Полный текст (7 288 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الشُّمُول وبدور الحبب فثمل الْمَمْلُوك من سَماع هَذَا الذّكر الْجَمِيل حَتَّى مَاس عطفي من الطَّرب وَفِي حَان سكري حَان شكري لمولانا فَإِنَّهُ كَانَ فِي مسرتي السَّبَب وَلم تزل عرائس محامده تجلى ونفائس ممادحه تتلى حَتَّى رغب الْمَمْلُوك فِي خطْبَة عبوديته وَإِن لم يكن لَهُ أَهلا على صدَاق قلب صَادِق فِي وفائه واف فِي صدقه مخلص فِي صفائه يوالي الدُّعَاء وَيَدْعُو على الْوَلَاء ويديم الشُّكْر ويشكر على الآلاء وَقد أشهد الْمَمْلُوك ذَوي عدل على مَا ذكر وهما الْوَفَاء والصفاء وَإِن عزا فِي الْبشر وَحين أشهدهما كَانَ غير ساه وَلَا لاه فيرجو أَن يقوم بِمَا الْتزم وَأَن يُقِيمَا الشَّهَادَة لله على أَن يسكنهَا الْمَمْلُوك صميم فُؤَاده ويحلها مَحل النَّاظر من سوَاده وَيتبع أمرهَا اتِّبَاع الصّفة للموصوف ويمسكها مدى الزَّمَان بِمَعْرُوف فَإِن رأى جبر الْمَمْلُوك بِمَا لَهُ قصد وَإِلَيْهِ صَمد فليضرب صفحاً عَن كفاءة الْفَضَائِل الَّتِي بهَا قد انْفَرد فقد علم أَنه لم يكن فِيهَا كفوا أحد وَهل يُكَافِئ محليات الْعُقُود النفاثات فِي العقد أَو ينظم در السَّحَاب فِي حَبل من مسد أَو يُقَابل در السَّحَاب بلمع السراب والثمد لَكِن كرم عَادَة مَوْلَانَا وَعَادَة كرمه أَن لَا يرد حُرْمَة للقصد قَاصد حرمه لَا سِيمَا وطفيلي الْمحبَّة أَحمَق وفدان الْعِشْق كَمَا قيل مُطلق وَلَيْسَ الْمَمْلُوك على هَذَا المنهل العذب أول وَارِد فَيكون لحُرْمَة هَذَا الْقَصْد أحرم قَاصد لكنه يَرْجُو من الصَّدقَات الشَّرِيفَة الإسعاد والإسعاف وَأَن يكون جَوَابه الشريف مُقَدّمَة الزفاف لتقر عين الطّلب ببلوغ الأمنية وَيقوم سَماع المسرة بالنوبة الخليلية وتجلا عرائس البلاغة فِي حلل نفثاتها السحرية وتتلى نفائس البراعة بألحان نفحاتها السحرية فَيفتح لي إِلَى جنان الجناس بَابا ويزوج)
مبتكرات مَعَانِيه بأكفائها أَبْكَارًا عربا أَتْرَابًا فيجهر دَاعِي الْبركَة واليمن بالتأمين وَأجل سعد هَذَا الْجد عَن الرفاء والبنين وَيَطوف براحات الكؤوس لراحات النُّفُوس راحها ويبتديء باهداء أطباق الطباق صَلَاحهَا ثمار آدَاب قد انْتهى اصلاحها وأجلها عَن قَول بدا صَلَاحهَا فأرتع فِي رياضها وأكرع من حياضها واغترف من بحرها واعترف بحبرها واسمو بكتابها الْمحل الْأَسْنَى فأصير مكَاتبا بعد أَن كنت قِنَا وَتلك دَرَجَة لَا أطلب بعْدهَا التجاوز إِلَى التَّحْرِير وَلَا أكلف خاطره الشريف فِي الْمُكَاتبَة إِلَى التحبير والتحرير بل يَكْتَفِي الْمَمْلُوك بِأَدْنَى لمحة من ملحها وينتشي ببلالة قَطْرَة من قدحها وَالله تَعَالَى لَا يخلي مَوْلَانَا من نعْمَة يؤبدها ونعمة يؤيدها ومنة يجددها ومنة يشيدها وأمنية يسددها وسعادة يؤكدها وسيادة يولدها
فَكتبت الْجَواب إِلَيْهِ عَن ذَلِك الطَّوِيل
(أروض بكاه فِي الصَّباح غمام ... فغنت على الأغصان فِيهِ حمام)
(أم الْأُفق لاحت زهره وتلألأت ... فَأحْسن بِنور قد حواه ظلام)
(أم الشَّمْس حيتني بكأس رِسَالَة ... لَهَا الْمسك من فَوق الرَّحِيق ختام)
(أَتَتْنِي بدءا من كريم ممجد ... غَدا وَهُوَ فِي الْفضل التَّمام إِمَام)
стр. 177
(فَقَبلتهَا شوقاً لفرط صبابتي ... وقابلها مني جوى وغرام)
(تجلت لطرفي فاجتليت محاسناً ... كَمَا شقّ عَن زهر الرياض كمام)
(وقصت على سَمْعِي حَدِيثا روته لي ... فشنف سَمْعِي الدّرّ وَهُوَ كَلَام)
(وَلما رَوَت رَوَت فُؤَادِي من الضنى ... وَلم يلقه من بعد ذَاك أوام)
(وناجت بِأَلْفَاظ فَقلت جَوَاهِر ... إِلَى أَن سبت عَقْلِي فَقلت مدام)
(ورقت حواشيها فَقلت شمائل ... إِلَى أَن أصابتني فَقلت سِهَام)
(وابدت من السحر الْحَلَال عجائباً ... وَمَا كل سحر فِي الْأَنَام حرَام)
(أثارت ريَاح الوجد فَهِيَ عواصف ... وأجرت دموع الْعين فَهِيَ سجام)
(وحاشى لما أبدته أَن يستميله ... ملال وَأَن يسري إِلَيْهِ ملام)
(أَلا يَا غزير الْفضل عَبدك قَاصِر ... وَفِي ذهنه عَمَّا يُرِيد سقام)
(وانشاؤه إِن شاءه لَا يَنَالهُ ... كَأَنِّي جفن الصب وَهُوَ مَنَام)
(وَأَيْنَ مَحل الشَّمْس مِمَّن يرومه ... لقد جلّ مَطْلُوب وَعز مرام)
)
(وَأَنت الَّذِي يمْلَأ الملا نور فَضله ... لِأَنَّك شمس والأنام قتام)
(فَلَيْسَ لشمس مذ أنرت إنارة ... وَلَيْسَ لبدر مذ تممت تَمام)
وَينْهى وُرُود المشرف الْكَرِيم فانتصب لَهُ قَائِما على الْحَال وتلقاه بِمَا يجب لَهُ من الإجلال وَوَضعه على الْعين وَالرَّأْس وَهَذِه غَايَة يعْتَقد أَنَّهَا مَا خلت من الْإِخْلَال ومتع طرفه بِتِلْكَ الطّرف والتحف بظلال هاتيك الْهَدَايَا الفاخرة والتحف وَدخل جنَّات سطورها فَرَأى مِنْهَا غرفاً مَبْنِيَّة من فَوْقهَا غرف
وأسرف فِي لثمها على أَنه لَا سرف فِي الشّرف وَعلم أَنه بِهَذَا الْجَواب أَحمَق فلولا إِضَافَة الود الصادقة إِلَيْهِ لما انْصَرف الطَّوِيل
(وَفِي تَعَبٍ من يحسُدُ الشمسَ ضوءها ... ويزعُمُ أَن يَأْتِي لَهَا بضريب)
فَالله يوزع الْمَمْلُوك شكر هَذِه النِّعْمَة الْبَادِيَة والمانة الَّتِي هِيَ فِي الصُّورَة هَدِيَّة وَفِي الْمَعْنى إِلَى الصَّوَاب هادية ويمتع الْوُجُود بِهَذِهِ الْكَلم الَّتِي تَطوف على الأسماع بكؤوس المدام والأسجاع الَّتِي هِيَ عِنْدِي در وَعند النَّاس كَلَام وَعين الله على هَذِه الْفَضَائِل الَّتِي أخملت الخمائل وحققت فضل الْأَوَاخِر على الْأَوَائِل وَإِن كَانَ فيهم سحبان وَائِل وَقد عطفها الْمَمْلُوك على خدمَة إِلَى الْمولى شمس الدّين مُحَمَّد بن الخراز الَّذِي يعجز عَن نَقله حَمَّاد الرِّوَايَة أطلع الله شمسه بأفقها وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَده الَّتِي عَامل جلق بِخلق لَا يَلِيق بخقلها وَلَا خلقهَا وعَلى كل حَال فجبر مَوْلَانَا لألم انْفِرَاده طَبِيب وَهُوَ فِي بلد مَوْلَانَا غَرِيب كَمَا أَن مَوْلَانَا فِي الْإِحْسَان غَرِيب الْخَفِيف
(يَا غَرِيب الصِّفات حقَّ لمن كَا ن غَرِيبا أَن يرحم الغرباء)
стр. 178
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ فِي أَوَاخِر صفر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسبع مائَة بِدِمَشْق المحروسة يمدح سيدنَا رَسُول الله ﷺ الْبَسِيط
(جوانحي لسواكم قطّ مَا جنحت ... فَمَا لَهَا جرحت من غير مَا اجترحت)
(أهكذا كل صب بَاعَ مهجته ... فِي حبكم غير برح الشوق مَا ربحت)
(ضَاقَتْ لبينكم الدُّنْيَا بِمَا رَحبَتْ ... على حشى من جوى التبريح مَا بَرحت)
(فيا لنَفس على جمر الغضا سحبت ... ومقلة فِي بحار الدمع قد سبحت)
(قرت بقربكم حينا وَقد فرحت ... لَكِنَّهَا الْيَوْم بعد الْبعد قد قرحت)
(رامت برامة كتمان الغرام فمذ ... بدا لَهَا ريمها فِي دمعها افتضحت)
(رَأَتْ مسارح غزلان النقا سنحت ... بَين الرياض وورق الأيك قد صدحت)
(رَأَتْ قباب الَّذِي فِي كَفه نطقت ... صم الْحَصَا وعيون المَاء قد سرحت)
)
(الْهَاشِمِي الَّذِي لَو نَفسه وزنت ... بالأنبياء وأملاك السما رجحت)
(لولاه مَا طلعت شمس وَلَا غربت ... كلا وَلَا دحيت أَرض وَلَا سطحت)
(وَلَا السَّمَاء سمت وَلَا الْجبَال رست ... وَلَا الْبحار طمت وَلَا الصِّبَا نفحت)
(وَلَا الْحَيَاة حلت وَلَا الغيوث هَمت ... وَلَا الْجنان زهت وَلَا لظى لفحت)
(أنوار غرته لَو أَنَّهَا لمحت ... لوح الدجى إِذْ سجى مسوده لمحت)
(وَإِن بدا مطرقاً للرأس من خفر ... تخال عذراء من فرط الحيا أتشحت)
(تبدي أساريره معنى سرائره ... فِي النَّفس إِن فرحت يَوْمًا وَإِن ترحت)
(عوذت بِاللَّيْلِ إِذْ يغشى ذوائبه ... وفرقه بالضحى وَالشَّمْس إِذْ وضحت)
(من قَاس بالمزن جدوى راحتيه فقد ... أَخطَأ الْقيَاس فروق الْفضل قد وضحت)
(يَدَاهُ بالدر تجدي وَهُوَ مبتسم ... والسحب تبْكي وتجدي الدّرّ إِن سمحت)
(يمناه مَا صفحت لسائل منحاً ... وَكم عَن المذنب الخطاء قد صفحت)
(فكم فدت وودت وأوجلت وجلت ... وأوكست وكست وأثبتت ومحت)
(ودارساً عمرت وعامراً درست ... وبائساً رحمت وفارساً رمحت)
(وَكم لهى فتحت بِالْحَمْد إِذْ منحت ... لهى بهَا سمحت وَكم ندى رشحت)
(وقيدت نعما وأطلقت نعما ... وقلدت مننا ومائنا نصحت)
(وَكم شفت عللا وَكم رَوَت غللا ... وَكم هدت سبلاً لولاه مَا فتحت)
(وَكم لِأَحْمَد خير الْخلق من شيم ... كشامة لمحت فِي وجنة ملحت)
(عدل وحلم وأغضاء ومرحمة ... وعفة وغني نفس بِهِ منحت)
стр. 179
(وعزمة كالمنايا للعدي حطمت ... وهمة للدنايا قطّ مَا طمحت)
(وَكم مراض قُلُوب حِين عالجها ... باللطف صحت وَمن سكر الضلال صحت)
(مَا قدر مدحي سجاياه وَقد حمدت ... لَدَى الزبُور وَفِي الْقُرْآن قد مدحت)
(وَالله أقسم فِي الذّكر الْحَكِيم لنا ... بالعاديات الَّتِي من خيله ضبحت)
(وبالمغيرات صبحاً من مراكبه ... الموريات شرار النَّار قد قدحت)
(صلى عَلَيْهِ إِلَه الْعَرْش مَا عذبت ... أمداحه لمحبيه وَمَا ملحت)
(ثمَّ الصَّلَاة على الْأَصْحَاب كلهم ... والآل أعداد قطر السحب إِذْ سفحت)
)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْخَفِيف
(نَالَ أَعلَى مَرَاتِب الْمجد من لَا ... كَانَ يدْرِي بِهِ وَلَا بمكانه)
(بجميل الْجوَار مَعَ كرم النَّفس ... وعرفانه بِأَهْل زَمَانه)
(وتعام عَن الْعُيُوب وزهد ... فِي مَتَاع يفنى وَحفظ لِسَانه)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الطَّوِيل
(إِذا جرت الصَّهْبَاء مَا يرفع الحيا ... بِنصب شباك صيدها يحرم التَّقْوَى)
(فَمن شرعهم فِي الصحو محو الَّذِي جرى ... وَإِن بِسَاط الْبسط يطوى وَلَا يرْوى)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ السَّرِيع
(ومنكر قتل شَهِيد الْهوى ... وَوَجهه يُنبئ عَن حَاله)
(اللَّوْن لون الدَّم فِي خَدّه ... وَالرِّيح ريح الْمسك من خَاله)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ مجزوء الرمل
(قَالَ لي سَاحر طرف ... كم سبى من متنسك)
(إِن طرفِي قد تنبي ... أَفلا تنجو بِنَفْسِك)
(قلت مَا آيَة هَذَا ... قَالَ فِي العشاق يسفك)
(قلت يُنجي الله مِنْهُ ... قَالَ هَيْهَات لمثلك)
(قلت فَأمرنِي برشد ... وَهدى اسْمَع لأمرك)
(قَالَ وحد عشق حسني ... وَاحْذَرْ التَّشْرِيك تشرك)
(ثمَّ صدق سحر طرفِي ... لَا تكذبه فتهلك)
(قلت لَا أومن دَعْنِي ... أصطلي فِي نَار خدك)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْبَسِيط
(قد كنت أعشق ورد الخد لَيْسَ لَهُ ... ثَان وَلَا لغرامي فِيهِ من ثَان)
стр. 180
(فَكيف لَا أتغالي فِي محبته ... وَورد خديه قد حفا بريحان)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ مجزوء الرمل
(قَالَ محبوبي بقدي ... وبخدي وبنهدي)
(صف لي خَالِي فَوق خدي ... قلت لَا ينْهض جدي)
)
(قَالَ شبهه بحقي ... قلت لَا يُشْرك وجدي)
(قَالَ مثله ودع ذَا ... قلت يَا غَايَة قصدي)
(هُوَ وَالله وحيد ... جلّ عَن مثل وند)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْخَفِيف
(يَا مضيعاً للْعهد والود غدراً ... ومريداً بِجهْدِهِ التفريقا)
(إِن أَطَعْت الْعَدو فِينَا فَإنَّا ... قد عصينا فِيك الصّديق الصدوقا)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْكَامِل
(أفدى الَّذين تحكموا بحشاشتي ... أصلوا بهَا نَار الغرام وأججوا)
(باعوا فُؤَادِي بالهوان زهادة ... وَعَلِيهِ فِي سوق المذلة حرجوا)
(مَا كنت أَحسب أَن قدري عِنْدهم ... هَذَا وَلَا ودي لديهم يسمج)
(لكِنهمْ لم يظلموني الذَّنب لي ... فِي مثل صحبتهم وَمَا أَنا أهوج)
(لكنما عين الْمحبَّة أكمه ... وَلَقَد نشبت بهم فَكيف الْمخْرج)
(لَا ودهم يصفو وَلَا رسم الْهوى ... يعْفُو وَلَا عني الهموم تفرج)
(ضَاعَت مَفَاتِيح السلو جَمِيعهَا ... مني وَبَاب الْعِشْق بَاب مرتج)
٣ - (السفاقسي الْمَالِكِي)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد الإِمَام الْفَاضِل شمس الدّين السفاقسي وَيَأْتِي ضَبطه فِي تَرْجَمَة أَخِيه ابراهيم كَانَ هُوَ وَأَخُوهُ رحمهمَا الله تَعَالَى مالكيين وهما من فضلاء الْمَالِكِيَّة حضر شمس الدّين هَذَا إِلَى دمشق وَأَنا بهَا ورأيته شكلاً تَاما حسنا مليح الْوَجْه أَظُنهُ لم يبلغ الْأَرْبَعين وَأقَام بِدِمَشْق بعض سنة أَو أَكثر واقرأ النَّاس بالجامع الْأمَوِي ثمَّ توجه إِلَى حلب فحظي بَين الحلبيين وتصدر هُنَاكَ وَأفَاد وَولي وظائف وَلم تطل الْمدَّة حَتَّى توفّي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر رَمَضَان سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة اثنى عَلَيْهِ الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ ثَنَاء كثيرا وَقَالَ لَهُ على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب بعض شرح وَشرح قصيدة ابْن الْحَاجِب فِي الْعرُوض
٣ - (شمس الدّين ابْن نَبَاته)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن)
الشَّيْخ شمس الدّين ابْن نَبَاته الفارقي الْمصْرِيّ هُوَ وَالِد الشَّاعِر الناثر جمال الدّين مُحَمَّد بن نباتة يَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَلَده مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ثَلَاثَة فِي مَكَانَهُ هَذَا الشَّيْخ شمس الدّين من أَشْيَاخ الحَدِيث بِدِمَشْق سَاكن
стр. 181
خير قَلِيل الْكَلَام ينْفق كل مَا يحصل لَهُ على أحفاده أَوْلَاد وَلَده جمال الدّين يُبَاشر شَهَادَة الْخَاص وَقت الْقسم بدومة وداريا وَكَانَ فِي مصر شَاهدا بديوان الجاشنكير بيبرس ولد بِمصْر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وست مائَة سمع من الْعِزّ الْحَرَّانِي وَابْن خطيب المزة وغازي الحلاوي وَأبي بكر مُحَمَّد بن اسماعيل بن الْأنمَاطِي وَغَيرهم وَله سكن بالظاهرية بِدِمَشْق أجَاز لي بخطِّه فِي سنة ثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَتَوَلَّى دَار الحَدِيث النورية بعد الشَّيْخ زين الدّين ابْن الْمزي وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي ثَانِي صفر سنة خمسين وَسبع مائَة
٣ - (ابْن ميناء)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن ميناء الشَّيْخ الإِمَام الْفَاضِل شمس الدّين البعلبكي الشَّافِعِي سمع من الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَمن عِيسَى الْمطعم وَغَيرهمَا وَقَرَأَ الْفِقْه وبرع فِيهِ وناظر وَأفْتى وَتوجه إِلَى بَغْدَاد وَأعَاد بالنظامية فِيمَا قيل وَعَاد إِلَى الشَّام وَكَانَ الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني ﵀ يثني على ذهنه وَكَانَ على ذهنه إشكالات فِي الْمَذْهَب وشكوك فِي غير الْفِقْه وَكَانَ ينحرف كثيرا وَتَوَلَّى قَضَاء الإقليم بِدِمَشْق وَمَا كَانَ يَخْلُو من تعبد وَخلف لما توفّي ﵀ دنيا صَالِحَة ووصى بِثلث مَاله أَن يصرف على فُقَرَاء الْفُقَهَاء كل إِنْسَان عشرَة دَرَاهِم وَكَانَ مُقيما بالرواحية وَكتب عني شَيْئا وَكَانَ يُعجبنِي ذهنه وَحَدِيثه وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي طاعون دمشق فِي شهر رَجَب الْفَرد سنة تسعٍ وَأَرْبَعين وَسبع مائَة فِي حُدُود الْخمسين
