Полный текст (7 288 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
وَكَانَ عَليّ بن هِشَام فَاضلا شَاعِرًا وَكَانَ الْمَأْمُون يزوره فِي بَيته وَمن شعر عَليّ بن هِشَام
(يَا موقِدَ النَّار يُذكيها فيجمدُها ... قُرُّ الشتَاء بأرياحٍ وأمطارِ)
(قُم فاصطلِ النارَ من أحشايَ مُضرمةً ... بالشوقِ تغنَ بهَا يَا مُوقد النارِ)
(وَيَا أَخا الذَّوْدِ قد طالَ الظَّماءُ بهَا ... مَا تعرفُ الرِّيَّ من جدبٍ وإقتارِ)
(رُدَّ العطاشَ على عَيْني ومَحجرِها ... تُرْوَ العطاشُ بدمعٍ واكفٍ جاري)
(إِن غَابَ شخصُك عَن عَيْني فَلم تَرضهُ ... فإنَّ ذكرك مقرونٌ بإضماري)
(عَليّ بن هِلَال)
٣ - (ابْن البوَّاب الْكَاتِب)
عَليّ بن هِلَال أَبُو الْحسن الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن البوَّاب وَكَانَ أَبوهُ يُعرف بالسِّتْري بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون التَّاء ثَالِثَة الْحُرُوف وَبعدهَا رَاء نِسْبَة إِلَى السِّتْر لأنَّ البوَّاب يلازم السّتْر هُوَ صَاحب الخطّ الْفَائِق الَّذِي لم يُرزق أحدٌ فِي الْكِتَابَة سعادته بِإِجْمَاع النَّاس عِلّة أنَّ الوليَّ العجمي كتب خيرا مِنْهُ فِيمَا أرى وَلَا يَجْسُر أحدٌ على قَول ذَلِك وأوَّل من عرَّب الْخط من الْكُوفِي ابْن مُقلة لَكِن بَقِي فِيهِ تكويفٌ مَا إِلَى أَن جَاءَ ابْن البوَّاب هَذَا فزاده تعريباً ودوَّر حروفَه وَوضع هَذَا الضَّبْط على مَا قيل وَقَالَ ابْن البوَّاب مَا كتبتُ يَوْم السبت مثلَ يَوْم الْخَمِيس قطّ قلت معنى هَذَا الْكَلَام أَنه يكتبُ كلَّ يَوْم فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة استراح فَلَا يكْتب شَيْئا وَفَائِدَة هَذَا الْكَلَام أَن الْكِتَابَة تقوى بالإدمان وتضعف بِالتّرْكِ وَيُقَال إِنَّه كَانَ يتصدَّق بالحروف يكْتب الْحَرْف ويهبه للصعلوك فيتوجَّه بِهِ ويبيعه للكتَّاب بِمَا يتَّفِق لَهُ من الثّمن وَيُقَال إِنَّه وُجد لَهُ سريرٌ ملآن مسودَّاتٍ جَمِيعهَا صُورَة الشدَّة كَذَا قيل وَزعم بعض الْفُضَلَاء أنَّ خطَّه ثَلَاث طَبَقَات سفلى ووسطى وعليا فالسفلى أول كِتَابَته واسْمه فِيهَا عَليّ بن هِلَال بِأَلف بَين اللامين وَالْوُسْطَى أَوسط كِتَابَته واسْمه فِيهَا عَليّ بن هليل بياء)
آخر الْحُرُوف بَين اللامين والعليا وَهِي آخر مَا كتب واسْمه فِيهَا عَليّ بن هلل بِحَذْف الْألف مَا بَين اللامين
стр. 6232
وسمعتُ جمَاعَة من الْيَهُود يدَّعون أنَّه كَانَ فِي عصره شخصٌ من الْيَهُود كتب العبراني طبقَة مثل ابْن البوَّاب فِي الْعَرَبِيّ وأنَّه لم يكْتب العبراني أحدٌ قبله وَلَا بعده مثله
ورأيتُ من خطِّه كثيرا وملكتُ مِنْهُ قِطْعَة بلم الرِّقاع فرآها الشَّيْخ بهاء الدّين مَحْمُود ابْن خطيب بعلبكَّ فَقَالَ لم أرَ لِابْنِ البوَّاب رِقَاعًا قطّ غير هَذِه إلَاّ أنَّ هَذِه الْقطعَة الْمَذْكُورَة كَانَ عَلَيْهَا خطّ القاشي الْكَاتِب المُذَهِّب البوَّاب فَاضلا مُذَهِّباً أَيْضا لَهُ مجاميع أدبيَّة وتواليف وَقد شهد لهَذِهِ الْقطعَة أنَّها من نفائس عُقُود ابْن البوَّاب وَشَيخ ابْن البوَّاب فِي الْكِتَابَة مُحَمَّد بن أَسد الْكَاتِب وَقد تقدَّم ذكره فِي مَكَانَهُ البوَّاب ابْن البوَّاب فِي أوَّل أمره مُزَوِّقاً يُزَوِّقُ الدّور ثمَّ صوَّر الْكتب ثمَّ تعانى الْكِتَابَة قلت التَّصْوِير والتذهيب هُوَ الَّذِي أَعَانَهُ على استنباط مَا زَاده فِي الْكِتَابَة وغيَّره من الأَوضاع وَلَقَد دَار بيني وَبَين شرف الدّين عِيسَى النَّاسِخ الْكَاتِب وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد المصريين فِي بعض الْأَيَّام كلامٌ أفْضى إِلَى التعجُّب من أَمر ابْن البوَّاب فَقَالَ مَا بَين النَّاس تفاوتٌ إِلَى حدّ يكون قد جَاءَ أحدٌ لم يجِئ بعده مثله قلت لَيْسَ هَذَا بعجيب لأنَّه اتّفق لَهُ أَشْيَاء مَا اتَّفقت لغيره قَالَ مَا هِيَ قلت الأولى أنَّه اسْتَعَانَ على ذَلِك بِمَا عِنْده من التَّصْوِير والتذهيب والمصوِّرون يَقُولُونَ هَذِه الصُّورَة فِي حركاتها رُطوبةٌ هُنَا ويُبْسٌ هُنَا والرطوبةُ عِنْدهم رتبةٌ عليا واليُبُوسَةُ عيب كَمَا ذَلِك عِنْد الكتَّاب الثَّانِيَة أَنه كَانَت أعضاؤه قَابِلَة لما يَضَعهُ على مَا يتصوَّره فِي نَفسه من الأشكال وَلَيْسَ كل النَّاس كَذَلِك الثَّالِثَة أنَّه هُوَ الَّذِي أبرز هَذِه الأوضاع إِلَى الْوُجُود على مَا رَآهُ وقبلته أعضاؤه المفطورة لذَلِك وإلاّ فَلَيْسَتْ هَذِه الأوضاع أمرا تُلُقِّيَ عَن نبيّ وَلَا وصيّ وَلَا هِيَ أوضاعٌ طبيعيَّة وَلَا أشكالٌ لَازِمَة الْوُجُود أَن تكون كَذَا لأنَّ المغاربة يخالفون المشارقة فِي أوضاعهم الرَّابِعَة أنَّه صقلها بالإدمان حتَّى قويتْ وَقَعَدت وكلُّ من كَانَت كِتَابَته مصقولةً قَاعِدَة كَانَت حَسَنَة فِي الْعين وَلَو لم يراعِ كاتبها أصُول ابْن البوَّاب فَهَذَا الشَّيْخ فتح الدّين بن سيِّد النَّاس أَخْبرنِي أَنه لم يكْتب على أحدٍ وكتابته فِي المغربي والعربي طبقَة الْخَامِسَة أَنه وضع شَيْئا على مَا فِي نَفسه لَيْسَ بطبيعي وَلَا شَرْعِي فجوَّده وساعده الْأُمُور الَّتِي ذكرتُها لَك وَالنَّاس يُرِيدُونَ يحاكونه فيتكلَّفون مَا كَانَ فِي طباع الأول لَا جَرَمَ أنَّ النَّاس تفاوتوا فِي ذَلِك فَمن مُقارب وَمن مُباعد)
على طَبَقَات وَهُوَ الغايةُ فِي ذَلِك فسَلَّم لي شرف الدّين النَّاسِخ وَمن كَانَ حَاضرا واعترفوا بِصِحَّة التَّعْلِيل انْتهى
وَكَانَ ابْن البوَّاب فَاضلا وَلِهَذَا يعرف الْفُضَلَاء خطَّه ممَّا زوَّره عَلَيْهِ الوليّ العجميّ وعَتَّقه على خطوطه لأنَّ ابْن البوَّاب لَا يلحن فِيمَا يكْتب والوليّ يَقع لَهُ اللّحن
стр. 6233
وَكَانَ ابْن البوَّاب قد قَرَأَ على ابْن جنِّي وَسمع من أبي عبيد الله المرزُباني وَصَحب أَبَا الْحُسَيْن بن سمعون الْوَاعِظ وَكَانَ ابْن البوَّاب يعظ النَّاس بِجَامِع الْمَنْصُور ويعبِّر للرؤيا وَله نظم ونثر إلَاّ أنَّ نظمه منحطّ
وَتُوفِّي ابْن البوَّاب سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع مائَة وَقيل سنة أَربع عشرَة وَدفن بجوار قبر أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ ورثاه الشريف المرتضى بقوله وَكَانَ كثير الْمُلَازمَة للشريف
(رُدِّيتَ يَا ابنَ هلالٍ والرَّدى عَرَضٌ ... لم يُحْمَ مِنْهُ على سخط لَهُ البَشَرُ)
(مَا ضرَّ فقدكَ والأَيامُ شاهدةٌ ... بأنَّ فضلك فِيهِ الأنجمُ الزُّهُرُ)
(أغْنيتَ فِي الأرضِ والأقوامِ كلَّهمُ ... من المحاسن مَا لم يُغنه المطرُ)
(فللقلوب الَّتِي أبهجتَها حَزَنٌ ... وللعيون الَّتِي أقررتَها سَهَرُ)
(وَمَا لعيشٍ وَقد ودَّعتَه أَرَجٌ ... وَلَا لليلٍ وَقد فارقتَه سَحَرُ)
(وَمَا لنا بعد أَن أضحت مطالعُنا ... مسلوبةً مِنْك أوضاح وَلَا غُرَرُ)
وَقيل إِن بعض الشُّعَرَاء رثاه بقوله
(استشعَرَ الكُتَّابُ فقدَك سالفاً ... وقضتْ بصحَّة ذَلِك الأَيَّامُ)
(فلذاك سُدِّدَتِ الدُّوِيُّ كآبةً ... أسفا عَلَيْك وشُقَّتِ الأَقلامُ)
وَقَالَ مُحَمَّد بن اللَّيْث الزجَّاج الْموصِلِي يهجوه
(هَبْ لنا الموسويَّ يَا ابنَ هلالِ ... وابغِ من شئتَ من ذَوي الأَحوالِ)
(ذَاك عينُ الْهدى وَأَنت عَمى الأع ... يُنِ فِي النَّقْص مُولَعٌ بالكسالِ)
وَقَالَ أَيْضا فِيهِ
(أَيُّهذا الشريفُ حاشاكَ حاشا ... كَ يُرى فِي فِنائكَ ابنُ هلالِ)
(هُوَ نحسُ النحوس فِي السادةِ الغُ ... رِّ وسعدُ السُّعودِ فِي الأنذالِ)
)
(أنْظُرِ اللامَ من هلالٍ فَخذهَا ... فِيهِ مشكولةً بِلَا إشكالِ)
стр. 6234
وَقَالَ غَيره
(من ذَا رَأَيْتُمْ من النُّسَّاخ متَّخذاً ... سِبالَ لصٍّ على غُثْنون مُحتالِ)
(هَذَا وأنتَ ابنُ بوَّابٍ وَذُو عَدَمٍ ... فَكيف لَو كنتَ ربَّ الدَّار والمالِ)
وَمن شعر ابْن البوَّاب
(ولَوَ أنّي أهْدَيتُ مَا هُوَ فَرْضٌ ... للرئيس الأجلِّ من أمثالي)
(لنظمتُ النجومَ عِقداً إِذا رصّ ... ع غَيْرِي جواهراً بلآلي)
(ثمَّ أهديتُها إِلَيْهِ وأقرر ... تُ بعجزي فِي القَوْل والأفعالِ)
(غير أَنِّي رأيتُ قدرك يَعْلُو ... عَن نظيرٍ ومُشبهٍ ومثالِ)
(فتفاءلتُ فِي الهديَّة بالأق ... لَام عِلْماً منّي بِصدق الفالِ)
(فاعتقِدْها مفاتحَ الشرق والغر ... ب سَرِيعا والسَّهل والأجبالِ)
(فَهِيَ تستنُّ إِن جَرَيْن على القر ... طاس بَين الأرزاق والآجالِ)
(فاختبرها مُوقِّعاً برسوم ال ... بِرِّ والمكرُمات والإفضالِ)
حكى مُحَمَّد بن هِلَال بن الصَّابِئ فِي كتاب الهفوات أنَّ أَبَا نصر بن مَسْعُود الْكَاتِب لَقِي يَوْمًا ابْن البوَّاب الْكَاتِب فسلَّم عَلَيْهِ وقبَّل يَده فَقَالَ لَهُ ابْن البوَّاب الله الله يَا سيِّدي مَا أَنا وَهَذَا فَقَالَ لَو قبَّلت الأَرض بَين يَديك لَكَانَ قَلِيلا قَالَ ولمَ ذَاك يَا سَيِّدي وَمَا الَّذِي أوجبه واقتضاه قَالَ لأنَّك تفرّدت بأَشْيَاء مَا فِي بغداذ كلّها من يشاركك فِيهَا مِنْهَا الخطُّ الْحسن وأنَّه لم أرَ عمري كَاتبا من طرف عمَامَته إِلَى طرف لحيته ذراعان وَنصف غَيْرك فَضَحِك ابْن البوَّاب وجزاه خيرا وَقَالَ أَسأَلك أَن تكْتم عنِّي هَذِه الْفَضِيلَة وَكَانَت لحية ابْن البوَّاب طَوِيلَة جدًّا
ولمَّا ورد الْوَزير فَخر الْملك أَبُو غَالب مُحَمَّد بن خلف والياً على الْعرَاق من قبل بهاء بن عضد الدولة جعل ابْن البوَّاب نديماً لَهُ واختصَّ بِهِ وَكَانَ ابْن البوَّاب يتصرَّف فِي خزانَة الْكتب الَّتِي لعضد الدولة بشيراز وأمرها مَرْدُود إِلَيْهِ وَله مَعَ عضد الدولة وَاقعَة جرت فِي أَمر أَجزَاء ربعةٍ بخطِّ ابْن مُقلة فإنَّه كمَّل مِنْهَا جُزْءا مخروماً فكمَّله ابْن البوَّاب وذهَّبه وعتَّقه وأحضره إِلَيْهِ فِي جملَة الْأَجْزَاء فَلم يعرفهُ
قلت وللكتَّاب لحنٌ فِي الْوَضع يعدّونه كَمَا يعدُّ أهل الْعَرَبيَّة لحنهم من ذَاك أنَّ الْكَاف لَا)
تكْتب مجلَّسة إِذا وَقعت طرفا فِي مثل إِلَيْك ولديك وَعَلَيْك وَلَك وَمَا أشبه ذَلِك ثمَّ إِذا كتبت طرفا لَا يعْمل لَهَا ردَّة إنَّما الردّة عَلَيْهَا إِذا كَانَت مَكْتُوبَة أوَّلاً وَفِي بعض
стр. 6235
الْكَلِمَة حَشْوًا وَأَشْيَاء ذكرتها فِي قولي تذنيبٌ فِي مُقَدّمَة هَذَا الْكتاب فأغنت عَن الْإِعَادَة هُنَا
٣ - (جَوَنقا الْكَاتِب)
عَليّ بن الْهَيْثَم الْأَنْبَارِي وَالْحسن الْكَاتِب الْمَعْرُوف بجونقا بجيم وواو بعْدهَا نون وقاف وَألف كَانَ فِي ديوَان الْمَأْمُون وَمن بعده من الْخُلَفَاء وَكَانَ فَاضلا كثير التقعير فِي كَلَامه يسْتَعْمل العويص من اللُّغَة فِي محاوراته حتَّى إنَّ الْمَأْمُون قَالَ أَنا أتكلَّم مَعَ النَّاس أَجْمَعِينَ على سجيَّتي إلَاّ عليّ بن الْهَيْثَم فإنَّي أتحفَّظ إِذا كلَّمته لأنَّه يغرق فِي الإغراب
