Полный текст (424 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وفيهَا فِي سحر لَيْلَة السبت الثَّانِي من شهر ربيع الْآخِرَة توفّي القَاضِي شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم ابْن مُحَمَّد الْحداد مُسْتَوْفِي مَدِينَة زبيد وناظرها وَنعم الرجل كَانَ دينا وَأَمَانَة وعفة وصيانة وَصلي عَلَيْهِ فِي جَامع زبيد وَدفن ضحى يَوْمهَا بمشهد سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد الصياد مجاوراً لَهُ دَاخل المشهد وَحضر دَفنه جَمِيع أهل الْبَلَد وَلم يتَخَلَّف مِنْهُم إِلَّا من حَبسه عذر
وفيهَا فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من جُمَادَى الأولى توفّي قَاضِي تعز الْفَقِيه الْعَلامَة سراج الدّين أَبُو بكر ابْن عَليّ بن عمرَان وَصلي عَلَيْهِ بِجَامِع زبيد يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث عشر مِنْهُ
وفيهَا طلع من مشرق نجد نجم ذُو ذوابة وَكَانَ طلوعه من برج الْحمل وذوابته فِي الْيمن وسيره فِي الشَّام فسبحان الْقَادِر على مَا يَشَاء
وفيهَا انقض كَوْكَب عَظِيم من الْمشرق فِي الْمغرب وأضاءت لَهُ الدُّنْيَا ووقف سَاعَة ثمَّ أَضَاء السَّمَاء فأضاء الْمَكَان الَّذِي أَصَابَهُ مِنْهَا اضاءة عَظِيمَة ثمَّ سقط فِي جِهَة الْمغرب وَبَقِي سَاعَة ظَاهرا فِي الْموضع الَّذِي أَصَابَهُ سَاعَة طَوِيلَة ثمَّ اضمحل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وفيهَا دفع وَادي زبيد سيل عَظِيم لم يعْهَد مثله وسال بِخلق ودواب واخرب قَرْيَة مزارع وَجَاء بِشَيْء من هدم الْبيُوت لَا يعلم من أَيْن هُوَ فسبحان الْعَلِيم الْحَكِيم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وفيهَا وَقع مطر بِمَدِينَة زبيد وَمَا حواليها وَكَانَ جمع من الرُّعَاة فِي الْبَادِيَة خَارج بَاب الشيارق فَلَمَّا وَقع عَلَيْهِم الْمَطَر لجأوا إِلَى المعقد الْكَبِير الَّذِي هُوَ غربي دَار الطويلع قبالة بُسْتَان حَائِط لبيق واكتنوا عِنْدهم جمَاعَة من النَّاس الَّذين كَانُوا بِالْحَائِطِ وَغَيرهم فبيناهم كَذَلِك إِذْ رَأَوْا الْغنم تجول بَعْضهَا فِي بعض وتتساقط ميتَة حَتَّى سقط مِنْهَا نَحْو سِتَّة رُؤُوس ثمَّ سكنت بعد ذَلِك فنظروا فَإِذا ثعبان عَظِيم تَحت ارجلها مَيتا وَقد وطِئت أحداهن بظلفها رَأسه فَقتلته وَدفع الله شَره فسبحان الْقَادِر على يَشَاء
стр. 37
وفيهَا فِي ضحى يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال توفّي الشَّيْخ الصَّالح شيخ الشُّيُوخ جمال الدّين مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن إِسْمَاعِيل الصُّوفِي وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر بِمَسْجِد الاشاعر وَدفن فِي قبر وَالِده دَاخل قبَّة جده الشَّيْخ الْكَبِير إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الجبرتي وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم لم تَرَ الْعُيُون مثله وَكثر الأسف عَلَيْهِ ﵀ ونفع بِهِ
سنة سِتّ بعد التسْعمائَة ٩٠٦ هـ
وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ الثَّامِن وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة سِتّ توفّي قَاضِي الشَّرِيعَة بزبيد الإِمَام الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النَّاشِرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الصُّبْح بِجَامِع زبيد وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم لم تَرَ الْعُيُون مثله وَكَانَ الْمَذْكُور من عباد الله الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء العاملين وَهُوَ خَاتِمَة الْقُضَاة الناشريين بزبيد ﵀ ونفع بِهِ
وفيهَا فِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر جُمَادَى الأولى توفّي شيخ الْإِسْلَام كَمَال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَليّ بن مَسْعُود بن رضوَان بن أبي شرِيف المري بِالْمُهْمَلَةِ الْقُدسِي الشَّافِعِي بالقدس وَكَانَ مولده فِي يَوْم السبت خَامِس ذِي الْحجَّة سنة اثْنَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة
أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة مِنْهُم شيخ الْإِسْلَام أبن حجر والعلامة ابْن الهايم وَمن فِي طبقتهم وَمن محفوظاته الشاطبية والمنهاج الفرعي والفية الحَدِيث ومختصر ابْن الْحَاجِب فِي النَّحْو وَعرض هَذِه الْكتب على الشُّيُوخ فاجازوه وجود الْقُرْآن الْعَظِيم بعد حفظه وَأخذ عَن بَعضهم علم الحَدِيث وَالْأُصُول وَالْعرُوض والقافية والمنطق وَغَيرهَا وتفقه بِابْن شرف وَجَمَاعَة وَأخذ عَن بَعضهم خرقَة التصوف سندها إِلَى الشَّيْخ عبد الْقَادِر الكيلاني واذن لَهُ غير وَاحِد فِي الْأَقْرَاء وَحج وجاور فِي سنة ثَلَاث وَخمسين
وَسمع على الشّرف أبي الْفَتْح المراغي والتقي ابْن فَهد والبرهان الزمزمي وَأبي الْبَقَاء ابْن الضياء بِمَكَّة وَعلي المطري وَغَيره بِالْمَدِينَةِ
ترْجم لَهُ البقاعي وَوَصفه بالذهن الثاقب والحافظة الضابطة والقريحة الوقادة والفكر القويم وَالنَّظَر الْمُسْتَقيم وَسُرْعَة الْفَهم وَكَمَال الْمُرُوءَة
стр. 38
مَعَ عقل وافر وأدب ظَاهر وخفة روح ومجد على سمته يلوح وانه شَدِيد الإنقباض عَن النَّاس غير أَصْحَابه
قَالَ السخاوي ودرس وافتى وَحدث ونظم ونثر وَذكر من تصانيفه حَاشِيَة على شرح جمع الْجَوَامِع للمحلي وَأُخْرَى على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وشرحاً على الأرشاد لِابْنِ الْمقري وفصول ابْن الْهمام ومختصر الشِّفَاء وَغير ذَلِك قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عَلامَة متين التَّحْقِيق حسن الْفِكر والتأمل وَكتابه امتن من تَقْرِيره ورويته احسن من بديهته مَعَ صِيَانة وديانة وَقلة كَلَام وَعدم ذكره للنَّاس وَلكنه ينْسب بمزيد باو وامساك مَعَ الثروة وتجدد الرِّبْح من التِّجَارَة والكمال لله وعاشر صَاحب التَّرْجَمَة بعد السخاوي أَربع سِنِين وَذكره مؤرخ دمشق وَذكر بعض أَوْصَافه الْحَسَنَة بِاخْتِصَار وَقَالَ انه خلف دنيا طائلة رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا حصل بِمَدِينَة زبيد مرض عَظِيم وَمَات بِسَبَبِهِ خلائق لَا يُحصونَ وَكثر الوباء وَاسْتمرّ الدُّعَاء لذَلِك فِي الصَّلَاة والخطب ودام ذَلِك إِلَى شهر ذِي الْقعدَة وَاشْتَدَّ فِي آخر شعْبَان ورمضان فَبلغ الْمَوْتَى فِيهِ بزبيد فِي كل يَوْم فَوق سِتِّينَ نفسا وَكَانَ غالبه فِي النِّسَاء والأطفال وانتقل إِلَى بوادي زبيد وحيس وموزع وَغَيرهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وفيهَا قدم قَاصد صَاحب مصر السُّلْطَان حنبلاط بهدية عَظِيمَة إِلَى السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب من جُمْلَتهَا فانوس بلور قدر قامة الْإِنْسَان وصندوقان من بلور وسيوف عَظِيمَة وَأَشْيَاء نفيسة وَيُقَال انه رأى فِي مَنَامه منامات صَالِحَة للسُّلْطَان الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ بذلك
وفيهَا فِي سحر لَيْلَة الثُّلَاثَاء من رَمَضَان توفّي الشَّيْخ أَبُو بكر المزحاجي وَدفن ضحى يَوْمهَا ﵀
وفيهَا فِي ضحى يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر شَوَّال توفّي الشَّيْخ الصَّالح وجيه الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن محيي الدّين الجبرتي وَدفن بعد عصر ذَلِك الْيَوْم ﵀
وفيهَا فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء مستهل ذِي الْقعدَة توفّي نجم الصعدي بَقِيَّة فُقَرَاء الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن أبي بكر الجبرتي
стр. 39
سنة سبع بعد التسْعمائَة ٩٠٧ هـ
وَفِي سنة سبع توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الصَّالح مُحَمَّد بن الْفَقِيه عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْحَاج أَبَا فضل الْحَضْرَمِيّ بالشحر وفيهَا لاربع خلت من شهر ربيع الثَّانِي توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْوَلِيّ الصَّالح الْوَرع الزَّاهِد بَقِيَّة السّلف وعمدة الْخلف القَاضِي الْفَقِيه عبد الله بن مُحَمَّد بن حسن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عسين الشَّافِعِي بالشحر وَدفن فِي تربة الشَّيْخ فضل وحزن النَّاس بفقده وتأسفوا عَلَيْهِ كثيرا
نَشأ من صغره فِي الطَّاعَة وَالْعِبَادَة وَظَهَرت عَلَيْهِ من حِينَئِذٍ لوائح السَّعَادَة وأشتغل بِالْعلمِ فبرع وسلك طرق التدقيق فلحق من قبله وَفَاتَ من بعده وتصدر فِي الشحر للْفَتْوَى والتدريس وَتخرج بِهِ الطّلبَة وأنتفعوا بِهِ كثيرا وَكَانَ سيدا شرِيف النَّفس كَرِيمًا سخياً مفضالا وصُولا للطلبة كثير الْإِحْسَان إِلَيْهِم وَكَانَ يجْتَهد فِي جمعهم وترغيبهم للطلب وَيسْعَى لَهُم فِي الرزق بإذلا لَهُم نَفسه حسن التَّعْلِيم لين الْجَانِب فِي غَايَة التَّوَاضُع وَكَانَ متقشفاً فِي ملبسه طارحا للتكلف آمُر بِالْمَعْرُوفِ ناهياً عَن الْمُنكر يُنكر على الْمُلُوك والأمراء فَمن دونهم ساعياً فِي قَضَاء حوائج الْمُسلمين وَلَا يتَأَخَّر برد من رده وَلَا يكون ذَلِك منفراً لَهُ عَن الْعود إِلَى الشَّفَاعَة مرّة أُخْرَى
وَمن فضائله الْمَشْهُورَة ومناقبه الْمَذْكُورَة سَعْيه فِي إِخْرَاج وقف الْجَامِع الَّذِي على الْمدرس والمدرسة وَغَيرهم من يَد الدولة بعد أَن أستولوا عَلَيْهِ مُدَّة وَكَاد أَن ينطمس ويندرس وَمن ذَلِك أَنه كَانَ السَّبَب فِي وُصُول الْفَقِيه الْعَلامَة عفيف الدّين عبد الله بن الْحَاج فضل إِلَى الشحر وترتيبه مدرساً فِي الْجَامِع وأنتفاع النَّاس بِهِ
وَبِالْجُمْلَةِ ففضائله ومناقبه أَكثر من أَن تحصر وَكَانَ ﵀ يعلم الصّبيان الْقُرْآن وَحفظ الْقُرْآن عَلَيْهِ خلق كثير وَكَانَ ينْسَخ الْمَصَاحِف ويجتهد فِي ضَبطهَا وَتَصْحِيح رسمها وَكتب نَحْو خمسين مُصحفا
وَحكي أَنه كَانَ لَا يَأْكُل إِلَّا من كسب يَده وَكَانَ حسن الْخط
стр. 40
وَأهل تِلْكَ الْجِهَة يضْربُونَ بِخَطِّهِ الْمثل وَكَانَ مَعَ هَذَا كُله مُتَوَلِّيًا الْقَضَاء بالشحر وَكَانَ من قُضَاة الْعدْل المشكورين وأئمة الْفضل الْمَشْهُورين وأشتهر ذكره وطار صيته وَضربت بِهِ الْأَمْثَال وَلم يكن يَأْخُذ لنَفسِهِ من مَعْلُوم الْقَضَاء شَيْئا بل كَانَ يخص بعض المحتاجين من الْفُقَهَاء والدرسة وَلم يزل فِي جَمِيع مُدَّة ولَايَته الْقَضَاء وَغَيرهَا مستمراً على جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ عَنهُ من تَعْلِيم وَنسخ الْمَصَاحِف وَالسَّعْي فِي حوائج الْمُسلمين والشفاعات لَهُم إِلَى الْمُلُوك فَمن دونهم وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَعدم المداهنة والمراعاة فِي الْأَحْكَام والأغلاظ للظلمة وَعدم الاحتفال بِأَهْل الدُّنْيَا وارباب الجاهات والمناصب والتقشف فِي الملبس حَتَّى أَنه كَانَ يعصر المداد بعمامته وَقد لَا يكون لَهُ إِلَّا ثوب وَاحِد يتزر بِبَعْضِه وَيجْعَل بعضه على عَاتِقه وَيَمْشي كَذَلِك فِي الْأَسْوَاق وَغَيرهَا غير مكترث بِأحد وَلَا مستحي من أحد
وَقَضيته مَعَ السُّلْطَان عبد الله بن جَعْفَر الكثيري صَاحب الشحر مَشْهُورَة وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور أشترى حصاناً من بعض النَّاس ثمَّ بعد ذَلِك أَرَادَ رده وأدعى فِيهِ عَيْبا وأمتنع من تَسْلِيم الثّمن للْبَائِع فاشتكى عَلَيْهِ إِلَى القَاضِي الْمَذْكُور فَكتب إِلَيْهِ أَن أحضر إِلَى الشَّرْع الشريف وَلم يراع السُّلْطَان وَلَا تساهل لأَجله وَلَا حاباه بِكَلِمَة وَاحِدَة وَللَّه دره وَلَقَد أبقى فخراً وغنم أجرا وأمتطى ذرْوَة ورقى فَوق أوج الافلاك شعر ... هَيْهَات أَن يَأْتِي الزَّمَان بِمثلِهِ ... إِن الزَّمَان بِمثلِهِ لَا يسمح ...