٣ - (مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن قوام)
توفّي بكرَة الْجُمُعَة سادس عشر الْمحرم سنة سبع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَدفن بزاوية جده
٣ - (ابْن محمش)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن محمش بِالْحَاء الْمُهْملَة والشين الْمُعْجَمَة على وزن مَسْجِد ابْن عَليّ بن دَاوُد الْفَقِيه أَبُو طَاهِر الزيَادي الشَّافِعِي الأديب كَانَ أَبوهُ من أَعْيَان الْعباد وَأما أَبُو طَاهِر فَكَانَ أَمَام أَصْحَاب الحَدِيث بنيسابور وفقيههم ومفتيهم بِلَا مدافعة وَكَانَ متبحرا فِي الشُّرُوط وصنف فِيهِ وَله معرفَة تَامَّة بِالْعَرَبِيَّةِ)
وَحدث بعلو فِي الثقفيات وَتُوفِّي سنة أَربع مائَة
٣ - (الْوَزير عميد الدولة ابْن جهير)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن جهير الْوَزير عميد الدولة أَبُو مَنْصُور ابْن الْوَزير فَخر الدولة الْمُتَقَدّم ذكره وزر فِي أَيَّام وَالِده وخدم ثَلَاثَة خلفاء وَلما احْتضرَ الْقَائِم أوصى بِهِ وَلَده المقتدى ثمَّ أَنه عزل بِأبي شُجَاع ثمَّ عَاد إِلَى الوزارة ونظم فِيهِ ابْن الهبارية الْبَيْتَيْنِ السائرين وذكرتهما فِي تَرْجَمَة وَالِده وَبَقِي فِيهَا تِسْعَة أَعْوَام وَكَانَ خَبِيرا كَافِيا مُدبرا فصيحاً مفوها مترسلا وَله هَيْبَة وَسُكُون وكلماته مَعْدُودَة كلم يَوْمًا لولد أبي نصر ابْن الصّباغ فَقَالَ لَهُ اشْتغل وادأب وَإِلَّا كنت صباغاً بِغَيْر أَب فَلَمَّا قَامَ من الْمجْلس جَاءَ النَّاس إِلَى ابْن الصّباغ للهناء لكَون الْوَزير كَلمه وَله ترسل حسن وتواقيع وجيزة وَله شعر أَيْضا وَكَانَت لَهُ رئاسة وسياسة وَهُوَ من الوزراء الممدحين قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب مدحه عشرَة آلَاف شَاعِر وَيُقَال أَنه مدح بِمِائَة ألف بَيت شعر وَمن شعرائه مَسْعُود بن الْعَلَاء الْمَعْرُوف بِابْن الخبار وَمن مدحه فِيهِ من جملَة قصيدة الْبَسِيط
стр. 182
(مجرب الرَّأْي يقظان البصيرة هج ام الْعَزِيمَة قوام الْبَرَاهِين)
(يُرِيك فِي الدست أطراقاً وهيبته ... من الصَّعِيد إِلَى أقطار جيحون)
(للحمد سوق لَدَيْهِ غير كاسدة ... وللمدائح أجر غير ممنون)
وَآخر أمره آل إِلَى أَن حَبسه الْخَلِيفَة المستظهر فِي دَاره واستصفى أَمْوَاله وأموال من يلوذ بِهِ من الْعمَّال والنواب وَأخرج مَيتا فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة وَحمل إِلَى دَاره فَغسل فِيهَا وَدفن بالتربة الَّتِي استجدها فِي قراح ابْن رزين وَمنع أَصْحَاب الدُّيُون الَّتِي عَلَيْهِ من دَفنه فِي التربة وَقَالُوا هَذِه ملكه وَلم يَصح وَقفهَا ثمَّ عجزوا عَن إبِْطَال ذَلِك وَقيل أَن المستظهر أَدخل عميد الدولة ابْن جهير حَماما وَسمر عَلَيْهِ الْبَاب إِلَى أَن مَاتَ فِيهِ وَأخرج للشُّهُود ليشهدوا أَنه لَيْسَ فِيهِ أثر قتل ليقال أَنه مَاتَ حتف أَنفه وَدخل فِي جملَة الشُّهُود أَخُوهُ الْكَافِي فصاح يَا أخي يَا أَبَا مَنْصُور قتلوك وَجعل يُرَدِّدهَا دفعات فَقيل أَن خمس مائَة خَادِم خلعوا مداساتهم وخفافهم وصفعوه بهَا فَوَقع مَيتا وَلم يسمع بِمن مَاتَ هَذِه الْميتَة
٣ - (الطَّالقَانِي الصُّوفِي)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
أَبُو عبد الله الطَّالقَانِي الصُّوفِي سَافر الْبِلَاد وَسمع الْكثير وَسكن صور إِلَى أَن مَاتَ بهَا فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة عَن ثَمَانِينَ سنة وَمن رواياته عَن أبي عبد الرَّحْمَن السلمى عَن مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ عَن أبي الْحُسَيْن النوري قَالَ رَأَيْت غُلَاما جميلاً بِبَغْدَاد فَنَظَرت إِلَيْهِ ثمَّ أردْت أَن أكرر النّظر فَقلت يلبسُونَ النِّعَال الصرارة ويمشون فِي الطرقات فَقَالَ الْغُلَام أَحْسَنت أتجمش بِالْعلمِ ثمَّ أنشأ يَقُول الطَّوِيل
(تَأمل بِعَين الْحق إِن كنت نَاظرا ... إِلَى صفة فِيهَا بَدَائِع فاطر)
(وَلَا تعط حَظّ النَّفس مِنْهَا ... وَكن نَاظرا بِالْحَقِّ قدرَة قَادر)
٣ - (أَبُو مَنْصُور العكبري)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أَبُو مَنْصُور العكبري كَانَ فَاضلا فصيحاً صَدُوقًا يحاضر بالحكايات المستحسنة والأناشيد الظريفة من انشاداته الوافر
(أطيل الْفِكر مني فِي أنَاس ... مضوا عَنَّا وَفِي من خلفونا)
(هم الْأَحْيَاء بعد الْمَوْت ذكرا ... وَنحن من الخمول الميتونا)
(لذَلِك قد تعاطيت التَّجَافِي ... وَأَن خلائقي كَالْمَاءِ لينًا)
(وَلم أبخل بصحبتهم لأمر ... وَلَكِن هَات قوما يصحبونا)
وَيقرب من هَذَا قَول البارع من أَبْيَات الْخَفِيف
(لَا لِأَنِّي أنفت مَعَ ذَا من الكد ... ية أَيْن الْكِرَام حَتَّى أكدي)
وَقَول شَاعِر الحماسة الْكَامِل // الْمدْخل طَارق غَنَّام اسْم الْكتاب الوافي بالوفيات الْجُزْء الأولالمؤلف صَلَاح الدّين الصَّفَدِي
стр. 183
(خلت الديار فَسدتْ غير مسود ... وَمن العناء تفردي بالسودد)
وَالْأَصْل فِي هَذَا كُله قَول لبيد الْكَامِل
(ذهب الَّذين يعاش فِي أَكْنَافهم ... وَبقيت فِي خلف كَجلْد الأجرب)
كَانَت ولادَة أبي مَنْصُور فِي شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مائَة ووفاته بِبَغْدَاد فِي شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبع مائَة
٣ - (الْغَزالِيّ)
)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد حجَّة الْإِسْلَام زين الدّين أَبُو حَامِد الطوسي الْفَقِيه الشَّافِعِي لم يكن فِي آخر عصره مثله اشْتغل فِي مبدأ أمره بطوس على أَحْمد الرادكاني ثمَّ قدم نيسابور وَاخْتلف إِلَى دروس أَمَام الْحَرَمَيْنِ وجد فِي الِاشْتِغَال حَتَّى تخرج فِي مُدَّة قريبَة وَصَارَ من الْأَعْيَان فِي زمن استاذه وصنف وَلم يزل يلازمه إِلَى حِين وَفَاته فَخرج إِلَى الْعَسْكَر وَلَقي نظام الْملك فَأكْرمه وعظمه وَكَانَ بِحَضْرَة الْوَزير جمَاعَة من الْفُضَلَاء فناظروه وَظهر عَلَيْهِم واشتهر اسْمه وَسَار بِذكرِهِ الركْبَان الطَّوِيل
(فَسَار بِهِ من لَا يسير مشمراً ... وغنى بِهِ من لَا يُغني مغردا)
وفوض إِلَيْهِ الْوَزير تدريس النظامية وعظمت حشمته بِبَغْدَاد حَتَّى علت على الْأُمَرَاء والكبار وأعجب بِهِ أهل الْعرَاق ثمَّ أَنه ترك جَمِيع مَا كَانَ فِيهِ فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة وسلك طَرِيق التزهد والانقطاع وَحج فَلَمَّا رَجَعَ توجه إِلَى الشَّام فَأَقَامَ فِي مَدِينَة دمشق مُدَّة يذكر الدُّرُوس فِي زَاوِيَة الْجَامِع الْمَعْرُوفَة الْآن بِهِ فِي الْجَانِب الغربي ثمَّ توجه إِلَى الْقُدس واجتهد فِي الْعِبَادَة وزيارة الْمشَاهد والمواضع المعظمة ثمَّ قصد مصر وَأقَام بالاسكندرية مُدَّة وَيُقَال أَنه عزم مِنْهَا على ركُوب الْبَحْر للاجتماع بالأمير يُوسُف ابْن تاشفين صَاحب مراكش لما بلغه مِنْهُ من محبَّة أهل الْعلم والإقبال عَلَيْهِم فَبَلغهُ نعى الْمَذْكُور فَعَاد إِلَى وَطنه بطوس وصنف بهَا كتبا نافعة ثمَّ عَاد إِلَى نيسابور وألزم بتدريس النظامية بعد معاودات ثمَّ ترك ذَلِك وَأقَام بوطنه وَاتخذ خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين بِالْعلمِ فِي جواره ووزع أوقاته على وظائف الْخَيْر من ختم الْقُرْآن ومجالسة أهل الْقُلُوب وَأما مصنفاته فَمِنْهَا كتاب أَحيَاء عُلُوم الدّين وَهُوَ من أجل الْكتب وَأَعْظَمهَا حَتَّى قيل فِيهِ أَنه لَو ذهبت كتب الْإِسْلَام وَبَقِي الْأَحْيَاء لأغنى عَمَّا ذهب وَأول مَا دخل إِلَى الغرب أَنْكَرُوا فِيهِ أَشْيَاء وصنفوا عَلَيْهِ الْإِمْلَاء فِي الرَّد على الْأَحْيَاء قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ قد جمعت أغلاط الْكتاب وسميته أَعْلَام الْأَحْيَاء بأغلاط الْأَحْيَاء وأشرت إِلَى بعض ذَلِك فِي كتابي تلبيس إِبْلِيس وَقَالَ سبطه أَبُو المظفر وَضعه على مَذَاهِب الصُّوفِيَّة وَترك فِيهِ قانون الْفِقْه كَمَا ذكر فِي مجاهدة النَّفس إِن رجلا أَرَادَ محو جاهه فَدخل الْحمام فَلبس ثِيَاب غَيره
стр. 184
ثمَّ لبس ثِيَابه فَوْقهَا وَخرج يمشي على مهل حَتَّى لحقوه فَأَخَذُوهَا مِنْهُ فَسمى سَارِق الْحمام وَذكر مثل هَذَا على سَبِيل التَّعْلِيم للمريدين)
وَهَذَا قَبِيح لإنه مَتى كَانَ للحمام حَافظ وسرق مِنْهُ سَارِق قطع ثمَّ لَا يحل لمُسلم أَن يتَعَرَّض لأمر يؤثم النَّاس بِهِ فِي حَقه وَذكر أَن رجلا اشْترى لَحْمًا فَرَأى فِي نَفسه أَنه يستحي من حمله إِلَى بَيته فعلقه فِي عُنُقه وَهَذَا فِي غَايَة الْقبْح وَمثله كثير انْتهى وأنكروا عَلَيْهِ مَا فِيهِ من الْأَحَادِيث الَّتِي لم تصح وَمثل هَذَا يجوز فِي التَّرْغِيب والترهيب وَالْكتاب غَايَة فِي النفاسة وَكَانَ الإِمَام فَخر الدّين يَقُول كَانَ الله جمع الْعُلُوم فِي قبَّة وأطلع الْغَزالِيّ عَلَيْهَا أَو كَمَا قَالَ وَمن مصنفاته الْبَسِيط والوسيط وَهُوَ عديم النظير فِي بَابه من حسن ترتيبه وتهذيبه وَعَلِيهِ الْعُمْدَة الْآن فِي إِلْقَاء الدُّرُوس وَالْوَجِيز وَالْخُلَاصَة هَذِه الْأَرْبَع فِي الْفِقْه قَالَ بَعضهم فِيهَا
(مجزوء الْكَامِل هذب الْمَذْهَب حبر ... أحسن الله خلاصه)
(ببسيط ووسيط ... ووجيز وخلاصه)
وَيُقَال لنه قيل لَهُ مَا عملت شَيْئا أخذت الْفِقْه من كَلَام شيخك فِي نِهَايَة الْمطلب وَالتَّسْمِيَة لكتبك من الواحدي وَيُقَال أَن نِهَايَة الْمطلب لإِمَام الْحَرَمَيْنِ كَانَت زبر حَدِيد فَجَعلهَا الْغَزالِيّ زبر خشب وَمن مصنفاته الْمُسْتَصْفى فِي أصُول الْفِقْه والمنخول واللباب وبداية الْهِدَايَة وكيمياء السَّعَادَة والمآخذ والتحصين والمعتقد والجام الْعَوام وَالرَّدّ على الباطنية ومقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة وجواهر الْقُرْآن والغاية القصوى وفضائح الأباحية وغور الدّور والمنتخل فِي علم الجدل ومعيار الْعلم والمضنون بِهِ على غير أَهله وَشرح الْأَسْمَاء الْحسنى ومشكاة الْأَنْوَار والمنقذ من الضلال والقسطاس الْمُسْتَقيم وَحَقِيقَة الْقَوْلَيْنِ وَأورد ابْن السَّمْعَانِيّ من نظمه قَوْله الْكَامِل
(حلت عقارب صُدْغه من وَجهه ... قمراً فجل بِهِ عَن التَّشْبِيه)
(وَلَقَد عهدناه يحل ببرجها ... وَمن الْعَجَائِب كَيفَ حلت فِيهِ)
وَأورد لَهُ الْعِمَاد الْكَاتِب فِي الخريدة قَوْله الْكَامِل
(هبني صبوت كَمَا ترَوْنَ بزعمكم ... وحظيت مِنْهُ بلثم خد أَزْهَر)
(إِنِّي اعتزلت فَلَا تلوموا أَنه ... أضحى يقابلني بِوَجْه أشعري)
стр. 185
وَأورد لَهُ ابْن النجار الْكَامِل
(فقهاؤنا كذبالة النبراس ... هِيَ فِي الْحَرِيق وضؤوها للنَّاس)
(خبر ذميم تَحت رائق منظر ... كالفضة الْبَيْضَاء تَحت نُحَاس)
وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمسين وَأَرْبع مائَة وَقيل سنة إِحْدَى وَخمسين بالطابران وَتُوفِّي يَوْم)
الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخمْس مائَة بالطابران ورثاه أَبُو المظفر مُحَمَّد الأبيوردي بِأَبْيَات فائية مِنْهَا الْبَسِيط
(مضى وَأعظم مَفْقُود فجعت بِهِ ... من لَا نَظِير لَهُ فِي النَّاس يخلفه)
وتمثل الإِمَام اسماعيل الحاكمي بعد وَفَاته بقول أبي تَمام الطَّائِي الطَّوِيل
(عجبت لصبري بعده وَهُوَ ميت ... وَكنت امْرَءًا أبكى دَمًا وَهُوَ غَائِب)
(على أَنَّهَا الْأَيَّام قد صرن كلهَا ... عجائب حَتَّى لَيْسَ فِيهَا عجائب)
وَدفن بالطابران وَهِي قَصَبَة طوس وَقيل أَنه قَالَ فِي بعض مصنفاته ونسبني قوم إِلَى الغزال وَإِنَّمَا أَنا الْغَزالِيّ نِسْبَة إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا غزالة بتَخْفِيف الزَّاي وَالله أعلم
٣ - (قَاضِي النعمانية)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن حَامِد بن عمر بن بنيق أَبُو تَمام من أهل النعمانية كَانَ قَاضِيا بهَا وَقدم بَغْدَاد وَسمع من أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن الْمسلمَة وَأبي بكر الْخَطِيب وَحدث باليسير روى عَنهُ أَبُو السعادات الْمُبَارك ابْن الْحُسَيْن بن نعوبا وَأَبُو طَاهِر السلَفِي
٣ - (أَبُو الْغَنَائِم المعوج)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن السكن أَبُو الْغَنَائِم ابْن أبي مَنْصُور الْمَعْرُوف بِابْن المعوّج من أهل بَاب الْمَرَاتِب حدّث عَن الشريف أبي نصر الزَّيْنَبِي وَسمع مِنْهُ أَبُو بكر بن كَامِل وَأخرج عَنهُ حَدِيثا فِي مُعْجم شُيُوخه
٣ - (أَبُو نصر العكبرى)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عبد الْعَزِيز بن مهْرَان أَبُو مَنْصُور ابْن أبي نصر العكبري من أَوْلَاد الْمُحدثين حدث هُوَ وَأَبوهُ وجده وَأَبُو جده وَذكرهمْ الْخَطِيب فِي تَارِيخه وَأَبُو مَنْصُور هَذَا اسْمَعْهُ أَبوهُ من أبي الطّيب طَاهِر الطَّبَرِيّ وَأبي مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي وَغَيرهمَا وَحدث باليسير بِبَغْدَاد وعكبرا روى عَنهُ أَبُو المعمر الْأنْصَارِيّ وَأَبُو طَاهِر السلَفِي وَأَبُو بكر الْمُبَارك الْخفاف وَتُوفِّي سنة أَربع وَعشْرين وَخمْس مائَة
٣ - (أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ)
)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن عمر أَبُو مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ من أهل بَاب الْبَصْرَة حدث عَن أبي طَاهِر مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي الصَّقْر الْأَنْبَارِي وَسمع مِنْهُ أَبُو بكر بن الْمُبَارك الْخفاف وَأخرج عَنهُ حَدِيثا فِي مُعْجم شُيُوخه
٣ - (أَبُو عبد الله الْبَيْضَاوِيّ)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَيْضَاوِيّ أَبُو عبد الله سبط القَاضِي أبي الطّيب طَاهِر الطَّبَرِيّ كَانَ فَقِيها فَاضلا شافعياً قَالَ عبد الْملك بن ابراهيم الهمذاني الفرضي لم أر أذكي مِنْهُ ترسل إِلَى غزنة بِسَبَب بيعَة المقتدى وَحدث بهراة عَن جمَاعَة وَكَانَ سرياً جميلاً توفّي سنة سبعين وَأَرْبع مائَة
стр. 186
٣ - (البروي الشَّافِعِي)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن سعيد بن عبد الله أَبُو مَنْصُور الْفَقِيه الشَّافِعِي البروي بالراء أحد الْأَئِمَّة الْمَشَاهِير الْمشَار إِلَيْهِ بالتقدم فِي النّظر وَعلم الْكَلَام وَالْفِقْه والوعظ وَكَانَ حُلْو الْعبارَة فصيحها تفقه على الْفَقِيه مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي صَاحب الْمُحِيط فِي شرح الْوَسِيط وَكَانَ من أكبر أَصْحَابه صنف فِي الْخلاف تعليقة جَيِّدَة والمقترح فِي المصطلح وَهُوَ مليح فِي الجدل وَشَرحه تَقِيّ الدّين أَبُو الْفَتْح مَنْصُور بن عبد الله الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالمعتز شرحا مُسْتَوْفِي وَعرف بِهِ فَلَا يُقَال شرح التقي الْمصْرِيّ دخل البروي إِلَى بَغْدَاد سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وصادف قبولاً من الْعَام وَالْخَاص وَتَوَلَّى الْمدرسَة البهائية قَرِيبا من النظامية وَيذكر بهَا كل يَوْم عدَّة دروس ويحضره الْخلق وَله حَلقَة المناظرة بِجَامِع الْقصر ويحضر عِنْده المدرسون والأعيان وَيظْهر عَلَيْهِ من الحركات مَا يدل على رغبته فِي تدريس النظامية وَكَانَ ينشد فِي أثْنَاء مَجْلِسه مُشِيرا إِلَى مَوضِع التدريس قَول أبي الطّيب الْبَسِيط