وَدخل يَوْمًا جونقا إِلَى سوق الدَّوَابّ فَلَقِيَهُ نخَّاسٌ فَقَالَ هَل من حَاجَة قَالَ نعم الْحَاجة أناختنا بعَقْوتك أردْت فرسا قد انْتهى صَدره وتقلقلت عروقه يُشِير بأذنيه ويتعاهدني بِطرف عَيْنَيْهِ ويتشرّف بِرَأْسِهِ ويعقد عُنُقه ويخطر بِذَنبِهِ ويناقل برجليه حسن الْقَمِيص جيّد الفصوص وثيق الْقصب تامّ العصب كأنَّه موج لُجَّة أَو سيلُ حَدور فَأَجَابَهُ النخَّاس بِجَوَاب نزَّهت هَذَا الْكتاب عَنهُ
وَقَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا ببابي رجلَانِ أَحدهمَا أُرِيد أَن أَضَعهُ وَهُوَ يرفع نَفسه وَهُوَ عَليّ بن الْهَيْثَم وَالْآخر أُرِيد أَن أرفعه وَهُوَ يضع نَفسه وَهُوَ الْفضل بن جَعْفَر بن يحيى بن الْبَرْمَكِي
وَدخل جونقا يَوْمًا على الْمَأْمُون وَعِنْده أَحْمد بن الْجُنَيْد الإسكافي وَجَمَاعَة من الخاصَّة فَقَالَ الْمَأْمُون يَا عدوَّ الله يَا فَاسق يَا لصّ يَا خَبِيث سرقتَ الْأَمْوَال وانتهبتها وَالله لأفرقنَّ بَين لحمك ودمك وعظمك ولأفعلنَّ وَلَأَفْعَلَن ثمَّ سكن غَضَبه قَلِيلا فَقَالَ أَحْمد بن الْجُنَيْد نعم وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إنَّه وإنَّه لم يدع شَيْئا من الْمَكْرُوه إلَاّ قَالَه فِيهِ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا أَحْمد وَمَتى اجترأت عليَّ بِهَذِهِ الجرأة رَأَيْتنِي وَقد غضِبت فَأَرَدْت أَن تزيد فِي غَضَبي أما إنِّي سأؤدّبك أدباً يتأدَّب بِهِ غَيْرك يَا عَليّ بن الْهَيْثَم قد صفحت عَنْك ووهبت لَك مَا قدرت أَن أطالبك بِهِ وَرفع رَأسه إِلَى الْحَاجِب وَقَالَ لَا يبرح ابْن الْجُنَيْد الدَّار حتَّى يحمل لعَلي بن الْهَيْثَم مائَة ألف دِرْهَم ليَكُون لَهُ بذلك عقلٌ فَلم يبرح حتَّى حملهَا إِلَى ابْن الْهَيْثَم
стр. 6236
وَكَانَ خَالِد بن أبان الْأَنْبَارِي أَخُو عبد الْملك بن أبان بَينه وَبَين ابْن الْهَيْثَم حُرْمَة أَيَّام مُقامهما بالأنبار فاختلَّت حَال خَالِد وَضَاقَتْ وتوجَّه إِلَى مصر فَبَلغهُ مَا وصل إِلَيْهِ عَليّ بن الْهَيْثَم)
فَكتب إِلَيْهِ أبياتاً بِالذَّهَب مِنْهَا
(على الْخَالِق الْبَارِي توكَّلتُ إِنَّه ... يَدُوم إِذا الدُّنْيَا أبادت قُرونَها)
(فداؤكَ نَفسِي يَا عليَّ بن هيثمٍ ... إِذا أكلَتْ عُجْفُ السنين سمينَها)
(رميتُك من مصرٍ بأمٍّ قلائدي ... ترفُّ وَقد أقسمتُ أَن لَا تُهينها)
فوجّه إِلَيْهِ بِأَلف دِينَار وَكتب إِلَى عَامل مصر فَاسْتَعْملهُ وَحسنت حَاله وعاتبه الْفضل بن الرّبيع يَوْمًا على تأخّره وَزَاد عَلَيْهِ فَقَالَ جونقا
(وَجَدَني الفضلُ رخيصاً جدًّا ... فعقَّني وازوَرَّ عنّي صَدّا)
(وظنَّ والظُّنونَ قد تعَدَّى ... أنّي لَا أُصيبُ مِنْهُ بِدّا)
أعُدُّ مِنْهُ ألفَ بِدٍّ عَدّا ثمَّ انْصَرف جونقا وَلم يعْمل بعْدهَا للسُّلْطَان عملا
٣ - (خُشكَنانجَة الْكَاتِب)
عَليّ بن وصيف الملقَّب بخُشكنانجة الْكَاتِب البغداذي كَانَ أَكثر مقَامه بالرَّقَّة ثمَّ انْتقل إِلَى الْموصل وَكَانَ من البلغاء وألّف عدَّة كتب ونحلها عَبْدَانِ صَاحب الإسماعلية قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق النديم وَكَانَ لي صديقا وأنيساً توفّي بالموصل وَله من الْكتب كتاب الإفصاح والتثقيف فِي الْخراج ورسومه
٣ - (مجد الدّين بن دَقِيق الْعِيد الْمَالِكِي)
عَليّ بن وهب بن مُطِيع بن أبي الطَّاعَة الإِمَام العلاّمة مجد الدّين أَبُو الْحسن وَالِد شيخ الْإِسْلَام قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد وَقد تقدَّم ذكره فِي المحمدين الْقشيرِي البهزيّ بهز بن حَكِيم بن مُعَاوِيَة بن حيدرة المنفلوطي الْمَالِكِي نزيل قُوص ولد سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة
стр. 6237
سبع وَسِتِّينَ وست مائَة تفقَّه على أبي الْحسن بن المفضّل الْحَافِظ على مَذْهَب مَالك وَسمع مِنْهُ وَمن غَيره ودرَّس وَأفْتى وصنَّف فِي الْمَذْهَب وانتفع بِهِ أهل الصَّعِيد وَكَانَ شيخ تِلْكَ الديار تفقَّه عَلَيْهِ وَلَده وَغَيره وَكَانَ جَامعا لفنون من الْعلم مَعْرُوفا بالصلاح وَالدّين معظَّماً عِنْد الخاصَّة والعامَّة مطّرحاً للتكلُّف كثير السَّعْي فِي قَضَاء حوائج النَّاس على سمت السَّلف ارتحل النَّاس إِلَيْهِ من الأقطار وتخرَّجوا بِهِ وبرعوا فِي الْفَضَائِل
ولمَّا بنى النجيب بن هبة القوصي مدرسته بقوص أَشَارَ عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو الْحسن بن الصبَّاغ أَن)
يحضر إِلَيْهَا الشَّيْخ مجد الدّين فَأحْضرهُ وَجرى بِسَبَبِهِ من الْخَيْر وَمن الْعلم مَا جرى بقوص
وَسمع على الشَّيْخ بهاء الدّين ابْن بنت الجُمَّيزي وَعنهُ أَخذ الْفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعِي وحدَّث عَن شَيْخه الْمَقْدِسِي وَعَن أبي رَوح عبد المُعزّ بن مُحَمَّد بن أبي الْفضل الْأنْصَارِيّ وحدَّث عَنهُ ولداه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالشَّيْخ سراج الدّين مُوسَى وتلميذه الشَّيْخ بهاء الدّين القِفطي والحافظ مَنْصُور بن سليم والحافظ عبد الْمُؤمن الدمياطي وقاضي الْقُضَاة ابْن جمَاعَة وَالشَّيْخ تَاج الدّين مُحَمَّد بن الدشناوي وَالشَّيْخ المعمّر أَبُو معِين أَحْمد بن التقيّ عبيد وَغَيرهم
قَالَ الْفَاضِل كَمَال الدّين جَعْفَر الأُدْفوي حكى لي تَقِيّ الدّين عبد الْملك الأرمنتي أَن شَيْخه مجد الدّين مرَّ وتقيّ الدّين عبد الْملك هَذَا مَعَه فَرَأى كلبةً قد ولدت وَمَاتَتْ فَقَالَ يَا تقيُّ هَات هَذِه السجَّادة فَحمل الجراء وَجعلهَا فِي مَكَان قريب ورتَّب لَهَا لَبَنًا يسقيها حتَّى كَبرت وَذكر لَهُ وقائع من هَذَا النَّوْع
وَكَانَ يمشي بِنَفسِهِ فِي قَضَاء حوائج النَّاس قَالَ حكى أَصْحَابنَا أنَّه كَانَ عِنْده شخصٌ يُشفق عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه يَا سَيِّدي هَذَا فِيهِ قلَّة دين لينقّصه عِنْده فَقَالَ الشَّيْخ لَا حول وَلَا قوَّة إلَاّ بِاللَّه العليّ الْعَظِيم كنَّا نشفق عَلَيْهِ من جِهَة الدُّنْيَا صرنا نشفق عَلَيْهِ من جِهَة الدّين
قَالَ وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يسْعَى لطلبته على قدر استحقاقهم فَمن يصلح للْحكم سعى لَهُ فِيهِ وَمن يصلح للتعديل سعى لَهُ فِيهِ وَإِن لم يصلح سعى لَهُ فِي إِمَامَة أَو فِي شغل وإلاّ أَخذ لَهُ على السهمين راتباً حتَّى جَاءَهُ بعض النَّاس وشكا لَهُ ضَرُورَة فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قصَّة للْقَاضِي وَأَنا أتحدَّث مَعَه فَكتب الْمَمْلُوك فلَان يقبِّل الأَرض ويُنهي أنَّ الْمَمْلُوك فَقير مضرور وَكتب مضرور بالظاء وَقَلِيل الْحَظ وَكتبه بالضاد وناولها للشَّيْخ فتبسَّم وَقَالَ يَا فقيهُ ضرّك قَائِم وحظُّك سَاقِط
قَالَ وَكَانَ فِيهِ مَعَ تورُّعه وتقشُّفه بسطة جَاءَهُ بعض الطّلبَة وَقَالَ يَا سَيِّدي هَؤُلَاءِ
стр. 6238
الْفُقَهَاء يلقِّبونني بِوَجْه سبع الْحَوْض فَنظر إِلَيْهِ الشَّيْخ وَقَالَ مَا أبعدوا
قَالَ وَكَانَ يقْرَأ فِي المذهبين مَالك وَالشَّافِعِيّ والأصولين وَاخْتصرَ الْمَحْصُول اختصاراً جيّداً قَالَ وَحكى عَنهُ أَصْحَابه أنَّه كَانَ يحفظ فِي الأَدب زهر الْآدَاب وَكَانَ لَهُ شعر وَمِنْه أَنْشدني شَيخنَا العلاّمة أثير الدّين قَالَ أنشدنا أَبُو الْفَتْح مُوسَى بن عَليّ بن وهب قَالَ أنشدنا)
وَالِدي لنَفسِهِ
(وزهَّدني فِي الشِّعر أنَّ سجيَّتي ... بِمَا يستجيدُ النَّاس ليسَ تجودُ)
(ويأبى ليَ الخِيم الشريفُ رديئَةُ ... فأطرده عَن خاطري وأذودُ)
وَبِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَيْهِ
(أقولُ لدهرٍ قد تناهَى إساءةً ... إليَّ وَلَكِن للأحبَّةِ أحسنَا)
(أَلا دُم على الْإِحْسَان فِي من نحبّهم ... فإنَّهمُ الأولى ودعْ عنكَ أمرنَا)
قلت هُوَ مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل
(أَبى دَهْرنَا إسعافنا فِي نفوسنا ... وأسعَفنا فِي من نجلُّ ونكرمُ)
(فقلتُ لَهُ نعماكَ فيهم أتمَّها ... ودَعْ أمرنَا إنَّ المهمَّ المقدَّمُ)
وَكتب الشَّيْخ مجد الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي إجَازَة شمس الدّين عمر بن الْمفضل بالفتوى والتدريس أستخير الله تَعَالَى فِي الْإِيرَاد والإصدار وأعتصم بِهِ من آفتي التَّقْصِير والإكثار وأستغفره فِيمَا فرط فِي الْجَهْر والإسرار وَأَقُول إنِّي ذاكرتُ فلَانا زيَّنه الله بالتقوى وحرسه فِي السّرّ والنجوى فِي فنونٍ من الْعُلُوم الشرعيَّة العقليَّة والنقليَّة فَأَلْفَيْته يرجع إِلَى مَعْقُول صَحِيح ومنقول صَرِيح واطِّلاعٍ على المشكلات واضطلاع بحلِّ المعضلات لَا سيَّما فِي فقه الْمَذْهَب فإنَّه أصبح فِيهِ كَالْعلمِ المُذهب وَقَامَ بِعلم الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير فَصَارَ فيهمَا الْفَاضِل النحير وَقد أَجَبْته إِلَى مَا التمس وَإِن كَانَ غنيًّا بِمَا حصَّل واقتبس فليدرّس مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ لطالبيه وليُجب المستفتي بقلمه وفِيه ثِقَة بفضله الباهر وفطرته الوقَّادة وألمعيَّته المنقادة وَالله تَعَالَى يَنْفَعنِي وإيَّاه بِمَا علمناه ويرفعنا بذلك لَدَيْهِ فَمَا الْقَصْد سواهُ تمَّت
وانتفع بالشيخ مجد الدّين جمَاعَة كبار مِنْهُم أَوْلَاده الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَالشَّيْخ سراج الدّين مُوسَى وَالشَّيْخ تَاج الدّين أَحْمد وتلاميذه الأئمَّة الشَّيْخ بهاء الدّين هبة الله القفطي وَالشَّيْخ جلال الدّين أَحْمد الدشناوي وَالشَّيْخ محبّ الدّين الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ ضِيَاء الدّين جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم الْحُسَيْنِي والنجيب بن مُفْلِح كلُّ هَؤُلَاءِ عُلَمَاء فضلاء
стр. 6239
أئمَّة ويليهم جمَاعَة كَالْقَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن قدس وَالْقَاضِي سراج الدّين يُونُس الأرمنتي وَالْقَاضِي نجم)
الدّين أَحْمد بن نَاشِئ كلُّهم أَيْضا فُقَهَاء مفتون وَمن الْغَرِيب أنَّه مالكي الْمَذْهَب وَالَّذين تخرَّجوا عَلَيْهِ شافعيَّة قَالَ الْفَاضِل كَمَال الدّين جَعْفَر الأدفوي لَا نَعْرِف مالكيًّا انتُفع بِهِ ذَلِك الِانْتِفَاع
وَكَانَ كثير الصَّوْم يَصُوم الدَّهْر ويلازم قيام اللَّيْل وَيكثر التِّلَاوَة حكى عَنهُ تِلْمِيذه الشَّيْخ بهاء الدّين أنَّه كَانَ كلَّ يومٍ يخْتم الْقُرْآن مرَّتَيْنِ مَعَ شغله وتولَّى الحكم بسيوط ومنفلوط وعمَلهما وصنَّف تلاميذه فِي حَيَاته
قَالَ كَمَال الدّين أَخْبرنِي بعض الْجَمَاعَة أَنه قبل مَوته بأيَّام تَذَاكر هُوَ وَأَصْحَابه جمَاعَة مِمَّن مَاتَ فَلَمَّا بَات تِلْكَ اللَّيْلَة رأى قَائِلا ينشده
(أتَعُدُّ كثرةَ من يَمُوت تعجُّباً ... وَغدا لَعَمري سَوف تحصلُ فِي العددْ)
وَكَانَ سَبَب تَسْمِيَة جدّه دَقِيق الْعِيد أنَّه كَانَ عَلَيْهِ يومَ عيدٍ طيلسانٌ شديدُ الْبيَاض فَقَالَ بَعضهم كأَنَّه دقيقُ العي فلُقِّب بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى
