← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من شهر ربيع الاول سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَتوفى قَرِيبا مِنْهُ أَخُوهُ ووالده ودفنوا كلهم بالمعلاة رَحِمهم الله تَعَالَى السَّيِّد عبد الله بن سيف الله السَّيِّد الشريف الْمَعْرُوف بِابْن سعدى القسطنطينى أحدالموالى الاجلاء الاديب المنشى الشَّاعِر المتخلص على دأب شعراء الرّوم بفائزى كَانَ فَاضلا أديبا جسيما وسيما حسن النّظم والنثر فى الالسنة الثَّلَاثَة عَارِفًا بِنَقْد الشّعْر وأساليبه وَله الشُّهْرَة التَّامَّة بالمعرفة والتفنن لقى كثيرا من الْفُضَلَاء وَأخذ عَنْهُم ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَورد دمشق فى خدمَة أَبِيه لما صَار قَاضِيا بالقدس ثمَّ بعد عوده الى الرّوم درس بمدارس دَار الْخلَافَة الى أَن وصل الى مدرسة موصلة السليمانية فَجرى بَينه وَبَين عمر بن سعدى القرمانى الْمدرس امتحان فى مجْلِس الْمُفْتى الاعظم وَكَانَ القرمانى الْمَذْكُور قَلِيل البضاعة جدا لَكِن ساعده الْقدر بِسَبَب انفعال السَّيِّد عبد الله من اقترانه بِهِ فتلاشى فى الْبَحْث وَظهر القرمانى عَلَيْهِ فَقدم عَلَيْهِ الى الْمدرسَة السليمانية وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بعد هَذِه الْوَاقِعَة بالبيتين الْمَشْهُورين وهما (ان أصلى وذكائى ... من مرادى حرمانى) (ليتنى كنت من التر ... ك جهولا قرمانى) ثمَّ بعد مُدَّة وصل الى السليمانية وَدَار الحَدِيث وَولى مِنْهَا قَضَاء سلانيك فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وتعصب عَلَيْهِ طَائِفَة من أَهلهَا فاشتكوا مِنْهُ الى السُّلْطَان ونقموا عَلَيْهِ أَشْيَاء فعزل فى مُدَّة جزئية وَخرج خطّ شرِيف فِيهِ بِأَن لَا يلى الْقَضَاء بعْدهَا فبقى مُدَّة وَقد ضربت الْعُزْلَة عَلَيْهِ حجابها وَانْقطع عَن النَّاس وضاق حَاله من تكدر عيشه وتشتت حواسه حَتَّى ولى شيخ الاسلام يحيى المنقارى منصب الفيتا فأنقذه من ذَلِك الْحَال وشفع لَهُ عِنْد السُّلْطَان بتوليته قَضَاء بروسه ثمَّ نَقله فى مُدَّة جزئية الى ازمير فقوى رياشه وَحسن معاشه ثمَّ بعد مُدَّة ولاه قَضَاء مَكَّة المشرفة فورد دمشق فى منتصف شعْبَان فى سنة ثَمَان وَسبعين وَألف ورأيته بهَا فَرَأَيْت أديبا كَامِل الاوصاف قوى البداهة والحافظة الا أَن طبعه خَارج عَن الطباع لما فِيهِ من شدَّة الْحَرَارَة فقد شاهدته فى بحبوحة الشتَاء واستحكام برد الشأم يجلس كاشفا رَأسه وكأنما بخار الْحَرَارَة الصاعد من رَأسه دُخان مدخنة حمام وَلَا يسْتَقرّ لَحْظَة الا ويتطلب ثلجا فيأكله بنهمة وَكَانَ بَينه وَبَين والدى المرحوم مَوَدَّة سالفة

стр. 1017

وصحبة قديمَة فتقيد برعاية جَانِبه وَسمعت والدى يَقُول وَقد سُئِلَ عَنهُ كَأَنَّمَا البلاغة تُؤْخَذ عَن لَفظه والآداب ترنو عَن لحظه وَكَانَ جرى بَينهمَا مطارحات ومراسلات كَثِيرَة من جُمْلَتهَا قصيدة كَانَ والدى كتب اليه بهَا ومطلعها (يَا سَاكِنا بشغافى ... وَعَن عيونى خافى) (طولت مُدَّة بينى ... وَبَعضهَا كَانَ كافى) (كدرت بالبعد عيشى ... من بَعْدَمَا كَانَ صافى) (لهفى لطيب لَيَال ... مرت لنا بالتصافى) (حَيْثُ الشَّبَاب قشيب ... والدهر فِيهِ موافى) (وسالف من زمَان ... تدار فِيهِ سلافى) (من كف ريم كغصن ... يمِيل بالاعطاف) (يزهو بوردى خد ... يزرى بورد القطاف) (زمَان لَهو تولى ... بروضة ميناف) (تسقى من السحب وَبلا ... بِعَارِض وكاف) (يَا دهر رفقا بصب ... حَتَّى مَتى ذَا التجافى) (وعدتنى بالامانى ... فَكُن بوعدك وافى) (واسمح بِرُؤْيَة مولى ... سليل عبد منَاف) (ذَاك الْهمام المفدى ... وَسيد الاشراف) (كم حل مُشكل بحث ... بِلَفْظِهِ الْكَشَّاف) (مولاى يَا بَحر فضل ... طام من الْجُود طافى) (وفائزا بقواف ... قد أعجزت ابْن قَاف) (يَا مُفْرد الرّوم حَقًا ... وجامع الالطاف) (أَنْت الْغنى بمدحى ... عَن كَثْرَة الاوصاف) (فَلَا تظن بأنى ... لسابق الود جافى) (لَو كنت أعلم صبرى ... لَكِن أمرى خافى) (لَكَانَ سعيى اليكم ... وفى حماكم طوافى) (فربع غَيْرك عندى ... مولاى كالاعراف) (ان رمت تَفْصِيل حالى ... من الزَّمَان المجافى)

стр. 1018

(ملان تمنيت شَيْئا ... الا أَتَى بِالْخِلَافِ) (من جوره ضَاقَ صدرى ... فسحت فى الارياف) (صَحِبت بالرغم منى ... قوما من الاجلاف) (حَتَّى حللت بِمصْر ... من بعد قطع الفيافى) (فَلم أجد لى فِيهَا ... غير الثَّلَاث الاثافى) (فَلَا صديق صَدُوق ... وَلَا حبيب يوافى) (هَذَا زمَان عَجِيب ... مَا فِيهِ خل مصافى) (وَالْفضل قد صَار ذَنبا ... وللرواج منافى) (عَسى الاله قَرِيبا ... يمن بالاسعاف) (بجاه خير البرايا ... والآل أهل العفاف) (واعذر بِفَضْلِك فضلى ... ضَاقَتْ على القوافى) (وَدم بسعدك ترقى ... لمنهل لَك صافى) (مَا غرد الْورْد شجوا ... على غصون الْخلاف) (مفكرا عهد صب ... نأى عَن الاحلاف) فَرَاجعه عَنْهَا بِهَذِهِ القصيدة ومطلعها (يَا خير خل مصافى ... لَا زَالَ وردك صافى) (أَيْن الزَّمَان الذى قد ... كِتَابه فى التصافى) (مَا بَيْننَا غير ود ... مَا بَيْننَا من خلاف) (طورا نرى من رياض الْعُلُوم فى الاقتطاف ... ) (وَتارَة من بحار القريض فى الاغتراف ... ) (كُنَّا كَمثل الثريا ... بِصُحْبَة وائتلاف) (فصيرتنا بَنَات النعش الليالى الجوافى ... ) (بَيْتا نروض بروض ... يَوْمًا مَعَ الاحلاف) (وطيره فى وفَاق ... ولحنه فى خلاف) (اذ صَاح مِنْهَا غداف ... تعسا لذاك الغداف) (فَبَان كل عَن الالف وهى ذَات الاف ... ) (قد انصرفنا بِصَرْف الزَّمَان أى انصراف ... )