وَكَانَت آيَة فِي الْعلم وَالْفِقْه وَيَكْفِي فِي ذَلِك أَنه أختلف هُوَ والفقيه الإِمَام مُحَمَّد ابْن عمر بحرق فِي مَسْأَلَة فِي الْفِقْه وَطَالَ النزاع بَينهمَا حَتَّى أشتهر بَين النَّاس فجَاء صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى الْفَقِيه بحرق وَمَعَهُ كتاب الرَّوْضَة للنووي فاوقفه على الْمَسْأَلَة فَرجع إِلَى قَوْله ثمَّ ان الْفَقِيه بحرق صعد الْمِنْبَر وخطب وَقَالَ أَلا أَن الْمَسْأَلَة الَّتِي أختلفت فِيهَا أَنا وَالْقَاضِي ابْن عبسين وجدت الْحق فِيهَا مَعَه وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه الْحِكَايَة من المنقبة الْعَظِيمَة لَهُ الَّتِي تشهد بغزارة علمه وَكَثْرَة اطِّلَاعه وفيهَا مَا يدل على تواضع الْفَقِيه بحرق وأنصافه من نَفسه وأعترافه بِالْحَقِّ ورجوعه إِلَيْهِ وَهَذَا عَزِيز
стр. 41
إِلَّا على من وَفقه الله تَعَالَى وَعَصَمَهُ من الْهوى ورزقه الأخلاص فِي الْعلم وَالله درهما وَهَكَذَا فلتكن العزائم وَهَذِه وَالله هِيَ المناقب ولمثلها فليعمل الْعَامِلُونَ وفيهَا فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ
وفيهَا فِي أَوَائِل شهر رَجَب توفّي القَاضِي عفيف الدّين عبد الله ابْن أبي الْفضل ظهيرة بِمَكَّة المشرفة رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ توفّي الْعَلامَة جمال الدّين أَبُو المكارم ابْن الرَّافِعِيّ ابْن ظهيرة بِمَكَّة المشرفة أَيْضا ﵀
وَفِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء الثَّالِث وَالْعشْرُونَ مِنْهُ توفّي الْفَقِيه الْمقري الصَّالح المعمر جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن بدير عَن تسعين سنة ممتعاً بسمعه وبصره وعقله وَكَانَت اليه النِّهَايَة فِي علم الْقرَاءَات السَّبع رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الثَّامِن عشر من شهر شَوَّال توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الطّيب أَمَام مقَام الْحَنَفِيَّة بِجَامِع زبيد وَصلي عَلَيْهِ بالجامع الْمَذْكُور بعد صَلَاة الصُّبْح وَدفن إِلَى جنب أَبِيه وأخيه بمقبرة بَاب سِهَام رَحمَه الله تَعَالَى
وَفِي آخر يَوْم الْخَمِيس التَّاسِع عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو بكر بن عبد الله قعيس الشَّافِعِي وَصلي عَلَيْهِ بالجامع بزبيد بعد صَلَاة الصُّبْح وَدفن بتربة الشَّيْخ أَحْمد المزجاجي ﵀ ونفع بِهِ
وَفِي صبح يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام توفّي الْفَقِيه النبيه الصَّالح المعمر عفيف الدّين عبد الْعَلِيم بن أبي الْقَاسِم بن عُثْمَان أقبال القربتي الْحَنَفِيّ بِمَدِينَة زبيد وَصلي عَلَيْهِ بالجامع بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَدفن بمجنة بَاب القرتب غربي مشْهد الْفَقِيه أبي بكر الْحداد نفع الله بهما وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم ومولده فِي سنة اثْنَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة ﵀ ونفع بِهِ ...
وَفِي الشَّهْر الْمَذْكُور كتب الشريف بَرَكَات إِلَى واليه بِجَزِيرَة القنفدة يَأْمُرهُ بتغريق القَاضِي أبي السُّعُود وَأَن لَا يُرَاجِعهُ فِي ذَلِك فَأخْرجهُ من
стр. 42
الجزيرة فِي السنبوق وغرقه فِي الْبَحْر فِي يَوْم الاحد الثَّانِي من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام واولاده وَعِيَاله ينظرُونَ إِلَيْهِ رَحْمَة الله عَلَيْهِ
وَفِي سحر لَيْلَة الثُّلَاثَاء سلخ السّنة الْمَذْكُورَة توفّي الْفَقِيه القَاضِي الْعَلامَة الصَّالح مفتي الْمُسلمين أَحْمد بن الْعَلامَة الْوَلِيّ المقرب جمال الدّين مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن أَحْمد جغمان قَاضِي مَدِينَة جبس إِلَى رَحْمَة الله فِي بَيته من مَدِينَة زبيد وَغسل وكفن بهَا وَصلي عَلَيْهِ بجامعها وحملت جنَازَته على اعناق الرِّجَال الى حلدر الْعرق ظَاهر مَدِينَة زبيد وَحمل فِي محمل على جمل إِلَى بَيت الْفَقِيه ابْن عجيل وَدفن بهَا آخر ذَلِك الْيَوْم إِلَى قبر أَبِيه وجده نفع الله بهم بِوَصِيَّة مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم وَلم يخلف بعده مثله فِي بني جغمان فِي الْعلم والمعرفة رَحمَه الله تَعَالَى
سنة ثَمَان بعد التسْعمائَة ٩٠٨ هـ
فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سنة ثَمَان توفّي الْحَافِظ الْعَلامَة عُثْمَان بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن نَاصِر الْفَخر أَبُو عمر الديمي بِالْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَة ثمَّ تَحْتَانِيَّة مَفْتُوحَة بعْدهَا مِيم ثمَّ يَاء نِسْبَة إِلَى ديمه وَهِي بلد وَالِده القاهري الْأَزْهَرِي الشَّافِعِي ولد فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم ثمَّ حفظ الْعُمْدَة والفية الحَدِيث والالفية فِي النَّحْو ومنهاج الْفِقْه وَالْأَصْل وجود الْقُرْآن على بَعضهم وَأخذ الْفِقْه عَن جمَاعَة وَكَذَا فِي الْعَرَبيَّة عِنْد بَعضهم ولازم الشهَاب الهيتمي وَأكْثر مَعَه من مطالعة شرح مُسلم للنووي فعلق بذهنه الْكثير مِنْهُ وَصَارَ يستعير مِنْهُ مَا كَانَ عِنْده من الأكمال وَلابْن مَاكُولَا فِيهِ بحث يَأْتِي على الورقة مِنْهُ سردا وَقَرَأَ نصف االبخاري على الشَّمْس مُحَمَّد بن عمر الدمحبني الازهري خَادِم المؤيديه وَقَالَ أَنه أنتفع بصحبتهما وَذهب إِلَى النُّور الشلواني نزيل الاقمر فَجَلَسَ مَعَه يَسِيرا وَسمع مِنْهُ وَأول مَا سمع الْعشْرَة الأولى من عشريات الزين على الغز من أبي الثَّابِت
ثمَّ أَكثر من الْقِرَاءَة فِي حُدُود سنة تسع وَأَرْبَعين وَمَا بعْدهَا على عدَّة من المسندين ولازم الرَّشِيدِيّ والصالحي حَتَّى كَاد يَسْتَوْفِي مسموعهما
стр. 43
وَزَاد حَتَّى قَرَأَ على ثَانِيهمَا الْمسند لِأَحْمَد بِتَمَامِهِ وقرا أَيْضا على آخَرين وَكَذَا قَرَأَ على الشَّيْخ الإِمَام ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي مُسْند الشهَاب وغالب النَّسَائِيّ الصَّغِير وَسمع عَلَيْهِ أَشْيَاء وَحج فِي سنة ثَلَاث وَخمسين صَحِبت الركب الرجبي وَقَرَأَ فِي رحلته أَولا فِي الْمَدِينَة وَأخذ بهَا يَسِيرا من الْمُحب الطَّبَرِيّ وَأبي الْفرج الكازروني وَغَيرهم وَقَرَأَ وَهُوَ هُنَاكَ الصَّحِيح بِتَمَامِهِ فِي الرَّوْضَة الشَّرِيفَة فِي أَرْبَعَة أَيَّام وَسمع الشِّفَاء من لفظ الْبَدْر الْبَغْدَادِيّ قَاضِي الْحَنَابِلَة ثمَّ أَخذ عَلَيْهِ الْيَسِير أَيْضا عَن أبي الْفَتْح المراغي والزين الأسيوطي وَكَانَ أَخذ عَنهُ أَيْضا بِالْقَاهِرَةِ على التقي ابْن فَهد والبرهان الزمزي وَرجع إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا على عَادَته
وَكَانَ قد أشتهر بَين النَّاس بِحِفْظ الرِّجَال وعينه شَيْخه الْعَبَّادِيّ لإسماع الحَدِيث بالْمقَام الأحمدي بطبندا فَتوجه إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى فانتشر صيته بِمَعْرِِفَة الرِّجَال فَصَارَ يجْتَمع عِنْده جمَاعَة للْقِرَاءَة عَلَيْهِ وأكر بَعضهم التنويه بِذكرِهِ فَعرف بِهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء
وَبِالْجُمْلَةِ فَكَانَ يستحضر بجملة من مشاهير الرِّجَال وَكَذَا الْمُتُون مَعَ كثير من الْقَرِيب والمبهم وَهُوَ أحد التِّسْعَة الَّذين اوصى إِلَيْهِم شيخ الأسلام ابْن حجر وَصفهم بكونهم أهل الحَدِيث هَذَا ملخص مَا ذكره السخاوي فِي تَرْجَمته
قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد الْمَكِّيّ أَقُول وَبعد الْمُؤلف انْفَرد بالرواية وازدحم عَلَيْهِ الطّلبَة وَصَارَ لَهُ ذكر عِنْد الْخَاصَّة والعامة مَعَ عدم مَعْرفَته بتخريج الاسناد لَكِن النَّاس انتفعوا بتقريره وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن لقى الله رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر جُمَادَى الثَّانِيَة توفّي الشَّيْخ الْكَبِير وَالْوَلِيّ الشهير الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى برهَان الدّين أَبُو الطّيب إِبْرَاهِيم بن مَحْمُود بن حسن الاقصراي الاصل القاهري
стр. 44
الْحَنَفِيّ الشَّافِعِي المواهبي نِسْبَة لتلمذة لأبي الْمَوَاهِب بن رعدان وَدفن فِي صبح يَوْم الْجُمُعَة قبل صَلَاة الظّهْر بزاويته بِالْقَاهِرَةِ
قَرَأَ طرفا من الْعلم على شُيُوخ عصره كالسخاوي وَغَيره وَصَحب الشَّيْخ الْكَامِل مُحَمَّدًا أَبَا الْفتُوح الشهير بِابْن المغربي وَأخذ عَنهُ التصوف ثمَّ أَخذ بِإِذْنِهِ من الْوَلِيّ الْكَبِير مُحَمَّد أبي الْمَوَاهِب التّونسِيّ فَعَاد عَلَيْهِ بَرَكَات عوارفه وانهلت على أَرض قلبه أمطار وارفة وَفتح الله لَهُ على يَدَيْهِ وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء ذكره السخاوي بِاخْتِصَار
قَالَ الشَّيْخ جَار الله بن فَهد ﵀ أَقُول وَقد جاور صَاحب التَّرْجَمَة بِمَكَّة سنة أَربع وَتِسْعمِائَة وَأقَام بهَا ثَلَاث سِنِين وَألف بهَا شرحا على الحكم لِابْنِ عَطاء الله سَمَّاهُ أَحْكَام الحكم لشرح الْحَكِيم وَشرح رسَالَته الْمُسَمَّاة أصُول مُقَدمَات الْأُصُول وَشرح كَلِمَات عَليّ بن مُحَمَّد وفا الْمَعْرُوف يَا مَوْلَانَا يَا وَاحِد يَا أحد سَمَّاهُ شرح التمويل فِي بَيَان مشَاهد يَا مَوْلَانَا يَا وَاحِد يَا أحد وَشرح الرسَالَة السنوسية فِي أصُول الدّين وَله ديوَان نظم وعدة رسائل وَسَبْعَة أحزاب ومؤلفات فِي الزِّيَارَة النَّبَوِيَّة وَغير ذَلِك أَخذ النَّاس عَنهُ فِي التصوف
وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ أفادني أستاذي أَبُو الْمَوَاهِب أَن من ادل دَلِيل على خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁ قَوْله ﷺ مَا فَضلكُمْ أَبُو بكر بِصَوْم وَلَا صَلَاة وَلَكِن بِشَيْء وقر فِي صَدره أَي فبذلك الشيءالذي وقر فِي صَدره يسْتَحق الْخلَافَة ثمَّ أنتقل فانتقلت تِلْكَ الوراثة إِلَى عمر ثمَّ إِلَى عُثْمَان ثمَّ إِلَى عَليّ ثمَّ إِلَى الْحسن ﵃ أَجْمَعِينَ وَبِذَلِك كَمَال خلافتهم ظَاهرا وَبَاطنا
وفيهَا أحترق من مَدِينَة عدن جَانب عَظِيم من نصف اللَّيْل إِلَى قرب الْفجْر وَتَلفت فِيهِ بيُوت كَثِيرَة من بيُوت التُّجَّار كَأبي اللَّيْل وَأحمد بن عبد السَّلَام وَأحمد الدهلوي والحوامحي وَإِسْمَاعِيل بن عبد الأول النَّاشِرِيّ وجانب من السُّوق الْكَبِير إِلَى بَيت أبي شكيل وجانب من حافة الْيَهُود وحافة الحبوش باسرها وَأَحْدَقَتْ النَّار بِالْمَدْرَسَةِ السفيانية وَتَلفت فِيهَا أَمْوَال جليلة وَيُقَال أَنه بلغ عدد الْبيُوت الْمُحْتَرِقَة تِسْعمائَة بَيت وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
стр. 45
وفيهَا حصل بِمَدِينَة زبيد وضواحيها زلازل وتواترت لَيْلًا وَنَهَارًا وأشفق النَّاس مِنْهَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَفِي منتصف لَيْلَة الْأَرْبَعَاء التَّاسِع عشر من رَجَب مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الصَّالح سراج الدّين عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد بن يحيى الجهمي صَاحب قَرْيَة الْمِصْبَاح من أصَاب بِبَلَدِهِ وَكَانَ مُعْتَمد أهل أصَاب ومرجعهم وحاكمهم وعالمهم قَرَأَ على الْفَقِيه أبي بكر البليما والفقيه مُحَمَّد بن أَحْمد مفضل الوَاسِطِيّ وَالْقَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن القماط والفقيه مُوسَى بن زين العابدين الرداد وأنتفع بِهِ كثيرا ﵀
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان توفّي الإِمَام مُحَمَّد بن نَاصِر صَاحب صنعاء ﵀
وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الثَّالِث من شهر شَوَّال توفّي الْفَقِيه رَضِي الدّين أَبُو بكر بن عمر البليما وَكَانَ عَارِفًا بِعلم اللُّغَة والعربية بزبيد وَدفن صبيحتها عِنْد خواله بني النَّاشِرِيّ ﵀
وفيهَا حصل بِمَدِينَة زبيد ونواحيها وبمدينة عدن وَالْجِبَال مرض يعرف بشمندله وَهُوَ ريح يَأْخُذ المفاصل والأعضاء وَيمْنَع من الْحَرَكَة ثَلَاثَة ايام يكون مَعَه حمى ثمَّ تَزُول وَهُوَ سليم وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
سنة تسع بعد التسْعمائَة ٩٠٩ هـ