وَقَالَ كَمَال الدّين حكى تِلْمِيذه الْبُرْهَان المالِقي أنَّه توجَّه فِي خدمته إِلَى الأقصُر لزيارة الشَّيْخ أبي الْحجَّاج فقدموا وَقت الْمسَاء فَقَالَ الشَّيْخ مَا ندخل على الْفُقَرَاء عشَاء فنزلوا فِي مَكَان فلمَّا كَانَ بعدُ ليلٌ طُرق البابُ فَخَرجُوا فوجدوا الشيخَ أَبَا الْحجَّاج فَقَالَ رَأَيْت النبيَّ ﷺ فَقَالَ الْفَقِيه أَبُو الْحسن قدم قُم فسلّم عَلَيْهِ وَقد حَكَاهَا الشَّيْخ عبد الْغفار فِي كِتَابه
(عَليّ بن يحيى)
عَليّ بن يحيى بن أبي مَنْصُور المنجِّم أَبُو الْحسن كَانَ أَبوهُ يحيى من خدم الْخُلَفَاء من آل المنجِّم وَإِلَيْهِ يُنسبون وأوَّل من خدم الْمَأْمُون وأمَّا ابْنه أَبُو الْحسن هَذَا فإنَّه نادم المتوكّل ومَن بعده إِلَى أيَّام الْمُعْتَمد وَقد نبّهتُ على مَا وهم فِيهِ القَاضِي شمس الدّين بن خلِّكان فِي تَرْجَمَة حفيد هَذَا وَهُوَ عَليّ بن هَارُون بن عَليّ بن يحيى وَكَانَ أَبُو الْحسن هَذَا شَاعِرًا أخباريًّا علاّمةً منجِّماً طبَّاخاً طَبِيبا نديماً عَارِفًا بِأَصْوَات
стр. 6240
الْغناء لكنَّه كَانَ صَغِير الْخلقَة دَقِيق الْوَجْه صَغِير الْعين توفِّي سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ آخر أَيَّام الْمُعْتَمد
كَانَ أوَّلاً خصيصاً بِمُحَمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المُصْعَبي حتَّى لقد مَاتَ وَيَده فِي يَده
وَوَصفه الْفَتْح بن خاقَان للمتوكِّل فَأحْضرهُ وَأَعْجَبهُ واستمرَّ بِهِ نديماً وحُسب جملَة مَا وصل إِلَيْهِ من أنعام المتوكِّل فَكَانَ ذَلِك ثَلَاثَة مائَة ألف دِينَار وَوَصله من المعتزّ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار وقلَّده الْمُنْتَصر بن المتَوَكل العمارات والمستَغَلاّت والمرمَّات وكلّ مَا على شاطئ دجلة إِلَى البطيحة من الْقرى وأقرَّه المستعين على ذَلِك ثمَّ حدثت الْفِتْنَة فانحدر مَعَ المستعين وَلم يزل إِلَى أَن خُلع المستعين فَأَقَامَ يَغْدُو إِلَيْهِ وَيروح بعد الْخلْع إِلَى أَن أحلَّه من الْبيعَة الَّتِي كَانَت لَهُ فِي عُنُقه وَلَك يكن المستعين قبل الْخلْع بِسنة يَأْكُل إلَاّ مَا يُحمل إِلَيْهِ من منزل عَليّ بن يحيى فِي الجَوْن فيُفطر عَلَيْهِ لأنّه كَانَ يَصُوم فِي تِلْكَ الأَيام وَلَكِن لما تولى الْمهْدي حقد عَلَيْهِ أَشْيَاء كَانَت تجْرِي بَينه وَبَين الْمُهْتَدي فِي مجَالِس الْخُلَفَاء وسلَّمه الله مِنْهُ وَمضى الْمُهْتَدي لسبيله وَكَانَ الْمُهْتَدي يَقُول لست أَدْرِي كَيفَ يسلم منِّي عَليّ بن يحيى ثمَّ أفْضى الْأَمر إِلَى الْمُعْتَمد فحلَّ مِنْهُ محلا عَظِيما وقدَّمه على النَّاس جَمِيعًا وقلَّده مَا كَانَ يتقلَّده قبله أيامَ الْخُلَفَاء وزاده بِنَاء المعشوق فَبنى لَهُ أَكْثَره وَكَانَ الموفَّق يذكرهُ فِي مجالسه ويثني عَلَيْهِ
أَمر المتوكِّل فِي بعض ليَالِي شرابه مَن يمْضِي إِلَى بَيت عَليّ بن المنجم ويأتيه بِمَا فِي بَيته من طَعَام وَلَا يدع أَهله يُهيِّئون شَيْئا من غير مَا عِنْدهم فَمضى وأتى بجَونةٍ ملأى من ضروب الطَّعَام ففُتحت بَين يَدَيْهِ فأعجبه مَا فِيهَا وأعظمه فصاح المتوكِّل بعلي بن المنجم وَقَالَ لَهُ انْظُر إِلَى هَذِه الجونة أتعلم من أَيْن هِيَ قَالَ لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ هِيَ من مَنْزِلك وَالله لقد سرَّني مَا رأيتُ من مروءتك وسَرْوِك كَذَا فَلْيَكُن مَن خدم الْمُلُوك واتَّصل بهم ثمَّ قَالَ لَهُ مَا تحبُّ أَن أهب لَك قَالَ مائَة ألف دِينَار فَقَالَ لَهُ أَنْت تستحقّها وَأكْثر مِنْهَا)
وَمَا يَمْنعنِي من دَفعهَا إِلَيْك إلَاّ خوفُ الشنَّاع وَأَن يُقَال صرف لنديمه مائَة ألف دِينَار وَقد وصلتك الْآن بِمِائَة ألف دِرْهَم معجَّلةً وعليَّ أَن أصلك الْبَاقِي مفرَّقاً وَلم يزل يُنعم عَلَيْهِ بِشَيْء بعد شَيْء إِلَى أَن أكملها
وَكَانَ عَليّ بن يحيى سَرِيًّا مُمَدَّحاً منزله مأوى الْفُضَلَاء وَمجمع الأدباء يصلهم بالأموال والقماش والخيول وَغير ذَلِك وَفِيه يَقُول إِدْرِيس بن أبي حَفْصَة
(أضحى عليُّ بن يحيى وَهُوَ مشتهرٌ ... بِالصّدقِ فِي الْوَعْد والتصديق فِي الأملِ)
(لَو زيد بالجود فِي رزقٍ وَفِي أجلٍ ... لزاد جودك فِي رزقٍ وَفِي أجل)
стр. 6241
وَيَقُول أَيْضا
(مَا من دعوتُ ولَبّاني بنائله ... كمن دعوتُ فَلم يسمع وَلم يُجِبِ)
(إنّي وجدت عليًّا إذْ نزلتُ بِهِ ... خيرا من الفضَّة الْبَيْضَاء والذهبِ)
وَفِيه يَقُول أَبُو هِفّان
(وقائلٍ إذْ رأى عزمي عَن الطَّلَبِ ... أتِهْتَ أم نِلْتَ مَا ترجو من النَّشَبِ)
(قلت ابنُ يحيى عليٌّ قد تكفَّل لي ... وصان عِرضي كصون الدِّين للحَسَبِ)
وَيَقُول يعقوبُ بن يزِيد التمّار
(يُذكي لزوّاره نَارا مضرَّمةً ... على يَفاعٍ وَلَا يُذكي على صَبَبِ)
(من فَارس الْخَيْر فِي أبياتِ مملكةٍ ... وَفِي الذوائب من جُرثومةِ الحَسَبِ)
وَيَقُول أَحْمد بن أبي طَاهِر
(لَهُ خلائقُ لم تُطبَع على طَبَعٍ ... ونائلٌ واصلتْ أسبابُه سَبَبي)
(كالغيث يعطيك بعد الرِّي واصلَه ... وَلَيْسَ يعطيك مَا يعطيك عَن طَلَبِ)
وَكَانَ الثَّلَاثَة قد اجْتَمعُوا عِنْده على الشَّرَاب فوصلهم وخلع عَلَيْهِم وَدخل عَلَيْهِ ابْنه هَارُون يَوْمًا فَقَالَ لَهُ يَا أَبَت رأيتُ فِي النّوم أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُعْتَمد وَهُوَ فِي دَاره على سَرِير إذْ بَصُرَ بِي فَقَالَ لي أقبل عليَّ يَا هَارُون يزْعم أَبوك أَنَّك تَقول الشّعْر فأنشدني طريد هَذَا الْبَيْت
(أسالت على الخدَّين دمعاً لَو أنَّهُ ... من الدُّرِّ عقد كَانَ ذخْرا من الذخر)
فَلم أرد عَلَيْهِ شَيْئا وانتبهتُ فزحف إِلَيْهِ أَبوهُ غَضبا وَقَالَ لَهُ وَيحك لِمَ لمْ تقل)
(فَلَمَّا دنا وَقت الْفِرَاق وَفِي الحشا ... لفرقتها لذع أحرُّ من الجمرِ)
وَلما مَاتَ قَالَ ابْن بسّام
(قد زرتُ قبرك يَا عليُّ مسلِّماً ... وَلَك الزيارةُ من أقلِّ الواجبِ)
(وَلَو استطعتُ حملتُ عَنْك ترابَه ... فلطالما عنّي حملتَ نَوائبي)
وَمن شعر عَليّ بن يحيى الْمَذْكُور يمدح المعتز
стр. 6242
(بدا لابساً بُرْدَ النبيِّ محمَّدٍ ... بأحسنَ ممّا أقبل الْبَدْر طالعاً)
(سَمِيُّ البنيِّ وَابْن وَارثه الَّذِي ... بِهِ استشفعوا أكْرِمْ بذلك شافعا)
(فَلَمَّا علا الأعوادَ قَامَ بخُطبةٍ ... تزيد هدى من كَانَ للحقِّ تَابعا)
(وكلُّ عزيزٍ خشيَة مِنْهُ خاشعٌ ... وَأَنت ترَاهُ خشيةَ الله خَاشِعًا)
وَقَالَ فِي نَفسه
(عليُّ بن يحيى جامعٌ لمحاسنٍ ... من الْعلم مشغوفٌ بكسب المحامدِ)
(فَلَو قيل هاتوا فيكمُ اليومَ مثله ... لَعَزَّ عَلَيْهِم أَن يجيئوا بواحدِ)
وَله من الْأَوْلَاد أَبُو عِيسَى أَحْمد وَأَبُو الْقَاسِم عبد الله وَأَبُو أَحْمد يحيى وَأَبُو عبد الله هَارُون
٣ - (الأرمني صَاحب الْغَزْو)
عَليّ بن يحيى الأرمني صَاحب الْغَزْو وَالْجهَاد كَانَ شجاعاً وَله نكايات فِي الرّوم كَانَ قد قفل من إرمينية إِلَى مَيّافارقين وبلغه مقتل عمر بن عبد الله الأقطع فَعَاد يطْلب الرّوم فالتقوه فقاتلوه قتالاً شَدِيدا وقُتل هُوَ وقُتل مَعَه أَربع مائَة رجل من أبطال الْمُسلمين سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ
٣ - (صَاحب المهديّة)
عَليّ بن يحيى بن تَمِيم بن المُعزّ بن باديس السُّلْطَان أَبُو الْحسن الصُّنهاجي ملك الغرب ولد بالمهديّة فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبع مائَة وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرَة وَخمْس مائَة تولى الْملك عِنْد وَفَاته وَالِده وَكَانَ صَارِمًا حازماً صَاحب عزم وشهامة وفوَّض الْأَمر إِلَى وَلَده الْحسن الَّذِي أَخذ الفرنجُ من المهدية وَكَانَ الْحسن آخر سلاطينهم
وَمن شعر عَليّ بن يحيى الْمَذْكُور)
(وسالبةٍ عَقْلِي بحُسن دلالها ... وقدٍّ لَهَا مثلِ السِّنانِ المُقوَّمِ)
стр. 6243
مِنْهَا
(فمالَتْ إِلَى وَصلي فنلتُ بهَا المنى ... وبتُّ صَرِيعًا بَين جيدٍ ومِعْصَمِ)
(فَلم أرَ أحلى مِنْهُ وصلا فحبَّذا ... وصالٌ أَتَى من بعد هجرٍ مُحَكَّمِ)
وَكَانَ أَبوهُ يحيى بن تَمِيم قد ولاّه سفاقس فَلَمَّا مَاتَ وَالِده فُجاءةً على مَا يَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي حرف الْيَاء فِي مَكَانَهُ اجْتمع أَعْيَان الدولة على كتاب كتبوه إِلَيْهِ عَن أَبِيه يَأْمُرهُ بالوصول إِلَيْهِ مسرعاً فوصله الْكتاب فَخرج مسرعاً وَمَعَهُ جمَاعَة من أُمَرَاء الْعَرَب وجدَّ فِي السّير فوصل إِلَيْهِم وَدخل الْقصر يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي من يَوْم الْعِيد يَوْم مَاتَ وَالِده وَلم يُقدِّم شَيْئا على تجهيز وَالِده وصلّى عَلَيْهِ وَدَفنه وَفِي صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر ذِي الحجَّة سنة تسع وَخمْس مائَة جلس للنَّاس ودخلوا عَلَيْهِ وسلّموا عَلَيْهِ بالإمارة وَركب فِي جموعه وجيوشه
وَفِي أيّامه توجَّه أَخُوهُ أَبُو الْفتُوح بن يحيى إِلَى مصر وَمَعَهُ زَوجته بُلاّرة بنت الْقَاسِم وَولده الْعَبَّاس الصَّغِير على الثدي وَوصل الْإسْكَنْدَريَّة وأُنزل وَأكْرم بِأَمْر الْآمِر صَاحب مصر فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يسيرَة وَتُوفِّي فتزوّجت بعده بُلاّرة الزَّوْجَة الْمَذْكُورَة بالعادل عليّ بن سلاّر
وشبَّ الْعَبَّاس وقدَّمه الْحَافِظ صَاحب مصر وَولي الوزارة بعد الْعَادِل الْمَذْكُور
٣ - (نجم الدّين بن بِطريق)
عَليّ بن يحيى بن بِطريق نجم الدّين أَبُو الْحسن الحلِّيّ الْكَاتِب كتب بالديار المصرية أيّامَ الدولة الكاملية ثمَّ اختلّت حَاله فَعَاد إِلَى الْعرَاق وَمَات ببغداذ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وست مائَة وَكَانَ فَاضلا أُصوليًّا
نقلتُ من خطّ شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ بِدِمَشْق وَكتب بهما إِلَى ابْن عُنَيْن عِنْد وُصُوله إِلَى دمشق وَكَانَ بِهِ جربٌ انْقَطع بِسَبَبِهِ فِي دَاره
(مولَايَ لَا بِتُّ فِي همّي وَفِي نَصَبي ... وَلَا لقيتَ الَّذِي ألْقى من العربِ)
(هَذَا زماني أَبُو جَهْلٍ وَذَا جربي ... أَبُو مُعَيْطٍ وَذَا قلبِي أَبُو لَهبِ)
قلت كَذَا وجدته وَأَظنهُ وَلَا لقِيت الَّذِي ألْقى من العطب أَو التَّعَب قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ وَقد بلغه أَن الْملك الْأَشْرَف قد أعْطى شرف الدّين الحلِّي الشَّاعِر سَيْفا محلَّى وتقلَّد بِهِ وتشبّه)
بالحَيْص بَيْص
(تقلَّد رَاجِح الحلّيُّ سَيْفا ... محلَّى واقتنى سمر الرماح)
стр. 6244
(وَقَالَ النّاسُ فِيهِ فقلتُ كُفُّوا ... فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَا من جُناحِ)
(أيَقْدِرُ أَن يُغيرَ على القوافي ... وأموالِ الملوكِ بِلَا سلاحِ)