(بَكَيْت يَا ربع حَتَّى كدت أبكيكا ... وجدت بِي وبدمعي فِي مغانيكا)
الأبيات الثَّلَاثَة وَيفهم النَّاس عَنهُ ذَلِك وَكَانَ قدم دمشق وَنزل فِي رِبَاط الشميساطي وَقُرِئَ عَلَيْهِ هُنَاكَ شَيْء من أَمَالِيهِ وَكَانَت وِلَادَته يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر ذِي الْحجَّة سنة سبع عشرَة وَخمْس مائَة بطوس وَتُوفِّي سادس عشر شهر رَمَضَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة بِبَغْدَاد وَصلى عَلَيْهِ المستضيء يَوْم الْجُمُعَة بقصر الْخَلِيفَة وَدفن بِبَاب أبرز من تربة الشَّيْخ أبي اسحاق الشِّيرَازِيّ وَكَانَ)
يُبَالغ فِي ذمّ الْحَنَابِلَة وَقَالَ لَو كَانَ لي أَمر لوضعت عَلَيْهِم الْجِزْيَة فَجَاءَتْهُ امْرَأَة فِي اللَّيْل بِصَحْنِ حلوى قَالَت أَنا أعزل وأبيعه وَقد اشْتريت هَذَا الصحن وَهُوَ حَلَال وَأُرِيد أَن يَأْكُل الشَّيْخ مِنْهُ فَأَكله هُوَ وَزَوجته وَولد لَهُ صَغِير فَأَصْبحُوا موتى
٣ - (ركن الدّين العميدي)
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد وَقيل أَحْمد ركن الدّين أَبُو حَامِد الْحَنَفِيّ السَّمرقَنْدِي الْمَعْرُوف بالعميدي كَانَ إِمَامًا فِي الْخلاف وخصوصا الجست وَهُوَ أول من أفرده بالتصنيف وَمن تقدمه كَانَ يمزجه بِخِلَاف الْمُتَقَدِّمين واشتغل فِيهِ على رضى الدّين النَّيْسَابُورِي وَهُوَ أحد الْأَركان الْأَرْبَعَة لإنهم اشتغلوا على الشَّيْخ الْمَذْكُور وكل مِنْهُم لقبه ركن الدّين وهم الطاوسي وركن الدّين زادا والعميدي هَذَا وصنف العميدي الْإِرْشَاد فاعتنى بشرحه جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي شمس الدّين الخويي قَاضِي دمشق وأوحد الدّين قَاضِي منبج وَنجم الدّين المرندي وَبدر الدّين المراغي عرف بالطويل وَغَيرهم وصنف الطَّرِيقَة الْمَشْهُورَة بأيدي النَّاس والنفائس وَاخْتَصَرَهُ القَاضِي شمس الدّين الخويي أَيْضا وَسَماهُ عرائس النفائس وصنف أَشْيَاء أُخْرَى مستملحة واشتغل عَلَيْهِ خلق كثير وانتفع بِهِ جمَاعَة مِنْهُم نظام الدّين أَحْمد بن الشَّيْخ جمال الدّين أبي الْمُجَاهِد مَحْمُود الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بالحصيري صَاحب الطَّرِيقَة الْمَشْهُورَة وَكَانَ العميدي كريم الْأَخْلَاق كثير التَّوَاضُع طيب المعاشرة توفّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس
стр. 187
عشرَة وسِتمِائَة ببخارى
٣ - (الْأَثِير ابْن بنان الْكَاتِب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن بنان الْأَنْبَارِي أَبُو طَاهِر ابْن أبي الْفضل الْكَاتِب من أهل مصر وَأَصله من الأنبار قَرَأَ الْأَدَب وَسمع الحَدِيث وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا مهيباً عَالما أديباً كَاتبا بليغاً يكْتب الْخط الْحسن وَيَقُول الشّعْر الْجيد ويترسل فِيهِ مفاكهة ودماثة أَخْلَاق قدم بَغْدَاد رَسُولا مَعَ قافلة الْحَاج من مَكَّة من جِهَة سيف الْإِسْلَام طغتكين أخي صَلَاح الدّين من الْيمن فَأنْزل بِبَاب الأزج وَأكْرم مثواه وَحدث بِكِتَاب الصِّحَاح فِي اللُّغَة للجوهري عَن أبي البركات مُحَمَّد بن حَمْزَة بن الغرقي عَن أبي الْقَاسِم بن القطاع عَن أبي بكر ابْن الْبر التَّمِيمِي عَن أبي اسماعيل بن عَبدُوس عَن الْجَوْهَرِي وبالسيرة النَّبَوِيَّة لعبد الْملك بن هِشَام عَن وَالِده عَن أبي إِسْحَاق ابراهيم بن عبد الله بن سعيد الحبال سمع مِنْهُ أَبُو الْفتُوح ابْن الحصري وَأَبُو الْقَاسِم الْمُبَارك بن أنوشتكين الْجَوْهَرِي الْعدْل ولد سنة سبع وَخمْس مائَة بِمصْر وَتُوفِّي بهَا سنة سِتّ)
وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَدفن بالقرافة لَهُ كتاب تَفْسِير الْقُرْآن الْمجِيد وَكتاب المنظوم والمنثور فِي مجلدين وَمن نظمه وَقد رأى بَعضهم وَقد كتب وَكتب فلَان بِخَط يَده فَقَالَ الْكَامِل
(أفسدت معرفتي بفرط تخلف ... وَنسخت بالتشكيك صدق يقيني)
(لَو كَانَ قوم يَكْتُبُونَ برجلهم ... لبسطت عذرك يَا سخين الْعين)
قلت ندد ابْن البنان فِي غير مَوْضِعه لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم وَمن شعره أَيْضا فِي صَاحب توفّي الْخَفِيف
(عجبا لي وَقد مَرَرْت بآثا رك كَيفَ اهتديت نهج الطَّرِيق)
(أَترَانِي نسيت عَهْدك فِيهَا ... صدقُوا مَا لمَيت من صديق)
وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ الْمليح وَتَوَلَّى ديوَان النّظر فِي الدولة المصرية وتقلب فِي الخدم فِي الْأَيَّام الصلاحية بتنيس والاسكندرية وَكَانَ القَاضِي الْفَاضِل مِمَّن يغشى بَابه ويمدحه ويفتخر بالوصول إِلَيْهِ وَأنْشد يَوْمًا السَّرِيع
(برح بِي أَن عُلُوم الورى ... شَيْئَانِ أَن حصلتها لَا مزِيد)
стр. 188
(علم إِذا مَا رمت تَحْقِيقه ... أعييا وَعلم حفظه لَا يُفِيد)
وَكَانَ الصَّالح بن رزيك قد ألزم الْأَثِير بِمَال رفع إِلَيْهِ لكَونه كَانَ يتَوَلَّى أَمْوَالًا لَهُ واعتقله فَأرْسل إِلَيْهِ يمت بقديم الْخدمَة والتشيع الْمُوَافق فِي الْمَذْهَب فَقَالَ الصَّالح المتقارب
(أَتَى ابْن بنان ببهتانه ... يحصن بِالدّينِ مَا فِي يَدَيْهِ)
(بَرِئت من الرَّفْض إِلَّا لَهُ ... وتبت من النصب إِلَّا عَلَيْهِ)
وَكَانَ قدر المَال سِتِّينَ ألف دِينَار فَأخذ مِنْهُ اثْنَا عشر ألفا وَترك لَهُ الْبَاقِي
٣ - (برهَان الدّين النَّسَفِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
الشَّيْخ برهَان النَّسَفِيّ الْحَنَفِيّ المنطقي صَاحب التصانيف قَالَ ابْن الفوطي هُوَ شَيخنَا الْمُحَقق المدقق الْعَلامَة الْحَكِيم لَهُ التصانيف الْمَشْهُورَة كَانَ فِي الْخلاف والفلسفة أوحد متع بحواسه وَكَانَ زاهداً وَقد لخص تَفْسِير الإِمَام فَخر الدّين قدم بَغْدَاد حَاجا سنة خمس وَسبعين واشتغل عَلَيْهِ هَارُون ابْن الصاحب مولده تَقْرِيبًا سنة سِتّ مائَة وَتُوفِّي بِبَغْدَاد فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وست مائَة
٣ - (شرف الدّين ابْن عمروك الْبكْرِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
)
ابْن عمروك وَهُوَ أَبُو الْفَضَائِل ابْن أبي عبد الله ابْن أبي الْفتُوح ابْن أبي سعد ابْن أبي سعيد شرف الدّين الْقرشِي التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة تسعين وَخمْس مائَة وَأَجَازَ لَهُ جمَاعَة وَحدث هُوَ وَأَبوهُ وجده وَأَخُوهُ صدر الدّين الْبكْرِيّ وَتُوفِّي الرَّابِع من الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَدفن من الْغَد بسفح المقطم
٣ - (نظام الدّين ابْن الْمولى الْكَاتِب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن عبد الْمجِيد نظام الدّين أَبُو عبد الله الْأنْصَارِيّ الْبَغْدَادِيّ الأَصْل الْحلَبِي المولد والمنشأ الْمَعْرُوف بِابْن الْمولى ولد بحلب فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة خمس وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَتُوفِّي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة بِدِمَشْق لَيْلَة الْخَامِس من جُمَادَى الْآخِرَة وَدفن من الْغَد بجبل قاسيون كَانَ صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين مقدما على جمَاعَة الْكتاب فَاضلا رَئِيسا لَهُ الوجاهة الْعَظِيمَة والمنزلة المكينة عِنْد مخدومه وَله الترسل وَالنّظم الْحسن وروى عَنهُ الدمياطي وَسَيَأْتِي ذكر أَخِيه أَحْمد ونظام الدّين الْمَذْكُور وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ السامري فِي أرجوزته فَقَالَ وَلَيْسَ يَسْتَثْنِي من الْجَمَاعَة غير كَمَال الدّين والنظام
٣ - (موفق الدّين الْخَطِيب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن عبد الْمُنعم بن جَيش بن أبي المكارم الْفضل الْخَطِيب موفق الدّين أَبُو الْمَعَالِي الْمَعْرُوف بخطيب جَامع حماة تولى خطابة الْجَامِع الْأمَوِي والإمامة يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشْرين شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وست مائَة عوضا عَن الشَّيْخ عز الدّين الفاروثي فعز على النَّاس وَعَلِيهِ ذَلِك فَحَضَرَ إِلَى السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف فَلَمَّا
стр. 189
رَآهُ السلحدارية أخذُوا بِيَدِهِ وأجلسوه إِلَى جَانب الْأَمِير عز الدّين أيبك الْحَمَوِيّ نَائِب الشَّام فَسَأَلَ السُّلْطَان عَنهُ فَأخْبر أَنه قد عزل وتوهم الشَّيْخ أَن الْوَزير ابْن السلعوس عَزله فَاعْتَذر إِلَيْهِ السُّلْطَان وَقَالَ بلغنَا أَنَّك ضَعِيف فَقَالَ من صلى مائَة رَكْعَة بِأَلف قل هُوَ الله أحد يعجز عَن صَلَاة الْفَرْض يَعْنِي صَلَاة النّصْف فَلم يلتفتوا إِلَيْهِ وانكسر قلبه وهرب فِي هَذِه الْجُمُعَة حسام الدّين لاجين فاغتنم السُّلْطَان وَتوجه هُوَ والأمراء والعسكر فِي الْبَريَّة يفتشون عَلَيْهِ وَكَانُوا قد أطلعوا الْمِنْبَر إِلَى الميدان الْأَخْضَر فصلى الْخَطِيب موفق الدّين بالعوام وَالسُّلْطَان والعساكر مهججون فِي طلب حسام الدّين لاجين ثمَّ إِن السُّلْطَان عَاد بعد الْعَصْر يَوْم الْعِيد فنظم بعض الشُّعَرَاء الْكَامِل
(خطب الْمُوفق إِذْ تولى خطْبَة ... شقّ الْعَصَا بَين الْمُلُوك وفرقا)
(وَأَظنهُ أَن قَالَ ثَانِيَة غَدا ... دين الْأَنَام وشمله متمزقا)
)
ثمَّ إِن الْمُوفق طلب إِلَى حماة وَولى الْقَضَاء بهَا مُدَّة ثمَّ إِنَّه قدم دمشق متجفلاً من التتار فتوفى رَحمَه الله تَعَالَى بدرب القَاضِي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة كَانَ من أهل الْخَيْر وَالدّين وَالصَّلَاح
٣ - (عز الدّين ابْن الْوَزير العلقمي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
عز الدّين أَبُو الْفضل ابْن الْوَزير ابْن العلقمي قَرَأَ الْقُرْآن والعربية على التقي حسن بن الباقلاني الحلى النَّحْوِيّ واللغة عَليّ رضى الدّين الصغاني وَكتب التقاليد عَن الْخَلِيفَة أَيَّام وَالِده وَله النّظم الْمُتَوَسّط كتب على كتاب مُعْجم الأدباء لياقوت الْحَمَوِيّ الطَّوِيل
(سَمَاء أنارت للفضائل أنجماً ... وبحر آثَار الدّرّ فَذا وتوأما)
(جلا أوجه الْآدَاب زهراً مضيئة ... فثقف عود الْعلم حَتَّى تقوما)
(آثَار خفيات الْفَضَائِل فأنثنى ... سناها مضيئاً بعد أَن كَانَ مظلماً)
(وَألف من بعد التَّفَرُّق شملها ... على أَن فِيهِ حسنها متقسما)
(تضمن أَسمَاء ينير بهَا الدجى ... وَيهْدِي بهَا الغاوي ويجلي بهَا الْعَمى)
٣ - (شمس الدّين ابْن الشِّيرَازِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن هبة الله بن مُحَمَّد بن هبة الله بن مُحَمَّد بن يحيى بن بنْدَار بن مميل الْفَارِسِي الشِّيرَازِيّ الأَصْل الدِّمَشْقِي ثمَّ الْمزي شمس الدّين أَبُو نصر ابْن عماد الدّين الْكَاتِب ابْن أقضى الْقُضَاة شمس الدّين أبي نصر ولد سنة تسع وَعشْرين سمع من جده حضوراً ثمَّ سَمَاعا وَمن عَمه تَاج الدّين وَمن علم الدّين السخاوي وَالْعلم ابْن الصَّابُونِي والمؤتمن ابْن قميرة وَأبي اسحاق ابْن الخشوعي وبهاء الدّين ابْن الحميزي وَجَمَاعَة وَأَجَازَ لَهُ الشَّيْخ
стр. 190
شهَاب الدّين الشهرزوري وبهاء الدّين ابْن شَدَّاد واسماعيل بن باتكين وَابْن روزبه وَخلق كثير وَتفرد بأجزاء وعوال وازدحم الطّلبَة عَلَيْهِ وَالْحق الصغار بالكبار انتقى لَهُ الشَّيْخ صَلَاح الدّين ابْن العلائي والبرزالي وألواني وَالشَّيْخ شمس الدّين وَكَانَ سَاكِنا وقوراً متواضعا نزر الحَدِيث منجمعا عَن النَّاس لَهُ ملك يعِيش مِنْهُ وَكَانَ بارعا فِي تذهيب الْمَصَاحِف ظَهرت فِيهِ مبادئ اخْتِلَاط سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسبع مائَة
٣ - (افتخار الدّين الْحَنَفِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
افتخار الدّين أَبُو عبد الله نقلت من خطّ مُسْتَوفى أربل صَاحب كتاب نباهة الْبَلَد الخامل بِمن ورده من الأماثل وَهُوَ تَارِيخ أربل مَا صورته ورد فِي أَوَائِل صفر سنة عشْرين وست مائَة شَاب طَوِيل عجمي حَنَفِيّ الْمَذْهَب سَأَلته عَن لقبه فَذكره لي وَسَأَلته عَن كنيته فَلم يعرفهَا)
وَسَأَلته عَمَّا بعد مُحَمَّد الْأَخير فَقَالَ مَا أعرف إِلَّا ذَلِك أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ حَدثنِي أَنه ولد باوش من فرغانة وَنَشَأ بكاشغر أَنْشدني لنَفسِهِ يمدح عميد الْملك أسعد بن نصر وَزِير شيراز الْكَامِل
(يَا خير من بلغ المدى فِيمَا سلك ... ورقاب احرار الورى بذلاً ملك)
(خرت لَهُ الثَّقَلَان طَوْعًا سجدا ... مهما أظلهما ويخدمه الْملك)
(مارست فِيك السّير ممتطي الوجى ... بخشاشة قد جَاوَزت حَيا هلك)
(إِن كنت تقلبني أصبت مآربي ... أَو لَا فَأَبت آيساً وَالْحكم لَك)
(فز بالعلى وحز المنى وجز المدى ... قطب الْمَعَالِي مَا اسْتَدَارَ رحى الْفلك)
قلت هُوَ نظم غث ورقم رث
٣ - (زين الدّين الشريشي القنائي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن أَحْمد زين الدّين أَبُو حَامِد العثماني ابْن تَقِيّ الدّين الشريشي القنائي بِالْقَافِ وَالنُّون وَالْألف القَاضِي الشَّافِعِي اشْتغل بالفقه على الشَّيْخ جلال الدّين أَحْمد الدشنائي وَأَجَازَهُ بالفتوى وَسمع مِنْهُ وَكَانَت لَهُ مُشَاركَة فِي الْأُصُول والنحو وَالْأَدب وَيكْتب خطا حسنا وَله يَد فِي الوراقة وَتَوَلَّى الْقَضَاء بأدفو وأسوان وَتَوَلَّى فَقَط وقنا وَهُوَ وعيذاب وَكَانَ حسن السِّيرَة مرضِي الطَّرِيقَة قَائِما بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَتُوفِّي فِي شهر رَجَب سنة خمس وَسبع مائَة بقنا وَأورد لَهُ الْفَاضِل كَمَال الدّين جَعْفَر الأدفوي أبياتاً من جملَة صدَاق كتبه وَهِي الطَّوِيل
(أطل نظرا فِيهِ فلست بناظر ... نظيراً لَهُ كلا وَلست بواجد)
(وفز من محياه بلمحة نَاظر ... تنَلْ مَا ترجي من سنى الْمَقَاصِد)
(فَكل سديد مِنْهُم ومسدد ... وكل تَقِيّ عِنْدهم ثمَّ ماجد)
(إِذا مَا اغتذى سَمْعِي بِذكر صفاتهم ... تخامر قلبِي سكرة المتواجد)
стр. 191
٣ - (ابْن عَسَاكِر القوصي الشَّافِعِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن جمَاعَة بن عَسَاكِر بن ابراهيم أَبُو بكر الْقرشِي الزُّهْرِيّ القوصي كَانَ من الْفُقَهَاء الصَّالِحين والقضاة الْمُتَّقِينَ سمع بقوص من أبي الْفضل الهمذاني وتخاصم مَعَ أَخِيه مَنْصُور فَترك قوص ورحل إِلَى مصر وَأقَام بمدرسة منَازِل الْعِزّ وَصَحب قَاضِي الْقُضَاة عماد الدّين عبد الرَّحْمَن ابْن السكرِي قبل الْقَضَاء وَكَانَت الْكتب تَأتي إِلَيْهِ من أَهله من الْبِلَاد فَلَا يفتحها حَتَّى تفقه وَأذن لَهُ فِي الْفَتْوَى قَالَ الْفَاضِل كَمَال الدّين جَعْفَر الأدفوي كتب بِخَطِّهِ كثيرا حَتَّى قيل أَنه كتب النِّهَايَة مَرَّات وَأَنه)