وَفِي سنة تسع كَانَ يتَرَاءَى للنَّاس فِي مَا بَين حَائِط دَار الشَّجَرَة وَمَسْجِد الحما رجل طَوِيل يزِيد طوله على مَنَارَة جَامع الملاح أسود اللَّوْن ذُو وفرة الخطوة الْوَاحِد مِنْهَا مِقْدَار ثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَكَانَ يرَاهُ بعض النَّاس دون بعض وَرُبمَا رُؤِيَ بطرِيق النّخل مَا بَين مَسْجِد الزيد وَدَار الشَّجَرَة
وفيهَا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الصَّالح عفيف الدّين عبد الْمجِيد بن عبد الْعَلِيم اقبال الْمَعْرُوف بالقرتبي بِمَدِينَة زبيد وَهُوَ يَوْمئِذٍ رَأس المفتيين بهَا على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ وَدفن صبح يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي يَوْم
стр. 46
مَوته بمجنة بَاب القرتب إِلَى جَانب وَالِده قَرِيبا من مشْهد الْفَقِيه أبي بكر الْحداد رحمهمَا الله تَعَالَى
وفيهَا اسْتمرّ دُعَاء الْخَطِيب على الْمِنْبَر وارتفع تضرعه فِي كشف مَا حل بِالنَّاسِ من الْحُبُوب الْمَعْرُوفَة بالنَّار الْفَارِسِي وَكَانَ قد كثر بِبِلَاد الْيمن وَزَاد وَذهب عَن النَّاس وَعَاد وَاسْتمرّ مَعَهم من أَوَائِل سنة سِتّ وَتِسْعمِائَة فَمَا بعْدهَا وحرجت مِنْهُ الصُّدُور وَضَاقَتْ النُّفُوس
سنة عشر التسْعمائَة ٩١٠ هـ
وَفِي يَوْم الْأَحَد سلخ الْمحرم سنة عشر توفّي السُّلْطَان الْعَادِل الْمَشْهُور بِأَفْعَال الْخَيْر واقامة الشَّرْع عبد الله بن جَعْفَر الكثيري بالشحر وَكَانَت سيرته فِي رَعيته سيرة حَسَنَة محمودة ﵀
وفيهَا حصل بِمَدِينَة زبيد زَلْزَلَة عَظِيمَة وزلزلت تِلْكَ اليلة مَدِينَة زيلع زلزالاً عَظِيما شَدِيدا أوقع بعض بيوتها وَخرج أهل الْبيُوت إِلَى السَّاحِل وَلم يرجِعوا إِلَى مَنَازِلهمْ إِلَّا صباحاً وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وفيهَا انقض كَوْكَب عَظِيم وَقت الْعشَاء من الْيمن فِي الشَّام عرض مَدِينَة زبيد وتشظى مِنْهُ شظايا عَظِيمَة ثمَّ حصلت بعده هزة عَظِيمَة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وفيهَا وجد كنز ذهب بقرية هقده مَا بَين مدينتي عدن وموزع كَانَ بهَا مَسْجِد قد خرب فَأَرَادَ رجل تَجْدِيد عِمَارَته فَوجدَ الحفارون فِي الأساس كنز ذهب شخوصاً مَضْرُوبا عَلَيْهَا بسكة لَا تشبه سكَّة الْإِسْلَام الْوَزْن لكل شخص مِنْهَا ربع أُوقِيَّة كل أَرْبَعَة مِنْهُ أُوقِيَّة ذهب وَكَانَ قبل ذَلِك وجد أَيْضا بِمَدِينَة عدن كنز آخر فِي أساس مَسْجِد لكنه دون هَذَا
وفيهَا كَانَت الْوَاقِعَة الْمَشْهُورَة بَين بَين السُّلْطَان عَامر بن عبد الْوَهَّاب والأمير مُحَمَّد بن الْحُسَيْن البهال صَاحب صعده على بَاب صنعاء فَانْهَزَمَ فِيهَا البهال وعساكره هزيمَة عَظِيمَة مَا سمع بِمِثْلِهَا قطّ وَأسر فِيهَا إِمَام الزيدية مُحَمَّد بن عَليّ الوشلي إِمَام أهل الْبِدْعَة وَرَئِيسهمْ فِي جمع عَظِيم وَقتل مِنْهُم جمع لَا يُحْصى ونهبهم النَّاس وَكَانُوا يأْتونَ بهم وبخيلهم وَاحِدًا وأثنين وَأخذ السُّلْطَان عَامر مَدِينَة صنعاء
стр. 47
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر من شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام توفّي إِمَام الزيدية مُحَمَّد بن عَليّ الوشلي أَسِيرًا بِمَدِينَة صنعاء إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَصلي عَلَيْهِ بجامعها وَدفن بهَا ﵀
وَفِي ضحى يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور توفّي الْفَقِيه الصَّالح تَقِيّ الدّين عبد السَّلَام ابْن القَاضِي مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النَّاشِرِيّ إِلَى رَحْمَة الله بِمَدِينَة زبيد وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر بِمَسْجِد الاشاعر وَدفن إِلَى جنب قبر وَالِده رَحمَه الله تَعَالَى
سنة إِحْدَى عشرَة بعد التسْعمائَة ٩١١ هـ
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة وَقت الْعَصْر تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى عشرَة توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الْحَافِظ أَبُو الْفضل جلال الدّين عبد الرَّحْمَن أبن كَمَال الدّين أَبُو بكر بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن خضر بن أَيُّوب بن مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ الْهمام الخضيري السُّيُوطِيّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي وَصلي عَلَيْهِ بِجَامِع الأفاريقي تَحت القلعة وَدفن بشرقي بَاب القرافة وَمرض ثَلَاثَة أَيَّام والخضيري نِسْبَة إِلَى محلّة الخضيرية بِبَغْدَاد وَوجد بِخَطِّهِ ﵀ أَنه سمع مِمَّن يَثِق بِهِ أَنه سمع وَالِده يذكر أَن جده الْأَعْلَى كَانَ أعجمياً أَو من الْمشرق فَلَا يبعد أَن النِّسْبَة إِلَى الْمحلة الْمَذْكُورَة وَأمه أم ولد تركية
وَكَانَ مولده بعد الْمغرب لَيْلَة الْأَحَد مستهل رَجَب سنة تسع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ يلقب بِابْن الْكتب لِأَن أَبَاهُ كَانَ من أهل الْعلم وَاحْتَاجَ إِلَى مطالعة كتاب فَأمر أمه أَن تَأتيه بِالْكتاب من بَين كتبه فَذَهَبت لتأتي بِهِ فَجَاءَهَا الْمَخَاض وَهِي بَين الْكتب فَوَضَعته
ثمَّ سَمَّاهُ وَالِده بعد الْأُسْبُوع عبد الرَّحْمَن ولقبه جلال الدّين وكناه شَيْخه قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الْكِنَانِي لما عرض عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ مَا كنيتك فَقَالَ لَا كنيه لي فَقَالَ أَبُو الْفضل وَكتبه بِخَطِّهِ وَتُوفِّي وَالِده لَيْلَة الأثنين خَامِس صفر سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَجعل الشَّيْخ جمال كَمَال الدّين ابْن الْهمام وَصِيّا عَلَيْهِ فلحظه بنظره ودعايته وَختم الْقُرْآن وسنه دون ثَمَان سِنِين ثمَّ حفظ عُمْدَة الْأَحْكَام ومنهاج النَّوَوِيّ والفية ابْن مَالك ومنهاج الْبَيْضَاوِيّ وعرضها وَهُوَ دون الْبلُوغ
стр. 48
على مَشَايِخ عصره واحضره وَالِده وعمره ثَلَاث سِنِين مجْلِس شيخ الْإِسْلَام ابْن حجر مرّة وَاحِدَة وَحضر وَهُوَ صَغِير مجْلِس الشَّيْخ الْمُحدث زين الدّين رضوَان الْعُتْبِي ودرس الشَّيْخ سراج الدّين عمر الوردي ثمَّ اشْتغل بِالْعلمِ على عدَّة مَشَايِخ وَحج سنة تسعٍ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَشرب من مَاء زَمْزَم لأمور منهاا أَن يصل فِي الْفِقْه إِلَى رُتْبَة الشَّيْخ سراج الدّين البُلْقِينِيّ وَفِي الحَدِيث إِلَى رُتْبَة الْحَافِظ ابْن حجر ووصلت مصنفاته نَحْو الستمائة مصنفاً سوى مَا رَجَعَ عَنهُ وغسله وَولي المشيخة فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة من الْقَاهِرَة ثمَّ أَنه زهد فِي جَمِيع ذَلِك وَانْقطع إِلَى الله بالروضة وَكَانَت لَهُ كرامات وَعظم غالبها بعد وَفَاته
وَحكى الشَّيْخ الْعَلامَة زَكَرِيَّا بن الشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد الْمحلي الشَّافِعِي انه عرض لَهُ مُهِمّ فِي بعض أوقاته قَالَ فَسَأَلته أَن يكْتب إِلَى بعض تلامذته بِالْوَصِيَّةِ عَليّ فَامْتنعَ وأطلعني على ورقة بِخَطِّهِ وفيهَا أَنه اجْتمع بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَقَظَة مَرَّات تزيد على سبعين مرّة وَقَالَ لَهُ كلَاما حَاصله أَن من كَانَ بِهَذِهِ المثابة لَا يحْتَاج إِلَى مدد وأعانه من أحد ﵀
وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي بَين يَدي النَّبِي ﷺ فَذكرت لَهُ كتابا شرعت فِي تأليفه فِي الحَدِيث وَهُوَ جمع الْجَوَامِع فَقلت لَهُ أَقرَأ عَلَيْكُم شَيْئا مِنْهُ فَقَالَ لي هَات يَا شيخ الحَدِيث قَالَ هَذِه الْبُشْرَى عِنْدِي أعظم من الدُّنْيَا بحذافيرها
وَمن تصانيفه الدّرّ المنثور فِي التَّفْسِير بالمأثور اثْنَي عشر مجلداً وتناسق الدّرّ فِي تناسب السُّور وحاشية على الْبَيْضَاوِيّ الى الأسراء والأزهار الفائحة على الْفَاتِحَة والمعاني الدقيقة فِي إِدْرَاك الْحَقِيقَة واتمام النِّعْمَة فِي اخْتِصَاص الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْأمة والديباج على صَحِيح مُسلم ابْن الْحجَّاج وكشف الغطا فِي شرح الموطا وتنوير الحوالك على موطأ مَالك والبدور السافرة عَن أُمُور الْآخِرَة ونتيجة الْفِكر فِي الْجَهْر بِالذكر وتزيين الآرائك فِي إرْسَاله ﷺ إِلَى الملائك ومسالك الحنفا فِي إِسْلَام وَالِدي الْمُصْطَفى وَنشر العلمين المنيفين فِي إحْيَاء الْأَبَوَيْنِ الشريفين وذم الْقَضَاء وذم زِيَارَة الْأُمَرَاء والتنفيس عَن ترك الافتاء والتدريس وَالْأَحَادِيث الحسان فِي فضل الطيلسان وطي اللِّسَان عَن ذمّ الطيلسان
стр. 49
والتضلع فِي معنى المتقنع وَعين الأصابة فِي مَا استدركته عَائِشَة على الصَّحَابَة والاحتفال بالأطفال وَمَا رَوَاهُ الأساطين فِي عدم الْمَجِيء إِلَى السلاطين والأوج فِي خبر عوج والوديك فِي الديك والطرثوث فِي فَوَائِد البرغوث وَله مُخْتَصر نِهَايَة ابْن الْأَثِير والينبوع فِيمَا زَاد على الرَّوْضَة من الْفُرُوع ومختصر الْخَادِم ومختصر الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة وَشرح الرَّوْض لِابْنِ الْمقري وَشرح التَّنْبِيه مُخْتَصر والبهجة المرضية فِي شرح الألفية ممزوج والمسائل الوفية فِي نكت الحاجبتين والألفية على منوال التَّحْرِير للشَّيْخ ولي الدّين الْعِرَاقِيّ على الْكتب الثَّلَاثَة فِي الْفِقْه جَامع لكل مَا يرد على عبارتها وَمَا ناقضوه فِي غَيرهَا من مصنفاتهم مَعَ مَا أمكن من الْجَواب
وَمن تصانيفه السَّيْف الصَّقِيل فِي نكت شرح الألفية لِابْنِ عقيل وَالْفَتْح الْقَرِيب على مغنى اللبيب وَجمع الْجَوَامِع فِي الْعَرَبيَّة وَشَرحه همع الهوامع والمرقاة الْعلية فِي شرح الْأَسْمَاء النَّبَوِيَّة وَشرح الشاطبية ممزوج ونظم جمع الْجَوَامِع فِي الْأُصُول وَشَرحه والطب النَّبَوِيّ وطبقات الْحفاظ وطبقات الشَّافِعِيَّة وطبقات النُّحَاة وانموذج اللبيب فِي خَصَائِص الحبيب والحجج المبينة فِي التَّفْضِيل بَين مَكَّة وَالْمَدينَة والإكليل فِي استنباط التَّنْزِيل وَفتح الآله فِي التَّفْصِيل بَين الطّواف وَالصَّلَاة والبارع فِي اقطاع الشَّارِع وكشف الصبابة فِي مَسْأَلَة الِاسْتِنَابَة وَحسن الْمَقْصد فِي عمل المولد وتشنيف الْأَركان فِي لَيْسَ فِي الامكان ابدع مِمَّا كَانَ وفجر الدياجي فِي الأحاجي ونزهة الجلساء فِي أشعار النِّسَاء وَشرح الصُّدُور بشرح أَحْوَال الْقُبُور وَله تَعْلِيق لطيف على البُخَارِيّ وَله غير ذَلِك لَكِن كثيرا من مؤلفاته هَذِه الْمَذْكُورَة صَغِيرَة وَبَعضهَا فِي كراس وكراسين وَمن شعره مضمناً لمصراع من الْبردَة وَهُوَ مِمَّا كتب بِهِ إِلَى الْحَافِظ السخاوي متحاملا ومعرضا بِهِ ... قل السخاوي أَن تعروك مشكلة ... علمي كبحر من الأمواج ملتطم
والحافظ الديمي غيث الزَّمَان فَخذ ... غرفاً من الْبَحْر أورشفا من الديم ...
قَالَ بعض الْفُضَلَاء وَالْحق إِن كلا من الثَّلَاثَة كَانَ فَردا فِي فنه مَعَ الْمُشَاركَة فِي غَيره فالسخاوي تفرد بِمَعْرِِفَة علل الحَدِيث والديمي
стр. 50
بأسماء الرِّجَال والسيوطي بِحِفْظ الْمَتْن وَالله أعلم وَكَانَ بَينه وَبَين الْحَافِظ السخاوي منافرة كَمَا يكون بَين الأكابر
ذكر الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي المقامة السندسية لَهُ عِنْد الْكَلَام على أَحيَاء أَبَوي النَّبِي ﷺ فَقَالَ وَهل تستبعد على من انجى الله بِهِ الثقلَيْن أَن يُنجي بِهِ الْأَبَوَيْنِ فَإِن استبعد هُوَ ذَلِك فَلَيْسَتْ الشدَّة عِنْدِي بأرجح من الرخَاء وَأَن استكثر ذَلِك فانه لبخيل حَيْثُ شح لأجمل الْأَمريْنِ وَهُوَ السخاء شعر ... شيخ السخاوي بالانجاء يذكرهُ ... عَن وَالِدي سيد الْأَبْنَاء والأمم
إِن عز إِن يبلغ الْبَحْر الخضم روى ... بالتيه يَسْتَقِي من وابل الديم ...
وَله أَيْضا فِيمَا يسن قبُوله من الْأَشْيَاء ... عَن الْمُصْطَفى سبع يسن قبُولهَا ... إِذا مَا بهَا قد أتحف الْمَرْء خلان
فحلو وألبان ودهن وسَادَة ... ورزق لمحتاج وَطيب وَرَيْحَان ...
وَله أَيْضا فِي من كَانَ يُفْتِي من الصَّحَابَة زمن النَّبِي ﷺ ... وَقد كَانَ فِي عصر النَّبِي جمَاعَة ... يقومُونَ بالافتاء قومة قَانِت
فَأَرْبَعَة أهل الْخلَافَة مِنْهُم ... معَاذ أبي وَابْن عَوْف ابْن ثَابت ...