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
(لي على الرِّيق كلَّ يومٍ رُكوبٌ ... فِي غبارٍ أغَصُّ مِنْهُ بريقي)
(أقصد القلعةَ السَّحوقَ كأنّي ... حَجَرٌ من حجارةِ المنجنيقِ)
(فدوابي تفنى وجسميَ يَضْنى ... هَذِه قلعةٌ على التحقيقِ)
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
(مَا كنتَ أولَ مولى كَانَ لي أمَلٌ ... فِيهِ فمذ بلغَ الآمالَ خيَّبَهُ)
(وَمَا أتيت بشيءٍ لست أعرفُه ... كنزُ الْوَفَاء أعَزَّ الله مطلبَهُ)
وَقَالَ نجم الدّين أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الْوَهَّاب بن الْحسن بن عَليّ القوصي لما كَانَ ابْن بطرِيق بحماة
(إنَّ ابْن بطريقٍ الملعونَ والدُه ... مُذَبْذَبٌ بَين تنكيدٍ وتعذيبِ)
(يسبُّ كلَّ أبي بكرٍ وشيعته ... وَلَيْسَ يبدأُ إلَاّ بِابْن أيُّوبِ)
فَلَمَّا بلغ ذَلِك صَاحب حماة أبعده وقلاه وَأمر بِإِخْرَاجِهِ ونفاه
حدّث الْوَجِيه ابْن سُوَيْد التكريتي قَالَ عمَّر سراجُ الدّين أَبُو الْحسن عَليّ ابْن مُحَمَّد بن يحيى بن طَلْحَة بن حَمْزَة البَجَليّ نَاظر دَار الضَّرْب والجيش ببغداذ دَارا فلمّا فرغ من بنائها صنع دَعْوَة ودعا إِلَيْهَا أكَابِر أهل بغداذ وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ نجم الدّين بن البطريق فَلَمَّا أكلُوا وَخَرجُوا من عِنْده دخل ابْن البطريق إِلَى الْوَزير نصير الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن النَّاقِد فَسَأَلَهُ الْوَزير أَيْن كنت فَقَالَ فِي وَلِيمَة ابْن البَجلِيّ فَقَالَ الْوَزير قيل لي إِن دَاره مليحة فَقَالَ نعم وَقد نظمتُ فِيهَا بَيْتَيْنِ قَالَ وَمَا هما فأنشده
(دارُ السِّراجِ جميلةٌ ... فِيهَا تصاويرٌ بِمُكْنَهْ)
(تحكي كتابَ كليلةٍ ... فَمَتَى أَرَاهَا وَهِي دِمْنَهْ)
فَمَا فرغ من إنشادهما إلَاّ وَقد دخل السِّراج بن البَجلِيّ فَقَالَ لَهُ الْوَزير يَا سراج مَا سَمِعت مَا)
نظمه هَذَا الْفَاضِل الْكَامِل فِي دَارك قَالَ لَا فَالْتَفت الْوَزير إِلَى ابْن البطريق
стр. 6245
وَقَالَ لَهُ أنشدهما فأنشده فَقَالَ ابْن البجليّ وَأَنا السَّاعَة قد نظمت بَيْتَيْنِ فِيهِ قَالَ وَمَا هما فَأَنْشد
(وَلَيْسَ بالفاضل لكنَّه ... فِي خِسَّةِ المَحْتِدِ كالفاضلِ)
(وَلَيْسَ بالكامل لكنَّه ... عينٌ على الدِّيوَان للكاملِ)
فكُتبت المطالعةُ بذلك فَخرج الجوابُ بِأَن يُقطع جاري ابْن البطريق وَيلْزم بَيته فَأَقَامَ فِي مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر إِلَى أَن مَاتَ
٣ - (الشَّيْخ الْكَاتِب النَّيْسَابُورِي)
عَليّ بن يحيى بن سَلَمة الشَّيْخ أَبُو الْحسن النَّيسابوري الْكَاتِب هُوَ أَخُو الشَّيْخ أميرك أَحْمد بن يحيى وَقد تقدَّم وَهُوَ من شعراء الدُّمية أورد لَهُ الباخَرْزي من قصيدة مدح بهَا الْوَزير نظام الْملك
(لقد أحسنَ العُذْرُ عمّا جَنى ... زمانٌ وفى بَعْدَمَا قد جَفا)
(وأثمر أشجارَ روض السرُور ... وأسفر بالنُّجح ليلُ المُنى)
(وَعَاد إِلَى الْعود ماءُ الشَّبَاب ... فجدَّد عنديَ عهدَ الصِّبا)
(وكنتُ قصيرَ الخطى فِي السباق ... فصرتُ أسابقُ ريح الصَّبا)
(وكنتُ نزلتُ بدار الهوان ... فطنَّبْتُ عَزْميَ فَوق السُّهى)
قلت شعر مَقْبُول
٣ - (ابْن الذِّرْوي)
عَليّ بن يحيى القَاضِي الْوَجِيه أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن الذِّرْوي شَاعِر مُجيد توفّي رَحمَه الله تَعَالَى لَيْلَة الْخَمِيس سادس عشر ذِي الحجّة سنة تسع وَسبعين وَخمْس مائَة وَمن شعره
(بَكَرَ الحيا تِلْكَ الربوعَ بِدَرِّهِ ... حتَّى يُقَلِّدُها الربيعُ بدُرِّهِ)
стр. 6246
(وسرى النسيمُ لَهَا بنفحة عنبرٍ ... نقلت شذاها عَن مجامر زهرِهِ)
(دِمنٌ إِذا اقتنص الحشا تذكارُها ... طَار الفؤادُ صبَابَة عَن وَكْرهِ)
(وعَلى العُذَيبِ كَمَا علمتَ مُتيَّمٌ ... كتمَ الهَوَى فوشى النحولُ بسرِّهِ)
(تُذْكي أحاديثُ الغضا زفراته ... حتَّى يخيَّلها الغضا من جمرِهِ)
)
(ويَوَدُّ من زمنٍ تقضَّى باللِّوى ... يَوْمًا يعودُ فيشتريه بعمرِهِ)
(عنِّي بِقَوْلِك يَا نصوحُ فإنَّ لي ... سَمْعاً يَوَقِّرُه الملامُ لِوَقْرهِ)
(حَسْبُ المُفَنِّدِ أنَّه يدْرِي الهَوَى ... أَو لَا فحسبي أنّه لم يَدْرِهِ)
(ومهفهفٍ أبدى الجمالُ بطرفه ... دَعْوَى يُحقِّقُها النحولُ بخصرهِ)
(أيقنتُ أنَّ الجُلَّنارةَ خدُّه ... لما بدا رُمَّانُها فِي صَدْرهِ)
(وعلمتُ أنَّ الخندريسَ رُضابُه ... لما رأيتُ حَبابها فِي ثغرهِ)
(قمرٌ يُذكِّرني الأصيلَ بوصله ... قسراً ويُنسيني الهجيرَ بهجرهِ)
وَقَالَ أَيْضا
(جُنَّ بِهِ العاذلُ لما رآهُ ... وَعَاد يستعذرُ ممّا جَناهْ)
(أَتَاهُ كي يَهدي إِلَى سُلوة ... عَنهُ فضلَّ العقلُ مِنْهُ وتاهْ)
(وَهل يطيعُ القلبُ تفنيدَه ... وَقد عصى لما نهتْهُ نُهاهْ)
(الحبُّ بِالْكِتْمَانِ غُفْلٌ فإنْ ... بُحْتَ بِهِ وشّاهُ قَول الوشاهْ)
(وَمَا على العُذّال من مُغرمٍ ... شفاؤه مَا ضمَّنتْه الشِّفاهْ)
(هويتُه كالروض فِي حسنه ... إِن رَضِيَتْ بِالْوَصْفِ مني حُلاهْ)
(يُنير وَجها وابتساماً فَمَا ... تعرفُ مِنْهُ الثغرَ لَوْلَا لماهْ)
(إِن لم يكن بَدْرًا على بانةٍ ... فإنَّ بَين المنظرين اشتباهْ)
(أنكرَ من قَتْلِي بألحاظه ال ... مرضى دَمًا تعرفه وجنتاهْ)
(وشفَّني سُقْماً فَمَا ضرَّه ... لَو أَبْرَأ الْجِسْم الَّذِي قد براهْ)
وَقَالَ
(ألمَّ وطرفُ النَّجْم قد كَاد يغمضُ ... خيالٌ إِذا دبَّ الْكرَى يتعرَّضُ)
стр. 6247
(سرى ليَ من أقْصَى الشآم وبيننا ... فيافٍ على الساري تطول وتعرضُ)
(هدتْه من الأشواق نارٌ دخانُها ... همومٌ عَلَيْهِ صبغةَ اللَّيْل تنفضُ)
(وأرواه للعشاق دمعٌ تقطَّرت ... مرائرنا من مَائه فَهِيَ عَرْمَضُ)
قلتُ هَذَا معنى بديعٌ جيدٌ إِلَى الْغَايَة
(لَهُ الله من طيفٍ مَتى ذقتُ هجعةً ... أتتْني بِهِ خيلُ الأمانيِّ تركضُ)
)
(يواصلني عمّن هُوَ الدهرَ هاجرٌ ... ويُقْبِلُ لي عمّن هُوَ الدهرَ مُعْرِضُ)
(وَمَا شاقني إلَاّ تألُّقُ بارقٍ ... أرِقْتُ لَهُ والجوُّ بالصبح يجرضُ)
(وللغيم مسكٌ فِي ذرانا مطبّق ... وللظلّ كافورٌ لدينا مُرَضْرَضُ)
(وَقد أشربُ الصهباءَ من كفِّ شادنٍ ... حلاه على شُربِ المدام يُحَرِّضُ)
(يروقُكَ خَدٌّ من للَّثمِ أحمرٌ ... ويُصبيك ثَغْرٌ مِنْهُ للرشف أبيضُ)
(فللحسن من هَذَا شَقِيق مذهَّب ... وللطيب من ذَا أُقحوانٌ مفضَّضُ)
(ونَدْمانِ صدقٍ قد بلوت وكلُّهم ... لودِّك يُصْفي أَو لنصحك يمحضُ)
(تَرَانَا على بُسْط الأزاهر سحرةً ... نَعودُ نسيمَ الرَّوْض ساعةَ يمرضُ)
وَقَالَ
(يَا بانُ إِن كَانَ سكّانُ الْحمى بانوا ... ففيضُ شاني لَهُ فِي إثرهم شانُ)
(وَيَا حمائمُ إِن لحَّنْتِ مسْعدَة ... فلي على دوحة الأشواق ألحانُ)
(أبْكِي الأحبَّةَ أَو أبْكِي مَنَازِلهمْ ... فَإِن مضى ذكر نُعْمٍ قلتُ نَعمانُ)
(قد كَانَ فِي تِلْكَ أوطارٌ نعمتُ بهَا ... ولَّتْ كَمَا كَانَ من هاتيك أوطانُ)
(من لي بأقمار أُنسٍ فِي دجى طُرَرٍ ... أفلاكها العيسُ والأبراج أظعانُ)
(تِلْكَ القدودُ مَعَ الأرداف إِن خطرتْ ... مَا القضبُ قضبٌ وَلَا الكثبان كثبانُ)
(سُقوا من الحُسن مَاء وَاحِدًا فَبَدَا ... مِنْهُم لنا غيرُ صِنْوانٍ وصنوانُ)
(يَا يومَ توديعهم مَاذَا بِهِ ظفرتْ ... عَيْني من الْحسن لَو ولاه إحسانُ)
(جِئْنَا فولّى بهَا الإعراضُ من حذرٍ ... وَكَيف لم تتلفَّتْ وَهِي غِزلانُ)
(من كلِّ فاتنةِ الخدَّين ناهدةٍ ... لَو كَانَ للَّثمِ أَو للضمِّ إمكانُ)
(يدلُّ فِي وجنتيها الجُلَّنارُ على ... أنّ الَّذِي حَاز مِنْهَا الصَّدْر رُمّانُ)
стр. 6248
(كم طرتُ شوقاً إِلَيْهَا فِي الرِّيَاح ضَنًى ... فَظُنَّ بلقيسَ وافاها سليمانُ)
وَقَالَ
(نَعم دارُ نُعْمٍ أشرفتْ من فجاجها ... فملْ نَحْوهَا بالناجياتِ وناجِها)
(وإنْ حثَّ ساقي الشوقِ كأسَ تلهُّفٍ ... فَمَا الدمعُ مخلوقاً لغير مزاجها)
(خليليَّ قد لجَّجْتُ فِي الحبِّ رَغْبَة ... فَهَل للُواحي رغبةٌ عَن لجاجها)
)
(وَكم للمطايا يومَ رملةِ عالجٍ ... من البينِ مرضى حُيِّدَت عَن علاجها)
(وَكم من شَجٍ سلَّت عَلَيْهِ يدُ النَّوَى ... ظُباها فأمسى مثخناً من شجاجها)
(فَمَا ضرَّ هاتيك الركائبَ لَو رثَتْ ... فعاجتْ على المُضْنى بدمية عاجها)
(وَبِي قُضْبُ وشيٍ هيَّمَت باهتزازها ... على كُثْب أُزْرٍ تَيَّمَتْ بارتجاجها)
(تحيِّيكَ مِنْهَا للثغور لآلئٌ ... حياةُ المُعنَّى رشفةٌ من مُجاجها)
وَقَالَ
(أقولُ والفجرُ قد لاحتْ بشائره ... والجوُّ قد كَاد ينضو حُلَّةَ السَّدَفِ)
(والليلُ خلفَ عَصا الجوزاء من خَوَرٍ ... قد آل فِي عمره للشيبِ والخَرَفِ)
(راهنتَ يَا نجمُ طرفِي فِي السهاد وَقد ... بدا بأجفانك التغريرُ فاعترفِ)
وَقَالَ
(مَا بَين وَجهك والهلال سوى ... أنَّ الأهلَّة لَا تُميتُ هَوى)
(لله منظرُ من كلفتُ بِهِ ... مَاذَا من الحسنِ البديع حوى)
(والنجم مِنْهُ إِذا هوى وذوى ... مَا ضلَّ مثلي عاشق وغوى)
(ظبيٌ رأى بلهيب وجنته ... للقلب طبًّا آخرا ولوى)
(مَا الغصنُ هزَّته الْجنُوب إِذا ... مَا السكرُ هزَّ قوامَهُ ولوى)
(لَام العذولُ وَقد رَآهُ وَكم ... عاوٍ على الْبَدْر الْمُنِير عوى)
(يَا من غَدا بِنَواهُ يوعدني ... ليكنْ عقابُك لي بِغَيْر نوى)
(انْظُر إِلَى جسمي يذوب ضنًى ... وَانْظُر تجدْ قلبِي يُفَتُّ جوى)
стр. 6249
وَقَالَ قصيدةً مدح بهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ذَات قوافٍ متعدِّدة مَتى أردتَ أنشدتها على أيِّ رويٍّ شئتَ من السِّين وَالْبَاء وَالدَّال وَالْعين وَالرَّاء وَاللَّام وَالْمِيم وَالنُّون والثاء وَالْفَاء وَالْكَاف وَالضَّاد والغين وَالْخَاء والشين وَالتَّاء والطاء وَالْهَاء وَالصَّاد وَالْقَاف وَالْجِيم والحاء وَالزَّاي وَالْيَاء مَهْمُوزَة أوْلها
(نَوًى أطلعت مِنْهَا القفارُ البسابسُ ... نخيلَ مطيٍّ طلعُهنَّ أوانسُ)
فلكَ أَن تَقول القفارُ السباسبُ القفارُ الفدافدُ القفارُ البلاقعُ القفارُ الحواترُ القفارُ المجاهلُ القفارُ المخارمُ القفارُ الشواطنُ القفارُ البرائثُ القفارُ التنائفُ القفارُ العوانكُ القفارُ)
المرافضُ القفارُ الزوائغُ القفارُ السرابخُ القفارُ العواطشُ القفارُ السبارتُ القفارُ البسائطُ القفارُ المهامهُ القفارُ المراهصُ القفارُ السمالقُ القفارُ الفواتحُ القفارُ الصحاصحُ القفارُ البوارزُ القفارُ المواطئُ وَهَكَذَا تغيرّ كل قافيةٍ من هَذِه الْحُرُوف فَتكون هَذِه القصيدة أَرْبعا وَعشْرين قصيدة وَهِي فِي غَايَة الْحسن وَعدم التكلّف وَدخل الْوَجِيه ابْن الذِّروي يَوْمًا إِلَى الحمَّام وَمَعَهُ ابْن وَزِير الشَّاعِر فَقَالَ ابْن وَزِير
(لله يومي بحمَّامٍ نعمتُ بهَا ... والماءُ مَا بَيْننَا من حَوْضهَا جاري)
(كأَنَّه فَوق شقَّات الرخامِ ضحى ... ماءٌ يسيلُ على أثوابِ قَصَّارِ)
فَقَالَ ابْن الذِّروي
