← Тараджим

Тараджим · id 6676

النور السافر عن أخبار القرن العاشر

العيدروس

Полный текст (424 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين خطْبَة الْكتاب الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَبعد هَذَا أنموذج لطيف وعنوان شرِيف ذكرت فِيهِ وفيات من ظَفرت بتاريخ وَفَاته مِمَّن مَاتَ فِي هَذَا الْقرن الَّذِي أَوله سنة إِحْدَى وَتِسْعمِائَة ختم بِالْحُسْنَى من سَائِر الْعلمَاء والصلحاء والقضاة والأدباء والملوك والأعيان مصرياً كَانَ أَو شامياً حجازياً كَانَ أَو يمنياً رومياً أَو هندياً مشرقياً أَو مغربياً وضممت إِلَى ذَلِك ذكر بعض الْحَوَادِث والماجريات والحكايات العجيبة وَالْملح الغريبة وَلَا يعْدم كل شخص من نادرة جرت لَهُ من الْأَخْبَار وَشعر نظمه من الْأَشْعَار على وَجه الِاخْتِصَار وَمَا يحصل من الِاعْتِبَار وَللَّه در من قَالَ ... إِذا عرف الْإِنْسَان أَخْبَار من مضى ... تخيلته قد عَاشَ حينا من الدَّهْر فقد عَاشَ كل الدَّهْر من كَانَ عَالما ... كَرِيمًا حَلِيمًا فاغتنم أطول الْعُمر ... هَذَا وَلم استوعب كلما وَقع فِي هَذَا الْقرن من الْحَوَادِث لعدم اطلاعي عَلَيْهَا وَإِنَّمَا ذكرت مَا انْتهى إِلَيْهِ علمي مِنْهَا وَرُبمَا أَن الَّذِي تركته يكون أَكثر مِمَّا ذكرته وَلَكِن إِذا كَانَت الغايات لَا تدْرك فاليسير مِنْهَا لَا يتْرك وَأَرْجُو أَن يكون هَذَا الْكتاب كتاب حَدِيث وَفقه وتاريخ وأدب وسميته

стр. 2

النُّور السافر عَن أَخْبَار الْقرن الْعَاشِر ولنذكر قبل الشُّرُوع فِي الْمَقْصُود نبذة شريفة من أَوْصَاف سيد الْمُرْسلين وافضل الْأَوَّلين والآخرين تيمنا بِذكرِهِ واستشعاراً لعَظيم قدره عَسى أَن أسعد بِشَفَاعَتِهِ واحشر فِي زمرته لحبي اياه والتجائي الي شرِيف علياه ﷺ وَشرف وكرم ومجد وَعظم أعلم أَن الله سُبْحَانَهُ لما أَرَادَ إِيجَاد خلقه ابرز الْحَقِيقَة المحمدية من أنواره الصمدية فِي حَضرته الأحمدية ثمَّ سلخ مِنْهَا العوالم كلهَا علوها وسفلها على مَا اقْتَضَاهُ كَمَال حكمته وَسبق فِي علمه وإرادته ثمَّ أعلمهُ الله تَعَالَى بِكَمَالِهِ ونبوته وبشره بِعُمُوم دَعوته ورسالته وَبِأَنَّهُ نبى الْأَنْبِيَاء وواسطة جَمِيع الأصفياء وَأَبوهُ آدم بَين الرّوح والجسد ثمَّ انبجست مِنْهُ عُيُون الْأَرْوَاح فَظهر مُمِدًّا لَهَا فِي عالمها الْمُتَقَدّم على عَالم الأشباح وَكَانَ هُوَ الْجِنْس العالي على جَمِيع الْأَجْنَاس وَالْأَب الْأَكْبَر لجَمِيع الموجودات وَالنَّاس فَهُوَ وَإِن تَأَخّر وجود جِسْمه متميز على العوالم كلهَا برفعته وتقدمه إِذْ هُوَ خزانَة السِّرّ الصمداني ومحتد تفرد الأمداد الرحماني وَصَحَّ فِي مُسلم أَنه ﷺ قَالَ ﴿إِن الله تَعَالَى كتب مقادير الْخلق قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ وَمن جملَة مَا كتب فِي الذّكر وَهُوَ أم الْكتاب إِن مُحَمَّدًا خَاتم النَّبِيين وَصَحَّ أَيْضا أَنِّي عبد الله لخاتم النَّبِيين وَأَن آدم لَمُنْجَدِل فِي طينته أَي لطريح ملقى قبل نفخ الرّوح فِيهِ وَصَحَّ أَيْضا يَا رَسُول الله مَتى كنت نَبيا قَالَ ﴿وآدَم بَين الرّوح والجسد ويروي كتبت من الْكِتَابَة وَخبر﴾ كنت نَبيا وادم بَين المَاء والطين قَالَ بعض الْحفاظ لم نقف عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظ وَحسن التِّرْمِذِيّ خبر يَا رَسُول الله مَتى وَجَبت لَك النُّبُوَّة قَالَ وآدَم بَين الرّوح والجسد ومعني وجوب النُّبُوَّة وكتابتها ثُبُوتهَا وظهورها فِي الْخَارِج نَحْو كتب الله لأغلبن كتب عَلَيْكُم الصّيام وَالْمرَاد ظُهُورهَا للمليكة وروحه ﷺ فِي عَالم الْأَرْوَاح أعلاماً بعظيم شوقه وتميزه على بَقِيَّة الانبياء وَخص الاظهار بِحَالَة كَون آدم بَين الرّوح والجسد لانه اوان دُخُول الْأَرْوَاح

стр. 3

إِلَى عَالم الاجساد والتمايز حِينَئِذٍ أتم واظهر فاختص ﷺ بِزِيَادَة إِظْهَار شرفه حِينَئِذٍ ليتميز على غَيره تميزاً اعظم وَأتم وَأجَاب الْغَزالِيّ عَن وَصفه نَفسه بِالنُّبُوَّةِ قبل وجود ذَاته وَعَن خبر ﴿أَنا أول الْأَنْبِيَاء خلقا وَآخرهمْ بعثاً بَان المُرَاد بالخلق هُنَا التَّقْدِير لَا الإيجاد فانه قبل ان تحمل بِهِ أمه لم يكن مخلوقاً مَوْجُودا وَلَكِن الغايات والكمالات سَابِقَة فِي التَّقْدِير لاحقة فِي الْوُجُود فَقَوله كنت نَبيا أَي فِي التَّقْدِير قبل تَمام خلقَة آدم إِذْ لم ينشأ إِلَّا لينتزع من ذُريَّته مُحَمَّد ﷺ وتحقيقه ان للدَّار فِي ذهن المهندس وجودا ذهنياً سَببا للوجود الْخَارِجِي وسابقاً عَلَيْهِ فَالله تَعَالَى يقدر ثمَّ يُوجد على وفْق تَقْدِير بانيها انْتهى مُلَخصا وَذهب السُّبْكِيّ إِلَى مَا هُوَ أحسن وابين وَهُوَ انه جَاءَ ان الْأَرْوَاح خلقت قبل الأجساد فالاشارة ب كنت نَبيا إِلَى روحه الشَّرِيفَة أَو حَقِيقَة من حقائقه لَا يعلمهَا إِلَّا الله وَمن حباه الِاطِّلَاع عَلَيْهَا ثمَّ انه تَعَالَى يُؤْتِي كل حَقِيقَة مِنْهَا مَا شَاءَ فِي أَي وَقت شَاءَ فحقيقته ﷺ قد تكون من حِين خلق آدم ﵇ أَتَاهَا الله ذَلِك الْوَصْف بَان خلقهَا متهيئة لَهُ وافاضه عَلَيْهَا من ذَلِك الْوَقْت فَصَارَ نَبيا وَكتب اسْمه على الْعَرْش ليعلم مَلَائكَته وَغَيرهم كرامته عِنْده فحقيقته مَوْجُودَة من ذَلِك الْوَقْت وان تَأَخّر جسده الشريف المتصف بهَا فنحو ايتائه النُّبُوَّة وَالْحكمَة وَسَائِر أَوْصَاف حَقِيقَته وكمالاتها معجل لَا تَأَخّر فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُتَأَخر تكونه وتنقله فِي الأصلاب والأرحام والطاهرة إِلَى ان ظهر ﷺ وَمن فسر ذَلِك بِعلم الله بِأَنَّهُ سيصير نَبيا لم يصل لهَذَا الْمَعْنى لَان علمه تَعَالَى مُحِيط بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء فالوصف بِالنُّبُوَّةِ فِي ذَلِك الْوَقْت يَنْبَغِي ان يفهم مِنْهُ انه أَمر ثابة لَهُ فِيهِ وَإِلَّا لم يخْتَص بِأَنَّهُ نَبِي اذ الْأَنْبِيَاء كلهم كَذَلِك بِالنِّسْبَةِ لعلمه تَعَالَى وَأخرج ابْن سعد عَن الشّعبِيّ مَتى أستنبئت يَا رَسُول الله قَالَ وآدَم بَين الرّوح والجسد حِين اخذ مني الْمِيثَاق وَهُوَ يدل على ان آدم ﵇ لما صور طيناً استخرج مِنْهُ ﷺ وَنَبِي اخذ مِنْهُ الْمِيثَاق ثمَّ أُعِيد إِلَى ظَهره ليخرج أَوَان وجوده فَهُوَ أَوَّلهمْ خلقا وَخلق آدم السَّابِق كَانَ مواتاً لَا روح فِيهِ وَهُوَ ﷺ كَانَ حَيا حِين استخرج وَنَبِي

стр. 4

وَأخذ مِنْهُ الْمِيثَاق وَلَا يُنَافِي هَذَا ان اسْتِخْرَاج ذُرِّيَّة آدم إِنَّمَا كَانَ بعد نفخ الرّوح فِيهِ لانه ﷺ خص من بَين بني آدم بذلك الاستخراج الأول وَفِي تَفْسِير الْعِمَاد بن كثير عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس ﵃ فِي قَوْله تَعَالَى﴾ ﴿وَإِذ اخذ الله مِيثَاق النَّبِيين﴾ الْآيَة ان الله لم يبْعَث نَبيا إِلَّا أَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد فِي مُحَمَّد ﷺ لَئِن بعث وَهُوَ حَيّ ليُؤْمِنن بِهِ ولينصرنه وَيَأْخُذ الْعَهْد بذلك على قَوْله واخذ السُّبْكِيّ من الْآيَة انه على تَقْدِير مَجِيئه فِي زمانهم مُرْسل إِلَيْهِم فَتكون نبوته ورسالته عَامَّة لجَمِيع الْخَلَائق من أَدَم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَتَكون الْأَنْبِيَاء وأممهم كلهم من أمته فَقَوله ﴿وَبعثت إِلَى النَّاس كَافَّة﴾ يتَنَاوَل من قبل زَمَانه أَيْضا وَبِه يتَبَيَّن معنى كنت نَبيا وآدَم بَين الرّوح والجسد وَحكمه كَون الْأَنْبِيَاء فِي الْآخِرَة تَحت لوائه وَصلَاته بهم لَيْلَة الْإِسْرَاء وروى عبد الرَّزَّاق بِسَنَدِهِ ان النَّبِي ﷺ قَالَ ﴿إِن الله خلق نور مُحَمَّد قبل الْأَشْيَاء من نوره فَجعل ذَلِك النُّور يَدُور بِالْقُدْرَةِ حَيْثُ شَاءَ الله وَلم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت لوح وَلَا قلم الحَدِيث بِطُولِهِ وَاخْتلفُوا فِي أول الْمَخْلُوقَات بعد النُّور المحمدي فَقيل الْعَرْش لما صَحَّ من قَوْله ﷺ قدر الله مقادير الْخلق قبل ان يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَصَحَّ أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ رَبِّي وَمَا اكْتُبْ قَالَ اكْتُبْ مقادير كل شَيْء لَكِن صَحَّ فِي حَدِيث مَرْفُوع ان المَاء خلق قبل الْعَرْش فَعلم ان أول الْأَشْيَاء على الْإِطْلَاق النُّور المحمدي ثمَّ المَاء ثمَّ الْعَرْش ثمَّ الْقَلَم لما علمت من حَدِيث أول مَا خلق الله الْقَلَم مَعَ مَا قبله الدالين على ان التَّقْدِير وَقع بعد الْعَرْش وَالتَّقْدِير وَقع عِنْد خلق الْقَلَم فَذكر الأولية فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لما بعده وَورد لما خلق الله آدم جعل ذَلِك النُّور فِي صلبه فَكَانَ يلمع فِي جَبينه وَلما توفّي كَانَ وَلَده شِيث وَصِيّه فوصى وَلَده بِمَا وصاه بِهِ أَبوهُ ان لَا يوضع هَذَا النُّور الا فِي المطهرات من النِّسَاء وَلم يزل الْعَمَل بِهَذِهِ

стр. 5

الْوَصِيَّة إِلَى ان وصل ذَلِك النُّور إِلَى عبد الله مطهراً من سفاح الْجَاهِلِيَّة كَمَا اخبر ﷺ عَن ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث وَكَانَت وِلَادَته ﵊ يَوْم الأثنين لأثني عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول بعد الْفِيل بِسنتَيْنِ وشهرين وَقيل لَيْلَة الْجُمُعَة السَّابِع عشر من ربيع الأول فِي زمن الْملك أنو شرْوَان وَبعث إِلَى الْأسود والأحمر وَالْإِنْس وَالْجِنّ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ سنة وَقيل وَيَوْم وَكَانَ بعد عشْرين سنة من ملك ابرويز وَأقَام بعد الْبعْثَة فِي مَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة على الاصح وَقيل خَمْسَة عشر وَقيل عشرا ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة ودخلها ضحوة يَوْم الأثنين لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول واقام بهَا بالأجماع عشر سِنِين فَفِي السّنة الأولى من الْمحرم بنى مَسْجده وسكنه وآخى بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَشرع الْأَذَان وَفِي السّنة الثَّانِيَة مِنْهَا فِي صَلَاة الْعَصْر من نصف شعْبَان حولت الْقبْلَة من بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة فدار ﷺ فِي رُكُوع الرَّكْعَة الثَّانِيَة ودارت الصُّفُوف خَلفه إِلَى الْكَعْبَة فِي مَسْجِد بني سَلمَة فَسُمي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَفِي شعْبَان مِنْهَا فرض صَوْم رَمَضَان وفيهَا فرضت صَدَقَة الْفطر وَفِي رَمَضَان هَذَا كَانَت غَزْوَة بدر وَفِي شَوَّال مِنْهَا بنى بعائشة ﵂ وفيهَا تَزْوِيج فَاطِمَة ﵂ وَفِي السّنة الثَّالِثَة مِنْهَا غَزْوَة أُحد يَوْم السبت السَّابِع من شَوَّال ثمَّ غَزْوَة بدر الصُّغْرَى فِي هِلَال ذِي الْقعدَة وفيهَا غَزْوَة بني النَّضِير وَحرمت الْخمر بعد غَزْوَة أُحد وَفِي السّنة الرَّابِعَة مِنْهَا غَزْوَة الخَنْدَق وَتسَمى الْأَحْزَاب وحاصروا الْمَدِينَة خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ هَزَمَهُمْ الله تَعَالَى وَحده وفيهَا قصرة الصَّلَاة وَنزل التَّيَمُّم وَفِي السّنة الْخَامِسَة مِنْهَا غَزْوَة ذَات الرّقاع أول الْمحرم وفيهَا صلى صَلَاة الْخَوْف وفيهَا غَزْوَة دومة الجندل وغزوة بني قريضة وَفِي السّنة السَّادِسَة مِنْهَا غَزْوَة الْحُدَيْبِيَة وبيعة الرضْوَان وغزوة بني المصطلق