كتب الْوَسِيط ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين مرّة وَتَوَلَّى تدريس مدرسة بالفيوم وَأقَام بهَا فَلَمَّا ولي الْقَضَاء عماد الدّين ابْن السكرِي أضَاف إِلَيْهِ الْقَضَاء بالفيوم فَلَمَّا بلغه أَنه قبل سجد شكرا قَالَ هَكَذَا أَخْبرنِي ابْن ابْنه القَاضِي نظام الدّين مُحَمَّد قَاضِي البهنسا وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وست مائَة
٣ - (نَاصِر الدّين بن الصَّائِغ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن الصَّائِغ الإِمَام الْمُفْتِي الْمدرس نَاصِر الدّين الدِّمَشْقِي من أَعْيَان الْفُقَهَاء سمع كثيرا وَنظر فِي الرِّجَال وعني بالمتون ومولده سنة سبع وَسَبْعمائة وَسمع من القَاضِي والمطعم وعدة وَكتب عَن الشَّيْخ شمس الدّين قَالَ وَله عبَادَة وإنابة وتسنن)
٣ - (ابْن التنسي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
الإِمَام الْمُحدث جمال الدّين الاسكندري الْمَالِكِي سبط التنسي شَاب فَاضل متفنن قدم دمشق وَسمع من الْمزي وَزَيْنَب وَأكْثر وتميز ولد سنة عشر وَسبع مائَة
٣ - (الْوراق مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
الْفَاضِل الْعَالم صدر الدّين الْوراق الْبَغْدَادِيّ الْمصْرِيّ قدم دمشق طَالب حَدِيث سنة أَربع عشرَة وَسبع مائَة وَسمع من القَاضِي والصدر ابْن مَكْتُوم وَطَائِفَة وخطه حُلْو وخلقه حسن ولد بعد التسعين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسبع مائَة بِالْقَاهِرَةِ رَحمَه الله تَعَالَى
٣ - (ابْن خطيب الزنجيلية مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن مَحْمُود الْمُحدث تَقِيّ الدّين البُخَارِيّ الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ ابْن خطيب الزنجيلية جلال الدّين ولد سنة سِتّ وَسبع مائَة وَحفظ الْقُرْآن واشتغل فِي النافع وَسمع كثيرا وَنسخ أَجزَاء وَكتاب الكاشف وَكتب الطباق وَسمع ابْن سعد والبهاء ابْن عَسَاكِر وعدة وَأخذ عَن الشَّيْخ شمس الدّين وَتُوفِّي ﵀ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة فِي آخرهَا
٣ - (فتح الدّين بن سيد النَّاس مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد)
ابْن أَحْمد بن سيد النَّاس الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْحَافِظ الْمُحدث الأديب النَّاظِم الناثر فتح الدّين أَبُو الْفَتْح ابْن الْفَقِيه أبي عَمْرو ابْن الْحَافِظ أبي بكر الْيَعْمرِي الربعِي كَانَ حَافِظًا بارعا أديبا متفننا بليغاً ناظماً ناثراً كَاتبا مترسلاً خطه أبهج من حدائق الأزهار وآنق من صفحات الخدود الْمُطَرز وردهَا بآس العذار حسن المحاورة لطيف الْعبارَة فصيح الْأَلْفَاظ كَامِل الأدوات جيد الفكرة صَحِيح الذِّهْن جميل المعاشرة لَا تمل محاضرته أدبه غض والأمتاع بأنسه نض كريم الْأَخْلَاق كثير الْحيَاء زَائِد الِاحْتِمَال حسن الشكل والعمة قل إِن ترى الْعُيُون مثله الطَّوِيل
стр. 192
(لَهُ هزة من أريحية نَفسه ... تكَاد لَهَا الأَرْض الجديبة تعشب)
(تجَاوز غايات الْعُقُول مواهبا ... تكَاد لَهَا لَوْلَا العيان تكذب)
)
(خلائق لَو يلقى زِيَاد مثالها ... إِذا لم يقل أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
(عجبت لَهُ لم يزه تيهاً بِنَفسِهِ ... وَنحن بِهِ نختال زهواً ونعجب)
وَهُوَ من بَيت رئاسة وَعلم عِنْده كتب كَثِيرَة وأصول جَيِّدَة سمع وَقَرَأَ وارتحل وَكتب وصنف وَحدث وَأَجَازَ وَتفرد بِالْحَدِيثِ فِي وقته أجَاز لَهُ النجيب عبد اللَّطِيف وكناه أَبَا الْفَتْح وَأَجْلسهُ فِي حجره وَسمع حضوراً سنة خمس وَسبعين من القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن الْعِمَاد وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ كتب الحَدِيث بِخَطِّهِ عَن الشَّيْخ قطب الدّين ابْن الْقُسْطَلَانِيّ وقرأه بِلَفْظِهِ عَلَيْهِ وعَلى اصحاب ابْن طبرزد وَأَصْحَاب الْكِنْدِيّ وَابْن الحرستاني بِمصْر وَالشَّام والحجاز والاسكندرية وارتحل إِلَى دمشق سنة تسعين وَكَاد يدْرك الْفَخر ابْن الفخاري ففاته بليلتين وَسمع من أبي عبد الله مُحَمَّد بن مُؤمن الصُّورِي وَمن أبي الْفَتْح ابْن المجاور وَأبي اسحاق ابْن الوَاسِطِيّ وطبقتهم وَسمع بِمصْر من الْعِزّ عبد الْعَزِيز بن الصيقل وغازي الحلاوي وَابْن خطيب المزة والصفي خَلِيل وَتلك الطَّبَقَة وتنزل فِي الْأَخْذ من أَصْحَاب سبط السلَفِي ثمَّ إِلَى أَصْحَاب الرشيد الْعَطَّار قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَلَعَلَّ مشيخته يقاربون الْألف وَنسخ بِخَطِّهِ وَاخْتَارَ وانتقى شَيْئا كثيرا ولازم الشَّهَادَة مُدَّة قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين جالسته مَرَّات وَبت مَعَه لَيْلَة وَسمعت بقرَاءَته على الرضى النَّحْوِيّ وَكَانَ طيب الْأَخْلَاق بساماً صَاحب دعابة وَلعب وَكَانَ صَدُوقًا فِي الحَدِيث حجَّة فِيمَا يَنْقُلهُ لَهُ بصر نَافِذ بالفن وخبرة بِالرِّجَالِ وطبقاتهم وَمَعْرِفَة بالاختلاف وَيَد طولى فِي علم اللِّسَان ومحاسنه جمة انْتهى كَلَام الشَّيْخ شمس الدّين قلت صحبته زَمَانا طَويلا ودهراً داهراً ونمت مَعَه ليَالِي وخالطته أَيَّامًا وأقمت بالظاهرية وَهُوَ بهَا شيخ الحَدِيث قَرِيبا من سنتَيْن فَكنت أرَاهُ فِي كثير من الْأَوْقَات يُصَلِّي كل صَلَاة مَرَّات كَثِيرَة فَسَأَلته يَوْمًا عَن ذَلِك فَقَالَ إِنَّه خطر لي يَوْمًا أَن أُصَلِّي كل صَلَاة مرَّتَيْنِ فَفعلت ذَلِك زَمَانا ثمَّ خطر لي أَن أُصَلِّي كل صَلَاة ثَلَاث مَرَّات فَفعلت ذَلِك زَمَانا وخف عَليّ ثمَّ خطر لي أَن أُصَلِّي كل صَلَاة أَربع مَرَّات فَفعلت ذَلِك زَمَانا وخف عَليّ فعله وأنسيت هَل قَالَ لي خمس مَرَّات أَو لَا وَكَانَ صَحِيح الْقِرَاءَة سريعها كَأَنَّهَا السَّيْل إِذا تحدر سريع الْكِتَابَة كتب ختمة فِي جُمُعَة وَكَانَ يكْتب السِّيرَة الَّتِي لَهُ فِي عشْرين يَوْمًا وَهِي مجلدان كبيران وَكَانَ صَحِيح العقيدة جيد الذِّهْن يفهم بِهِ النكت الْعَقْلِيَّة ويسارع إِلَيْهَا وَلكنه جمد ذهنه
стр. 193
لاقتصاره بِهِ على النَّقْل وَكَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن دَقِيق الْعِيد يُحِبهُ ويؤثره ويركن إِلَى نَقله أَخْبرنِي من لَفظه القَاضِي عماد الدّين اسماعيل ابْن القيسراني قَالَ كَانَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين إِذا حَضَرنَا درسه وَتكلم فَإِذا جَاءَ ذكر أحد من الصَّحَابَة أَو أحد من رجال الحَدِيث قَالَ أيش)
تَرْجَمَة هَذَا يَا أَبَا الْفَتْح فَيَأْخُذ فتح الدّين فِي الْكَلَام ويسرد وَالنَّاس كلهم سكُوت وَالشَّيْخ مصغ إِلَى مَا يَقُوله انْتهى قَالَ لي لم يكن لي فِي الْعرُوض شيخ وَنظرت فِيهِ جُمُعَة فَوضعت فِيهِ مصنفاً وَقد رَأَيْت هَذَا المُصَنّف قلت وَلَو كَانَ اشْتِغَاله بِقدر ذهنه كَانَ قد بلغ الْغَايَة القصوى وَلكنه كَانَ فِيهِ لعب على أَنه مَا خلف مثله لإنه كَانَ متناسب الْفَضَائِل وَكَانَ محظوظاً مَا رَآهُ أحد إِلَّا أحبه كَانَ الْأَمِير علم الدّين الدواداري يُحِبهُ ويلازمه كثيرا وَيَقْضِي أشغال النَّاس عِنْده وَدخل بِهِ إِلَى السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين وَقد امتدحه بقصيدة وَقَالَ احضرت لَك هَذَا وَهُوَ كَبِير من أهل الْعلم فَلم يَدعه السُّلْطَان يبوس الأَرْض وَأَجْلسهُ مَعَه على الطراحة وَهل قَامَ لَهُ أَو لَا أَنا فِي شكّ من ذَلِك فَلَمَّا رأى خطه وَسمع كَلَامه قَالَ هَذَا يَنْبَغِي أَن يكون فِي ديوَان الْإِنْشَاء فرتب فِي جملَة الموقعين فَرَأى فتح الدّين الْمُلَازمَة وَلبس الْخُف والمهماز صعباً عَلَيْهِ فَسَأَلَ الإعفاء من ذَلِك فَقَالَ السُّلْطَان إِذا كَانَ لَا بُد لَهُ من ذَلِك فَيكون الْمَعْلُوم لَهُ على سَبِيل الرَّاتِب فرتب لَهُ إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ الكمالي ينَام مَعَه فِي قرظية النّوم وَكَانَ كريم الدّين الْكَبِير يمِيل إِلَيْهِ ويوده وَيَقْضِي الإشغال عِنْده وَهُوَ الَّذِي ساعده على عمل الْمحْضر واثباته بعداوة قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة وَسمع البُخَارِيّ بقرَاءَته على الحجار وتعصب لَهُ الْأَمِير سيف الدّين أرغون الدوادار وخلص لَهُ مشيخة الظَّاهِرِيَّة فِي الحَدِيث وَمَا أعرف أحدا من الْأُمَرَاء الْكِبَار الْأَعْيَان فِي الدولة إِلَّا وَهُوَ يمِيل إِلَيْهِ ويجتمع بِهِ وَكَانَ الْأَمِير سيف الدّين الجائي الدوادار منحرفاً عَنهُ وَالْقَاضِي فَخر الدّين نَاظر الْجَيْش شَيْئا يَسِيرا وَكَانَ بِيَدِهِ مَعَ مشيخة الظَّاهِرِيَّة مدرسة أبي حليقة على بركَة الْفِيل وَمَسْجِد الرصد وخطابة جَامع الخَنْدَق وَله رزق وَله فِي صفد راتب وَفِي حلب فِيمَا أَظن وَكَانَ عِنْده كتب كبار أُمَّهَات جَيِّدَة وأصول غالبها حضر إِلَيْهِ من تونس كمصنف ابْن أبي شيبَة وَمُسْنَده والمحلى وتاريخ ابْن أبي خَيْثَمَة وجامع عبد الرَّزَّاق والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ الْخَطِيب والمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني وطبقات ابْن سعد والتاريخ المظفري وَغير ذَلِك وصنف عيونه السّير فِي فنون الْمَغَازِي وَالشَّمَائِل وَالسير سَمِعت بعضه من لَفظه ومختصر ذَلِك سَمَّاهُ نور الْعُيُون وسمعته من لَفظه وَتَحْصِيل الْإِصَابَة فِي تَفْضِيل الصَّحَابَة وسمعته من لَفظه والنفح الشذي فِي شرح جَامع التِّرْمِذِيّ وَلم يكمل جمع فأوعى وَكَانَ قد سَمَّاهُ الْعرف الشذي فَقلت لَهُ سمه النفح الشذي ليقابل الشَّرْح بالنفح فَسَماهُ كَذَلِك وَكتاب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقرأته عَلَيْهِ بلفظي ومنح الْمَدْح وسمعته من لَفظه إِلَى تَرْجَمَة عبد الله بن الزبعري والمقامات الْعلية فِي كرامات الصَّحَابَة الجلية وشعره رَقِيق سهل التَّرْكِيب منسجم الْأَلْفَاظ عذب النّظم وترسله)
جيد وَكَانَ النّظم عَلَيْهِ بِلَا كلفة يكَاد لَا يتَكَلَّم إِلَّا بِالْوَزْنِ حَتَّى قلت فِيهِ اصفه الْبَسِيط
стр. 194
(لي صَاحب يتَمَنَّى لي الرِّضَا أبدا ... كَأَنَّمَا يختشي صدى وهجراني)
(ويغلب النّظم ألفاظاً يفوه بهَا ... فَمَا يكلمني إِلَّا بميزان)
وَكتب بالمغربي طبقَة كَمَا كتب بالمشرقي وَكَانَت بيني وَبَينه مكاتبات كَثِيرَة نظماً ونثراً يضيق عَنْهَا هَذَا الْمَكَان لَكِن أورد مِنْهَا شَيْئا وَهُوَ مَا كتبه إِلَيّ وَأَنا بصفد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة الطَّوِيل
(سررتم فَإِنِّي بعدكم غير مسرور ... وَكم لي على الأطلاق وَقْفَة مهجور)
(وَلَا حس إِلَّا حس صائحة الصدى ... وَلَا أنس إِلَّا أنس عيس ويعفور)
(فيا وحدة الدَّاعِي صداه جَوَابه ... وَيَا وَحْشَة السَّاعِي إِلَى غير معمور)
(إِذا قلت سيري قَالَ سيري محاكياً ... وَإِن قلت زوري قَالَ مثلي لَهَا زوري)
(وَمَا سرني بِالْقربِ إِنِّي استزرتها ... وَلَا سَاءَنِي بالبعد قولي لَهَا سيري)
(فيا وَيْح قلبِي كم يعلله المنى ... علالة دنيا استعبدت كل مغرور)
(تواصل وصل الطيف فِي سنة الْكرَى ... وَلست إِذا استيقظت مِنْهُ بمحبور)
(وتدنو دنو الْآل لَا ينقع الصدى ... وتخلب آمالاً بخلبها الزُّور)
(تنيل المنى من سالمته خديعة ... وَتعقب من نيل المنى كل مَحْذُور)
(فدعها وثق بِاللَّه فَالله كافل ... برزقك مَا أبقاك وَأَرْض بمقدور)
(وَكن شاكراً يسرا وبالعسر رَاضِيا ... فأجر الرضى وَالشُّكْر أفضل مذخور)
فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب عَن ذَلِك الطَّوِيل
(هَل الْبَرْق قد وشى مطارف ديجور ... أَو الصُّبْح قد غشي دجى الْأُفق بِالنورِ)
(وَهل نسمَة الأسحار جرت ذيولها ... على زهر روض طيب النشر مَمْطُور)
(وهيهات بل جَاءَت تَحِيَّة جيرة ... إِلَى مغرم فِي قَبْضَة الْبعد مأسور)
(أَتَتْهُ وَمَا فِيهِ لعائد سقمه ... سوى آنة تنبث من قلب مصدور)
(فَلَمَّا تهادت فِي حلى فصاحة ... من النّظم عَن سحر البلاغة مأثور)
(أكب على تقبيلها بعد ضمهَا ... إِلَى خاطر من لوعة الْبَين مكسور)
(وأجرى لَهَا دمع المآقي وَلم يكن ... يُقَابل منظوما سواهُ بمنثور)
(فأرشفه كأس السلاف خطابها ... وغازله من خطها أعين الْحور)
)
(فكم حِكْمَة فِيهَا لَهَا الحكم فِي النهى ... وَكم مثل فِي غَايَة الْحسن مَشْهُور)
(يرى كل سطر فِي محَاسِن وَضعه ... كمسك عذار فَوق وجنة كافور)
(فَلَا ألف إِلَّا حكت غُصْن بانة ... وهمزتها من فَوْقهَا مثل شحرور)
стр. 195
(فَأصْبح لَا يثنى إِلَى الرَّوْض جيده ... غراماً وَلم يعدل بهَا ورده الْجُورِي)
(وَقد كَانَت الأطماع نَامَتْ ليأسها ... فَلَمَّا أَتَت قَالَ الغرام لَهَا ثوري)
(وزادت جفون الْعين سهداً كَأَنَّمَا ... حبتها بكحل مِنْهُ فِي الجفن مذرور)
(وَكَانَ الدجى كالعام فاحتقرت بِهِ ... وَقَالَت لَهُ ميعادك النفخ فِي الصُّور)
(وَلم ترض من نَار الحشا باتقادها ... فقد قذفت فِي كل عُضْو بك النُّور)
(وَمَا شكرت عَيْني على سفح عبرتي ... على أَن محصول البكى غير مَحْصُور)
(وَقَالَت أما تخبا الدُّمُوع لشدَّة ... فدعها تفض من زاخر اللج مسجور)
(وَلَو كنت ألْقى فِي البكى فرجا لما ... مضى الْيَوْم حَتَّى كنت أول مسرور)
(أاحبابنا عذرى على الْبعد وَاضح ... وَمَا كل صب فِي البعاد بمعذور)
(فَلَو كنت ألْقى الصَّبْر هَانَتْ مصيبتي ... وَلكنه للحظ فِي غير مقدوري)
(فَإِن تبعثوا لي من زَكَاة اصطباركم ... فَإِنِّي لما تهدونه جد مضرور)
(سلوا اللَّيْل هَل آنست فِيهِ برقدة ... فَمَا هُوَ مِمَّن رَاح يشْهد بالزور)
(فكم لي فِيهِ صعقة موسوية ... وللقلب من ذكراكم دكة الطّور)
(تشفعت للبين المشت بكم عَسى ... يعود هزيم الْقرب عودة مَنْصُور)
(على أَن جاه الْحَظ أكْرم شَافِع ... ولولاه كَانَ الدَّهْر أطوع مَأْمُور)
(وَمَا هُوَ إِلَّا الْحَظ يعْتَرض المنى ... وَلَو صَحَّ لم يحْتَج إِلَى بنت مَنْظُور)
(فكم فِي البرايا بَين عان وَمُطلق ... وسال ومحزون ودان ومهجور)
(وَلَيْسَ سوى التَّسْلِيم لله والرضى ... بقلب منيب طائع غير مقهور)
(وحاش لعلام الخفيات فِي الورى ... على مَا ابتلاني أَن ارى غير مأجور)
فَكتب إِلَيّ الْجَواب رَحمَه الله تَعَالَى وَردت المشرفة السامية بحلاها الزاهية بعلاها الْمُشْتَملَة على الأبيات الأبيات الصادرة عَن السجيات السخيات الَّتِي فاقت الكنديين وطوت ذكر الطائيين مَا شِئْت من بَدَائِع أيداع وروائع)