واسيوط مَدِينَة فِي غربي النّيل من نواحي الصَّعِيد فِي مستوى كَثِيرَة الْخيرَات اعجوبة المنتزهات وعجائب عماراتها وسورها مِمَّا لَا يذكر وَلما صورت الدُّنْيَا للرشيد لم يستحسن غير كورة اسيوط لِكَثْرَة مَا بهَا من الْخيرَات والمنتزهات وَمن عجائبها أَن بهَا يكش ألف فدان ينشر مَاؤُهَا فِي جَمِيعهَا لِاسْتِوَاء سطح أرْضهَا ويسير المَاء فِي أقطارها قَالَه الْقزْوِينِي
وفيهَا فِي يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر ذِي الْقعدَة توفّي عَالم الْمَدِينَة إِمَام الْقدْوَة والمتفنن الْحجَّة الشريف ذُو التصانيف الشهيرة نور الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن القَاضِي عفيف الدّين عبد الله بن أَحْمد بن أبي الْحسن عَليّ بن أبي الرّوح عِيسَى بن أبي عبد الله مُحَمَّد بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن جلال الدّين أبي العلياء بن أبي الْفضل جَعْفَر بن عَليّ بن أبي
стр. 51
طَاهِر بن الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد بن الْحسن ٠ الْأَكْبَر بن عَليّ بن أبي طَالب الحسني وَيعرف بالسمهودي نزيل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وعالمها ومفتيها ومدرسها ومؤرخها تَرْجَمَة الحافظان الْمعز ابْن فَهد وَالشَّمْس السخاوي
وسَاق أَولهمَا نسبه كَمَا ذكرته وَقَالا مَا مُخْتَصره انه ولد فِي صفر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة بسمهود وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن والمنهاج الفرعي وكتباً ولازم وَالِده حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ الْمِنْهَاج بِجَامِع شَرحه للجلال الْمحلي وَشَرحه الْبَهْجَة نصفه سَمَاعا وَجمع الْجَوَامِع وغالب الفية ابْن مَالك وَسمع عَلَيْهِ بعض كتب الحَدِيث وَقدم الْقَاهِرَة مَعَه وبمفرده غير مرّة أَولهَا سنة ثَلَاث وَخمسين ولازم أَولا الشَّمْس الْجَوْجَرِيّ فِي الْفِقْه وأصوله والعربية قَرَأَ على الْجلَال الْمحلي بعض شرحيه على الْمِنْهَاج وَجمع الْجَوَامِع وَسَمَاع دروسه من الرَّوْضَة بالمؤيدية وَأكْثر من مُلَازمَة الشّرف الْمَنَاوِيّ وَقسم عَلَيْهِ الْمِنْهَاج مرَّتَيْنِ والتنبيه وَالْحَاوِي والبهجة وجانباً من شرحهما وَشرح الْجَوَامِع كِلَاهُمَا لشيخه الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ وَغَيرهمَا من مؤلفاته وَجُمْلَة فِي فنون وَألبسهُ خرقَة التصوف وَقَرَأَ على النَّجْم ابْن قَاضِي عجلون تَصْحِيحه للمنهاج وعَلى الشَّمْس الباهي تقاسم الْمِنْهَاج وَغَيره وعَلى الشَّيْخ زَكَرِيَّا فِي الْفِقْه والفرائض وعَلى الشَّمْس الشرواني فِي شرح عقائد النَّسَفِيّ وغالب الطوالع للاصبهاني وَسمع عَلَيْهِ الآلهيات وَقطعَة من الْكَشَّاف وَمن الْمُخْتَصر والمطول وللعضدي وَشرح الْمِنْهَاج اللأصلي للعزى وَغير ذَلِك
وَحضر عِنْد الْعلم البُلْقِينِيّ وَكَذَا الْكَمَال إِمَام الكمالية وَألبسهُ الْخِرْقَة ولقنه الذّكر وَقَرَأَ عُمْدَة الْأَحْكَام بحثا على الديري وَأذن لَهُ فِي التدريس والبامي والجوجري فِيهِ وَفِي الْإِفْتَاء الشهَاب السارحي بعد امتحانه بمسائل وَفِيه أَيْضا زَكَرِيَّا والمحلي والمناوي وَعظم اخْتِصَاصه بالاخيرين وتزايد مَعَ الْمَنَاوِيّ وَقَررهُ فِي عدَّة وظائف وَعرض عَلَيْهِ النِّيَابَة فاباها مَعَ قَضَاء بَلَده وَأمر نوابها وَكَانَ يتَوَجَّه لزيارة أَهله أَحْيَانًا
стр. 52
قَالَ السخاوي وَسمع مني مصنفي الابتهاج وَغَيره وَكَانَ على خير كثير وقطن بِالْمَدِينَةِ من سنة ثَلَاث وَسبعين ولازم فِيهَا الشهَاب الابشيطي وَحضر درسه فِي الْمِنْهَاج وجانبا من تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ وَشرح الْبَهْجَة للعراقي والتوشيح لِابْنِ هِشَام بل قَرَأَ عَلَيْهِ تصانيفه وَأذن لَهُ فِي التدريس وَأكْثر من السماع هُنَاكَ على أبي الْفرج المراغي وَقَرَأَ على عبد الله بن صَالح وَألبسهُ خرقَة التصوف بلباسه من عمر العرابي وَكَانَ سمع بِمَكَّة على كمالية بنت النَّجْم الْمرْجَانِي وشقيقها الْكَمَال أبي الْفضل والنجم عمر بن فَهد فِي آخَرين وبالقاهرة على جمَاعَة سوى من تقدم
وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة وَالْتمس من النَّجْم عمر بن فَهد تَخْرِيج مشيخة لَهُ ففعلها وعظمه فِي خطبتها وَمَات قبل اكمالها فتممها وَلَده الْعِزّ عبد الْعَزِيز وبيضها لَهُ وَحدث بِمَا فِيهَا وانتفع بِهِ جمَاعَة من الطّلبَة فِي الْحَرَمَيْنِ وَألف عدَّة تآليف مِنْهَا جَوَاهِر الْعقْدَيْنِ فِي فضل الشريفين وأقتفاء الوفا بأخبار دَار الْمُصْطَفى احْتَرَقَ قبل اكماله ومختصر خُلَاصَة الوفا لما يجب لحضرة الْمُصْطَفى فِي تنظيف الْحُجْرَة من الْحَرِيق وَغَيرهَا فِي مسَائِل وَاقعَة فِيهَا وحاشية على الايضاح فِي مَنَاسِك الْحَج للامام النَّوَوِيّ وسماها الافصاح وَكَذَا على الرَّوْضَة أَيْضا سَمَّاهَا امنية المقتنين بروضة الطالبين وصل فِيهَا إِلَى بَاب الرِّبَا وَجمع فَتَاوِيهِ فِي مُجَلد وَهِي مفيدة جدا وَحصل كتبا نفيسة احترقت جَمِيعهَا وَهُوَ بِمَكَّة فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ
وسافر فِي موسمها بِالْقَاهِرَةِ فلقي سلطانها الْأَشْرَف قايتباي فَأحْسن إِلَيْهِ بمرتب على الذَّخِيرَة وَغَيره واوقف كتبا بِالْمَدِينَةِ وَجعله ناظرها وزار بَيت الْمُقَدّس وَعَاد للمدينة مستوطناً وَتزَوج بهَا عدَّة زَوْجَات ثمَّ اقْتصر على السراري وَملك الدّور وعمرها
قَالَ السخاوي قل أَن يكون أحد من أَهلهَا لم يقْرَأ عَلَيْهِ وَاسْتقر فِي النّظر على الْجمع بمدرسة الْأَشْرَف وَمَا بِهِ من الْكتب فِي مصارف الْمدرسَة المزهرية مَعَ الصّرْف من الصَّدقَات كالقضاة وتقرر فِي التدريس مَعَ مَا رتبه لَهُ ملك الرّوم وانقاد لَهُ أَمِير دَاوُد بن عمر فِي صدقاته حِين
стр. 53
حج وَبعدهَا وَكَذَا ابْن خير وَغَيرهَا لما تقرر عِنْدهم من علمه وتدينه مَعَ التكسب بِالْبيعِ وَالشِّرَاء والمعاملة
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ فَاضل متفنن متميز فِي الْأَصْلَيْنِ وَالْفِقْه مديم الْعلم وَالْجمع والتأليف مُتَوَجّه للعباد بالمباحثة والمناظرة قوي الجلادة طلق الْعبارَة مَعَ قُوَّة تفنن وَرُبمَا أَدَّاهُ الْبَحْث إِلَى محاسنة مَعَ المبحوث مَعَه وعَلى كل حَال فَهُوَ فريد فِي مَجْمُوعه وَمن شعره ... تحكم الْحبّ مني كَيفَ أكتمه ... أم كَيفَ أُخْفِي الْهوى والدمع يظهره
أَهْوى لقاؤه ويهوى سَيِّدي تلفي ... مَا كل مَا يتَمَنَّى الْمَرْء يُدْرِكهُ ...
وفيهَا فِي عَشِيَّة الْجُمُعَة عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الْفَقِيه أَحْمد بن الْعَلامَة الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد أَبَا محزمة وَكَانَت ولَايَته بعدن وَقت طُلُوع الْفجْر يَوْم الْأَرْبَعَاء أول يَوْم من صفر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَأخذ عَن وَالِده وبرع فِي الْفِقْه وَغَيره من الْعُلُوم وَلَا سِيمَا فِي الْفَرَائِض والحساب وَأَنه لم يكن لَهُ فيهمَا نَظِير حَتَّى أَن وَالِده مَعَ تمكنه فِي هذَيْن الفنين كَانَ يَقُول هُوَ أمهر مني فيهمَا وَكَانَ يحفظ جَامع المختصرات فِي الْفِقْه وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ من الْأَئِمَّة الْأَعْيَان الْفَقِيه الْعَلامَة مُحَمَّد بن عمر أَبَا قضام وانتفع بِهِ كثيرا
وفيهَا حصلت بِمَدِينَة زبيد وَسَائِر جهاتها ريح شَدِيدَة واقتلعت أشجاراً كَثِيرَة وكسرتها وهدمت بعض الْبيُوت بزبيد وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
وَفِي سحر لَيْلَة السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر ربيع الْأُخَر توفّي الشَّيْخ الصَّالح نجم الدّين طَلْحَة الْعَبَّاس الهتار بِمَدِينَة زبيد وَدفن بعد عصر ذَلِك الْيَوْم بقبة جده طَلْحَة بن عِيسَى الهتار وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم حَضَره الْأَمِير وَالْقَاضِي وَغَيرهم ﵀ ونفع بِهِ
وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء من شهر رَجَب توفّي الشَّيْخ الصَّالح عفيف الدّين عُثْمَان بن أبي الْقَاسِم بن أبي الْأَفْلَح بقرية الزبيد وَدفن بهَا رَحْمَة الله تَعَالَى
وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث عشر من شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام توفّي الْفَقِيه الصَّالح إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ حداد صَاحب الدراع من بِلَاد
стр. 54
صهْبَان بِبَلَدِهِ وَكَانَ رجلا مُبَارَكًا مَشْهُورا باطعام الطَّعَام وَفعل الْخَيْر رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا دفع وَادي زبيد بسيل عَظِيم لم يعْهَد مثله يُقَال انه ارْتَفع فِي الْهَوَاء مِقْدَار خَمْسَة ابواع واخرج جملَة من اراضي التراكي وسالت بيُوت وزروع وَطَعَام كثير وَبنى آدم وعسر الِانْتِفَاع بِهِ وأخرب المعقم الطاهري وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
سنة أثنتي عشرَة بعد التسْعمائَة ٩١٢ هـ
وَفِي لَيْلَة السبت الْخَامِس من صفر سنة اثْنَتَيْ عشرَة توفّي الشَّيْخ الصّديق بن مُحَمَّد الزجاجي صَاحب الظَّاهِرَة بِمَدِينَة زبيد وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الصُّبْح بِمَسْجِد الاشاعر وَدفن إِلَى جنب وَالِده بتربة بني المزجاجي وَكَانَ لَهُ مشْهد عضيم وَحضر يَوْم ثَالِث مَوته للْقِرَاءَة جمع عَظِيم ﵀
وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء مستهل شهر رَجَب مِنْهَا توفّي الْفَقِيه إِسْمَاعِيل بن عَليّ الْعجل الْحَنَفِيّ ﵀ بِمَدِينَة زبيد
وفيهَا فِي عَشِيَّة الثُّلَاثَاء الْعشْرين من شهر شَوَّال توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة مفتي مَدِينَة تعز الشّرف بن وهيب عَن أَرْبَعَة وَسبعين سنة ﵀
سنة ثَلَاثَة عشر بعد التسْعمائَة ٩١٣ هـ
وَفِي سنة ثَلَاثَة عشر توفّي الْفَقِيه الْأَجَل نجم الدّين طَلْحَة بن مُحَمَّد بن يحيى الجهمي صَاحب الْمِصْبَاح ببلدة من أصَاب وَدفن هُنَالك بجوار جده الْفَقِيه الصَّالح يحيى بن أَحْمد الجهمي وَكثر عَلَيْهِ الأسف رَحمَه الله تَعَالَى
وفيهَا غلب الافرنج على مَدِينَة هرموز وأخذوها
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من شهر ذِي الْقعدَة توفّي السَّيِّد الشريف الإِمَام شهَاب الدّين أَحْمد بن النَّاصِر بِمَدِينَة تعز وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر بِجَامِع ذِي عدينة وَدفن بمقابرها الاجتباد وَكَانَ لَهُ مشْهد عَظِيم رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 55
سنة أَربع عشر بعد التسْعمائَة ٩١٤ هـ
وَفِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر الْمحرم سنة أَربع عشر توفّي الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عمر أَبَا هُرْمُز الشبامي بهينن بِلَاد من أَرض حضر موت وهرمز بِضَم الْهَاء وَالْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَآخره زَاي وَهُوَ شيخ الْفَقِيه الصُّوفِي عمر بن عبد الله أَبَا محزمة وَكَانَ كَبِير الشَّأْن وَله أَحْوَال غَرِيبَة وكرامات خارقة رَحمَه الله تَعَالَى آمين
وَحكي أَنه نفع الله بِهِ كَانَ عِنْدَمَا يرد عَلَيْهِ الْحَال يطْلب النِّسَاء الحسان من ذَوَات الْجمال فيغنين بَين يَدَيْهِ ويرقصن فَكَانَ هَذَا دأبه فِي أَكثر الْأَوْقَات وَكَانَ الْفَقِيه عمر أَبَا محزمة على طَريقَة الْفُقَهَاء فَسمع بذلك فقصد الانكار على الشَّيْخ وَمنعه من ذَلِك فسافر من بَلَده إِلَيْهِ بِهَذِهِ النِّيَّة فَلَمَّا وصل إِلَى أثْنَاء الطَّرِيق بدا لَهُ أَن يرجع فَرجع إِلَى بَلَده
ثمَّ سمع عَنهُ أَيْضا أَمْثَال هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي ظَاهرهَا مُخَالفَة الشَّرْع فَمَا أمكنه الصَّبْر عَن ذَلِك فَصَارَ إِلَيْهِ ثَانِيًا وَدخل عَلَيْهِ فَلَمَّا وَقع بَصَره على الشَّيْخ كاشفه وَقَالَ لَهُ عمر عَاد وقتك مَا جَاءَ فَرجع كَذَلِك إِلَى بَلَده وامتثل وَلم يحصل مِنْهُ انكار على الشَّيْخ لما سبق لَهُ من الْفَتْح على يَدَيْهِ ثمَّ سَار إِلَيْهِ ثَالِثا فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أَمر الشَّيْخ نفع الله بِهِ بعض النِّسَاء الحسان مِمَّن كَانَت ترقص عِنْده ان تعتنقه فَمَا هُوَ إِلَّا أَن فعل بِهِ ذَلِك خر مغشياً عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق تلمذ للشَّيْخ وَحكمه فِي ذَلِك الْوَقْت وَفتح الله عَلَيْهِ ببركة الشَّيْخ وَصَارَ من كبار العارفين المربين
وَقيل أَن الْفَقِيه لما طلب التَّحْكِيم من الشَّيْخ قَالَ لَهُ صلي رَكْعَتَيْنِ إِلَى الشرق فامتثل فَلَمَّا أحرم رأى الْكَعْبَة تجاه وَجهه
وَرُوِيَ عَن الْفَقِيه عمر نفع الله بِهِ أَنه قَالَ وقفت بَين يَدي سَيِّدي وشيخي عبد الرَّحْمَن بن عمر أَبَا هُرْمُز ﵁ واسعفني بطلبتي وأجابني إِلَى مَسْأَلَتي عَشِيَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر رَجَب سنة تِسْعمائَة وَثَلَاثَة عشر ووقفت بَين يَدَيْهِ لَيْلَة قبل ذَلِك وَقلت لَهُ يَا سَيِّدي حكمني وألبسني الْخِرْقَة فَقَالَ أَنْت الْحَاكِم الْمُحكم قلت
стр. 56
فألبسني الْخِرْقَة على قَاعِدَة الصُّوفِيَّة فَقَالَ مَا هِيَ قاعدتي أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ قلت أَنا أحب ذَلِك قَالَ أَنا خرقتك وَأَنت نَائِب عني قلت فَلَا تغفل عني فِي أموري فَقَالَ وَالله اني مَعَك فِي صائب وَغير صائب وَإِنِّي لَك مثل روحك وَنحن على سَاق وَاحِدَة وَمرَّة قَالَ لي أَنْت أَنا وَقد أَشَارَ إِلَيّ ذَلِك الْفَقِيه بقوله على لِسَان حَال شَيْخه وَأَنت أَنا والطريقة وَاحِدَة والتمذهاب
ثمَّ قَالَ الْفَقِيه قلت لَهُ لقني شَيْئا من الْأَذْكَار قَالَ قل فِي كل مسَاء سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مائَة مرّة فَإِنَّهُ لَا يكْتب عَلَيْك ذَنْب وَقل فِي كل مسَاء يَا لطيف مائَة مرّة ثمَّ قل يَا حفيظ مائَة مرّة ثمَّ قل يَا كريم مائَة مرّة ثمَّ قل يَا كريم تكرم علينا بكرمك ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قل يَا لطيف لاطفنا بلطفك ثَلَاث مَرَّات ثمَّ قل يَا حفيظ احفظنا بحفظك ثَلَاث مَرَّات قلت إِن لي وردا من آيَة الْكُرْسِيّ أقرأها كل يَوْم ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر مرّة قَالَ هَذَا كثير قلت هُوَ سهل عَليّ قَالَ كثير قلت هُوَ سهل عَليّ قَالَ ابق عَلَيْهِ وَقرأَهَا وَقَالَ اقرأها هَكَذَا وَإِذا صمت وداع رَمَضَان فَجعل قرَاءَتهَا سرا بِالْقَلْبِ فَقَط قلت لي ورد من الله لَا اله إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم فَقَط وَهُوَ ألف مرّة قَالَ ابق عَلَيْهِ وَأَن زِدْت فَهُوَ خير لَك وَابْشَرْ فانهم معطوك أَكثر مِمَّا توهم مَا غير مَا يجيبك إِلَّا فِي الْعرض من غير تَأمل قلت فَلَا تغفل عني فَانِي مخلط كثير التَّخْلِيط قَالَ وَالله لَو تلبس المعتب أَن غير عَلَيْك عندنَا شَيْء وَأَنا شيخك فَعَلَيْك بِكِتَاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُول الله ﷺ وَأَنا شيخك فيهمَا وَفِي عُلُوم تستفاد مِنْهُمَا وَقد أَشَارَ الْفَقِيه إِلَى ذَلِك أَيْضا حَيْثُ قَالَ مُشِيرا إِلَى شَيْخه ... احْمِلُونِي فَتى يَا هلي مخلط ولعاب ...