стр. 6

وَفِي السّنة السَّابِعَة مِنْهَا غَزْوَة خَيْبَر وَفِي السّنة الثَّامِنَة مِنْهَا غَزْوَة مُؤْتَة وَذَات السلَاسِل وَفتح مَكَّة فِي رَمَضَان وغزوة حنين والطائف وَفِي السّنة التَّاسِعَة مِنْهَا غَزْوَة تَبُوك وَتَتَابَعَتْ الْوُفُود وَدخل النَّاس فِي دين الله أَفْوَاجًا وَفِي النة الْعَاشِرَة مِنْهَا حجَّة الْوَدَاع ووفاة إِبْرَاهِيم وَتُوفِّي ﷺ ضحوة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة وَمُدَّة مَرضه الَّذِي توفّي مِنْهُ اثْنَا عشر يَوْمًا وَقيل أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَكَانَ عمره ﵊ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وَمن أعظم معجزاته ﷺ الْقُرْآن كَلَام الله المتلو آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَقد اعجز الْجِنّ والأنس لَا يقدرُونَ على أَن يَأْتُوا بِسُورَة مثله بل وَلَا بِآيَة وكل معجزات الْأَنْبِيَاء ﵈ انْقَطَعت بموتهم إِلَّا معجزته ﷺ وَانْشَقَّ الْقَمَر كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن وَصَحَّ من طرق وَكَلمه الضَّب كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه وَأخْبر أَن خَزَائِن كسْرَى تنفقها أمتِي فِي سَبِيل الله وان ملك كسْرَى وَالروم يفتح فَكَانَ كَذَلِك وَأَن الْمُسلمُونَ يُقَاتلُون قوما صغَار الْأَعْين عراض الْوُجُوه ذلف الأنوف أَي فطسها وان الشَّام واليمن يفتحان وَأَن أمته تفتح مصر ارْض يذكر فِيهَا القيراط وَإِن أويس الْقَرنِي يقدم فِي إمداد الْيمن وَكَانَ بِهِ برص فبرىء إِلَّا قدر دِرْهَم وهاجت ريح شَدِيدَة هَاجَتْ فَقَالَ هَذِه الرّيح لمَوْت مُنَافِق قَالَ جَابر فقدمنا فَوَجَدنَا عَظِيما من الْمُنَافِقين قد مَاتَ وَأكل من شَاة لقْمَة ثمَّ قَالَ هَذِه تُخبرنِي بِأَنَّهَا أخذت بِغَيْر أذن أَهلهَا فَإِذا هُوَ كَمَا قَالَ وتحرك الْجَبَل فَقَالَ اسكن فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِي أَو صديق أَو شهيدان فسكن وَكَانَ هُوَ وَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان عَلَيْهِ وَفِي صَحِيح مُسلم أَن الله زوى لي الأَرْض فَرَأَيْت مشارقها وَمَغَارِبهَا وسيبلغ ملك امتى مَا زوى لي مِنْهَا وَفِي البُخَارِيّ نبع المَاء من بَين أَصَابِعه بِالْحُدَيْبِية فتوضأوا وَشَرِبُوا وهم خمس عشرَة مائَة

стр. 7

وَمرَّة أُخْرَى وهم ثلاثمائه وَمرَّة وهم مَا بَين السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ وَحَدِيث المزادتين قَالَ عمر أَن شربنا مِنْهُمَا وَنحن نَحْو الْأَرْبَعين فَلم تنتقصا وَسبح فِي كَفه الْحَصَا وَكَذَلِكَ الطَّعَام كَانَ يسمع تسبيحه وَهُوَ يُؤْكَل وَسلم عَلَيْهِ الْحجر وَشهد الذِّئْب بنبوته وَمر فِي سَفَره بِبَعِير يستقى عَلَيْهِ المَاء فَلَمَّا رَآهُ جرجر أَي صَوت فَقَالَ انه شكى كَثْرَة الْعَمَل وَقلة الْعلف وَمر بِبَعِير آخر فِي حَائِط فَلَمَّا رَآهُ حن وذرفت عَيناهُ فَقَالَ لصَاحبه إِنَّك تجيعه وشكى لَهُ بعيران عجز صَاحبهمَا عَن شدتهما وَجَاءَت شَجَرَة تشق الأَرْض حَتَّى قَالَت عِنْده وَهُوَ نَائِم فَسلمت عَلَيْهِ وَأمر شجرتين فاجتمعتا حَتَّى قضى حَاجته خلفهمَا ثمَّ أَمرهمَا فتفرقتا ودعا عذقا فَنزل من جذعه حَتَّى سقط فِي الأَرْض فَجعل ينقز فِي الأَرْض حَتَّى أَتَاهُ ثمَّ قَالَ لَهُ أرجع فَرجع مَكَانَهُ وَأمر بنحر سِتّ بدنات فَجعلْنَ يزدلفن إِلَيْهِ بايتهن يبْدَأ وَأُصِيبَتْ عين قَتَادَة بن النُّعْمَان يَوْم أحد حَتَّى وَقعت على وجنته فَردهَا ﷺ بِيَدِهِ فَكَانَت اصح عَيْنَيْهِ وَأَحَدهمَا فَكَانَت لَا ترمد إِذا رمدت الْأُخْرَى وتفل فِي عين عَليّ ﵁ يَوْم خَيْبَر وَكَانَ ارمد فبرىء من سَاعَته واتاه وَهُوَ شَاك فَدَعَا لَهُ فَمَا اشْتَكَى وَجَعه ذَلِك وَكسرت رجل عبد الله ابْن عتِيك فمسحها ﷺ بِيَدِهِ فبرئت من وقته وَاخْبَرْ انه يقتل أُميَّة بن خلف فَكَانَ كَمَا قَالَ وَأخْبر بمصارع الْمُشْركين ببدر هَذَا مصرع فلَان غَدا إِن شَاءَ الله فَلم يعد وَاحِد مِنْهُم مصرعه الَّذِي سَمَّاهُ وَأَن طوائف من أمته يركبون الْبَحْر غزَاة فِي سَبِيل الله كالملوك على الأسرة وَأَن أم حرَام خَالَة أنس بن مَالك مِنْهُم فَكَانَ كَذَلِك وَأخْبر أَن عُثْمَان ﵁ تصيبه بلوى فَقتل صَابِرًا وَقَالَ لِلْحسنِ ﵁ إِن أبني هَذَا سيد وسيصلح الله بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين فَسلم الْأَمر لمعاوية وَأخْبر بقتل الْأسود الْعَنسِي الْكذَّاب لَيْلَة مَقْتَله وبمن قَتله وَهُوَ بِصَنْعَاء من الْيمن فجَاء كَمَا قَالَ وَأخْبر بِمثل هَذَا عَن كسْرَى فَكَانَ كَذَلِك وَقَالَ لرجل يَدعِي الْإِسْلَام وَهُوَ فِي الْقِتَال مَعَه إِنَّه من أهل النَّار فَصدق الله تَعَالَى قَوْله بِأَن نحر نَفسه وشكي إِلَيْهِ قحط الْمَطَر وَهُوَ على الْمِنْبَر فَدَعَا الله وَمَا فِي السَّمَاء

стр. 8

فزعة أَي قِطْعَة سَحَاب فثار سَحَاب أَمْثَال الْجبَال فَمُطِرُوا إِلَى الْجُمُعَة الْأُخْرَى فشكي إِلَيْهِ كَثْرَة الْمَطَر فَدَعَا الله فرفعه فِي الْحَال وَأطْعم أهل الخَنْدَق وهم ألف من صَاع شعير واطعم جمَاعَة من تمر يسير لم يمْلَأ كفيه واطعم فِي منزل أبي طَلْحَة ثَمَانِينَ رجلا من أَقْرَاص شعير جعلهَا انس تَحت إبطه حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِي كَمَا هُوَ وامر عمر بن الْخطاب ﵁ ان يزود أَرْبَعمِائَة رَاكب من تمر قَلِيل فزودهم وَبَقِي كَأَنَّهُ لم ينتقص وَأطْعم الْجَيْش من مزود أبي هُرَيْرَة ﵁ حَتَّى شَبِعُوا ثمَّ رد مَا بَقِي مِنْهُ وَكَانَ وَضعه فِي يَده ودعا لَهُ فَأكل مِنْهُ مُدَّة حَيَاة النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃ فَلَمَّا قتل عُثْمَان ذهب وَحمل مِنْهُ نَحْو ثَمَانِينَ وسْقا فِي سَبِيل الله وَأطْعم فِي بنائِهِ بِزَيْنَب بنت جحش ﵂ من قَصْعَة أَهْدَتْهَا لَهُ أم سليم خلقا كثيرا ثمَّ رفعت وَهِي كَمَا هِيَ ﷺ كلما ذكره الذاكرون وغفل عَن ذكره الغافلون ولبعض فضلاء الْعَصْر قصيدة عَظِيمَة فِي مدح النَّبِي ﷺ أَحْبَبْت أَن آتِي بهَا هُنَا بكمالها لينقطع بهَا مَا أردناه فِي الْمُقدمَة من الْكَلَام ولتكون لهَذَا التَّارِيخ مسك الختام وَهِي ... إِنِّي أرى فِي النّوم اني فِي الْكرَى ... واصلته يارب حقق مَا جرا لم يسر لي إِلَّا خيال خيالهم ... مَاذَا على طيف الْأَحِبَّة لَو سرا وَلَقَد جرى كالنهر سَائل مدمعي ... أَتَرَى درى ذَاك الرَّقِيب بِمَا جرا أوقفت دمع الْعين يجْرِي فِي الْهوى ... أَنا لَا أسائل هَل درى أَو مَا درى يَا صَاح قُم ودع التواني واصطبح ... من بنت قشر بالجواهر تشترى هِيَ قهوة بنية قشرية ... فِي طيبَة تجلى وَفِي أم الْقرى فَاشْرَبْ شراب الصَّالِحين وَلَا تقل ... ادر الزجاجة فالنسيم قد أنبرا فالصبح قد وافت طلائع جَيْشه ... والنجم قد صرف الْعَنَان عَن السرا لَا عَيْش إِلَّا والشبيبة غضة ... مِنْهَا يكَاد المَاء أَن يتقطرا لله مَجْلِسنَا الأنيس وَقد بَدَت ... فِيهِ الغزال تصيد آساد الشرى سفرت فَكَانَت والبدور طوالع ... مِنْهَا وَمن شمس الظهيرة أنورا ...

стр. 9

.. خطرت فَقَامَ الْغُصْن يلثم اثرها ... ورنت فظل الظبي مِنْهَا أحورا وَلَقَد نظرت إِلَى الرياض وَجههَا ... فَرَأَيْت طلعتها البهية أنضرا أندى على الأكباد من قطر الندى ... إِن قطرت ذَاك اللمي لي قطرا وعبابها أشهى إليّ من المنى ... وألذ فِي الأجفان من سنة الْكرَى وَلَقَد حمت عني سلافة رِيقهَا ... ظنا بِأَنِّي لَا أحب المسكرا من قَالَ إِن سلاف فِيك محرم ... يَا منيتي مَا قَالَ إِلَّا مُنْكرا رامت تصيد حشاشتي قلت لَهَا ... فالصيد كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا شهرت سيوف لحاظها تنعي الحشا ... فسعى إِلَيْهَا بالدماء مشهرا صدت والوت عَن محب صَادِق ... مَا كَانَ صدك لي حَدِيثا يفترى وَلَقَد سرت لي من حماها نسمَة ... فنشقتها ودرى الفؤادبما درى ويلاه مَا أذكى عبير ترابها ... قد فاق كل الطّيب حَتَّى العنبرا يَا دارها مَا أَنْت إِلَّا جنَّة ... يَا رِيقهَا مَا أَنْت إِلَّا كوثرا يَا لَفظهَا يَا ثغرها يَا نحرها ... مَا أَنْت يَا ذَا العقد إِلَّا جوهرا ساومت مبسمها بَدْرًا مدامعي ... ان يَشْتَرِي درا فَهَذَا الْمُشْتَرى لَكِن رَأَيْت الدَّهْر غير مساعد ... وَرَأَيْت مِنْهُ مَا لعقلي ابهرا صبرا لهَذَا الدَّهْر فِي تصريفه ... صبرا على مَا فِي فُؤَادِي اسعرا اني لأصبر والخطوب جليلة ... وعَلى العظائم كلهَا لن يصبرا وَإِذا عرتني فِي الْأُمُور ملمة ... أَو كربَة مَالِي سوى خير الورى طه أجل الْأَنْبِيَاء امامهم ... من فاق كل الْمُسلمين بِلَا مرا الحامد الْمَحْمُود اكرم مُرْسل ... وَهُوَ المشفع إِذْ يروم المحشرا وَله الشَّفَاعَة فِي الْخَلَائق كلهم ... فصل القضا واجل مِنْهُ واكبرا وَله الْوَسِيلَة وَهِي أَعلَى رُتْبَة ... وَلَو اللوا اعظم بذلك مفخرا كل الْخَلَائق تَحت ظلّ لوائه ... أكْرم بعسكره المكرم عسكرا للعرض باتوا وَالْوُجُوه منيرة ... كلا ترَاهُ مهللا ومكإسرا ان مسهم ظماء فحوض الْمُصْطَفى ... يردون مِنْهُ فِي الْقِيَامَة كوثرا يَا أمة الْمُخْتَار شرفتم بِهِ ... وعلوتم أمما وكنتم أخيرا فَالْحَمْد لله الَّذِي قد خصنا ... بِنَبِيِّهِ وحبيبه خير الورى هُوَ أَحْمد وَمُحَمّد وَله لوا ... الْحَمد مَحْمُود الْمقَام وَقد سرا ...

стр. 10

.. نَحْو السَّمَوَات العلى لَيْلًا على ... ظهر الْبراق فنال مَا لم يحصرا وَلَقَد رأى رب الْعباد بِعَيْنِه ... تالله مَا هَذَا حَدِيث يفترى من حَيْثُ لَا جِهَة وَلَا ايْنَ وَقد ... جَاءَ الحَدِيث بِصدق ذَلِك مخبرا أوحى إِلَيْهِ الله مَا أوحى وَقد ... وافا لمضجعه وَقد حمد السرى الله أكبر يَا لَهَا من رُتْبَة ... مَا نالها أحد سواهُ إِذا ترى الله أكبر يَا لَهَا من مزة ... قد خصها الْمولى الحبيب الأكبرا فليهنأ مَا قد رأى من ربه ... وليهننا من فَضله مَا قد نرى الله اكرمه بِوَحْي منزل ... فاتاه جِبْرِيل الْأمين على حرا فَدَعَا إِلَى سبل النجَاة مبشراً ... وَعَن الغواية قد نَهَانَا منذرا ختمت شَرِيعَته الشَّرَائِع كلهَا ... اذ كَانَ فِي أم الْكتاب مصدرا كم معجزات مُحكم آياتها ... كم بَيِّنَات باهرات للورى مزمل مدثر اسماؤه ... أكْرم بِهِ مزملا مدثرا اني إِذا مارست مدح الْمُصْطَفى ... فَأَنا الْخَطِيب وَقد عَلَوْت المنبرا واذا نظمت قلائداً فِي مدحه ... تالله مَا نظمت إِلَّا جوهراً اَوْ مَا رَأَيْت الْمسك وَهُوَ مضرج ... لما أتيت بِمَا يفوق العنبرا هَا قد وجدت حلاوة فِي مطمعي ... ذوقوا فمي تَجدوا حلاه سكرا وكذاك فِي شمي وجدت طلاوة ... عرفا تأرجه يفوق العبهرا وكذاك فِي سَمْعِي وجدت لذاذة ... لما سَمِعت حَدِيثه مُسْتَبْشِرًا وكذاك فِي بَصرِي رَأَيْت بَصِيرَة ... لما نقاب الْحجب عني أسفرا وكذاك فِي لمسي شهِدت تَفَاوتا ... مذ لامست كفاي هاتيك الثرى هذي الظَّوَاهِر والبواطن مثلهَا ... إِن شَاءَ رَبِّي قطّ لَا يستكثرا فِي جنب مدحته وَفضل جنابه ... ذَا هَين وَالله يُعْطي أكثرا ولسوف يُعْطي فِي الْقِيَامَة مثل مَا ... أعطَاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَا لم يحصرا يَا رب الْمُخْتَار طه جد لنا ... بِالْعَفو مِنْك وهب لنا خير القوى فبه توسلنا إِلَيْك وَمن يكن ... طه وسيلته نفقد نَالَ الكرا يَا سيد الشفعآء دينك ملتي ... وَعَلِيهِ أرجوا أَن أُوَسَّد فِي الثرى وَأجِيب عَنهُ بِفضل رَبِّي ثَانِيًا ... وَعَلِيهِ أَرْجُو أَن أقوم وأحشرا يَا سَيِّدي فاشفع لعبد مذنب ... ركب الذُّنُوب مفرطا ومقصرا ...