إبداع تقف الفصاحة عِنْدهَا وتقفو البلاغة حَدهَا فَللَّه ذَلِك الْفضل الوافي بل ذَلِك السحر الْحَلَال الشافي بل تِلْكَ الْقوي فِي القوافي بل تِلْكَ الْمَقَاصِد الَّتِي أقصدت المنى فِي الْمنَافِي بل تِلْكَ الْمعَانِي الَّتِي حيرت الْمعَانِي وَفعلت بالألباب مَا لَا تَفْعَلهُ المثالث والمثاني بل تِلْكَ الأوضاع الَّتِي حاكى الرّبيع وشيها وامتثل الْقَلَم أمرهَا ونهيها فَهُوَ يصرفهَا كَيفَ يَشَاء مرسوماً ثِقَة مِنْهُ أَنَّهَا لَا تخَالف لَهُ مرسوماً لقد آل فضل الْكتاب إِلَيْهَا وآلى فصل الْخطاب لَا وقف إِلَّا بَين يَديهَا لقد صدرت عَن رياض الْأَدَب فجنت زهره اليانع لقد أخذت بآفاق سَمَاء الشّرف فلهَا قمراها والنجوم الطوالع لقد أفحمت قائلة الرمل
стр. 196
(من يساجلني يساجل ماجداً ... يمْلَأ من آدابه كل ذنُوب الطَّوِيل)
(لقد حسنت حَتَّى كَانَ محاسناً ... تقسمها هَذَا الْأَنَام عُيُوب)
(هِيَ الشَّمْس تَدْنُو وَهِي ناء محلهَا ... وَمَا كل دَان للعيون قريب)
(تخطت إِلَى الْحَضَر الْجِيَاد نباهة ... وهيهات من ذَاك الجناب جنيب)
(وحيت فأحيت بالأماني متيماً ... حبيب إِلَيْهِ أَن يلم حبيب)
(يذكرنِي ذَاك الْجمال جمَالهَا ... فليلي كَمَا شَاءَ الغرام رحيب)
(وَمَا لي إِلَّا آنة بعد آنة ... وَمَا لي إِلَّا زفرَة ونحيب)
(حنيناً لعهد غادر الْقلب رَهنه ... وَعلم دمع الْعين كَيفَ يصوب)
(وذكرى خَلِيل لم يغب غير شخصه ... وَفِي كل قلب من هَوَاهُ نصيب)
(وَلَوْلَا حَدِيث النَّفس عَنهُ بعوده ... وَأَن المنى تَدْعُو بِهِ فيجيب)
(لما استعذب المَاء الزلَال لِأَنَّهُ ... إِذا مازج المَاء الزلَال يطيب)
فبادرها الْمَمْلُوك لنبئها متعرفا وبارجها متعرفا وبولائها متمسكاً وبثنائها متمسكاً شوقاً إِلَيْهَا لَا يبيد وَلَو عمر عمر لبيد وَاقِفًا على آمال اللِّقَاء وقُوف غيلَان بدار مية عاكفاً على أرجاء الرَّجَاء عكوف تَوْبَة على ليلى الأخيلية وَالله يَتَوَلَّاهُ فِي حالتيه ظَاعِنًا وَمُقِيمًا وَيجْعَل السعد لَهُ حَيْثُ حل خدينا والنجح خديماً بمنه وَكَرمه
فَكتبت الْجَواب إِلَيْهِ رَحمَه الله تَعَالَى الطَّوِيل
(تنوح حمامات اللوى فَأُجِيب ... ويحضر عِنْدِي عائدي فأغيب)
(وَقد مل فرش السقم طول تقلقي ... عَلَيْهِ بجنبي إِذْ تهب جنوب)
)
(وَلما بَكت عَيْني نواك تعلمت ... دموع السَّحَاب الغر كَيفَ تصوب)
(أيا برق إِن حاكت قلبِي فَلم يكن ... لنارك مَعَ هَذَا الخفوق لهيب)
(وَيَا غيث إِن ساجلت دمعي فَإِنَّهُ ... يفوتك مَعَ ذَا آنة ونحيب)
(وَيَا غُصْن إِن هزت معاطفك الصِّبَا ... فَمَا لَك قلب بالغرام يذوب)
(إِذا جف جفني ذاب قلبِي أدمعاً ... فَللَّه قلب عَاد وَهُوَ قليب)
(أَبيت بجفن لَيْسَ يعرف مَا الْكرَى ... وَأي حَيَاة بالسهاد تطيب)
(وقلب إِذا مَا قر عَادَته لوعة ... فيعروه من بعد الْقَرار وجيب)
(إِلَّا أَن دهراً قد رماني بصرفه ... لدهر إِذا فَكرت فِيهِ عَجِيب)
стр. 197
(وَيَكْفِي بِأَنِّي بَين أَهلِي ومعشري ... وصحبي لبعدي عَن حماك غَرِيب)
وَينْهى وُرُود الْمِثَال الَّذِي تصدق بِهِ منعماً وأهداه خميلة فكم شفى زهرها الْمُنعم من عمى وَبَعثه قلادة فكم أَزَال درها المنظم من ظما وَإِقَامَة حجَّة على أَن مرسله يكون فِي الْإِحْسَان والآداب مَالِكًا ومتمماً فبللت بِرُؤْيَتِهِ غلَّة الظماء البرح وعاينت مَا شاده من بُنيان الْبَيَان فَقلت لبلقيس عَيْني ادخلي الصرح النَّحْل وَقمت من حُقُوقه الْوَاجِبَة عَليّ بِمَا يطول فِيهِ الشَّرْح وتلقيته بِالضَّمِّ إِلَى قلب لَا يجْبر مِنْهُ الْكسر غير الْفَتْح واسمت ناظري من طرسه فِي الرَّوْض الْأنف وَقسمت حليه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشنف ووردت منهله الصافي والتحفت بظله الضافي واجتليت من وَجهه بشرا قابله الشُّكْر بالقلم الحافي وعكفت مِنْهُ على كعبة الْفضل فَللَّه مَا نشر فِي استلامي وطوى فِي طوافي وكلفت قلبِي الطَّائِر جَوَابا فَلم تقو القوادم وَظهر الخوى فِي الخوافي وَقلت هَذَا الْفَنّ الْفَذ الَّذِي مَا لَهُ ضريب وَهَذَا وصل الحبيب الْبعيد قد نلته برغم الرَّقِيب الْقَرِيب الوافر
(فيا عَيْني بَيْتا فِي اعتناق ... وَيَا نومي قدمت على السَّلامَة)
وَأقسم أَن الْبَيَان مَا نكب عَمَّا دبجه مَوْلَانَا ونكت وَلَا أجراه الله على لِسَانه إِلَّا لما سكت البلغاء وبكت وَلَا آتَاهُ هَذِه النُّقُود المطبوعة إِلَّا وَقد خلصت الْقُلُوب من رق غَيره وفكت وَلَا وهبه الله هَذِه الْكَلم الْجَوَامِع إِلَّا أَن الْأَوَائِل أحسوا بطول رسائلهم فقطعوها من حَيْثُ رقت وَالصَّحِيح ركت فَمَا كل كَاتب يَده فَم وَلسَانه فِيهِ قلم وَلَا كل مُتَكَلم حسن بَيَانه تأتم الهداة بِهِ كَأَنَّهُ علم وَلَا كل بليغ إِذا خَاطب الْوَلِيّ كلا وَإِذا كلم الْعَدو كلم لِأَن مَوْلَانَا حرسه الله تَعَالَى لَا يتَكَلَّف إِذا أنشأ وَلَا يتَخَلَّف إِذا وشى والسجع عِنْده أَهْون من النَّفس الَّذِي يردده وأخف والدر الَّذِي يقذفه من رَأس قلمه أكبر من الدّرّ الَّذِي فِي قَعْر)
الْبَحْر وأشف وَإِذا رَاض قلمه روض الطروس من وقته وَإِذا أَفَاضَ كَلمه فوض الْبَيَان إِلَيْهَا أَمر مقته ومقته وَمَا كَلمه إِلَّا بَحر والقوافي أمواج وَمَا قلمه إِلَّا ملك البلاغة فَإِذا امتطى يَده ركضت بِهِ من الطروس على حلل الديباج فَلهَذَا أخملت رسائله الخمائل وتعلمت مِنْهُ الصِّبَا لطف الشَّمَائِل وَأخذت بآفاق البلاغة فلهَا أقمارها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل وانتقت أعالي الْفَضَائِل وَتركت للنَّاس فضالات الأسافل الوافر
(وَهَذَا الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء ... فَدَعْنِي من بنيات الطَّرِيق)
فَأَما دره الَّذِي خلطه الجناس وخرطه فِي ذَلِك السلك فَمَا أحقه وأولاه بقول ابْن سناء الْملك الطَّوِيل
(فَذا السجع لَيْسَ فِي النثر مثله ... وَهَذَا جناس لَيْسَ يُحسنهُ الشّعْر)
فَلَو رأى الميكالي نمطه العالي وتنسم شذا غاليته الْعَزِيز الغالي لقَالَ عطلت هَذِه المحاسن حَالي الحالي وَكنت من قبلهَا مَا أَظن اللآلئ إِلَّا لي وَلَو ظفر الحظيري بِتِلْكَ الدُّرَر حلى بهَا تصنيفه وَعلم أَن أَرْبَاب الجناس لَو أنْفق أحدهم من الْكَلَام ملْء الأَرْض ذَهَبا مَا بلغ مد
стр. 198
مَوْلَانَا وَلَا نصيفه وَلَو بلغ الْعِمَاد الْكَاتِب هَذِه النكت رَفعهَا على عَرْشه وعوذها بِآيَة الْكُرْسِيّ وَدخل دَار صمته وأغلق بَاب الْفَتْح الْقُدسِي فعين الله على هَذِه الْكَلم الَّتِي نفثت فِي العقد وأيقظت جد هَذَا الْفَنّ الَّذِي كَانَ قد رقد فقد أصَاب النَّاس بِالسِّهَامِ وأصبت أَنْت بالقرطاس وجاؤوا فِي كَلَامهم بالذاوي الذابل وَجئْت أَنْت بالغض اليانع الْغِرَاس وأبعدت فِي مرمى هَذَا الْفَنّ وقاربوا وَلَكِن أَيْن النَّاس من هَذَا الجناس وسبقت إِلَى الْغَايَة وَلَو وقفت مَا فِي وقوفك سَاعَة من باس وَقد قيل بديء الشّعْر بأمير وَختم بأمير يُرِيدُونَ امْرأ الْقَيْس وَأَبا فراس وَكَذَا أَقُول بديء الجناس بالبستي وَختم بمولانا وكلاكما أَبُو الْفَتْح فصح الْقيَاس وَقد اثنيت على تِلْكَ الرَّوْضَة وَلَو وفقت لانثنيت وَمَا أثنيت ووقفت عِنْد قدري فَمَا أجبْت وَلَكِن اتقحت وَمَا استحييت على أَنِّي لَو وجدت لِسَانا قَائِلا لَقلت فَإِنِّي وجدت أول الْبَيْت وَقد شغل وصف مِثَال مَوْلَانَا عَن شكوى حَالي الشاقة وَأَرْجُو أنني أوحيها شفاهاً إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا يَوْم الحاقة الْخَفِيف
(إِن نعش نَلْتَقِي وَإِلَّا فَمَا ... أشغل من مَاتَ عَن جَمِيع الْأَنَام)
قلت لم نلتق وحالت منيته بَينه وَبَين الْجَواب وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى يَوْم السبت حادي عشر شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ سَبْعمِائة وَكَانَت جنَازَته حفلة إِلَى الْغَايَة شيعها الْقُضَاة والأمراء والجند وَالْفُقَهَاء والعوام وتأسف النَّاس عَلَيْهِ وَلما بلغتني وَفَاته قلت أرثيه الْبَسِيط
(مَا بعد فقدك لي أنس أرجيه ... وَلَا سرُور من الدُّنْيَا أقضيه)
)
(إِن مت بعْدك من وجد وَمن حزن ... فَحق فضلك عِنْدِي من يُوفيه)
(وَمن يعلم فِيك الْوَرق أَن جهلت ... نواحها أَو تناسته فتمليه)
(إِمَّا لطافة أنفاس الرياض فقد ... نسيتهَا غير لطف كنت تبديه)
(وَأَن ترشفت عذب المَاء اذْكُرْنِي ... زلاله خلقا قد كنت تحويه)
(يَا راحلاً فَوق أَعْنَاق الرِّجَال وأجفان الملائك تَحت الْعَرْش تبكيه)
(وذاهباً سَار لَا يلوي على أحد ... وَالذكر ينشره واللحد يطويه)
(وماضياً غفر الله الْكَرِيم لَهُ ... باللطف حاضره مِنْهُ وباديه)
(وَبَات بالحور والرضوان مشتغلاً ... إِذْ أَقبلت تتهادى فِي تلقيه)
(حَتَّى غَدا فِي جنان الْخلد مبتهجاً ... وَالْقلب بالحزن يفنى فِي تلظيه)
(لهفي على ذَلِك الشَّخْص الْكَرِيم وَقد ... دَعَاهُ نَحْو البلى فِي الترب داعيه)
(وحيرتي فِيهِ لَا تقضي عَليّ وَلَا ... تقضي لواعجها حَتَّى أوافيه)
(أجْرى الأسى عبراتي كالعقيق وَقد ... اصم سَمْعِي وأصمى الْقلب ناعيه)
(يَا وَحْشَة الدَّهْر فِي عين الْأَنَام فقد ... خلت وُجُوه اللَّيَالِي من مَعَانِيه)
стр. 199
(ووحشة الدَّهْر أَن تنثر ملاءته ... وَلم تطرز حواشيها أمالية)
(يَا حَافِظًا ضَاعَ نشر الْعلم مِنْهُ إِلَيّ ... أَن كَاد يعرفهُ من لَا يُسَمِّيه)
(صان الرِّوَايَة بِالْإِسْنَادِ فامتنعت ... ثغورها حِين حاطتها عواليه)
(واستضعفت بارقات الجو أَنْفسهَا ... فِي فهم مشكلة عَن أَن تجاريه)
(حفظت سنة خير الْمُرْسلين فَمَا ... أَرَاك تمسي مضاعاً عِنْد باريه)
(لله سعيك من حبر تبحر فِي ... علم الحَدِيث فَمَا خابت مساعيه)
(وَهل يخيب معَاذ الله سعى فَتى ... فِي سنة الْمُصْطَفى أفنى لياليه)
(يَكْفِيهِ مَا خطه فِي الصُّحُف من مدح النني ... يَكْفِيهِ هَذَا الْقدر يَكْفِيهِ)
(عز البُخَارِيّ فِيمَا قد أُصِيب بِهِ ... مَاتَ الَّذِي كَانَ بَين النَّاس يدريه)
(كَأَنَّهُ مَا تحلى سمع حاضره ... بِلَفْظِهِ عِنْد مَا يرْوى لآليه)
(رِوَايَة زانها مِنْهُ بِمَعْرِِفَة ... مَا كل من قَامَ بَين النَّاس يرويهِ)
(يَا رحمتاه لشرح التِّرْمِذِيّ فَمن ... يضم غربته فِينَا ويؤويه)
)
(لَو كَانَ أمهله دَاعِي الْمنون إِلَى ... أَن تَنْتَهِي فِي أَمَالِيهِ أمانيه)
(لَكَانَ أهداه روضاً كُله زهر ... أنامل الْفِكر فِي مَعْنَاهُ تجنيه)
(من للقريض فَلم أعرف لَهُ أحدا ... سواهُ رقت بِهِ فِينَا حَوَاشِيه)
(مَا كَانَ ذَاك الَّذِي تَلقاهُ ينظمه ... شعرًا وَلكنه سحر يعانيه)
(يهز سامعه حَتَّى يخيل لي ... كأس الحميا إدارتها قوافيه)
(وَمن يمر على القرطاس رَاحَته ... فينبت الزهر غضاً فِي نواحيه)
(مَا كل من خطّ فِي طرس وسوده ... بالحبر تَغْدُو بِهِ بيضًا لياليه)
(وَلَا تخل كل من فِي كَفه قلم ... إِذا دَعَاهُ إِلَى معنى يلبيه)
(هَيْهَات مَا كَانَ فتح الدّين حِين مضى ... وَالله إِلَّا فريداً فِي معاليه)
(كم حَاز فضلا يَقُول الْقَائِلُونَ لَهُ ... لَو حازك اللَّيْل لابيضت دياجيه)
(لَا تسْأَل النَّاس سلني عَن خلائقه ... لتأْخذ المَاء عني من مجاريه)
(مَاذَا أَقُول وَمَا للنَّاس من صفة ... محمودة قطّ إِلَّا ركبت فِيهِ)
(كَالشَّمْسِ كل الورى يدْرِي محاسنها ... وَالْكَاف زَائِدَة لَا كَاف تَشْبِيه)
(سقى الْغَمَام ضريحاً قد تضمنه ... صوباً إِذا انهل لَا ترقى غواديه)
(وباكرته تحيات نوافحها ... من الْجنان تحييه فتحييه)
وكتبت إِلَيْهِ عِنْد قدومي دمشق من الْقَاهِرَة الْخَفِيف
стр. 200
(كَانَ سَمْعِي فِي مصر بالشيخ فتح الدّين يجني الْآدَاب وَهِي شهيه)
(يَا لَهَا غربَة بِأَرْض دمشق ... أعوزتني الْفَوَاكِه الفتحيه)
وكتبت إِلَيْهِ السَّرِيع
(يَا حَافِظًا كم لرواياته ... من جنَّة فِي بطن قرطاس)
(وَكم شذى من سنة الْمُصْطَفى ... قد ضَاعَ من حفظك للناسى)
وأنشدني ﵀ من لَفظه لنَفسِهِ الْبَسِيط
(فقري لمعروفك الْمَعْرُوف يغنيني ... يَا من أرجيه وَالتَّقْصِير يرجيني)
(إِن أوبقتني المطايا عَن مدى شرف ... نجا بإدراكه الناجون من دوني)
(أَو غض من أملي مَا سَاءَ من عَمَلي ... فَإِن لي حسن ظن فِيك يَكْفِينِي)
)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الطَّوِيل
(عذيري من دهر تصدى معاتباً ... لمستمنح العتبى فاقصد من قصد)
(رَجَوْت بِهِ وصل الحبيب فعندما ... تبدي لي المعشوق قابله الرصد)
وأنشدني إجَازَة وَمن خطه نقلت مجزوء الوافر
(صرفت النَّاس عَن بَال ... فحبل ودادهم بالي)
(وحبل الله معتصمي ... بِهِ علقت آمالي)
(وَمن يسل الورى طراً ... فَإِنِّي عَنْهُم سَالَ)
(فَلَا وَجْهي لذِي جاه ... وَلَا ميلي لذِي مَال)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْخَفِيف
(يَا بديع الْجمال شكر جمالك ... إِن توافى عشاقه بوصالك)
(لنت عطفا لَهُم وقلبك قَاس ... فهم يَأْخُذُونَ من ذَا لذَلِك)
(غير أَن الْكَمَال أولى بذا الح سنّ وَمن للبدور مثل كمالك)
قابلت وَجهك السَّمَاء فشكل الْبَدْر مَا فِي مرآتها من خيالك
(مثلته لَكِن رسوم صداها ... كلفته فقصرت عَن مثالك)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ ملغزا السَّرِيع
(ظَبْي من التّرْك هضيم الحشا ... مهفهف الْقد رَشِيق القوام)
(للطرف من تذكاره عِبْرَة ... وَالْقلب شوق أرق المستهام)
стр. 201
الِاسْم قراقوش وأنشدني لنَفسِهِ إجَازَة وَمن خطه نقلت السَّرِيع
(ومستنير بسنا رَأْيه ... وَقَلبه من حوبه مظلم)
(يَرْجُو وَمَا قدم من صَالح ... ربحا وَهل ربح لَهُ يقسم)
(وَالله بالعصر على خسره ... مَا لم يقدم صَالحا يقسم)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الطَّوِيل
(سلى عَن غرامي مدمعي فَهُوَ صَادِق ... وَسَاكن قلبِي فَهُوَ للبين خافق)
(ونومي يَا وسنى سليه فإنني ... لما ضَاعَ مِنْهُ فِي جفونك رائق)
(تمنيني الْأَيَّام مِنْك بخلسة ... فكم عِنْدهَا عَمَّا تمنى عوائق)
)
(مَتى وعدت بالوصل فالوعد كَاذِب ... وَإِن وعدت بالهجر فالوعد صَادِق)
(حكى حسن من أحببتها الشَّمْس أشرقت ... فَلَا زَالَ ذَاك الْحسن مَا ذَر شارق)
(بِكُل فؤاد من هَواهَا مغارب ... وَفِي كل حسن من حلاها مَشَارِق)
(تثنت فَمن أعطافها الْغُصْن مائس ... وَمن لينها غُصْن الخميلة سَارِق)
(يلوم عَلَيْهَا لَا عدته ملامة ... عَدو منَاف أَو صديق مُنَافِق)
(وَمَا العذل مَقْبُول إِذا صدق الْهوى ... وَلَا اللوم عَن طرق الصبابة عائق)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْكَامِل
(عهدي بِهِ والبين لَيْسَ يروعه ... صب براه نحوله ودموعه)
(لَا تَطْلُبُوا فِي الْحبّ ثار متيم ... فالموت من شرع الغرام شُرُوعه)
(عَن سَاكن الْوَادي سقته مدامعي ... حدث حَدِيثا طَابَ لي مسموعه)
(أفدى الَّذِي عنت البدور لوجهه ... إِذْ حل معنى الْحسن فِيهِ جَمِيعه)
(الْبَدْر من كلف بِهِ كلف بِهِ ... والغصن من عطف عَلَيْهِ خضوعه)
(معسول المراشف واللمى ... حُلْو الحَدِيث ظريفه مطبوعه)
(دارت رحيق لحاظه فلنا بهَا ... سكر يجل عَن المدام صَنِيعه)
(يجني فاضمر عَتبه فَإِذا بدا ... فجماله مِمَّا جناه شفيعه)
وأنشدني إجَازَة وَمن خطه نقلت لَهُ الْبَسِيط
(إِن غض من فقرنا قوم غنى منحوا ... فَكل حزب بِمَا أوتوه قد فرحوا)