стр. 1019

(كل امْرِئ صَار فى جَانب من الأكناف ... ) (ألْقى الزَّمَان المعادى الا حباب فى الاطراف ... ) (أرجوا لما فَاتَ من ذ لَك التلاف التلافى ... ) (عساى نَحْو دمشق ... عَمَّا قَلِيل أوافى) (عَسى لَيَال تقضت ... يعدن بالاسعاف) (آه عَلَيْهَا فآه ... قد أسرعت فى التجافى) (مَضَت سَرِيعا وَوَلَّتْ ... كَمثل دهم خفاف) (مرت كخاطف برق ... وطرن كالخطاف) (تبعتها لَو أعانت ... قوادمى والخوافى) (قد كن شام زمانى ... كالشأم فى الارياف) (دمشق أعنى ودامت ... مخضرة الاكناف) (قد خصها الله بَين الْبِلَاد بالالطاف ... ) (شوقى لَهَا كل يَوْم ... يزْدَاد بالاضعاف) (أصبو الى برداها ... بلوعة والتهاف) (وَلَو قدرت اليها ... أسرعت رجلَانِ حافى) (نسيمها وَهُوَ ذُو عِلّة لدائى شافى ... ) (انهارها لجيوش الهموم كالاسياف ... ) (يزِيد دمعى اذاما ... ذكرت تِلْكَ الصوافى) (بهَا حدائق فاقت ... فى أحسن الاوصاف) (تِلْكَ الحدائق تحكى ... صِفَات خلى المصافى) (أَخُو وَفَاء يُرَاعى ... اخوانه ويصافى) (كل لَهُ مُثبت الْفضل مَاله من نافى ... ) (مليك نظم ونثر ... ملاك أَمر القوافى) (الْحل وَالْعقد فى كَفه بِغَيْر خلاف ... ) (بجلق ذَات فضل ... الله ذى الالطاف) (يَا من لَهُ كَابْن برد ... برد من الْفضل ضافى) (يَا ظافرا بقواف ... أعيت عويف القوافى)

стр. 1020

(أتحفتنا بقريض ... أحسن بذا الاتحاف) (أقرضت قرضا وأسلفت أحسن الاسلاف ... ) (فائية مَا رَأينَا ... مثلا لَهَا فى القوافى) (مَا من سناد خليلى ... بهَا وَمن اصراف) (زففت بكرا عروبا ... الى خير زفاف) (بختمها بلغتنى ... مصونة فى السجاف) (صَدَاقهَا صدق ودى ... حفظته فى شغافى) (أحببتها مُنْذُ دهر ... وأولعت بخلافى) (علقتها ذَات ظلم ... عديمة الانصاف) (عشقتها فغدت فى ... هجرى وفى احصافى) (قد أدنفتنى زَمَانا ... وَمَا لدائى شافى) (والآن رقت فوافت ... أعزز بطب موافى) (عَادَتْ فَعَادَت لتبرى ... مريضها وتعافى) (قد عاملت بعد حيف ... بِالْفَضْلِ والالطاف) (زارتنى من غير وعد ... بعد اجتياب الفيافى) (قد كنت أرقبها قَائِلا عَسى أَن توافى ... ) (ياصاح يامن حكى طبعه الزلَال الصافى) (عتبت ودك فى ترك الْكتب والعتب شافى ... ) (لَا تعذلنى فَهَذَا ... حوب الزَّمَان المجافى) (وان يكن ذَاك ذنبى ... فاصفح وَمثلك عافى) (مَا أجمل الصفح عَن ذَنْب مجرم ذى اعْتِرَاف ... ) (وَالله ربى الذى لَا ... تخفى عَلَيْهِ الخوافى) (حبيسك فى كل حِين ... يكون فى استحصاف) (راس كقاف وان كَانَ ... بَيْننَا بعد قَاف) (لَا زلت ترفل عزا ... وثوب قدرك ضافى) (قابلت جَيِّدَة قد ... أهديت بالسفساف) (فاعذروثن بِأُخْرَى ... يَا وَاحِد الآلاف)

стр. 1021

هَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ من شعره العربى وَأما شعره التركى ومنشآته وآثاره فكثيرة ورحل مَعَ الْحَج وَحج تِلْكَ السّنة وَأقَام بِمَكَّة فتوفى فى أَوَائِل سنة تسع وَسبعين وَألف عَن خمسين سنة فان وِلَادَته فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف كَمَا حررها والدى عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس المكنى بأبى مُحَمَّد الامام الْكَبِير استاذ الاساتذة وخاتمة الْعلمَاء بقطر الْيمن قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم فى سنة خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن واعتنى بِالطَّلَبِ أتم الاعتناء وَلزِمَ وَالِده وَأَخذه عَنهُ كثيرا من الْفُنُون وَهُوَ شَاب وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن وَالشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بلحاج وَالشَّيْخ الولى أَحْمد بن عبد الله بن عبد القوى ثمَّ ارتحل لوالده بِأَحْمَد آباد فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَنهُ علوما شَتَّى وَأول كتاب قَرَأَهُ عَلَيْهِ كتاب الشفا وَحج وَأخذ بالحرمين عَن جمع كثير ثمَّ عَاد الى بَلْدَة تريم وَنصب نَفسه للنفع والاقراء وقصده النَّاس من أقْصَى الْبِلَاد وَصَارَ شيخ الْبِلَاد الحضرمية وَألْحق الاحفاد بالاجداد وَكَانَ عَالما متضلعا تَفْسِيرا وحديثا وأصولا وَأخذ عَنهُ خلق لَا يُحصونَ أَكْثَرهم مِمَّن بلغ فَضله حد التَّوَاتُر مِنْهُم أَوْلَاده الثَّلَاثَة مُحَمَّد وَشَيخ وزين العابدين وحفيده الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف بن مُحَمَّد وَالشَّيْخ أَبُو بكر الشلى والامام عبد الله بن مُحَمَّد بروم وَالشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله الْغُصْن وَشَيخ الاسلام أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن وشهاب الدّين والقاضى أَحْمد بن حُسَيْن بلفقيه وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَالسَّيِّد أَبُو بكر بن على خرد وَالشَّيْخ نزين وحسين بَافضل وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى وَكَانَ يجلس من اول الضُّحَى الى منتصف النَّهَار وَمد الله تَعَالَى لَهُ فى عمره حَتَّى انْتفع بِهِ الْعلمَاء الْكِبَار من كل قطر وَكَانَ كَرِيمًا الى الْغَايَة صَاحب جاه وشأن وَاتفقَ أهل عصره على امامته وتقدمه وَكَانَ لَهُ فى الْقُلُوب هَيْبَة عَظِيمَة مَعَ حسن الْخلقَة وَقبُول الصُّورَة وَنور الطَّاعَة وجلالة الْعباد وَحسن الْخلق وَكَانَ كثير الانصات دَائِم الْعِبَادَة وَكَانَ لَا يخرج من بَيته الا لحضور جُمُعَة أَو جمَاعَة أَو لاجابة وَلِيمَة واذا خرج من بَيته يزدحم النَّاس على تَقْبِيل يَده ويلتمسون بركته وَله كرامات كَثِيرَة من أعظمها أَن بعض اتِّبَاعه سرق بعض مَتَاعه فتعب لذَلِك تعبا شَدِيدا فَلَمَّا رأى شدَّة تَعبه قَالَ لَهُ اذْهَبْ الى مَحل كَذَا واجلس فِيهِ وَأول من يمر بك أمْسكهُ وطالبه بِمَا سرق لَك فان أَعْطَاك والا فأت بِهِ الى فَفعل ذَلِك فَأعْطَاهُ مَتَاعه كَمَا هُوَ وَلم يذهب مِنْهُ شئ