стр. 11

.. وَأطَال فِي ليل الْجَهَالَة ركضة ... حَتَّى إِذا صبح الْحَقِيقَة أسفرا أضحى وَلَا عمل لَدَيْهِ وَلَا لَهُ ... امل يرجيه إِذا خطب عرا الا تمسكه بحبك سَيِّدي ... فَهُوَ النجَاة لَهُ إِذا فَصمت عرا فَعَلَيْك صلى الله مَا ودق هما ... وَعَلَيْك صلى الله مَا برق شرا وَعَلَيْك سلم كلما حج الورى ... أَو أمك الزوار من أم الْقرى وَكَذَلِكَ آلك وَالصَّحَابَة كلهم ... مَا أمك الْعَافُونَ أَو ركب سرى أَو يمم السارون نَحْوك طلبا ... سهروا وَقد وافوك يلتمسوا الْكرَى وفدوا وَقد حطوا بسوحك رحلهم ... فَقبلت زورتهم وفازوا بالقرى يَا رب صل على الحبيب وَآله ... والصحب مَا صبح السَّعَادَة أسفرا وَكَذَا السَّلَام عَلَيْهِ ثمَّ عَلَيْهِم ... كَرَّرَه مَا أحلى ثناه مكررا لَا سِيمَا الصّديق ثَانِي اثْنَيْنِ من ... بِالصّدقِ والتصديق قد بهر الورى وَكَذَلِكَ الْفَارُوق من أردى العدى ... وَالدّين نَالَ بعزه أوج الذرى وكذاك ذُو النورين عُثْمَان الَّذِي ... يتنور الْمِحْرَاب مِنْهُ إِذا قرا وَكَذَا أَبُو السبطين صنوا الْمُصْطَفى ... بعل البتول وَمن يُسمى حيدرا وكذاك كل الْآل وَالْأَصْحَاب والأ ... زواج اكرم بِالْقَرَابَةِ معشرا وكذاك تَابعهمْ وتابع تَابع ... بِالْخَيرِ يقفو الْأَثر حَتَّى المحشرا يَا رب وَاخْتِمْ لي بِخَير انني ... متوسل بالمصطفى خير الورى ... ولنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من التَّارِيخ فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَفِي سنة احدى وَتِسْعمِائَة ٩٠١ هـ توفّي الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن صَالح أَبُو زيد المكودي نسبا الفاسي الْمَكِّيّ شَارِح الاجرومية وفيهَا عِنْد غرُوب الشَّمْس يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر ذِي الْقعدَة توفّي سُلْطَان الديار المصرية الْملك قايتباي الجركسي المحمودي الاشرفي ثمَّ الظَّاهِرِيّ وَصلي عَلَيْهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَلم يخلفه مثله فِي الجراكسة بل قيل إِنَّه لم يمْكث أحد فِي المملكة قدر مدَّته فَكَانَت قريب ثَلَاثِينَ سنة وَصلي عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِد الثَّلَاثَة وَختم لَهُ فِيهَا بعدة ربعات أحد مُلُوك الديار المصرية وَالْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ من مُلُوك

стр. 12

التّرْك البهية بَقِيَّة الْمُلُوك الْعِظَام وخاتمة النظام ولد تَقْرِيبًا سنة بضع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَقدم مَعَ تاجره مُحَمَّد بن رستم فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ فَاشْتَرَاهُ الاشرف برسباي ثمَّ صَار إِلَى الْملك الظَّاهِر فَأعْتقهُ وَلم يزل عِنْده يترقى من مرتبَة إِلَى أَن صَار الْملك وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَكَانَ بعض أَوْلِيَاء الله تَعَالَى قد اشار إِلَى ملكه قبل أَن يفضى إِلَيْهِ الْملك بِزَمَان فَقَالَ لَهُ فِي وَاقعَة قُم أَنْت أَيهَا الْملك الْأَشْرَف قايتباي وَحكي مثل ذَلِك عَن آخر بل أرسل إِلَيْهِ مَعَ بعض خاصته بالبشارة بذلك فخشي صَاحب التَّرْجَمَة أَن يَنَالهُ بِسوء من الْمُتَوَلِي إِذْ ذَاك بِسَبَب هَذَا الإبعاد واستبعد وُقُوع هَذَا الْأَمر غَايَة الاستبعاد ورأي بَعضهم كَأَن شَجَرَة رمان لَيْسَ بهَا سوى حَبَّة وَاحِدَة وَأَن صَاحب التَّرْجَمَة بَادر قطعهَا فتأوله الرَّأْي بِأَخْذِهِ للْملك وأعلمه بذلك فَأمره باخفاء هَذَا الْمَنَام لذَلِك أَيْضا وَلما أستقر فِي المملكة أَخذ فِي الْحل وَالْعقد والعزل والعهد وَلم يكن فِي زَمَنه مُنَازع وَلَا مدافع وطالت أَيَّام دولته السعيدة وَسَار فِي النَّاس السِّيرَة الحميدة وأجتهد فِي بِنَاء المشاعر الْعِظَام بِحَيْثُ وَقع لَهُ من ذَلِك مَا لم يتَّفق لغيره من مُلُوك الْإِسْلَام كعمارة مَسْجِد الْخيف بمنى وحفر بنمره صهريجاً ذرعه عشرُون ذِرَاعا وَعمر بركَة خليص وأجرى الْعين الطّيبَة إِلَيْهَا بل أصلح الْمَسْجِد الَّذِي هُنَاكَ بِحَيْثُ عَم الأنتفاع بكله للقاطن والسالك وَعمر عين عَرَفَة بعد أنقطاعها ازيد من قرن وَعمر سِقَايَة سيدنَا الْعَبَّاس وَأصْلح بِئْر زَمْزَم وَالْمقَام وجهز فِي سنة تسع وَسبعين لِلْمَسْجِدِ منبرا عَظِيما وَنَصه فِي ذِي الْقعدَة وَكَانَ يُرْسل للكعبة الشَّرِيفَة بكسوة فائقة جدا فِي كل سنة وَأَنْشَأَ بِجَانِب الْمَسْجِد الْحَرَام عِنْد بَاب السَّلَام مدرسة عَظِيمَة بهَا صوفية وتدريس وفقرا وخزانة للربعات وَكتب الْعلم وبجانبها رِبَاط للْفُقَرَاء والطلبة وَمَعَ أجراء الْقُوت لَهُم فِي كل يَوْم وسبيل عَظِيم للخاص وَالْعَام ومكتب للأيتام وَكَذَا أنشأ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة مدرسة بديعة بهية بل بنى الْمَسْجِد الشريف بعد الْحَرِيق وجدد الْمِنْبَر والحجرة والمصلى النَّبَوِيّ إِلَى غَيرهَا من الْمِحْرَاب العثماني والمنارة الرئيسية بداء على عود بل رتب لأهل السّنة من أَهلهَا والقادمين عَلَيْهَا من كَبِير وصغير وغني وفقير

стр. 13

ورضيع وفطيم وخادم وخديم مَا يَكْفِيهِ من الْبر وَمن الدشيشة وَالْخبْز مَا تيَسّر وَعمل أَيْضا بِبَيْت الْمُقَدّس مدرسة كَبِيرَة بهَا شيخ وصوفية ودرسة وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره قَالَ السخاوي وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يجْتَمع لملك مِمَّن أدركناه مَا اجْتمع لَهُ وَلَا حوى من الحذق والذكاء والمحاسن مُجمل مَا أشتمل عَلَيْهِ وَلَا مفصله وَرُبمَا مدحه الشُّعَرَاء وَلَا يتلفت إِلَى ذَلِك وَيَقُول لَو أشتغل بالمديح النَّبَوِيّ كَانَ أعظم من هَذِه المسالك وترجمته تحْتَمل مجلدات قَالَ وَله تهجد وَتعبد وأوراد وإذكار وتعفف وبكاء من خشيَة الله تَعَالَى وميل لِذَوي الهيئات الْحَسَنَة وَالصِّفَات وتلاوة ومطالعة فِي كتب الْعلم والدقائق وسير الْخُلَفَاء والملوك بِحَيْثُ يسْأَل الْقُضَاة وَغَيرهم الأسئلة الجيدة وَرُبمَا افادهم فِي بعض الأحيان وَالِاعْتِرَاف من نَفسه بالتقصير والاعتقاد فِيمَن يثبت عِنْده صَلَاحه من الصلحاء وَالْعُلَمَاء قَالَ وتكرر وَجهه لبيت الْمُقَدّس والخليل وثغور دمياط واسكندرية ورشيد وأزال كثيرا من الظلامات الحادثات وزار من هُنَاكَ من السادات بل حج فِي طَائِفَة قَليلَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ ووهب وَتصدق وَأظْهر من تواضعه وخشوعه فِي طَوَافه وعبادته مَا عد من حَسَنَاته قَالَ وَبَلغنِي عَن بعض الصَّالِحين أَنه اخبر بِرُؤْيَة النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام تِلْكَ الْأَيَّام وَأخْبر بِأَنَّهُ من الْفرْقَة النَّاجِية قَالَ وَقد حج قبل ترقيه فِي زمن الظَّاهِر وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَكَذَا انفق أَمْوَالًا عَظِيمَة فِي غَزْوَة الْكفَّار ورباط الثغور وَحفظ الامصار رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا قدم إِلَى مَدِينَة زبيد بِكِتَاب فتح الْبَارِي شرح البُخَارِيّ لِلْحَافِظِ شهَاب الدّين بن حجر من الْبَلَد الْحَرَام وَهُوَ أول دُخُول الْيمن وَكَانَ السُّلْطَان عَامر أرسل إِلَى لاشترائه فَاشْتَرَاهُ بِمَال جزيل ثمَّ قدم بِهِ الرَّسُول إِلَى مَدِينَة زبيد ثمَّ توجه بِهِ إِلَى بَاب السُّلْطَان فواجهه بِهِ فِي مَدِينَة تعز وَهَذَا الْكتاب من آيَات الله الْكُبْرَى وفيهَا حصل طوفان عَظِيم من نَاحيَة بَحر الْهِنْد غرق مِنْهُ فِي بندر الديو

стр. 14

عشرَة مراكب وَفِي الباحة أَرْبَعَة مراكب وَتلف فِيهَا من الْأَمْوَال مَا لَا ينْحَصر وتغيرت أَرْبَعَة مراكب وأنكسرت أدقالهم ورموا من حملهمْ أَكثر من النّصْف وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه سنة أثنين بعد التسْعمائَة ٩٠٢ هـ وَفِي يَوْم الْأَحَد وَقت الْعَصْر الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر شعْبَان توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الرحلة الْحَافِظ أَبُو عبد الله شمس الدّين مُحَمَّد أبن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد السخاوي الأَصْل القاهري الشَّافِعِي بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة حَال مجاورته الْأَخِيرَة بهَا وعمره إِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الصُّبْح يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي تَارِيخه بالروضة الشَّرِيفَة ووقف بنعشه تجاه الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَدفن بِالبَقِيعِ بجوار مشْهد الإِمَام مَالك وَكَانَت جنَازَته حافلة وَلم يخلفه بعد مثله فِي مَجْمُوع فنونه وَكَانَت وِلَادَته فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم وَهُوَ صَغِير وجوده ثمَّ حفظ الْمِنْهَاج الْأَصْلِيّ والفية ابْن مَالك والنخبة والفية الْعِرَاقِيّ وَشرح النخبة وغالب الشاطبية ومقدمة الشاوي فِي الْعرُوض وَكلما أنْتَهى حفظه لكتاب عرضه على شُيُوخ عصره وبرع فِي الْفِقْه والعربية وَالْقِرَاءَة وَغَيرهَا وشارك فِي الْفَرَائِض والحساب والميقات وأصول الْفِقْه وَالتَّفْسِير وَغَيرهَا وَأما مقرؤاته ومسموعاته فكثيرة جدا لَا تكَاد تَنْحَصِر واخذ عَن جمَاعَة لَا يُحصونَ حَتَّى بلغت عدَّة من اخذ عَنهُ زِيَادَة على أَرْبَعمِائَة نفس وَأذن لَهُ غير وَاحِد بالإفتاء والتدريس والإملاء وَسمع الْكثير من الحَدِيث على شَيْخه إِمَام الْأَئِمَّة الشهَاب بن حجر وَأَقْبل عَلَيْهِ بكليته اقبالاً يزِيد على الْوَصْف حَتَّى حمل عَنهُ علما جماً وأختص بِهِ كثيرا بِحَيْثُ كَانَ من اكثر الآخذين عَنهُ وأعانه عَليّ ذَلِك قرب منزله مِنْهُ وَكَانَ لَا يفوتهُ مِمَّا يقْرَأ عَلَيْهِ إِلَّا النَّادِر وَقَرَأَ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاح بِتَمَامِهِ وَسمع عَلَيْهِ جلّ كتبه كالألفية وَشَرحهَا مرَارًا وعلوم الحَدِيث إِلَّا الْيَسِير من أَوَائِله لِأَبْنِ الصّلاح واكثر تصانيفه

стр. 15

فِي الرِّجَال وَغَيرهَا كالتقريب وَثَلَاثَة أَربَاع اصله وَاللِّسَان بِتَمَامِهِ ومشتبه النِّسْبَة وَتَخْرِيج الزَّاهِر وتلخيص مُسْند الفردوس والمقدمة وأماليه الحلبية والدمشقية وغالب فتح البارى وَتَخْرِيج المصابيح وَابْن الْحَاجِب الأَصْل وَتَعْلِيق التَّعْلِيق ومقدمة الْإِصَابَة وَجُمْلَة يطول تعدادها وَفِي بعضه مَا سَمعه أَكثر من مرّة وَلم يُفَارِقهُ إِلَى أَن مَاتَ وَأذن لَهُ فِي الاقراء والإفادة والتصنيف وتدوب بِهِ فِي معرفَة العالي والنازل والكشف عَن التراجم والمتون وَسَائِر الِاصْطِلَاح وَغير ذَلِك وجاب الْبِلَاد وجال وجد فِي الرحلة وارتجل إِلَى حلب ودمشق وَبَيت الْمُقَدّس والخليل ونابلس والرملة وحماه وبعلبك وحمص بِحَيْثُ أَن الَّذِي سمع عَنْهُم يكونُونَ قريب مائَة نفر بل زَاد عدد من أَخذ عَنهُ من الاعلى والدون والمساوي على ألف وَمِائَتَيْنِ والأماكن الَّتِي تحمل فِيهَا من الْبِلَاد والقرى على الثَّمَانِينَ وأجتمع لَهُ من المرويات بِالسَّمَاعِ وَالْقِرَاءَة مَا يفوق الْوَصْف وَهِي تتنوع انواعاً تنيف على الْعشْر حَسْبَمَا ذكره مُسْتَوْفِي فِي تَرْجَمته من تَارِيخه وَأَعْلَى مَا عِنْده من الْمَرْوِيّ مَا بَينه وَبَين الرَّسُول ﷺ بالسند المتماسكة فِيهِ عشرَة انفس واكثر مِنْهُ وَأَصَح مَا بَين شُيُوخه وَبَين النَّبِي ﷺ فِيهِ الْعدَد الْمَذْكُور واتصلت لَهُ الْكتب السِّتَّة وَكَذَا حَدِيث كل من الشَّافِعِي وَأحمد والدارمي بِثمَانِيَة وسائط وَفِي بعض الْكتب السِّتَّة كَأبي دَاوُد من طَرِيق آخر وأبواب فِي النَّسَائِيّ مَا هُوَ سَبْعَة بِتَقْدِيم الْمُهْملَة واتصل لَهُ حَدِيث مَالك وَأبي حنيفَة بِتِسْعَة بِتَقْدِيم الْمُثَنَّاة وَحج بعد وَفَاة شَيْخه ابْن حجر مَعَ وَالِديهِ وَلَقي جمَاعَة من الْعلمَاء فاخذ عَنْهُم كَأبي الْفَتْح الْأَغَر والبرهان الزمزمي والتقي بن فَهد وَأبي السعادات ابْن ظهيرة وخلائق ثمَّ زار الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة ملازماً للسماع وَالْقِرَاءَة والتخريج والإستفادة من الشُّيُوخ والأقران من غير فتور عَن ذَلِك وَلم يزل يجْتَهد فِي السماع ويرحل إِلَى الأقطار حَتَّى وصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ وَخَصه بعض شُيُوخه على عقد

