← Тараджим

Тараджим · id 6677

الوافي بالوفيات

الصفدي

Полный текст (7 288 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

وَمِنْه (لما غدوتَ مليكَ الأَرْض أفضلَ مَن ... جلَّتْ مفاخرهُ عَن كلِّ إطراءِ) (تغايرتْ أدواتُ النطقِ فيكَ على ... مَا يصنع الناسُ من نظمٍ وإنشاءِ) وَهَذَانِ البيتان لِابْنِ الصَّيْرَفِي غيَّر قافيتهما إِلَى ثَمَانِيَة وَعشْرين قافية على عدد حُرُوف المعجم ونقلتُ أَنا من خطه مَا صورته تضمَّن كتاب الوزراء لِابْنِ عَبدوس أَن فَتى حَدِيث السنّ قدم على عَمْرو بن مسْعدَة متوسِّلاً إِلَيْهِ بالبلاغة فامتحنه بِأَن رمى إِلَيْهِ كتاب صَاحب الْبَرِيد فِي بعض النواحي يخبر فِيهِ أَن بقرة ولدت غُلَاما وَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فِي هَذَا الْمَعْنى فَكتب الْحَمد لله خَالق الأَنام فِي بطُون الْأَنْعَام فلمَّا رأى ذَلِك عَمْرو غَار على صناعته) ومحلّه فَجَذَبَهُ من يَده وَأحسن إِلَيْهِ وردَّه إِلَى بَلَده وَمَا علمتُ أحدا كمّل الْبَاب وتمَّممه فعمدت إِلَى هَذَا الِابْتِدَاء فأنشأت عَلَيْهِ مَا يقْرَأ على النَّاس وَهُوَ الْحَمد لله خَالق الأَنام فِي بطُون الأَنعام ومصوّرهم بِحِكْمَتِهِ فِيمَا يَشَاء من الأَرحام ومخرج النَّاطِق من الصَّامِت مَعَ اخْتِلَاف الأَشكال وتباين الأَجسام إبانةً على ماهر آيَته فِيمَا ابتدع وإظهاراً لما اسْتَحَالَ فِي الْعَادَات وَامْتنع ليدلّ على أنَّ قدرته أبعد غَايَة ممَّا يتخيَّله الْفِكر ويتوهَّمه وَأَن مصنوعاته شَوَاهِد وحدانيَّته لمن يتبيَّن معجزها ويتفهّمه يحمده أَمِير الْمُؤمنِينَ على مَا اختصَّ بِهِ أَيَّامه من بَدَائِع مخلوقاته ويشكره على غرائب صنعه الَّتِي أَصبَحت من دَلَائِل فَضله وعلاماته إذْ كَانَ جلَّ وَعلا قد جعل آيَاته مَوْقُوفَة على أزمنة أصفيائه ومعجزاته مَقْصُورَة على عصور أنبيائه وأوليائه على أنَّ لَدَيْهِ من خَلِيله وفتاه وصفيّه الَّذِي أوجه السعد نَحوه وَأَتَاهُ السيّد الأجلّ الْأَفْضَل الَّذِي اكتسى الدِّين بنصرته ثوب الشَّبَاب والبهجة واقترنت الْمُبَالغَة فِي صِفَاته بقول الْحق وَصدق اللهجة ملكا غَدا الزَّمَان جذلاً بدولته ومغتبطاً وَسَيِّدًا ارْتَفع أَن يَأْتِي المكارم إلَاّ مخترعاً لَهَا مستنبطاً وسلطاناً يفعل الْحسن عذرا ويتنزّه أَن يَفْعَلهَا عواناً وهماماً يتأنّس فِي العزمات بِنَفسِهِ فَلَا يستنجد أنصاراً فِيهَا وَلَا أعواناً لَا جَرَم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يرفل من تَدْبيره فِي ملابس العزّ الفاخرة ويتحقّق أَن النِّعْمَة بِهِ فِي الدُّنْيَا برهانٌ على مَا أعدَّ لَهُ فِي الدَّار الْآخِرَة ويرغب إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة على جدِّه محمَّدٍ سيّد ولد آدم وأشرف من تأخَّر وقته وتقادم والمبعوث بشيراً وَنَذِيرا إِلَى كَافَّة الْبشر

стр. 6197

والمخصوص بتسبيح الْحَصَى وحنين الجِذعِ وانشقاق الْقَمَر صلّى الله عَلَيْهِ وعَلى أَخِيه وَابْن عمّه أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب مستودع سرِّه ومنتهى علمه ومقرّه والمحبُوِّ بِمَا يدل على شرِيف مَنْزِلَته وَقدره وَمن قَاتل الجنّ فسُقوا بغضبه كأس الْمنون وردَّت لَهُ الشَّمْس كَمَا ردَّت من قبله ليوشع بن نون وعَلى آلهما الهداة الأئمَّة الَّذين زَالَت بإرشادهم كلّ شُبْهَة وغمَّة وَنسخت بأنوارهم ظلم الشكوك المدلهمَّة وتنقَّلت فيهم سيادة هَذَا الْعَالم وسياسة هَذِه الأمَّة ويلَّم عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ تَسْلِيمًا وَزَادَهُمْ تَشْرِيفًا وتكريماً وتعظيما وإنَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا تأمَّل مَا ينشئه الله ويبدعه وتدبر مَا يبديه سُبْحَانَهُ ويخترعه وجد من غرائب الْفِعْل وغوامض الْقُدْرَة وعجائب الصنع وسرائر الْفطْرَة مَا يبْعَث على الضراعة لَهُ) والخشوع وَيَدْعُو إِلَى الاستكانة لعظمته والخضوع ويضطر كلّ ذِي لبٍّ وتصوُّر ويقتاد كلَّ ذِي عقلٍ وتفكُّر إِلَى صِحَة الْعلم بأنَّه الله الَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ الواحدُ لَا من حِسَاب عَاد والقاهر بِلَا مدافعٍ لأَمره وَلَا رادّ والرازقُ المنشئ المقدّر والخالق البارئ المصوّر مخرج الْعَالم من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود وفاطرُ النَّسم على غير الْمِثَال الْمَعْهُود والدالُّ على حكمته بإتقان ذَلِك وَحسن تركيبه ومصرِّف الأَفكار فِيمَا تحدثه قدرته النافذة وَتَأْتِي بِهِ وَهَذَا برهَان أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا هُوَ لهِجٌ بِهِ من الذّكر والتوحيد وحجَّته فِيمَا هُوَ متوفّر عَلَيْهِ من مُوَاصلَة التَّحْمِيد والتنجيد وَالله يُضَاعف لَهُ ثَوَاب الْمُجْتَهدين وينيله الزُّلْفة بِمَا يُعينهُ عَلَيْهِ من إعزاز الدّين وإنَّه عُرض بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب مُتَوَلِّي الْبَرِيد يتضمَّن أمرا أبان عَن العظمة الْقَاهِرَة وأعرب عَن المعجزة الباهرة وأوضح المعذرة لمن يَعْتَقِدهُ من شَرَائِط الساهرة وَذَلِكَ أنَّه أنهى أنَّ بقرة جرت حَالهَا على غير الْقيَاس فنتجت حَيَوَانا على هَيْئَة النَّاس وَفِي هَذَا مُخَالفَة المنتوج جنس الناتج وَذَاكَ ممَّا يضلِّل الْفَهم ويستوقفه ومباينته إيَّاه وَهُوَ ممَّا تنكره الْعُقُول وَلَا تعرفه وَهَذَا من الأَنذار المنبِّهة الموقظة والإبداعات الَّتِي تضمَّنت بَالغ الموعظة وفيهَا تحذير لمن تَمَادى على الآثام والمعاصي وتذكير بيومٍ يُؤْخَذ المجرمون فِيهِ بالأَقدام والنواصي فتأمَّلوا معشر الْمُسلمين رحمكم الله هَذِه الْحَادِثَة وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الْوَعيد وتدبَّروا مَا خطب بِهِ لِسَان التخويف فِيهَا مسمعاً للقريب والبعيد إنَّ فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد وَبَادرُوا وفَّقكم الله إِلَى الدُّعَاء والابتهال وَاعْمَلُوا بِمَا ندبتم إِلَيْهِ من صَالح الأَعمال وأقلعوا عمَّا كُنْتُم تُمسون عَلَيْهِ من الْخَطَايَا

стр. 6198

وتصبحون وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أيُّها الْمُؤْمِنُونَ لعلَّكم تفلحون وتوسَّلوا عِنْده بتعميركم مظانَّ الْخَيْر ومواطنه وانتهوا إِلَى مَا أَمركُم بِهِ فِي قَوْله وذَروا ظَاهر الْإِثْم وباطنه واعتقدوا الْإِخْلَاص فِي ذَلِك وأضمروه وَاعْلَمُوا أنَّ الله يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ فَهَذَا إِذا عكفتم عَلَيْهِ واجتهدتم فِيهِ واعتمدتم مِنْهُ مَا يذهب عَنْكُم رجز الشَّيْطَان وينفيه حزتم من الثَّوَاب جزيلاً جسيماً ونلتم فِي العاجلة حظًّا عَظِيما وكنتم فِي الآجلة ممَّن قَالَ الله فيهم تبييناً لصَادِق وعده وتفهيماً تحيّتهم يَوْم يلقونه سلامٌ وأعدَّ لَهُم أجرا كَرِيمًا وَقد دعَاكُمْ إِيثَار أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مَا يُحْيِيكُمْ ونصح الله تبَارك) وَتَعَالَى وَلِرَسُولِهِ فِيكُم فسارعوا إِلَى أمره ترشدوا وتمسَّكوا بهدايته توفَّقوا وتسعدوا فاعلموا هَذَا وَاعْمَلُوا بِهِ وانتهوا إِلَيْهِ انتهاءَ من الطَّاعَة غَايَة مَطْلُوبه إِن شَاءَ الله تَعَالَى ٣ - (الْكُوفِي العلاّف) عَليّ بن الْمُنْذر أَبُو الْحسن الطريقي الأوْدي الْكُوفِي العلاّف الْأَعْوَر قَالَ النَّسائي شيعيٌّ محضٌ ثِقَة توفّي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وروى عَنهُ التّرمذي والنَّسائي وَابْن ماجة (عَليّ بن مَنْصُور) ٣ - (دَوْخَلة بن القارح) عَليّ بن مَنْصُور بن طَالب الْحلَبِي الملقّب دَوْخَلَة ويُعْرف بِابْن القارح أَبُو الْحسن وَهُوَ الَّذِي كتب إِلَى أبي الْعَلَاء المعرّي رِسَالَة مَشْهُورَة تُعرف ب رِسَالَة ابْن القارح وأجابه المعرّي ب رِسَالَة الغفران كَانَ شَيخا من أهل الْأَدَب راوية للْأَخْبَار حَافِظًا لقطع كَثِيرَة من اللُّغَة والأشعار قيِّماً بالنحو وَكَانَ ممّن خدم أَبَا عليٍّ الْفَارِسِي فِي دَاره وَهُوَ صبيّ ثمَّ لَازمه وَقَرَأَ عَلَيْهِ قَرَأَ على زَعمه جَمِيع كتبه وسماعاته وَكَانَت معيشته من التَّعْلِيم بِالشَّام ومصر وَكَانَ مؤدِّباً للوزير أبي الْقَاسِم المغربي وَله فِيهِ هجو كثير وَكَانَ يذمّه ويعد معايبه

стр. 6199

قَالَ ابْن عبد الرَّحِيم وَكَانَ آخر عهدي بِهِ بتَكريت سنة إِحْدَى وَعشْرين وَأَرْبع مائَة وبلغتني وَفَاته من بعد وَذكر أَن مولده بحلب سنة إِحْدَى وَخمسين وَثَلَاث مائَة وَلم يتزوَّج وَمن شعره (أَيْن من كَانَ يوضَع الأيرُ إجلا ... لَا على الرأسِ عِنْده ويُباسُ) (أَيْن من كَانَ عَارِفًا بمقادي ... رِ الأيورِ الكبارِ ماتَ الناسُ) وَمِنْه فِي الكسرَويّ (إِذا الكِسْرَوِيُّ بدا مُقبلاً ... وَفِي يَده ذيلُ دُرّاعتِهْ) (وَقد لبسَ العُجْبَ مُسْتَنْوِكاً ... يتيه ويختالُ فِي مِشيتهْ) (فَلَا يمنعنَّك بأواؤُهُ ... ضُراطاً يُقَعْقِعُ فِي لحيتهْ) وَمِنْه يهجو الْوَزير المغربي (لُقِّبْتَ بالكاملِ سترا على ... نقصكَ كالباني على الخُصِّ) (فصرتَ كالكُنْفِ إِذا شُيِّدَتْ ... بُيِّضَ أعلاهُنَّ بالجِصِّ) ) (يَا عُرَّة الدُّنْيَا بِلَا غُرَّةٍ ... وَيَا طُوَيْسَ الشُّؤْم والحِرْصِ) (قتلتَ أهليكَ وأنهيتَ بِي ... تَ الله بالمَوْصل تستعصي) ٣ - (الأجَلُّ اللّغَوِيّ الشَّافِعِي) عَليّ بن مَنْصُور بن عبيد الله الخَطيبي الْمَعْرُوف بالأجلّ اللّغَوِيّ أَبُو عَليّ الْأَصْبَهَانِيّ الأَصْل وَولد ببغداذ وَنَشَأ بهَا وَكَانَ فَقِيها فَاضلا لغويًّا قَرَأَ على ابْن العصّار وَأبي بَرَكَات بن الْأَنْبَارِي وَغَيرهمَا وتفقّه للشَّافِعِيّ بالنظامية قَالَ ياقوت وَلَا أعلم لَهُ نظيراً فِي اللُّغَة فِي زَمَانه فَإِنَّهُ حدَّثني أَنه كَانَ فِي صباه يكْتب كل يَوْم نصف جزءٍ وَخمْس قَوَائِم من كتاب مُجمل اللُّغَة لِابْنِ فَارس ويحفظه ويقرؤه على ابْن العصّار حتَّى أنهى الْكتاب حفظا وَكِتَابَة وَحفظ إصْلَاح الْمنطق فِي أيسر مُدَّة وَحفظ غير ذَلِك من كتب اللُّغَة وَالْفِقْه والنحو وَهُوَ حُفظَةٌ لكثير من الْأَشْعَار وَالْأَخْبَار مُمْتع المحاضرة لَا يتصدَّى للإقراء وَلَقَد سَأَلته فِي ذَلِك وخضعتُ لَهُ بِكُل وَجه فَلم يَنْقَد لذَلِك وَلَا يكَاد أحد يرَاهُ جَالِسا وَإِنَّمَا هُوَ فِي جَمِيع أوقاته قَائِم مولده سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وست مائَة