ثمَّ قَالَ على لِسَان حَال شَيْخه ... ان لَو تلبس المعتب وتسهى وتنساب
لَا وَلَا الرَّد يَا أَبَا محزمة عَنْك ينجاب
أَنْت منا وَنحن مِنْك فِيمَا خطا أَو صاب ...
стр. 57
ثمَّ قَالَ لَهُ شَيْخه اجْعَل على نَفسك وردا من قِرَاءَة الْقُرْآن أما غيبا وَأما نظرا فِي الْمُصحف قلت لَهُ أَدخل أربعينيه قَالَ لَا وأنما أربعينيتك ان تحفظ لسَانك وعينك وأذنك من الْمُحرمَات أَرْبَعِينَ يَوْمًا واما الأربعينية الْمَعْرُوفَة فَلَا تدْخلهَا انْتهى
تَنْبِيه
قلت رُبمَا انه يشكل مَا صدر مِنْهُم فِي مثل ذَلِك على بعض الأغبياء ميل اكثر النَّاس بالطبع إِلَى الْفسق والفجور وَيَنْظُرُونَ إِلَى هَنَات وَقعت من بعض من ينْسب إِلَى الْعلم أَو مَا وَقع لبَعض أهل الله تَعَالَى كأحمد الْغَزالِيّ وَالشَّيْخ الْعَارِف عَليّ وَفَاء وَالشَّيْخ الْعَارِف عبد الرحمان أَبَا هُرْمُز وتلميذه الْفَقِيه عمر أَبَا محزمة وَالشَّيْخ جِبْرَائِيل الهتار وَغَيرهم نفع الله بهم فيظنون أَن الْأَمر سَوَاء وَلَيْسَ كَذَلِك فَمَا كَانَ يَقع من ذَلِك للنَّاس فَهُوَ شقوة فِي حَقهم وَأَكْثَرهم لَا يكترث بِمَا يصدر مِنْهُ من الْعِصْيَان وَلَا ينْدَم على ذَلِك وَمَا كَانَ يَقع مِمَّن ينْسب إِلَى الْعلم فَهُوَ دَعْوَة لَان الْمقَام لَا يعْطى ذَلِك وَهُوَ أَيْضا لَا يرتضي بِهَذِهِ الْحَالة وَإِنَّمَا تكون وَقعت مِنْهُ هفوة كعقوق الْوَالِدين أَو التكبر على خلق الله تعالي وَالنَّظَر إِلَيْهِم بِعَين الاحتقار وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَعُوقِبَ بِمثل ذَلِك وَمَا كَانَ نسب من ذَلِك إِلَى بعض أهل الله فَهُوَ إِنَّمَا هُوَ لصيانتهم أهل الْعِصْيَان وَذَلِكَ لكَمَال شفقتهم على خلق الله تعالي كَمَا هُوَ مَعْلُوم وَقد يكون لله مُرَاد فِي حق شخص معِين مِنْهُم من يُرِيد الله أَن يَنْقُلهُ من تِلْكَ الْحَالة ويرقيه أَلِي مَرَاتِب الْأَوْلِيَاء وَرُبمَا غلب على ذَلِك الْوَلِيّ بعض الْأَحْوَال القوية فخشي على عقله أَن يذهب أَو جِسْمه أَن يتْلف فاراد تَعْدِيل لطافة الْحَال بكثافتهم وَالله أعلم
وَلَا بُد مَا نذْكر نبذة تتَعَلَّق بقطر حَضرمَوْت وَحده وَوجه تَسْمِيَته وأقوال الْعلمَاء فِي ذَلِك وَمَا اخْتصَّ بِهِ من الْعَجَائِب والفضائل خُصُوصا بَلْدَة تريم تيمنا بذكرها وتتميماً للفائدة إِذْ كثير مِمَّن ذكر فِي هَذَا التَّارِيخ مَاتَ بِهَذِهِ الْبَلَد الْمُبَارَكَة وَبَعْضهمْ مَاتَ بغَيْرهَا مثل شبام ودوعان من بِلَاد حَضرمَوْت
стр. 58
فَنَقُول حَضرمَوْت بِفَتْح الْحَاء وَالْمِيم وَسُكُون الْمُعْجَمَة بلد بِالْيمن
قيل ان صَالحا لما هلك قومه جَاءَ بِمن مَعَه من الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ مَاتَ فَقيل حضر موت
وَذكر الْمبرد انه لقب عَامر جد اليمانية كَانَ لَا يحضر حَربًا إِلَّا كثر فِيهِ الْقَتْلَى فَقَالَ عَنهُ من رَآهُ حَضرمَوْت بتحريك الضَّاد ثمَّ كثر ذَلِك فسكن كَذَا ذكره الْحَافِظ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَته على صَحِيح مُسلم
وَقَالَ الإِمَام أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شراخيل الشبامي الْحَضْرَمِيّ فِي كِتَابه مِفْتَاح السّنة حَضرمَوْت بِلَاد مَشْهُورَة متسعة من بِلَاد الْيمن تجمع اودية كَثِيرَة وَهُوَ بِضَم ميمها وَقد اخْتصَّ بِهَذَا الِاسْم وَادي ابْن رَاشد طوله نَحْو مرحلَتَيْنِ أَو ثَلَاث إِلَى قبر هود ﵇ وَيُطلق على بِلَاد كَثِيرَة وساحلها الْعين وبروم إِلَى الشّجر ونواحيها ونجدها من جردان ونواحيها إِلَى تريم إِلَى قبر هود ﵇ وَمَا وَرَاء ذَلِك بِلَاد مهرَة والأحقاف بِلَاد عَاد جمع حقف هُوَ كثيب الرمل ذكره الواحدي فِي الْبَسِيط فِي تَفْسِير الْأَحْقَاف
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ الْأَحْقَاف وَاد بَين عمان ومهرق وَفِي سيرة ابْن هِشَام بِلَاد عَاد بَين حَضرمَوْت وعمان وَقيل الْأَحْقَاف رَملَة الشّعْر وَلَيْسَ بِشَيْء إِلَّا أَن يُرَاد بالرملة مَا وَرَاء جبل الشحر الَّذِي عِنْد ظفار الحبوضي فثم رَملَة مُتَّصِلَة بِطرف عمان وَالله أعلم أنْتَهى
وَقَالَ الْقزْوِينِي فِي عجائب الْبلدَانِ حضر موت ناحيه بِالْيمن مُشْتَمِلَة على مدينتين يُقَال لأَحَدهمَا شبام وللأخرى تريم وَهِي بِقرب الْبَحْر وشرقي عدن وَأَنَّهَا بِلَاد قديمَة
حكى رجل من اهل حَضرمَوْت قَالَ وجدنَا بهَا فخارا فِيهِ سنبلة حِنْطَة الطّرف مِنْهَا وَزنهَا كَانَت منا وكل حَبَّة مِنْهَا كبيض دجَاجَة وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت شيخ لَهُ خَمْسمِائَة سنة وَله ولد لَهُ أَرْبَعمِائَة سنة
стр. 59
وَولد ولد لَهُ ثَلَاثمِائَة سنة فذهبنا إِلَى ابْن الأبن قُلْنَا أَنه اقْربْ إِلَى الْفَهم وَالْعقل فوجدناه مبلداً لَا يعرف الْخَيْر وَالشَّر فَقُلْنَا إِذا كَانَ هَذَا حَال ولد الْوَلَد فَكيف حَال الْأَب وَالْجد فذهبنا إِلَى صَاحب أَرْبَعمِائَة فوجدناه أقرب إِلَى الْفَهم من وَلَده فذهبنا إِلَى صَاحب خَمْسمِائَة سنة فوجدناه سليم الْعقل والفهم فَسَأَلْنَاهُ عَن حَال ولد وَلَده فَقَالَ انه كَانَت لَهُ زَوْجَة سَيِّئَة الْخلق لَا توافقه فِي شَيْء أصلا فأثر فِيهِ ضيق خلقهَا ودوام الْغم بمقاساتها وَأما وَلَدي فَكَانَت لَهُ زَوْجَة توافقه مرّة وتخالفه أُخْرَى وَهَذَا هُوَ أقرب إِلَى الْفَهم مِنْهُ وَأما أَنا فلي زَوْجَة مُوَافقَة فِي جَمِيع الْأَمر مساعدة فَلذَلِك سلم فهمي وعقلي فَسَأَلْنَاهُ عَن السنبلة فَقَالَ هَذَا زرع قوم من الْأُمَم الْمَاضِيَة كَانَت مُلُوكهمْ عادلة وعلماؤهم أُمَنَاء وأغنياؤهم أسخياء وعوامهم منصفة
وَذكر الْقزْوِينِي أَيْضا أَن بهَا الْقصر المشيد الَّذِي ذكره الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز بناه رجل يُقَال لَهُ صد بن عَاد وَذَلِكَ أَنه لما رأى مَا نزل بِقوم عَاد من الرّيح الْعَقِيم بنى قصراً لَا يكون للريح عَلَيْهِ سُلْطَان من شدَّة أَحْكَامه وَأَنْتَقِلَ إِلَيْهِ هُوَ وَأَهله وَكَانَ لَهُ الْقُوَّة مَا كَانَ يَأْخُذ الشَّجَرَة بِيَدِهِ فيقلعها بعروقها من الأَرْض وَيَأْكُل من الطَّعَام مَأْكُول عشْرين رجلا من قومه وَكَانَ مغرماً بِالنسَاء تزوج أَكثر من سَبْعمِائة عذراء وَولد لَهُ من كل وَاحِدَة ذكر وَأُنْثَى فَلَمَّا كثر أَوْلَاده طَغى وبغى وَكَانَ يقْعد فِي أعالي قصره مَعَ نِسَائِهِ لَا يمر بِهِ أحد إِلَّا قَتله كَائِنا من كَانَ حَتَّى كثر قتلاه فَأَهْلَكَهُ الله تَعَالَى مَعَ قومه بصيحة من السَّمَاء وَبَقِي الْقصر خرابا لَا يَجْسُر أحد على دُخُوله لِأَنَّهُ ظهر فِيهِ شُجَاع عَظِيم وَكَانَ يسمع من دَاخله أَنِين كأنين المرضى وَقد أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم وَعَن أمثالهم بقوله ﴿فكأين من قَرْيَة أهلكناها وَهِي ظالمة فَهِيَ خاوية على عروشها وبئر معطلة وَقصر مشيد﴾ والبئر المعطلة كَانَت بعدن
ثمَّ ذكر أَن بحضرموت قبر هود النَّبِي ﵇ قَالَ كَعْب الْأَحْبَار كنت فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فِي خلَافَة عُثْمَان رض =
стр. 60
فَإِذا رجل قد رمقه النَّاس لطوله فَقَالَ أَيّكُم أبن عَم مُحَمَّد ﷺ قَالُوا أَي أبن عَمه قَالَ ذَلِك الَّذِي آمن بِهِ صَغِيرا فاتوا إِلَى عَليّ رض = قَالَ عَليّ مِمَّن الرجل قَالَ من الْيمن من بِلَاد حَضرمَوْت فَقَالَ أتعرف مَوضِع الاراك والسدرة الْحَمْرَاء الَّتِي يقطر من أوراقها مَاء فِي حَمْزَة الدَّم فَقَالَ الرجل كَأَنَّك سَأَلتنِي عَن قبر هود ﵇ فَقَالَ عَليّ عَنهُ سَأَلتك حَدثنِي فَقَالَ مضيت فِي أَيَّام شَبَابِي فِي عدَّة من شباب الْحَيّ نُرِيد قَبره فسرنا إِلَى جبل شامخ فِيهِ كهوف ومعنا رجل عَارِف بقبره حَتَّى دَخَلنَا كهفاً فَإِذا نَحن بحجرين عظيمين قد أطبق أَحدهمَا على الآخر وَبَينهمَا فُرْجَة يدخلهَا رجل نحيف وَكنت أَنا أنحفهم فَدخلت بَين الحجرين فسرت حَتَّى وصلت إِلَى فضاء وَاسع فَإِذا أَنا بسرير عَلَيْهِ ميت وَعَلِيهِ أكفان كَأَنَّهَا الْهوى فمسست بدنه فَكَانَ صلباً وَإِذا هُوَ كَبِير الْعَينَيْنِ مقرون الحاجبين وَاسع الْجَبْهَة أسيل الخد طَوِيل الْحَيَّة وَإِذا عِنْد رَأسه حجر على شكل لوح مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه وبالوالدين إحسانا﴾ أَنا هود بن الْجُلُود بن عَاد رَسُول الله إِلَى بني عَاد بن عوص بن سَام بن نوح جئتهم بالرسالة وَبقيت فيهم مُدَّة عمري فكذبوني فَأَخذهُم الله بِالرِّيحِ الْعَقِيم فَلم يبْق مِنْهُم أحد وَسَيَجِيءُ بعدِي صَالح بن كابوح فكذبه قومه فاخذتهم الصَّيْحَة فَقَالَ لَهُ على رض = صدقت هَكَذَا قبر هود على نَبينَا وَعَلِيهِ افضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
ثمَّ ذكر الْقزْوِينِي أَن بهَا أَي بحضر موت بِئْر برهوت وَهِي الَّتِي قَالَ النَّبِي ﷺ أَن فِيهَا أَرْوَاح الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَهِي بِئْر عَادِية قديمَة عميقة فِي فلاة وواد مظلم
وَعَن عَليّ رض = عَنهُ ابغض الْبِقَاع إِلَى الله تَعَالَى وَادي برهوت بحضر موت فِيهِ بِئْر مَاؤُهُ أسود منتن تاوى إِلَيْهِ أَرْوَاح الْكفَّار
وَذكر الْأَصْمَعِي عَن رجل حضرمي قَالَ أَنا نجد من نَاحيَة برهوت
стр. 61
رَائِحَة مُنْتِنَة فظيعة جدا فَيَأْتِينَا الْخَبَر أَن عَظِيما من عُظَمَاء الْكفَّار مَاتَ