стр. 1022

وَرَأى بعض العارفين فى الْمَنَام النبى يصلى فى محراب مَسْجِد مديحج وَالشَّيْخ عبد الله صَاحب التَّرْجَمَة يصلى خَلفه مقتدياً بِهِ وَالشَّيْخ عبد الله بن أَحْمد بن حُسَيْن العيدروس يصلى خلف صَاحب التَّرْجَمَة والاولان فى الرواق المسقف والاخير فى الصحن والمطر نَازل عَلَيْهِ فَلَمَّا أصبح قصها على بعض العارفين فَقَالَ هَذِه الرُّؤْيَا تدل على كَمَال اتِّبَاع الشَّيْخ عبد الله بن شيخ للنبى لكَونه أقرب اليه وعَلى صفته والمطر هُوَ الكرامات لَان عبد الله بن أَحْمد كثير الكرامات وَاتفقَ لَهُ كثير مِمَّا يدل على رِعَايَة الاحوال الباطنية ومحاسبة النَّفس وَمن شرح أَحْوَاله وحكاياته من جماعته لم يعلم الْوُقُوف على كثير من كشفه وكراماته وَله مآثر كَثِيرَة بتريم مِنْهَا المسجدان المشهوران أَحدهمَا فى طَرِيق تريم الشمالى وَيُسمى مَسْجِد الابرار وَالْآخر فى طرفها الجنوبى وَيُسمى مَسْجِد النُّور وَبنى بِقرب مَسْجِد النُّور سَبِيلا يمْلَأ دَائِما وَغير ذَلِك وغرس نخيلا كثيرا ينْتَفع بِهِ كَثِيرُونَ من الْفُقَرَاء وَأَبْنَاء السَّبِيل ومدحه كثير من الْفُضَلَاء بقصائد طنانة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عَالم ذَلِك الْقطر وامامه وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر ذى الْقعدَة سنة تسع عشرَة وَألف وَهُوَ ساجد فى صَلَاة الْعَصْر بعد توعك قَلِيل وارتجت لمَوْته الْبِلَاد وَحضر لتشييعه خلائق لَا يُحصونَ وصلوا عَلَيْهِ عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة صلى عَلَيْهِ اماما وَلَده الشَّيْخ زين العابدين وَحضر السُّلْطَان وَأَتْبَاعه للصَّلَاة عَلَيْهِ وَدفن بِمحل بِطرف مَقْبرَة زنبل اشْتَرَاهُ وَهُوَ بَين الْمقْبرَة وَمَسْجِد النُّور وَعمل عَلَيْهِ قبَّة عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن شيخ بن عبد الله بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف اشْتهر جده بالضعيف تَصْغِير ضَعِيف الشَّيْخ العالى الْقدر الْعَالم الربانى ولد بِمَدِينَة قسم وَصَحب أَبَاهُ وَأخذ عَمَّن بهَا من الاعيان ثمَّ رَحل الى تريم وَأخذ عَن جمَاعَة من علمائها مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله بن شيخ وَولده زين العابدين وَعبد الرَّحْمَن السقاف العيدروسيين وَأخذ عَن الشَّيْخ أَبى بكر الشلى ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بِمَكَّة عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ الْعَارِف أَحْمد بن عَلان وَالشَّيْخ تَاج الهندى وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن كثيرين من السَّادة السمهوديين وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخيارى وَغَيرهم من عُلَمَاء الْحرم الوافدين عَلَيْهِ وَكَانَ كثير الطَّاعَة وَالْعِبَادَة حَرِيصًا على طلب الْفَائِدَة وَأكْثر اشْتِغَاله بِعلم التصوف وَكَانَ مَبْسُوط الْكَفّ متواضعا وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَأَرْبَعين ألف

стр. 1023

وَدفن بِالبَقِيعِ عبد الله بن شيخ بن عبد الله بن شيخ حفيد الشَّيْخ عبد الله الْمَذْكُور قبل هَذَا الذى اتَّصل ذكره الشَّيْخ الْكَبِير الْعلم الصوفى ولد بتريم سنة سبع وَعشْرين وَألف ورباه عَمه زين العابدين واشتغل بتحصيل الْعُلُوم فَأخذ عَن ابْن عَمه الشَّيْخ عبد الله السقاف بن مُحَمَّد العيدروس ولازمه فى دروسه وَأخذ عَن الشَّيْخ أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب والعارف بِاللَّه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد امام السقاف وَلبس الْخِرْقَة من كثيرين مِنْهُم وَالِده وَعَمه زين العابدين وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف وَالشَّيْخ عبد الله بن أَحْمد العيدروس وَغير هَؤُلَاءِ ورحل إِلَى بندر الشّجر وَأخذ عَن جمَاعَة من العارفين وَحج وَأخذ عَن جمَاعَة ثمَّ عَاد الى بَلَده ودخلها فى موكب عَظِيم وَخرج شَيْخه عبد الرَّحْمَن السقاف بِأَهْل السماع بِالدُّفُوفِ واليراع واشتهر صيته وَبلغ على صغر سنه مَا لم تبلغه الْمَشَايِخ الْكِبَار وبرع فى كثير من الْفُنُون وَلما مَاتَ شَيْخه الشَّيْخ الامام عبد الرَّحْمَن السقاف قَامَ بِمنْصب آباءه أتم قيام من اطعام الطَّعَام وبذل الشَّفَاعَة وفى سنة سِتِّينَ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمي وَالشَّيْخ عبد الله بن سعيد باقشير وَاجْتمعَ بالشيخ الْعَارِف مُحَمَّد بن علوى وَأخذ عَنهُ وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة وَجمع كتبا كَثِيرَة من كل فن وَأخذ عَنهُ جمَاعَة علم التصوف قَالَ الشلى وَاجْتمعت بِهِ بِمَكَّة واستفدت مِنْهُ فَوَائِد ثمَّ رَحل الى الْمَدِينَة وَأخذ عَن الصفى القشاشى وَدخل مَعَه الْخلْوَة سَبْعَة أَيَّام ثمَّ رَحل الى الْهِنْد فَدخل بندر سورت وَأخذ عَن ابْن عَمه الامام جَعْفَر الصَّادِق ولازمه بُرْهَة ثمَّ سَار الى تلميذ وَالِده الْوَزير الْعَظِيم حبشخان فَعرف لَهُ حَقه وأحله مَحل مهجته وزوجه بابنته ثمَّ رَحل إِلَى مَدِينَة بيجافور وَاجْتمعَ بسلطانها مَحْمُود شاه ابْن ابراهيم شاه فاكرمه ثمَّ حصل من بعض الحسدة فى حَقه بعض كَلَام ففارقها وَرجع الى بَلَده تريم وانعقدت عَلَيْهِ صدارتها وقصده النَّاس وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الانزواء وَصرف الاوقات فى الْعِبَادَة ثمَّ رَحل الى بندر الشحر وَصَارَ بِهِ مقصد القاصدين وَله كرامات كَثِيرَة وَمَا زَالَ مُقيما ببندر الشحر حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة السبت خَامِس عشر ذى الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف عبد الله بن طورسون الْمَوْصُوف بفيض الله طورسون زَاده أحد موالى الرّوم الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ الباهى الباهر أَخذ عَن كبار الاساتذة ثمَّ وصل الى خدمَة