стр. 6200

وَمن شعره (فؤادٌ مُعَنًّى بالعيون الفواترِ ... وصبوةُ بادٍ مُغرمٍ بالحواضرِ) (سميرانِ ذادا عَن جفون متيَّمٍ ... كراه وباتا عِنْده شرَّ سامرِ) وَمِنْه (لمن غزالٌ بِأَعْلَى رامةٍ سَنَحا ... فعاود القلبَ سُكْرٌ كَانَ مِنْهُ صَحا) (مقسَّمٌ بَين أضدادٍ فَطُرَّتُهُ ... جِنْحٌ وغُرَّتُه فِي الجِنْحِ ضوءُ ضحى) ٣ - (أَبُو الْحسن الطُّنبوري) عَليّ بن مَنْصُور بن هبة الله بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمهْدي بن عبد الله الْمَنْصُور أَبُو الْحسن العباسي كَانَ أديباً فَاضلا ينادم الْخُلَفَاء روى عَن جحظة الْبَرْمَكِي وروى عَنهُ أَبُو عليّ المُحسِّن التَّنوخي وَولده أَبُو الْقَاسِم عليّ التنوخي أَيْضا وَكَانَ يغنّي بالطُّنبور وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مائَة ٣ - (العابسي) عَليّ بن مَنْصُور أَبُو الْحسن العابسيّ كَانَ أديباً شَاعِرًا مدح الْوَزير أَبَا مَنْصُور بن جَهير) وَغَيره كتب عَنهُ أَبُو عبد الله الْبَلْخِي وَمن شعره (نَارا جنى القلبُ من نارَنْجَةٍ بُذِلَتْ ... ممَّن غَدا مَالِكًا للسمعِ والبَصَرِ) (حُلْو الشَّمَائِل مثل الغصنِ يجذبُهُ ... يدُ الشَّمال مَعَ الآصالِ والبُكَرِ) (كأنَّما خَدُّه لونُ الشَّمول إِذا ... راحتْ براحة ريمٍ ريمَ فِي نَفَرِ) (فقلتُ لما تبدَّتْ فِي أنامله ... يُزْهى بهَا وَبِه تُزهي على البشرِ) (تأمَّلوا صنعَ باريه وبارِئها ... شمسُ النَّهَار بدتْ فِي راحةِ القمرِ) ٣ - (الظَّاهِر بن الْحَاكِم الفاطمي) عَليّ بن مَنْصُور بن نزار بن مَعَدّ بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبيد الله هُوَ الظَّاهِر لإعزاز دين الله ابْن الْحَاكِم العُبيدي أَبُو هَاشم أَمِير الْمُؤمنِينَ بَايعُوهُ لما قتل أَبوهُ فِي شوّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبع مائَة ومصر وَالشَّام وإفريقية فِي حكم أَبِيه فَلَمَّا قَامَ الظَّاهِر طمع فِيهِ من طمع فِي أَطْرَاف بِلَاده وَقصد صَالح بن

стр. 6201

مِرْداس حلب فملكها وتغلَّب حسّان بن مفرِّج البدوي صَاحب الرملة على أَكثر الشَّام وتضعضعت دولة الظَّاهِر استوزر نجيب الدولة عَليّ بن أَحْمد الجَرْجَرائي كَمَا استوزره فِيمَا بعد ابْنه الْمُسْتَنْصر إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبع مائَة وَكَانَ الْوَزير الْمَذْكُور أقطع الْيَدَيْنِ قطعهمَا الْحَاكِم لكَونه خَان فِي سنة أَربع مائَة وَأَرْبع وَكَانَ يكْتب الْعَلامَة عَنهُ أَبُو عبد الله القُضاعي صَاحب كتاب الشهَاب القَاضِي وَهِي الْحَمد لله شكرا لنعمته وَاسْتعْمل الْوَزير الْمَذْكُور العفاف وَالْأَمَانَة الزَّائِدَة والاحتراز والتحفُّظ وَفِي ذَلِك يَقُول جاسوس الْفلك (يَا أحمقاً اسمعْ وقُلْ ... ودعِ الرَّقاعةَ والتحامُقْ) (أأقمتَ نفسكَ فِي الثقا ... ت وهَبْك فِيمَا قلتَ صادِقْ) (فَمن الأمانةِ والتُّقى ... قُطِعَت يداك من المرافِقْ) وَكَانَت ولادَة الظَّاهِر سنة خمس وَتِسْعين وَثَلَاث مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَتُوفِّي سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبع مائَة ٣ - (السَّروجي) عَليّ بن مَنْصُور أَبُو الْحسن السَّروجي الأديب مؤدِّب أَوْلَاد أتابك زَنْكي ابْن آقْسُنْقُر كَانَ يَأْخُذ المَاء بِفِيهِ وَيكْتب بِهِ على الْحَائِط كِتَابَة حَسَنَة كأنَّها كُتبت بقلم طومار وينقط مَا يَكْتُبهُ) ويشكله توفّي ﵀ سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخمْس مائَة وَمن شعره (فصلُ الرّبيع زمانٌ نَوْرُهُ نورُ ... أنفاسُ أسحاره مِسكٌ وكافورُ) (تظلُّ تشدو بِهِ الأطيارُ من طَرَبٍ ... فَذا هزارٌ وقُمريٌّ وزُرزورُ) (كأنَّ أصواتها فَوق الغصون ضُحًى ... زِيرٌ وبَمٌّ ومِزمارٌ وطُنبورُ) (تميل أَغْصَانهَا وجدا إِذا سجعت ... وُرقُ الْحمام وغنَّتْها الشحاريرُ) قلت شعرٌ منحطّ منحلّ ٣ - (الْهَمدَانِي التَّمِيمِي) عَليّ بن مَنْصُور بن زيد أبي ق الْهَمدَانِي التَّمِيمِي أَخْبرنِي العلاّمة أثير الدّين أَبُو حيَّان قَالَ مولده سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وست مائَة بمَشهَد الإِمَام

стр. 6202

عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بالنجف من الْعرَاق قدم الْقَاهِرَة وَعَاد إِلَى الشَّام ونُعي بِمصْر سنة سبع وَسبع مائَة قَرَأَ على الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك النَّحْوِيّ ٣ - (الهوَّاس) عَليّ بن مَنْصُور الأَرْمَنْتيّ يُعرف بالهوَّاس كَانَ أديباً فَاضلا شَاعِرًا يُنسب إِلَى التشيُّع توفّي بأَرْمَنت سنة خمس وَتِسْعين وست مائَة من شعره (أُهَيْلَ الحِمى رِقُّوا لحاليَ والشكوى ... فإنَّ فُؤَادِي للصبابة لَا يقوَى) (وقلبي وطرفي فِي اشتعالٍ كِلَاهُمَا ... سَفُوحٌ وَذَا من نَار جمرته يكوَى) (وصبري عزيزٌ عَن لِقَاء أحبَّتي ... وعيشهمُ لَا أضمرت نفسيَ السلوَى) (أَقُول وَقد لاحت بروقٌ على قُبا ... وعنقُ اشتياقي عَن رفاقيَ لَا يُلوَى) قلت شعر نَازل ٣ - (ابْن شَوَّاق الطَّبِيب) عَليّ بن مَنْصُور بن مُحَمَّد بن الْمُبَارك شمس الدّين الإسنائي يُعرف بِابْن شوَّاق اشْتغل بالفقه وناب فِي الحكم بأَصْفّون وَغَيرهَا وَأخذ الطِّبّ عَن ابْن بَيان وَمهر فِيهِ واشتهر فِيهِ بالمعرفة والحذق كَانَ يُقصد من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة وَكَانَ الْحَكِيم المكرَّم بإِسنا دونه فِي الْمعرفَة وَكَانَ يُتبارك بطب المكرَّم دون شمس الدّين فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ المكرَّم يُطلب فِي ابْتِدَاء الأَمراض وَفِي الأَمور السهلة وَأَنا مَا أُطْلَب إلَاّ إِذا أُيس من الْمَرِيض أَو كَانَ المرضُ) ٣ - (قَاضِي إسنا) عَليّ بن مَنْصُور بن حَاتِم بن أَحْمد بن عَليّ بن مَنْصُور بن حَاتِم بن أَحْمد بن حَدِيد القيرواني أَقَامَ بالصعيد وَولي الْقَضَاء بإسنا دخل خطيب أرْمَنْت على مَنْصُور وَهُوَ حَاكم إسنا وَقد ولَّى ابْنه عليًّا هَذَا قَضَاء أرمنت وأنشده (وَمن يربطِ الكلبَ العقورَ بِبَابِهِ ... فعَقْرُ جميعِ الناسِ من رابط الكلبِ) فَقَالَ لَهُ مَنْصُور اسكتْ وأنشده ارتجالا

стр. 6203

(كَذَلِك من ولَّى ابنَه وَهُوَ ظالمٌ ... فظلمُ جميعِ الناسِ من ذَلِك الأبِ) وَأشْهد على نَفسه فِي الْحَال بعزل ابْنه عَليّ ٣ - (أَبُو الْحسن الديلمي) عَليّ بن مَنْصُور الدَّيلمي كَانَ أَبوهُ من جند سيف الدولة بن حمدَان وَكَانَ شَاعِرًا مُجيداً خليعاً وَكَانَ أَعور وَله فِي عوره أَشْيَاء مليحة من ذَلِك قَوْله (يَا ذَا الَّذِي لَيْسَ لَهُ شاهدٌ ... فِي الحبِّ معروفٌ وَلَا شاهدَهْ) (شواهدي عينايَ إنِّي بهَا ... بكيتُ حتَّى ذهبتْ واحدهْ) (وأعجبُ الأَشياء أنَّ الَّتِي ... قد بقيت فِي صحبتي زاهدهْ) وَله فِي غُلَام أَعور جميل الصُّورَة (لَهُ عينٌ أَصَابَت كلَّ عينٍ ... وعينٌ قد أصابتها العيونُ) وَله أَيْضا (بِالْهِنْدِ تُطبع أسيافُ الْحَدِيد وَفِي ... بغداذَ تُطبع أسيافٌ من الحَدَقِ) وَله أَيْضا (سقاني شَمول الراح ساقٍ كَأَنَّمَا ... سوالفُه مسروقةٌ من سُلافِها) (بليلة فطرٍ قَامَ فِيهَا طوائفٌ ... فصلَّوْا وقُمنا جَهرةً بِخِلَافِهَا) (ولاحَ هلالُ الفطرِ نِضواً كأنَّه ... مِراةٌ تجلَّى بعضُها من غلافِها) وَله أَيْضا (فِي ابتداءِ الشبابِ عاجلني الشَّيْ ... بُ فَهَذَا من أوَّلِ الدَّنِّ دُرْدِي) ) وَله أَيْضا (يَا من فقدتُ سروري بعدَ بُعدهمُ ... قد صارَ بعدَكُمُ طولُ الأسى سَكَنا) (إِن كَانَ يُعرفُ إنسانٌ بِلَا أجلٍ ... يموتُ من شدَّة الأَشواق فَهُوَ أَنا) وَله أَيْضا (ناديتُ وجنتَهُ وَقد رُقِمَتْ ... بالمِسك رَقْمَ الثَّوْب بالقزِّ) (يَا أرفعَ البَزِّ اختصصتَ على ... رغم العدوِّ بأرفعِ الطُّرْزِ) ٣ - (الْحُسَيْنِي الْفَارِسِي) عَليّ

стр. 6204

بن مَنْكِدِيم بن مُحَمَّد بن السيِّد أَبُو الْحسن الْعلوِي الْحُسَيْنِي الْفَارِسِي الشَّاعِر توفّي فُجاءةً سنة سبع عشرَة وَخمْس مائَة فِي شوَّال من شعره (عَليّ بن مهديّ) ٣ - (الْهِلَالِي الطَّبِيب الدِّمَشْقِي) عَليّ بن مهْدي بن مُفرِّج أَبُو الْحسن الْهِلَالِي الدِّمَشْقِي الطَّبِيب كَانَ يطبّ بالبيمارستان سمع الحَدِيث وَنسخ الْكثير وروى عَنهُ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر وتوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة ٣ - (الكِسروي) عَليّ بن مهْدي أَبُو الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ الْمَعْرُوف بالكِسروي كَانَ أديباً شَاعِرًا راوية للْأَخْبَار عَارِفًا بِكِتَاب الْعين خاصَّة وَكَانَ يؤدِّب هَارُون بن عَليّ المنجِّم وَبعد ذَلِك اتَّصل ببدر المُعْتَضدي روى عَن أَبِيه وَعَن الجاحظ وديك الجنّ وروى عَنهُ عَليّ بن يحيى بن المنجِّم وَأَبُو عَليّ الكوكبي وَتُوفِّي فِي خلَافَة المعتضد وَله كتاب الْخِصَال وَهُوَ حكم وأمثال وأشعار وَكتاب الأعياد والنواريز ومراسلات الإخوان ومحاورات الخِلاّن وَكتاب مناقضات مَن زعم أنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يَقْتَدِي الْقُضَاة كتب إِلَيْهِ ابْن المعتزّ بِاللَّه (أَبَا حسنٍ أَنْت ابنُ مهديِّ فارسٍ ... فرفقاً بِنَا لستَ ابنَ مهديِّ هاشمِ) (وأنتَ أخٌ فِي يومِ لهوٍ ولذَّةٍ ... ولستَ أَخا عِنْد الأُمورِ العظائمِ)

стр. 6205

فَأجَاب ابْن مهْدي) (أيا سيِّدي إنَّ ابنَ مهديِّ فارسٍ ... فداءٌ وَمن يهوى لمهديِّ هاشمِ) (بلوتَ أَخا فِي كلِّ أمرٍ تحبُّه ... وَلم تَبْلُهُ عِنْد الأُمور العظائمِ) (وإنَّكَ لَو نبَّهته لمُلِمَّةٍ ... لأنساكَ صَوْلاتِ الأسودِ الضراغمِ) وَبَينه وَبَين ابْن المعتزّ مراجعاتٌ كَثِيرَة وَمن شعر الكسروي (قُم سلِّ نَفسِي بالمدا ... مِ فَفِيهِ همٌّ قد أمضَّهْ) (أوَمَا ترى بدرَ السما ... ءِ كأَنَّه تعويذُ فِضَّهْ) (فَإِذا المِحاقُ أذابه ... فكأَنَّهُ آثارُ عضَّهْ) وَمِنْه (ولمَّا أَبى أَن يستقيمَ وصلتُه ... على حالتيه مُكرهاً غيرَ طائعِ) (حِذاراً عَلَيْهِ أَن يميلَ بودِّهِ ... فأُبلى بقلبٍ لَيْسَ عَنهُ بنازعِ) (فأُصبحُ كالظمآنِ يُهْرِيقُ ماءهُ ... لضوءِ سَرابٍ فِي المهامِهِ لامعِ) (فَلَا الماءَ أبقى للحياة وَلَا أَتَى ... على منهل يُجدي عَلَيْهِ بنافعِ) وَمِنْه فِي الْعود من أَبْيَات (وكأَنَّه فِي جِحرها ... طِفْل تمهَّد حِجر ظِيرِ) (مَيْتٌ ولكنَّ الأك ... فَّ تذيقه طعمَ النُّشورِ) (تومي إِلَيْهِ بنانُها ... فيريكَ تَرْجَمَة الضميرِ) (فترى النفوسَ معلَّقا ... تٍ مِنْهُ فِي بمٍّ وزيرِ) (فَإِذا لَوَتْ آذانه ... جازَ الأنينَ إِلَى الزفيرِ) (قالتْ لَهُ قُل مُطرباً ... وعظتكَ واعظةُ القَتيرِ) وَمِنْه فِي ضَرْطَة وهب بن سُلَيْمَان (إنَّ وَهْبَ بنَ سليما ... نَ بنِ وَهْبِ بنِ سعيدِ) (حمل الضَّرْط إِلَى الرِّ ... يِّ على ظهرِ البريدِ) (فِي مُهمَّاتِ أُمورٍ ... مِنْهُ بالركضِ الشديدِ) (إستُهُ تنطق يومَ ال ... حفل بِالْأَمر الرشيدِ) (لم يُجِدْ فِي القَوْل فاحتا ... جَ إِلَى دبر مجيد)