وَحكى رجل أَنه بَات لَيْلَة بوادي برهوت فَقَالَ كنت أسمع طول اللَّيْل يَا دومة فَذكرت ذَلِك لبَعض أهل الْعلم فَقَالَ إِن الْملك الْمُوكل بأرواح الْكفَّار أُسَمِّهِ دومه انْتهى
وَقَالَ ابْن الوردي فِي كِتَابه خريدة الْعَجَائِب حضر موت وَهِي شَرْقي الْيمن وَبهَا بِلَاد أَصْحَاب الرس وَكَانَت لَهُم مَدِينَة تسمى الرس سميَّة بذلك باسم نهرها وَمن ارْض حضر موت الْمَشْهُورَة سبأ الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وَكَانَت مَدِينَة مأرب هُوَ اسْم تِلْكَ الْبِلَاد وبهذه الْمَدِينَة كَانَ السد الَّذِي أرسل عَلَيْهِ سيل العرم انْتهى
وَقَالَ الْقزْوِينِي سبأ مَدِينَة كَانَت بَينهَا وَبَين صنعاء ثَلَاث أَيَّام بناها سبأ بن يسحب بن يعرب بن قحطان كَانَت مَدِينَة حَصِينَة كَثِيرَة الْأَشْجَار لذيذة الثِّمَار كَثِيرَة أَنْوَاع الْحَيَوَان وهى الَّتِي ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْعَزِيز ﴿لقد كَانَ لسبأ فِي مسكنهم أَيَّة جنتان عَن يَمِين وشمال كلوا من رزق ربكُم وأشكروا لَهُ بَلْدَة طيبَة وَرب غَفُور﴾ مَا كَانَ يُوجد بهَا ذُبَاب وَلَا بعوض وَلَا شَيْء من الْهَوَام كالحية وَالْعَقْرَب وَنَحْوهَا وَقد أجتمعت فِي ذَلِك الْموضع مياه كَثِيرَة من السُّيُول فتمشي بَين جبلين فبنوا بَين الجبلين سداً من الصخر والقار وَنزل المَاء الْعَظِيم خَارج السد وَجعلت فِي السد مشاعب اعلى واوسط واسفل ليأخذوا من المَاء كلما أحتاجوا إِلَيْهِ فحرث دَاخل السد ودام سقيها فعمرها النَّاس وبنوا وغرسوا وزرعوا فصارة أحسن بِلَاد الله وأكثرها خيرا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿جنتان عَن يَمِين وشمال﴾ وَكَانَ أَهلهَا أخوة وَبني عَم حمير وكهلان فَبعث الله تَعَالَى إِلَيْهِم ثَلَاثَة عشر نَبيا فكذبوهم فَسلط الله تَعَالَى الجرذ على بلدهم انْتهى
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مأرب كورة بَين حَضرمَوْت وَصَنْعَاء لم يبْق بهَا العامر إِلَّا ثَلَاث قرى يسمونها الدروب كل الْقرْيَة مَنْسُوب إِلَى
стр. 62
قَبيلَة من الْيمن وهم يزرعونها على المَاء الَّذِي جَاءَ من نَاحيَة السد يسقون أَرضهم سقية وَاحِدَة ويزرعون عَلَيْهِ ثَلَاث مَرَّات فِي كل عَام وَيكون بَين زرع الشّعير وحصاده فِي ذَلِك الْموضع نَحْو شَهْرَيْن وَكَانَ بهَا سيل العرم الَّذِي جرى ذكره فِي سبأ فغرقت الْبِلَاد حَتَّى لم يبْق إِلَّا مَا كَانَ على رُؤُوس الْجبَال وَذَهَبت الحدائق والجنان والضياع والدور وَجَاء السَّيْل بالرمل فطمها وَهِي على ذَلِك إِلَى الْيَوْم كَمَا أختبر الله تَعَالَى ﴿فجعلناهم أَحَادِيث ومزقناهم كل ممزق﴾ والعرم المسناة بنتهَا مُلُوك الْيمن بالصخر والقار حاجزاً بَين السُّيُول والضياع ففجرته فَأْرَة فَيكون أظهر فِي الأعجوبة
قَالَ ابْن الوردي وَكَانَ من حَدِيثه إِن امْرَأَة كَانَت رَأَتْ فِي منامها ان سَحَابَة غشيت أَرضهم فارعدت وابرقت ثمَّ أصعقت فأحرقت كل مَا وَقعت عَلَيْهِ فَأخْبرت زَوجهَا بذلك وَكَانَ يُسمى عَمْرو بن عَامر فَذهب إِلَى سد مأرب فَوجدَ الجرذ وَهُوَ الفار يقلب برجليه حجر لَا يقلبه إِلَّا خَمْسُونَ رجلا فراعه مَا رأى وَعلم أَنه لَا بُد من كائنة تنزل بِتِلْكَ الْقرْيَة فَرجع فَبَاعَ جَمِيع مَا كَانَ لَهُ بمأرب وَخرج هُوَ وَزَوجته وَولده مِنْهَا وَأرْسل الله تَعَالَى الجرذ على ذَلِك السد الَّذِي يحول بَينهم وَبَين المَاء فأغرقهم وَهُوَ سيل العرم فهدم السد وَخرج إِلَى تِلْكَ الأَرْض فاغرقها كلهَا وَهُوَ السد الَّذِي بناه لُقْمَان الْأَكْبَر ابْن عَاد بناه بالصغر والرصاص فَرسَخ ليحول بَينهم وَبَين المَاء وَجعل فِيهِ أبواباً ليأخذوا من مَائه مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ انْتهى
وَذكر الْقزْوِينِي فِي عجائب الْبلدَانِ مَا يقرب من ذَلِك قَالَ إِن سيادة الْيمن كَانَت لولد حمير ولولد كهلان وَكَانَ كَبِيرهمْ عمرَان بن عَامر وَكَانَ جواداً عَاقِلا وَكَانَ لَهُ ولاقاربه من الحدائق مَا لم يكن لأحد من ولد قحطان وَكَانَت عِنْدهم كاهنة اسْمهَا طريفة قَالَت لعمران والظلمة والضياء وَالْأَرْض وَالسَّمَاء ليقبلن اليكم المَاء كالبحر إِذا طما فيدع أَرْضكُم خلاء يسفي عَلَيْهَا الصِّبَا فَقَالُوا لَهَا أفجعتينا بِأَمْوَالِنَا فبيني لنا مَقَالَتك فَقَالَت انْطَلقُوا إِلَى رَأس الْوَادي لترون
стр. 63
الجرذ العادي يجر كل صَخْرَة صبخاء بأنياب حداد وأظفار شَدَّاد فَانْطَلق عمرَان فِي نفر من قومه حَتَّى أشرفوا على السد فَإِذا هم بجرذ أَحْمَر يقْلع الْحجر الَّذِي لَا يستقله رجال ويدفعه بمخاليب رجلَيْهِ إِلَى مَا يَلِي الْبَحْر ليفتح السد فَلَمَّا رأى عمرَان ذَلِك علم صدق قَول الكاهنة وَقَالَ لأَهله اكتموا هَذَا القَوْل من بني عمكم حمير لَعَلَّنَا نبيع حدائقنا مِنْهُم ونرحل عَن هَذِه الأَرْض ثمَّ قَالَ لِابْنِ أَخِيه حَارِثَة إِذا كَانَ الْغَد وَاجْتمعَ النَّاس أَقُول لَك قولا خالفني وَإِذا شتمتك ردهَا عَليّ وَإِذا ضربتك فاضربني مثله فَقَالَ يَا عَم كَيفَ ذَلِك فَقَالَ عمرَان لَا تخَالف فَإِن مصلحتنا فِي هَذَا
فَلَمَّا كَانَ الْغَد وَاجْتمعَ عِنْد عمرَان أَشْرَاف قومه وَعُظَمَاء حمير ووجوه رَعيته أَمر حَارِثَة أمرا فَعَصَاهُ فَضَربهُ بمخصرة كَانَت بِيَدِهِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ حَارِثَة فَلَطَمَهُ فاظهر عمرَان الْغَضَب وَأمر بقتل ابْن أَخِيه فَوَقع فِي حَقه الشفاعات فَلَمَّا أمسك عَن قَتله حلف أَن لَا يُقيم فِي أَرض امتهن بهَا وَقَالَ وُجُوه قومه وَلَا نُقِيم بعْدك يَوْمًا فعرضوا ضياعهم على البيع فاشتراها بَنو حمير بأغلى الْأَثْمَان فارتحل عَن أَرض الْيمن فجَاء السَّيْل بعد رحيلهم بِمدَّة يسيرَة فخربت الْبِلَاد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فأعرضوا فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط واثل وَشَيْء من سدر قَلِيل﴾ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد وَيضْرب بهم الْمثل يُقَال ﴿تفَرقُوا ايادي سبا﴾ وَكَانُوا عشرَة ابطن سِتَّة تيامنوا وهم كِنْدَة والأشعريون والأزد ومدحج وأنمار وحمير وَأَرْبَعَة تشاموا وهم عامرة وجذام ولخم وغسان وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة بَين مبعث عِيسَى وَنَبِينَا ﷺ انْتهى
وَذكر صَاحب كتاب المستبصر فِي الْكَلَام على سد مأرب إِن أهل شَدَّاد وَعَاد سدت بَين منفذ جبلين بِالْحجرِ والرصاص وصعدوا فِي ارتفاعه إِلَى أَن حَاذَى الْحَائِط ذرْوَة الجبلين فَصَارَت السُّيُول تقلب فِيهِ المَاء ليستجمع إِلَى أَن رَجَعَ مسدوداً وَكَانُوا يسقون مِنْهُ أراضيهم وأنعامهم
стр. 64
وَيُقَال أَنهم كَانُوا يسقون مِنْهُ إِلَى قرب الشَّام بساتين ذَات أعناب ونخيل وَزرع وقرى مُتَّصِلَة بَعْضهَا بِبَعْض وَبَقِي الأقليم عَامِرًا إِلَى أَن اخربه الله وَكَانَ الْمُوجب لذَلِك مَا ذكره الدَّارِيّ قَالَ خرجت قافلة من الشَّام وَإِذا بفأر قفز من الأَرْض وَركب ظهر جمل من بعض الْجمال الَّتِي فِي الْقَافِلَة وَلَا زَالَ ينْتَقل من جمل إِلَى جمل ويعبر منزلا بعد منزل إِلَى أَن وصل مَدِينَة مأرب فقفز الفأر من الْجمل وَدخل السد وَصَارَ يعْمل فِيهِ عمله
وَيُقَال إِن النُّعْمَان بن الْمُنْذر خرج يَوْمًا فِي طلب الصَّيْد فَحصل فِي طرد الصَّيْد فَوجدَ الفار بأنياب حَدِيد يحْفر السد فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَبِيه الْمُنْذر قصّ عَلَيْهِ حِكَايَة الفار وَصفَة أنيابه أَنَّهَا من حَدِيد يحْفر بهَا السد فَقَالَ الْمُنْذر صَحَّ يَا بني مَا وَجَدْنَاهُ فِي الْكتب أَن مَا يخرب سد مأرب إِلَّا فار أنيابه من حَدِيد وَأُرِيد مِنْك اذا دَخَلنَا يَوْم الْأَحَد إِلَى الدَّيْر وَالْكَنَائِس وَالنَّاس فِيهِ مجمعون قُم إِلَيّ وشاكلني فِي أَمر من الْأُمُور وَطول وَهَا أَنا اشاقك عَلَيْهِ فَإِذا رَأَيْت الْأَمر قد طَال قُم الطمني براحة كفك على خدي قَالَ النُّعْمَان وَكَيف يُمكن ذَلِك قَالَ يَا بني افْعَل مَا أَمرتك بِهِ لِأَن لي فِيهِ رَأيا وَلَك فِيهِ مصلحَة فَفعل الْوَلَد مَا أمره بِهِ وَالِده فَلَمَّا لطم الشَّيْخ غضب من الْحِين وَسمي الْمَظْلُوم فَقَامَ الشَّيْخ إِلَى الْجَمِيع وَقَالَ يَا وُجُوه الْعَرَب مَا بَقِي لي مَعكُمْ سكن قَالُوا لَهُ الْجَمِيع وَلم قَالَ وَكَيف أقيم وَصبي كسر حشمتي بَيْنكُم وحرمتي وَمن سَاعَته نَادَى على السد فتألبت والتأمت قبائل الْعَرَب فِي شِرَائِهِ قَالُوا بكم قَالَ تغمدوا سَيفي هَذَا وغرس ذُبَاب سَيْفه على الأَرْض وَصَارَت الْعَرَب تنقل الذَّهَب وَالْفِضَّة والمصاغ إِلَيْهِ وَلَا زَالُوا على حَالهم يصبون الذَّهَب إِلَى أَن غمد سَيْفه بِالذَّهَب فَأخذ الشَّيْخ المَال وَصعد الْجَبَل وَسكن مُقَابل السد والجبل يُسمى حفا وَهُوَ وَأَهله ينتظرون خراب السد وَلما تمكن الفار من السد وخرقه أخر بِهِ وَخرج السَّيْل
ثمَّ قَالَ حَدثنِي سَلامَة بن مُحَمَّد بن حجاج قَالَ لما وَقع السد أَخذ المَاء فِي جملَة مَا أَخذ ألف صبي أَمْرَد على ألف حصان ابلق غير الْبيض والشقر والدهم وَالْخضر وَقَالَ الشَّاعِر
стр. 65
.. تهدم سد المأربين وَقد مضى ... زمَان وَهُوَ ينقاد حَيْثُ يُقَاد ...