стр. 1024

السَّيِّد مُحَمَّد مَعْلُول زَاده الْمُفْتى والنقيب ولازم مِنْهُ ودرس أَولا بمدرسة مُحَمَّد باشا النيشانى لما تمت فى جُمَادَى الاولى سنة احدى وَألف وَهُوَ أول مدرس بهَا برتبة الْخَارِج ثمَّ ترقى فى الْمدَارِس الى أَن وصل الى مدرسة وَالِدَة السُّلْطَان بأسكدار فولى مِنْهَا قَضَاء الْقُدس سنة عشرَة وَألف ثمَّ ولى بَغْدَاد فى شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة ثمَّ قَضَاء أَيُّوب فى ذى الْحجَّة سنة أَربع عشرَة ثمَّ قَضَاء اسكدار فى شَوَّال سنة ثَمَان عشرَة وَكَانَ عَالما فَاضلا مَشْهُورا بِالْفَضْلِ التَّام ماهرا فى اسلوب التَّحْرِير بالالسنة الثَّلَاثَة وَله شعر وانشاء مقبولان وَكَانَ حسن الْخط الى الْغَايَة وَله تآليف سَائِغَة دقيقة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الجامى وصل فِيهَا الى بحث المرفوعات وَله على التَّفْسِير تعليقات وَكَذَلِكَ على شُرُوح الْهِدَايَة والمفتاح ونظم الْفَرَائِض بالتركية ثمَّ شَرحه شرحا لطيفا وَله فى معجزات الانبياء رِسَالَة بالتركى وَكَانَ فى فن الصكوك والحجج ماهرا جدا وَجمع فِيهَا صور وقفيات وتمسكات وهى دستور الْعَمَل عِنْد أهل الرّوم وَله رِسَالَة قلمية وَكَانَ فى فن المعميات فى معادلة مير وشهاب عِنْد الْفرس وَقد صنع بَيْتا يخرج مِنْهُ مائَة اسْم وَهُوَ هَذَا (درديمه درمان أَو لوردى اولسه كراى سر وَقد ... درده غايت درده غايت درده غايت درده حد) وَكَانَت وَفَاته وَهُوَ قَاض بأسكدار فى جُمَادَى الاولى سنة تسع عشرَة وَألف السيدعبد الله بن عَامر بن على الْيُمْنَى ذكره ابْن أَبى الرِّجَال فى تَارِيخه وَقَالَ فى تَرْجَمته هُوَ ابْن عَم الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن على كَانَ عَالما متيقظا ذكيا فصيحا مجيدا فى الشّعْر على منهاج الْعَرَب الاولى وَكَانَ شَيخنَا شمس الدّين أَحْمد بن سعد الدّين يثنى على شعره وَيَقُول السَّيِّد مجيد وَهُوَ كَذَلِك وَلم يظْهر شعره الا فى آخر أَيَّامه بعد موت وَلَده أَبى تُرَاب على بن عبد الله فانه اكثر فِيهِ المراثى وناح عَلَيْهِ بِشعر كثير وَلَعَلَّه كَانَ يكره شعره فى مبادى أمره وَكَانَ فِيهِ ثَلَاث خِصَال اسْتَأْثر بهَا مِنْهَا جودة خطه فانه فائق عَجِيب وَمِنْهَا جودة الرماية بالبندق فانه كَانَ استاذا بارعا فى صَنْعَة الرماية لم يسْبق اليه ويعالج البنادق وَمِنْهَا ركُوب الْخَيل وَكَانَ وحيدا فى ذَلِك وَأَخْبرنِي أَنه لم يتْرك فِي تعلم الْكِتَابَة والرماية مجهوداً حَتَّى أَنه بلغه أَن فِي مشْهد الامام أَحْمد بن الْحُسَيْن رجلَيْنِ أَحدهمَا يجيد الْكِتَابَة وَالْآخر يجيد الرمى فَبَالغ فى وُصُوله الى ذيبين لامتحان الرجلَيْن فوجدهما كَمَا وصف لكنه فاق عَلَيْهِمَا ووقف بذيبين

стр. 1025

أَيَّامًا عَن رأى الامام الْقَاسِم أرْسلهُ الى القاضى الْعَلامَة الهادى بن عبد الله ابْن ابى الرِّجَال فاستقر عِنْده مُدَّة وَكَانَ لَا يزَال يحدث عَن القاضى بعجائب من السَّعَادَة ومطاوعة حسى حاشدو بكيل لَهُ وَهُوَ كَذَلِك فانه مَا اتّفق لَاحَدَّ مَا اتّفق لَهُ وَكَانَ والدنا القاضى الْعَلامَة على بن أَحْمد صديق السَّيِّد الْمَذْكُور لانه تولى وادعه والقاضى على كَانَ يلى أَمر الْقَضَاء وَكَانَ بَينهمَا من التَّحِيَّات والتواصل أَمر عَجِيب واعتنى المترجم بِالْجمعِ بَين الْمُنْتَخب والاحكام وفى بالى انه أَرَادَ التَّصَرُّف بالاختصار لَاحَدَّ الْكِتَابَيْنِ وسمى الْكتاب الْمَذْكُور بالتصريح بِالْمذهبِ الصَّحِيح والاختصار الذى فى ذهنى تحققته فَوَجَدته فى أَسَانِيد الْمُنْتَخب تَركهَا وَلم يستحسن ذَلِك الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم واشعاره كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته بحوت لانه استوطنها واستوطن هِجْرَة الحموس بِبِلَاد غدد فى سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف أَحْسبهُ فى رَجَب مِنْهَا وَالله أعلم عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن على بن مُحَمَّد الدنوشرى الشافعى خَليفَة الحكم بِمصْر أحد فضلاء الزَّمَان الَّذين بلغُوا الْغَايَة فى التَّحْقِيق والاجادة وضربوا فى الْفُنُون بالقدح الْمُعَلَّى وَكَانَ لغوياً نحوياً حسن التَّقْرِير باهر التَّحْرِير ولد بِمصْر وَبهَا نشا وَأخذ عَن الشَّمْس الرملى والشهاب ابْن قَاسم العبادى وَالشَّمْس مُحَمَّد العلقمى وَغَيرهم وتصدر بِجَامِع الازهر وأقرأ الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا من الْعُلُوم وانتفع بِهِ جمَاعَة أجلاء مِنْهُم الشَّمْس البابلى والنور الشبراملسى وَغَيرهمَا وَألف تآليف كَثِيرَة فى النَّحْو مِنْهَا حَاشِيَة على شرح التَّوْضِيح للشَّيْخ خَالِد وَله رسائل وتعليقات ورحل الى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ عَاد الى الْقَاهِرَة وَرَأس بهَا وَبَلغت شهرته حد التَّوَاتُر وَكَانَ ينظم الشّعْر وَأكْثر شعره مَقْصُور على نظم مسَائِل نحوية فَمن ذَلِك جَوَابه عَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (أفدنى يَا نحوى مَا اسْم غَدَتْ بِهِ ... مَوَانِع صرف خَمْسَة قد تجمعت) (فان زَالَ مِنْهَا وَاحِد فاصرفنه ... أجبنى جَوَابا يَا أخى نَقله ثَبت) وَجَوَابه هُوَ هَذَا (نظمت نظاما مبدعا فى اتساقه ... سؤالا عَظِيما كاللآلى تنظمت) (وَقد غصت فى بَحر من النَّحْو زاخر ... فصغت جَوَابا ناره قطّ مَا خبت) (وَذَا أذربيجان اسْم قَرْيَة اعجم ... حوى عجمة تركيبه ثمَّ قد حوت) (زِيَادَته تَعْرِيفه كَون لَفظه ... مؤنثا اعرفه سلمت من الْعَنَت)