стр. 6206

) ٣ - (الْمهْدي الْحِمْيَرِي) عَليّ بن مهْدي الْحِمْيَرِي الملقَّب بالمهدي ذكره صَاحب الخريدة وادَّعى الْإِمَامَة وسفَك الدِّمَاء وسبى الْمُسلمين وَكَانَ يحدث نَفسه بِالْمَسِيرِ إِلَى مَكَّة فَمَاتَ قبل بُلُوغ مَا فِي نَفسه سنة سِتِّينَ وَخمْس مائَة وتولَّى بعده أَخُوهُ وَمن بَيتهمْ أَخذ اليَمَنَ السلطانُ صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب على يَد أَخِيه شمس الدولة وَكَانَ ظُهُور الْمهْدي هَذَا بالحُصَيْب من معاقل الْيمن وَفِي ذَلِك يَقُول (أَيُشربُ الْخمر فِي رُبى عدنٍ ... والمَشرفيَّاتُ بالحُصَيْبِ ظِما) (ويُلجمُ الدينُ فِي محافلها ... والخيلُ حوليَ تعلك اللُّجُما) وَقَالَ من أَبْيَات (لأعتنقنَّ البِيضَ لَا البِيضَ كالدُّمى ... وأرغبُ عَن نَهْدٍ إِلَى سابقٍ نَهْدِ) (وَمَا ليَ من مَالِي الَّذِي كسبتْ يَدي ... تراثٌ أُبَقِّيه سوى الشكرِ والحمدِ) (قسمتُ الردى والجودَ قسمَيْنِ فِي الوَرَى ... فللمُعتدي جِدِّي وللمُجْتَدي رِفدي) (عَليّ بن مُوسَى) عَليّ بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أَبُو طَالب أَبُو الْحسن الرِّضَا بن الكاظم بن الصَّادِق بن الباقر بن زين العابدين أُمُّه أُمّ ولدٍ نوبيَّة أُمُّها سُكينة تكنَّى أُمَّ الْبَنِينَ ولد بِمَدِينَة النبيّ ﷺ سنة ثمانٍ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَتُوفِّي بطوس فِي سَناباذ وَهُوَ ابْن تسع وَأَرْبَعين سنة وَسِتَّة أشهر سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ لتسْع بَقينَ من شهر رَمَضَان وخلَّف من الْوَلَد مُحَمَّدًا وَالْحُسَيْن وجعفراً وَإِبْرَاهِيم وَالْحسن وَعَائِشَة وروى عَن أَبِيه وَعَن عبيد الله بن أطأة وَهُوَ أحد الأئمَّة الاثْنَي عشر كَانَ سيد بني هَاشم فِي زَمَانه وَكَانَ الْمَأْمُون يخضع لَهُ ويتغالى فِيهِ حتَّى إِنَّه جعله وليَّ عَهده من

стр. 6207

بعده وَكتب إِلَى الْآفَاق بذلك فثار بَنو الْعَبَّاس لذَلِك وتألَّموا وَكَانَ الْمَأْمُون قد زوَّجه ابنتَه أُمَّ حبيب ومدحه دِعبِل الخُزاعي فَأعْطَاهُ سِتّ مائَة دِينَار وجبَّة خزّ بذل لَهُ فِيهَا أهل قمّ ألف دِينَار فَامْتنعَ وسافر فأرسلوا من قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق وَأخذ الجبَّة فَرجع إِلَى قمّ فَقَالُوا لَهُ أمَّا الجبَّة فَلَا وَلَكِن هَذِه ألف دِينَار وَأَعْطوهُ مِنْهَا خرقَة قَالَ المبرّد سُئل عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا أيكلّف اللهُ العبادَ مَا لَا يُطِيقُونَ فَقَالَ هُوَ أعدل من) ذَلِك قيل لَهُ فيستطيعون أَن يَفْعَلُوا مَا يُرِيدُونَ قَالَ هم أعجز من ذَلِك وَقيل إِن الْمَأْمُون همَّ مرَّةً أَن يخلع نَفسه من الْخلَافَة ويولِّيها عليَّ بن مُوسَى الرِّضَا ولمَّا جعله وليَّ عَهده نزع السوَاد العباسي وألبس الناسَ الخضرةَ وَضرب اسْم الرِّضَا على الدِّينَار وَالدِّرْهَم وَأمر يَوْمًا لَهُ بِأَلف ألف دِرْهَم يُقَال إنَّه أكل عنباً وَأكْثر مِنْهُ فَمَاتَ فُجاءةً واغتمَّ الْمَأْمُون كثيرا وَدَفنه عِنْد قبر أَبِيه وَقيل إنَّه شقَّ لَهُ قبر الرشيد أَبِيه وَدَفنه فِيهِ وَقيل إنَّه سُمَّ وَمَات فِي شهر صفر وَدفن بطوس وقصده مقصودٌ بالزيارة وَفِيه يَقُول أَبُو نواس (قيل لي أنتَ أحسنُ النَّاس طرًّا ... فِي فنونٍ من الْمقَال النبيهِ) (لَك جُنْدٌ من القريض مديحٌ ... يُثْمِرُ الدُّرَّ فِي يَدَيْ مُجْتَنيهِ) (فعلامَ تركتَ مدحَ ابْن مُوسَى ... والخصالِ الَّتِي تجمَّعْنَ فِيهِ) (قلت لَا أَسْتَطِيع مدحَ إمامٍ ... كَانَ جبريلُ خَادِمًا لأبيهِ) وَفِيه يَقُول أَيْضا (مُطهَّرون نقيَّاتٌ جيوبُهُمُ ... تجْرِي الصلاةُ عَلَيْهِم أَيْنَمَا ذُكِروا) (من لم يكن علَويًّا حِين تنسبه ... فَمَا لَهُ فِي قديم الدَّهْر مُفْتَخرُ) (الله لمّا برا خلقا فأتقنه ... صفّاكُمُ واصطفاكم أيُّها البَشَرُ) (فأنتمُ الملأُ الْأَعْلَى وعندكمُ ... علمُ الكتابِ وَمَا جَاءَت بِهِ السُّورُ) قَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَوْمًا مَا يَقُول بَنو أَبِيك فِي جدنا الْعَبَّاس فَقَالَ مَا يَقُولُونَ فِي رجلٍ فرض الله طَاعَة بنيه على خلقه وَفرض طَاعَته على بنيه فَأمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم

стр. 6208

وَكَانَ أَخُوهُ زيد بن مُوسَى بِالْبَصْرَةِ قد خرج على الْمَأْمُون وفتك بِأَهْلِهَا فَأرْسل الْمَأْمُون إِلَيْهِ أَخَاهُ عليًّا يردّه عَن ذَلِك فحجّه وَقَالَ لَهُ وَيلك يَا زيد مَا فعلت بِالْمُسْلِمين بِالْبَصْرَةِ وتزعم أَنَّك ابْن فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ يَا زيد يَنْبَغِي لم أَخذ برَسُول الله أَن يعطيَ بِهِ فَبلغ كَلَامه الْمَأْمُون فَبكى وَقَالَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون أهل بَيت رَسُول الله ﷺ وروى لعَلي الرِّضَا ابْن ماجة قَالَ محبّ الدّين بن النجّار أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب بن عَليّ الْأمين قَالَ كتب إليَّ أَبُو الْغَنَائِم هبة الله بن حَمْزَة الْعلوِي قَالَ أَنا أَبُو عبد الرَّحْمَن الشاذياخي قِرَاءَة) عَلَيْهِ أَنا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي قَالَ أَنا أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن سُورَة الصَّاغَانِي بمرو حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَمْرو الْفَقِيه ثَنَا خَالِد بن أَحْمد بن خَالِد الذهلي ثَنَا أبي قَالَ صلّيت خلف عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا بنيسابور فجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي كل سُورَة ويُذكر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَأنْشد النَّوفلي لعَلي بن مُوسَى (رأيتُ الشيبَ مَكْرُوها وَفِيه ... وقارٌ لَا تلِيق بِهِ الذنوبُ) (إِذا ركب الذنوبَ أَخُو مَشيبٍ ... فَمَا أحدٌ يقولُ مَتى يتوبُ) (وداءُ الغانياتِ بياضُ رَأْسِي ... وَمن مُدَّ البقاءُ لَهُ يَشيبُ) (سأصحبُه بتقوى الله حتَّى ... يفرِّق بَيْننَا الأجلُ القريبُ) وَآل أمره مَعَ الْمَأْمُون إِلَى أَن سمّه فِي رُمّانة على مَا قيل مداراةً لبني الْعَبَّاس فَلَمَّا أكلهَا وأحسَّ بِالْمَوْتِ وَعلم من أَيْن أُتِي أنْشد متمثِّلاً (فليتَ كفافاً كَانَ شرُّك كلُّه ... وخيرُك عني مَا ارتوى المَاء مرتوي) ثمَّ أرسل إِلَيْهِ الْمَأْمُون وَقَالَ مَا توصيني بِهِ فَقَالَ للرسول قل لَهُ يوصيك أَن لَا تعطيَ أحدا مَا تندم عَلَيْهِ وَكَانَ أسودَ اللَّوْن لِأَن أمَّه كَانَت سَوْدَاء فَدخل يَوْمًا حمّاماً فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مكانٍ من الحمّام إذْ دخل عَلَيْهِ جنديٌّ فأزاله عَن مركزه وَقَالَ صبَّ على رَأْسِي يَا أسود فصبَّ على رَأسه فَدخل من عرفه فصاح بالجندي هَلَكت وأهلكت أتستخدم بن بنت

стр. 6209

رَسُول الله ﷺ وَإِمَام الْمُسلمين فانثنى الجندي يقبِّل رجلَيْهِ وَيَقُول هلاّ عَصَيْتنِي إذْ أَمرتك فَقَالَ إِنَّهَا مَثوبة وَمَا أردتُ أَن أعصيك فِي مَا أثابُ عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ (لَيْسَ لي ذنبٌ وَلَا ذنبَ لمن ... قَالَ لي يَا عبدُ أَو يَا أسودُ) (إنَّما الذنبُ لمن ألبسني ... ظلمَة وَهُوَ سنًى لَا يُحمدُ) ٣ - (الْمُفِيد أَبُو سعد النَّيْسَابُورِي) عَليّ بن مُوسَى بن مُحَمَّد أَبُو سعد السُّكَّري النَّيسابوري من وُجُوه الْفُقَهَاء وحفّاظ الحَدِيث سمع الْكثير من أَصْحَاب الأصمّ جمع وخرَّج وانتخب على الْمَشَايِخ وَكتب كثيرا سمع جدَّه لأمه عُبيد الله بن عمر بن مُحَمَّد السكرِي المُزكي وَأحمد بن الْحسن الْحِيرِي وَمُحَمّد بن) مُوسَى الصَّيرفي وَغَيرهم توفّي بعد رُجُوعه من الْحَج فِي الرمل بَين الْبَصْرَة وَالْمَدينَة سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبع مائَة ٣ - (الدهّان الْمُقْرِئ الْمصْرِيّ) عَليّ بن مُوسَى بن يُوسُف الإِمَام الْمُقْرِئ الزَّاهِد أَبُو الْحسن السَّعدي الْمصْرِيّ الدهّان ولد بِالْقَاهِرَةِ سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَتُوفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وست مائَة قَرَأَ الْقرَاءَات على أبي جَعْفَر الهَمْداني وعَلى الصفراوي جمعا إِلَى آخر الْأَعْرَاف وَسمع من جمَاعَة وتصدَّر للإقراء فِي الْمدرسَة الفاضليَّة وَكَانَ عَارِفًا بالقراءات ووجوهها تامَّ الْمُرُوءَة ساعياً فِي حوائج النَّاس قَرَأَ عَلَيْهِ شمس الدّين الحاضري وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْرَائِيل القصّاع والبرهان أَبُو إِسْحَاق الوزيري وَجَمَاعَة وَتُوفِّي فجاءة ٣ - (ابْن سعيد المغربي) عَليّ بن مُوسَى بن سعيد المغربي الغُماري العَنْسي بالنُّون الأديب نور الدّين يَنْتَهِي إِلَى عمار بن يَاسر ورد من الغرب وجال فِي الديار المصرية

стр. 6210

وَالْعراق وَالشَّام وَجمع وصنّف ونظم وَهُوَ صَاحب كتاب المُغرب فِي أَخْبَار أهل المَغرب وملكتُه بخطّه وَصَاحب كتاب المُشرق فِي أَخْبَار أهل المَشرق وملكت مِنْهُ ثَلَاث مجلدات بخطّه وَكتاب الغراميّات وملكته بخطّه وَكتاب حلي الرسائل ورأيته بخطّه وكنوز المطالب فِي آل أبي طَالب وملكته بخطّه فِي أَربع مجلدات والمُرقص والمُطرب توفّي يَوْم السبت حادي عشر شعْبَان سنة ثَلَاث وَسبعين وست مائَة وَفِي تَرْجَمَة بهاء الدّين زُهَيْر شيءٌ من ذكره حكى أنَّه كَانَ فِي جمَاعَة من شعراء عصره المصريين وَفِيهِمْ أَبُو الْحُسَيْن الجزَّار فمرُّوا فِي طريقهم بمليح نَائِم تَحت شَجَرَة وَقد هبَّ الْهَوَاء فكشف ثِيَابه عَنهُ فَقَالُوا قفوا بِنَا لينظم كلٌّ منَّا فِي هَذَا شَيْئا فابتدر الأَديب نور الدّين وَقَالَ (الرّيح أقْوَد مَا يكون لأنَّها ... تبدي خفايا الرِّدف والأعكانِ) (وتميِّل الأَغصانَ عِنْد هُبوبها ... حتَّى تقبِّلَ أوجه الغدرانِ) (فَلذَلِك العُشَّاق يتَّخذونها ... رُسُلاً إِلَى الأَحباب والأَوطانِ) فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن مَا بَقِي أحدٌ منَّا يَأْتِي بِمثل ذَلِك) أَخْبرنِي الْحَافِظ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس من لَفظه قَالَ دخل عليَّ وَالِدي يَوْمًا وَأَنا أكتب فِي شَيْء من كَلَام ابْن سعيد فَقَالَ لي أيْشٍ هَذَا الَّذِي تنظر فِيهِ فَقلت شيءٌ من كَلَام ابْن سعيد فَقَالَ دَعه فإنَّه لَا بالأَديب الرَّائِق وَلَا المؤرِّخ الواثق انْتهى ولَعمري مَا أنصفه الشَّيْخ أَبُو عَمْرو فإنَّ ابْن سعيد من أئمَّة الْأَدَب المؤرِّخين المصنِّفين وَمن شعره (كأَنَّما النهرُ صفحةٌ كُتبتْ ... أسطرُها والنسيمُ مُنشِئُها) (لمَّا أبانتْ عَن حُسن منظره ... مالتْ عَلَيْهَا الغصونُ تقرؤها) وَمِنْه (أَتَى عاطلَ الجيدِ يومَ النَّوَى ... وَقد حَان موعدُنا للفراقِ) (فقلَّدْتُه بلآلي الدموعِ ... ووشَّحته بنطاقِ العناقِ)