(وشاعرٍ أوقد الطبعُ الذكيُّ لَهُ ... فكاد يُحرقه من فرطِ إذكاءِ)
(أَقَامَ يُعمل أَيَّامًا رويَّته ... وشبَّه المَاء بعد الْجهد بِالْمَاءِ)
وَقَالَ ابْن الذِّروي فِي الحمَّام
(إنَّ عيشَ الحمَّامِ أطيبُ عيشٍ ... غيرَ أنَّ المُقامَ فِيهَا قليلُ)
(هِيَ مثل الْمُلُوك تصفي لَك الو ... دَّ قَلِيلا لكنّه يستحيلُ)
(جنَّةٌ تُكره الإقامةُ فِيهَا ... وجحيمٌ يطيبُ فِيهِ الدخولُ)
(فكأَنَّ الغريقَ فِيهَا كليمٌ ... وكأَنَّ الحريقَ فِيهَا خليلُ)
وَفِي ابْن الذِّروي يَقُول نشءُ الْملك بنُ المنجِّم
(لَا تَنْسُبَنَّ الوجيهَ حِين كسا ... بُردته للغلامِ من غَلَطهْ)
(واللهِ مَا لَفَّهُ ببردته ... إلَاّ لأخذ القضيبِ من وَسَطهْ)
стр. 6250
وَيَقُول ابْن المنجِّم أَيْضا
(قل لمن تله حِين مَ ... رَّ علينا ببغلِهْ)
(بَعْدَمَا كَانَ لَيْسَ يم ... لَك شِسعاً لنعلِهْ)
(وكسا البردةَ الغلا ... مَ جَزَاء بفعلِهْ)
(أكذا كلُّ شاعرٍ ... بَعْلُهُ خلفَ بغلِهْ)
وَلابْن الذِّروي قصيدة ذاليَّة مليحة مدح بهَا مجد الدّين الْمُبَارك بن منقذ وَهِي مَذْكُورَة فِي تَرْجَمَة الْمُبَارك فِي مَكَانَهُ قَالَ أَبُو مُوسَى عمرَان الخندقي قَاضِي طنبذى دخلتُ وَجَمَاعَة من)
أَصْحَابنَا على الْوَجِيه ابْن الذِّروي وَهُوَ يشرب مَعَ قوم فمزحنا مَعَهم وداعبناهم فصُفع الْوَجِيه فَقَالَ مرتجلاً
(ويومٍ قاسمتْنا اللهوَ فِيهِ ... أُناسٌ لَيْسَ يَدْرُونَ الوَقارا)
(أدَرْنا الصفعَ والكاسات فِيهِ ... فعربدتِ الصُّحاةُ على السُّكارى)
٣ - (زين الدّين بن السَّدَّار)
عَليّ بن يحيى بن أَحْمد بن عبد الْعَزِيز الرئيس زين الدّين أَبُو الْحسن بن السَّدَّار الْأنْصَارِيّ الْمصْرِيّ الْكَاتِب المنشئ ولد بِالْقَاهِرَةِ فِي الدولة العُبيدية سنة خمس وَخمسين وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وست مائَة وَكتب فِي ديوَان الْإِنْشَاء فِي الدولة الناصرية والعادلية والكاملية وَهُوَ أَخُو الْوَجِيه مُحَمَّد وَكتب الْإِنْشَاء للصاحب صفيّ الدّين بن شُكْر
٣ - (ابْن الشاطبي الشَّافِعِي الْمسند)
عَليّ بن يحيى بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي بكر الشَّيْخ الْفَقِيه الْمُقْرِئ الْفَقِيه الْعَالم الْمسند عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن التُّجيبي الشاطبي الدِّمَشْقِي الشَّافِعِي الشَّاهِد ولد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وست مائَة وتوفِّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسبع مائَة سمع من الرشيد بن مسلمة وَالْمجد الإِسْفِرَايِينِيّ والرشيد الْعِرَاقِيّ والنُّور الْبَلْخِي واليَلْداني وَالْجمال الصُّوري وعدة وَأَجَازَ لَهُ ابْن الجُمَّيزي وَغَيره وخرَّج لَهُ الشَّيْخ صَلَاح الدّين
стр. 6251
العلائي وَطَالَ عمره وتفرَّد وروى الْكثير وَكَانَ لَهُ مسجدٌ وحلقة مدارس وَعجز آخرا وَانْقطع وَكَانَ يُسمع قي القباقبِيِّين
٣ - (ابْن نَخْلَة الشَّافِعِي)
عَليّ بن يحيى بن نَخْلَة الشَّيْخ عَلَاء الدّين مدرِّس الدَّوْلَعية توفِّي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسبع مائَة
٣ - (المسيَّبي الشَّاعِر)
عَليّ بن يحيى أَبُو الْحسن البغداذي المسيَّبي مدح عضد الدولة بِفَارِس قَالَ أَبُو عبد الله الخالع كَانَ منتحلاً وكنَّا نعمل الْأَشْعَار ويمدح بهَا النَّاس وَكَانَ مَاجِنًا ظريفاً سَافر إِلَى ابْن عبَّاد ومدحه بقصيدة كَانَت مَعَه وَعرف من بعد أنَّه كَانَ ينتحل وَسَأَلَهُ أَن يعْمل لَهُ أشعاراً يمدح بهَا سواهُ ممَّن يلقاه فِي تِلْكَ الْبِلَاد فَفعل ابْن عبَّاد ذَلِك وَكَانَ يُعجبهُ أمره ويخفُّ على قلبه)
٣ - (القَاضِي عَلَاء الدّين بن فضل الله)
عَليّ بن يحيى بن فضل الله القَاضِي عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء تقدَّم بقيَّة نسبه فِي ذكر أَخِيه القَاضِي شهَاب الدّين بن فضل الله
لما نزل أَخُوهُ القَاضِي شهَاب الدّين من القلعة فِي حَيَاة وَالِده القَاضِي محيي الدّين وَلزِمَ بَيته تقدَّم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر إِلَى وَالِده أَن يدع القَاضِي عَلَاء الدّين يكون يدْخل يقْرَأ الْبَرِيد وَيخرج وينفِّذ الأَشغال على قَاعِدَة أَخِيه وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَلم يزل كَذَلِك إِلَى توفّي وَالِده فاستقلَّ بالوظيفة بمفرده وَقَامَ بهَا أحسن قيام وخدمته السَّعَادَة وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي الْملك النَّاصِر وَولي وَلَده الْملك الْمَنْصُور أَبُو بكر فاستمرَّ بِهِ ولمَّا تولى الْملك الْأَشْرَف عَلَاء الدّين كُجُك أَخُوهُ زَاده إنعاماً من الدَّرَاهِم والغلَّة فِي كلِّ سنة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن حضر الْملك النَّاصِر أَحْمد من الكرك ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فتوجَّه مَعَه وَأقَام بالكرك عِنْد السُّلْطَان فلمَّا تولَّى السُّلْطَان الْملك الصَّالح دخل القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد أَخُوهُ وسدَّ الْوَظِيفَة إِلَى أَن جَاءَ القَاضِي عَلَاء الدّين من الكرك فاستمرَّ فِي منصبه على عَادَته وَلَا أعرف أحدا كتب الثُّلث فِي عصره مثله إنَّه جوَّده إِلَى الْغَايَة وَكتب
стр. 6252
الرّقاع من أحسن مَا يكون وَلَكِن تفرَّد بِالثُّلثِ وإتقانه وقدَّم جمَاعَة فِي أيَّامه وَدخل بأولاد الموقِّعين الدِّيوَان وَزَاد النَّاس وَأحسن إِلَيْهِم
وقف على جُزْء من التَّذْكِرَة الَّتِي لي فَلَمَّا أنهاه مطالعةً كتب عَلَيْهِ بقلمه الْمليح السعيد طالعتُ هَذَا السّفر فَإِذا هُوَ مُسفرٌ عَن روض يَانِع الثِّمَار وبحر تتدفَّق مَعَانِيه الغِزار وكنز ينثر على الطّلبَة سبائك النُّضار وَربع آهل المغاني بمعانٍ تُطرب بالمسموع وَيَدْعُو تَرْجِيع ألحانه الطير إِلَى الْوُقُوع وَجمع بديع لَا نَظِير لَهُ فِي الْآحَاد وَلَا فِي الجموع فاجتلتِ النفسُ مَعَانِيه البديعة لمَّا استهلَّتْ ونهلتْ مِنْهُ عِنْد موردها وعلَّتْ وَعلمت أَن لَا زبدة لجريها فِي هَذِه الحلبة فتسلَّتْ فَللَّه هَذَا الدوح الَّذِي دحا زهرَ الْآدَاب صلاحُ غرسه وَمَا أبدع مَا نمَّقته يدُ كَاتبه من الوشي المرقوم فِي طِرسه فَلَو أنصفه مَشَايِخ الأدباء لأطلعه كلٌّ مِنْهُم شمساً ينظر إِلَيْهَا بِعَين الحِرباء
وَكتب بعد ذَلِك شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ
(إنَّ الحسود عِنْدَمَا ... عاينَ ذَا الحسنَ افتتنْ)
)
(وَقَالَ لَا بِدْعَ إِذا ... أُتِي عليٌّ بالحَسَنْ)
وَكَانَ الَّذِي كتبه القَاضِي عَلَاء الدّين على أول الْجُزْء وَكتب شمس الدّين بعد ذَلِك فِي آخِره طالعتُ هَذَا الْجُزْء واجتليتُ قمره واجتنيتُ ثمره وسرَّحت النَّاظر وشرحتُ الخاطر وَوَجَدته قد اشْتَمَل على مَا يملأُ الْقلب والسمع وألفيته وَاحِدًا فِي نَوعه يشهدُ لجامعه بِحسن الْجمع فقد سطعت أنوارُه وأينعت أزهارُه ودليلٌ على اللبيب اختيارُه فعلقتُ مِنْهُ طرائفَ بِدعَة ولطائفَ صَنِيعَة وَلَو أنصفتُ لعلقتُه جميعَه فلمَّا وقفتُ على الأول وَالثَّانِي قلت فِي ذَلِك
(إنَّ أوراقاً جمعتُ بهَا ... لفظَ أهلِ الفضلِ والزَّيْنِ)
(طُرِّزتْ من هَاهُنَا وَهنا ... فَأَنا بَين الطرازَيْنِ)
ووقف القَاضِي عَلَاء الدّين على مَا نظمتُه قَدِيما وَهُوَ بيتان
(إنِّي لأعجبُ من صدودكِ والجفا ... من بعدِ ذَاك القربِ والإيناسِ)
(حاشا شمائلكِ اللطيفةَ أَن تُرى ... عوناً عليَّ مَعَ الزَّمَان القاسي)
فكأَنَّهما أعجباه فَقَالَ مجيزاً لَهما
(أَوَثغرُكِ الصافي يردُّ حُشاشتي ... تَشْكُو لهيباً من لظى أنفاسي)
стр. 6253
(تالله مَا هذي طباعك فِي الْهوى ... لَكِن حظوظٌ قُسِّمتْ فِي الناسِ)
فَأَنْشَدته لي أَيْضا
(يَا مَن تناسى ودادي بعد معرفةٍ ... وَقد غَدا طوعَ لُوَّامٍ وعُذَّالِ)
(مَا أنتَ أوَّلَ محبوبٍ ظفرتُ بِهِ ... من الزَّمَان فخابتْ فِيهِ آمالي)
فأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ
(هجرتْ عَزَّةٌ وزادت دلالا ... وتوارتْ إذْ زرتُها عَن عِياني)
(لَا تخافي إِذا الْتَقَيْنَا عتابا ... ذَاك حظِّي عرفتُه من زماني)
فنظمتُ فِي هَذِه الْمَادَّة
(إِن أتيتَ الْحمى فقُلْ لبدورٍ ... حبُّهم لذَّ لي وَإِن كَانَ آذَى)
(مَا لكم فِي البعاد وَالله ذنبٌ ... سوءُ حظِّي الَّذِي قضى لي بِهَذَا)
فأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ)
(قَالَ لي عاذلي تَسَلَّ إِلَى كم ... أنتَ تهوى وَذَاكَ بالهجر مُغرى)
(قلتُ أمَّا الجفا فَمن سوء حظِّي ... وسُلُوِّي فَلَا وَهَى وأنتَ أَدرى)
فقلتُ أَنا أَيْضا أَتُحْرِقُ أحشائي وتُجري مدامعيأَأَنتَ عدوٌّ أم تقولُ حبيبُ
(وَمَا أنتَ ممَّن خَان عهدَ محبِّه ... ولكنَّ حظِّي فِي الغرام عجيبُ)
وأنشدني لنَفسِهِ تخميس الأبيات السينيَّة الَّتِي بيني وَبَينه وَهُوَ
(كُفِّي عتابكِ قد جرى مَا قد كفى ... شفَّ الضَّنى جَسَدِي فصرتُ على شفا)
(تعدِينَ وصلا ثن تجتنبي الوفا ... إنِّي لأعجبُ من صدودكِ والجفا)
من بعدِ ذَاك القربِ والإيناسِ
(قد صرتُ أقنع بالخيال إِذا سرى ... فَعدا عليَّ الدهرُ إذْ سلب الْكرَى)
(هَا فاسْكتي لَا تُسعديه على الوَرَى ... حاشا شمائلكِ اللطيفةَ أَن تُرى)
عوناً عليَّ مَعَ الزَّمَان القاسي
(أم أنَّ عدلَك لَا يُزيل ظُلامتي ... وضِيا جبينِك لَا يردُّ ضلالتي)
(أَو حسنُ لفظك لَا يجيبُ مَقَالَتي ... أَو ثغرُك الصافي يردُّ حُشاشتي)
стр. 6254
يشكو لهيباً من لظى أنفاسي
(خلَّيتِني والعودَ فِي حالٍ سوا ... وتركتني حِلْفَ السُّهادِ مَعَ الجوى)
(من قَالَ إنَّك تقتلي صبًّا غوى ... تالله مَا هذي طباعك فِي الْهوى)
لَكِن حظوظٌ قُسِّمَتْ فِي الناسِ وتقدَّم إليَّ بِأَن أخمِّس الأبيات الْمَذْكُورَة فقلتُ
(يَا من رأى كَلَفي بِهِ فتعطَّفا ... وحنا وجاد بوصله وتلطَّفا)
كَيفَ انخدعتَ وملتَ عَن طرقِ الوفا
(أشمتَّ بِي الأعداءَ من بَين الوَرَى ... ومنعتَ عَيْني أَن ترى طيفَ الْكرَى)
عجبا لحظِّي مِنْك كَيفَ تغيَّرا
(إنِّي أعوذُ بِمن قضى بصبابتي ... أَن لَا ترقَّ وترعوي لكآبتي)
أَو أَن ترى فيَّ المرادَ شوامتي)
(أتساعدُ الأيامَ فِي جَور النَّوى ... وَتَكون عوناً للصبابة والجوى)
وتذيب صبري والتجلُّدَ والقوى وخمَّسها جماعةٌ من شعراء الْعَصْر ورُزقت حظًّا من سعادته وغنَّى بهَا المغنون وكتبتُ إِلَيْهِ من الشَّام وَقد ورد عليَّ كِتَابه من الْقَاهِرَة
(وافى الكتابُ كَمَا أردتُ فعُدتُ من ... إجلاله عِنْدِي أقومُ وأقعدُ)
(وَلكم لثمتُ الثَّرى فِي سجدةٍ ... وأطلتُ حتَّى قيل هَذَا هدهُدُ)
فَكتب الْجَواب على ذَلِك
(أهْدى مشرَّفُكَ السليمانيُّ مَا ... يفنى الزمانُ وحسنُه لَا ينفذُ)
(وفهمتُ سجدَةَ هدهدٍ قد وافقتْ ... وطبتُ حتَّى قلتُ فِيهِ معبدُ)
وَله جمعت كتابي الَّذِي سميتُه المجاراة والمجازاة حَسْبَمَا طلبه منِّي وجهَّزته إِلَيْهِ وكتبتُ مَعَه قصيدةً امتدحتُه بهَا وَهِي