стр. 16

مجْلِس الْإِمْلَاء فامتثل إِشَارَته فاملا حَتَّى اكمل تِسْعَة وَخمسين مَجْلِسا ثمَّ توجه إِلَى الْحَج فِي سنة سبعين فحج وجاور وَحدث هُنَاكَ بأَشْيَاء من تصانيفه وَغَيرهَا واقرأ ألفية الحَدِيث تقسيماً وغالب شرحها لناظمها والنخبة وَشَرحهَا واملأ مجَالِس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَلما رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَة شرع فِي املاء تَكْمِلَة تَخْرِيج شَيْخه للأذكار ثمَّ املاء تَخْرِيج اربعي النَّوَوِيّ ثمَّ غَيرهَا بِحَيْثُ بلغت مجَالِس الاملاء ستماية مجْلِس فَأكْثر وَكَذَا حج فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وجاور سنة سِتّ ثمَّ سنة سبع وَأقَام مِنْهَا ثَلَاثَة أشهر بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة ثمَّ فِي سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين وجاور سنة ثَلَاثَة ثمَّ سنة ارْبَعْ ثمَّ فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وجاور إِلَى أثْنَاء سنة ثَمَان فَتوجه إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة فَأَقَامَ بهَا شهرا وَصَامَ رَمَضَان بهَا ثمَّ عَاد فِي شوالها إِلَى مَكَّة وَمكث بهَا مَا شَاءَ الله ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة وجاور بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَحمل النَّاس من أهلهما والقادمين عَلَيْهِمَا عَنهُ الْكثير جدا رِوَايَة ودراية وحصلوا من تصانيفه مَعَ مُلَازمَة النَّاس فِي منزله للْقِرَاءَة دراية وَرِوَايَة فِي تصانيفه وَغَيرهَا بِحَيْثُ ختم عَلَيْهِ مَا يفوق الْوَصْف من ذَلِك وَأخذ عَنهُ من الْخَلَائق مَا لَا يُحْصى كَثْرَة وَشرع فِي التصنيف والتخريج قبيل الْخمسين وهلم جرا وتصانيفه إِلَيْهَا النِّهَايَة فِي الشَّهَادَة لَهُ لمزيد علوه وفخره وَمن تصانيفه فسح المغيث بشرح الفية الحَدِيث وَهُوَ مَعَ اختصاره فِي مُجَلد ضخم وسبك الْمَتْن فِيهِ على وَجه بديع لَا يعلم فِي هَذَا الْفَنّ اجْمَعْ مِنْهُ وَلَا أَكثر تَحْقِيقا لمن تدبره وتوضح لَهُ حَاذَى بِهِ الْمَتْن بِدُونِ الإفصاح والمقاصد الْحَسَنَة فِي بَيَان كثير من الْأَحَادِيث المشتهرة على الْأَلْسِنَة وَهُوَ كتاب جليل لم يسْبق إِلَى مثله مُفِيد فِي بَابه جدا وَالْقَوْل البديع فِي الصَّلَاة على الحبيب الشَّفِيع وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن والضوء اللامع لأهل الْقرن التَّاسِع يكون سِتّ مجلدات وعمدة المحتج فِي حكم الشطرنج والمنهل العذب الروي فِي تَرْجَمَة قطب الْأَوْلِيَاء للنووي والجواهر والدرر فِي تَرْجَمَة شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر فِي مُجَلد ضخم وَرُبمَا يكْتب فِي مجلدين والتاريخ الْمُحِيط وَهُوَ فِي نَحْو ثَلَاثمِائَة ورقة على حُرُوف المعجم لَا يعلم من سبقه إِلَيْهِ وتلخيص تَارِيخ الْيمن ومنتقى من تَارِيخ مَكَّة للفاسي

стр. 17

والفوائد الجلية فِي الْأَسْمَاء النَّبَوِيَّة وَالْفَخْر الْعلوِي فِي المولد النَّبَوِيّ وارتقاء الغرف بحب أقرباء الرَّسُول وَذَوي الشّرف والايناس بمناقب الْعَبَّاس ورجحان الكفة فِي بَين أهل الصّفة وَالْأَصْل الْأَصِيل فِي تَحْرِيم النَّقْل من التَّوْرَاة والانجيل وَالْقَوْل المتين فِي تَحْسِين الظَّن بالمخلوقين وَغير ذَلِك وقرض أَشْيَاء من تصانيفه غير وَاحِد من أَئِمَّة الْمَذْهَب كالحافظ ابْن حجر والجلال الْمحلي وَالْعلم البُلْقِينِيّ والشرف الْمَنَاوِيّ والتقي الحصني والعيني والكافياجي وتناقلها النَّاس إِلَى كثير من الْبلدَانِ والقرى وَكتب الأكابر بَعْضهَا بخطوطهم حَتَّى قَالَ بَعضهم إِن لم تكن التصانيف هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا فائد وَكَانَ شَيْخه شيخ الأسلام ابْن حجر يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وينوه بِذكرِهِ ويعترف بعلو فخره ويرجحه على سَائِر جماعته المنسوبين إِلَى الحَدِيث وصناعته وَكَانَ من دعواته لَهُ قَوْله وَالله المسؤول أَن يُعينهُ على الْوُصُول إِلَى الْحُصُول حَتَّى يتعجب السَّابِق من اللَّاحِق وَمِمَّا وَصفه بِهِ بعض الْحفاظ بعد كَلَام تقدم وَهُوَ وَالله بَقِيَّة من رَأَيْت من الْمَشَايِخ وَأَنا وَجَمِيع طلبة الحَدِيث بالبلاد الشامية والبلاد المصرية وَسَائِر بِلَاد الأسلام عِيَال عَلَيْهِ وَالله مَا أعلم فِي الْوُجُود لَهُ نظيراً وَقَالَ غَيره هُوَ الْآن من الافراد فِي علم الحَدِيث الَّذِي اشْتهر فِيهِ فَضله وَلَيْسَ بعد شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر فِيهِ مثله وَقَالَ غَيره وَاسِطَة عقدهَا من العقد الْإِجْمَاع على أَنه أَمْسَى كالجوهر الْفَرد وَأصْبح فِي وَجه الدَّهْر كالغرة حَتَّى صَارَت الْغرَر مَعَ جواهره كالذرة بل جواد جوده شهد لَهُ جَرَيَانه بِالسَّبقِ فِي ميدان الفرسان وَحكم لَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْفَرْع الَّذِي فاق أَصله البديع بالمعاني فَلَا حَاجَة للْبَيَان أَضَاء هَذَا الشَّمْس فاختفت مِنْهُ كواكب الدراري كَيفَ لَا وَقد جاده الْفَيْض بِفَتْح الْبَارِي فَهُوَ نخبة الْعَصْر والدهر وَعين القلادة فِي طبقَة الْجُود لِأَنَّهُ عين السخاء وَزِيَادَة فبدايته إِلَيْهَا النِّهَايَة ومنهاجه أوضح طرق إِلَى الْغَايَة وهوالخادم للسّنة الشَّرِيفَة وَالْحَاوِي لمحاسن

стр. 18

الِاصْطِلَاح والنكت المنيفة فبهجته زهت بروضها وروضته زهت ببهجتها وَقَالَ آخر هُوَ الَّذِي انْعَقَد على تفرده بِالْحَدِيثِ النَّبَوِيّ الاجماع وانه فِي كَثْرَة اطِّلَاعه وتحقيقه لفتوته بلغ مَا لَا يُسْتَطَاع ودونت تصانيفه واشتهرت وَثبتت سيادته فِي هَذَا الْفَنّ النفيس وتقررت وَلم يُخَالف أحد من الْعُقَلَاء فِي جلالته ووفور ثقته وديانته وأمانته بل صَرَّحُوا بأجمعهم بِأَنَّهُ هُوَ المرجوع إِلَيْهِ فِي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح والتحسين والتصحيح بعد شَيْخه شيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام ابْن حجر حَامِل راية الْعُلُوم والأثر وَقَالَ آخر لقد أَجَاد النَّقْل من كَلَامي الله وَرَسُوله الْقَدِيم والْحَدِيث وسارت بفضله الركْبَان وبالغت فِي السّير الحثيث ومدحه آخر بِهَذِهِ الأبيات وَهِي ... يَا سيداً أضحى فريد زَمَانه ... وَدَلِيل مَا قد قلته الاجماع عِنْدِي حَدِيث مُسْند ومسلسل ... نرويه بالاتقان لَا الوضاع مَا فِي الزَّمَان سواك يلقى عَالما ... صحت بِذَاكَ اجازة وَسَمَاع الْخَيْر فِيك تَوَاتَرَتْ أخباره ... وَهُوَ الصَّحِيح وَلَيْسَ فِيهِ نزاع يَا من إِذا مَا قد أَتَاهُ ممرض ... يشكو زَوَال الضّر والأوجاع ... ورئي بعد مَوته على هَيْئَة حَسَنَة فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ حاسبني وَغفر لي وحشرني مَعَ الْعلمَاء وترجمته فِي تَارِيخه ثَلَاثَة كراريس على الْقطع الْكَامِل قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ عقب تِلْكَ التَّرْجَمَة إِن شَيخنَا صَاحب التَّرْجَمَة حقيق بِمَا ذكره لنَفسِهِ من الْأَوْصَاف الْحَسَنَة وَلَقَد وَالله الْعَظِيم لم أر فِي الْحفاظ الْمُتَأَخِّرين مثله وَيعلم ذَلِك كل من اطلع على مؤلفاته أَو شَاهده وَهُوَ عَارِف فَقِيه منصف فِي تراجمه ورحم الله جدي حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمته إِنَّه انْفَرد بفنه فطار اسْمه فِي الْآفَاق وَكَثُرت مصنفاته فِيهِ وَفِي غَيره طَار صيته شرقاً وغرباً شاماً ويمناً وَلَا أعلم الْآن من يعرف عُلُوم الحَدِيث مثله وَلَا أَكثر تصنيفاً وَلَا أحسن وَلذَلِك أَخذهَا عَنهُ عُلَمَاء الْآفَاق من الْمَشَايِخ والطلبة والرفاق وَله الْيَد

стр. 19

الطُّولى فِي الْمعرفَة بالعلل وَأَسْمَاء الرِّجَال وأحوال الروَاة وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِلَيْهِ يشار فِي ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ بعض الْعلمَاء لم يَأْتِ بعد الْحَافِظ الذَّهَبِيّ أحد سلك هَذِه المسالك وَلَقَد مَاتَ فن الحَدِيث من بعده وأسف النَّاس على فَقده وَلم يخلق بعده مثله انْتهى وَولي تدريس الحَدِيث فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة وَعرض عَلَيْهِ قَضَاء مصر فَلم يقبله رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا فِي شهر ذِي الْقعدَة توفّي الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد المقبول بن أبي بكر الزَّيْلَعِيّ صَاحب قَرْيَة اللِّحْيَة نفع الله بِهِ وفيهَا أَمر السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب بتقييد رَئِيس الأسماعيلية سُلَيْمَان بن حسن بِمَدِينَة تعز واودعه دَار الْأَدَب وَكَانَ يتحدث بِمَا لَا يعنيه من المغيبات المستقبلات وَكَانَ عَالم الإسماعيلية وَأمر بإحضار كتبه واتلافها فأتلفت وَالْحَمْد لله سنة ثَلَاث بعد التسْعمائَة ٩٠٣ هـ وَفِي ربيع الأول توفّي الْعَالم الْعَارِف بِاللَّه الْجَلِيل الرباني مُحَمَّد بن أَحْمد باجرفيل الدوعاني ﵀ بغيل أبي وَزِير من أَعمال الشحن وجرفيل بجيم ثمَّ رَاء ثمَّ فَاء وَكَانَ مولده فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر ربيع الأول سنة عشْرين بعد الثَّمَانمِائَة غلب عَلَيْهِ التصوف فَخَاضَ غماره وحقق أسراره وَصَارَ من كبار مَشَايِخ الطَّرِيقَة واعلام رجال أَئِمَّة الْحَقِيقَة يقْتَدى بآثاره ويهتدى بأنواره وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ لم أصحب مَعَ كَثْرَة من صحبته من العارفين بِاللَّه مِثَال الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر فلازمته أَرْبَعَة أشهر على أَن يَقُول لي أَنْت منا أهل الْبَيْت كَمَا قَالَ ذَلِك النَّبِي ﷺ لسلمان الْفَارِسِي ﵁ فَلم يجبني إِلَى ذَلِك فَلَمَّا ألححت عَلَيْهِ وَتحقّق صدق ودي ومحبتي لأهل الْبَيْت فَقَالَ يَا فَقِيه إِن الدّين النَّصِيحَة لَا يجيبك إِلَى مقصودك هَذَا إِلَّا الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الله فَإِنَّهُ القطب الْوَارِث للقطبية من صغره بعد موت أَبِيه الشَّيْخ عبد الله بن أبي بكر وَنحن نكتب لَك إِلَيْهِ أَن يجيبك إِلَى مرادك قَالَ وَالشَّيْخ أَبُو بكر يَوْمئِذٍ بِالْيمن فَكتب الشَّيْخ عَليّ إِلَيْهِ وكتبت أَنا أَيْضا إِلَيْهِ فَأَتَانَا مِنْهُ بِحَمْد الله الْجَواب بِالْقَصْدِ وَالْمرَاد