стр. 6211

وَمِنْه (لله من أقطار جلِّقَ روضةٌ ... راقتْ لنا حِين السَّحَاب تُراقُ) (وتلوَّنتْ أزهارُها فكأَنَّها ... نزلتْ بهَا الأَحبابُ والعشَّاقُ) وَمِنْه فِي فرسٍ أبلق (وأدهمَ آخرٍ مُبيضِّ صدرٍ ... مُطار بَين أجنحةِ الرياحِ) (وَمَا هامت بِهِ الأحداقُ حتَّى ... تضمَّن شكله حَدَقَ الملاحِ) وَمِنْه (أَنا مَن علمت بشوقه ذِكرُ الْحمى ... وتُساق روحي والركابُ تُساقُ) (أخلصتُ فِي حبِّي وَكم من عاشقٍ ... فِيمَا ادَّعاه من الغرامِ نِفاقُ) (يَدْعُو الحمامُ وترقصُ الأغصانُ من ... طربٍ بهم وتصفِّق الأوراقُ) (وحدي جمعتُ من الهَوَى مثلَ الَّذِي ... جمعُوا كَذَاك تُقَسَّمُ الأرزاقُ) وَمِنْه (أشكوكمُ وَإِلَى من أشتكي ألمي ... والكلُّ رهنُ صباباتٍ وأفكارِ) (مَا ألتقي غير مشغوفٍ بحبّكُمُ ... كَمَا تجاوبُ أطيارٌ بأطيارِ) (وأرتجي جودَ ذِي بخلٍ بمنطقهِ ... وَقد رأى فِي الهَوَى ذُلِّي وإعساري) (مَا عذَّبَ الله إلَاّ من يعذِّبُهُ ... كَالْمَاءِ فِي السَّيْف أَو كالنور فِي النارِ) ) وَمِنْه (فِي جِلِّقٍ نزلُوا حَيْثُ النعيمُ غَدا ... وطوَّلاً وَهُوَ فِي الْآفَاق مُختصَرُ) (وكلُّ وادٍ بِهِ مُوسَى يُفجِّرُهُ ... وكلُّ روضٍ على حافاتهِ الخَضِرُ) وَمِنْه (يَا غصنَ روضٍ سقتهُ أدمعي مَطَرا ... وَلَيْسَ لي مِنْهُ لَا ظلٌّ وَلَا ثمرُ) (طَال انتظاري لوعدٍ لَا وفاءَ لَهُ ... وَإِن صبرتُ فقد لَا يصبرُ العُمُرُ) وَمِنْه فِي جَزِيرَة مصر (تأمَّلْ لحُسن الصالحيَّةِ إذْ بدتْ ... وأبراجها مثل النُّجُوم تلالا)

стр. 6212

(ووافى إِلَيْهَا النِّيل من بُعدِ غايةٍ ... كَمَا زار مشغوفٌ يروم وِصالا) (وعانقها من فرط شوقٍ محبُّها ... فمدَّ يَمِينا نَحْوهَا وشِمالا) وَمِنْه (فديتكَ لَا تظُنَّ بأنَّ قلبِي ... يَحولُ وَقد كسا البدرَ الظلامُ) (على مِقْدَار مَا يَنْمُو حَبِيبِي ... وينمو عمرهُ يَنْمُو الغرامُ) (عِذارُك مطربي وَيزِيد شدوا ... على الأغصانِ فِي الوَرَقِ الحمَامُ) وَمِنْه (يَا واطئ النَّرجسِ مَا تَسْتَحي ... أَن تطَأ الأعينَ بالأرجلِ) (ابلْ جفوناً بجفونٍ وَلَا ... تَبْتَذِلِ الأرفعَ بالأسفلِ) وَمِنْه (أدِرْ كؤوسكَ إنَّ الأُفقَ فِي عُرُسٍ ... وحسبُنا أنتَ ترعى حُسنكَ المُقَلُ) (البرقُ كفٌّ خصيبٌ والحيا دُرَرٌ ... والأُفقُ يُجلى وطرفُ الصبحِ مُكتحلُ) وَمِنْه (أُنْظُرْ إِلَى الغيمِ كَيفَ يَبْدُو ... وَقد أَتَى مُسبَلَ الإزارِ) (والبرقُ فِي جانبيه يُذْكي ... أنفاسَه وَهُوَ كالشَّرارِ) (مَا طابَ هَذَا النسيمُ إلَاّ ... والجوُّ فِي عنبرٍ ونارِ) وَمِنْه) (وعسجديِّ اللَّوْن أعددتُهُ ... لساعةٍ تُظْلِمُ أنوارُها) (كأَنَّهُ فِي رَهَجٍ شمعةٌ ... مصفرَّةٌ غُرَّتُهُ نارُها) وَمِنْه (جُدْ لي بِنَا ألْقى الخيالُ من الكَرَى ... لَا بدَّ للطيف المُلِمِّ من القِرَى) (واخجلتي مِنْهُ ومنك مَتى أنَمْ ... عيَّرتَني وَمَتى سهرتُ تَنَكَّرا) (أَسفي على يومٍ يَمُرُّ وليلةٍ ... لَا أنتَ تَلقانِي وَلَا طيفُ الكَرَى) (يَا من يروم قِرًى قد أُضرمتْ ... نَار الخدودِ أنِخْ على وَادي القُرى)

стр. 6213

وَمِنْه (إنَّ للجبهة فِي قلبِي هوى ... لم يكنْ عنديَ للوجهِ الجميلِ) (يرقصُ الماءُ بهَا من طربٍ ... ويميل الغصنُ للظلِّ الظليلِ) (وتودُّ الشمسُ لَو باتتْ بهَا ... فَلِذَا تصفرُّ أوقاتَ الرحيلِ) وَمِنْه (وَقد أغتدي والليلُ قد سَلَّ صحبَهُ ... بليلٍ بجلبابِ الصباحِ تلثَّما) (وأحسبُهُ خالَ الثريَّا لجامَهُ ... فصيَّر هاديه إِلَى الأُفقِ سُلَّما) وَمِنْه (وَلَا تُصْغِيَنَّ إِلَى عاذِلٍ ... فَمَا آفةُ الحبِّ إلَاّ العَذَلْ) (وجازِ بِمَا شئتَ غيرَ الجفا ... وعذِّبْ بِمَا شئتَ إلَاّ المَلَلْ) وَمِنْه (إِذا الغصونُ بدتْ خَفَّاقَةَ العَذَبِ ... فاسجدْ هُديتَ إِلَى الكاساتِ واقتربِ) (وطارحِ الوُرقَ فِي أدواحِها طَربا ... ومِلْ إِذا مالتِ الأغصانُ من طربِ) (وانهضْ إِلَى أُمِّ أُنسٍ بنتِ دَسْكَرَةٍ ... تُجلى عليكَ بإكليلٍ منَ الذهبِ) (وانظرْ إِلَى زينةِ الدُّنْيَا وزُخْرُفها ... فِي روضةٍ رَقَمَتْها أنْمُلُ السُّحُبِ) (وللأزاهرِ أحداقٌ مُحَدِّقَةٌ ... قد كحَّلَتْها يمينُ الشمسِ بالذَّهبِ) وَمِنْه (لَا أَنسَ ليلةَ وافينا لموعدنا ... والكاسُ دائرةٌ والغصنُ مُعتنِقي) ) (فقلتُ إذْ بتُّ أَسْقِي الشَّمْس فِي قدحي ... من ذَا الَّذِي صاغها قُرطاً على الأُفقِ) وَمِنْه (تقاسمه الوُرَّادُ من كلِّ وجهةٍ ... وَلَا أثرٌ يَبْدُو بِهِ للتبسُّمِ) (فلولاه مَا جاد الغمامُ بعَبرةٍ ... وَلَا الروضُ أضحى مُظهراً للتبسُّمِ) وَكتب إِلَيْهِ السِّراج الورَّاق وَمن خطِّه نقلتُ (إِذا ابنُ سعيدٍ سادَ أهل زمانِهِ ... فقُلْ لهُمُ مَا سادَ هَذَا الْفَتى سُدى) (أرى الشُّهْبَ من شرقٍ لغربٍ مسيرُها ... لتحظى بِأَن تهوي لذا النورِ سجدا)

стр. 6214

وَكتب ابْن سعيد إِلَى السرَّاج الورَّاق (أَتَى بارتسامي فِي المحبَّة مسطورُ ... فَللَّه منظومٌ هُنَاكَ ومنثورُ) (أهيمُ بمعناكم وَمعنى جَمالِكم ... وأيُّ سراجٍ لَا يهيم بِهِ النورُ) فَأجَاب السرَّاج وَمن خطّه نقلت (كتابُك نورَ نَوْرٌ مُفَتَّحٌ ... أريجُ الشذا من صوبِ عقلك ممطورُ) (تأرَّجَ لي لمَّا تبلَّجَ حبَّذا ... سطورٌ بهَا قد أشرق النَّوْرُ والنُّورُ) ٣ - (صَاحب شذور الذَّهَب) عَليّ بن مُوسَى بن عَليّ بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن خلف أَبُو الْحسن بن النَّقَرات الْأنْصَارِيّ السالمي الأندلسي الجَيَّاني نزيل فاس ولي خطابة فاس وَهُوَ صَاحب كتاب شذور الذَّهَب فِي صناعَة الكيمياء توفِّي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخمْس مائَة لم ينظم أحدٌ فِي الكيمياء مثل نظمه بلاغَةَ معانٍ وفصاحَةَ أَلْفَاظ وعذوبة تراكيب حتَّى قيل فِيهِ إِن لم يعلِّمك صَنْعَة الذَّهَب فقد علَّمك صَنْعَة الْأَدَب وَقيل هُوَ شَاعِر الْحُكَمَاء وَحَكِيم الشُّعَرَاء وقصيدته الطائيَّة أبرزها فِي ثَلَاثَة مظَاهر مظهر غزل ومظهر قصَّة مُوسَى والمظهر الَّذِي هُوَ فِي الأَصْل صناعَة الكيمياء وَهَذَا دَلِيل الْقُدْرَة والتمكُّن وأوَّلها (بزيتونة الدُّهنِ المباركةِ الْوُسْطَى ... غنينا فَلم نبدل بهَا الأثلَ والخَمْطا) (صُفُونا فآنسنا من الطورِ نارَها ... تُشَبُّ لنا وَهْناً وَنحن بِذِي الأرطى) (فلمَّا أتيناها وقرَّبَ صبرُنا ... على السَّير من بُعد الْمسَافَة مَا اشتطَّا) (نحاولُ مِنْهَا جذوةً لَا ينالها ... مِنَ النَّاس من لَا يعرف الْقَبْض والبسطا) ) (هبطنا من الْوَادي المقدِّس شاطئاً ... إِلَى الْجَانِب الغربيِّ نمتَثِلُ الشرطا) (وَقد أرجَ الأرجاءُ مِنْهَا كأَنَّها ... لطيب شذاها تحرق العُودَ والقُسطا) (وقمنا فألقينا الْعَصَا فِي طِلابها ... إِذا هِيَ تسْعَى نحونا حيَّةً رَقطا)

стр. 6215

(وثار لطيفُ النقعِ عِنْد اهتزازها ... فأظلم من نور الظهيرة مَا غطَّى) (وأهوت إِلَى مَا دُوننَا من رماله ... وأمواهِهِ والصخرِ تنهمها سَرطا) (فأَدبرَ من لَا يعرفُ السرَّ خِيفةً ... وَأَقْبل مِنْهَا من يروم بهَا سقطا) (ومدَّ إِلَيْهَا الفيلسوفُ يمينهُ ... فجاذبها أخذا وأوسعَها ضغطا) (فَصَارَت عَصا فِي كفِّه وأجنَّها ... فأخرجها بيضاءَ تجلو الدُّجى كشطا) (فَلم أرَ ثعباناً أذلَّ لعالِمٍ ... سواهَا وَلَا مِنْهَا على جاهلٍ أسطى) (هِيَ المركبُ الصعبُ المرامِ وإنَّها ... ذلولٌ ولكنْ لَا لكلِّ من استمطى) (فأَعْجِبْ بهَا من آيةٍ لمفكِّرٍ ... يُقصِّر عَن إِدْرَاكهَا كلُّ من أخطا) (وأعجبُ من أحوالها تِلْكَ عَوْدُها ... إِلَى حَالهَا بَدءاً إِذا ملكتْ هبطا) (وتفجيرُها من صخرةٍ عَشْرَ أعيُنٍ ... واثنتين تَسْقِي كلُّ واحدةٍ سِبْطا) (وتفليقُها رَهواً من البحرِ فَاسْتَوَى ... طَرِيقا فمِن ناجٍ وَمن هالكٍ غمطا) (فَتلك عصانا لَا عَصا خيزرانةٍ ... ولكنَّ لِين الدُّهنِ صيَّرها نِفطا) (وخضراءَ للشطآنِ تَحت ظلالها ... مَقيلٌ تَقِيّ عَن بردِهِ الرومَ والقِبطا) (تسيل بِمَاء الخُلد أبيضَ صافياً ... إِذا مَا شرطناها على سَاقهَا شرطا) (وَمن قبل مَا أغوى أَبَانَا بذوقها ... فذاق فأخطا وَالْقَضَاء فَمَا أخطا) (قطفتُ جناها واعتصرتُ مياهَها ... فأجمدتُ مَا استعلى وذوَّبتُ مَا انحطَّا) (وليّنة الأَعطاف قاسية الحشا ... إِذا نفثت فِي الصخر تصدعَهُ هبطا) (كأَنَّ عَلَيْهَا من زخارفِ جلدهَا ... رِدَاء من الوشيِ المُفوَّفِ أَو مِرطا) (تَوَصَّلَ إبليسٌ بهَا فِي هُبُوطه ... إِلَى الأَرضِ من عَدْنٍ ففارقها شحطا) (وَكَانَت وشَيْطائيلُ حَربًا لآدمٍ ... وحوَّاءَ مَا داما على الكرة الْوُسْطَى) (أمتُّ بهَا حيًّا وسوَّدتُ أبيضاً ... وأسرعتُ فِي قلع السوَاد فَمَا أَبْطَا) (وأحييتُ تلكَ الأرضَ من بعد مَوتهَا ... بريٍّ وَكَانَت تَشْتَكِي الجدب والقحطا) ) (ولاقطة حَبَّ الْقُلُوب بحسنها ... تُعذِّبها شوقاً وتقتلها نَحطا) (كأَنَّ العيونَ الثابتاتِ بخصرها ... عُقِدْنَ نطاقاً أَو على جيدها سِمطا)