стр. 1026

قلت مَا مشنى عَلَيْهِ هَذَا السَّائِل هُوَ مَا ذهب اليه ابْن جنى وَفرع الْمَوَانِع الْخَمْسَة فِيهِ على كَون اذربيجان مُعرب آذر بايكان مركب واذربيجان اقليم من بِلَاد الْعَجم يُقَال فِيهِ نهر يجرى مَاؤُهُ يستحجر فَيصير صفايح صَخْر يستعملونه فى النباء الاذربى نِسْبَة الى اذربيجان قَالَه الْمبرد وَالْقِيَاس اذرى بِلَا بَاء كرامى فى رامهرمز ابْن الاثير هَذَا مطرد فى النّسَب الى الاسماء المركبة وَضبط اذربيجان النووى فى تَهْذِيب الاسماء واللغات بِهَمْزَة مَفْتُوحَة غير ممدودة ثمَّ ذال مُعْجمَة سَاكِنة ثمَّ رَاء مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة ثمَّ يَاء مثناة من تَحت ثمَّ جِيم ثمَّ الف ثمَّ نون هَذَا هُوَ الاشهر والاكثر فى ضَبطهَا قَالَ صَاحب الْمطَالع هَذَا هُوَ الْمَشْهُور قَالَ وَمد الاصلى والمهلب الْهمزَة يعْنى مَعَ فتح الذَّال واسكان الرَّاء قَالَ والافصح الْقصر واسكان الذَّال وَرَأَيْت من آثَار الدبوشرى مَا نَصه قَالَ ابْن مَالك لَك فى يَاء الذى وَجْهَان الاثبات والحذف فعلى الاثبات تكون اما خَفِيفَة فَتكون سَاكِنة واما شَدِيدَة فَتكون اما مَكْسُورَة أَو جَارِيَة بِوُجُوه الاعراب وعَلى الْحَذف فَيكون الْحَرْف الذى قبلهَا اما مكسورا كَمَا كَانَ قبل الْحَذف واما سَاكِنا وَلَك فى يَاء الَّتِى من اللُّغَات الْخمس مَالك فى يَاء الذى وَقد نظمت هَذَا فَقلت (وفى الذى وفى الَّتِى لُغَات ... خمس رَوَاهَا السَّادة الاثبات) (اسكان يَاء ثمَّ تَشْدِيد أَتَى ... بِكَسْر يَاء مُطلقًا فأثبتا) (وَمَعَهُ جَازَت أوجه الاعراب ... أَيْضا وَهَذَا جَاءَ فى الصَّوَاب) (وَجَاء حذف الْيَاء والتسكين ... وَالْكَسْر أَيْضا هَكَذَا التَّبْيِين) (فَهَذِهِ الْخمس أَتَت محرره ... وَاضِحَة مبينَة مقرره) وَورد عَلَيْهِ سُؤال وَهُوَ هَذَا (يأيها الْعَارِف فى فنه ... ومدعى الْفَهم وَعلم الْبَيَان) (مَا قَوْلكُم فى أحرف خَمْسَة ... اذا مضى حرف تبقى ثَمَان) (ترَاهُ بِالْعينِ وَلكنه ... يحْتَاج فى الْقلع الى ترجمان) فَأجَاب عَنهُ بِجَوَاب ضمنه لغزا فى لَفْظَة بَاب وَهُوَ قَوْله (قد جاءنى لفظ بديع علا ... يحكيه فى نظم عُقُود الجمان) (دلّ على فضل وَعلم زكا ... يشْعر بِاللَّفْظِ العلى الْمَكَان) (ترض عَن عُثْمَان يَا سيدى ... وَعَن جَمِيع الصحب أهل الْجنان)

стр. 1027

(هَذَا وَمَا اسْم طرده عكة ... يحجب بَين النَّاس رأى العيان) (وجوفه اعتل وتلقاه فى ... أَبْوَاب فقه يَا فصيح الزَّمَان) وَله لغز اجْتمع فِيهِ أَربع يَا آتٍ مُتَوَالِيَة وَهُوَ (أَلا يَا عَالما بِالصرْفِ يَا من ... لنَحْو علومه صرف الا عَنهُ) (أبن لى أَربع اليا آتٍ فى اسْم ... توالت وهى فِيهِ مستكنه) وَذكره الخفاجى فِي كِتَابيه فَقَالَ فى وَصفه جَامع التَّقْرِير والتحرير الراقى الى ربوة الْمجد الخطير تآليفه أصبح الدَّهْر من خطابها وآثار اقلامه يتلمظ أَفْوَاه السامعين الى ثمار آدابها وَله عقائل طالما جلاها على وَأهْدى باكورتها الى الا انه كَانَ يعد الشّعْر سهلا ويمزج بالجد هزلا فَهُوَ فى سَمَاء الْفضل والعلوم تحسد علاهُ الْكَوَاكِب والنجوم (وهى تخفى عِنْد الصَّباح وَهَذَا ... ظَاهر فى صباحه والمساء) فَهُوَ جَوْهَر نَفِيس فى صناديق الْقبُول وسر مَكْتُوم فى ضمائر الخمول فَمَا كتبه الى قَوْله وأرسلها الى الى الْقُسْطَنْطِينِيَّة (نوالك يَا شهَاب الدّين زَائِد ... وبحر نداك يَا مولاى زابد) (تركت العَبْد لم تنظر اليه ... وَقد عودته أَسْنَى العوائد) (مَتى يَأْتِيهِ مِنْك جَوَاب كتب ... وتأتيه الصلات مَعَ العوائد) (ويكحل جفْنه ميل التلاقى ... ويغمد سيف هجرك عَنهُ غامد) وَأنْشد لَهُ التقى الفارسكورى فى كِتَابه المدائح قصائد عديدة من أَجودهَا قصيدة مطْلعهَا (غنى الهزار فأغنانى عَن الْعود ... فى روض أنس أنيق مورد الْعود) (وَطَاف بالقهوة السمرا بِهِ رشأ ... مذ أطلق الطّرف عوملنا تَقْيِيد) (كالبدر لَكِن أضلتنا غدائره ... بغدرها غادرتنا كالجلاميد) (لقدر متناقسى من حواجبه ... وَلَيْسَ غير الحشا منا بمقصود) (حللت فِيهِ عذارى مذ عقدت لَهُ ... حبا فصرت بمحلول ومعقود) (يمِيل بى حسنه نَحْو الْهوى وانا ... مَا حلت عَنهُ لذى عذل وتفنيد) (أَشْكُو لَهُ فرط وجدى عل يرحمنى ... يَا ليته لَو صغى يَوْمًا لمكمود) (أَعرَضت عَنهُ لمدح الحبر سيدنَا ... قاضى الْقُضَاة الذى قد فاق بالجود)

