٣ وَمن تصانيفه كتاب ينْكث فيهعلى شرح الْمِنْهَاج للشَّيْخ ابْن حجر الهيتمي فِي مجلدين وفتاوي كَبِيرَة فيمجلد ضخم والمصباح شرح الْعدة وَالسِّلَاح وَشرح الرحبية وذيل على طَبَقَات الشَّافِعِيَّة للأسنوي ورسالتين فِي الفلكم والميقات ورسالة فِي الرّبع الْمُجيب وَغير ذَلِك وَمن شعره ... قلت سَلام الله من مغرم ... مَا أَن سلا عَنْكُم فَقَالُوا سلا
فَقلت هَل ترْضونَ لي وَقْفَة ... قَالُوا فَمَا تطلب قلت اكلا ...
وَمِنْه وَقد بلغه موت بعض أَصْحَابه بالشحر ... لَئِن صَحَّ هَذَا الْعلم فالشحر بعدكم ... حرَام علينا ظلها وفناها
وَكَيف يُقيم الْمَرْء فِي سوح بَلْدَة ... وَقد كَانَ مِنْهَا مَوتهَا وفناها ...
وَمِنْه ... يَا قريب الْفرج عَبدك ... على الْبَاب وَاقِف
كلما آيس ترجى ... من جنابك لطائف ...
وَمِنْه ... يَا سادة عودوني كل مكرمَة ... لَا تقطعوا الْبر عَن مملوككم وصلوا
وجملوا الْحَال فالدنيا مجاملة ... وَالْخَيْر أبقى وكل المَال مُسْتَقل ...
وَمِنْه ... لَا تنس من لم ينس ذكرك سَاعَة ... وَانْظُر إِلَيْهِ بِعَين ود واعطف
أوليس مَنْسُوبا اليك وَأَنه ... فرض عَلَيْك عرفت أم لم تعرف ...
وَمِنْه ... وقائلة صف لي متيما ... اضربه طول النَّوَى كَيفَ حَاله
стр. 248
.. فَقلت على نَوْعَيْنِ إِمَّا نَهَاره ... وَأما ليله لَا كرى لَهُ ...
وَمِنْه قَالَه ببدر الْموضع الْمُبَارك الْمَشْهُور ... ذكرت فِي بدر بَدْرِي عِنْدَمَا غربت ... شمس النَّهَار وضآء الْبَدْر بالأفق
فَقيل بدرك هَذَا قلت بَينهمَا ... فرق وَشَاهده فِي اللَّيْل والشفق
وَمِنْه هَذَانِ البيتان وَقد ضمنهما قَول أبي تَمام السَّيْف اصدق أنباء من الْكتب ... الْوَاو من صُدْغه فِي الْعَطف يطعمني ... وَالسيف من لحظه يومي إِلَى العطب
فحين مَا حرت قَامَ الهجر يشدني ... السَّيْف أصدق أنباء من الْكتب ...
وَأَيْضًا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَقد ضمنهما قَوْله أَيْضا سيد قومهالمتغابي ... قَالَت أَرَاك من الذكا فِي غَايَة ... جلت عنالإسهاب والاطناب
فعلام تبدي فِي الْأُمُور تغابياً ... فأجبت سيد قومه المتغابي ...
وَأَيْضًا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وضمنهما قَول المتنبي لكل امرء من دهره مَا تعودا ... وعاذله أبدت لفقري توجعاً ... وَقَالَت أَتَاك الْفقر من جَانب الندا
فَقلت لَهَا لَا تطمعي فِي تغيري ... لكل امْرِئ من دهره مَا تعودا ...
وَأَيْضًا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي الاقتباس ... وَيَا لكهف من محاجر فتية ... فنون الصبابة من وَصفهم
ترى الشَّمْس شمس البها والكمال ... تمر تزاور عَن كفهم ...
فَائِدَة تتَعَلَّق بالاقتباس
ذكرهَا السُّبْكِيّ فِي الطَّبَقَات بعد أَن أورد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ للاستاذ أبي مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ فِي الاقتباس وهما ... يَا من عدا ثمَّ اعْتدى ثمَّ اقْتَرَف ... ثمَّ انْتهى ثمَّ ارعوى ثمَّ اعْترف
اُبْشُرْ بقول الله فِي آيَاته ... إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف ...