стр. 6216

(كأَنَّ من الْبَدْر الْمُنِير مشابهاً ... وَمن أنجمُ الجوزاء فِي أذنها قُرطا) (كأَنَّ من الصُّدغ الَّذِي فَوق خدِّها ... على ورده نوناً وَمن خَاله نَقطا) (ظفرتُ بهَا بِالنَّفسِ من جِسم أُمِّها ... كَمَا ظفرتْ بِالْقَلْبِ فِي صَدره لَقطا) (ورضعتُها بالدرِّ من ثدي بنتهَا ... فَعَاشَتْ وَكَانَت قبلُ مَاتَت بِهِ عَبطا) (وصيَّرتُها بِنْتا وصيَّرتُ بنتَها ... لَهَا مُرضعاً فاعْجَبْ لراضعةٍ شَمطا) (فحالت هُنَاكَ البنتُ والأُم دفْعَة ... فَتى لم يزاحمه العِذارُ وَلَا اخْتطَّا) (لهُ منظرٌ كَالشَّمْسِ يُعطي ضياءه ... وَلَيْسَ كَمثل الْبَدْر يأخذُ مَا أعْطى) (فَهَذَا الَّذِي أعيا الأَنامَ فأضمروا ... لمن وضع الأَرمازَ فِي علمه سخطا) (وَهَذَا هُوَ الْكَنْز الَّذِي وضعُوا لَهُ ... بَرابِيَّ إخميمٍ وخصُّوا بهَا قِفطا) (وتحصيله سهلٌ بِغَيْر مشقَّةٍ ... لمن عرف التطهيرَ والعقدَ والخلطا) (وأقدرُ إنسانٍ عَلَيْهِ مُجَرَّبٌ ... أَقَامَ بنورِ الْقلب فِي وَزنه القِسطا) (أَبَا جعفرٍ خُذْها إِلَيْك يتيمةً ... تَوَرَّع لوقا أَن يورِّثها قُسطا) (ولكنَّني لمَّا رأيتُك أهلَها ... سمحتُ بهَا لفظا وأثبتُّها خطَّا) وَمن شعره أَيْضا فِي الصِّنَاعَة (لقد قلبتْ عَيْنَايَ عَن عينه قلبِي ... بليِّنة الأَعطافِ قاسية القلبِ) (يهيمُ الْفَتى الشرقيُّ مِنْهَا بغادةٍ ... تشوق إِلَى شرقٍ وترغب عَن غربِ) (هِيَ الشَّمْس إلَاّ أنَّها قَمَريَّةٌ ... هِيَ البدرُ إلَاّ أنَّه كامنُ الشُّهُبِ) (إِذا الفلكُ الناريُّ أطلع شهبها ... على الذِّروة الْعليا من الغُصُنِ الرطبِ) (تراءتْ عروساً بَرْزَةَ الْوَجْه تبتغي ... زِفافاً وَكَانَت خلفَ ألفٍ من الحُجبِ) (فزوَّجها بِكراً أخاها لأمّها ... أَبوهَا رَجَاء فِي المودَّة والقربِ) (فَعَاد بهَا حيًّا وَكَانَ فرقُها ... لَهُ سَببا أَن مَاتَ من شدَّة الحبِّ) (فجُنَّ هوى لمَّا استجنَّتْ بِنَفسِهِ ... وطارا فَقَالَت بعد جَهْدٍ لَهُ حسبي) (ولمَّا ثَنَتْهُ عَن طَبِيعَته الَّتِي ... بدتْ عنهُ إلَاّ أَن يُباعِلَها قلبِي)

стр. 6217

) (تَعَالَى عَن الْأَشْبَاه لوناً وجوهراً ... وجلَّ فَلم يُنْسَبْ إِلَى طينَةِ التُّرْبِ) قلتُ عدد أَبْيَات الشذور ألف وَأَرْبع مائَة وَتسْعُونَ بَيْتا جَمِيعهَا من هَذِه المادَّة وَهَذَا فنٌّ لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَلَا أعرف لأحدٍ مثل هَذَا نعم المتنبي وَبَعض شعراء الْعَرَب الفحول لَهُم قدرةٌ على إبراز صُورَة الْحَرْب فِي صُورَة الْغَزل فتجد حماساتهم تشبه الأغزال ٣ - (القميّ الحنفيّ) عَليّ بن مُوسَى بن يزْدَاد أَبُو الْحسن القُمِّي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ إِمَام أهل الرَّأْي فِي عصره لَهُ مصنَّفات مِنْهَا كتاب أَحْكَام الْقُرْآن وَهُوَ كتابٌ جليل توفِّي سنة خمس وَثَلَاث مائَة ٣ - (ابْن المُوَفَّق العابد) عَليّ بن الموفَّق العابد صَاحب الكرامات والمقامات قَالَ حَجَجْتُ على قدمَيَّ سِتِّينَ حجَّة مِنْهَا عَن رَسُول الله ﷺ ثَلَاثُونَ حجَّة وَتُوفِّي ﵀ ببغداذ سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ كنتُ فِي الْموقف فَسمِعت ضجيج النَّاس فَقلت اللَّهُمَّ إِن كَانَ فِي هَؤُلَاءِ من لم تقبل حجَّه فقد وهبت حجّي لَهُ ونمت فَرَأَيْت ربَّ العزَّة سُبْحَانَهُ فِي الْمَنَام وَهُوَ يَقُول يَا عليّ يَا ابْن الموفَّق أتتساخى عليَّ وَأَنا الْملك وَقد غفرتُ لأهل الْموقف وشفَّعْتُ كلَّ واحدٍ مِنْهُم فِي أهل بَيته وذرّيته وعشيرته ٣ - (ابْن عُصفور) عَليّ بن مُؤمن بن مُحَمَّد بن عَليّ العلاّمة ابْن عُصفور النَّحْوِيّ الْحَضْرَمِيّ الإشبيلي حَامِل لِوَاء الْعَرَبيَّة بالأندلس أَخذ عَن الْأُسْتَاذ أبي الْحسن الدَّبّاج ثمَّ من الْأُسْتَاذ أبي عَليّ الشَّلوبين وتصدَّر للأشغال مُدَّة لَازم أَبَا عليّ نَحوا من عشرَة أَعْوَام إِلَى أَن ختم عَلَيْهِ كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي نَحْو السّبْعين طَالبا قَالَ العلاّمة أَو حيّان الَّذِي نعرفه أَنه مَا أكمل عَلَيْهِ الْكتاب أصلا وَكَانَ أَصْبِر النَّاس على المطالعة لَا يملُّ من ذَلِك وأقرأ

стр. 6218

بإشبيلية وشريش ومالقة ولورَقَة ومُرْسية قَالَ ابْن الزبير لم يكن عِنْده مَا يُؤْخَذ عَنهُ سوى مَا ذكر يَعْنِي الْعَرَبيَّة وَلَا تأهّل لغير ذَلِك قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين وَلَا تعلُّق لَهُ بِعلم الْقرَاءَات وَلَا الْفِقْه وَلَا الحَدِيث وَكَانَ يخْدم للأمير أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن أبي زكريّاء الهِنْتاتي صَاحب تونس ولد سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مائَة بإشبيلية وَمَات بتونس فِي رَابِع عشْرين ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وست مائَة وَقيل سنة تسع وَسِتِّينَ وست مائَة وَلم يكن بِذَاكَ الْوَرع قلت كَانَ) الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تيميَّة يدَّعي أَنه لم يزل يُرْجَمُ بالنارنج فِي مجْلِس شراب إِلَى أَن مَاتَ وَمن تصانيفه كتاب المُمتع وَكتاب الْمِفْتَاح وَكتاب الْهلَال وَكتاب الأزهار وَكتاب إنارة الدياجي وَكتاب مُخْتَصر الغُرَّة وَكتاب مُخْتَصر المُحتسب وَكتاب مفاخرة السالف والعِذار وَكتاب المقرَّب فِي النَّحْو يُقَال إِن حُدُوده مَأْخُوذَة من الجزولية وَزَاد فِيهَا مَا أورد على الجزولية وَهُوَ نسختان وَكتاب البديع شرح الجزولية وَشرح المتنبّي وسرقات الشُّعَرَاء وَشرح الْأَشْعَار السِّتَّة وَشرح المقرَّب وَشرح الحماسة وَهَذِه الشُّرُوح لم يكملها وَله غير ذَلِك وَمن شعره (لما تدنَّستُ بالتفريط فِي كِبَري ... وصرتُ مُغرًى بِشرب الراح واللعَسِ) (رأيتُ أنَّ خِضاب الشيب أستر لي ... إنَّ البياضَ قليلُ الْحمل للدَّنَسِ) (عَليّ بن نَاصِر) ٣ - (الْمَدَائِنِي) عليّ بن نَاصِر بن مكّيّ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي البغداذي وَهُوَ أَخُو نصر بن نَاصِر الْأَكْبَر كَانَ أديباً شَاعِرًا سَافر إِلَى الْموصل وَمضى إِلَى مكّة وَدخل مصر وَكَانَ يمتدح النَّاس ويجتذبهم قَالَ أَبُو الْحسن بن القَطيعي لَقيته بالموصل سنة أَربع وَتِسْعين وَخمْس مائَة

стр. 6219

وَمن شعره (أعهدَ الهَوَى إنّي لذكراكَ واصلٌ ... وطيفَ الْكرَى إِنِّي لمسراكَ راقبُ) (وعهدَ التداني هَل إِلَى أربُع الْحمى ... معادٌ وَهل تُقْضى بهنَّ المآربُ) (فمنذ سرى الركبُ العراقيُّ لم يزل ... يُسامرُ قلبِي بالبكاء النواعبُ) (ومذ حبسَ الْحَادِي المطيَّ على النَّقا ... وحنَّتْ إِلَى الْوَفْد القلاصُ النجائبُ) (أراق دمي للبينِ دمعٌ أرَقْنه ... غَدَاة اعتنقنا للفراق الحبائبُ) (وأصمى فُؤَادِي سهمُ لحظٍ رَمَتْ بِهِ ... وَقد ودَّعتني بِالسَّلَامِ الحواجبُ) (عَليّ بن نصر) ٣ - (أَبُو القَاضِي عبد الوهّاب) عَليّ بن نصر بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن هَارُون بن مَالك أَبُو الْحسن الْمَالِكِي البغداذي أَبُو القَاضِي عبد الْوَهَّاب كَانَ من أَعْيَان الشُّهُود المعدَّلين توفّي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَثَلَاث مائَة ٣ - (ابْن سعدٍ الْكَاتِب) عَليّ بن نصر بن سعد بن مُحَمَّد أَبُو تُرَاب الْكَاتِب وَالِد عَليّ بن عَليّ ولد بعُكْبَرا وَقدم بغداذ وَقَرَأَ الْأَدَب على أبي الْقَاسِم بن برهَان النَّحوي وَانْحَدَرَ إِلَى الْبَصْرَة وَكتب لنقيب الطالبيين ثمَّ عَاد إِلَى بغداذ وَنزل بالكَرْخ وَولي الْكِتَابَة أَيْضا لنقيب الطالبيين إِلَى أَن توفّي سنة ثَمَان عشرَة وَخمْس مائَة وَكَانَ كَاتبا شَاعِرًا وَمن شعره (حَالي بِحَمْد الله حالٌ جيّدٌ ... لكنَّه من كلِّ حظٍّ عاطلُ) (مَا قلتُ للأيام قولَ مُعاتبٍ ... والرزقُ يدْفع راحتي ويُماطلُ) (إلَاّ وقالتْ لي مقالَةَ واعظٍ ... الرزقُ مقسومٌ وحرصُك باطلُ) ٣ - (الفَنْدُورَجي الْكَاتِب) عَليّ بن نصر بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمد الفَنْدُورَجي وفَنْدُورَج قريةٌ بنواحي نَيسابور سكن إسفرايين وَكَانَت لَهُ معرفَة باللغة والأَدب وَله ترسل

стр. 6220

كَانَ ينشئُ من ديوَان الوزارة بخراسان ومولده سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة ووفاته فِي حُدُود خمسين وَخمْس مائَة وَمن شعره (قد قصَّ أجنحةَ الْوَفَاء وطار من ... وَكْرِ الوداد المحضِ والإخلاصِ) (والحُرُّ فِي شَبَك الْجفَاء وَمَا لَهُ ... من أسرِ حادثةٍ رجاءُ خلاصِ) ٣ - (البَرْنيقي اللّغَوِيّ) عَليّ بن نصر بن سُلَيْمَان البَرْنيقي أَبُو الْحسن اللّغَوِيّ قَالَ ياقوت رأيتُ بخطِّه كتبا أدبيَّة ولغويَّة ونحويَّة فَوَجَدته حسنَ الْخط مُتقن الضَّبْط وَكَانَ مقَامه بِمصْر ولعلَّه من أَهلهَا وقُرئ عَلَيْهِ كتاب الْهَمْز لأبي زيد الْأنْصَارِيّ بِجَامِع مصر فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَلَاث مائَة ٣ - (ابْن الطَّبِيب النَّصْرَانِي) عَليّ بن نصر النَّصْرَانِي أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن الطَّبِيب الْكَاتِب ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق) النديم وَقَالَ كَانَ أديباً مصنِّفاً مَاتَ سنة سبع وَسبعين وَثَلَاث مائَة وَله عدَّة كتب قَالَ وَكَانَ يذاكرني بهَا وَأَحْسبهُ لم يتمِّم أَكْثَرهَا فَمن كتبه كتاب البراعة وَكتاب صُحْبَة السُّلْطَان أَكثر من ألف ورقة وَكتاب إصْلَاح الْأَخْلَاق نَحْو من ألف وَخمْس مائَة ورقة حكم وأمثال ٣ - (الجهضميّ) عَليّ بن نصر الجهضميّ الْبَصْرِيّ وَالِد الْحَافِظ عَليّ بن نصر وَكَانَ من أَصْحَاب الْخَلِيل بن أَحْمد فِي الْعَرَبيَّة وصديقاً لسيبويه توفِّي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وروى لَهُ الْجَمَاعَة ٣ - (الجهضميّ) عَليّ بن نصر بن عَليّ بن نصر بن عَليّ الجهضميّ الْبَصْرِيّ من

стр. 6221

أَوْلَاد الْعلمَاء وأظنّه من أَوْلَاد هَذَا الْمَذْكُور قبل توفّي فِي حُدُود الْخمسين وَمِائَتَيْنِ وروى عَنهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ والنَّسائي ٣ - (أَبُو الْحسن المناديلي الْحَافِظ) عَليّ بن أبي نصر أَبُو الْحسن المناديلي النَّيْسَابُورِي الْحَافِظ كَانَ من نَوَادِر الزَّمَان جمع مَا لم يجمعه غَيره من أَنْوَاع الْعُلُوم حتَّى فاق أقرانه فِي الْقرَاءَات وَمَعْرِفَة الرِّجَال والمتون والطب وَغير ذَلِك وَبَالغ الْحَافِظ عبد الغافر فِي وَصفه وتوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة ٣ - (ابْن البنَّاء رَاوِي التِّرْمِذِيّ) عَليّ بن نصر بن الْمُبَارك بن أبي السيّد بن مُحَمَّد أَبُو الْحسن الوَاسِطِيّ ثمَّ البغداذي ثمَّ المكّي المولد وَالدَّار الخلاّل الْمَعْرُوف بِابْن البنَّاء رَاوِي جَامع التِّرْمِذِيّ عَن أبي الْفَتْح الكَرُوخي حدَّث بمكَّة والإسكندرية ومصر ودمياط وقُوص وَسمع مِنْهُ هَذَا الْكتاب خلقٌ كثير وَهُوَ آخر من رَوَاهُ عَن الكَرُوخي وتوفِّي سنة نن وَعشْرين وست مائَة ٣ - (مهذَّب الدولة) عَليّ بن نصر أَبُو الْحسن مهذَّب الدولة صَاحب البَطيحة كَانَ جواداً مُمَدَّحاً صَاحب ذمَّةٍ ووفاء وَهُوَ الَّذِي استجار بِهِ الْقَادِر بِاللَّه فأجاره وَمنعه من الْمُطِيع وَقَامَ فِي خدمته أتمّ قيام وَكَانَ النَّاس يلجأون إِلَيْهِ فِي الشدائد فيجيرهم وَيقوم بأمرهم ويبذل نَفسه وَمَاله دونهم وَكَانَ يرْتَفع لَهُ من المَغَلِّ فِي كلِّ سنة ثَلَاثُونَ ألف كُرّ على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وَمن الرزق ألف ألف) وَسبع مائَة وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم يُنفق معظمها على القُصَّاد وأرباب الْبيُوت عَاشَ نيِّفاً وَسبعين سنة وَتُوفِّي ﵀ سنة تسع وَأَرْبع مائَة وَأقَام بالبطيحة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وشهوراً