(لَك جفنٌ لَو خَالف الصبُّ أمْرَهْ ... عَاد بالدمع جفنُه وَهُوَ أَمْرَهْ)
(أيُّ عينٍ سوداءَ قد تركتْ فِي ... صحنِ خدِّي من المدامع نُقْرَهْ)
(يَا غزالاً فِيهِ من الغصنِ مَيْلٌ ... وقضيباً فِيهِ من الظَّبي نَفْرَهْ)
стр. 6255
(أَنا أغْنى الأَنام فِيك لأنِّي ... طالما نلتُ من محيَّاك بَدْرَهْ)
(لَك خدٌّ يُخالُ صفحةَ بدرٍ ... كُسفتْ وَسْطَها من الخالِ زُهْرَهْ)
(وشذًى كلما تذكَّرتُ مِنْهُ ... نَشرَه كلن لي من الدمع نُشْرَهْ)
(يَا لذاك الجبينِ إذْ رحتُ مِنْهُ ... وثيابي بالدمعِ فِي الشمسِ عُصْرَهْ)
(ولذاك الرِّيق الَّذِي مُذْ حلا لي ... كم تجرَّعتُ مُرَّهُ مِنْهُ مَرَّهْ)
(ولذاك العذار إذْ زَان خدًّا ... صَار مِنْهُ للصبِّ ماءٌ وخُضْرَهْ)
(أَتَرَى رَقْمه بكفِّ عَلَاء ال ... دينِ لمَّا بدا وجرَّد سَطْرَهْ)
(قلمٌ فِي بنانه يَجْعَل الطِّر ... سَ مُحَيًّا وطُرَّةً فِيهِ غُرَّهْ)
(هِيَ كفٌّ لَو جفَّتِ الأَرضُ محلا ... لم تعُز من يراعه غيرَ مَطْرَهْ)
(لم يكن حارماً لمن حلب الرز ... قَ وَإِن جَاءَهُ حَماهُ المَعَرَّهْ)
(خلِّ سَمْعِي من قَوْلك ابْن هلالٍ ... بدرُ هَذَا أتمُّ فِي كلِّ نَظْرَهْ)
)
(ولأوضاعه حلاوَةُ معنى ... طالما أرْسلت من الْجُود قَطْرَهْ)
(لَيْسَ كتبٌ يخُطُّها قطُّ كتبا ... بل رياضٌ قد أينعتْ كلَّ زَهْرَهْ)
(تصدرُ الكتبُ فِي الممالك عَنهُ ... فتُسَرُّ القلوبُ مِنْهَا وتَكْرَهْ)
(فَهِيَ عِنْد الوليِّ أطواق جيدٍ ... وَهِي عِنْد العدوِّ تقصد نَحْرَهْ)
(وَإِذا مَا أَرَادَ نظمَ قَريضٍ ... قلتَ سحرًا أدارَ أم كأس خَمْرَهْ)
(بقوافٍ تمكَّنتْ واطمأنَّتْ ... لَا كمن جرَّها إِلَى البيتِ سُخْرَهْ)
(أَيْن لفظٌ يَأْتِي كنسمةِ روضٍ ... من مقالٍ يُلقي على القلبِ صَخْرَهْ)
(ذَاك فِي السّمع دُرَّةٌ وَأرى ذَا ... فِي الْقَفَا مثلهَا وَفِي الدالِ كَسْرَهْ)
(وحسودٍ يَقُول لَا أرضَ هَذَا ... قلتُ تيهاً يَا أسودَ الوجهِ بَعْرَهْ)
(أيُّها السيِّدُ المُمَجَّدُ حَالي ... بك حالٍ وَكَانَ من قبلُ عِبْرَهْ)
(إنَّ هَذَا الْكتاب بِاسْمِك لَمَّا ... صُغْتُه عظَّمَ البريَّةُ قَدْرَهْ)
(صُنهُ عَن جاهلٍ بِمَا قد حواهُ ... مَا ترى كلَّ ذرَّةٍ مِنْهُ دُرَّهْ)
(إنَّ عينا بالوجهِ مِنْك تَمَلَّتْ ... كَحَلَتْ جفنَها بمِيلِ المَسَرَّهْ)
(وفؤاداً لَا يمتلي بكَ حُبًّا ... رزقَ اللهُ ليله منكَ فَجْرَهْ)
стр. 6256
(لَك باللائذين حولك لطفٌ ... وبمن بَان عَن حماك مَبَرَّهْ)
(أتمنَّى لَو عشتَ لي ألفَ عامٍ ... والمحبُّ الصدوق فِي الوُدِّ يَشْرَهْ)
(فابقَ مَا رقَّصَ النسيمُ غصوناً ... مَيَّلَتْ عِطفها الحمائمُ بُكْرَهْ)
ولي فِيهِ عدَّة مدائح قصائد ومقاطيع وموشَّحات وأزجال وَقد جمعت ذَلِك فِي مُجَلد سميتُه الْكَوَاكِب السمائيَّة فِي المناقب العلائيَّة
٣ - (العُمَيْلَة)
عَليّ بن هبة الله اللَّخْمِيّ الْمَعْرُوف بالعُمَيْلَة بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْمِيم وَالْيَاء آخر الْحُرُوف وَلَام بعْدهَا هَاء قَالَ ابْن رَشِيق فِي الأُنموذج كَانَ شَاعِرًا مَشْهُورا يَأْتِي كلَّ شيءٍ ظريفٍ على بَلَهٍ فِيهِ وبلادة وقلّة علم فِي بثِّ ذَلِك حتَّى جَعَلُوهُ مُدَّعياً سَارِقا وَكَانَت لَهُ بيتوتةٌ فِي الشّعْر فبأشعارهم يُتَّهم وَزعم قومٌ أنَّ أُخْته كَانَت شاعرة تصنع لَهُ إِلَى أَن صنع فِي سيّدنا نصير الدولة قصيدة ذكر فِيهَا وقعته بِزَنانة فِي وَقتهَا)
(أظبيُكِ يَا وَجْرَةُ الأعفرُ ... رماني أمِ الآنسُ الأحورُ)
يَقُول فِيهَا
(وَلم أرَ مثليَ مُستخبراً ... عنِ الشيءِ وَهُوَ بِهِ أخبرُ)
(إِذا ملكَ الحُبُّ حَبَّ القلوبِ ... فعنهُ يَرى وَبِه يُبصرُ)
هَكَذَا الرِّوَايَة فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ تَكْرِير يقبح على الشَّاعِر الحاذق وَإِن سومح فِيهِ وَالَّذِي أرى أَن يُروى فعنهُ يَعي وَبِه يبصرُ ثمَّ إنَّه ذكر انهزام الْقَوْم ومواضع الْقِتَال والوقائع فَقَالَ يُخَاطب مُحَمَّد بن أبي العَرَب
(ولمَّا طَغى وبغى فُلْفُلٌ ... فطاش بِهِ رَأْيه الأخسرُ)
(وغرَّتْهُ أطماعهُ الكاذباتُ ... وإبليسُ دأباً بِهِ يَمكرُ)
(دعَاك إِلَيْهِ نصير الإِمَام ... وَمَا فَوق ذَا لامرئٍ مَفخرُ)
(فأضحكتَ مِنْهُم ضباعَ الفلا ... وزارتهمُ الطُّلْسُ والأَنسرُ)
(فقبر الشَّهِيد عَلَيْهِم شهيدٌ ... كَمَا اعلان لَهُم محشرُ)
(وعادتْ سَبِيبة سبًّا عَلَيْهِ ... وَهَذَا جزاءٌ لمن يَكفرُ)
стр. 6257
وَأورد لَهُ أرجوزةً قافيَّة طرديَّة مليحة مِنْهَا
(والفجرُ كالسيفِ الخفيِّ الرونقِ ... أَو بدءِ شيبٍ فِي خَفيِّ مفرقِ)
(والديكُ قد صَاح بِهِ أَن أشْرِقِ ... فِي سَدَفٍ مثلِ الرداءِ المخلقِ)
(حتَّى بدا فِي ثَوْبه الممزَّقِ ... كالكِسرويِّ بارزاً فِي يلمَقِ)
وَمِنْهَا
(من كفِّ ظبيٍ أعجميِّ المنطقِ ... مُدلَّلٍ منعَّمٍ مُفتَّقِ)
(أهيفَ ذِي ذؤابةٍ وقُرطَقِ ... مُشنَّفٍ مُوشَّحٍ مُنطَّقِ)
يعشقه لِلْحسنِ من لم يعشقِ وَمِنْهَا فِي الْكَلْب
(بكلِّ ذِي نابٍ حديدٍ أورقِ ... وبُرْثُنٍ كالمبضعِ المُذلَّقِ)
(يجمع مَا بَين اللأَى والخِرْنِقِ ... ويتبعُ الدَّرْدَقَ إثرَ الدَّرْدَقِ)
)
وَمِنْهَا
(وطائرٍ ذِي جُؤْجُؤٍ منمَّقِ ... كأَنَّما استعاره من مُهرَقِ)
(مُسرولٍ مُحجَّلٍ مُسبَّقِ ... لَا يتَّقي مَا مثله لَا يتَّقي)
(وَلَا يَرُدُّ مِنسراً عمَّا لَقِي ... فَمَا تركْنا لائذاً بعَرَقِ)
(وَلَا هتوفاً بَين غصنٍ مورقِ ... تُصاد فِي وكرٍ لَهَا مُعلَّقِ)
(فواغراً أفواهَها كالأَفوقِ ... وَلَا وُعولاً فِي منيعٍ أخلَقِ)
قلتُ أرجوزةٌ جيّدة وَهِي طَوِيلَة وذَكر أنَّه توفّي بتونس سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع مائَة وَقد أشرف على السّبْعين سنة
(عَليّ بن يَعْقُوب)
٣ - (نور الدّين الْبكْرِيّ الشَّافِعِي)
عَليّ بن يَعْقُوب بن جِبْرِيل الإِمَام الْمُفْتِي الزَّاهِد نور
стр. 6258
الدّين الْبكْرِيّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي كَانَ مطَّرحاً للكلفة نهَّاءً عَن الْمُنكر وثب مرَّةً على العلاّمة تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية ونال مِنْهُ وَنزل دَهْروط وَغَيرهَا توفِّي سنة أَربع وَعشْرين وَسبع مائَة قَرَأَ على بنت المنجّا مُسْند الشَّافِعِي
وَله تواليف وَكَانَ ديِّناً عفيفاً ولمَّا استُعيرت البسُطُ والقناديل من جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر لبَعض كنائس القبط فِي يَوْم من أَيَّام أعيادهم ونُسب هَذَا الْأَمر إِلَى كريم الدّين وَفعل مَا فعل طلع الْبكْرِيّ إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان وكلَّمه فِي ذَلِك وَأَغْلظ القَوْل لَهُ وَكَاد ذَلِك يجوز على السُّلْطَان لَو لم يحلَّ بعض الْقُضَاة الْحَاضِرين عَلَيْهِ وَقَالَ مَا قصَّرَ الشَّيْخ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ فحينئذٍ أغْلظ السُّلْطَان فِي القَوْل للبكري فخارت قواه وَضعف ووهن فازداد تأليبُ بعض الْحَاضِرين عَلَيْهِ فَأمر السُّلْطَان بِقطع لِسَانه فجَاء الْخَبَر إِلَى صدر الدّين بن الْوَكِيل وَهُوَ فِي زَاوِيَة السُّعودي فَركب حمَار مُكارٍ للعجلة وَصعد إِلَى القلعة فَرَأى الْبكْرِيّ وَقد أُخذ ليُمضى فِيهِ مَا أُمر بِهِ فَلم يملك دُمُوعه أَن تساقطت وفاضت على خدِّه وبلَّت لحيته فاستمهل الشرطة عَلَيْهِ ثمَّ صعد الإيوان وَالسُّلْطَان جالسٌ بِهِ فتقدَّم إِلَيْهِ بِغَيْر إِذن وَهُوَ باكٍ فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان خيرٌ يَا صدر الدّين فَزَاد بكاؤه ونحيبه فَلم يزل السُّلْطَان يرفق بِهِ وَيَقُول لَهُ خيرٌ مَا بك إِلَى أَن قدر على الْكَلَام فَقَالَ لَهُ هَذَا البكريُّ من الْعلمَاء الصلحاء وَمَا أنكر إلَاّ فِي مَوضِع الْإِنْكَار ولكنَّه لم يُحسن التلطُّف فَقَالَ السُّلْطَان إِي واللهِ أَنا أعرف هَذَا إلَاّ هَذَا خطبَه ثمَّ)
انْفَتح الْكَلَام وَلم يزل الشَّيْخ صدر الدّين بالسلطان يلاطفه ويرقِّقُه حتَّى قَالَ لَهُ خُذه ورُح فَأَخذه وَانْصَرف هَذَا كلُّه والقضاةُ حضورٌ وأمراء الدولة ملْء الإيوان مَا فيهم مَن ساعده وَلَا من أَعَانَهُ إلَاّ أميرٌ وَاحِد
٣ - (ابْن أبي العَقِب الدِّمَشْقِي)
عَليّ بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن شَاكر بن زامل بن أبي العَقِب أَبُو الْقَاسِم الْهَمدَانِي الدِّمَشْقِي محدّث الشَّام الثِّقَة توفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَثَلَاث مائَة وَمن شعره
(أَنِستُ بوحدتي ولزمتُ بَيْتِي ... فدام العيشُ لي ونما السرورُ)
(وأدَّبني الزمانُ فصرتُ فَردا ... وحيداً لَا أُزارُ وَلَا أَزورُ)
(ولستُ بقائل مَا عشتُ يَوْمًا ... أسارَ الجيشُ أم ركبَ الأميرُ)
(مَتى تقنعْ تعِشْ ملكا عَزِيزًا ... يَذِلُّ لعزِّكَ الْملك الفخور)
стр. 6259
٣ - (عماد الدّين الْموصِلِي الْمُقْرِئ الشَّافِعِي)
عَليّ بن يَعْقُوب بن شُجَاع بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي زهران الشَّيْخ عماد الدّين أَبُو الْحسن الْمُقْرِئ المجوِّد الْموصِلِي الشَّافِعِي كَانَ إِمَامًا بارعاً فِي الْقرَاءَات وعللها ومشكلها بَصيرًا بالتجويد والتحرير حاذقاً بمخارج الْحُرُوف انْتَهَت إِلَيْهِ رئاسة الإقراء بِدِمَشْق أَخذ الْقرَاءَات عَن أبي إِسْحَاق بن وثيق الأندلسي وَغير وَاحِد وَكَانَ فَقِيها مبرِّزاً يُكَرر على الْوَجِيز للغزالي وَحفظ الْحَاوِي فِي آخر عمره وَكَانَ جيّد الْمنطق والأُصول فصيحاً مفوَّهاً مناظراً وَفِيه عِشرة وبَأْوٌ وتِيه صنف ل الشاطبية شرحاً يبلغ أَربع مجلَّدات لكنَّه لم يكمله وَلم يبيّضه وليَ الإقراء بتربة أم الصَّالح بعد الشَّيْخ زين الدّين الزَّواوي وَكَانَ الشَّيْخ زيد الدّين يعظِّمه ويقدِّمه على نَفسه ولد سنة إِحْدَى وَعشْرين وست مائَة وتوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وست مائَة وَكَانَ وَالِده فَقِيها فَاضلا شَاعِرًا وَكَذَا جدّه شُجَاع لَهُ شعر دفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
٣ - (السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم الْوَاعِظ)
عَليّ بن يعلى بن عوض بن مُحَمَّد بن حَمْزَة يَنْتَهِي إِلَى عمر بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَبُو الْقَاسِم الْوَاعِظ من أهل هراة كَانَ من مشاهير خُرَاسَان فِي الْوَعْظ والتذكير وَكَانَ مليح الْعبارَة حُلْو الْإِشَارَة جال فِي بِلَاد خُرَاسَان وَظهر لَهُ الْقبُول التَّام من النَّاس)
وأحبَّته الْقُلُوب وَقدم بغداذ وصادف قبولاً وأحبَّه الخاصُّ وَالْعَام وَكَانَ يُظهر التسنُّن وَيَقُول أَنا علويٌّ بلخي مَا أَنا علويٌّ كرخي وَسمع بهراة من مُحَمَّد بن عبد الله الهَرَوي العُمري وَعبد الْأَعْلَى بن عبد الْوَاحِد المَليحي والنجيب بن مَيْمُون الوَاسِطِيّ وَسمع بِغَيْر هراة وَتُوفِّي بمرو الرُّوذ سنة سبع وَعشْرين وَخمْس مائَة