стр. 1028

وَأنْشد لَهُ غير قَوْله (أرى فى مصر أَقْوَامًا لِئَامًا ... وهم مَا بَين ذى جهل ونذل) (شجاعتهم بألسنة حداد ... وعيشهم بجبن وَهُوَ مقلى) وَقَوله فى قاضى مصر وَكَانَ اسْمه مُوسَى (لقد كَانَ فى مصر الامينة حَاكم ... تسمى بفرعون وَكَانَ لنا مُوسَى) (وفى عصرنا هَذَا لقلَّة قسمنا ... لنا ألف فِرْعَوْن وَلَيْسَ لنا مُوسَى) قلت والقاضى الْمَذْكُور هُوَ الذى يَقُول فِيهِ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى مفتى الشَّام مؤرخا (أهل مصر بشرا كم بسعود ... لَا تذوقون بعده قطّ بوسا) (سنة الْخَيْر والهنا أرخوها ... مِنْهَا فِرْعَوْن أقبل مُوسَى) وَركب بعض شُهُود المحاكم بِمصْر ثورا تشهيرا فَكتب الدنوشرى اليه (ان ركبوك الثور فى مصراذ ... جرست بالظلم وبالجور) (فاصبر وَلَا تحزن لما قد جرى ... فَالنَّاس وَالدُّنْيَا على ثَوْر) وَكتب لتلميذه مُحَمَّد بن أَبى اللطف الشامى وَقد ترك حُضُور درسه (يَا سيدى يَا ابْن أَبى اللطف ... يَا صَاحب الاحسان والعطف) (وعدتنا وَعدا وأخلفته ... وَمَا درينا سَبَب الْخلف) (الْوَعْد بدر نوره بالوفا ... وَالْخلف فى الميعاد كالكسف) (هَل كَانَ عرقوب عديم الوفا ... أَوْصَاك بالتسويف فى الْعرف) وَمر يَوْمًا على صَاحبه درويش الْمحلى وفى يَده دِينَار فَسقط من يَده فَقَالَ بديها (يَا فائقا بالجود بَين الورى ... ومشبها للمزن فى وكفه) (مذ سقط الدِّينَار من كفكم ... وَعَاد مثل الْبَرْق فِي خطفه) (كذبت من قد قَالَ فى حقكم ... لَا يسْقط الْخَرْدَل من كَفه) وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الاحد غرَّة شهر ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين وَألف عبد الله ابْن الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن سراج باجمال الحضرمى الغرفى ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ذكره تِلْمِيذه الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد باجمال مُؤذن الشهير بالاصبحى فى كِتَابه مطالع الانوار فى بروج الْجمال بِبَيَان الشَّجَرَة والمناقب لآل باجمال فَقَالَ أحد الْفُقَهَاء الْمُحَقِّقين وَالْعُلَمَاء العاملين أَخذ الْفِقْه عَن وَالِده بِبَلَدِهِ

стр. 1029

الغرفة ثمَّ ارتحل إِلَى الشحر فَأَخذه عَن شيخ وَالِده الشَّيْخ على بن على بايزيد وَولى امامة مَسْجِد الغرفة مُدَّة ثمَّ ولى تدريس الْجَامِع بالشحر ثمَّ ولى الْقَضَاء فِيهِ فحمدت أَحْكَامه وَاسْتمرّ بالشحر نَحْو ثمانى عشرَة سنة ثمَّ عَاد الى وَطنه الغرفة وَولى قضاءها ودرس وانتفع بِهِ جمَاعَة وَله مؤلفات مِنْهَا شرح القصيدة البستية نظم الشَّيْخ أَبى الْفَتْح البستى الَّتِى أَولهَا (زِيَادَة الْمَرْء فى دُنْيَاهُ نُقْصَان ... وَربحه غير مَحْض الْخَيْر خسران) جمع فِيهِ آدابا كَثِيرَة وَله تَنْبِيه الثِّقَات على كثير من حُقُوق الاحياء والاموات وَله نظم حسن ونثر بديع وَله فَتَاوَى غير مَجْمُوعَة وَكَانَ ذَا يَد طولى فى اسْتِخْرَاج الغوامض وَعبارَته فى أجوبته حَسَنَة جدا وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن فى تربة الغرفة غربى دَاره فى الْجَانِب الجنوبى وَهُوَ أول من دفن هُنَاكَ وَكَانَ يُشِير الى ذَلِك فى حَيَاته لَان تربة باجمال الشمالية ضَاقَتْ عَن الدّفن وَلما مَاتَ رثاه تِلْمِيذه الاصبحى الْمَذْكُور بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا (أرقت وليلى طَال مَا آن ينجلى ... وَبَات سلؤى يَا رفيقى بمعزل) عبد الله بن عبد الله بن المهلا بن سعيد بن على النيسائى ثمَّ الشرفى الانصارى الخزرجى قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال فى تَارِيخه هُوَ الْعَلامَة الْمُحَقق المدقق الْحَافِظ لعلوم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول شيخ شُيُوخ زَمَانه وامام الِاجْتِهَاد فى اوانه رَحل اليه الطّلبَة وانتفعوا بِعُلُومِهِ وَاسْتقر بِبَاب الاهجر زَمَانا ووفد اليه الطّلبَة وَكَانَ نظيراً للسعد التفتازانى فى عُلُوم الْعَرَبيَّة وَالتَّفْسِير وَله أجوبة مسَائِل تدل على علم وَاسع وَمن تلامذته الامام الْقَاسِم وَأكْثر الْفُضَلَاء فى زَمَانه عِيَال عَلَيْهِ وَتَشَوُّقِ اليه الْوَزير جَعْفَر عِنْد اقامته بصنعا فَلم يَتَيَسَّر لَهُ لقاؤه حَتَّى نكب بنكبة من الْوُلَاة بمطالبته أَو مُطَالبَة شركائه فى المَال بخراج فتمتع ورحل الى الْوَزير فَعَدهَا الْوَزير من سعادات الايام فَأَجله وَأعظم مَحَله وسَاق اليه من النَّفَقَات مَا يجل خطره وَاسْتمرّ على ذَلِك ورسم لَهُ باعفاء شركائه من الْمَطْلُوب مِنْهُم وَكَانَ يعده الْوَزير عين اهل الحضرة مَعَ كَثْرَة الْعلمَاء فيهم وَاتفقَ أَن الْوَزير أَرَادَ امتحان أهل حَضرته بِحَدِيث اختلقه من عِنْد نَفسه نمق الفاظه فَلَمَّا أملاه ابتدر الْحَاضِرُونَ من الْفُقَهَاء لكنابته وأثنوا على الْوَزير بروايته وَقَالُوا نتشرف بعلو اسناده فَلم يَتَحَرَّك صَاحب التَّرْجَمَة لشئ من ذَلِك فَسَأَلَهُ لم لم تكْتب كالاصحاب فَقَالَ أَنْتُم قد أفدتم وَالْجَمَاعَة كتبُوا وَنحن حفظنا فَقَالَ هَذَا وَالله هُوَ الْعَالم