(إِن هم أضاعوا لحفظ المَال دينهم ... فَإِن مَا خسروا أَضْعَاف مَا ربحوا)
وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْبَسِيط
(قضى وَلم يقْض من أحبابه أرباً ... صب إِذا مر خفاق النسيم صبا)
стр. 202
(رَاض بِمَا صنعت أَيدي الغرام بِهِ ... فحسبه الْحبّ مَا أعْطى وَمَا سلبا)
(لَا تحسبن قَتِيل الْحبّ مَاتَ فَفِي ... شرع الْهوى عَاشَ للأحباب منتسبا)
(فِي جنَّة من مَعَاني حسن قَاتله ... لَا يشتكي نصبا فِيهَا وَلَا وصبا)
(مَا مَاتَ من مَاتَ فِي احبابه كلفاً ... وَمَا قضى بل قضى الْحق الَّذِي وجبا)
(فالسحب تبكيه بل تسقيه هامية ... وَكَيف تبْكي محباً نَالَ مَا طلبا)
)
(وطوقت جيبها الورقاء واختضبت ... بِهِ وغنت على أعوادها طَربا)
(ومالت الدوحة الْغناء راقصة ... تصبو وتنثر من أوراقها ذَهَبا)
(والغصن نشوان يثنيه الغرام بِهِ ... كَأَنَّهُ من حميا وجده شربا)
(وَالرَّوْض حمل أنفاس النسيم شذا ... أزهاره راجياً من قربه سَببا)
(فِرَاقه الْورْد فاستغنى بِهِ وثنى ... عطفا إِلَيْهِ وَمن رَجَعَ الْجَواب أَبى)
(ففارقت روضها الأزهار واتخذت ... نَحْو الرَّسُول سَبِيلا وابتغت سربا)
(وَحين وافته نادت عِنْد رُؤْيَته ... لمثل هَذَا حباء فليحل حبا)
(تهللت وجنات الْورْد من فَرح ... وأعين النرجس اخضلت لَهُ نغبا)
(سقته واستوسقت من عرفه أرجاً ... أذكى وأعطر أنفاساً إِذا انتسبا)
(وأملت لمحة من حسن قَاتله ... فأجفلت هرباً إِذْ لم تطق رهبا)
ورأيته بعد وَفَاته فِي النّوم رَحمَه الله تَعَالَى فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وَهُوَ على عَادَة اجتماعي بِهِ وَهُوَ يَقُول فِي أثْنَاء كَلَامه رَأَيْت التَّرْجَمَة الَّتِي عملتها وَمَا كنت تحْتَاج إِلَى تينك اللفظتين أَو مَا هَذَا مَعْنَاهُ ففطنت فِي النّوم لما قَالَ وكشطتهما لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا من كَلَامي فِي حَقه
وكتبت لَهُ استدعاء اجازته لي بِمَا صورته بعد الحمدلة وَالصَّلَاة المسؤول من إِحْسَان سيدنَا الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة المتقن الْحَافِظ رحْلَة الْمُحدثين قبْلَة المتأدبين جَامع أشتات الْفَضَائِل حاوي محَاسِن الْأَوَاخِر والأوائل الرمل
(حَافظ السّنة حفظا لَا ترى ... مَعَه أَن تعْمل النَّاس الأسنة)
(مَرْكَز الدائر من أهل النَّهْي ... فَإلَى مَا قد حوى تثني إلاعنة)
بديع زَمَانه نادرة أَوَانه ضَابِط الْأَنْسَاب على اختلافها فَهُوَ السَّيْل المتحدر لِابْنِ نقطه ناقل الْعلم الشريف عَن سلفه الَّذِي وَافق على المُرَاد شَرطه ساحب ذيل الْفَخر الَّذِي لَو بلغ السَّمْعَانِيّ جعله فِي الْحِلْية قرطه صَاحب النَّقْل الَّذِي إِذا أَتَى رايت الْبَحْر بأمواجه مِنْهُ يلتطم والعبارة تستبق فِي مضمار لهواته فتزداد وتزدحم الَّذِي أَن ترسل نقصت عِنْده أَلْفَاظ الْفَاضِل وَعجز عَن
стр. 203
مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل أَو نظم ثَبت الْجَوْهَر الْفَرد خلافًا للنظام فِيمَا زعم وتخطى بِمَا يبديه فرق الفرقدين وترضى النُّجُوم بِمَا حكم أَو أورد مِمَّا قد سمع وَاقعَة مَاتَ التَّارِيخ فِي جلده ووقف سيف كل حاك عِنْد حَده أَو استمد قَلما كف بَصَره عَنهُ ابْن مقلة ووقف ابْن البواب بخدمته يطْلب من فَضله)
فضلَة فَهُوَ الَّذِي تطير أقلامه إِلَى اقتناص شوارد الْمعَانِي فَتكون من أنامله أولى أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث فاطر وتنبعث فكرته فِي خدمَة السّنة النَّبَوِيَّة وَمَا يكره الله هَذَا الانبعاث وتبرز مخبآت الْمعَانِي بنظمه وَمن السحر إِظْهَار الخبايا ويعقد الْأَلْسِنَة عَن معارضته وَعقد اللِّسَان لَا يكون بِغَيْر السحر فِي البرايا وَيُسْتَنْزَلُ كواكب الفصاحة من سماتها بِغَيْر رصد وَيَأْتِي بألفاظه العذبة ونورها للشمس وفحولتها للأسد وَيحل من شرف سيادته بَيْتا عموده الصُّبْح وطنبه المجرة ويتوقل هضبات المنابر ويستجن حَشا المحاريب ويطأ بطُون الأسرة فتح الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن سيد النَّاس السَّرِيع
(لَا زَالَ روض الْعلم من فَضله ... أنفاسه طيبَة النفحق)
(وَكلما نظمات إِلَى نظمه ... أبدى سحابا دَائِم السحق)
(وَكَيف مَا حاوله طَالب ... فِي الْعلم لَا يَنْفَكّ ذَا ننجتحق)
(وَإِن غَدا بَاب النَّهْي مقفلاً ... فِي النَّاس نادوتا يَا أَبَا الفتحق)
إجَازَة كَاتب هَذِه الأحرف جَمِيع مَا رَوَاهُ من أَنْوَاع الْعُلُوم وَمَا حمله من تَفْسِير لكتاب الله تَعَالَى أَو سنة عَن رَسُول الله ﷺ أَو أثر عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ وَمن بعدهمْ إِلَى عصرنا هَذَا بِسَمَاع من شُيُوخه أَو بِقِرَاءَة من لَفظه أَو سَماع بِقِرَاءَة غَيره أَو بطرِيق الْإِجَازَة خَاصَّة كَانَت أَو عَامَّة أَو بأذن أَو مناولة ث أَو وَصِيَّة ث كَيفَ مَا تأدى ذَلِك إِلَيْهِ إِلَى غير ذَلِك من كتب الْأَدَب وَغَيرهَا وإجازة مَا لَهُ من مقول نظماً ونثراً وتأليفاً وجمعاً فِي سَائِر الْعُلُوم وَإِثْبَات ذَلِك بأجمعه إِلَى هَذَا التَّارِيخ بِخَطِّهِ إجَازَة خَاصَّة وإجازة مَا لَعَلَّه يتَّفق لَهُ من بعد ذَلِك من هَذِه الْأَنْوَاع فَإِن الرياض لَا يَنْقَطِع زهرها والبحار لَا ينْفد دررها إجَازَة عَامَّة على أحد الرأيين عِنْد من يجوزه وَكَانَ ذَلِك فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَعشْرين وَسبع مائَة
فَكتب الْجَواب ﵀ بِمَا صورته بعد حمد الله الْمُجيب من دَعَاهُ الْقَرِيب مِمَّن نَادَى نداه الَّذِي ابتعث مُحَمَّدًا بأنواره الساطعة وهداه وأيده بِصُحْبَة الَّذين حموا حماه ونصروه على من عداهُ وَحزبه الَّذين رووا سنته وَرووا أسنتهم من عداهُ وشفوا بإيراد مناهله من كَانَ يشكو صداه وأجابوه لما دعاهم لما يحييهم إِلَيْهِ إِجَابَة الصَّارِخ صداه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه صَلَاة تبلغهم من الشّرف الرفيع غَايَة مداه وَسلم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم تَسْلِيمًا يسوغهم مشرع الرضْوَان عذباً ريه سهلاً منتداه فَلَمَّا كتبت أَيهَا الصَّدْر الَّذِي يشْرَح الصُّدُور شِفَاء والبدر الَّذِي يبهر البدور سنا وسناء والحبر الَّذِي غَدا فِي التمَاس أزهار الْأَدَب رَاغِبًا ولاقتباس أنوار الْعلم طَالبا فَحصل على اقتناء فرائدها)
واقتناص شواردها وَألْفي عقله عقال أوابدها ومجال مصائدها ومطار مطاردها بِمَا أودعت الألمعية من الْمعَانِي المبتدعة ذهنه واستعادته على لِسَان قلمه وَقد ألبسته
стр. 204
الفصاحة مَا ألبسته من حسن تِلْكَ الفطنة الرمل
(زهر الْآدَاب مِنْهُ يجتني ... حسن الإبداع مَا أبدع حسنه)
(بارع فِي كل فن فَمَتَى ... قَالَ قَالَ النَّاس مَا أبرع فنه)
(وَمَتى مَا فَاه فاض السحر عَن ... غامض الأفكار مِنْهُ المرجحنة)
فالآداب حرسه الله تَعَالَى رياض هُوَ مجتني غروسها وسماء هُوَ مجتلي أقمارها وشموسها وبحر اسْتَقَرَّتْ لَدَيْهِ جواهره وسحر حَلَال لم تنفث فِي عصره إِلَّا عَن قلمه سواحره فَلهُ فِي فني النّظم والنثر حمل الرايتين وَسبق الغايتين وحوز البراعتين وسر الصناعتين وَهُوَ مجمع الْبَحْرين فَمَا طل الغمامة وَله النّظر الثاقب فِي دقائقهما فَمن زرقاء الْيَمَامَة أَن سَام نظما فَمن شَاعِر تهَامَة وَإِن شَاءَ انشاء فَلهُ التَّقَدُّم على قدامَة وَأَن وشى طرساً فَمَا ابْن هِلَال إِلَّا كالقلامة إِن أُجِيز لَك مَا عِنْدِي فَكَأَنَّمَا ألزمتني أَن أتجاوز حدي لَوْلَا الْإِقْرَار بِأَن الرِّوَايَة عَن الإقران نهج مهيع وَالِاعْتِرَاف بِأَن للكبير من بَحر الصَّغِير الاغتراف وَأَن لم يكن مشرعه ذَاك المشرع فَنعم قد أجزت لَك مَا رويته من أَنْوَاع الْعُلُوم وَمَا حَملته على الشَّرْط الْمَعْرُوف وَالْعرْف الْمَعْلُوم وَمَا تضمنه الاستدعاء الرقيم بخطك الْكَرِيم مِمَّا اقتدحه زندي الشحاح وجادت لي بِهِ السجايا الشحاح من فنون الْأَدَب الَّتِي باعك فِيهَا من باعي أمد وسهمك فِي مراميها من سهمي أَسد وأذنت لَك فِي اصلاح مَا تعثر عَلَيْهِ من الزلل وَالوهم والخلل الصَّادِر عَن غَفلَة اعترت النَّقْل أَو وهلة اعترضت الْفَهم فِيمَا صدر عَن قريحتي القريحة من النثر وَالنّظم وَفِيمَا ترَاهُ من استبدال لفظ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَعَلَّه أنجى من المرهوب أَو أنجع فِي نيل الْمَطْلُوب أَو أجْرى فِي سنَن الفصاحة على الأسلوب وَقد أجزت لَك إجَازَة خَاصَّة يرى جَوَازهَا بعض من لَا يرى جَوَاز الْإِجَازَة الْعَامَّة أَن تروى عني مَا لي من تصنيف أبقيته فِي أَي معنى انتقيته فَمن ذَلِك وَذكر رَحمَه الله تَعَالَى مَا لَهُ من التصانيف وَقد ذكرتها أَنا آنِفا قد أجزت لَك أيدك الله جَمِيع ذَلِك بِشَرْط التَّحَرِّي فِيمَا هُنَالك تبركاً بِالدُّخُولِ فِي هَذِه الحلبة وتمسكاً باقتفاء السّلف فِي ارتقاء هَذِه الرُّتْبَة واقبالاً من نشر السّنة على مَا هُوَ أُمْنِية المتمني وامتثالاً لقَوْله عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بلغُوا عني فقد أخبرنَا أَبُو الْعِزّ عبد الْعَزِيز بن عبد الْمُنعم بن عَليّ الْحَرَّانِي رَحمَه الله تَعَالَى بِقِرَاءَة وَالِدي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَأَنا أسمع سنة سِتّ وَسبعين وست مائَة قَالَ أخبرنَا أَبُو عَليّ ابْن أبي)
الْقَاسِم الْبَغْدَادِيّ قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع سنة سِتّ مائَة وَقبل ذَلِك سنة تسع وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَأَنا محْضر فِي الْخَامِسَة قَالَ أَنا القَاضِي أَبُو بكر الْأنْصَارِيّ قَاضِي المارستان سَمَاعا عَلَيْهِ سنة أَربع وَعشْرين وَخمْس مائَة قَالَ أَنا الْحَافِظ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْخَطِيب فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة قَالَ أَنا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ بن أَحْمد بن بشار السابوري بِالْبَصْرَةِ حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن محمويه العسكري حَدثنَا مُحَمَّد ابْن ابراهيم بن كثير الصُّورِي حَدثنَا الْفرْيَابِيّ عَن ابْن ثَوْبَان عَن حسان ابْن عَطِيَّة عَن أبي كَبْشَة السَّلُولي عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ بلغُوا عني وَلَو آيَة وَحَدثُوا عَن بني اسرائيل وَلَا حرج وَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من
стр. 205
النَّار أَبُو كَبْشَة السَّلُولي تَابِعِيّ ثِقَة وَالصَّحِيح أَنه لَا يعرف اسْمه ومولدي فِي رَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَسبعين وست مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَفِي هَذِه السّنة أجَاز لي الشَّيْخ الْمسند نجيب الدّين أَبُو الْفرج عبد اللَّطِيف بن عبد الْمُنعم الْحَرَّانِي وَكَانَ أبي ﵀ يُخْبِرنِي أَنه كناني وأجلسني فِي حجره وَكَانَ يسْأَله عني بعد ذَلِك وَأَجَازَ لي بعده جمَاعَة ثمَّ فِي سنة خمس وَسبعين حضرت مجْلِس سَماع الحَدِيث عِنْد جمَاعَة من الْأَعْيَان مِنْهُم الحبر الإِمَام شيخ الْإِسْلَام شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن ابراهيم بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي ابْن أخي الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي وَأثبت اسْمِي فِي الطباق حَاضرا فِي الرَّابِعَة ثمَّ فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ كتبت الحَدِيث عَن شَيخنَا الإِمَام قطب الدّين أبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقُسْطَلَانِيّ ﵀ بخطي وقرأت عَلَيْهِ بلفظي وعَلى الشُّيُوخ من أَصْحَاب الْمسند أبي حَفْص ابْن طبرزذ والعلامة أبي الْيمن الْكِنْدِيّ وَالْقَاضِي أبي الْقَاسِم الحرستاني والصوفي أبي عبد الله ابْن الْبناء وَأبي الْحسن ابْن الْبناء وَغَيرهم بِمصْر والاسكندرية وَالشَّام والحجاز وَغير ذَلِك وَأَجَازَ لي جمَاعَة من الروَاة بالحجاز وَالْعراق وَالشَّام وافريقية والأندلس وَغَيرهَا يطول ذكرهم وحبذا أيدك الله اختيارك من طلب الحَدِيث الدرجَة الْعَالِيَة وايثارك أَن تكون مَعَ الْفرْقَة النَّاجِية لَا الْفرْقَة التاوية فقد أخبرنَا الشَّيْخَانِ أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّطِيف وَعبد الْعَزِيز ابْنا الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم بن عَليّ بن نصر بن مَنْصُور بن الصيقل الْحَرَّانِي الأول إجَازَة وَالثَّانِي سَمَاعا قَالَا أَنا ضِيَاء بن الخريف أَنا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي أَنا أَبُو بكر الْخَطِيب أَنا أَبُو نعيم الْحَافِظ أَنا أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ سُلَيْمَان بن أَحْمد بن أيّوب بن مطير اللَّخْمِيّ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن هَاشم البعلبكي حَدثنَا عبد الْملك بن الْأَصْبَغ البعلبكي ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ حَدثنِي قَتَادَة عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَن بني اسرائيل افْتَرَقت على إِحْدَى وَسبعين فرقة وَأَن أمتِي سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين)
فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة وَهِي الْجَمَاعَة وَبِالْإِسْنَادِ إِلَى الْخَطِيب قَالَ ثنى عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ السوذرجاني بأصبهان قَالَ سَمِعت عبد الله بن الْقَاسِم يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن روه يَقُول ثَنَا ابراهيم بن مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ حدثت عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَذكر حَدِيث النَّبِي ﷺ تفترق الْأمة على نَيف وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا فرقة فَقَالَ إِن لم يَكُونُوا أَصْحَاب الحَدِيث فَلَا أَدْرِي من هم وَبِه إِلَى أبي بكر الْخَطِيب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي الْحسن قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الْقَاسِم بن سختويه قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مَنْصُور الْحَافِظ بصور يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله بن بشر بفسا يَقُول رأيتُ النبيَّ ﷺ فِي الْمَنَام فَقلت يَا رَسُول الله من الْفرْقَة النَّاجِية من ثَلَاث وَسبعين فرقة قَالَ أَنْتُم يَا أَصْحَاب الحَدِيث وَبِه إِلَى الْخَطِيب قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ ثَنَا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْوَلِيد التسترِي بهَا ثَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن يُوسُف
стр. 206
بن مسْعدَة املاء قَالَ سَمِعت عبد الله بن سَلام يَقُول أَنْشدني عَبدة بن زِيَاد الْأَصْبَهَانِيّ من قَوْله الْكَامِل