٣ - (الْكَاتِب البغداذي)
عَليّ بن يلدرك بن أرسلان أَبُو الثَّنَاء بن أبي مَنْصُور التركي
стр. 6260
الْكَاتِب البغداذي روى عَنهُ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل الْفَقِيه كتابَ الْفُنُون والحافظ بن نَاصِر توفِّي سنة خمس عشرَة وَخمْس مائَة وَمن شعره
(ومُدَلَّهٍ علق الغرامُ بِقَلْبِه ... فمواقد النيرَان من نيرانهِ)
(إِن جنَّ ليلٌ حَنَّ لاعج حبِّه ... أَو مَدَّ سبلٌ كَانَ من أجفانهِ)
(عذبُ العذابُ من الهَوَى بمذاقه ... وحلا مريرُ الجَور من سلطانهِ)
(يرتاحُ مَا حَدَرَ الصباحُ لثامَه ... أَو ناح قُمْرِيٌّ على أغصانه)
(مَا لجَّ عاذلُه عَلَيْهِ بعذله ... إلَاّ ولحَّ عَلَيْهِ فِي عصيانهِ)
(بغداذ موطنُه ولكنَّ الهَوَى ... نجدٌ وَأَيْنَ هَوَاهُ من أوطانهِ)
(لَو كَانَ قيسٌ العامريُّ بعصره ... دُعيَ الخليَّ من الهَوَى لعيانهِ)
وَمِنْه
(رقَّتْ حَوَاشِي الحبِّ بعْدك رقَّةً ... غارتْ لَهَا ببلادنا الصهباءُ)
(وجَفَتْ علينا بعد ذَاك خشونةً ... فكأَنَّها التَّفْرِيق والقُرْباءُ)
وَمِنْه
(يَا نَاظرا من سحرِ بابلْ ... ومُذيبَ جسمي بالبلابلْ)
(صِلني فقد هجر الرقا ... دُ وملَّني عذلُ العواذلْ)
(لَا تأسَ صلْ إنَّ الوصا ... لَ كَمثل هَذَا الهجر قاتلْ)
(بمضيق مُعتركِ الأسا ... ور والدمالج والخلاخلْ)
(ومجال بَلبلة الضفا ... ئر بَين ألوان الغلائلْ)
(وبلطف تَنْفِيذ الرسا ... ئلِ إثرَ ألطاف الْوَسَائِل)
стр. 6261
)
(عَليّ بن يُوسُف)
٣ - (قَاضِي قُضَاة مصر)
عَليّ بن يُوسُف بن عبد الله بن بُندار الدِّمَشْقِي أَبُو الْحسن كَانَ وَالِده مدرّس النظاميَّة ببغداذ
وَولد عليٌّ ببغداذ وتفقَّه على وَالِده وَسمع مُسْند الشَّافِعِي من أبي زُرعة طَاهِر بن مُحَمَّد الْمَقْدِسِي وسافر إِلَى الشَّام وَهُوَ شابٌّ وتوجَّه إِلَى ديار مصر واستوطنها إِلَى أَن توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وست مائَة ومولده سنة خمسين وَخمْس مائَة وَولي بِمصْر قَضَاء الْقُضَاة مرَّتين ثمَّ عُزل وَكَانَ شَيخا حسن الْأَخْلَاق محبًّا للْعلم وَأَهله متواضعاً لطلاّبه كريم الْأَخْلَاق متودِّداً إلَاّ أنَّ بضاعته فِي الْعلم مُزجاة قَرَأَ محبّ الدّين بن النجَّار عَلَيْهِ مُسْند الشَّافِعِي عِنْد قَبره
٣ - (ابْن البقَّال البغداذي)
عَليّ بن يُوسُف أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بِابْن البقَّال البغداذي نادم الْوَزير المهلَّبي ونفقَ عَلَيْهِ
وَكَانَت محاضرته حَسَنَة وَكَانَ منظره مستكرَهاً ومخبَره مستطاباً وَكَانَ ذَا مَال خلَّف لمَّا مَاتَ مَا يزِيد على مائَة ألف دِرْهَم إلَاّ أنَّه كَانَ بَخِيلًا جشعاً
قَالَ المتنبي مَا يجوز أَن يَقع فِي بغداذ اسْم الشَّاعِر على أحد غير ابْن البقَّال وَكَانَ ابْن العميد يقدِّمه على النَّاس كلّهم والرؤساء يقومُونَ لَهُ إِذا دخل عَلَيْهِم وَكَانَ يَقُول بتكافؤ الأدلاّء وَهُوَ بئسَ الْمَذْهَب وَمن شعره
(روعةٌ بالفراق قبل الفراقِ ... شَرِقَتْ بالدموع مِنْهَا المآقي)
(جَدَّ جِدُّ البكا فأههدَيْنَ بَاقِي ال ... دمعِ مِنْهَا إِلَى كرًى غيرِ باقِ)
(فاض تَنْدى بِهِ الخدودُ وَلَو غا ... ضَ لأمست مِنْهُ الحشا فِي احتراقِ)
(وعَذارى تريك من سربها العي ... نُ رُنوَّ الأحداق للأحداقِ)
(مُخْطفاتٍ لَو شئنَ من هَيَف الخص ... ر تبدَّلنَ خَاتمًا من نطاقِ)
(حالياتٍ تُبدي المعاصمَ والسُّو ... قَ وتُخفي الأجيادَ فِي الأطواقِ)
(لَا يَغُرَّنْكَ غفلةُ الدَّهْر فالعز ... مة إمضاؤُها مَعَ الإطراقِ)
وَمِنْه يمدح المهلَّبي
(يُزاحمُ الليلَ ليلٌ من جحافِلِهِ ... ويقذف الوَهَداتِ الجُرْدَ بالأكَمِ)
)
(أطار مِنْهُم قَذاةً فِي عيونهمُ ... لَو أنَّها فِي جفون الدَّهْر لم يَنَمِ)
стр. 6262
(أبقى لَهُ الخوفَ من إشغالِ يقظتهم ... مَا بَات يُرْسله لَيْلًا إِلَى الحلمِ)
(عافت سيوفُكَ فِي الهيجا لحومَهمُ ... فهنَّ يأكلنَ مِنْهَا إكلةَ البَشِمِ)
وَمِنْه
(يَا مُذنباً ويقولُ إنّي مُذنِبُ ... مَا إِن سمعتُ بظالمٍ يتظلَّمُ)
(لَك صورةٌ ذَلَّ الجمالُ لحسنها ... تقضي بِجَور فِي النُّفُوس وتحكمُ)
(وَمن الْعَجَائِب أنَّ طرفَك مُشْعِرٌ ... سُقْماً وأنتَ بسُقمهِ لَا تعلمُ)
وَمِنْه
(وَلما وقفنا للوداع ودوننا ... عيونٌ ترامى بالظنون ضميرُها)
(أماطتْ عَن الشَّمْس المنيرةِ بُرْقُعاً ... فغيّبنا عَن أعين الناسِ نورُها)
قلتُ شعرٌ جيدٌ طبقَة
٣ - (القَاضِي الأكرم ابْن القفطي الْوَزير جمال الدّين)
عَليّ بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْوَاحِد بن مُوسَى يَنْتَهِي إِلَى بكر بن وَائِل وَزِير حَال القَاضِي الأكرم الْوَزير جمال الدّين أَبُو الْحسن القفطي أحد الكتَّاب الْمَشْهُورين المبرزين
وَكَانَ أَبوهُ القَاضِي الْأَشْرَف كَاتبا أَيْضا وأُمّه امْرَأَة بادية من الْعَرَب من قُضاعة وأمَّها جَارِيَة حبشيَّة ولد بقفط من الصَّعِيد الْأَعْلَى بالديار المصريَّة وَأقَام بحلب وَكَانَ يقوم بعلوم من اللُّغَة والنحو وَالْفِقْه والْحَدِيث وعلوم الْقُرْآن والأُصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل ولد سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وست مائَة وَكَانَ صَدرا محتشماً كَامِل السؤدد جمع من الْكتب مَا لَا يُوصف وَقصد بهَا من الْآفَاق وَكَانَ لَا يحبُّ من الدُّنْيَا سواهَا وَلم يكن لَهُ دارٌ وَلَا زَوْجَة وَأوصى بكتبه للناصر صَاحب حلب وَكَانَت تَسَاوِي خمسين ألف دِينَار وَله حكايات غَرِيبَة فِي غرامه بالكتب وَهُوَ أَخُو المؤيَّد القفطي ووفاته
стр. 6263
فِي شهر رَمَضَان وَقَالَ ياقوت أَنْشدني لنَفسِهِ بحلب فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وست مائَة
(ضِدّانِ عِنْدِي قَصَّرا هِمَّتي ... وجهٌ حَيِيٌّ ولسانٌ وَقاحْ)
(إِن رُمْتُ أمرا خانني ذُو الحيا ... ومِقْوَلي يُطْمعُني فِي النجاحْ)
)
(فأنثني فِي حَيْرَةٍ مِنْهُمَا ... لي مِخْلَبٌ ماضٍ وَمَا من جَناحْ)
(شِبْهَ جبانٍ فَرَّ من مَعركٍ ... خوفًا وَفِي يمناه عَضْبُ الكفاح)
قَالَ وأنشدني لَهُ أَيْضا
(شيخٌ لنا يُعْزى إِلَى مُنْذرٍ ... مستقبَحُ الأخلاقِ والعَينِ)
(من عَجَبِ الدَّهرِ فحدِّث بِهِ ... بفرْدِ عينٍ ولسانينِ)
قَالَ وأنشدني
(إِذا وجَفَتْ منكَ الخيولُ لغارةٍ ... فَلَا مانعٌ إلَاّ الَّذِي منع العهدُ)
(نزلتَ بأنطاكيَّةٍ غيرَ حافلٍ ... بقلَّةِ جُنْدٍ إذْ جَمِيع الوَرَى جُنْدُ)
(فكم أهيفٍ جادتْه هيفُ رماحِكم ... وَكم ناهدٍ أودى بهَا فرسٌ نَهْدُ)
(لَئِن حَلَّ فِيهَا ثعلبُ الغدرِ لاوُنٌ ... فَسُحقاً لَهُ قد جَاءَهُ الأسَدُ الوردُ)
(وَكَانَ قد اغترَّ اللعينُ بلينكم ... وأعظمُ نارٍ حَيْثُ لَا لَهبٌ يَبْدُو)
(جَنى النحلَ مغترًّا وَفِي النَّحْل آيةٌ ... فطوراً لَهُ سُمٌّ وطوراً لَهُ شهدُ)
(تَمُدُّكَ أجناد الْمُلُوك تَقرُّباً ... وجندُ السَّخين العينِ جَزْرٌ وَلَا مَدُّ)
(تَهَنَّ بهَا بِكراً خطبتَ مِلاكها ... فأعطت يدَ المخطوب وانتظم العِقدُ)
(فجيشك مَهْرٌ والبُنودُ حُمولُه ... وأسهمُكم نَثْرٌ وسُمْرُ القنا نَقْدُ)
وَله من التصانيف كتاب الضَّاد والظاء وَهُوَ مَا اشْتبهَ فِي اللَّفْظ وَاخْتلف فِي الْخط كتاب الدّرّ الثمين فِي أَخْبَار المتيَّمين كتاب من ألوتِ الْأَيَّام عَلَيْهِ فَرَفَعته ثمَّ ألوت عَلَيْهِ فَوَضَعته كتاب أَخْبَار المصنفين وَمَا صنَّفوه كتاب أَخْبَار النَّحْوِيين كَبِير كتاب تَارِيخ مصر من ابتدائها إِلَى أَيَّام صَلَاح الدّين سِتّ مجلدات كتاب تَارِيخ الْمغرب كتاب تَارِيخ الْيمن كتاب المحلَّى فِي اسْتِيعَاب وُجُوه كلاّ كتاب إصْلَاح خلل الصِّحَاح للجوهري كتاب الْكَلَام على الموطَّأ وَلم يتمّ كتاب الْكَلَام على صَحِيح البُخَارِيّ لم يتمّ كتاب تَارِيخ مَحْمُود بن سبكتكين وبنيه كتاب تَارِيخ السلجوقية كتاب الإيناس فِي أَخْبَار آل
стр. 6264
مرداس كتاب الرَّد على النَّصَارَى وَذكر مجامعهم كتاب مشيخة الْكِنْدِيّ زيد بن الْحسن كتاب نُهزة الخاطر ونزهة النَّاظر فِي أحاسن مَا نقل من ظُهُور الْكتب
قَالَ ابْن سعيد المغربي نظم الْوَزير الْمَذْكُور بَيْتَيْنِ فِي جاريةٍ اشْتَرَاهَا وهما)
(تَبَدَّتْ فَهَذَا البدرُ من كَلَفٍ بهَا ... وحقَّك مثلي فِي دجى اللَّيْل حائرُ)
(وماستْ فشقَّ الغصنُ غيظاً ثيابَه ... أَلَسْت ترى أوراقه تتناثرُ)
قَالَ وَزعم أَنه لَا يُؤْتى لَهما بثالث فأنشدتُه فِي الْحَال
(وعاجَتْ فَألْقى العودُ فِي النارِ نفسَه ... كَذَا نقلتْ عَنهُ الحديثَ المجامرُ)
(وقالتْ فغارَ الدُّرُّ واصفرَّ لونُه ... كَذَلِك مَا زالتْ تغارُ الضَّرائرُ)
٣ - (صَاحب مَرّاكش)
عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين أَمِير السلمين توفّي وَالِده سنة خمس مائَة فَقَامَ بِالْملكِ مَكَانَهُ وتلقَّب بلقبه أَمِير الْمُسلمين وَجرى على سنَنه فِي الْجِهَاد وإخافة العدوّ وَكَانَ حسن السِّيرَة جيّد الطويّة عادلاً نزهاً حتَّى إنَّه كَانَ يعدُّ من الزهَّاد المتبتِّلين وآثر أهل الْعم حتَّى إنَّه لَا يقطع أمرا إلَاّ بمشاورة الْعلمَاء أربعةٍ من الْفُقَهَاء ونفقت فِي زَمَانه كتب مَذْهَب مَالك وَطرح مَا وَرَاءَهَا حتَّى نسي الْعلمَاء النّظر فِي كتب السّنَن وقرَّر الْفُقَهَاء عِنْده تقبيح علم الْكَلَام وَأمر بإحراق كتب الْغَزالِيّ لمَّا دخلت الغرب واعتنى بكتَّاب الْإِنْشَاء وَكَانَ عِنْده مثل ابْن الجدّ الأجدب وَأبي بكر مُحَمَّد بن القبطُرنه وَابْن أبي الْخِصَال وأخيه أبي مَرْوَان وَعبد الْمجِيد بن عبدون
وطالت أَيَّامه إِلَى أَن التقى عَسْكَر بلنسية مَعَ الْعَدو فهزموا الْمُسلمين وَقتلُوا من المرابطين خلقا كثيرا واختلَّت بعْدهَا حَاله وَظَهَرت منكراتٌ كَثِيرَة فِي بِلَاده وَاسْتولى أُمراء المرابطين على الْبِلَاد وادَّعوا الاستبداد وَصَارَ كلُّ واحدٍ يجْهر بأنَّه أَمِير الْمُسلمين وخيرٌ من عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وأنَّه أولى مِنْهُ بِالْأَمر وَاسْتولى النِّسَاء على الْأَحْوَال وكل امرأةٍ من كبار البرابر تشْتَمل على الفسَّاق والخمَّارين واللصوص وقنع بِالِاسْمِ وَالْخطْبَة وَعَكَفَ على الصَّوْم وَقيام اللَّيْل وتوثَّب عَلَيْهِ ابْن تومرت إِلَى أَن ملك الْبِلَاد عبد الْمُؤمن
стр. 6265
وتوفِّي سنة ابْن تاشفين سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخمْس مائَة وعهد إِلَى ابْنه تاشفين فعجز عَن الموحّدين وانزوى إِلَى مَدِينَة وهران ولمَّا اشتدَّ الْحصار خرج رَاكِبًا وسَاق إِلَى الْبَحْر فاقتحمه وغرق فَيُقَال إنَّهم أَخْرجُوهُ وصلبوه وأحرقوه ودامت دولة بني تاشفين بمراكش بضعاً وَسبعين سنة وانقطعت الدعْوَة لبني الْعَبَّاس بِمَوْت عَليّ