стр. 1030

وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر لَهُم أَن الحَدِيث // لَا أصل لَهُ // وانما المُرَاد بِهِ الِاخْتِيَار وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد عُلَمَاء نبلاء وَله أحفاد فيهم الْفَضِيلَة وَالْعلم مَا مِنْهُم الا عَالم شهير مُصَنف مرجوع اليه فى التَّحْقِيق وَحل المشكلات وَقَالَ سيدنَا احْمَد بن يحيى بن حَنش سَأَلت الْفَقِيه الْعَلامَة بدر الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن المهلا عَن أَحْوَال وَالِده ومشايخه ووفاته فَأجَاب بِأَنَّهُ ولد فى صفر سنة خمسين وَتِسْعمِائَة فى بلد الدعليه من الشّرف الاعلى وَطلب الْعلم فى حداثته وَأخذ عَن وَالِده وَعَن جمَاعَة من الْعلمَاء الاكابر وَأدْركَ السَّيِّد عبد الله بن قَاسم العلوى وَلم يتأت لَهُ الاخذ عَنهُ وارتحل للْعلم الى الاقطار صُحْبَة وَالِده وَأخذ فنون الْعَرَبيَّة عَن عبد الله وأخيه ابراهيم ابنى الرَّاغِب وَعَن السَّيِّد هادى الوشلى ثمَّ ارتحل الى الشّرف وارتحل لقِرَاءَة الْفِقْه الى غرفَة عفار وَقَرَأَ على القاضى على بن عطف الله ثمَّ ارتحل الى الظفر وَقَرَأَ الْبَحْر على السَّيِّد احْمَد ابْن الْمُنْتَصر الغربابى ثمَّ تزامل هُوَ والامام الْحسن بن على فى قِرَاءَة الْعَضُد والكشاف على السَّيِّد الهادى الوشلى وَكَانَت قراءتهما عَلَيْهِ فى الدعلية ثمَّ ارتحل لطلب الحَدِيث فَقَرَأَ كتبا على وَالِده وعَلى القاضى على بن عطف الله وسافر الى جبل تنس وَقَرَأَ البخارى وَمُسلمًا وَتَجْرِيد الاصول وَغَيرهَا على الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن النزيلى وَأَجَازَهُ ثمَّ رَجَعَ الى الشّرف وَأخذ عَنهُ الامام الْقسم وَالسَّيِّد أَمِير الدّين أصُول الْفِقْه وطلع الى صنعا عَام خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَأقَام فِيهَا أَيَّامًا وَأخذ عَنهُ جمَاعَة ثمَّ انْتقل بأولاده الى الاهجر من بِلَاد كوكبان وَأقَام فِيهِ تسع سِنِين وارتحل اليه الطّلبَة من صنعا والاهنوم وبلاد أنس والخيمة والشرف وبشام وكوكبان اسْتَفَادَ مِنْهُ خلق كثير وفى خلال ذَلِك قرا الرسَالَة الشمسية على الشَّيْخ نجم الدّين البصرى الْوَاصِل الى الْيمن سنة ألف ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه وَأقَام بَقِيَّة عمره يقرى وَله كرامات كَثِيرَة مِنْهَا أَن بعض عُلَمَاء سادة تهَامَة الْيمن رَآهُ فى النّوم بِصفتِهِ الْحَسَنَة وهيئته الجميلة ثمَّ رأى بعد ذَلِك قَائِلا يَأْمُرهُ بزيارة الْعَلامَة عبد الله المهلا فَقَالَ لَا أعرفهُ فَقَالَ هُوَ الرجل الذى رَأَيْته فى الْمَنَام وبلده الشجعة من الشّرف وبيته بِالْقربِ من بَاب الْبَلَد وَهُوَ أول من ترَاهُ اذا بلغت اليها فارتحل الرجل حَتَّى بلغ أَطْرَاف الشّرف وَسَأَلَ عَن بلد تسمى الشجعة فَقيل لَهُ بلد الْعَالم الشهير عبد الله المهلا فسر واستبشر وَعلم صدق رُؤْيَاهُ الَّتِى أَمر فِيهَا بزيارته واغتنامها لقرب أَجله وَكَانَ أول من رَآهُ عِنْد دُخُولهَا بِالصّفةِ الَّتِى رَآهُ عَلَيْهَا فى مَنَامه فاكب عَلَيْهِ يقبل اقدامه ويبكى ويسأله الدُّعَاء

стр. 1031

ثمَّ أسر برؤياه الى بعض أَوْلَاده أَظُنهُ عبد الحفيظ وَأقَام مُدَّة سمع فِيهَا شَيْئا من الْعُلُوم وَحضر مجَالِس الْعلمَاء وَأَظنهُ شهد دَفنه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا ذكره حفيده الْعَلامَة النَّاصِر بن عبد الحفيظ من قَائِل يَقُول فى الْمَنَام لم يبْق من عمر جدك عبد الله غير تسع وَعشْرين لَيْلَة وَكَانَ كَمَا قَالَ وَمِنْهَا مَا رَآهُ بعض السَّادة قبل مَوته من أَخذ النبى بِيَدِهِ ذَاهِبًا بِهِ نَحْو الْموضع الذى فِيهِ ضريحه بالاشعاف ثمَّ الى الْمَدِينَة والى هَذَا أَشَارَ وَلَده القاضى عبد الحفيظ بقوله وَرَأى تقى الْبَيْت وَمِنْهَا الْكَرَامَة الشهيرة من بُلُوغه الى قريب مَكَّة على مرحلة أَو مرحلَتَيْنِ وَكَانَ يتَخَلَّف عَن الْقَافِلَة للصَّلَاة وَيلْحق بهَا على حمَار مَوْصُوف بِسُرْعَة المشى فَأَبْطَأَ فى بعض الايام عَن اللحوق بالقافلة ركونا مِنْهُ على مَا جرت عَادَته بِهِ فَركب حِمَاره فَلم يقدر على المشى البته فَلَمَّا علم تعذر مَشْيه وفوت الْقَافِلَة وَعدم مَعْرفَته بِالطَّرِيقِ تحير وَصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا الله تَعَالَى وَأَقْبل على التِّلَاوَة فاذا بِرَجُل أَخْضَر اللَّوْن حسن الْقَامَة ينحط عَن جبل قريب مِنْهُ ويسرع المشى نَحوه فحياه باسمه وَقَالَ أَبْطَأت عَن الْقَافِلَة فاقف أثرى وَحمل مَا مَعَه من أَشْيَاء كَانَ يستصحبها فَوَقع فى نَفسه انْقِطَاعه عَن النَّاس وان هَذَا رجل لَا يدرى من هُوَ فَالْتَفت اليه مُتَبَسِّمًا وَأخْبرهُ بِمَا وَقع فى نَفسه فاطمأن وَمَا زَالَ يحدثه حَتَّى بلغ بِهِ بركَة مَا جن فى مَكَّة وَأخذ لَهُ مَاء اغْتسل بِهِ وأعلمه بِالْحرم الشريف وَالطَّرِيق اليه بعد ان أحرم من الْمِيقَات وَقَالَ ان لقيتنى بعد ذَلِك والا فَأَنا أستودع الله تَعَالَى دينك وأمانتك وخواتيم عَمَلك وودعه وَمضى وَلم يره بعد ذَلِك وَكَانَ من الْعَجَائِب مصادفة الْحمار على أحسن أَحْوَاله بعد مُدَّة فى مَوضِع الِانْقِطَاع انْتهى وَكَانَت ترد اليه كتب الْعلمَاء فى عصره لاستيضاح المشكلات فى كل فن من جَمِيع الْجِهَات وَبَينه وَبَين الْعَلامَة مُحَمَّد بن أَحْمد الرومى الحنفى والعلامة سعد الدّين وأخيه على ابنى الْحُسَيْن المسورى مكاتبات ومحاورات طَوِيلَة ذكرهَا ابْن أَبى الرِّجَال فى تَارِيخه وَكَانَت وَفَاته فى ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف بالشجعة وقبره بالاشعاف بهَا وَكَانَ عمره ثَمَانِيَة وَسبعين سنة ورثاه بعد مَوته جمَاعَة عِظَام وَكَانَ من جُمْلَتهمْ وَلَده القاضى عبد الحفيظ فَقَالَ يرثيه بقصيدة مطْلعهَا (يَا غيث يَا وكاف يَا سحاح جد ... متعطفا مترددا بهناء) (قبرا على الاشعاف جلّ ضريحه ... مستوطنا عَلامَة الْعلمَاء) (بالسفح من جبل الْعَرُوس ومربع الشّرف الَّتِى فاقت على الانحاء ... )