وَإِلَى مأرب أَرْبَعَة فراسخ وَتسَمى الحضين وَمن هَذَا الْبَلَد نقلت الْجِنّ عرش بلقيس إِلَى أَرض فَارس فِي زمن سُلَيْمَان بن دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام كَمَا قَالَ الله ﴿أهكذا عرشك قَالَت كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فَلَمَّا اندق السد أَخذه فِي جملَة مَا أَخذ فَلَمَّا زَالَ شَرّ المَاء دارت الْخلق على موضِعين سليمين مِنْهُ سوران يُسمى أَحدهمَا درب الْأَعْلَى وَالثَّانِي درب الْأَسْفَل
ثمَّ قَالَ وَيُقَال إِن مَدِينَة مأرب بناها سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان وَيُقَال عَابِر وَهُوَ هود ﵊ وَيُقَال إِنَّمَا سمي سد مأرب لِأَن قوم عَاد لما سلط الله عَلَيْهِم الرّيح الْعَقِيم وَكَانَ يقف على السد كل يَوْم كَذَا وَكَذَا من مجله ليردوا عَن أَصْحَابهم الْبلَاء وَكَانَت الرّيح تضرب بَعضهم على بعض كَمَا قَالَ ﴿مَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم﴾ فبنوا السد ليرد عَنْهُم قُوَّة المَاء فَلَمَّا غَدَتْ تِلْكَ الْأمة اجْتمع السُّيُول فِيهِ وَكَثُرت الْمِيَاه فبقى جَريا للْمَاء فَبنِي عَلَيْهِ قرى وعمارات وزراعات إِلَى حُدُود الشَّام وَكَانَ يسقى مِنْهُ جَمِيع ذَلِك فَقتل ولد لحصيص بن فِي مأرب وَأمسى علمه فِي حَضرمَوْت مسيرَة ثَمَانِيَة أَيَّام لِأَن كل ناطور زرع كَانَ يخبر صَاحبه الْخَبَر حَتَّى اتَّصل بحضرموت يَعْنِي فِي مِقْدَار يَوْم فِي ذَلِك من عمَارَة الْبِلَاد وَكَثْرَة الْعباد انْتهى
قَالَ ابْن الوردي فِي الخريدة وَكَانَت أَرض مأرب من بِلَاد الْيمن مسيرَة سِتَّة أشهر مُتَّصِلَة العمائر والبساتين وَكَانُوا يقبسون النَّار بَعضهم من بعض وَإِذا أَرَادَت الْمَرْأَة الثِّمَار وضعت مكتلها على رَأسهَا وَخرجت تمشي بَين الْأَشْجَار وَهِي تغزل الصُّوف فَلَا ترجع إِلَّا والمكتل ملآن من الثِّمَار الَّتِي بخاطرها من غير أَن تمس شَيْئا بِيَدِهَا الْبَتَّةَ وَكَانَت أَرضهم خَالِيَة من الْهَوَام والحشرات وَغَيرهَا فَلَا تُوجد فِيهَا حَيَّة وَلَا عقرب وَلَا بعوض وَلَا ذُبَاب وَلَا قمل وَلَا براغيث وَإِذا دخل الْغَرِيب أَرضهم
стр. 66
وَعَلِيهِ فِي ثِيَابه شَيْء من الْقمل والبراغيث هَلَكُوا فِي الْوَقْت والحين وَذهب مَا كَانَ فِي ثِيَابه من ذَلِك بقدرة قَادر واذهب الله جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا وَلم يبْق من أَرضهم إِلَّا الخمط والأثل وَهُوَ الطرفاء والاراك وَشَيْء من سدر قَلِيل قَالَ الله ﴿ذَلِك جزيناهم بِمَا كفرُوا وَهل نجازي إِلَّا الكفور﴾ وسبأ الْآن خراب وَكَانَ بهَا قصر سُلَيْمَان ابْن دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقصر بلقيس زَوجته وَهِي ملكة تِلْكَ الأَرْض الَّتِي تزَوجهَا سُلَيْمَان وقصتها مَشْهُورَة وبأرضها جبل منيع صَعب المرتقى لَا يصعد إِلَى أَعْلَاهُ إِلَّا بالجهد الْعَظِيم وَفِي أَعْلَاهُ قرى عَظِيمَة عامرة وبساتين وفواكه ونخل مثمر وخصب كثير وَبِهَذَا الْجَبَل أَحْجَار العقيق وأحجار الجثيب وأحجار الْجزع وَهِي مغشاة بأغشية ترابية لَا يعرفهَا إِلَّا طالبها وَلَهُم فِي مَعْرفَتهَا عَلَامَات فتصقل فَيظْهر حسنها انْتهى وَالله أعلم
قَالَ الْقزْوِينِي إرم ذَات الْعِمَاد بَين صنعاء وَحضر موت من بِنَاء شَدَّاد بن عَامر
رُوِيَ أَن شَدَّاد بن عَاد كَانَ جباراً من الْجَبَابِرَة لما سمع بِالْجنَّةِ وَمَا وعد الله فِيهَا أولياءه من قُصُور الذَّهَب وَالْفِضَّة والمساكن الَّتِي تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار والغرف الَّتِي فَوْقهَا غرف قَالَ إِنِّي متخذ فِي الأَرْض مَدِينَة على صفة الْجنَّة فَوكل بذلك مائَة رجل من وكلائه تَحت كل وَكيل ألف من الأعوان ولغيرهم ان يطلبوا أفضل فلاة من الأَرْض من أَرض الْيمن ويختاروا أطيبها تربة ومكنهم من الْأَمْوَال وَمثل لَهُم كَيْفيَّة بنائها وَكتب إِلَى عماله فِي سَائِر الْبلدَانِ أَن يجمعوا جَمِيع مَا فِي عَددهمْ من الذَّهَب وَالْفِضَّة والجواهر فَجمعُوا مِنْهَا صبرا مثل الْجبَال فَأمر باتخاذ اللَّبن من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَبنى الْمَدِينَة بهَا وَأمر أَن يفصص حيطانها بجواهر الدّرّ والياقوت والزبرجد وَجعل فِيهَا غرفاً فَوْقهَا غرف أساطينها من الزبرجد والجزع والياقوت ثمَّ أجْرى إِلَيْهَا نَهرا سَاقه إِلَيْهَا من أَرْبَعِينَ فرسخاً تَحت الأَرْض
стр. 67
وَظهر فِي الْمَدِينَة فَأجرى من ذَلِك النَّهر السواقي فِي السكَك والشوارع وَأمر بحافتي النَّهر والسواقي فطليت بِالذَّهَب الْأَحْمَر وَجعل حصباه أَنْوَاع الْجَوَاهِر الْأَحْمَر والأخضر والأصفر وَنصب على حافتي السواقي وَالنّهر أشجاراً من الذَّهَب وَجعل ثمارها من اليواقيت والجواهر وَجعل طول الْمَدِينَة اثْنَي عشر فرسخاً وعرضها مثل ذَلِك وصير سورها عَالِيا مشرفاً وَبنى فِيهَا ثَلَاثمِائَة قصر مفصصاً بواطنها وظواهرها بأصناف الْجَوَاهِر
ثمَّ بنى لنَفسِهِ على ذَلِك النَّهر قصراً منيفاً عَالِيا يشرف على تِلْكَ الْقُصُور كلهَا وَجعل ماءها يشرع إِلَى وَاد رَجَب وَنصب عَلَيْهِ مصراعين من ذهب مفصص بأنواع الْجَوَاهِر واليواقيت وَجعل ارْتِفَاع الْبيُوت والسور ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَجعل تُرَاب الْمَدِينَة من الْمسك والزعفران وَجعل خَارج الْمَدِينَة مائَة مائَة ألف قنطرة أَيْضا رصعت بِالذَّهَب وَالْفِضَّة لينزلها جُنُوده وَمكث فِي بنائها خَمْسمِائَة عَام فَبعث الله تَعَالَى هوداً ﵊ فَدَعَاهُ إِلَى الله تَعَالَى فتمادى فِي الْكفْر والطغيان وَكَانَ إِذْ ذَاك تمّ على ملكه سَبْعمِائة سنة فانذره هود بِعَذَاب الله تَعَالَى وخوفه بِزَوَال ملكه فَلم يرتدع عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَعند ذَلِك وافاه الموكلون بِبِنَاء الْمَدِينَة وَأَخْبرُوهُ بالفراغ مِنْهَا فعزم على الْخُرُوج اليها فِي جُنُوده وَخرج فِي ثَلَاثمِائَة ألف رجل من أهل بَيته وَخلف على ملكه مرْثَد بن شَدَّاد ابْنه وَكَانَ مرْثَد فِيمَا يُقَال مُؤمنا بهود ﵊ فَلَمَّا انْتهى شَدَّاد إِلَى قرب الْمَدِينَة بمرحلة جَاءَت صَيْحَة من السَّمَاء مَاتَ هُوَ وَأَصْحَابه وَجَمِيع من كَانَ فِي أَمر الْمَدِينَة من القهارمة والصناع والفعلة وَبقيت لَا أنيس بهَا فأخفاها الله تَعَالَى لم يدخلهَا بعد ذَلِك إِلَّا رجل وَاحِد أَيَّام مُعَاوِيَة ﵁ يُقَال لَهُ عبد الله بن قدامَة فَإِنَّهُ ذكر فِي قصَّة طَوِيلَة تلخيصها
أَنه خرج من صنعاء فِي طلب ابل ضلت فأفضى بِهِ السّير إِلَى مَدِينَة صفتهَا مَا ذَكرْنَاهُ فَأخذ مِنْهَا شَيْئا من الْمسك والكافور وشيئاً من الْيَاقُوت وَقصد الشَّام وَأخْبر مُعَاوِيَة بِالْمَدِينَةِ وَعرض عَلَيْهِ مَا أَخذه من الْجَوَاهِر وَكَانَت قد تَغَيَّرت بطول الزَّمَان فَاحْضُرْ مُعَاوِيَة كَعْب الْأَخْبَار وَسَأَلَهُ من ذَلِك فَقَالَ هَذَا ارْمِ ذَات الْعِمَاد الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْعَزِيز بناها شَدَّاد بن عَاد لَا سَبِيل إِلَى دُخُولهَا وَلَا يدخلهَا إِلَّا رجل وَاحِد
стр. 68
وَصفته كَذَا وَكَذَا وَكَانَت تِلْكَ الصّفة صفة عبد الله بن قدامَة فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة أما أَنْت يَا عبد الله فأحسنت النصح وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَيْهَا وَأمر لَهُ بجائزة
وَحكي أَنهم عرفُوا قبر شَدَّاد بن عَاد بحضرموت وَذَلِكَ أَنهم وَقَعُوا فِي حفيرة وَهِي بَيت فِي جبل تنور مائَة ذِرَاع فِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعا وَفِي صَدره سَرِير عَظِيم من ذهب عَلَيْهِ رجل عَظِيم الْجِسْم وَعند رَأسه لوح فِيهِ مَكْتُوب شعر ... أعتبر يَا أَيهَا الْمَغْرُور بالعمر المديد ... أَنا شَدَّاد بن عَاد صَاحب الْقصر المشيد
وأخو الْقُوَّة والبأساء وَالْملك الحشيد ... دَان أهل الأَرْض طراً لي من خوف وعيدي
فَأتى هود وَكُنَّا فِي ضلال قبل هود ... فَدَعَانَا لَو قبلناه إِلَى الْأَمر الرشيد
فعصيناه ونادينا الْأَهْل من مجيد ... فأتتنا صَيْحَة تهوي من الْأُفق الْبعيد
فثوينا مثل زرع وسط بيداء حصيد ...
وَكفى حَضرمَوْت من الشّرف الْعَظِيم وَالْمجد الفخيم وَالْفَخْر الَّذِي لَا يبْلى ويبيد بل يَنْمُو وَيزِيد أَن الإِمَام شيخ الْإِسْلَام مُجْتَهد زَمَانه الشَّيْخ أَبَا الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي ذكر فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن مِنْكُم إِلَّا وأردها﴾ الْآيَة يَسْتَثْنِي من ذَلِك أهل حَضرمَوْت لأَنهم أهل ضنك فِي الْمَعيشَة
وَرُوِيَ عَن الشَّيْخ عبد الله بن أسعد اليافعي ﵁ أَنه أرسل وَلَده عبد الرَّحْمَن من مَكَّة المشرفة إِلَى حضر موت لزيارتهم فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ سَأَلَهُ عَنْهُم فَقَالَ لَهُ رَأَيْتهمْ لَا يُحصونَ كَثْرَة وَرَأَيْت أنوارهم مشرقة كَالشَّمْسِ وَأنْشد شعر ... مَرَرْت بوادي ضرموت مُسلما ... فالفيته بالبشر مُبْتَسِمًا رحباً ...
стр. 69
.. والفيت فِيهَا من حبها بذة الْعلَا ... اكابر لَا يلقون شرقا وَلَا غربا ...
واما تريم الَّتِي قدرهَا كوزنها عَظِيم وَهِي بتاء مثناة فوقية ثمَّ رَاء مَكْسُورَة ثمَّ يَاء تحتية بعْدهَا مِيم بَلْدَة بحضرموت وَهِي أعدل أَرض الله هَوَاء وأصحها تربة وأعذبها مَاء وَهِي قديمَة يُقَال أَنَّهَا كَانَت قديم الْأَيَّام عامرة جدا وَأما الْآن فَهِيَ ضَعِيفَة إِلَى الْغَايَة ولاجل ضنك الْمَعيشَة بهَا وَقع من الشَّيْخ أبي الْحسن الْبكْرِيّ ذَلِك القَوْل فِي حق أَهلهَا وَهَذَا لعمري من جملَة محاسنها إِذْ القاطنون بهَا دَائِما كَأَنَّهُمْ فِي رياضة وَلِهَذَا يفتح على كثير مِنْهُم بِأَدْنَى توجه وأقبال على الله فزوى الله عَنْهُم أَسبَاب البطر والأشر من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَمن الْعِصْمَة أَن لَا تقدر وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يعلمُونَ وَالظَّاهِر أَن سَبَب خرابها سيل العرم الَّذِي أرْسلهُ الله تَعَالَى على سبأ فَانْقَطَعت عَنْهَا الْمِيَاه الَّتِي كَانَ يزرع عَلَيْهَا فسبحان من يقلب الْأُمُور وَلم يتَغَيَّر بِتَغَيُّر الدهور وَلم يُوجد الْآن بهَا من الْفَوَاكِه غير التَّمْر وَهُوَ كثير عِنْدهم بِحَيْثُ أَنه غَالب قوت الْبَلَد وعَلى أَنْوَاع مُخْتَلفَة فَهِيَ بِاعْتِبَار كَثْرَة النخيل بهَا كانها جنَّة شعر ... كَأَن النخيل الباسقات وَقد غَدَتْ ... مناظرها حسنا قباب زبرجد
وَلَقَد علقت من قبتها زِينَة لَهَا ... قناديل ياقوت بأمراش عسجد ...
وَقيل أَنه كَانَ بهَا عُيُون كَثِيرَة وَالَّذِي سدها معن بن زايدة الشَّيْبَانِيّ الْجواد فعد ذَلِك من سيئاته وَسبب ذَلِك فِيمَا ذكرُوا أَن أَخَاهُ كَانَ والياً عَلَيْهَا وَكَانَ فَاسِقًا فَقتله أَهلهَا بِسَبَب ذَلِك فَغَضب معن لذَلِك وَأمر بسد الْعُيُون الَّتِي كَانَت فِيهَا فَسدتْ بالرصاص وَحكم على أَهلهَا بكشف الرؤوس وَلبس السوَاد فَمن ثمَّ جرت عَادَتهم بذلك بل صَار الْيَوْم لبس السوَاد عِنْدهم من جملَة الزِّينَة حَتَّى أَن أهل الْوَرع يحذرون مِنْهُ
وَحكي أَن بعض المغاربة جَاءَ الى حَضرمَوْت فِي زمن السُّلْطَان بدر الكثيري وَأَرَادَ أَن يفتح فِيهَا بعض الْعُيُون ثمَّ إِن السُّلْطَان خَافَ ان يطْمع فِيهَا الاروام إِذا قويت فَترك ذَلِك بعد أَن كَانَ عزم عَلَيْهِ وبناها تريم بن حَضرمَوْت فسميت باسمه وَقيل أسعد الْكَامِل وللفقيه
стр. 70
مُحَمَّد بن أبي الْحبّ قصيدة فِي صفتهَا وخواصها مِنْهَا شعر ... نسيم جنوبها أبدا صَحِيح ... وطبع الجو فِيهَا مُسْتَقِيم
وطبع بيارها فِي الصَّيف برد ... وَأَيَّام الشتا هِيَ الْحَمِيم
تعادل حرهَا وَالْبرد فِيهَا ... فلاحر يضر وَلَا سموم
وطبع الْبرد فِيهَا فِيهِ لطف ... يطيب نسيمه يَنْمُو الجسوم
وحر الشَّمْس فِيهَا لَيْسَ يُؤْذِي ... وَبرد شتائها أبدا سليم
بِلَاد طَابَ مَسْكَنهَا وَطَابَتْ ... مباركة لَهَا رب رَحِيم
فَلَو نظرت فلاسفة إِلَيْهَا ... لقالوا جنَّة الدُّنْيَا تريم ...
وسماها الشَّيْخ القطب عمر المخضار ابْن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف فِي بعض قصائده بِلَاد الطِّبّ قَالَ بَعضهم شملت هَذِه الْكَلِمَة من الشَّيْخ عمر ﵁ الطبين جَمِيعًا طب الْقُلُوب وطب الْأَبدَان
ولي ترى صَاحِبي أفوز بزورة من تريم وأظفر بالمنا قَالَ لي تبلغ مَا ترم سَيِّدي من الريم وتحظى بالهنا وَمَا أحسن قَول الشَّيْخ عبد الْمُعْطِي أَبَا كثير ﵀ فِي صفتهَا شعر ... أَرضًا غَدَتْ تفاخر السما ... كَذَا حصاها فاخر الجوزا
أَرضًا ينَال كل من أم لَهَا ... كَرَامَة فَوق الَّذِي أملهَا
وتربها غَدا يضاهي المسكي ... للزعفران الجنوي يحْكى
قد أشرقت من سَائِر النواحي ... على الملا بنورها الوضاحي ...
وَهِي معشر الْأَوْلِيَاء ومعدنهم ومنشأ الْعلمَاء وموطنهم وَهِي مسكن السَّادة الْأَشْرَاف آل أَبَا علوي فَإِن جدهم أَحْمد بن عِيسَى لما قدم إِلَى حضر موت سكن فابتنى جشير بِكَسْر الْجِيم والشين الْمُعْجَمَة وَبعدهَا يَاء مثناة من تَحت سَاكِنة ثمَّ رَاء يعرف الْيَوْم بِبَيْت بني جشيب بِالْبَاء الْمُوَحدَة على نصف مرحلة من تريم ثمَّ أنتقل مِنْهَا إِلَى الحسيسة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح السِّين وياء مثناة من تَحت بَينهمَا مُشَدّدَة مَكْسُورَة قريب مِنْهَا وأشترى بهَا عقارا كثيرا وَبهَا توفّي وَدفن فِي شعبها الشَّرْقِي
ثمَّ أَن وَلَده الشَّيْخ عبد الله أنتقل إِلَى سمل بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وسكنها مُدَّة زمَان وَاشْترى بهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَهِي على نَحْو سِتَّة
стр. 71
أَمْيَال من تريم وَحكي أَن وَفَاته كَانَت بهَا ثمَّ أنتقل أَوْلَاده مِنْهَا إِلَى بَيت جُبَير بِضَم الْجِيم وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة واسكان الْيَاء الْمُثَنَّاة من تَحت وَرَاء بعْدهَا قريب مِنْهَا فسكنوها مُدَّة ثمَّ انتقلوا إِلَى تريم وَسَكنُوا بهَا وتوطنوها من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة إِلَى يَوْمنَا هَذَا فازدادت بهم شرفا وفخرا إِلَى فخرها وازدهت بهم أقطارها واخضرت أشجارها وأشرقت بدورها وفاح عبيرها وَأنْشد قَائِلهَا ... أَشمّ مِنْك نسيما لست أعرفهُ ... مَا ضرّ لميا جرت فِيك اذيالا ...