قَالَ وَاسْتِعْمَال مثل هَذَا الاقتباس فِي شعره فَائِدَة فَإِنَّهُ جليل الْقدر وَالنَّاس ينهون عَن هَذَا وَرُبمَا أدّى بحث
стр. 249
بَعضهم إِلَى أَنه لَا يجوز وَقيل إِنَّمَا ذَلِك يَفْعَله الشُّعَرَاء الَّذين هم فِي كل اد يهيمون ويثبون على الْأَلْفَاظ وثبة من لَا يُبَالِي وَهَذَا الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور من أَئِمَّة الدّين وَقد فعل هَذَا والحافظ أسْند هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي كتاب السّنَن
فَائِدَة أُخْرَى
فِي اصْطِلَاح أهل الْمعَانِي وَالْبَيَان أَنه إِذا ذكر الْمُتَكَلّم ناظما أَو ثائرا فِي كَلَامه كَلَام غَيره لَا على حكايته فَإِن كَانَ ذَلِك الْكَلَام من عِبَارَات الْقُرْآن أَو الحَدِيث فَهُوَ الاقتباس وَإِن كَانَ شعرًا فهوالتضمين على اصْطِلَاح الْمُتَأَخِّرين وَإِن كَانَ الْمُتَأَخر نظم نثراً فَهُوَ العقد وَإِن كَانَ نثر نظما فَهُوَ الْحل وإنكان أَشَارَ إِلَى كَلَام غَيره ايمآء لَا تَصْرِيحًا فَهُوَ التلميح وَهِي خَمْسَة فنون الإقتباس والضمين وَالْعقد والحل والتلميح وَمن شعره أَيْضا هَذِه القصيدة الْمُشْتَملَة على المواعظ الجامعة والوصايا النافعة هِيَ ... زم الركاب وحلها عَن عقلهَا ... ودجع المطايا ترتمي فِي سبلها
وابعد عَن الأوطان فِي طلب الْعلَا ... واترك ديار الذل عَنْك وخلها
لَا ترض من دون النُّجُوم بمنزل ... وترق من طل لطائل ويكها
لَا ترجعن الْقَهْقَرِي مثل الَّتِي ... نقضت وحلت بعد عزم عزلها
واسمع أخي نصيحة من نَاصح ... إِن النَّصِيحَة لَيْسَ يخفى فَضلهَا
انْظُر إِلَى الله الْكَرِيم ولذ بِهِ ... واقصده فِي جلّ الْأُمُور وقلها
وَإِذا الْأُمُور تضايقت وتعقدت ... فاضرع إِلَيْهِ فَإِنَّهُ المرجو لَهَا
واجهد على الْخيرَات تحط بخيرها ... وَاحْذَرْ يفوتك فَرضهَا أونفلها
ودع الْمعاصِي والغوايا واستقل ... فَالله يقبل من أناب إذالها
وَالنَّفس ان تَدْعُو فَخَالف أمرهَا ... ودع الْهوى إِن الْهوى من فعلهَا
فَإِذا بدا لَك من رفيقك زلَّة ... فَاغْفِر وَلَا تجزي المسئ بِمِثْلِهَا
والرفق رافق فِي أمورك واصطبر ... فالصبر من خير العرى واجلها
وَإِذا بليت بِشدَّة فَاثْبتْ لَهَا ... حَتَّى ترى مُسْتَبْشِرًا بمحلها
نظرا إِلَى أَن الْمُقدر كَائِن ... فعلام تجزع يَا فَتى من أجلهَا
стр. 250
.. والصدق فَالْزَمْ فِي حَدِيثك كُله ... والوعد أوف بِهِ فَذَاك اجلها
واترك مصاحبة الكذوب وَمن ... تكن عاداته عِنْد النميمة حملهَا
وتغاض عَن عيب الْأَنَام فَإِن من ... يطْلب معايبها رَمَاه بنبلها
عود لسَانك على كل قَول طيب ... فَالْقَوْل من عقل الرِّجَال ونبلها
واحفظ حُقُوق الْوَالِدين وقم بهَا ... والأهل وَالْأَصْحَاب واحمل ثقلهَا
وترق فِي الْعليا إِلَى غاياتها ... فيجمعك الْخيرَات تجمع شملها
وانصب لكسب المَال كي تَكْفِي بِهِ ... متن اللئام فِي الِاحْتِيَاج لبذلها
فركوبك الْأَهْوَال فِي تَحْصِيله ... عين الرِّجَال أَن تكن من رجلهَا
بِالْمَالِ يصفو الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا ... وَالْمَال فِي أَيدي اللرجال كعقلها
فِيهِ المكارم والمآثر فِي الورى ... وَبِه الصلات الناميات وَوَصلهَا
فانهض لَهُ ودع الكسالة إِنَّهَا بئس الضجيج فَلَا تنم فِي ظلهاواحذر كَلَام عِصَابَة من عجزها ... رضيت لِبَاس الافتقار وذلها
تحتج فِي تفضيله بادلة ... جهلت حقائق شَرطهَا فِي نفلها
إِن كنت تقوى أَن تقوم بشرطها ... طُوبَى وَإِلَّا عد عَنْهَا لأَهْلهَا
فالفقر كَاد يكون كفرا فِي الورى ... قد فَقَالَ ذَلِك فِي خَاتم رطلها
وَالنَّهْي عَن جمع الحطام مَحَله ... من لَيْسَ يقْصد عِنْد ذَلِك عدلها
أما الَّذِي يَنْوِي الْحَلَال لكَي يصن ... عَن وَجهه وَلَكِن يمن بفضلها
من غير ماحرص وَغير تكاثر ... فثوابه مُتَعَيّن قَاصد لَهَا ...
سنة ثَلَاث وَسبعين بعد التسْعمائَة (٩٧٣) هـ وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسبعين توفّي الْوَلِيّ الصَّالح العابد الزَّاهِد أَحْمد بن علوي بن الملعلم مُحَمَّد بن عَليّ ححدب ابْن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ عبد اله بن الشي علوي بن الشَّيْخ الْفَقِيه الْمُقدم أَبَا علوي نفع الله بِهِ بَلْدَة تريم وَكَانَ يعد فِي حكم رجال الرسَالَة لشدَّة ورعه وتقشفه واستقامة طَرِيقَته رُوِيَ ذَلِك عَن الشَّيْخ الْوَلِيّ عبد الرحمكن بن عمر العمودي نقعالله بِهِ وَله فِي الزّهْد والتقلل من الدُّنْيَا حكايات لَعَلَّه لَا يُوجد فِي تراجمكبار الْأَوْلِيَاء أَكثر مِنْهَا وَلم يتقدموه إِلَّا بِالسَّبقِ فِي الزَّمَان
следующие страницы →