стр. 6222

٣ - (نور الدّين الْخَطِيب الْمصْرِيّ الشَّافِعِي) عَليّ بن نصر الله بن عمر بن عبد الْوَاحِد الْقرشِي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الشَّيْخ الإِمَام الْفَاضِل الْخَطِيب المعمَّر الْمسند نور الدّين كَانَ خطيب قَرْيَة بِظَاهِر الْقَاهِرَة روى أَكثر صَحِيح النَّسائي عَن عبد الْعَزِيز بن باقا وَسمع أَيْضا من جَعْفَر الْهَمدَانِي وَالْعلم ابْن الصَّابُونِي وَأَجَازَ لَهُ أَبُو الْوَفَاء بن مندَه وَأَبُو سعد الْمَدِينِيّ وعدَّة وتفرَّد ورحلوا إِلَيْهِ وَكَانَ خَاتمه من سمع شَيْئا من ابْن باقا سمع مِنْهُ الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكي والواني وَابْن خلف وَابْن المهندس وَابْن حَرَمي وعدة وَظهر للنَّاس بعد رحْلَة الشَّيْخ شمس الدّين من مصر وأثنوا عَلَيْهِ مَاتَ عَن نيِّفٍ وَتِسْعين سنة فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَسبع مائَة ٣ - (عزَّ الدّين بن الماسح الشَّافِعِي) عَليّ بن نصر بن جمال الْأَئِمَّة أبي الْقَاسِم عَليّ بن أبي الْفَضَائِل الْحسن بن الْحسن بن أَحْمد الْفَقِيه الرئيس عز الدّين أَبُو الْحسن الْكلابِي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن الماسح ولي الْوكَالَة السُّلْطَانِيَّة بحرَّان وَانْقطع إِلَى شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين وَولي التدريس بالجامع الظافري وتوفِّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وست مائَة ٣ - (قَاضِي مصر) عَليّ بن النُّعْمَان بن مُحَمَّد بن مَنْصُور المغربي ثمَّ الْمصْرِيّ قَاضِي مصر أَبُو الْحسن كَانَ متفنِّناً فِي عدَّة عُلُوم شَاعِرًا مجوِّداً توفّي فِي شهر رَجَب وَهُوَ كهل سنة أَربع وَسبعين وَثَلَاث مائَة وَمن شعره (ولي صديقٌ مَا مسَّني عَدَمٌ ... مذ وقعتْ عينُهُ على عَدَمي) (أغْنى وأقنى وَمَا يكلّفني ... تقبيلَ كفٍّ لَهُ وَلَا قَدَمِ) (قَامَ بأَمْري لمَّا قعدتُ بِهِ ... ونمتُ عَن حَاجَتي وَلم ينم)

стр. 6223

٣ - (السديد النيلي) عَليّ بن النفيس بن خَمِيس الْمَعْرُوف بالسديد النيلي من أهل بغداذ كَانَ أديباً فَاضلا يحفظ) كتاب الْإِصْلَاح والتكملة وَكتب كثيرا بخطِّه وَله نظم ونثر توفّي بعد التسعين وَخمْس مائَة وَلم يبلغ الثَّلَاثِينَ وَمن شعره (مَا يستفيقُ القلبُ من إطرابِهِ ... وَلَا يَمَلُّ الطَّرْفُ من تَسكابِهِ) (أَو تكتسي غصونُ بانات الْحمى ... ويعجب الرائدُ من أعشابِهِ) (وينبت الربيعُ فِي ربوعه ... وتُبْدَل الظباءُ من ضِبابِهِ) (وَترجع الوُرْقُ على أفنانه ... سواجعاً كيداً على غُرابِهِ) ٣ - (ابْن زرَّاع النَّهْدِيّ) عَليّ بنُ نُفَيل الحرَّاني هُوَ ابنُ زرَّاع النَّهْدِيّ الحرَّاني جدُّ أبي جَعْفَر النُّفيلي الْحَافِظ روى عَن سعيد بن المسيَّب قَالَ أَبُو حَاتِم لَا بَأْس بِهِ توفِّي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة وروى لَهُ النَّسائي وَابْن ماجة (عَليّ بن هَارُون) عَليّ بن هَارُون بن عَليّ بن يحيى بن أبي مَنْصُور الشاعرُ المنجِّم أَبُو الْحسن كَانَ نديم المتوكّل خاصًّا بِهِ متقدِّماً عِنْده وانتقل إِلَى مَن بعده من الْخُلَفَاء وَلم يزل مكيناً عِنْدهم حظيًّا لديهم يجلس بَين أَيدي أسرَّتهم ويُفضون إِلَيْهِ بأسرارهم ويأمنونه على أخبارهم وَكَانَ قبل اتِّصَاله بالخلفاء يلوذُ بِمُحَمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المُصْعَبي ثمَّ اتَّصل بِالْفَتْح بن خاقَان وَعمل لَهُ خزانَة كتبٍ أكثرُها حِكْمَة قلت كَذَا قَالَ ابْن خلِّكان وَهُوَ وهم مِنْهُ لِأَن هَذِه التَّرْجَمَة تَرْجَمَة جدِّه عَليّ بن يحيى وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى لأنَّ المتَوَكل توفِّي سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ إنَّه قَالَ عَاشَ إِلَى أَن خدم

стр. 6224

الْمُعْتَمد وَالْمُعْتَمد توفِّي سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي بعد مولد هَذَا عَليّ بن هَارُون بِسنتَيْنِ وإِنَّما هَذَا كلّه من تَرْجَمَة جدّه عَليّ بن يحيى على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَولد سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَقبل سنة ستّ توفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَثَلَاث مائَة وَمن كتبه كتاب النورُوز والمهرجان كتاب الردّ على الْخَلِيل فِي الْعرُوض كتاب الرسَالَة فِي الْفرق بَين إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي فِي الْغناء كتاب ابْتَدَأَ فِيهِ بِنسَب أَهله عمله للمهلَّبي الْوَزير وَلم يتم كتاب اللَّفْظ الْمُحِيط بِنَقْض مَا لفظ بِهِ اللَّقِيط عَارض بِهِ كتاب أبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ كتاب الْفرق والمعيار بَين الأوغاد والأَحرار كتاب القوافي عمله) لعضد الدولة وَمن شعره (بِأبي وَالله مَن طَرَقا ... كابتسام الْبَرْق إنْ خَفَقَا) (زادني شوقاً بِرُؤْيَتِهِ ... وحشا قلبِي بِهِ حُرَقا) (مَن لقلبٍ هائمٍ كَلِفٍ ... كلَّما سكَّنتهُ خَفَقَا) (زارني طيفُ الحبيب فَمَا ... زَاد أَن أغرى بِهِ الأَرَقَا) وَمِنْه (بيني وَبَيْنك فِي الهَوَى أسبابُ ... وَإِلَى المحبَّةِ ترجعُ الأَنسابُ) (يَا غَائِبا بكتابه ووصاله ... هَل يُرْتجى من غيبتيك إيابُ) (لَوْلَا التعلُّلُ بالرجا لتقطَّعَتْ ... نَفْسٌ عَلَيْك شعارُها الأوصابُ) (لَا تأسَ من رَوح الْإِلَه فربَّما ... يصلُ القَطوعُ ويَحْضُرُ الغُيَّابُ) وَمِنْه مَا كتبه إِلَى ابْن الْخَوَارِزْمِيّ وَقد وَثِئت رجله (كَيفَ نالَ العثارُ مَن لم يول من ... هـ مُقيلاً فِي كلِّ خطبٍ جسيمِ) (أَو ترقَّى الردى إِلَى قدمٍ لم ... تَخْطُ إلَاّ إِلَى مقامٍ كريمِ) ٣ - (القرميسيني النَّحْوِيّ) عَليّ بن هَارُون بن نصر القرميسيني النَّحْوِيّ أَبُو الْحسن

стр. 6225

أَخذ عَن عليّ ابْن سُلَيْمَان الْأَخْفَش وَأخذ عَنهُ عبد السَّلَام الْبَصْرِيّ وتوفِّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَثَلَاث مائَة ومولده سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ ٣ - (الخزَّار الْكُوفِي) عَليّ بن هَاشم بن البَرِيد أَبُو الْحسن الْقرشِي مَوْلَاهُم الخزَّار الْكُوفِي وثَّقه ابْن مَعين وَغَيره وَكَانَ شيعيًّا بغيضاً وَقَالَ أَبُو دَاوُد ثَبْتٌ يتشيَّع وَقَالَ ابْن حِبَّان روى الْمَنَاكِير وتوفِّي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وروى لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة (عَليّ بن هبة الله) عليّ بن هبة الله بن جَعْفَر بن علكان بن مُحَمَّد بن دلف بن أبي دُلَف الْقَاسِم بن عِيسَى وَتَمام النّسَب سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي تَرْجَمَة الْقَاسِم أَبُو نصر بن أبي الْقَاسِم بن ماكُولا كَانَ أَبوهُ وَزِير جلال الدولة بن بُوَيه وَكَانَ عمُّه أَبُو عبد الله الْحسن ين جَعْفَر قَاضِي الْقُضَاة ببغداذ الْحَافِظ أَبُو الْحسن الجَرْباذقاني يُلقَّبُ بالأَمير كَانَ لبيباً عَارِفًا ترشَّح للْحِفْظ حتَّى كَانَ يُقَال لَهُ الْخَطِيب الثَّانِي قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ سمعتُ شَيخنَا عبد الوهَّاب يقْدَح فِيهِ وَيَقُول الْعلم يحْتَاج إِلَى دين صنَّف كتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف جمع فِيهِ بَين كتاب الدَّارَقُطْنِيّ وَعبد الْغَنِيّ والخطيب وَزَاد عَلَيْهِم زيادات كَثِيرَة وَله كتاب الوزراء وَكَانَ نحويًّا مجوِّداً وشاعراً صَحِيح النَّقْل مَا كَانَ فِي البغداذيين فِي زَمَانه مثله سمع أَبَا طَالب بن غَيلان وَأَبا بكر بن بِشران وَأَبا الْقَاسِم بن شاهين وَأَبا الطيِّب الطَّبَرِيّ وسافر إِلَى الشَّام والسواحل وديار مصر

стр. 6226

والجزيرة والثغور وَالْجِبَال وَدخل بِلَاد خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وجال فِي الْآفَاق وُلد بعُكْبَرا سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبع مائَة وتوفِّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مائَة قَالَ الحُمَيْدي خرج إِلَى خُرَاسَان وَمَعَهُ غلْمَان لَهُ تُرك فَقَتَلُوهُ بجرجان وَأخذُوا مَاله وهربوا وطاح دمُه هدرا ومدحه ابْن صُرَّ دُرَّ الشَّاعِر وَمن شعر ابْن ماكُولا (ولمَّا تفرَّقنا تباكتْ قُلُوبنَا ... فمُمسكُ دمعٍ عِنْد ذَاك كساكِبهْ) (فيا نفسيَ الحرَّى الْبسي ثوبَ حسرةٍ ... فراقُ الَّذِي تهوينَه قد كساكِ بهْ) وَمِنْه (فؤادٌ مَا يُفيق من التصابي ... أطَاع غرامه وَعصى النواهي) (وَقَالُوا لَو تصبَّر كَانَ يسلو ... وَهل صبرٌ يساعدُ والنَّوى هِي) وَمِنْه (أليسَ وقوفُنا بديارِ هندٍ ... وَقد رَحل القطينُ من الدَّوَاهِي) (وهندٌ قد غدتْ دَاء لقلبي ... إِذا صدَّت ولكنَّ الدَّوا هِي) وَمِنْه (علَّمَتْني بهجرها الصبرَ عَنْهَا ... فهيَ مشكورةٌ على التقبيحِ) ) (وأرادتْ بِذَاكَ قبحَ صنيعٍ ... فعلتْه فكانَ عينَ المليحِ) وَمِنْه (أقولُ لقلبي قد سلا كلُّ واحدٍ ... ونفَّضَ أثوابَ الهَوَى عَن مناكبهْ) (وحبُّك مَا يزْدَاد إلَاّ تجدُّداً ... فيا لَيْت شِعري ذَا الهَوَى مَن مَناك بِهْ) وَمِنْه (تجنَّبتُ أبوابَ الْمُلُوك لأنَّني ... علمتُ بِمَا لم يعلمِ الثَّقَلانِ) (رأيتُ سُهيلاً لم يَحِدْ عَن طَرِيقه ... من الشمسِ إلَاّ من مقَام هوان)

стр. 6227

٣ - (ابْن أثُرْدي) عليّ بن هبة الله بن عَليّ بن أثُرْدي وَسَيَأْتِي وَالِده أَبُو الْغَنَائِم فِي حرف الْهَاء فِي مَكَانَهُ وَهُوَ وَالِد أبي الْغَنَائِم سعيد بن عَليّ بن أثُرْدي وَقد تقدَّم ذكره فِي حرف السِّين كَانَ أَبُو الْحسن صَاحب هَذِه التَّرْجَمَة طَبِيبا فَاضلا مَشْهُورا بالتقدُّم فِي صناعَة الطِّبّ وجودة الْمعرفَة جيِّد المعالجة جيِّد التصنيف وَله شرح مسَائِل كتاب دَعْوَة الأطبَّاء ألَّفه لأبي الْعَلَاء مَحْفُوظ بن المسبِّحي الطَّبِيب ٣ - (قوام الدّين بن الزَّاهِد) عليّ بن هبة الله بن الْعَلَاء بن مَنْصُور بن الْوَلِيد أَبُو الْحسن بن أبي الْمَعَالِي المَخْزُومِي قوام الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الزَّاهِد البغداذي كَانَ من الْأَعْيَان وتولَّى النّظر بالمنائر مدَّةً ثمَّ جُعل مشرفاً على ابْن يُونُس الْوَكِيل بِبَاب الْحُجْرَة وتولَّى الْوكَالَة للأمير بن نصر بن الإِمَام النَّاصِر مدَّةً ثمَّ عُزل سمع الحَدِيث من مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الصَّائِغ وَأبي الْوَقْت ونُفي إِلَى الْبَصْرَة توفِّي سنة تسع وَتِسْعين وَخمْس مائَة ٣ - (القَاضِي ابْن البُخَارِيّ) عليّ بن هبة الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن البُخَارِيّ أَبُو الْحسن البغداذي وَالِد قَاضِي الْقُضَاة أبي طَالب كَانَ فَقِيها فَاضلا حسن المناظرة قَرَأَ الْفِقْه على أسعد المِيهَني وَأبي مَنْصُور بن الرزَّاز وَسمع من وَالِده وَمن عَليّ بن أَحْمد ابْن بَيَان وَمُحَمّد بن سعيد بن نَبهَان وَغَيرهم وَولي الْقَضَاء بقُونية توفِّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة ٣ - (بهاء الدّين بن الجُمَّيْزي الشَّافِعِي) ) عليّ بن هبة الله بن سَلامَة بن الْمُسلم بن أَحْمد بن عَليّ الإِمَام العلاّمة مُسند الديار المصرية بهاء الدّين أَبُو الْحسن اللَّخْمِيّ