غَيره ... تحيي بهم كل ارْض ينزلون بهَا ... كَأَنَّهُمْ لخراب الأَرْض عمار ...
وَلما كَانَت خير بِلَاد الله بعد الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَبَيت الْمُقَدّس أكرمها الله تَعَالَى بِخَير عباده وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ الَّذين زينهم بأتباع السّنة الغراء مَعَ صِحَة نسبهم الْمُتَّصِل بالسيدة الزهراء الَّذِي عز وجود نَظِيره فِي غَيرهم فكاد لَا يُوجد الشريف السّني إِلَّا نَادرا هَذَا مَعَ مَا خصوا بِهِ وأشتهر عَنْهُم من الْعِبَادَة وَالْعلم والتواضع والزهد فأدناهم والمقصر مِنْهُم فِي أُمُوره هُوَ الشريف السّني ﵃ ونفع بهم آمين وَللَّه در من قَالَ شعر ... طابت تريم بهم وطاب محلهَا ... أضحوا بهَا الْقنْدِيل وَهِي الْمَسْجِد
تختال زهواً فِي العراص لحسنها ... بحلول سلمى حسنها لَا يفقد
اضحت تريم بهم عروساً تجتلى ... تذكر عبيراً نشره يتَرَدَّد
يَا ربع سلمى رَحْمَة وتحية ... مني عَلَيْك مدى الزَّمَان تردد ...
وَيذكر إِنَّهَا تنْبت الصَّالِحين كَمَا تنْبت الأَرْض البقل وَاجْتمعَ بهَا فِي عصر وَاحِد من الْعلمَاء الَّذين بلغُوا رُتْبَة الْإِفْتَاء ثَلَاثمِائَة رجل وان بمقبرتها جمَاعَة مِمَّن شهد بَدْرًا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَغَيرهم من الصَّحَابَة ﵃ وان عَددهمْ سَبْعُونَ نَفرا وَكَانَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف رض = إِذْ زار قُبُور تريم يُشِير إِلَى مَكَان قُبُورهم فِي مَحل مَخْصُوص هُنَاكَ
وَرُوِيَ عَنهُ انه قَالَ فِي تربة أل أَبَا علوي ثَمَانُون قطباً كلهم أَشْرَاف
стр. 72
وَرُوِيَ عَن بعض الصَّالِحين انه قَالَ لرجل من أهل تريم أتعرف الفريط الْأَحْمَر والجبل الْأَحْمَر فَقَالَ لَهُ نعم فَقَالَ لَهُ تَحْتَهُ رَوْضَة من رياض الْجنَّة
وَرُوِيَ عَن الشَّيْخ فضل ابْن عبد الله انه قَالَ ثَلَاث ترب محمولات بترابهم إِلَى الْجنَّة تربة تريم وتربة الهجرين وتربة غيل أبي سودان
وَيُقَال ان أَبَا بكر الصّديق ﵁ دعى لَهَا بِثَلَاث دعوات أَن يكثر بهَا الصالحون وَأَن يُبَارك الله فِيمَا بهَا وَأَن لَا تطفىء بهَا نَار إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَعْنَاهُ ان لَا تزَال عامرة الى يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ حِين بلغه ان اهلها لم يرتدوا كغيرهم من بعد موت رَسُول الله ﷺ وَلذَا قيل لَهَا مَدِينَة الْعَرَب الَّذين إرتدوا أبي بكر الصّديق ﵁
وَرُوِيَ أَن الْفَقِيه مُحَمَّد بن أبي بكر عباد ﵀ كَانَ يَقُول اذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَخذ أَبُو بكر الصّديق اهل تريم كلهم قَبْضَة فِي يَده وَرمى بهم فِي الْجنَّة وَبهَا مَسَاجِد كَثِيرَة مَشْهُورَة الْبركَة مِنْهَا الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِمَسْجِد آل أَبَا علوي
وَقد نظم السَّبْعَة الَّذين يعْتَقد أهل زبيد ان من زارهم سَبْعَة ايام مُتَوَالِيَة قضيت حَاجته الشَّيْخ على بن أبي بكر فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهِم ثمَّ التَّعْرِيف أَن فِي بَلْدَة تريم الجم الْغَفِير من هم بِهَذَا الْوَصْف الخطير فَقَالَ ﵀ ورضى عَنهُ وَعَن سَائِر الصَّالِحين وعنا بهم آمين شعر ... بِبَاب سِهَام سَبْعَة من مَشَايِخ ... لقصدهم فَخر وكنز لمقلل
فيونس إِبْرَاهِيم مَرْزُوق جبرتي ... وأفلح مياد كَذَا ابْن الرضي الْوَلِيّ
زيارتهم نجح لكل حوائج ... وَفِي الْخلد سُكْنى للَّذي زار مقبل
تريم بهَا مِنْهُم الوف عديدة ... بِسَاحَة بشار شموس الْهدى قل
زِيَارَة كل مِنْهُم صَحَّ أَنَّهَا ... لما شِئْت من جلب وَدفع مُحَصل
وَإِن قيل ترياق بِبَغْدَاد جربا ... وَفِي ربع بشار شفا كل معضل
وَيَا حبذا ذَاك الفريط وظله ... فكم قد حوى من كَامِل السِّرّ منهل
فكم مَعْدن كم مورد كم مُعظم ... وَكم حبر تَحْقِيق وَشَيخ مدلل
وبلبل قلبِي نفح مسك بزنبل ... بهَا من كنوز السِّرّ كم من مجلل ...
стр. 73
.. وَكم جهبذ فِيهَا بنوا كدر بهَا ... بهم ينزل الله الغيوث لممحل
فَلَا تحقرنها رب اشعث خامل ... سماسرة فضلا على كل مفضل ...
وفيهَا فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء رَابِع عشر شَوَّال توفّي الشَّيْخ الْكَبِير وَالْعلم الشهير القطب الرباني شمس الشموس الشَّيْخ أَبُو بكر بن عبد الله العيدروس أَبَا علوي بعدن فَصَارَت بِهِ على الْحَقِيقَة عدنا وَأَكْرمهَا الله بِهِ حَيا وَمَيتًا وسكونا وسكناً كَمَا قيل شعر ... صَار دَال أسمها كَمَا كَانَ فِيهَا ... سَاكِنا سَاكِنا فدام النُّزُول
فبه الثغر والجهات جَمِيعًا ... عَمها النُّور والبها وَالْقَبُول
فابشروا أَيهَا النُّزُول بعدن ... بِسَلام من ربكُم لَا يَزُول ...
وقبره بهَا اشهر من الشَّمْس الضاحية يقْصد للزيارة والتبريك من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة وَقد ضمن صاحبنا الْفَقِيه عبد الله بن أَحْمد بن فلاح تَارِيخ عَام وَفَاته فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ شعر ... قضى جاتراه وفيا بعام ... وَفَاة الْوَلِيّ القطب صَاحب عدن
أبي بكر العيدروس الَّذِي ... بِهِ الله أَعلَى منار السّنَن ...
وَكَانَ مولده بتريم سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَمُدَّة اقامته بعدن نَحْو خمس وَعشْرين سنة وَكَانَ من أكَابِر الْأَوْلِيَاء بل هُوَ القطب فِي زَمَانه كَمَا شهد بِهِ العارفون بِاللَّه شرقاً وغرباً وَلم يمتر فِي ذَلِك ذُو بَصِيرَة من أهل الطَّرِيق وَكَانَ فِي الْجُود آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَكَانَ يذبح فِي سماطه كل يَوْم فِي رَمَضَان ثَلَاثُونَ كَبْشًا وَلذَلِك بلغت دُيُونه مِائَتي ألف دِينَار فقضاها عَنهُ الْأَمِير الْمُوفق نَاصِر الدّين عبد الله أَبَا حلوان فِي حَيَاته قبيل مَوته بِمدَّة يسيرَة حَتَّى قرت بذلك عينه وَكَانَ يَقُول إِن الله وَعَدَني ان لَا أخرج من الدُّنْيَا إِلَّا وَقد أدّى عني ديني
من مشايخه فِي الْعلم عَمه الشَّيْخ عَليّ والفقيه الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل ومقروءآته كَثِيرَة لَا تَنْحَصِر وَله إجازات مُتعَدِّدَة من عُلَمَاء الْآفَاق كالشيخ الْعَلامَة الْحَافِظ السخاوي وَالشَّيْخ الْعَلامَة الْمُحدث يحيى العامري اليمني وَالشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة المزجد الزبيدِيّ وَغَيرهم وعده
стр. 74
الشَّيْخ جَار الله بن فَهد فِي مُعْجَمه من شُيُوخه فِي الحَدِيث وأجتمع على إِثْبَات ولَايَته وعظيم خصوصيته من كَانَ فِي زَمَانه من الاولياء العارفين واعترف بعلو مَنْزِلَته من عاصره من أكَابِر عُلَمَاء الدّين
وَقد ذكر الْفَقِيه الْعَلامَة مُحَمَّد بن عمر بحرق ﵀ فِي كِتَابه الموسوم بمواهب القدوس فِي مَنَاقِب أبن الْعِيد روس من ذَلِك جملَة شافية مقنعة كَافِيَة تَنْشَرِح بمطالعتها الصُّدُور ويزداد الْمُحب سماعهَا نورا على نور مِنْهَا أَن عَمه الشَّيْخ عليا ﵁ شهد لَهُ بالقطبية فِي حِكَايَة وَقد تقدم ذكرهَا فِي تَرْجَمَة الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا جرفيل وَكَذَا شهد لَهُ بهَا من أهل عصره الشريف حُسَيْن ابْن الصّديق الأهدل
قلت وَقد مر كَلَامه فِيهِ أَيْضا مُسْتَوفى فِي تَرْجَمته قَالَ وَسَأَلت بَعضهم عَنهُ فَقَالَ الَّذِي نعتقده وندين الله بِهِ أَنه صَاحب الْوَقْت وَذكر أَيْضا أَنه سَأَلَ الْفَقِيه الصَّالح مُحَمَّد بن أَحْمد أَبَا فضل عَنهُ فَأجَاب بِجَوَاب يتَضَمَّن الْمَدْح وَالثنَاء عَلَيْهِ وَقد مر أَيْضا فِي تَرْجَمته
قلت وَحكي عَن بعض الثِّقَات أَنه قَالَ حججْت سنة سبع وَتِسْعمِائَة فَبَيْنَمَا أَنا أَطُوف إِذْ بِرَجُل عَلَيْهِ هَيْئَة أهل الصالاح أَخذ بيَدي وَقَالَ لي أَنْت فلَان وبلادك كَذَا وَأَخْبرنِي بأَشْيَاء جرت وَأَنا لم أعرفهُ قبل ذَلِك ثمَّ قَالَ أَتَدْرِي من غوث الْأَوْلِيَاء الْيَوْم فَقلت لَا فَقَالَ غوثهم الشريف أَبُو بكر بن عبد الله العيدروس الَّذِي بعدن فَقلت لَهُ مُنْذُ كم هُوَ فِي القطبية فَقَالَ مُنْذُ سنتَيْن
ومدحه الْعَلامَة أَحْمد بن عمر والمرجد الزبيدِيّ مُصَنف الْعباب بِهَذِهِ الأبيات شعر ... سَلام كروض باكرته غمائمه ... وَفتح عَن زهر الأقاحي كمائمه
وأعشب وأخضرت أفانين دوحة ... وغنت على أغصانهن جمائمه
سَلام يباري المندل الرطب نشره ... فتعبق من تِلْكَ الربوع معالمه
على السَّيِّد السَّامِي إِلَى ذرْوَة العلى ... وَلَيْسَ لَهُ فِي مثلهَا من يزاحمه
أبي بكر الصّديق اكرم بينعة ... نمته فقد نيطت عَلَيْهِ تمائمه
وهمته فِي نيل كل فَضِيلَة ... وَلَيْسَ إِلَى أحراز مَا هُوَ طاعمه ...
стр. 75
.. لَهُ من كتاب الله أعذب منهل ... وَمن سنة الْمُخْتَار شرب يلائمه
وَمن نهج أَشْيَاخ الطَّرِيقَة مَنْهَج ... تقهقر عَنهُ عربه وأعاجمه
وَلَا غرو اذ خير النَّبِيين جده ... وَمِنْه خوافي ريشه وقوادمه
أَتَانِي كتاب مِنْهُ يرْعَى عهوده وَأَنِّي على الْعَهْد الَّذِي هُوَ عالمه
فَقلت لَهُ أَهلا وسهلاً ومرحباً ... وفضت جيوش الْغم إِذْ فض خَاتمه
عفى الله عَن هَذَا الزَّمَان فَإِنَّهُ ... يحاربنا دأبا وَنحن نسالمه
يُفَارق مَا بَين الخليلين عنْوَة ... وَمن كَانَ أقوى مِنْك كَيفَ تحاكمه
ويلحم فِينَا غَارة بعد غَارة ... وتفجأنا فِي كل يَوْم ملاحمه
سَلام على الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي غَدَتْ ... كراماته مَعْرُوفَة ومكارمه
لكل زمَان قَائِم فِي صروفه ... وَهَذَا زمَان أَنْت لَا شكّ قائمه
فَلَا تخلني من دَعْوَة مستجابة ... فَأَنت وسيع الْبر جم مراحمه ...
فَهَؤُلَاءِ الْعلمَاء الَّذين عاصروه وَبِكُل فضل وصفوه وَلم نذْكر مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير إِذْ هم جم غفير وَجمع كثير وَلَو ذكرت الْكل مفصلا لطال هَذَا الْبَاب وَخَرجْنَا عَمَّا التزمناه من الإيجاز إِلَى الأسهاب وَحكى من مجاهداته أَنه هجر النّوم بِاللَّيْلِ أَكثر من ثَلَاثِينَ سنة
وَأما كراماته فكثيرة كقطر السَّحَاب لَا تدْرك بعد وَلَا حِسَاب وَلَكِن أذكر مِنْهَا على سَبِيل الْإِجْمَال دون التَّفْصِيل ثَلَاث حكايات تكون كالعنوان على بَاقِيهَا بِالدّلَالَةِ والتمثيل
مِنْهَا انه لما رَجَعَ من الْحَج دخل زيلع وَكَانَ الْحَاكِم بهَا يَوْمئِذٍ مُحَمَّد ابْن عَتيق فاتفق انه مَاتَت أم ولد للْحَاكِم الْمَذْكُور وَكَانَ مشغوفاً بهَا فكاد عقله يذهب لموتها فَدخل عَلَيْهِ سَيِّدي لما بلغه عَنهُ من شدَّة الْجزع ليعزيه ويأمره بِالصبرِ والرضاء بِالْقضَاءِ وهى مسجاة بَين يَدي الْحَاكِم بِثَوْب فَعَزاهُ وَصَبره فَلم يفد فِيهِ ذَلِك واكب على قدم سَيِّدي الشَّيْخ يقبلهَا وَقَالَ يَا سَيِّدي إِن لم يحيي الله هَذِه مت انا أَيْضا وَلم تبْق لي عقيدة فِي أحد فكشف سَيِّدي وَجههَا وناداها باسمها فأجابته لبيْك ورد الله روحها وَخرج الْحَاضِرُونَ وَلم يخرج سَيِّدي الشَّيْخ حَتَّى اكلت مَعَ سَيِّدهَا الهريسة وَعَاشَتْ مُدَّة طَوِيلَة
следующие страницы →