стр. 20

قَالَ الْعَلامَة بحرق وَلَقَد كنت اسْتشْكل أَشْيَاء تصدر من سيد الشَّيْخ أبي بكر العيدروسي قدس الله روحه تقصر عَنهُ عقول أمثالنا القاصرة وَلَكِنِّي كنت بِتَوْفِيق الله أعرضها على أَرْبَاب البصائر فَمَا مِنْهُم إِلَّا ويأمرني بِالتَّسْلِيمِ وَيشْهد عِنْدِي بعلو مقَام سَيِّدي وانه على هدى من ربه الْعَلِيم مِنْهَا أَنِّي عرضت على الْفَقِيه مُحَمَّد بن أَحْمد باجرفيل تَصَرُّفَات مَالِيَّة يُبَاشر سَيِّدي فِي قبضهَا وصرفها فِي ظَاهر الْأَمر فِي غير مصارفها فَقَالَ لي أَنا أشهد أَنه أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَالِك للتولية والعزل والحل وَالْعقد والتصرفات كلهَا وَأشْهد أَنه أفضل أهل الأَرْض ظَاهرا وَبَاطنا فَقلت لَهُ أما الْبَاطِن فبصائرنا عَنهُ قَاصِرَة وَأما الظَّاهِر فَمَا وَجهه فَقَالَ وَجهه أَن أهل الْبَيْت أفضل من سَائِر النَّاس وَآل باعلوي الْيَوْم أفضل من سَائِر أهل الْبَيْت باتبَاعهمْ السّنة وَلما اشْتهر لَهُم من الْعِبَادَة والزهادة وَالْكَرم وَحسن الْأَخْلَاق وَالشَّيْخ أَبُو بكر أفضل آل باعلوي بالِاتِّفَاقِ فَهُوَ أفضل أهل زَمَانه وفيهَا فِي يَوْم السبت خَامِس عشر شَوَّال توفّي الْفَقِيه الْمنور الْمُتَّفق على جلالة قدره علما وَعَملا وورعاً جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الشهير بِابْن عَليّ أَبَا فضل السَّعْدِيّ نِسْبَة إِلَى سعد الْعَشِيرَة الْحَضْرَمِيّ ثمَّ الْعَدنِي ﵀ بعدن وحزن النَّاس عَلَيْهِ وَكثر تأسفهم على فَقده ﵀ وَكَانَ مولده فِي حضر موت بتريم سنة أَرْبَعِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ ارتحل فِي طلب الْعلم إِلَى عدن وَأخذ عَن الامامين الفاضلين مُحَمَّد بن مَسْعُود باشكيل وَمُحَمّد بن أَحْمد باحميش وجد فِي الطّلب ودأب حَتَّى برع فِي الْعُلُوم وانتصب للتدريس وَالْفَتْوَى وَصَارَ من أَعْلَام الدّين وَالتَّقوى وَكَانَ إِمَامًا كَبِيرا عَالما عَاملا محققاً ورعاً زاهداً مُجْتَهدا عابداً مُقبلا على شانه تَارِكًا لما لَا يعنيه ذَا مقامات وأحوال وكرامات وَكَانَ حسن التَّعْلِيم لين الْجَانِب متواضعاً صبوراً مثابراً على السّنة مُعظما لأهل الْعلم وَكَانَ هُوَ وَصَاحبه الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد بامحزمه عُمْدَة الْفَتْوَى بعدن وَكَانَ بَينهمَا من التوادد والتناصف مَا هُوَ مَشْهُور

стр. 21

حَتَّى كَأَنَّهُمَا روحان فِي جَسَد وَكَانَ يعظم الشَّيْخ أَبَا بكر العيدروسي قَالَ الْعَلامَة بحرق كَانَ سَيِّدي الشَّيْخ أَبُو بكر قدس الله روحه إِذا قدم من بعض أَسْفَاره من الْجبَال إِلَى عدن قدم قبله قَاصِدا يعلم أكَابِر النَّاس بقدومه يَوْم كَذَا وَيَأْمُرهُمْ بِالْخرُوجِ لملاقاته فَقلت للفقيه مُحَمَّد ابْن أَحْمد بَافضل لأي شَيْء يفعل الشَّيْخ هَذَا فَقَالَ ليوصل النَّاس إِلَى رَحْمَة الله ويوصل رَحْمَة الله إِلَيْهِم بِالنّظرِ إِلَيْهِ والحضور بَين يَدَيْهِ وَلَو لَحْظَة وَاحِدَة ثمَّ يخرج يتلقاه مَعَ النَّاس وَكَانَ كثير السَّعْي فِي حوائج الْمُسلمين عِنْد الْمُلُوك وَغَيرهم وَكَانَ محبباً للنَّاس مُعْتَقدًا عِنْد الْخَاص وَالْعَام مُعظما عِنْد الْمُلُوك والأمراء لَا تكَاد ترد لَهُ شَفَاعَة وَكَانَ الشَّيْخ عَامر بن عبد الْوَهَّاب كثير التَّعْظِيم لَهُ وَبِالْجُمْلَةِ فمناقبه وفضائله ومحاسنه أَكثر من أَن تحصر وَأشهر من أَن تذكر وأفرد لَهُ وَلَده الْفَقِيه عبيد الله تَرْجَمَة وَهَذِه القصيدة الْمُسَمَّاة بالوابل الصيب والنرجس الطّيب نظم سيدنَا ومولانا الشريف الْوَلِيّ الصَّالح سراج الدّين عمر بن عبد الرَّحْمَن أَبَا علوي المقبور بتعز فِي السَّيِّد الإِمَام شيخ الْإِسْلَام أوحد الْعلمَاء الْأَعْلَام جمال الدُّنْيَا وَالدّين مُحَمَّد بن أَحْمد أبي الْفضل رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما وبعلومهما وَأعَاد علينا من أسرارهما ومعارفهما آمين آمين وَهِي هَذِه القصيدة ... إِلَى الله أَشْكُو حر نيران فرقة ... لَهَا فِي فُؤَادِي مثل طعن الذوابل وأسأله جمعا بوصل محجب ... عَن الْجَاهِلين الغافلين الأسافل عَسى بعد هَذَا الْبعد يجمع شملنا ... بِهِ رَبنَا معطي منا كل آمل سقا الله أوقاتاً لنا فِي ربوعهم ... إِذا أخطرت بالبال هَاجَتْ بلابلي وَزَاد اشتياقي للحبيب وقربه ... وَأنْشد لَا أخْشَى ملام العواذل سَلام على شخص بِهِ عدن زهت ... أَبَا فضل الْمَشْهُور زين الشَّمَائِل جمال لدين الله خَادِم شَرعه ... دَلِيل طَرِيق الله بدر المحافل نواوي هَذَا الْوَقْت شمس زَمَانه ... بهي الْمحيا جَامع للفضائل حبيب محب للْمَسَاكِين مؤنس ... ومقمعة للظالمين الاراذل فَعَن مُنكر ناه وبالعرف آمُر ... لكل وَلَا يخْشَى عناة الْقَبَائِل حَلِيم سليم دَائِم الْبشر وَالرِّضَا ... صبور وقور عِنْد وَقع النَّوَازِل ...

стр. 22

.. لَهُ منظر بِالْقَلْبِ يعلق فهمه ... وَلَو كَانَ فدما أبكماغير عَاقل وتدريسه فِي كل فن مؤسس ... بتعليله يَا صَاحِبي والدلائل ويرفق بالقارئ البليد كَأَنَّهُ ... لَهُ أم ثدي مشفقاً بالمسائل فيهنا جرام الشوك مَسْكَنه بِهِ ... وتدريسه يَا لَيْت ثمَّ منازلي لأنظره فِي كل يَوْم وَلَيْلَة ... وأسأله عَن كل حق وباطل فنظرته تسلي الهموم جَمِيعهَا ... ولفظته غيث لمصغ بقائل حبا الله ذَاك الْوَجْه نورا وبهجة ... جمالاً وعقلاً ظَاهرا غير خامل كبحر خضم فِي الْعُلُوم قد أمتلى ... وفاض على الجبنات فَوق السواحل فَإِن شِئْت تَفْسِيرا لَهُ اسال فَإِنَّهُ ... كمعدن تبر مَاله من معادل وَإِن شِئْت فِي علم الحَدِيث لَقيته ... ككنز لَهُ خَافَ عَن السَّهْو عاطل وَإِن شِئْت فِي فقه الإِمَام بن شافعٍ ... ترَاهُ كليث فِي المعارك جائل نعم أَو كبستان حوى كل طيب ... وَفِيه بيُوت عاليات الْمنَازل وَإِن شِئْت فِي علم التصوف والصفا ... ترَاهُ إِمَامًا عَارِفًا غير جَاهِل أديباً لبيباً قانعاً متواضعاً ... عَن الذّكر للرحمن لَيْسَ بغافل وَإِن شِئْت فِي علم اللُّغَات وَنَحْوهَا ... وتصريفها أَيْضا وكل الْوَسَائِل كعلم الْمعَانِي وَالْبَيَان وَغَيرهَا ... ترَاهُ لَهَا أَهلا شفا كل سَائل فيا من يُرِيد الْعلم فارحل وَلَا تقف ... إِلَى عَالم بِالْعلمِ لله عَامل هُوَ الشَّيْخ والأستاذ والنور وَالْهدى ... وَخير مُجيب عَن جَمِيع الْمسَائِل إمامي وأستاذي وشيخي وسيدي ... ومحبوب قلبِي صَادِقا غير هازل فيا لائمي خل الملام فانني ... حببت وحيداً مَا لَهُ من مماثل تفكر بقلب منصف هَل ترى ... لَهُ شَبِيها فَإِن لم تلقه لَا تجَادل غزير الحيا كل الحجا حَاز والصفا ... مليح الحلا شيخ الشُّيُوخ الأفاضل إِذا مَا أَتَت مِنْهُ إِلَيْنَا رسائل ... فَللَّه رَبِّي درها من رسائل تفرج أحزاناً وَتكشف كربَة ... وتجذب أحوالاً حوالي المناهل إِمَام لَهُ خلق حميد وسيرة ... سمت فاق بالأوصاف كل الأماثل زكي تَقِيّ مخلص صَادِق صفا ... من الْغِشّ والبغضاء وكل الدغائل وَكم من محامد لَيْسَ تحصى قصيدتي ... لَهُ يَا أخي زَادَت على قَول قائلي واستغفر الله الْعَظِيم من الخطا ... وَمن جمح الاهوى وكل الرذائل ...

стр. 23

.. وتمت بِحَمْد الله رَبِّي وعونه ... وَصلى آلهي فِي الضُّحَى والاصائل وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا ودائما ... على الْمُصْطَفى الْمُخْتَار لِلْحسنِ كَامِل ... وَله تصانيف نافعة مِنْهَا مُخْتَصر الْأَنْوَار الْمُسَمّى نور الْأَبْصَار وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وكأنما عناه المتنبي بقوله ... فَجَاءَت بِنَا إِنْسَان عين زَمَانه ... وخلت بَيَاضًا خلفهَا واماقيا ... وَشرح تراجم البُخَارِيّ وَاخْتصرَ قَوَاعِد الزَّرْكَشِيّ وَشَرحه وَكتاب الْعدة وَالسِّلَاح لمتولي عُقُود النِّكَاح وَهُوَ مَشْهُور انْتفع بِهِ النَّاس وَشرح الْمدْخل وَشرح البرماوية وَغير ذَلِك من الْكتب النافعة فِي فنون مُتعَدِّدَة وَمن شعره ... إِن العيادة يَوْمًا بَين يَوْمَيْنِ ... واجلس قَلِيلا كلحظ الْعين بِالْعينِ لَا تبر من مَرِيضا فِي مسائلة ... يَكْفِيك من ذَاك تسآل بحرفين ... وفيهَا فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سلخ ذِي الْعقْدَة الْحَرَام توفّي الشريف الْفَقِيه الصُّوفِي الأديب الْحَافِظ الْمُحدث البارع فِي أشتات الْعُلُوم بدر الدّين الْحُسَيْن ابْن الصّديق بن الْحُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأهدل قدس الله أَرْوَاحهم ببندر عدن وَدفن بهَا وَكَانَ مولده فِي ربيع الثَّانِي سنة خمس وَثَمَانمِائَة بِأَبْيَات حُسَيْن وَنَشَأ بهَا بنواحيها واشتغل بهَا فِي الْفِقْه على الفقيهين أبي بكر ابْن قعيص وَأبي الْقسم ابْن عمر بن مطير وَغَيرهمَا وَفِي النَّحْو على أَولهمَا وَغَيره ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد المراوغة واشتغل بهَا على الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن أبي الْقسم جعمان وَغَيره ثمَّ دخل زبيد فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ فاشتغل بهَا فِي الْفِقْه على عمر الْفَتى وَغَيره وَفِي الْأَدَب على بن الزين الشرجي ثمَّ حج سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وجاور الَّتِي تَلِيهَا وَحضر مجَالِس الْبُرْهَان والمجيوى قاضيها وَأذن لَهُ الْبُرْهَان وَغَيره وزار النَّبِي ﷺ وَسمع بهَا من أبي الْفرج المراغي ثمَّ عَاد لبلاده وَأخذ عَن يحيى العامري وَبحث عَلَيْهِ الْمِنْهَاج ذكره السخاوي فِي ضوئه قَالَ ولازمني فِي الْمُجَاورَة الثَّالِثَة بِمَكَّة فَقَرَأَ عَليّ أَشْيَاء من تصانيفي بعد أَن كتبهَا بِخَطِّهِ وَكَذَا سمع من لَفْظِي وَعلي أَشْيَاء قَالَ وَهُوَ فَاضل بارع فِي فنون ناظم مُفِيد حسن الْقِرَاءَة

стр. 24

والضبط لطيف الْعشْرَة متودد قَانِع عفيف اقرا الطّلبَة بناحيته وَقَرَأَ الحَدِيث على الْعَامَّة سِيمَا القَوْل البديع وَنَحْوه مدحني بقصيدة انشدنيها بِحَضْرَة الْجَمَاعَة وكتبت لَهُ إجَازَة حافلة وَرَأَيْت النَّجْم بن فَهد كتب عَنهُ من نظمه كثيرا وترجمة انْتهى وَذكره الْعَلامَة بحرق فِي كِتَابه موهب القدوس فِي مَنَاقِب ابْن العيدروس وَقَالَ إِنِّي قلت مرّة لَهُ إِن أَحْوَال سَيِّدي الشَّيْخ أبي بكر اشكلت علينا فَقَالَ دعها تَحت حجابها مستورة بسحابها فَلَو أشرقت شمسه لأحرقت الْوُجُود كُله أما تَرَانَا نقف على أبوابه ونكتفي بتقبيل أعتابه قَالَ وَهَكَذَا كَانَ ﵀ يقبل العتبة وينصرف وَرَأَيْت كَأَنَّهُ ورد عَلَيْهِ مرّة حَال فَأخذ بيَدي وَهُوَ كالذاهل فَقَالَ لي تُرِيدُ أَن أُريك القطب فَقلت نعم فَمشى حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى سَيِّدي الشَّيْخ أبي بكر فَقَالَ هَذَا هُوَ القطب وَانْصَرف وَلم يلبث أَن امتدح سَيِّدي الشَّيْخ بقصيدته الَّتِي أَولهَا من الحسان الخرد قد صادني غرير يَرْمِي بقوس حَاجِب وأنشده اياها فَلَمَّا بلغ المنشد قَوْله يَا عيدروس الْأَوْلِيَاء يَا حايز الْكَمَال القطب أَنْت الْأَكْمَل كَانَ الشريف الْحُسَيْن ينظر اليّ ثمَّ يُشِير بِيَدِهِ إِلَى سَيِّدي الشَّيْخ وَيَقُول القطب أَنْت الْأَكْمَل القطب أَنْت الْأَكْمَل يكررها ليحقق مَا كَانَ قَالَه لي فِي الْمَنَام فِي حَالَة ذُهُوله وَمن شعره ... يَا سَيِّدي يَا الهي ... إِن لم تكن لي فَمن لي أَنْت الْعَلِيم بحالي ... فارنم بعزك ذلي ... وَمِنْه ... أما لهَذَا الْهم من مُنْتَهى ... اما لهَذَا الْحزن من آخر أما لهَذَا الضّيق من فارج ... اما لناب الْخطب من كاشر أما لهَذَا الْعسر من دافعٍ ... باليسر عَن هَذَا الشجى العاثر بلَى بلَى مهلا فَكُن واثقاً ... بِالْوَاحِدِ الْفَرد العلى الْقَادِر ... وَمِنْه هَذِه الْوَسِيلَة الْعَظِيمَة وَهِي ... يَا رَسُول الله عوناً مدد ... أَنْتُم الْوَالِد وَالْعَبْد ولد ...