стр. 6228

الْمصْرِيّ بن الجُمَّيْزي الشَّافِعِي الْخَطِيب المدرِّس ابْن بنت أبي الفوارس ولد سنة تسع وَخمسين وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة تسع وَأَرْبَعين وست مائَة حفظ الْقُرْآن وَهُوَ ابْن عشر سِنِين أَو أقل ورحل مَعَ أَبوهُ وَسمع بِدِمَشْق ورحل مَعَ أَبِيه إِلَى بغداذ وَقَرَأَ بالقراءات الْعشْر على أبي الْحسن عَليّ بن عَسَاكِر البَطائحي بكتابه الَّذِي صنَّفه فِي الْقرَاءَات وَهُوَ آخر من قَرَأَ عَلَيْهِ وَآخر من روى عَنهُ بِالسَّمَاعِ وَسمع بالإسكندرية من السِّلفي وتفرَّد عَنهُ بأَشْيَاء وَعَن غَيره وتفقَّه بِمصْر على أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مَنْصُور القَرافي وخطب مُدَّة بِجَامِع الْقَاهِرَة وَكَانَ رَئِيس الْعلمَاء بِالْقَاهِرَةِ فِي وقته معظَّماً عِنْد الخاصَّة والعامَّة وَلَا يُعلمُ أحدٌ سمع من السِّلفي وَابْن عَسَاكِر وشُهْدَة سواهُ إلَاّ الْحَافِظ عبد الْقَادِر بن عبد الله وروى عَنهُ خلقٌ من أهل دمشق وَأهل مَكَّة وَأهل مصر مِنْهُم الزكيَّان الْمُنْذِرِيّ والبِرْزلي وَابْن النجَّار والدمياطي وَابْن دَقِيق الْعِيد وَجَمَاعَة ٣ - (نور الدّين بن الشهَاب الشَّافِعِي) عليّ بن هبة الله بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة نور الدّين بن الشهَاب الإسنائي كَانَ فقيهَّ مُفتياً سمع من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد والحافظ عبد الْمُؤمن وقاضي الْقُضَاة بدر الدّين بن جمَاعَة وَحفظ مُخْتَصر مُسلم للمُنذري وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ بهاء الدّين هبة الله بن عبد الله بن سيِّد القِفطي وَالشَّيْخ جلال الدّين أَحْمد الدِّشناوي وبرع فِي الْفِقْه وَكتب الروضةَ بخطِّه بمكَّة لمَّا حجّ وَهُوَ أوَّل من أدخلها قُوص وَكَانَ يستحضر أَكْثَرهَا وغالبها وتولَّى الحكم بأُدْفو وقِنا وَكَانَت طَرِيقَته حَسَنَة ودرَّس بالعزِّيَّة بقُوص والمدرسة المجديَّة ورباط ابْن الْفَقِيه نَصر ودرَّس بدار الحَدِيث بقُوص ودارت عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَكَانَ فِيهَا مُسدَّداً وَكَانَ أمَّاراً بِالْمَعْرُوفِ نهَّاءً عَن الْمُنكر وَله تَهَجُّدٌ فِي اللَّيْل وَكَانَ مَهيباً متواضعاً وتزوَّج بأخت الصاحب نجم الدّين حَمْزَة بن الأصْفوني ولمَّا توفّي طُلب أَصْحَابه فهرب الشَّيْخ وتغيَّب سبعين يَوْمًا حفظ فِيهَا المنتخَب فِي الأُصول وَتُوفِّي بقوص سنة سبع وَسبع مائَة كَانَ بعض النَّصَارَى أسلم وَله ولد نَصْرَانِيّ وَأَوْلَاد ولد أَطْفَال فَقَالَ فِي إلحاقهم بجدِّهم وَأفْتى بِهِ متَّبعاً مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيّ عَن بَعضهم وَقَالَ إنَّه الْأَقْرَب وَجرى فِي ذَلِك صراع كَبِير وَألْحق بَعضهم بجدّه فَقيل إِن النَّصَارَى تحيَّلوا وسقوه سمًّا فَحصل لَهُ ضعفٌ وإسهال توفّي) بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ نور الدّين الْمَذْكُور نقل عنِّي بعض أَوْلَاد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد نقل

стр. 6229

عنِّي لَهُ كلَاما من جملَته أنِّي قلت أَنا أفقه مِنْهُ وصرت أحضر عِنْد الشَّيْخ الدَّرْس وَأرى فِي نَفسه منِّي شَيْئا فَقَالَ الشَّيْخ يَوْمًا فِي الدَّرْس وَقد ذكر مَوَانِع الْمِيرَاث ثَمَّ مانعٌ آخر وأمهلتكم فِيهِ شهرا قَالَ فَأخذت فِي استحضار الْقُرْآن الْكَرِيم ثمَّ فِي الحَدِيث النَّبَوِيّ فَجرى على ذهني قَوْله ﷺ نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَث فَقلت يَا سَيِّدي وَإِن كَانَ مفقوداً فِي زَمَاننَا فشعر أنِّي عَرفته فَقَالَ قل فقلتُ النبوَّة ٣ - (الأرمنتي) عليّ بن هبة الله بن مُحَمَّد الأرمنتي ذكره صَاحب الأرج الشائق وَأنْشد لَهُ من قصيدة مدح بهَا ابْن حسَّان الإسنائي (أرى الظبيَ من بعد الزِّيَارَة مُزْوَرَّا ... وأبدَى من الإعراضِ والصدِّ مَا ضرَّا) (وفوَّق من قِسْي الحواجب أسهماً ... وجرَّدَ للعشَّاقِ من لحظه بُتْرا) (وقَدَّ بِذَاكَ القدِّ قلبِي تعمُّداً ... وبَلْبَلَ لي البلبالَ إذْ بَلْبَلَ الشَّعْرا) (وَلما بدا لي أنَّه غيرُ منصفي ... وأنَّ قُصارى مَا أفوزُ بِهِ نَزْرا) (صرفتُ اهتمامي بالمديحِ لسيِّدٍ ... يزِيد امتداحي من مناقبه فخرا) ٣ - (شرف الدّين الإسنائي) عليّ بن هبة الله بن عَليّ بن السديد شرف الدّين الإسنائي انْتَهَت إِلَيْهِ رئاسة بَلَده سمع من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد وَحضر مجْلِس إمْلَائِهِ واشتغل بالفقه مُدَّة بِالْقَاهِرَةِ وَتَوَلَّى الحكم بأَصْفون وناب فِي الحكم بإِسنا وَكَانَ يتصدَّق كثيرا تصدَّق مرَّةً فِي الْعِيد بسبعين إرْدَبًّا ثمَّ بَاشر فِي الخِدَم الديوانيَّة وَولي نظر أُدْفو وإسنا وتوفِّي سنة سِتّ وَسبعين وست مائَة (عَليّ بن هِشَام) ٣ - (ابْن أبي قِيرَاط الْكَاتِب) عَليّ بن هِشَام بن عبد الله بن أبي قِيرَاط أَبُو الْحسن الْكَاتِب البغداذي حدَّث عَن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الحُصَيني وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة النَّحْوِيّ نِفطويه وأبَوَي عبد الله زنجي الْكَاتِب والباقطاي وروى عَنهُ أَبُو عَليّ المحسِّن التنوخي وَكَانَ كَاتبا شَاعِرًا مولده سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ووفاته سنة تسع وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة وَمن شعره

стр. 6230

(ضنى جسمي أَبَا حسنٍ وَمَعِي ... شهيدٌ لي بِمَا تُخفي الضلوعُ) (فشاهد صحَّةِ الْبلوى سَقامي ... وشاهدُ صحَّةِ الشكوى الدموعُ) وَمِنْه (أيا بديعاً بِلَا شبيهِ ... وَيَا حَقِيقا بكلِّ تِيهِ) (يَا مَن جفاني فَلَا أراهُ ... هبْ لي رُقاداً أراكَ فيهِ) ٣ - (قَائِد الْمَأْمُون) عَليّ بن هِشَام بن فرَّخُسْرَو أَبُو الْحسن الْقَائِد المَروزي أحد قوَّاد الْمَأْمُون وندمائه كَانَ قَرِيبا إِلَيْهِ فرُفع إِلَى الْمَأْمُون سوء سيرته فِي الرعيَّة وَكَانَ قد ولاّه كُوَرَ الْجبَال فَقتل الرِّجَال وَأخذ الْأَمْوَال فوجَّه الْمَأْمُون إِلَيْهِ عُجَيف بن عَنْبَسَة فَأَرَادَ أَن يفتك بعجيف ويلحف ببابَك الخُرَّمي فظفر بِهِ عجيف وَقدم بِهِ على الْمَأْمُون فَأمر بِضَرْب عُنُقه فَقتله عَليّ بن الْخَلِيل ابْن أَخِيه وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى بغداذ وخراسان والجزيرة وَالشَّام ومصر وطيف بِهِ ثمَّ أُلقي فِي الْبَحْر وَكتب الْمَأْمُون رقْعَة على الرَّأْس أمَّا بعد فإنَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ دَعَا عَليّ بن هِشَام فِي من دَعَا أيَّام المخلوع من أهل خُرَاسَان إِلَى معاونته فَأجَاب فرعى لَهُ ذَلِك وولاّه الأَعمال السنيَّة وَوَصله بالصلات الجزيلة فبلغت أَكثر من خمسين ألف ألف دِرْهَم فمدَّ يَده إِلَى الْخِيَانَة والتضييع لما استرعاه من الْأَمَانَة فباعده عَنهُ وأقصاه ثمَّ استقال أَمِير الْمُؤمنِينَ فأقاله عثرتَه وولاّه الْجبَال وإرمينية وأذربيجان ومحاربَةَ أَعدَاء الله الخُرَّميَّة على أَن لَا يعود إِلَى مَا كَانَ فأساء السِّيرَة وعسف الرعيَّة وَسَفك الدِّمَاء المحرَّمة فَوجه أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْهِ عجيف بن عَنْبَسَة مباشراً لأَمره وداعياً إِلَى) تلافي مَا كَانَ مِنْهُ فَوَثَبَ على عجيف يُرِيد قَتله فظفر بِهِ وَدفعه عَن نَفسه وَلَو تمَّ مَا أَرَادَ بعجيف لَكَانَ فِي ذَلِك مَا لَا يُستدرك وَلَا يُستقال وَلَكِن إِذا أَرَادَ الله أمرا كَانَ مَفْعُولا فلمَّا أمضى أَمِير الْمُؤمنِينَ من حُكم الله فِي عَليّ بن هِشَام رأى أَن لَا يُؤَاخذ من خلَّف بِذَنبِهِ وأجرى على من ترك من وَلَده وَعِيَاله وَمن أصلابهم بعد مماته مَا كَانَ جَارِيا عَلَيْهِم فِي حَال حَيَاته وَالسَّلَام

стр. 6231

وَكَانَ عَليّ بن هِشَام فَاضلا شَاعِرًا وَكَانَ الْمَأْمُون يزوره فِي بَيته وَمن شعر عَليّ بن هِشَام (يَا موقِدَ النَّار يُذكيها فيجمدُها ... قُرُّ الشتَاء بأرياحٍ وأمطارِ) (قُم فاصطلِ النارَ من أحشايَ مُضرمةً ... بالشوقِ تغنَ بهَا يَا مُوقد النارِ) (وَيَا أَخا الذَّوْدِ قد طالَ الظَّماءُ بهَا ... مَا تعرفُ الرِّيَّ من جدبٍ وإقتارِ) (رُدَّ العطاشَ على عَيْني ومَحجرِها ... تُرْوَ العطاشُ بدمعٍ واكفٍ جاري) (إِن غَابَ شخصُك عَن عَيْني فَلم تَرضهُ ... فإنَّ ذكرك مقرونٌ بإضماري) (عَليّ بن هِلَال) ٣ - (ابْن البوَّاب الْكَاتِب) عَليّ بن هِلَال أَبُو الْحسن الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن البوَّاب وَكَانَ أَبوهُ يُعرف بالسِّتْري بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء ثَالِثَة الْحُرُوف وَبعدهَا رَاء نِسْبَة إِلَى السِّتْر لأنَّ البوَّاب يلازم السّتْر هُوَ صَاحب الخطّ الْفَائِق الَّذِي لم يُرزق أحدٌ فِي الْكِتَابَة سعادته بِإِجْمَاع النَّاس عِلّة أنَّ الوليَّ العجمي كتب خيرا مِنْهُ فِيمَا أرى وَلَا يَجْسُر أحدٌ على قَول ذَلِك وأوَّل من عرَّب الْخط من الْكُوفِي ابْن مُقلة لَكِن بَقِي فِيهِ تكويفٌ مَا إِلَى أَن جَاءَ ابْن البوَّاب هَذَا فزاده تعريباً ودوَّر حروفَه وَوضع هَذَا الضَّبْط على مَا قيل وَقَالَ ابْن البوَّاب مَا كتبتُ يَوْم السبت مثلَ يَوْم الْخَمِيس قطّ قلت معنى هَذَا الْكَلَام أَنه يكتبُ كلَّ يَوْم فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة استراح فَلَا يكْتب شَيْئا وَفَائِدَة هَذَا الْكَلَام أَن الْكِتَابَة تقوى بالإدمان وتضعف بِالتّرْكِ وَيُقَال إِنَّه كَانَ يتصدَّق بالحروف يكْتب الْحَرْف ويهبه للصعلوك فيتوجَّه بِهِ ويبيعه للكتَّاب بِمَا يتَّفِق لَهُ من الثّمن وَيُقَال إِنَّه وُجد لَهُ سريرٌ ملآن مسودَّاتٍ جَمِيعهَا صُورَة الشدَّة كَذَا قيل وَزعم بعض الْفُضَلَاء أنَّ خطَّه ثَلَاث طَبَقَات سفلى ووسطى وعليا فالسفلى أول كِتَابَته واسْمه فِيهَا عَليّ بن هِلَال بِأَلف بَين اللامين وَالْوُسْطَى أَوسط كِتَابَته واسْمه فِيهَا عَليّ بن هليل بياء) آخر الْحُرُوف بَين اللامين والعليا وَهِي آخر مَا كتب واسْمه فِيهَا عَليّ بن هلل بِحَذْف الْألف مَا بَين اللامين