(دين النَّبِي مُحَمَّد أَخْبَار ... نعم المطية للفتى الْآثَار)
(لَا تخدعن عَن الحَدِيث وَأَهله ... فَالرَّأْي ليل والْحَدِيث نَهَار)
(ولربما غلط الْفَتى سبل الْهدى ... وَالشَّمْس بازغة لَهَا أنوار)
أَنْشدني وَالِدي أَبُو عَمْرو مُحَمَّد قَالَ أَنْشدني وَالِدي أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن يحيى بن سيد النَّاس رحمهمَا الله تَعَالَى قَالَ أَنْشدني الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن مفرج النباتي قَالَ أَنْشدني أَبُو الْوَلِيد سعد السُّعُود بن أَحْمد بن هِشَام قَالَ أَنْشدني الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْملك أَنْشدني أَبُو أُسَامَة يَعْقُوب قَالَ أَنْشدني وَالِدي الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد ابْن حزم لنَفسِهِ الرمل
(من عذيري من أنَاس جهلوا ... ثمَّ ظنُّوا أَنهم أهل النّظر)
(ركبُوا الرَّأْي عناداً فسروا ... فِي ظلام تاه فِيهِ من غبر)
(وَطَرِيق الرشد نهج مهيع ... مثل مَا أَبْصرت فِي الْأُفق الْقَمَر)
(وَهُوَ الْإِجْمَاع وَالنَّص الَّذِي ... لَيْسَ إِلَّا فِي كتاب أَو أثر)
وَالله الْمَسْئُول أَن يلهمنا رشدا يدلنا عَلَيْهِ وَدلَالَة تهدينا إِلَى مَا يزلفنا لَدَيْهِ وهداية يسْعَى نورها بَين أَيْدِينَا إِذا وقفنا يَوْم الْعرض بَين يَدَيْهِ بمنه وَكَرمه
٣ - (جمال الدّين مُحَمَّد بن نَبَاته مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن)
ابْن أبي الْحسن بن صَالح بن عَليّ بن يحيى بن طَاهِر بن مُحَمَّد بن الْخَطِيب أبي يحيى عبد الرَّحِيم بن)
نَبَاته الفارقي الأَصْل الْمصْرِيّ المولد الحذاقي الشَّافِعِي جمال الدّين أَبُو بكر الأديب النَّاظِم الناثر تفرد بلطف النّظم وعذوبة اللَّفْظ وجودة الْمَعْنى وغرابة الْمَقْصد وجزالة الْكَلَام وانسجام التَّرْكِيب وَأما نثره فَإِنَّهُ الْغَايَة فِي الفصاحة سلك مَنْهَج الْفَاضِل ﵀ وحذا حذوه واطفأ نور ابْن عبد الظَّاهِر فَلم يدع لَهُ فِي الْقُلُوب حظوة وَأما خطه فأغلى قيمَة من الدّرّ لَو رزق حظا وأغزر دِيمَة من الْغَيْث إِلَّا أَن الزَّمَان أصبح قلبه عَلَيْهِ فظاً لَو أنصفه الدَّهْر كَانَ للْكتاب إِمَامًا وَلَو رقاه رتباً يَسْتَحِقهَا لغرد سجعه حَماما وانسجم لَفظه غماماً وطلع بدر فَضله تَمامًا الْكَامِل
(وغضارة الْأَيَّام تأبى أَن يرى ... فِيهَا لأبناء الذكاء نصيب)
(ولذاك من صحب اللَّيَالِي طَالبا ... جدا وفهماً فَاتَهُ الْمَطْلُوب)
ولد بِمصْر فِي زقاق الْقَنَادِيل سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وست مائَة وَنَشَأ بالديار المصرية وَبهَا تأدب واشتغل بفني النّظم والنثر وَسمع مِمَّن أمكنه السماع مِنْهُ وَكَانَ لَهُ بِالْقَاضِي عَلَاء الدّين ابْن عبد
стр. 207
الظَّاهِر اجْتِمَاع وَله مِنْهُ نصيب وَورد إِلَى الشَّام سنة خمس عشرَة تَقْرِيبًا ومدح أكابرها وأجازوه ومدح الْملك المؤيَّد عماد الدّين إِسْمَاعِيل صَاحب حماة فَأَجَازَهُ وَجعل ذَلِك عَادَة لَهُ فِي كل سنة فمدحه بمدائح حَسَنَة ثمَّ لما مَاتَ ﵀ اسْتمرّ بذلك الرَّاتِب لَهُ وَلَده الْملك الْأَفْضَل نَاصِر الدّين مُحَمَّد وَكَانَ يرتحل إِلَى حلب وطرابلس ثمَّ إِنَّه اقْتصر آخر أمره على الْإِقَامَة بِدِمَشْق والانجماع عَن النَّاس وَقَررهُ الصاحب أَمِين الدّين أَمِين الْملك ﵀ أَن يكون فِي كل سنة نَاظر القمامة بالقدس الشريف أَيَّام زِيَارَة النَّصَارَى لَهَا فَيتَوَجَّه يُبَاشر ذَلِك وَيعود وأضيف لَهُ إِلَى نكد الزَّمَان أَنه لم يَعش لَهُ ولد فَدفن فِيمَا أَظن قَرِيبا من سِتَّة عشر ولدا كلهم إِذا ترعرع وَبلغ خمْسا أَو سِتا أَو سبعا يتوفاه الله تَعَالَى فيجد لذَلِك الآلام المبرحة ويرثيهم بالأشعار الرائقة الرقيقة كتبت إِلَيْهِ من الديار المصرية فِي سنة تسع وَعشْرين وَسبع مائَة استدعاه لاجازته لي صورته الْحَمد لله على نعمائه وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على خير انبيائه مُحَمَّد وَآله وَصَحبه واصفيائه المسؤول من إِحْسَان سيدنَا الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة رحْلَة الْأَدَب قبْلَة ذَوي التحصين لَهُ فِي التَّحْصِيل والدأب الَّذِي تبيت شوارد الْمعَانِي صرعي تخوله للطافة تخيله وتمسي الْأَلْفَاظ العذبة طوع تحوله فِي التَّرْكِيب وتحيله فأمسى وَله النسيب الَّذِي يضْحك من الْعَبَّاس من رقته وَيُقِيم صريع الغواني إِلَى مقته بعد مقته والغزل الَّذِي يشيب لَهُ فود الْوَلِيد ويسترق الْحر من كَلَام عبيد والتشبيه الَّذِي لَو علمه ابْن المعتز لما نصب الْهلَال فخاً لصيد النُّجُوم وَلَو تعاطاه حفيد جريج لقيل لَهُ ألم تسمع ألم)
غلبت الرّوم الرّوم والمديح الَّذِي لَو بلغ زهيراً لقَالَ مَا أَنا من هَذِه الحدائق أَو اتَّصل نبأه بالمتنبي لاشتغل عَن ذكر العذيب وبارق والرثاء الَّذِي نقص عِنْده أَبُو تَمام بعد أَن رفع لَهُ لِوَاء الشّرف وَالْفَخْر وَقَالَ هَذِه عذوبة الزلَال لَا مَا تفجر من الخنساء على صَخْر والترسل الَّذِي سقى الْفَاضِل كأسغ الحتوف لما شبه الغمود بالكمائم وَالسُّيُوف بالأزهار وأذهله حَتَّى صحت لَهُ قسْمَة التَّجْنِيس فِي الْخَيل والخيال بَين المراقب والمراقد واخطأت مَعَه فِي المرابع والمساجد بَين الأنواء والأنوار وَالْكِتَابَة الَّتِي تَغْدُو الطروس بهَا وَكَأَنَّهَا برود محبرة أَو سَمَاء بالنجوم زاهرة أَن لم ترض أَن تكون فِي الأَرْض رياضا مزهرة الْكَامِل
(أدب على الحصري يَعْلُو تاجه ... وَله ابْن بسام بكي ألوانا)
(وَترسل سُبْحَانَ من قد زَاده ... مِنْهُ وَأعْطى الْفَاضِل النقصانا)
(وَكِتَابَة لعلوها فِي وَضعهَا ... لَيْسَ ابْن مقلة عِنْدهَا انسانا)
(فلكم أخي فضل رَأَتْ عَيناهُ فِي ال أوراق لِابْنِ نَبَاته بستانا)
جمال الدّين أبي بكر مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ شمس الدّين مُحَمَّد بن نَبَاته جمع الله
стр. 208
بِهِ شتات الْأَدَب فِي دوحة هَذِه الدولة وَلم بِهِ شعث ابنائه الَّذين لَا صون لَهُم وَلَا صولة وَأقَام بِهِ عماد أَبْيَات الشّعْر الَّتِي لولاه لما عرفت دَار مية من اطلال خَوْلَة بمنه وَكَرمه اجازة كَاتب هَذِه الأحرف مَا لَهُ فسح الله فِي مدَّته من رِوَايَة المصنفات فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة والتأليفات الأدبية على اخْتِلَاف أوضاعها وتباين أجناسها وأنواعها بِحَسب مَا تأدى ذَلِك إِلَيْهِ واتصل بِهِ من قِرَاءَة أَو سَماع أَو إجَازَة أَو وَصِيَّة أَو جادة من مَشَايِخ الْعلم الَّذين أَخذ عَنْهُم واجازة مَا لَهُ أحسن الله إِلَيْهِ من مقول نظماً أَو نثراً تأليفاً أَو وضعا اجازة خَاصَّة واثبات مَا لَهُ من التصانيف إِلَى هَذَا التَّارِيخ بِخَطِّهِ الْكَرِيم واجازة مَا لَعَلَّه يَقع لَهُ بعد ذَلِك اجازة عَامَّة على أحد الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَة فَإِن الرياض لَا يَنْقَطِع زهرها والبحار لَا تنفد دررها واثبات مَا يحسن ايراده فِي هَذِه الاجازة من المقاطيع الرائقة والأبيات اللائقة وَذكر نسبه ومولده ومكانه فَأجَاب بِمَا صورته بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم أما بعد حمدا لله الَّذِي إِذا توجه ذُو السُّؤَال إِلَيْهِ فَازَ وَإِذا دعى كرمه ذَوُو الطّلب أجَاب وَأَجَازَ وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد كعبة الْقَصْد الَّتِي لَيْسَ بَينهَا وَبَين النجح حجاز وعَلى آله وَصَحبه حقائق الْفضل والفصل وَمن بعدهمْ مجَاز فَلَو لزم فِي كل الْأَحْوَال تناسب المخاطبة وَكَانَ جَوَاب السُّؤَال بِحَسب مَا بَينهمَا من شرف الْمُنَاسبَة لما رضى سجع الحمائم لمطارحته نوعا من الأطيار وَلَا قبل فصحاء الأول مُرَاجعَة الصدى من الديار)
وَلَا قنع غمز حواجب الْأَحِبَّة برد الْقُلُوب الهائمة فِي أَوديَة الأفكار وَلَكِن تَقول الأكابر والاتباع تبذل من الْأَجْوِبَة جهدها وتنفق مِمَّا عِنْدهَا وتجرد الأماثل سيوف النُّطْق وَلَا تتعدى الْأَوْلِيَاء من الطَّاعَة حَدهَا وَلما كنت أَيهَا الراقم برود هَذَا السُّؤَال ببيانه والمنشئ روض هَذَا الاستدعاء بآثار السحب من بنانه والسائل الَّذِي هزت المعاطف فضائله وسحرت أَرْبَاب الْعُقُول عقائله وَأقَام المسؤول مقَاما لَيْسَ هُوَ من أَهله فليتق الله سائله فريد فن الْأَدَب الَّذِي لَا يُبَارى وبحره الَّذِي لَا يهدى غائص قلمه الدّرّ إِلَّا كبارًا وَذَا الْيَد الْبَيْضَاء فِيهِ الَّذِي طالما آنس من جَانب ذهنه الشريف نَارا وخليله الَّذِي اطلع على أسراره الدقيقة ورئيسه الَّذِي لَو جارى ابْن المعتز وتمت ولَايَته لَكَانَ خَلِيل أَمِير الْمُؤمنِينَ على الْحَقِيقَة وناظمه الَّذِي يسرى الطائيان تَحت علمه المنشور وكاتبه الَّذِي يتبحح العبدان بِالدُّخُولِ تَحت رقّة الْمَأْثُور طالما شافه مِنْهُ الْعلم وَجها جميلا وَقدرا جَلِيلًا ولاقى من لَا ينْدَم على صحبته فَيَقُول لَيْتَني لم أَتَّخِذ فلَانا خَلِيلًا الْفرْقَان فَهُوَ الْغَرْس الَّذِي يقصر عَن آمالي وَصفه الشجري ويفخر الدّين وَالْعلم بشخصه وَلَفظه فَهَذَا يَقُول غرسى وَهَذَا يَقُول ثمرى كم أغْنى بمفرد شخصه عَن فضلاء جيل وَكم بدا للسمع وَالْبَصَر من بَنَات فكره بثينة وَمن وَجهه جميل وَكم تنزهت الأفكار من لَفظه وخطّه بَين ريحَان وَورد لَا بَين أذخر وجليل وَكم دَامَ عَهده وودّه حَتَّى كَاد يبطل قَول الأول دَلِيل على أَن لَا يَدُوم خَلِيل توّد الشهب لَو كَانَت حَصْبَاء غَدِير طرسه وتغار الْأُفق إِذا طرز يراع دَرَجه بالظلماء أردية شمسه ويتحاسد النّظم والنثر على مَا تنْتج مُقَدمَات مَنْطِقه من النتائج وينشده كل مِنْهُمَا إِذا حاول القَوْل خَلِيل الصَّفَا هَل أَنْت بِالدَّار عائج إِن كتب أغضى ابْن مقلة من الْحَسَد على قذاة وَحمل ابْن البواب لحجبته عَصا الْقَلَم قَائِلا مَا ظلم من أشبه أَبَاهُ وَإِن نحا النَّحْو لباه عشرا
стр. 209
ولأنت أعطاف الْحُرُوف قسراً وتشاجرت الْأَمْثِلَة على لَفظه فَلَا غرو أَن ضرب زيد عمرا يترجل كَلَام الْفَارِسِي بَين يَدَيْهِ ويطير لفظ ابْن عُصْفُور حذرا من الْبَازِي المطل عَلَيْهِ وَإِن شعر هامت الشُّعَرَاء بِذكرِهِ فِي كل وَاد وَحمل ذكرهَا فِي كل نَاد ونصبت بيوته على يفاع الشّرف كَمَا تنصب بيُوت الأجواد طالما بلد لبيدا وَولي شعر ابْن مقبل مِنْهُ شَرِيدًا وَقَالَت الْآدَاب لبحتري لَفظه ألم نربك فِينَا وليدا الشُّعَرَاء وَإِن نثر فَمَا الدّرّ الْيَتِيم إِلَّا تَحت حجره وَلَا الزهر النَّضِير إِلَّا مَا ارتضع من أخلاف قطره وَلَا المترسلون إِلَّا من تصرف فِي ولَايَة البلاغة تَحت نَهْيه وَأمره وَإِن تكلم على فنون الْأَدَب روى الظما وجلا مَعَاني الْأَلْفَاظ كالدمى وَقَالَ الْعرُوض لَهُ وَلابْن أَحْمد خليلي هبا بَارك الله فيكما هَذَا وَكم أثنى قدم عُلُوم الْأَوَائِل على فكره الْحَكِيم وَشهِدت رِوَايَة الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة بفضله وَمَا أَعلَى من شهد بفضله)
الحَدِيث وَالْقَدِيم الْبَسِيط
(علت بِهِ دَرَجَات الْفضل واتضحت ... دقائق من مَعَاني لَفظه البهج)
(هَذَا وليل الشَّبَاب الجون منسدل ... فَكيف حِين يضيء الشيب بالسرج)
(يَا حبذا أعين الْأَوْصَاف ساهرة ... بَين الدقائق من علياه والدرج)
بدأتني أعزّك الله من الْوَصْف بِمَا قل عَنهُ مَكَاني واضمحل عياني وَكَاد من الخجل يضيق صَدْرِي وَلَا ينْطَلق لساني الشُّعَرَاء وحمغلت كاهلي من الْمَنّ مَا لم يسْتَطع وَضربت لذكرى فِي الْآفَاق نوبَة خليلية لَا تَنْقَطِع وَسَأَلتنِي مَعَ مَا عنْدك من المحاسن الَّتِي لَهَا طرب من نَفسهَا وثمر من غرسها أَن أجيبك وأجيزك وأوازن بمثقال كلمي الْحَدِيد أبريزك وأقابل لسنك الْمُطلق بلساني المحصور وَأثبت استدعاءك الجليلي على بَيت مَال نطقي المكسور فتحيرت بَين أَمريْن أَمريْن وَوَقع ذهني السقيم بَين دائين مضرين إِن فعلت مَا أمرت فَمَا أَنا من ارباب هَذَا الْقدر العالي والصدر الحالي وَمن أَنا من أَبنَاء مصر حَتَّى أتقدم لهَذَا الْملك الْعَزِيز وَكَيف أطالب مَعَ اقتار علمي وفهمي بِأَن أُجِيب واجيز وَأَيْنَ لمقيد خطوى هَذِه الوثبات وَإِنِّي يماثل قُوَّة هَذَا الْغَرْس ضعف هَذَا النَّبَات وَأَن منعت فقد أَسَأْت الْأَدَب وَالْمَطْلُوب حسن الْأَدَب مني وأهملت الطَّاعَة الَّتِي أَقرع بعْدهَا بِرُمْح الْقَلَم سنى وفاتني شرف الذّكر الَّذِي امْتَلَأَ بِهِ حَوْض الرِّجَال وَقَالَ قطني ثمَّ ترجح عِنْدِي إِن أُجِيب السُّؤَال وأقابل بالامتثال وأتحامل على ظلع الْأَقْوَال صَابِرًا على تهكم سائلي مُعظما قدري كَمَا قيل بتغافلي منقاداً إِلَى جنَّة استدعائك من السطور بسلاسلي وأجزت لَك أَن تروى عني مَا تجوز لي رِوَايَته من مسموع
стр. 210
ومأثور ومنظوم ومنثور وإجازة ومناولة ومطارحة ومراسلة وَنقل وتصنيف وتنضيد وتفويف وماض ومتردد وَآت على رَأْي بعض الروَاة ومتجدد وَجَمِيع مَا تضمنه استدعاؤك فأجمع مَا يكون لَفظه المتفرد كَاتبا لَك بذلك خطى مشترطاً عَلَيْك الشَّرْط الْمُعْتَبر فَلْيَكُن قبولك يَا عَرَبِيّ الْبَيَان جَوَاب شرطي ذَاكِرًا من لمع خبري مَا أَبْطَأت بِذكرِهِ وَأَرْجُو أَن أبطئ وَلَا أخطئ فَأَما مولدِي فبمصر المحروسة فِي ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وست مائَة بزقاق الْقَنَادِيل وَأما شُيُوخ الحَدِيث الَّذين رويت عَنْهُم سَمَاعا وحضوراً فَمن أقدمهم الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو الهيجاء غَازِي بن أبي الْفضل بن عبد الْوَهَّاب نزيل قطيا الْمَعْرُوف بِابْن الردّاف سَمِعت عَلَيْهِ بعض الغيلانيات وَهُوَ الْجُزْء الثَّانِي وَالثَّالِث من تجزئة أحد عشر جُزْءا وَالشَّيْخ عزّ الدّين أَبُو نصر عبد الْعَزِيز بن أبي الْفرج الحصري الْبَغْدَادِيّ سَمِعت عَلَيْهِ جُزْءا من أَحَادِيث خرجها لَهُ وَالِدي وَالشَّيْخ الْعَالم شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي)