стр. 25

.. يَا رَسُول الله فِي جاهك مَا ... يبلغ القاصد أقْصَى مَا قصد يَا رَسُول الله مَا لي عتد ... غير حبك وَيَا نعم العتد يَا رَسُول الله قوم أودى ... فلكم قومت بِالدّينِ أود يَا رَسُول الله هَل من نظرة ... تصلح الْقلب سَرِيعا والجسد يَا رَسُول الله هَل من جذبة ... تجذب العَبْد إِلَى النهج الجدد يَا رَسُول الله هَل من عطفة ... تعطف العَبْد إِلَى طرق الرشد يَا رَسُول الله هَل من نفحة ... مِنْك تَأتي وَمن الْفَرد الصَّمد يَا رَسُول الله كن لي شافعاً ... أَنْت وَالله شَفِيع لَا ترد يَا رَسُول الله هَل تسمعني ... أَي وربي تسمع القَوْل مقد أَنا بِاللَّه وبالوجه الَّذِي ... قَالَ ذُو الْعَرْش لَهُ أَسجد فَسجدَ سيد الرُّسُل ختام الْأَنْبِيَاء ... صَاحب السَّجْدَة وَالْقَوْل الْأسد أصل مبدأ الْكَوْن بل غَايَته ... حجَّة الله على كل أحد رَحْمَة الله الَّتِي عَم بهَا ... كل مَخْلُوق على بر الْأَبَد صفوة الله من الْخلق مَعًا ... فَهُوَ الْجَوْهَر والخلق زبد الَّذِي قد خصّه الله بِمَا ... يعجز الْعد فَلَا يُحْصى عدد كلما فِي الْأَنْبِيَاء من شرف ... ضم فِيهِ بعد أَن كَانَ بدد وَلَقَد زيد عَلَيْهِم شرفاً ... واختصاصات بمعناها انْفَرد من ليَوْم الْجمع إِلَّا أَحْمد ... يَوْم لَا وَالِد يُغني عَن ولد ينقذ النَّاس بسجدات لَهُ ... من هموم وكروب وشدد يَا مجلي الكرب السود أغث ... مَا رآك الكرب إِلَّا وشرد يَا مليح الْوَجْه يَا خير الورى ... أَنْت بعد الله نعم الْمُعْتَمد يَا عَظِيم الجاه وَالْفضل وَيَا ... أكْرم الْخلق إِلَيْك الْمُسْتَند مدحتي نَحْوك قد أَهْدَيْتهَا ... فاجرني بِقبُول ومدد واسأل الرَّحْمَن لي من فَضله ... الْعَفو والغفران والرزق الرغد رب جنبنا بجاه الْمُصْطَفى ... كل كد وبلاء ونكد وأقض حاجاتي واصلح عَمَلي ... وَاخْتِمْ الْعُمر بِخَير إِن نفد وكذاك الْآل وَالْأَصْحَاب من ... قد دنا مِنْهُم إِلَيْنَا وابتعد وَصَلَاة الله مَعَ تَسْلِيمه ... لرَسُول الله من غير أمد وكذاك الْآل وَالْأَصْحَاب من ... قَامَ للدّين بنصر واجتهد ...

стр. 26

.. بِبَقَاء الله تبقى وعَلى الآ ... ل والصحب فهم آل الرشد بِبَقَاء الله تبقى دَائِما ... وعَلى الْآل فهم آل الرشد ... قلت وَلَعَلَّه يُشِير بقوله ... يَا رَسُول الله هَل تسمعني ... أَي وربي تسمع القَوْل وَقد ... إِلَى أَنه ﷺ تبلغه صَلَاة الْمُصَلِّين عَلَيْهِ ومدح المادحين لجنابه الْعلي للأحاديث الصَّحِيحَة كَقَوْلِه ﷺ ﴿مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي حَتَّى أرد ﵇﴾ وَكَقَوْلِه ﷺ ﴿إِن الله وكل بقبري ملكا أعطَاهُ اسماء الْخَلَائق فَلَا يُصَلِّي على أحد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا بَلغنِي باسمه وَاسم أَبِيه هَذَا فلَان بن فلَان قد صلى عَلَيْك وَقد يتشرف بعض الْأَوْلِيَاء فَيسمع الْجَواب من النَّبِي ﷺ كَمَا وَقع للناظم ﵀ من أَنه لما زار النَّبِي ﷺ ووقف على الْقَبْر الشريف وَأنْشد قصيدة يَقُول فِيهَا ... إِن قيل زرتم بِمَا رجعتم ... يَا سيد الرُّسُل مَا نقُول ... فَسمع الْجَواب من الْحُجْرَة الشَّرِيفَة ... قُولُوا رَجعْنَا بِكُل فضل ... وَاجْتمعَ الْفَرْع وَالْأُصُول ... وفيهَا فِي يَوْم السبت حادي عشْرين الْمحرم توفّي الإِمَام الْعَلامَة مفتي مَدِينَة عدن ومدرسها وخاتمة الْعلمَاء بهَا صَاحب الْفَتَاوَى المفيدة والتصانيف العديدة الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم أَبَا محزمه الْحِمْيَرِي الشَّيْبَانِيّ الهجراني الْحَضْرَمِيّ الْعَدنِي الشَّافِعِي بعدن وَدفن قَرِيبا من قبر شَيْخه أبي شكيل دَاخل قبَّة الشَّيْخ جَوْهَر فِي الْقَبْر الَّذِي دفن فِيهِ شيخ مَشَايِخ الْإِسْلَام مفتي الْيمن القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد ابْن سعيد ابْن الطَّبَرِيّ وَكَانَ مولده لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر رَجَب سنة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة بالهجرين وَحفظ الْقُرْآن بهَا ثمَّ ارتحل لطلب الْعلم إِلَى عدن وتفقه بالإمامين مُحَمَّد بن مَسْعُود أَبَا شكيل وَمُحَمّد بن أَحْمد أَبَا حميش وأجتهد فِي الطّلب ودأب وواكب على الِاشْتِغَال لَيْلًا وَنَهَارًا

стр. 27

وَكَانَ فَقِيرا لَا يملك شَيْئا وقاسى فِي أَيَّام طلبه من الْجُوع والمكابدة مَا هُوَ مَشْهُور عَنهُ وبرع فِي سَائِر الْعُلُوم وحقق الْفُنُون وساد الاقران وسارت بفضله الركْبَان وَوَقع على تقدمه الاجماع وابتهجت بِذكرِهِ النواظر والأسماع وَصَارَ عُمْدَة يرجع إِلَى قَوْله وفتواه فِي زمَان مشايخه فَلَمَّا رأى شَيْخه أَبُو شكيل مَا آل إِلَيْهِ أمره اغتبط بِهِ وأحبه وخطبه لنكاح أبنته وزوجه اياها ورزق مِنْهَا أَوْلَادًا فضلاء نجباء سَيَأْتِي ذكر بَعضهم وَكَانَ عَالما بالفقه والأصلين والفرائض والحساب وَالتَّفْسِير والْحَدِيث والنحو والتصريف واللغة وَعلم الْمعَانِي وَالْبَيَان والهيئة والفلك وَغَيرهَا من الْعُلُوم الْمَشْهُورَة والفنون الْمَذْكُورَة وَكَانَ من الْعُلُوم بِحَيْثُ يقْضى لَهُ فِي كل فن بِالْجَمِيعِ وَكَانَ مهاباً حَتَّى أَن الْعَلامَة الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن عبسين كَانَ يَقُول اني لَا أَخَاف وَلَا أهاب أحدا من الْعلمَاء إِلَّا الْفَقِيه عبد الله أَبَا محزمه فَأَنِّي أكاد أرعد من هيبته وَكَانَ الْمُلُوك فِي زَمَانه يخضعون لَهُ ويخافونه وَكَانَ آمراً بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر لَا يُرَاعِي أحدا فِي دين الله وَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم وَكَانَ صَاحبه الإِمَام الْوَلِيّ جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل كثير التعضيم لَهُ وَبَلغنِي أَن الْفَقِيه ﵀ سُئِلَ أَي أعلم أَنْت أم الْفَقِيه مُحَمَّد فَقَالَ أَنا أعلم مِنْهُ وَهُوَ أورع مني أَو قَالَ ادين مني وَكَانَ الشَّيْخ عَليّ بن طَاهِر أول مُلُوك الْيمن من بني طَاهِر كثير التَّعْظِيم لَهُ والاغتباط بِهِ والامتثال لأَمره والانقياد لَهُ والتأدب مَعَه وَلم يزل بِهِ حَتَّى ولاه الْقَضَاء بعد على كره مِنْهُ بعد أَن شَرط عَلَيْهِ شُرُوطًا وفى لَهُ بهَا فباشر الْوَظِيفَة بنزاهة تَامَّة وصدع بِالْحَقِّ وَإِقَامَة الْعدْل واجتهاد فِي إِيصَال الْحُقُوق واغلاظ للظلمة من الْأُمَرَاء والوزراء وَغَيرهم وقمعهم عَن الظُّلم وتحكيم الشَّرْع فيهم فَمَكثَ على ذَلِك نَحْو سنتَيْن أَو سنة وَنصف ثمَّ هرب من الْبَلَد على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَركب الْبَحْر إِلَى الشحر ثمَّ إِلَى بَلَده الهجرين فِرَارًا من الْقَضَاء وحذراً من فتنته فعفاه السُّلْطَان مِنْهُ وعول عَلَيْهِ فِي الرُّجُوع مكرماً من غير قَضَاء فَرجع

стр. 28

ذكره السخاوي فِي تَارِيخه قَالَ وَكَانَ برع فِي الْفِقْه وأصوله والعربية والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَ من شُيُوخه فِي الْفِقْه أَبَا حميش وَفِي غَيره أَبَا شكيل مُحَمَّد بن مَسْعُود قَاضِي عدن وَغَيرهم كابي هُرْمُز الْحَضْرَمِيّ وَهُوَ من أصلح شُيُوخه قلت وَلبس مِنْهُ خرقَة التصوف قَالَ ودرس وَأفْتى وكلفه عَليّ بن ظَاهر قَضَاء عدن فدام قريب أَرْبَعَة أشهر ثمَّ ترك وَتوجه لنفع الطّلبَة خَاصَّة مَعَ علو همة وَشرف نفس وَعمل على جَامع المختصرات نكتاً فِي مجلدة وَكَذَا على الفية النَّحْو فِي كراريس مفيدة وَشرح الملحة للحريري شرحاً حسنا ولخص شرح ابْن الهايم على هايميته إِلَى غير ذَلِك مثل الرسائل فِي علم الهندسة وَغَيرهَا وفتاواه مجيدة وَعبارَته محكمَة انْتهى كَلَام السخاوي وَله كتاب الفتاوي وَهُوَ كتاب جليل عَظِيم الْفَائِدَة وَمِمَّنْ تخرج بِهِ من الْأَئِمَّة الْأَعْيَان الْفَقِيه الْعَلامَة الصَّالح عفيف الدّين عبد الله بن عبد الرَّحْمَن فضل الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاج وَالْإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عمر أَبَا قضام والفقيه الْعَلامَة عُثْمَان بن مُحَمَّد العمودي وَالْقَاضِي الإِمَام البارع مُحَمَّد بن عمر بحرق وَرَأَيْت بِخَط الْفَقِيه عبد الله بن الْحَاج فضل ﵀ فِي آخر جَوَاب لَهُ على مَسْأَلَة اخْتلف فِيهَا فُقَهَاء عصره مَا لَفظه وَقد افتى بذلك سيدنَا وَشَيخنَا الْفَقِيه الْعَلامَة عبد الله بن أَحْمد محزمه ﵀ وَأَخذه من مُقْتَضى كَلَام الْأَصْحَاب وَهُوَ أَحَق من أَن يُقَلّد انْتهى بِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ بَقِيَّة الْعلمَاء العاملين لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي زَمَانه وَلم يخلفه بعده مثله رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ بعض الْأَوْلِيَاء يَقُول فِي حَقه إِنَّه من الْأَرْبَعَة الْأَوْتَاد الَّذين يحفظ الله بهم الْبِلَاد والعباد ويغيث بهم الْحَاضِر والباد وَكَانَ ﵀ يَقُول عمري سَبْعُونَ سنة فَكَانَ كَذَلِك وَمن أَوْلَاده الْفَقِيه الصُّوفِي عمر وَكَانَ تصوف بعد أَن برع فِي الْعلم وَكَانَ شَيْخه فِي التصوف الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أَبَا هُرْمُز وَله مَعَه حِكَايَة طَوِيلَة وَمن شعره ... اعط الْمَعِيَّة حَقّهَا ... واحفظ لَهُ حسن الْأَدَب ...

стр. 29

.. وَاعْلَم بأنك عَبده ... فِي كل حَال وَهُوَ رب ... ونظمه كثير جدا فَهُوَ مُشْتَمل على كثير من اشارات الصُّوفِيَّة واصطلاحاتهم ومسائلهم الدقيقة وَعَلِيهِ حلاوة وَفِيه طلاوة ولاجل هَذَا يحفظه أهل تِلْكَ الْجِهَة كثيرا ويتمثلون بِهِ ويستعملونه غَالِبا فِي مغانيهم ويعتنون بِهِ أَشد الْعِنَايَة حَتَّى الْعَوام وَهُوَ سَلس الْأَلْفَاظ قريب الْمعَانِي يفهمهُ كل أحد بِحَسب حَاله فِي الْمحبَّة المجازية وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُشْتَمل على كثير من الْأَمْثَال المتداولة بَينهم وَمِنْه هَذِه الْوَسِيلَة الْعَظِيمَة الَّتِي اشْتَمَلت على ذكر كثير من اولياء الله ﵃ وَهِي ... يارب بالشيخ الْجُنَيْد وخاله ... وشقيق والشبلي وشهرة حَاله وحبِيب العجمي وَدَاوُد فَتى ... طي وبصري وَطيب وصاله وبتستري الدَّار سهل وَمَا سرى ... بسراه فِي الاسرار من سلساله وبزهد ابراهيم صفوة ادهم ... وفضيل الضافي على افضاله وَبشَارَة كرمان وبابن خفيفهم ... متحمل الأثقال من أثقاله وببشر بشر طيب الِاسْم الَّذِي ... بحفاه لم يحْتَج لخصف نعاله والواسطي جمال أَرْبَاب الصَّفَا ... جالي صفا أسرارهم بصقاله وجليل جيلان الَّذِي قد توجت ... تيجان فَخر من عَظِيم جَلَاله مولَايَ عبد االقادر المنعوت فِي ... الملكوت بالبازي لبعد حَلَاله والشاذلي الْمَدْعُو أَبُو الْحسن الَّذِي ... خَفَقت قبُول الْقرب من اقباله وسفيره المرسي عَيْبَة سره ... ومنيل من وَالَاهُ خير نواله وائمة الْإِسْلَام اعلام الْهدى ... وحماة علم الشَّرْع كَاف كَمَاله سفيانها الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة ... وَأَبُو حنيفَة من جلا بجماله ظلم الْجَهَالَة والمملك مَالك ... وَالشَّافِعِيّ وَحزبه وَرِجَاله وبأحمد الْمَحْمُود صفوة حَنْبَل ... إِذْ ذَاك لم ينسج على منواله وبفخر شيراز أبي اسحاقها ... وصلاحه المصيون عَن اخلاله وبسره المسرور فَفِي تنبيهه ... وبهاء مهذبه وزهو جماله وبحجة الْإِسْلَام مرشد أَهله ... سبل الصَّوَاب بصائبات مقاله ببسيطه ووسيطه ووجيزه ... وَبِمَا حكى الْأَحْيَاء من أَحْوَاله ...