٣ - (الْأَفْضَل بن صَلَاح الدّين)
)
عَليّ بن يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب السُّلْطَان الْملك الْأَفْضَل نور الدّين أَبُو الْحسن ابْن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين ولد يَوْم عيد الْفطر سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مائَة بِالْقَاهِرَةِ وَتُوفِّي فُجاءةً بشميساط سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وست مائَة وَقيل إنَّ مولده سنة ستٍّ
سمع من عبد الله بن برِّي النَّحْوِيّ وَأبي الطَّاهِر إِسْمَاعِيل بن عَوْف الزُّهْرِيّ وَأَجَازَ لَهُ جماعةٌ وَكَانَ أسنّ إخْوَته وَإِلَيْهِ كَانَت ولَايَة الْعَهْد ولمَّا مَاتَ وَالِده بِدِمَشْق كَانَ مَعَه فاستقلَّ بالسلطنة ثمَّ جرت لَهُ ولأخيه الْعَزِيز حروبٌ وَفتن ثمَّ إنَّ الْعَزِيز وعمّه الْعَادِل اتَّفقا على الْأَفْضَل وقصداه فِي دمشق وحارباه وأخذاها مِنْهُ فالتجأ إِلَى صرخد وَأقَام بهَا قَلِيلا فَمَاتَ الْعَزِيز بِمصْر وَأَقَامُوا وَلَده محمَّداً وَهُوَ صبيٌّ فطلبوا لَهُ الْأَفْضَل ليَكُون أتابكه فَقدم وَمَشى فِي ركاب ابْن أَخِيه ثمَّ إنَّ الْعَادِل عمل على الْأَفْضَل وَقصد مصر وَأَخذهَا مِنْهُ لأنَّ عساكره كَانَت مفرَّقةً فِي الرّبيع وَأَعْطَاهُ ميَّافارقين وشميساط فلمَّا توجَّه إِلَيْهِمَا لم يسلّم ابْن الْعَادِل ميَّافارقين وَلم يحصل للأفضل غير شميساط فاستنجد بأَخيه الظَّاهِر غَازِي وَسَار إِلَى دمشق وأشرفا على أَخذهَا فجرت بَينهمَا منازعةٌ بتدبير الْعَادِل آلت إِلَى الرحيل عَنْهَا فلمَّا توفّي الظَّاهِر استنجد الْأَفْضَل بكيكاوس السلجوقي سُلْطَان الرّوم فقصدا الشَّام دمشق سنة خمس عشرَة وست مائَة فلمَّا أَخذ الرُّومِي تلَّ بَاشر ومنبج وَلم يعطِ الْأَفْضَل مِنْهُمَا شَيْئا انثنى عَنهُ فِي الْبَاطِن وَكَانَ الْأَشْرَف مُقيما بحلب لنجدة الْعَزِيز فَخرج بعساكر حلب إِلَى لِقَاء الرُّومِي وَوَقعت العربان على بعض عَسَاكِر الرُّومِي
стр. 6266
فاستباحوهم قتلا وأسراً وَعلم الرُّومِي بانثناء الْأَفْضَل عَنهُ ومخامرة بعض أمرائه عَلَيْهِ فولى هَارِبا وَتَبعهُ الْأَشْرَف يتخطَّف أَطْرَاف عسكره واسترجع تل بَاشر وَغَيرهَا للْملك الْعَزِيز وَبَقِي الْأَفْضَل بشميساط إِلَى أَن توفّي يَوْم الْجُمُعَة فُجاءةً بعد أَن صلَّى الْجُمُعَة خَامِس عشْرين صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وَحمل إِلَى حلب وَدفن بهَا
وَكَانَ صَحِيح العقيدة عِنْده علمٌ وأدب يحبُّ الْعلمَاء ويحترمهم وَله فِي الْجِهَاد مَعَ أَبِيه مشَاهد مَعْرُوفَة وآثار جميلَة ووقف أوقافاً جليلة على قبَّة الصَّخْرَة وَغَيرهَا
ولشعراء عصره فِيهِ أمداح طائلة وقصائد هائلة مثل ابْن الساعاتي وَابْن سناء الْملك وَغَيرهمَا)
فَمن قَول ابْن سناء الْملك فِيهِ من جملَة قصيدة
(مَلِكٌ اسمهُ عليٌّ ولكنْ ... كيدُه فِي حروبه كيدُ عَمرو)
(لَيْسَ ينفكُّ بَين فتكٍ وفتحٍ ... حينَ يختال بَين نصلٍ ونصرِ)
(وَجهه البدرُ فِي الحروب وَلَا تع ... جبْ إِذا كَانَ يومُه يومَ بدرِ)
وَمِنْه من قصيدة أُخْرَى
(حسبي عليٌّ ندًى حسبي عليٌّ هدى ... حسبي عليٌّ جدا حسبي عليٌّ عُلا)
(حسبي أَبُو حَسنٍ فِي كل نائبةٍ ... يستفرغ الحَوْلَ أَو يستفرغ الحِيَلا)
(حمدتُ آخرَ أيّامي بخدمته ... ولستُ أَحْمد من أيّاميَ الأولا)
(ذكري بِهِ سارَ حَالي عِنْده عَظُمَتْ ... قدري بِهِ جَلَّ مقداري لَدَيْهِ عَلا)
وَمن قَول ابْن الساعاتي فِيهِ يمدحه
(وزُرْتُ مصرا بغابٍ من قَنًا وظُبًى ... قلَّتْ لَهُ شامخاتُ المُدْنِ والقُلَلُ)
(سكنتها حِين سكَّنتَ الْبِلَاد بهَا ... جَمْعاً وثُقِّفَ ذَاك الزَّيغُ والخَطَلُ)
(فللقلوب اللواتي طالما وَجَبتْ ... بهَا سكونٌ وللدنيا بهَا زَجَلُ)
(نهارُها بكَ أسحارٌ مقدَّسةٌ ... جَمِيعهَا والليالي كلُّها أُصُلُ)
(حَلأْتَ عَنْهَا وحَلَّيتَ الزمانَ بهَا ... فاليومَ لَا عَطَبٌ يُخشى وَلَا عَطَلُ)
стр. 6267
(حَيْثُ السحابُ بنودٌ والقِسِيُّ لَهَا ... رعدٌ وللنَّبلِ فِيهَا عارضٌ هَطِلُ)
(فعَلْتَ مَا سَرَّ حتَّى لَا مثالَ لَهُ ... وقلتَ مَا سارَ حتَّى إنَّه مَثَلُ)
(مَا غَلِقَ البحرُ فِيمَا ظنَّ رَاكِبه ... وإِنَّما هزَّ من أعطافه الجَذَلُ)
(يرتاحُ عِنْد أَخِيه حِين جاوره ... فالشملُ مجتمعٌ والحبلُ مُتَّصلُ)
قَالَ الشَّيْخ شمس الدّين كَانَ فِيهِ تشيُّع وَلم يكن فِي الْمُلُوك مثله قلَّما عاقب على ذَنْب كثير الْعَفو والحلم وَقَالَ كَمَال الدّين بن العديم لم يكن متشيِّعاً وإِنَّما قَالَ هَذَا الشّعْر لموافقة الْحَال وتقرُّباً إِلَى الإِمَام النَّاصِر إذْ كَانَ مَنْسُوبا إِلَى التشيُّع انْتهى قلتُ وَلما تعصَّب أَخُوهُ الْعَزِيز عَلَيْهِ وعمُّه الْعَادِل قَالَ
(ذِي سُنَّةٌ بَين الْأَنَام قديمةٌ ... أبدا أَبُو بكرٍ يجور على عَليّ)
وَكتب إِلَى الإِمَام النَّاصِر)
(مولايَ إنَّ أَبَا بكرٍ وصاحبهُ ... عثمانَ قد غَصَبا بِالسَّيْفِ حقَّ عَليّ)
(وَهُوَ الَّذِي كَانَ قد ولاّه وَالِده ... عَلَيْهِمَا واستقام الأمرُ حِين وَلِي)
(فخالفاه وحلاّ عقد بيعَته ... والأمرُ بَينهمَا والنصُّ فِيهِ جَلي)
(فانظرْ إِلَى حظِّ هَذَا الِاسْم كَيفَ لقِي ... مِنَ الأواخرِ مَا لَاقَى من الأُوَلِ)
فجَاء جَوَاب النَّاصِر من إنْشَاء ابْن زَبادة وَفِيه
(وافى كتابك يَا ابْن يُوسُف مُعْلنا ... بالحقِّ يخبرُ أنَّ أصلك طاهرُ)
(غَصبوا عليًّا حقَّهُ إذْ لم يكن ... بعدَ النبيِّ لَهُ بيثربَ ناصرُ)
(فاصبرْ فإنَّ غَدا عليَّ جزاءهم ... وابْشِرْ فناصرُكَ الإِمَام الناصرُ)
وَفِي ذَلِك يَقُول شرف الدّين بن عُنَين من قصيدةٍ كتبهَا إِلَى أَخِيه من الْهِنْد
(هيهاتَ آتِي دمشقَ ومُلكها ... يُعزى إِلَى غيرِ المليكِ الأفضلِ)
(وَمن العجائبِ أَن يقومَ بهَا أَبُو ... بكرٍ وَقد علمَ الوصيةَ فِي عَليّ)
(مهلا أَبَا حسنٍ فَتلك سحابةٌ ... صيفيَّةٌ عمَّا قليلٍ تنجلي)
وَمن شعر الْأَفْضَل
(قلْ لمن فِي العذارِ أطنبَ جهلا ... ويُباهي بوصفه ويُغالي)
(لم يكن فِي الجِنان يُفقدُ فِي الوِلْ ... دانِ لَو كَانَ من صِفَات الجمالِ)
стр. 6268
وَمِنْه
(وقبَّلتُ خدًّا للحبيبِ مُورَّداً ... بروحي أُفَدِّي مِنْهُ خدًّا مُورَّدا)
(فَمن حَرَّ أنفاسي علا فَوق خدِّه ... دخانٌ فخالوه عِذاراً مُزَرَّدا)
وَمِنْه
(وحلفتُ أنَّكَ سَوف تهجرُ عَاشِقًا ... وتُذيقُه من هجرك الدَّاء الْخَفي)
(فوفيتَ ثمَّ حلفتَ أَن ستذيقُه ... بَردَ الوفاءِ إِذا وصلتَ فَلم تَفِ)
وَمِنْه فِي ناسخٍ لَهُ
(وَقَالُوا تابَ عَن شربِ الحُمَيَّا ... فقلتُ لَهُم كَذبْتُمْ مَا يتوبوا)
(وَكَيف يتوبُ عَن فعلٍ دَنِيٍّ ... فَتى قد جُمِّعَتْ فِيهِ العيوبُ)
٣ - (ابْن الصَّفَّار المارديني)
)
عَليّ بن يُوسُف بن شَيبَان جلال الدّين النُّميري المارديني الْمَعْرُوف بِابْن الصَّفَّار وتوفِّي سنة ثمانٍ وَخمسين وست مائَة عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة قَتله التتار لمَّا ملكوا ماردين وَمن شعره
(هلِ اختطَّ فانآد غصناً وريقا ... غريرٌ حكى الكاسَ ثغراً وريقا)
(أمِ الصُّدغُ لمَّا صفا خدُّهُ ... تمثَّل فِيهِ خيالاً دَقِيقًا)
(رنا فَرمى أسهماً وانثنى ... رشيقاً فراح كِلَانَا رشيقا)
(وأبدع فِيهِ فَمَا لي أرى ... لَهُ الخدَّ وهْو فريدٌ شقيقا)
(وَمَا بالُ مبسمه مبسماً ... وَمَا ملكته يمينٌ رَقِيقا)
وَمِنْه
(ويومِ قُرٍّ يَدُ أنفاسه ... تُمزِّقُ الأوجُهُ من قَرْصِها)
(يومٌ تودُّ الشمسُ مِن بردِهِ ... لَو جرَّتِ النارُ إِلَى قرصِها)
قلت أَخذه من قَول القَاضِي الْفَاضِل فِي ليلةٍ جمد خمرُها وخمد جمرها إِلَى يومٍ تودُّ البصلةُ لَو ازدادت إِلَى قُمصها والشمسُ لَو جرَّت النارَ إِلَى قرصها
стр. 6269
وَمِنْه
(مَا برحتْ يَوْم وداعي لَهَا ... تضمُّني ضمَّةَ مستأنسِ)
(حتَّى تثنَّى الغصنُ فَوق النَّقا ... وانتشر الطلُّ على النرجسِ)
وَمِنْه
(رَدَّتْ يداهُ إِلَى ذؤابته ... صُدغيهِ لمَّا أمكنَ الرَّدُّ)
(فَإِذا أساودُه ثلاثتها ... فردٌ وكلُّ ثلاثةٍ فردُ)
وَمِنْه
(أمِن هلالٍ أنتَ يَا وَجهه ... البادي بِهَذَا المنظر الأزهرِ)
(وجهٌ من الرُّوم ولكنْ لَهُ ... فِي الخدِّ خالٌ من بني العنبرِ)
(بِعني بأغلى ثَمَنٍ نظرةً ... أَحْيَا بهَا يَا طلعةَ المُشْتَرِي)
وَمِنْه
(تعشَّقتهُ أُمِّيَّ حُسن فَمَا لَهُ ... أَتَى بكتابٍ ضِمنهُ سورَةُ النملِ)
(وَمَا لي أَنا المجنونُ فِيهِ وشَعره ... إِذا مرَّ بالكثبانِ خطَّ على الرملِ)
)
قلتُ هُوَ مثل قَول الآخر
(وتركيٍّ نقيِّ الخدِّ ألمى ... بقدٍّ مَاس كالغصنِ الرطيبِ)
(لَهُ شَعرٌ حكى مجنونَ ليلى ... يَخُطُّ إِذا مَشى فَوق الكثيبِ)
وَمن شعر ابْن الصّفّار يذمُّ قلم الْحساب
(مَا لي وللقلم المتهوم صاحبهُ ... وللحساب الَّذِي يُصبي تصفُّحهُ)
(صناعةٌ قلَّ أَن تصفو النفوسُ لَهَا ... وأيُّ وهمٍ طَرا فِيهِ يُصحِّحُهُ)
(وَفِي البطالة للمرءِ السلامَةُ من ... سوءِ الظنونِ وخيرُ العيشِ أَرْوَحهُ)
وَمِنْه
(وأعجبُ شيءٍ أنَّ ريقَك مَاؤُهُ ... يولِّدُ دُرًّا وَهُوَ عذبٌ مروَّقُ)
(وأنَّكَ صاحٍ وَهُوَ فِي فِيك مُسكِرٌ ... وأنتَ جديدُ الحُسنِ وَهُوَ مُعَتَّقُ)
وَكتب جلال الدّين بن الصفار الْمَذْكُور الْإِنْشَاء للْملك النَّاصِر نَاصِر الدّين أَرْتُق صَاحب
стр. 6270
ماردين ثمَّ عُزل عَن الْكِتَابَة وتولَّى الإشراف بديوان دُنَيْسِر ثمانِ عشرَة سنة وَدخل إِلَى إربل مرتزقاً سنة سبع وَعشْرين وست مائَة وَمن شعره أَيْضا
(ويومٍ حَوَاشِيه مَلمومَةٌ ... علينا تُحاذِرُ أَن تُفرَجا)
(قنصْتُ غزالته والتفتُّ ... أُريدُ اخْتَها فاحتمتْ بالدُّجى)
وَمِنْه
(إِذا هبَّ النسيمُ بطيبِ نشرٍ ... طربتُ وقلتُ إيهٍ يَا رسولُ)
(سوى أنِّي أغارُ لأنَّ فِيهِ ... شذاك وأنَّه مثلي عليلُ)
وَمِنْه
(تجمَّعتِ الأضدادُ فِيهِ وَلم يكن ... ليجتمعَ الإيجابُ فِي الشيءِ والسلبُ)
(فَفِي خدِّه نارٌ وَفِي الثغرِ جنَّةٌ ... وَفِي لَفظه سِلْمٌ وَفِي لحظهِ حربُ)
(وَفِي قدِّهِ لينٌ وَفِي الْقلب قسوةٌ ... وَفِي خصره جدبٌ وَفِي رِدفه خصبُ)
وَمِنْه
(طَاف بهَا فِي الظلام بدرُ دُجى ... حتَّى احتساها فَصَارَ شمسَ ضُحى)
(مدمنُ خمرَيْنِ من يدٍ وفمٍ ... مُعتبِقاً مِنْهُمَا ومُصطحبا)
)
(حَلا بأفواهنا مُقَبَّله ... وإِنَّما فِي عيوننا مَلُحا)
(يُدير من خدِّه وَمن يَده ... وَفِيه من كلِّ واحدٍ قَدَحا)
وَمِنْه
(خادعته بحديثِ لِينِ قوامهِ ... فجفا وهزَّ عليَّ مِنْهُ مُثْقَفا)
(وهربتُ من يَده إِلَى أجفانه ... فَرَقاً فسَلَّ عليَّ مِنْهَا مُرهَفا)
(أحببتُهُ مُتجنِّياً وودِدتُهُ ... مُتجنِّباً وعشقتهُ مُتعطِّفا)
(فاخترتُ للجسم الضنا وجلبتُ لل ... قلب العنا ورَضيتُ للنَّفس الجفا)
٣ - (شرف الدّين بن الرَّحَبي الطَّبِيب)
عَليّ بن يُوسُف بن حيدرة الْحَكِيم شرف
следующие страницы →