مُحَمَّد إِسْحَاق بن مُحَمَّد الهمذاني الأبرقوهي سَمِعت عَلَيْهِ السِّيرَة النَّبَوِيَّة بِقِرَاءَة الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيّد النَّاس وَأما من أجازني مِنْهُم بِمصْر وَغَيرهَا من الْأَمْصَار فكثير أخبرنَا الشَّيْخ الْمسند عز الدّين أَبُو الْعِزّ عبد الْعَزِيز بن عبد الْمُنعم بن عَليّ الحرّاني ﵀ أجازة انا الشَّيْخ أَبُو الْفتُوح يُوسُف بن الْمُبَارك بن كَامِل قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر بِبَغْدَاد أَنا الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْقَزاز قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا أسمع أَنا الشَّيْخ أَبُو الْغَنَائِم عبد الصَّمد بن عَليّ بن مُحَمَّد قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنا حَاضر قيل لَهُ أخْبركُم أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر بن أَحْمد الدَّارَقُطْنِيّ ثَنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَيْلِي ثَنَا أَحْمد بن الْمُعَلَّى بن يزِيد ثَنَا حَمَّاد بن الْمُبَارك ثَنَا مُحَمَّد بن شُعَيْب ثَنَا مَرْوَان بن جنَاح عَن هِشَام بن عُرْوَة أَنه أخبرهُ عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَن من الشّعْر حِكْمَة وَأما الْفُضَلَاء والأدباء الَّذين رويت عَنْهُم وَرَأَيْت مِنْهُم فَمنهمْ القَاضِي الْفَاضِل محيي الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الشَّيْخ رشيد الدّين عبد الظَّاهِر الْكَاتِب الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ الإِمَام بهاء الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن ابراهيم بن النّحاس النَّحْوِيّ الْحلَبِي والأمير الْفَاضِل شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن الصاحب المورخ شرف الدّين اسماعيل التيتي الْآمِدِيّ اقترح عَليّ وَلم أبلغ الْحلم نظما فِي زِيَادَة النّيل فَقلت مرفل الْكَامِل
(زَادَت أَصَابِع نيلنا ... وطمت فأكمدت الأعادي)
(وَأَتَتْ بِكُل جميلَة ... مَا ذِي أَصَابِع ذِي أيادي)
وَالشَّيْخ الْعَالم علم الدّين قيس بن سُلْطَان الضَّرِير من أهل منية بني خصيب قَرَأت عَلَيْهِ كثيرا من كتب الْأَدَب الْمَشْهُورَة وَكَانَ كثيرا مَا يستنشدني إِلَيّ أَن أنشدته قولي الْبَسِيط
(يَا غائبين تعللنا لغيبتهم ... بِطيب لَهو وَلَا وَالله لم يطب)
(ذكرت والكأس فِي كفي لياليكم ... فالكأس فِي رَاحَة وَالْقلب فِي تَعب)
стр. 211
فَقَالَ أتعب وَالله جدعك الْقرح وَالشَّيْخ الْعَالم بهاء الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمُفَسّر أَنْشدني يَوْمًا لنَفسِهِ الرمل
(لَا أرى لي فِي حَياتِي رَاحَة ... ذهبت لَذَّة عيشي بِالْكبرِ)
(بَقِي الْمَوْت لمثلي ستْرَة ... يَا آلهي أَنْت أولى من ستر)
فَأَنْشَدته لي الْخَفِيف
(بقلت وجنة الْمليح وَقد ولي ... زمَان الصَّبِي الَّذِي كنت أملك)
)
(يَا عذار الْمليح دَعْنِي فَإِنِّي ... لست فِي ذَا الزَّمَان من خل بقلك)
وَالشَّيْخ الأديب الْفَاضِل سراج الدّين عمر الْوراق الْمصْرِيّ سمعته ينشد لنَفسِهِ الْكَامِل
(يَا خجلتي وصحائفي سود غَدا ... وصحائف الْأَبْرَار فِي إشراق)
(وتوقعي لموبخ لي قَائِل ... أكذا تكون صَحَائِف الْوراق)
والأديب الْفَاضِل نصير الدّين الْمَنَاوِيّ الحمامي أَنْشدني لنَفسِهِ الطَّوِيل
(أحب من الدُّنْيَا إِلَيّ وَمَا حوت ... غزال تبدي لي بكأس رحيق)
(وَقد شهِدت لي سنة اللَّهْو أنني ... أحب من الصَّهْبَاء كل عَتيق)
فَأَنْشَدته لي الْكَامِل
(إِنِّي إِذا آنست هما طَارِقًا ... عجلت باللذات قطع طَرِيقه)
(ودعوت أَلْفَاظ الْمليح وكأسه ... فنعمت بَين حَدِيثه وعتيقه)
وَجَمَاعَة يطول ذكرهم ويعز على أَن لَا يحضرني الْآن إِلَّا شعرهم وَأما مصنفاتي الَّتِي هِيَ كالياسمين لَا تَسَاوِي جمعهَا وَلَوْلَا جبر الخزائن الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة الملكية المؤيدية لَهَا مَا استجزت نصبها وَلَا رَفعهَا فَهِيَ كتاب مجمع الفرائد كتاب الْقطر النباتي كتاب شرح الْعُيُون فِي شرح رِسَالَة ابْن زيدون كتاب منتخب الْهَدِيَّة من المدائح المؤيدية كتاب الْفَاصِل من انشاء الْفَاضِل كتاب زهر المنثور كتاب سجع المطوق كتاب ابزار الْأَخْبَار كتاب شَعَائِر الْبَيْت التَّقْوَى وَلم يكمل إِلَى الْآن الأرجوزه الْمُسَمَّاة فرائد السلوك فِي مصائد الْمُلُوك أجزت لَك أعزّك الله رِوَايَتهَا عني وَرِوَايَة مَا أدونه وأجمعه بعْدهَا حَسْبَمَا اقترحه استدعاؤك ونمقه ونسخه وحققه وتضمنه سؤالك الَّذِي تَصَدَّقت بِهِ على فمنك السُّؤَال ومنك الصَّدَقَة وَالله تَعَالَى يشْكر عَهْدك الْجَمِيل وكلماتك الجزلة وكرمك الجزيل ويمتع فنون الْفَضَائِل الملتجئة إِلَى ظلّ قلمك الظليل وَلَا يعْدم الأحباب الْآدَاب من اسْمك وسمتك خير صَاحب وخليل بمنه وَطوله تمت الْإِجَازَة ثمَّ أنني سَمِعت من لَفظه كتاب منتخب الْهَدِيَّة والقطر النباتي وَكنت قد كتبت عَلَيْهِ وَأَنا بِالْقَاهِرَةِ الوافر
(بحقك لَا تقل فِيمَن تقضي ... وَفَاتَ لقد مضى بالطيبات)
стр. 212
(وَرَاح وشعره حُلْو رَقِيق ... فَمَا يتَكَلَّم الْقطر النباتي)
وَسمعت من لَفظه فرائد السلوك وَسمعت من لَفظه الْمُنْتَخب المنصوري وَسمعت من لَفظه النحلة الأنسية فِي الرحلة القدسية وغالب مَا انشأه من النّظم والنثر سمعته وَكنت قد كتبت بِالْقَاهِرَةِ على قِطْعَة)
أهداها من شعره الوافر
(أيا ابْن نَبَاته أهديت شعرًا ... نَصِيبي سكر مِنْهُ وسكر)
(يفوت الْغَيْث عدا وَهُوَ حُلْو ... فشعرك كَيفَ مَا حاولت قطر)
وَقد اخْتَار من دواوين الشُّعَرَاء جملَة مِنْهَا ديوَان ابْن الرُّومِي وديوان ابْن سناء الْملك وديوان ابْن قلاقس وديوان ابْن حجاج وَهُوَ اخْتِيَار جيد سَمَّاهُ تلطيف المزاج من شعر ابْن حجاج وديوان شرف الدّين شيخ الشُّيُوخ وبيني وَبَينه مكاتبات كَثِيرَة ومراجعات أثيرة مِنْهَا مَا كتبه إِلَيّ وَأَنا بِالْقَاهِرَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَهُوَ الْبَسِيط
(رضيت بالكتب بعد الْقرب فَانْقَطَعت ... حَتَّى رضيت سَلاما فِي حواشيها)
وَينْهى أَنه كَانَ كسير الخاطر حسير النَّاظر لانْقِطَاع بر مَوْلَانَا الممتاز ولامتناع الْمَمْلُوك من الْمُكَاتبَة ظنا أَن بَينهَا وَبَين الْقَصْد حجاز فَلَمَّا وقف الْآن على ذكره فِي حَاشِيَة مُكَاتبَة جمالية اسْتَأْنف للخاطر سُرُورًا وَأقَام وزن الْبَيْت القلبي وَكَانَ مكسوراً وَوضع الطرس على وَجه خطه الْأَعْمَى فَارْتَد بَصيرًا يُوسُف وَجمع بَين ذَلِك الخاطر وَاللَّفْظ وَالْقلب وَإِنَّمَا جمع مِسْكينا ويتيما وأسيرا الْإِنْسَان وسره أشهد الله أَن يكون مَعْدُود الذّكر فِي الْحَاشِيَة واستوقف أَلْفَاظ العتاب وَقد كَانَت إِلَى درج الأدراج مَاشِيَة الطَّوِيل
(حَلَال لليلى أَن تروع فُؤَاده ... بهجر ومغفور لليلى ذنوبها مرفل الْكَامِل)
(لَا تقرعن سَماع من تهوى ... بتعداد الذُّنُوب)
(مَا ناقش الأحباب ... إِلَّا من يعِيش بِلَا حبيب)
وَقد علم الله شوق الْمَمْلُوك إِلَى تِلْكَ الْخَلَائق وربيعها والألفاظ وبديعها وشجوه الَّذِي أخْفى الْجلد وأبانه ووحشته الَّتِي أفردته سَهْما وَاحِدًا فِي دمشق لَا فِي كنَانَة الْبَسِيط
(لم يتْرك الدَّهْر لي خلا أسر بِهِ ... إِلَّا اصطفاه بنأي أَو بهجران)
وَالله تَعَالَى يحرس مَوْلَانَا حَيْثُ كَانَ ويمده بمعونتي الْمَكَان والإمكان ويصون نفاسة نَفسه وَإِن تَغَيَّرت على أحبابها وأعرضت عَن غلمانها ويأبى ناموس الرُّتْبَة أَن يُقَال عَن أَصْحَابهَا وَلَا يعْدم الْأَوْلِيَاء على الْقرب والبعد أَن يجتنوا من نظمه ونثره ثَمَر الْبَيَان متشابهاً الْمَمْلُوك يقبل يَد الجناب الأخوي البرهاني شكر الله احسانه وأوضح فِي اسْتِحْقَاق رتب الْفضل برهانه وود الْمَمْلُوك لَو رَآهُ عِنْد الْقدوم من حلب فَكَانَ يُوفي بعض قروض فَضله وفروض بذله وَلَكِن أَبى الْحَال الْمُنَاسب إِلَّا أَن تبدأ هَدِيَّة ذَلِك الْمولى تحيته فيقابلها الْمَمْلُوك ببخله يَا مَوْلَانَا بلغ الْمَمْلُوك تقدم الْمقر الْفُلَانِيّ وتبينه وتعينه وَأَرَادَ الْمَمْلُوك مطالعته
стр. 213
وَعرض وسائله وَلكنه ذكر حِكَايَة بعض جُفَاة الْأَعْرَاب ومتعجرفيهم وَقد اشْتَدَّ بِهِ ضعفه فَقَالَ لَهُ بعض إخوانه تب إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ يَا أخي إِن عافاني تبت فَإِنِّي لَا أقبل القسر فَإِن نظر ذَلِك الْمقر إِلَى الْمَمْلُوك ونفعه كتب وَقَالَ وأطاب وَأطَال ونهض فِي خدمَة أَيَّامه بِمَا لَا ينْهض بِهِ سواهُ من أهل الْمقَال وَإِلَّا الطَّوِيل
(كِلَانَا غَنِي عَن أَخِيه حَيَاته ... وَنحن إِذا متْنا أَشد تَغَانِيًا)
فَكتبت إِلَيْهِ الْجَواب عَن ذَلِك وَينْهى وُرُود الْمِثَال العالي وَالْفضل الَّذِي نصب لي لِوَاء الْفَخر لَو أَنه كَمَا أعهده متوالي وَالْبر الَّذِي كم تمسكت بحباله فَأرْسل الحبا لي وَالرَّوْض الَّذِي هُوَ لِابْنِ الشجري نِهَايَة الْأَمَانِي فِي الأمالي والأزاهر الَّتِي أَصبَحت من جناة جناتها فَلَا بدع إِذا كنت لنار عتبها الْيَوْم صالي الطَّوِيل
(إِذا لم يخن صب فَفِيمَ عتاب ... وَإِن لم يكن ذَنْب فمم يُتَاب)
(أجل مَا لنا إِلَّا هواكم جِنَايَة ... فَهَل عنْدكُمْ غير الصدود عِقَاب)
فَوقف الْمَمْلُوك عَلَيْهِ بعد أَن تمثل وَاقِفًا لَدَيْهِ وَشَاهد ذَلِك اللَّفْظ الرَّقِيق الْمُشْتَمل على العتب الْفظ وَتحقّق أَن هَذَا من جزئيات مَا سَاق إِلَيْهِ الْقسم وحض عَلَيْهِ الْحَظ مخلع الْبَسِيط
(وغايتي أَن الوم حظي ... وحظي الْحَائِط الْقصير)
وَلَقَد علم الْمَمْلُوك عِنْد رُؤْيَته أَنه غمامة تقَعْقع بالعتب رعدها عِنْد الفض وَرَسُول جَاءَ بعد فَتْرَة يَدْعُو الْقلب إِلَى الْكسر والطرف إِلَى الغض وخصم يروع بالعتب ويروق باللطف وَكَذَا جرى لِأَن الروع تعجل نَقده فِي النض الْبَسِيط
(هَذَا عتابك إِلَّا أَنه مقة ... قد ضمن الدّرّ إِلَّا أَنه كلم)
فيا لَهُ من عتاب مَا حاك العتابى مِنْهُ لقطَة لَفْظَة وَلَا رقا إِلَى رقته عتاب جرى بَين الزَّمَان وجحظة وَلَا استحضر مهديه عِنْد تسطيره من الْقُرْآن الْكَرِيم وليجدوا فِيكُم غلظة التَّوْبَة الطَّوِيل
(وأطيبُ أَيَّام الهَوَى يَوْمك الَّذِي ... تُروَّعُ بالهجران فِيهِ وبالعتب)
(إِذا لم يكن فِي الحبِّ سخطٌ وَلَا رضى ... فَأَيْنَ حلاوات الرسائل والكتب)
ومولانا فَإِنَّهُ كبث لما كتب وعبث لما عتب وَنَفث بعد أَن لبث وَلَو اجتث الود لاجتنب وَلَكِن دلّ بِهَذَا على أَنه لَيْسَ لَهُ أغراض من الْإِعْرَاض وَأَنه لَا يَلِيق بوده الثَّابِت التبذل فِي التبدل وَلَا يعْتَاد أَن يعتاض وَالْقَائِل مَا أشرف همته مجزوء الرمل
(لست سَمحا بودادي ... كل من نَادَى أَجَبْته)
)
ولعمري أَن مَوْلَانَا سباق غايات وَرب آيَات وَصَاحب دهاء لَا بل دهاشات علم أَنه نكب عَن الْوَفَاء وَظهر عَن لطفه مَا لَا يَلِيق بِهِ من الْجفَاء وأهمل الْمَمْلُوك هَذِه الْمدَّة وطمع فِي ضعفه وَظن أَنه لَيْسَ لذكره كرة بعد الْفِرَار وَلَا ردة فَتلا سُورَة من العتب سكنت مَا عِنْد الْمَمْلُوك
стр. 214
من السُّورَة وَأمكنهُ غَفلَة الرقباء فاختلس الزورة وسابق حراف الْمَمْلُوك وقاطع عَلَيْهِ الذرْوَة الْبَسِيط
(تشكي الْمُحب وتشكو وَهِي ظالمة ... كالقوس تصمى الرمايا وَهِي مرنان)
وَقد تمثل الْمَمْلُوك بِهَذَا الْبَيْت دون غَيره من الْأَمْثَال لِأَنَّهُ أنسب بمولانا وَأقرب وتخيل مَا يعهده من توهم مَوْلَانَا فَلم يقل يلْدغ ويصي كالعقرب على أَن الْمَمْلُوك أَحَق بِهَذِهِ المعاتبة وأليق بِأَن يصدر عَنهُ مثل تِلْكَ الْمُكَاتبَة وَإِذ قد فتح هَذَا الْبَاب ونوقش فِي مثل هَذَا الْحساب فاسكب دموعك يَا غمام ونسكب نظهر مَا فِي زَوَايَا الجوانح من الخبايا وَنَتبع مَا فِي الْقلب إِن كَانَ حب مَوْلَانَا ترك مِنْهَا بقايا وَإِن كَانَ مَوْلَانَا حمل الْبَرِيد هَذِه البطاقة فَعِنْدَ الْمَمْلُوك مَا يعجز عَن حمله المطايا هَيْهَات مَا هَذَا مقَام يحصل فِيهِ الصَّفَا وَلَو كَانَ هَذَا مَوضِع العتب لاشتفى الْبَسِيط
(فَمَا يقوم لأهل الْحبّ بَيِّنَة ... على بَيَاض صباح أَو سَواد دجا الطَّوِيل)
(وَإِن شِئْت ألقينا التَّفَاضُل بَيْننَا ... وَقُلْنَا جميلاً واقتصرنا على الود)
استطرد الْمَمْلُوك بِهَذَا الْفَصْل وَهُوَ قَبِيح بِصدق ولَايَة ونكتة سَواد كَأَنَّهَا الْخَال لَكِنَّهَا مَا تلِيق بوجنة صفائه وَلَكِن الود إِذا مَا صفا لم يتَحَمَّل مَعَه الضَّمِير أَذَى وَلم تغمض الجفون مِنْهُ على قذى الْبَسِيط
(مَا ناصحتك خبايا الود من رجل ... مَا لم ينلك بمكروه من العذل)
(محبتي فِيك تأبى إِن تسامحني ... بِأَن أَرَاك على شَيْء من الزلل)
وَإِن اتّفق اقتراب فَلِكُل سُؤال جَوَاب وَمن كل جرم متاب وَلكُل صَغِيرَة وكبيرة مناقشة وحساب وَلكُل ظمأ إِمَّا سقيا رَحْمَة أَو سقيا عَذَاب الوافر
(وَإِن ظَفرت بِنَا أَيدي المنايا ... فكم من حسرة تَحت التُّرَاب)
وَقد اشْتغل الْمَمْلُوك بِهَذَا الْفَصْل وَلَو وفْق فِي هَذِه الْخدمَة قطع مِنْهَا هَذَا الْوَصْل وَجرى على عَادَته فِي الأغضاء وَطلب النَّصْر بالبصر لَا بِالنّصب مجزوء الْكَامِل
(فالعمر أقصر مُدَّة ... من أَن يضيع بالعتاب)
ويستغفر الله الْمَمْلُوك من هَذَا على أَن مَوْلَانَا عود الْمَمْلُوك بِالِاحْتِمَالِ إِذا آذَى وَيرجع إِلَى وصف مِثَال مَوْلَانَا فَيَقُول أَنه الحديقة وَالرَّوْض الَّذِي جمع الأزاهر إِلَّا أَنه عدم شقيقه وَالْفضل الَّذِي صدر)
عَن أمثل النَّاس طَرِيقه والقادم الَّذِي كَأَنَّهُ ولد جَاءَ بعد الْيَأْس وَأَن عملت لَهُ الدُّمُوع عقيقة الْبَسِيط
стр. 215
(وَالله مَا فتنت عَيْني محاسنه ... إِلَّا وَقد سحرت أَلْفَاظه أُذُنِي)
فمتع الله الْوُجُود بكلم مَوْلَانَا الَّتِي هِيَ عوذة من الْغَيْر وجمال الْكتب وَالسير وَلَا أخلى الله من فَوَائده وَلَا قطع مَا أجراه على الْمَمْلُوك من عوائده وَقد بلغ الْمَمْلُوك سَلَامه وجبره مَمْلُوكه الْأَخ فَدَعَا وابتهل وشب جمر شوقه إِلَى رُؤْيَته بَعْدَمَا اكتهل وَقَالَ لَا بُد من الْعود إِلَى جنابه إِن كَانَ فِي الْعُمر مهل وَإِمَّا الْإِشَارَة الْكَرِيمَة فِي أَمر من ذكره مَوْلَانَا وَأَنه تعين وَتمكن وَتبين والنادرة اللائقة بذلك الْمقَام فَيَقُول الْمَمْلُوك أَنه مَا عَامل كَمَا عومل وَلَا قَابل كَمَا قوبل بل ادكر ركود الدَّهْر وهباته وَعمل بقول الحيص بيص فِي أبياته بعد أَن كبا سَرِيعا وخر للفم وَالْيَدَيْنِ صَرِيعًا الْكَامِل
(فعففت عَن أثوابه لَو إِنَّنِي ... كنت المقطر بزني أثوابي)
تمّ الْجَواب وَكتب إِلَيّ فِي وَقت لرمل
(دمت للآداب تنشي رسمها ... بيراع خطوه خطو فسيح)
(لَيْت شعري أَنْت يَا باعثها ... بَعْدَمَا مَاتَت خَلِيل أم مسيح)
فأجبت بِقَوْلِي الرمل
(اخْتَلَفْنَا لبديع النّظم فِي ... كل مَا تهديه من لفظ فصيح)
(قَالَ غَيْرِي هُوَ زهر قَالَ لَا ... قلت زهر قَالَ لي هَذَا الصَّحِيح)
وَكتب إِلَيّ يطْلب مني عَارِية كتاب التشبيهات لِابْنِ ظافر السَّرِيع
(لفظ ابْن ظافر قد ظَفرت بِهِ ... وفؤاد حبي مِنْهُ غير خلي)
(فبأحمد وَهُوَ الشفيعلنا ... أمتع أَبَا بكر بِلَفْظ عَليّ)
وَينْهى أَنه يحب لفظ على وتثقيله يزِيد ومنن مَوْلَانَا الْمَعْهُودَة لَا يثقل عَلَيْهَا أَن تفيء وتفيد وَقد سمع بِكِتَاب الْمشَار إِلَيْهِ وسؤاله مُشَاهدَة ذَلِك المحبوب وعارية هَذَا الْكتاب مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام ذَلِك وعد غير مَكْذُوب هود
فاشتغلت عَن تَجْهِيزه بالحمى ثمَّ أنني جهزته وكتبت مَعَه السَّرِيع
(العَبْد مجبول الطباع على ... مَا تشْتَهي فِي القَوْل وَالْعَمَل)
(وَمَعَ التوالي فِي ودادك لم ... أمنع أَبَا بكر كَلَام عَليّ)
فَكتب إِلَيّ قبل وُصُوله إِلَيْهِ الطَّوِيل)
(عذيري مِنْهُ معرضًا متجنباً ... كَأَنِّي لَهُ نَحْو الوداد أجاذب)
следующие страницы →