стр. 30

.. وضيا جواهره وَمَا ابداه فِي ... منهاجه من عين عذب زلاله يَا الله يَا رباه يَا غوثاه يَا ... من لَا يصون السُّؤَال عَن سُؤَاله فرج عَليّ واجل عَن قلبِي الصدا ... اني مُؤَمل طلق عقد عقاله وازح غيوم الْغم عَنهُ ونحه ... أرحه يَا مولَايَ من اغلاله وأذقه برد الْإِنْس مِمَّا يختشى ... وانله مَا يرجوه من آماله وَاجعَل صَلَاتك وَالسَّلَام يحفها ... أبدا على خير الْأَنَام وَآله سر الْوُجُود مُحَمَّد وأميره ... ومنيره بمقاله وفعاله ... وَمِنْه أَيْضا هَذِه الْوَسِيلَة الَّتِي نظم بهَا أَكثر مَشَايِخ الرسَالَة نفع الله بهم وَهِي ... يَا من لقلب بالصبابة ممتلي ... واضالع بلظى القطيعة تصطلي من ذَا لما بِي كاشفاً الاك يَا ... من قد مددت لَهُ أكف توسلي يَا الله يَا من لَا إِلَه نؤمه ... إِلَّا هُوَ انظرني بِعَين تفضل يَا حَيّ يَا قيوم ثبتني وَكن ... بالطف وَالتَّدْبِير لي أبدا ولي يَا من هُوَ الله الْعَظِيم وَمن لَهُ ... الْعَرْش الْعَظِيم وَمن عَلَيْهِ توكلي أنعم عَليّ فَأَنت اكرم منعم ... وأغفر ذُنُوبِي واعف وأكف وجمل وتوفني لَك مُسلما وَمُسلمًا ... مَعَ اولياك بِحَق حَقك يَا عَليّ وبآية الْكُرْسِيّ أعظم آيَة ... وَبسر آيَات الْكتاب الْمنزل وبحق خير الْعَالمين مُحَمَّد ... هادي الانام وغوث كل مُؤَمل وبحق اسرافيل بل ورفيقه ... جِبْرِيل قيدوم الْفَرِيق الأول وبحق مِيكَائِيل خَازِن رزقنا ... وبقابض الارواح غير ممهل وبحرمة الصّديق والفاروق بل ... وبحق عُثْمَان وَسَيِّدنَا عَليّ وبحق فَاطِمَة البتول وَابْنهَا ... حسن وَبِالثَّانِي حُسَيْن الْأَفْضَل وبجعفر الطيار بل وبحمزة ... وبجمع أَصْحَاب النَّبِي الكمل وَالتَّابِعِينَ لَهُم باحسان وَمن ... والاك من أهل الْمحل المعتلي بِيَقِين زين العابدين وباقر ... وبجعفر ذِي الصدْق وَالْفَخْر الجلى وبكظم مُوسَى والملقب بالرضى ... زاكي الاصول على المتبتل ...

стр. 31

.. بالياس وَالْخضر النَّقِيب وَمن مضى ... مِمَّن تصوف فِي مدى الزَّمن الْحلِيّ بالشيخ سهل التسترِي أمامنا ... وأخيه مَعْرُوف أبلغني مأملي بسرى بالشيخ الْجُنَيْد بحارث ... بشقيق الْبَلْخِي بِذِي النُّون الْوَلِيّ وبابن أدهم ثمَّ بالطائي وبا ... لِحَافِي الْفَقِير الزَّاهِد المتنصلي بفضائل الشَّيْخ الفضيل وبأبنه ... وبحال طيفور الَّذِي مِنْهُ يَلِي بِأبي سُلَيْمَان وَابْن مبارك ... وبحاتم والواسطي الفيصل وبأحمد ابْن أبي الْحوَاري ثمَّ ... مَنْصُور بن عمار الدَّلِيل الْموصل بَابي تُرَاب وَابْن مَسْرُوق وبا ... لشبلي وَابْن معَاذ يحيى الأنبل برويم وَابْن جنيتي والحداد و ... القصاب ثمَّ نحير المتبذل وبابن خضرويه وبالنوري وو ... الدقاق والمكي عمر والاعدل وبابن عَاصِم وَأحمد وَسَعِيد ... الحيزي وبابن الْفضل كن يارب لي وبابن الْأَعرَابِي وَابْن نصيره ... والرقي وَإِبْرَاهِيم المتبهل بِمُحَمد الرقي وَشَيخ زَمَانه ... استاذنا السيار والمتأول بالرازي الأواب عبد الله و ... ابْن نجيد والبوشيخي والمتجمل وبشيخنا ابْن خَفِيف بل يعلى ... الحضري تجَاوز وامح ذَنبي وَاقْبَلْ وبشيخ مُضر أباد عالمها وَبُنْدَار وَشَيخ فِي طمسنان ابتلى بنزيل دينور أبي الْعَبَّاس و ... ابْن عطا وَمن روذباد المتجمل وأمامنا الدقاق والسلمي و ... القصاب ثمَّ الصَّيْرَفِي الأمثل بالعابد الخشاب ثمَّ دريدي ... وبابن جَهْضَم هضم كل معطل وبالأسود الثاوي بدينوره ... وَمَنْصُور الَّذِي فِي العذب كَانَ بمنزل بَابي سعيد أَمَام مالين وَمن ... قد ساح مِنْهُم أَو أَقَامَ بمحفل وبزين الْإِسْلَام الْقشيرِي الَّذِي ... قد ذاق فِي التَّوْحِيد أعذب منهل يَا من يغيث المستغيث بغوثه ... هَذَا التوسل بعد بذل تحيلى فَبِحَق من سميت فِي قولي أقل ... وانلني المأمول مِنْك وَعجل وتولني وتول من واليته ... وأحلل بأعدائي انتقامك وأخذل وأقمع وَدَمرَ من أَرَادَ بِنَا أَذَى ... وأعكس رجاه وخذه أَخذ منكل وَمَتى دعوتك يَا ألهي رَاغِبًا ... أَو رَاهِبًا من عَاجل ومؤجل قل هاك يَا عَبدِي فها أَنا وَاقِف ... بِفنَاء جودك سَائِلًا بتذلل ...

стр. 32

.. حاشاك أَن تفنى الْمُلُوك وفودها ... وتردني يَا من عَلَيْهِ معولي أبدا وصل على النَّبِي مُحَمَّد ... زين الْوُجُوه وَنور كل مهلل وعَلى صحابته الْكِرَام وَآله ... أهل الْفَضَائِل والفخار الْأَكْمَل ... وانما ذكرت هَاتين القصيدتين تيمناً بِذكر من فيهمَا من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى الَّذين تنزل الرَّحْمَة عِنْد ذكرهم لِئَلَّا يَخْلُو هَذَا الْكتاب عَن شَيْء من نفس هَذَا السَّيِّد الْعَظِيم وَالْوَلِيّ الْكَبِير عَارِف زَمَانه ذِي الْقدَم الراسخة فِي التصوف أعَاد الله علينا من بركاته فِي الدَّاريْنِ آمين وَمَا وقفت على تَارِيخ وَفَاته فَلهَذَا لم أترجم لَهُ بالاستقلال وَإِلَّا فَهُوَ جدير بذلك وفيهَا توفّي الْفَقِيه الصَّالح الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم المكدش بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْكَاف وَكسر الدَّال الْمُهْملَة وَآخره شين مُعْجمَة فَقِيه اللامية ومفتيها ببلدة سامر وَكَانَ لَهُ بهَا مشْهد عَظِيم ﵀ قلت وَبَنُو المكدش هَؤُلَاءِ اخيار صَالِحُونَ شهر مِنْهُم جمَاعَة بِالْولَايَةِ التَّامَّة وَظُهُور الكرامات وقريتهم يُقَال لَهَا الآنفة وَهِي بِفَتْح الْهمزَة بعد الْألف وَاللَّام وَفتح النُّون وَالْفَاء أَيْضا وَآخره هَاء تَأْنِيث بِجِهَة وَادي سِهَام وَهِي مُجَللَة مَقْصُودَة الزِّيَارَة والتبرك ونسبهم فِي الغنميين وهم قَبيلَة من قبائل عك بن عدنان ومسكنهم فِيمَا بَين الوادى سِهَام والوادي سردد وَمن مشاهيرهم يُوسُف بن أبي بكر المكدش كَانَ من كبار الْأَوْلِيَاء وَله كرامات خارقة ذكره الشرجي فِي الطَّبَقَات واثنى عَلَيْهِ وَذكر شَيْئا من أَحْوَاله وتاريخ وَفَاته لم اطلع عَلَيْهِ غير انه كَانَ معاصراً لصاحبي عواجة الشَّيْخ الْحكمِي والفقيه البَجلِيّ وهما كَانَا على رَأس الستمائة وَمِنْهُم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي بكر بن يُوسُف المكدش وَكَانَ من كبار الصَّالِحين ذكره الشرجي أَيْضا فِي طبقاته وَحكى بعض كراماته وَكَانَت وَفَاته سنة ثَمَان وَتِسْعين وَسَبْعمائة وفيهَا فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الْحَادِي وَالْعِشْرين من شهر الْمحرم توفى

стр. 33

الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات صَاحب مَكَّة بوادي الأبيار خَارِجا عَن مَكَّة وَحمل إِلَيْهَا وَدفن بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء فِي حوشة ﵀ وفيهَا فِي ذِي الْقعدَة توفّي الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد باصهي بشبام وفيهَا فِي سحر لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّادِس عشر من جُمَادَى الاولى توفّي الْفَقِيه الْمُفْتِي القَاضِي الشَّيْخ الْعَلامَة جمال الدّين مفتي الْمُسلمين مُحَمَّد ابْن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن حُسَيْن القماط الزبيدِيّ بِمَدِينَة زبيد وَدفن ضحى يَوْمهَا وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَلم يخلف بعده مثله ﵀ وَكَانَ مولده ببلدة زبيد فِي شهر صفر سنة ثَمَان وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَنَشَأ بهَا وأشتغل فِيهَا بِالْعلمِ ولازم القَاضِي الْعَلامَة الطّيب النَّاشِرِيّ صَاحب الْإِيضَاح والعلامة عمرا الْفَتى والفقيه كَمَال الدّين مُوسَى الضجاعي وَغَيرهم من عُلَمَاء عصره وبرع فِي الْفِقْه ودرس وَأفْتى وَكَانَ لَا يمل الأشغال والاشتغال وَحصل بِيَدِهِ كتبا جمة وَولي قَضَاء عدن سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَلم يزل قَاضِيا بهَا إِلَى سنة تِسْعَة وَتِسْعين فعزل بِالْقَاضِي الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر المزجد وَرجع إِلَى وَطنه زبيد وَأقَام بهَا على التدريس وَالْفَتْوَى وَنشر الْعلم وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وانتفع النَّاس بِعِلْمِهِ وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَكَانَ كثير الاستحضار للفروع جيد الأستنباط وَلم يكن لَهُ يَد فِي غير الْفِقْه ﵀ وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي من شهر ربيع الآخر توفّي الْفَقِيه الصَّالح المعمر جمال الدّين مُحَمَّد النُّور بن عمر الجبرتي من بَقِيَّة أَصْحَاب الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الجبرتي عَن خمس وَثَمَانِينَ سنة وَدفن ضحى يَوْمهَا قَرِيبا من ضريح شَيْخه ﵀ وفيهَا فِي عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث من جُمَادَى الأولى توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة المتقن المتفنن رَضِي الدّين بن الصّديق بن مُحَمَّد الْحكمِي الشهير بالوزيفي بِمَدِينَة زبيد وَدفن لَيْلَة الْجُمُعَة بعد صَلَاة الْمغرب بتربة الْقُضَاة الناشريين بعناية القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النَّاشِرِيّ رَحمَه الله

стр. 34

وفيهَا فِي يَوْم الْأَحَد الثَّانِي عشر من جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الشَّيْخ شمس الدّين عَليّ بن عبد الله الزجاجي الصُّوفِي بزبيد وَدفن بعد الْعَصْر ﵀ سنة أَربع بعد التسْعمائَة ٩٠٤ هـ وَفِي عَشِيَّة يَوْم الْأَحَد الرَّابِع من شهر محرم توفّي الْعَلامَة الْكَبِير المعمر شيخ الْإِسْلَام نجم الدّين يُوسُف الْمقري بن يحيى الجبائي إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة زبيد وَدفن بعد صَلَاة الْمغرب من لَيْلَة الِاثْنَيْنِ إِلَى جنب سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد الصياد ملاصقاً لَهُ دَاخل المشهد من جَانب الْيمن بِوَصِيَّة مِنْهُ وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم لم تَرَ الْعُيُون مثله وَصلي عَلَيْهِ بِجَامِع زبيد ﵀ ونفع بِهِ وجباء نَاحيَة مَشْهُورَة غربي مَدِينَة تعز كَانَ إِمَامًا عَالما محققاً مطلعاً قوي الْإِدْرَاك جيد الفطنة حسن الأستنباط وتفقه بعلماء قطره ثمَّ أرتحل إِلَى عدن وَأخذ عَن إمامها القَاضِي الْعَلامَة مُحَمَّد بن سعيد كبن وبرع وتميز وساد الاقران وَصَارَ وَاحِد الزَّمَان وَولي قَضَاء الاقضية فِي قطر الْيمن وأرتحل إِلَيْهِ الطّلبَة من كل جِهَة من جِهَات الْيمن وأنتفعوا بِهِ كثيرا وسادوا وتميزوا مِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة مُوسَى بن زين العابدين الرداد وَالْقَاضِي الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر المزجد وَغَيرهمَا وَكَانَ لَهُ ﵀ ثروة عَظِيمَة وَأَتْبَاع ورئاسة تشبه رئاسة الْمُلُوك وَكَانَ عُمْدَة وقته فِي الْفَتَاوَى وَمن وقف على كَلَامه وَرَأى مَا فِيهِ من عظم البلاغة وَحسن استنباطه واقتداره على تَحْرِير الْمَوَاضِع المشكلة وحلها وتقريرها على احسن الْوُجُوه علم جلالة الرجل وعلو مقَامه وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي بزبيد رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا فِي منتصف ربيع الأول قتل سُلْطَان الديار المصرية الْملك النَّاصِر ابْن قايتباي ﵀ وَفِي عَشِيَّة يَوْم الْأَرْبَعَاء من شهر ربيع الأول توفيت السيدة الصَّالِحَة أَسمَاء بنت الْفَقِيه الْعَلامَة كَمَال الدّين مُوسَى الضجاعي بِمَدِينَة زبيد

стр. 35

وَكَانَت صَالِحَة عابدة قارئة الْقُرْآن تقْرَأ التَّفْسِير وَكتب الحَدِيث وَتسمع النِّسَاء وتعظهن وتؤدبهن وَكَانَ لقولها وَقع فِي الْقُلُوب وَرُبمَا كتبت الشفاعات إِلَى السُّلْطَان وَالْقَاضِي والأمير فَتقبل شَفَاعَتهَا وَلَا ترد وَصلي عَلَيْهَا بعد صَلَاة الصُّبْح بِمَسْجِد الاشاعر ودفنت بجوار والدها صبح الْخَمِيس ثَانِي يَوْم مَوتهَا رَحمهَا الله وَلم يخلف بعْدهَا مثلهَا فِي الدّين وَالصَّلَاح فِي بَنَات جِنْسهَا وفيهَا فِي لَيْلَة السبت السَّادِس وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الْخَطِيب كَمَال الدّين مُوسَى بن عبد الْمُنعم الضجاعي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى بعد طول مَرضه وَدفن إِلَى جنب قبر جده الصَّالح الْفَقِيه عَليّ بن قَاسم الْحكمِي رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سلخ الشَّهْر الْمَذْكُور توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة كَمَال الدّين مُوسَى بن أَحْمد الداولي الْمَعْرُوف بالمكشكش على قرب مَدِينَة تعز وَقد خرج بِهِ مِنْهَا مَرِيضا إِلَى مَدِينَة زبيد فَرد إِلَى مَدِينَة تعز وَغسل وكفن وَصلي عَلَيْهِ بهَا ثمَّ دفن بمقبرتها الاجيناد قَرِيبا من قبر الْفَقِيه نَفِيس الدّين سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم الْعلوِي رحم الله غربته واسكنه جنته وفيهَا حصل برق عَظِيم أصَاب رجلا يحرث على ثورين لَهُ خَارج مَدِينَة زبيد قَرِيبا من تربة الْفَقِيه أبي بكر الْحداد بمجنة بَاب القربت فاحرق الثورين بآلتهما وَسلم الرجل بعد أَن أَصَابَهُ مِنْهُ لفح كَاد أَن يهلكه فسبحان الْقَادِر على كل شَيْء سنة خمس بعد التسْعمائَة ٩٠٥ هـ وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع عشر من شهر صفر سنة خمسين توفّي القَاضِي عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق نَاظر مَدِينَة عدن وَكَانَ ثِقَة مَأْمُونا لم تعلم لَهُ خِيَانَة تولي نظر الثغر المحروس فِي الدولة المجاهدية الطاهرية ثمَّ المنصورية ثمَّ الظَّاهِرَة وَلم يتهم بخيانة ﵀ وفيهَا ظَهرت على الشَّمْس هَالة عَظِيمَة من ضحوة النَّهَار إِلَى مَا بَين الظّهْر وَالْعصر ثمَّ اضمحلت