стр. 6232

وسمعتُ جمَاعَة من الْيَهُود يدَّعون أنَّه كَانَ فِي عصره شخصٌ من الْيَهُود كتب العبراني طبقَة مثل ابْن البوَّاب فِي الْعَرَبِيّ وأنَّه لم يكْتب العبراني أحدٌ قبله وَلَا بعده مثله ورأيتُ من خطِّه كثيرا وملكتُ مِنْهُ قِطْعَة بلم الرِّقاع فرآها الشَّيْخ بهاء الدّين مَحْمُود ابْن خطيب بعلبكَّ فَقَالَ لم أرَ لِابْنِ البوَّاب رِقَاعًا قطّ غير هَذِه إلَاّ أنَّ هَذِه الْقطعَة الْمَذْكُورَة كَانَ عَلَيْهَا خطّ القاشي الْكَاتِب المُذَهِّب البوَّاب فَاضلا مُذَهِّباً أَيْضا لَهُ مجاميع أدبيَّة وتواليف وَقد شهد لهَذِهِ الْقطعَة أنَّها من نفائس عُقُود ابْن البوَّاب وَشَيخ ابْن البوَّاب فِي الْكِتَابَة مُحَمَّد بن أَسد الْكَاتِب وَقد تقدَّم ذكره فِي مَكَانَهُ البوَّاب ابْن البوَّاب فِي أوَّل أمره مُزَوِّقاً يُزَوِّقُ الدّور ثمَّ صوَّر الْكتب ثمَّ تعانى الْكِتَابَة قلت التَّصْوِير والتذهيب هُوَ الَّذِي أَعَانَهُ على استنباط مَا زَاده فِي الْكِتَابَة وغيَّره من الأَوضاع وَلَقَد دَار بيني وَبَين شرف الدّين عِيسَى النَّاسِخ الْكَاتِب وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد المصريين فِي بعض الْأَيَّام كلامٌ أفْضى إِلَى التعجُّب من أَمر ابْن البوَّاب فَقَالَ مَا بَين النَّاس تفاوتٌ إِلَى حدّ يكون قد جَاءَ أحدٌ لم يجِئ بعده مثله قلت لَيْسَ هَذَا بعجيب لأنَّه اتّفق لَهُ أَشْيَاء مَا اتَّفقت لغيره قَالَ مَا هِيَ قلت الأولى أنَّه اسْتَعَانَ على ذَلِك بِمَا عِنْده من التَّصْوِير والتذهيب والمصوِّرون يَقُولُونَ هَذِه الصُّورَة فِي حركاتها رُطوبةٌ هُنَا ويُبْسٌ هُنَا والرطوبةُ عِنْدهم رتبةٌ عليا واليُبُوسَةُ عيب كَمَا ذَلِك عِنْد الكتَّاب الثَّانِيَة أَنه كَانَت أعضاؤه قَابِلَة لما يَضَعهُ على مَا يتصوَّره فِي نَفسه من الأشكال وَلَيْسَ كل النَّاس كَذَلِك الثَّالِثَة أنَّه هُوَ الَّذِي أبرز هَذِه الأوضاع إِلَى الْوُجُود على مَا رَآهُ وقبلته أعضاؤه المفطورة لذَلِك وإلاّ فَلَيْسَتْ هَذِه الأوضاع أمرا تُلُقِّيَ عَن نبيّ وَلَا وصيّ وَلَا هِيَ أوضاعٌ طبيعيَّة وَلَا أشكالٌ لَازِمَة الْوُجُود أَن تكون كَذَا لأنَّ المغاربة يخالفون المشارقة فِي أوضاعهم الرَّابِعَة أنَّه صقلها بالإدمان حتَّى قويتْ وَقَعَدت وكلُّ من كَانَت كِتَابَته مصقولةً قَاعِدَة كَانَت حَسَنَة فِي الْعين وَلَو لم يراعِ كاتبها أصُول ابْن البوَّاب فَهَذَا الشَّيْخ فتح الدّين بن سيِّد النَّاس أَخْبرنِي أَنه لم يكْتب على أحدٍ وكتابته فِي المغربي والعربي طبقَة الْخَامِسَة أَنه وضع شَيْئا على مَا فِي نَفسه لَيْسَ بطبيعي وَلَا شَرْعِي فجوَّده وساعده الْأُمُور الَّتِي ذكرتُها لَك وَالنَّاس يُرِيدُونَ يحاكونه فيتكلَّفون مَا كَانَ فِي طباع الأول لَا جَرَمَ أنَّ النَّاس تفاوتوا فِي ذَلِك فَمن مُقارب وَمن مُباعد) على طَبَقَات وَهُوَ الغايةُ فِي ذَلِك فسَلَّم لي شرف الدّين النَّاسِخ وَمن كَانَ حَاضرا واعترفوا بِصِحَّة التَّعْلِيل انْتهى وَكَانَ ابْن البوَّاب فَاضلا وَلِهَذَا يعرف الْفُضَلَاء خطَّه ممَّا زوَّره عَلَيْهِ الوليّ العجميّ وعَتَّقه على خطوطه لأنَّ ابْن البوَّاب لَا يلحن فِيمَا يكْتب والوليّ يَقع لَهُ اللّحن

стр. 6233

وَكَانَ ابْن البوَّاب قد قَرَأَ على ابْن جنِّي وَسمع من أبي عبيد الله المرزُباني وَصَحب أَبَا الْحُسَيْن بن سمعون الْوَاعِظ وَكَانَ ابْن البوَّاب يعظ النَّاس بِجَامِع الْمَنْصُور ويعبِّر للرؤيا وَله نظم ونثر إلَاّ أنَّ نظمه منحطّ وَتُوفِّي ابْن البوَّاب سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع مائَة وَقيل سنة أَربع عشرَة وَدفن بجوار قبر أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ ورثاه الشريف المرتضى بقوله وَكَانَ كثير الْمُلَازمَة للشريف (رُدِّيتَ يَا ابنَ هلالٍ والرَّدى عَرَضٌ ... لم يُحْمَ مِنْهُ على سخط لَهُ البَشَرُ) (مَا ضرَّ فقدكَ والأَيامُ شاهدةٌ ... بأنَّ فضلك فِيهِ الأنجمُ الزُّهُرُ) (أغْنيتَ فِي الأرضِ والأقوامِ كلَّهمُ ... من المحاسن مَا لم يُغنه المطرُ) (فللقلوب الَّتِي أبهجتَها حَزَنٌ ... وللعيون الَّتِي أقررتَها سَهَرُ) (وَمَا لعيشٍ وَقد ودَّعتَه أَرَجٌ ... وَلَا لليلٍ وَقد فارقتَه سَحَرُ) (وَمَا لنا بعد أَن أضحت مطالعُنا ... مسلوبةً مِنْك أوضاح وَلَا غُرَرُ) وَقيل إِن بعض الشُّعَرَاء رثاه بقوله (استشعَرَ الكُتَّابُ فقدَك سالفاً ... وقضتْ بصحَّة ذَلِك الأَيَّامُ) (فلذاك سُدِّدَتِ الدُّوِيُّ كآبةً ... أسفا عَلَيْك وشُقَّتِ الأَقلامُ) وَقَالَ مُحَمَّد بن اللَّيْث الزجَّاج الْموصِلِي يهجوه (هَبْ لنا الموسويَّ يَا ابنَ هلالِ ... وابغِ من شئتَ من ذَوي الأَحوالِ) (ذَاك عينُ الْهدى وَأَنت عَمى الأع ... يُنِ فِي النَّقْص مُولَعٌ بالكسالِ) وَقَالَ أَيْضا فِيهِ (أَيُّهذا الشريفُ حاشاكَ حاشا ... كَ يُرى فِي فِنائكَ ابنُ هلالِ) (هُوَ نحسُ النحوس فِي السادةِ الغُ ... رِّ وسعدُ السُّعودِ فِي الأنذالِ) ) (أنْظُرِ اللامَ من هلالٍ فَخذهَا ... فِيهِ مشكولةً بِلَا إشكالِ)

стр. 6234

وَقَالَ غَيره (من ذَا رَأَيْتُمْ من النُّسَّاخ متَّخذاً ... سِبالَ لصٍّ على غُثْنون مُحتالِ) (هَذَا وأنتَ ابنُ بوَّابٍ وَذُو عَدَمٍ ... فَكيف لَو كنتَ ربَّ الدَّار والمالِ) وَمن شعر ابْن البوَّاب (ولَوَ أنّي أهْدَيتُ مَا هُوَ فَرْضٌ ... للرئيس الأجلِّ من أمثالي) (لنظمتُ النجومَ عِقداً إِذا رصّ ... ع غَيْرِي جواهراً بلآلي) (ثمَّ أهديتُها إِلَيْهِ وأقرر ... تُ بعجزي فِي القَوْل والأفعالِ) (غير أَنِّي رأيتُ قدرك يَعْلُو ... عَن نظيرٍ ومُشبهٍ ومثالِ) (فتفاءلتُ فِي الهديَّة بالأق ... لَام عِلْماً منّي بِصدق الفالِ) (فاعتقِدْها مفاتحَ الشرق والغر ... ب سَرِيعا والسَّهل والأجبالِ) (فَهِيَ تستنُّ إِن جَرَيْن على القر ... طاس بَين الأرزاق والآجالِ) (فاختبرها مُوقِّعاً برسوم ال ... بِرِّ والمكرُمات والإفضالِ) حكى مُحَمَّد بن هِلَال بن الصَّابِئ فِي كتاب الهفوات أنَّ أَبَا نصر بن مَسْعُود الْكَاتِب لَقِي يَوْمًا ابْن البوَّاب الْكَاتِب فسلَّم عَلَيْهِ وقبَّل يَده فَقَالَ لَهُ ابْن البوَّاب الله الله يَا سيِّدي مَا أَنا وَهَذَا فَقَالَ لَو قبَّلت الأَرض بَين يَديك لَكَانَ قَلِيلا قَالَ ولمَ ذَاك يَا سَيِّدي وَمَا الَّذِي أوجبه واقتضاه قَالَ لأنَّك تفرّدت بأَشْيَاء مَا فِي بغداذ كلّها من يشاركك فِيهَا مِنْهَا الخطُّ الْحسن وأنَّه لم أرَ عمري كَاتبا من طرف عمَامَته إِلَى طرف لحيته ذراعان وَنصف غَيْرك فَضَحِك ابْن البوَّاب وجزاه خيرا وَقَالَ أَسأَلك أَن تكْتم عنِّي هَذِه الْفَضِيلَة وَكَانَت لحية ابْن البوَّاب طَوِيلَة جدًّا ولمَّا ورد الْوَزير فَخر الْملك أَبُو غَالب مُحَمَّد بن خلف والياً على الْعرَاق من قبل بهاء بن عضد الدولة جعل ابْن البوَّاب نديماً لَهُ واختصَّ بِهِ وَكَانَ ابْن البوَّاب يتصرَّف فِي خزانَة الْكتب الَّتِي لعضد الدولة بشيراز وأمرها مَرْدُود إِلَيْهِ وَله مَعَ عضد الدولة وَاقعَة جرت فِي أَمر أَجزَاء ربعةٍ بخطِّ ابْن مُقلة فإنَّه كمَّل مِنْهَا جُزْءا مخروماً فكمَّله ابْن البوَّاب وذهَّبه وعتَّقه وأحضره إِلَيْهِ فِي جملَة الْأَجْزَاء فَلم يعرفهُ قلت وللكتَّاب لحنٌ فِي الْوَضع يعدّونه كَمَا يعدُّ أهل الْعَرَبيَّة لحنهم من ذَاك أنَّ الْكَاف لَا) تكْتب مجلَّسة إِذا وَقعت طرفا فِي مثل إِلَيْك ولديك وَعَلَيْك وَلَك وَمَا أشبه ذَلِك ثمَّ إِذا كتبت طرفا لَا يعْمل لَهَا ردَّة إنَّما الردّة عَلَيْهَا إِذا كَانَت مَكْتُوبَة أوَّلاً وَفِي بعض

стр. 6235

الْكَلِمَة حَشْوًا وَأَشْيَاء ذكرتها فِي قولي تذنيبٌ فِي مُقَدّمَة هَذَا الْكتاب فأغنت عَن الْإِعَادَة هُنَا ٣ - (جَوَنقا الْكَاتِب) عَليّ بن الْهَيْثَم الْأَنْبَارِي وَالْحسن الْكَاتِب الْمَعْرُوف بجونقا بجيم وواو بعْدهَا نون وقاف وَألف كَانَ فِي ديوَان الْمَأْمُون وَمن بعده من الْخُلَفَاء وَكَانَ فَاضلا كثير التقعير فِي كَلَامه يسْتَعْمل العويص من اللُّغَة فِي محاوراته حتَّى إنَّ الْمَأْمُون قَالَ أَنا أتكلَّم مَعَ النَّاس أَجْمَعِينَ على سجيَّتي إلَاّ عليّ بن الْهَيْثَم فإنَّي أتحفَّظ إِذا كلَّمته لأنَّه يغرق فِي الإغراب وَدخل يَوْمًا جونقا إِلَى سوق الدَّوَابّ فَلَقِيَهُ نخَّاسٌ فَقَالَ هَل من حَاجَة قَالَ نعم الْحَاجة أناختنا بعَقْوتك أردْت فرسا قد انْتهى صَدره وتقلقلت عروقه يُشِير بأذنيه ويتعاهدني بِطرف عَيْنَيْهِ ويتشرّف بِرَأْسِهِ ويعقد عُنُقه ويخطر بِذَنبِهِ ويناقل برجليه حسن الْقَمِيص جيّد الفصوص وثيق الْقصب تامّ العصب كأنَّه موج لُجَّة أَو سيلُ حَدور فَأَجَابَهُ النخَّاس بِجَوَاب نزَّهت هَذَا الْكتاب عَنهُ وَقَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا ببابي رجلَانِ أَحدهمَا أُرِيد أَن أَضَعهُ وَهُوَ يرفع نَفسه وَهُوَ عَليّ بن الْهَيْثَم وَالْآخر أُرِيد أَن أرفعه وَهُوَ يضع نَفسه وَهُوَ الْفضل بن جَعْفَر بن يحيى بن الْبَرْمَكِي وَدخل جونقا يَوْمًا على الْمَأْمُون وَعِنْده أَحْمد بن الْجُنَيْد الإسكافي وَجَمَاعَة من الخاصَّة فَقَالَ الْمَأْمُون يَا عدوَّ الله يَا فَاسق يَا لصّ يَا خَبِيث سرقتَ الْأَمْوَال وانتهبتها وَالله لأفرقنَّ بَين لحمك ودمك وعظمك ولأفعلنَّ وَلَأَفْعَلَن ثمَّ سكن غَضَبه قَلِيلا فَقَالَ أَحْمد بن الْجُنَيْد نعم وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنَّه وإنَّه لم يدع شَيْئا من الْمَكْرُوه إلَاّ قَالَه فِيهِ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا أَحْمد وَمَتى اجترأت عليَّ بِهَذِهِ الجرأة رَأَيْتنِي وَقد غضِبت فَأَرَدْت أَن تزيد فِي غَضَبي أما إنِّي سأؤدّبك أدباً يتأدَّب بِهِ غَيْرك يَا عَليّ بن الْهَيْثَم قد صفحت عَنْك ووهبت لَك مَا قدرت أَن أطالبك بِهِ وَرفع رَأسه إِلَى الْحَاجِب وَقَالَ لَا يبرح ابْن الْجُنَيْد الدَّار حتَّى يحمل لعَلي بن الْهَيْثَم مائَة ألف دِرْهَم ليَكُون لَهُ بذلك عقلٌ فَلم يبرح حتَّى حملهَا إِلَى ابْن الْهَيْثَم
следующие страницы →