стр. 36

وفيهَا فِي سحر لَيْلَة السبت الثَّانِي من شهر ربيع الْآخِرَة توفّي القَاضِي شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد الْحداد مُسْتَوْفِي مَدِينَة زبيد وناظرها وَنعم الرجل كَانَ دينا وَأَمَانَة وعفة وصيانة وَصلي عَلَيْهِ فِي جَامع زبيد وَدفن ضحى يَوْمهَا بمشهد سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد الصياد مجاوراً لَهُ دَاخل المشهد وَحضر دَفنه جَمِيع أهل الْبَلَد وَلم يتَخَلَّف مِنْهُم إِلَّا من حَبسه عذر وفيهَا فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من جُمَادَى الأولى توفّي قَاضِي تعز الْفَقِيه الْعَلامَة سراج الدّين أَبُو بكر ابْن عَليّ بن عمرَان وَصلي عَلَيْهِ بِجَامِع زبيد يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث عشر مِنْهُ وفيهَا طلع من مشرق نجد نجم ذُو ذوابة وَكَانَ طلوعه من برج الْحمل وذوابته فِي الْيمن وسيره فِي الشَّام فسبحان الْقَادِر على مَا يَشَاء وفيهَا انقض كَوْكَب عَظِيم من الْمشرق فِي الْمغرب وأضاءت لَهُ الدُّنْيَا ووقف سَاعَة ثمَّ أَضَاء السَّمَاء فأضاء الْمَكَان الَّذِي أَصَابَهُ مِنْهَا اضاءة عَظِيمَة ثمَّ سقط فِي جِهَة الْمغرب وَبَقِي سَاعَة ظَاهرا فِي الْموضع الَّذِي أَصَابَهُ سَاعَة طَوِيلَة ثمَّ اضمحل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وفيهَا دفع وَادي زبيد سيل عَظِيم لم يعْهَد مثله وسال بِخلق ودواب واخرب قَرْيَة مزارع وَجَاء بِشَيْء من هدم الْبيُوت لَا يعلم من أَيْن هُوَ فسبحان الْعَلِيم الْحَكِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وفيهَا وَقع مطر بِمَدِينَة زبيد وَمَا حواليها وَكَانَ جمع من الرُّعَاة فِي الْبَادِيَة خَارج بَاب الشيارق فَلَمَّا وَقع عَلَيْهِم الْمَطَر لجأوا إِلَى المعقد الْكَبِير الَّذِي هُوَ غربي دَار الطويلع قبالة بُسْتَان حَائِط لبيق واكتنوا عِنْدهم جمَاعَة من النَّاس الَّذين كَانُوا بِالْحَائِطِ وَغَيرهم فبيناهم كَذَلِك إِذْ رَأَوْا الْغنم تجول بَعْضهَا فِي بعض وتتساقط ميتَة حَتَّى سقط مِنْهَا نَحْو سِتَّة رُؤُوس ثمَّ سكنت بعد ذَلِك فنظروا فَإِذا ثعبان عَظِيم تَحت ارجلها مَيتا وَقد وطِئت أحداهن بظلفها رَأسه فَقتلته وَدفع الله شَره فسبحان الْقَادِر على يَشَاء

стр. 37

وفيهَا فِي ضحى يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال توفّي الشَّيْخ الصَّالح شيخ الشُّيُوخ جمال الدّين مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن إِسْمَاعِيل الصُّوفِي وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر بِمَسْجِد الاشاعر وَدفن فِي قبر وَالِده دَاخل قبَّة جده الشَّيْخ الْكَبِير إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الجبرتي وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم لم تَرَ الْعُيُون مثله وَكثر الأسف عَلَيْهِ ﵀ ونفع بِهِ سنة سِتّ بعد التسْعمائَة ٩٠٦ هـ وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة سِتّ توفّي قَاضِي الشَّرِيعَة بزبيد الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النَّاشِرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الصُّبْح بِجَامِع زبيد وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم لم تَرَ الْعُيُون مثله وَكَانَ الْمَذْكُور من عباد الله الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء العاملين وَهُوَ خَاتِمَة الْقُضَاة الناشريين بزبيد ﵀ ونفع بِهِ وفيهَا فِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر جُمَادَى الأولى توفّي شيخ الْإِسْلَام كَمَال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن مَسْعُود بن رضوَان بن أبي شرِيف المري بِالْمُهْمَلَةِ الْقُدسِي الشَّافِعِي بالقدس وَكَانَ مولده فِي يَوْم السبت خَامِس ذِي الْحجَّة سنة اثْنَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام أبن حجر والعلامة ابْن الهايم وَمن فِي طبقتهم وَمن محفوظاته الشاطبية والمنهاج الفرعي والفية الحَدِيث ومختصر ابْن الْحَاجِب فِي النَّحْو وَعرض هَذِه الْكتب على الشُّيُوخ فاجازوه وجود الْقُرْآن الْعَظِيم بعد حفظه وَأخذ عَن بَعضهم علم الحَدِيث وَالْأُصُول وَالْعرُوض والقافية والمنطق وَغَيرهَا وتفقه بِابْن شرف وَجَمَاعَة وَأخذ عَن بَعضهم خرقَة التصوف سندها إِلَى الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني واذن لَهُ غير وَاحِد فِي الْأَقْرَاء وَحج وجاور فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَسمع على الشّرف أبي الْفَتْح المراغي والتقي ابْن فَهد والبرهان الزمزمي وَأبي الْبَقَاء ابْن الضياء بِمَكَّة وَعلي المطري وَغَيره بِالْمَدِينَةِ ترْجم لَهُ البقاعي وَوَصفه بالذهن الثاقب والحافظة الضابطة والقريحة الوقادة والفكر القويم وَالنَّظَر الْمُسْتَقيم وَسُرْعَة الْفَهم وَكَمَال الْمُرُوءَة

стр. 38

مَعَ عقل وافر وأدب ظَاهر وخفة روح ومجد على سمته يلوح وانه شَدِيد الإنقباض عَن النَّاس غير أَصْحَابه قَالَ السخاوي ودرس وافتى وَحدث ونظم ونثر وَذكر من تصانيفه حَاشِيَة على شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي وَأُخْرَى على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وشرحاً على الأرشاد لِابْنِ الْمقري وفصول ابْن الْهمام ومختصر الشِّفَاء وَغير ذَلِك قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عَلامَة متين التَّحْقِيق حسن الْفِكر والتأمل وَكتابه امتن من تَقْرِيره ورويته احسن من بديهته مَعَ صِيَانة وديانة وَقلة كَلَام وَعدم ذكره للنَّاس وَلكنه ينْسب بمزيد باو وامساك مَعَ الثروة وتجدد الرِّبْح من التِّجَارَة والكمال لله وعاشر صَاحب التَّرْجَمَة بعد السخاوي أَربع سِنِين وَذكره مؤرخ دمشق وَذكر بعض أَوْصَافه الْحَسَنَة بِاخْتِصَار وَقَالَ انه خلف دنيا طائلة رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا حصل بِمَدِينَة زبيد مرض عَظِيم وَمَات بِسَبَبِهِ خلائق لَا يُحصونَ وَكثر الوباء وَاسْتمرّ الدُّعَاء لذَلِك فِي الصَّلَاة والخطب ودام ذَلِك إِلَى شهر ذِي الْقعدَة وَاشْتَدَّ فِي آخر شعْبَان ورمضان فَبلغ الْمَوْتَى فِيهِ بزبيد فِي كل يَوْم فَوق سِتِّينَ نفسا وَكَانَ غالبه فِي النِّسَاء والأطفال وانتقل إِلَى بوادي زبيد وحيس وموزع وَغَيرهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وفيهَا قدم قَاصد صَاحب مصر السُّلْطَان حنبلاط بهدية عَظِيمَة إِلَى السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب من جُمْلَتهَا فانوس بلور قدر قامة الْإِنْسَان وصندوقان من بلور وسيوف عَظِيمَة وَأَشْيَاء نفيسة وَيُقَال انه رأى فِي مَنَامه منامات صَالِحَة للسُّلْطَان الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ بذلك وفيهَا فِي سحر لَيْلَة الثُّلَاثَاء من رَمَضَان توفّي الشَّيْخ أَبُو بكر المزحاجي وَدفن ضحى يَوْمهَا ﵀ وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال توفّي الشَّيْخ الصَّالح وجيه الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن محيي الدّين الجبرتي وَدفن بعد عصر ذَلِك الْيَوْم ﵀ وفيهَا فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء مستهل ذِي الْقعدَة توفّي نجم الصعدي بَقِيَّة فُقَرَاء الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الجبرتي

стр. 39

سنة سبع بعد التسْعمائَة ٩٠٧ هـ وَفِي سنة سبع توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الصَّالح مُحَمَّد بن الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْحَاج أَبَا فضل الْحَضْرَمِيّ بالشحر وفيهَا لاربع خلت من شهر ربيع الثَّانِي توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْوَلِيّ الصَّالح الْوَرع الزَّاهِد بَقِيَّة السّلف وعمدة الْخلف القَاضِي الْفَقِيه عبد الله بن مُحَمَّد بن حسن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عسين الشَّافِعِي بالشحر وَدفن فِي تربة الشَّيْخ فضل وحزن النَّاس بفقده وتأسفوا عَلَيْهِ كثيرا نَشأ من صغره فِي الطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَظَهَرت عَلَيْهِ من حِينَئِذٍ لوائح السَّعَادَة وأشتغل بِالْعلمِ فبرع وسلك طرق التدقيق فلحق من قبله وَفَاتَ من بعده وتصدر فِي الشحر للْفَتْوَى والتدريس وَتخرج بِهِ الطّلبَة وأنتفعوا بِهِ كثيرا وَكَانَ سيدا شرِيف النَّفس كَرِيمًا سخياً مفضالا وصُولا للطلبة كثير الْإِحْسَان إِلَيْهِم وَكَانَ يجْتَهد فِي جمعهم وترغيبهم للطلب وَيسْعَى لَهُم فِي الرزق بإذلا لَهُم نَفسه حسن التَّعْلِيم لين الْجَانِب فِي غَايَة التَّوَاضُع وَكَانَ متقشفاً فِي ملبسه طارحا للتكلف آمُر بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر يُنكر على الْمُلُوك والأمراء فَمن دونهم ساعياً فِي قَضَاء حوائج الْمُسلمين وَلَا يتَأَخَّر برد من رده وَلَا يكون ذَلِك منفراً لَهُ عَن الْعود إِلَى الشَّفَاعَة مرّة أُخْرَى وَمن فضائله الْمَشْهُورَة ومناقبه الْمَذْكُورَة سَعْيه فِي إِخْرَاج وقف الْجَامِع الَّذِي على الْمدرس والمدرسة وَغَيرهم من يَد الدولة بعد أَن أستولوا عَلَيْهِ مُدَّة وَكَاد أَن ينطمس ويندرس وَمن ذَلِك أَنه كَانَ السَّبَب فِي وُصُول الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الله بن الْحَاج فضل إِلَى الشحر وترتيبه مدرساً فِي الْجَامِع وأنتفاع النَّاس بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ ففضائله ومناقبه أَكثر من أَن تحصر وَكَانَ ﵀ يعلم الصّبيان الْقُرْآن وَحفظ الْقُرْآن عَلَيْهِ خلق كثير وَكَانَ ينْسَخ الْمَصَاحِف ويجتهد فِي ضَبطهَا وَتَصْحِيح رسمها وَكتب نَحْو خمسين مُصحفا وَحكي أَنه كَانَ لَا يَأْكُل إِلَّا من كسب يَده وَكَانَ حسن الْخط

стр. 40

وَأهل تِلْكَ الْجِهَة يضْربُونَ بِخَطِّهِ الْمثل وَكَانَ مَعَ هَذَا كُله مُتَوَلِّيًا الْقَضَاء بالشحر وَكَانَ من قُضَاة الْعدْل المشكورين وأئمة الْفضل الْمَشْهُورين وأشتهر ذكره وطار صيته وَضربت بِهِ الْأَمْثَال وَلم يكن يَأْخُذ لنَفسِهِ من مَعْلُوم الْقَضَاء شَيْئا بل كَانَ يخص بعض المحتاجين من الْفُقَهَاء والدرسة وَلم يزل فِي جَمِيع مُدَّة ولَايَته الْقَضَاء وَغَيرهَا مستمراً على جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ من تَعْلِيم وَنسخ الْمَصَاحِف وَالسَّعْي فِي حوائج الْمُسلمين والشفاعات لَهُم إِلَى الْمُلُوك فَمن دونهم وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَعدم المداهنة والمراعاة فِي الْأَحْكَام والأغلاظ للظلمة وَعدم الاحتفال بِأَهْل الدُّنْيَا وارباب الجاهات والمناصب والتقشف فِي الملبس حَتَّى أَنه كَانَ يعصر المداد بعمامته وَقد لَا يكون لَهُ إِلَّا ثوب وَاحِد يتزر بِبَعْضِه وَيجْعَل بعضه على عَاتِقه وَيَمْشي كَذَلِك فِي الْأَسْوَاق وَغَيرهَا غير مكترث بِأحد وَلَا مستحي من أحد وَقَضيته مَعَ السُّلْطَان عبد الله بن جَعْفَر الكثيري صَاحب الشحر مَشْهُورَة وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور أشترى حصاناً من بعض النَّاس ثمَّ بعد ذَلِك أَرَادَ رده وأدعى فِيهِ عَيْبا وأمتنع من تَسْلِيم الثّمن للْبَائِع فاشتكى عَلَيْهِ إِلَى القَاضِي الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ أَن أحضر إِلَى الشَّرْع الشريف وَلم يراع السُّلْطَان وَلَا تساهل لأَجله وَلَا حاباه بِكَلِمَة وَاحِدَة وَللَّه دره وَلَقَد أبقى فخراً وغنم أجرا وأمتطى ذرْوَة ورقى فَوق أوج الافلاك شعر ... هَيْهَات أَن يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ ... إِن الزَّمَان بِمثلِهِ لَا يسمح ... وَكَانَت آيَة فِي الْعلم وَالْفِقْه وَيَكْفِي فِي ذَلِك أَنه أختلف هُوَ والفقيه الإِمَام مُحَمَّد ابْن عمر بحرق فِي مَسْأَلَة فِي الْفِقْه وَطَالَ النزاع بَينهمَا حَتَّى أشتهر بَين النَّاس فجَاء صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الْفَقِيه بحرق وَمَعَهُ كتاب الرَّوْضَة للنووي فاوقفه على الْمَسْأَلَة فَرجع إِلَى قَوْله ثمَّ ان الْفَقِيه بحرق صعد الْمِنْبَر وخطب وَقَالَ أَلا أَن الْمَسْأَلَة الَّتِي أختلفت فِيهَا أَنا وَالْقَاضِي ابْن عبسين وجدت الْحق فِيهَا مَعَه وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه الْحِكَايَة من المنقبة الْعَظِيمَة لَهُ الَّتِي تشهد بغزارة علمه وَكَثْرَة اطِّلَاعه وفيهَا مَا يدل على تواضع الْفَقِيه بحرق وأنصافه من نَفسه وأعترافه بِالْحَقِّ ورجوعه إِلَيْهِ وَهَذَا عَزِيز
следующие страницы →