стр. 1032

(بدر مُنِير للانام اذا هم ... فى لَيْلَة من جهلهم ظلماء) (أقلامه مثل الاسنة فى الوغى ... والحبر أفضل من دم الشُّهَدَاء) (ان الذى دفنوه بَين ظُهُورهمْ ... متبركين بِهِ من السُّعَدَاء) (كَانَ الزَّمَان اذا بدا بقبحيه ... وبداله ولى على استحياء) (ان مُشكل فى أى فن قد بدا ... أبدى ظهورا فِيهِ بعد خَفَاء) مِنْهَا (سبعين فَنًّا حازها فى صَدره ... لله ذَلِك سيد الكملاء) مِنْهَا (يَا قَبره وافيت بحرا زاخرا ... هَذَا لعمرى أعجب الاشياء) (وَرَأَيْت من مَلأ الْبِلَاد بِعِلْمِهِ ... من مَكَّة الغرا الى صنعاء) (لَكِن وسعت الْعلم اذ هُوَ ميت ... لَو كَانَ حَيا ضَاقَ كل فضاء) (ووفاته ثلم لدين مُحَمَّد ... ومعاشر الاشراف والرؤساء) (مَا كل سَالَ بعد موت نظيريه ... الا شَبيه بَهِيمَة عمياء) (واذا بدا منى سلو فَهُوَ من ... حمدى على السَّرَّاء وَالضَّرَّاء) (يأيها الرجل الذى بهر الورى ... علما وحلما فائق النظراء) (أبقيت ذكرا للمهلا طيبا ... يَا طيب الْآبَاء والابناء) (وَتركت علما نَافِعًا فِينَا وفى ... أهل الزَّمَان زَمَاننَا الاحياء) (فجزاك رَبك مَا جزى أحبابه ... الاخيار عَنَّا أفضل الاجزاء) (وَمن الْعَجَائِب ان رَأَيْت مُحَمَّدًا ... فى عامك الماضى أَتَى بوفاء) (ورآك فى ثوبى مَنَامك هاجعا ... فوقاك عَن برد بِخَير وقاء) (وَرَأى فَتى لَك شافعى انه ... أضحى النبى الهادى من الرفقاء) (وَرَأى تقى فاطمى انه ... صلى عَلَيْهِ الله كل مسَاء) (مَاض بك السهل الرحيب بِنَفسِهِ ... نَحْو الْمَدِينَة طيبَة الفيحاء) (فسررت ثمَّ خشيت فرقتك الَّتِى ... هى عندنَا من أعظم البلواء) (لله دَرك يَا حمام الايك كم ... أَحْسَنت حفظا عُهْدَة الْآبَاء) (انى نظيرك فى وفائى بعده ... أَيْضا وفى حزنى وَبَعض بكائى) (لَكِن تسلينا بِمَوْت مُحَمَّد ... صلى عَلَيْهِ طيب الاسماء) (والآل مَا طلعت شموس علومه ... تنصب فى الْآفَاق والانحاء) السَّيِّد عبد الله بن علوى باذنجان علوى أحد أَوْلِيَاء حضر موت ذكره الشلى وَقَالَ

стр. 1033

فى تَرْجَمته ولد بظفار فى أَوَائِل سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ أُمِّيا لَا يقْرَأ وَله سيرة حميدة مرضية صحب شَيخنَا السَّيِّد عقيل با عمر وانتفع بِهِ وفاضت عَلَيْهِ بَرَكَات انفاسه وَرَأى بعض السَّادة الاخيار فى الْمَنَام كَأَنَّهُ جَالس وَعِنْده بعض الصَّالِحين فَقَالَ ذَلِك الصَّالح من أَرَادَ أَن ينظر الى ولى فَلْينْظر الى هَذَا وَأَشَارَ الى صَاحب التَّرْجَمَة وَمن كراماته أَنه كَانَ إِذا أَذَاهُ أحد أُصِيب أما فِي حَال أَو مآل وَقَالَ مرّة فِي رجل وَقد أَذَاهُ يقتل فَقتل بعد مُدَّة يسيرَة فَلَمَّا قتل قَالَ مَا أحد يسْتَوْفى بِهِ قصاصا وَلَا دِيَة فَكَانَ الامر كَمَا قَالَ وَمِنْهَا ان امْرَأَة أَتَت الى زرع لَهُ وَأخذت مِنْهُ حمولة قصب على رَأسهَا وَبقيت قَائِمَة فكانها لَا تَسْتَطِيع المشى ثمَّ بعد سَاعَة جَاءَ صَاحب التَّرْجَمَة وهى لَا تعرفه فَقَالَ لَهَا اذهبى لِئَلَّا يراك صَاحب الزَّرْع يعْنى نَفسه وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف عبد الله بن على بن حسن بن الشَّيْخ على أحد سَادَات الْيمن الْمُتَّفق على ولايتهم وجلالتهم قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن مَشَايِخ عصره مِنْهُم الشَّيْخ زين بن حُسَيْن بَافضل وَالسَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن سَالم خيله وَالشَّيْخ شهَاب الدّين ثمَّ رَحل الى بندر الشحر وتفقه بهَا على الْفَقِيه الْمُحَقق نور الدّين على بن على بايزيد ولازمه فِيهِ حَتَّى برع وَكَذَلِكَ أَخذ عَن هَؤُلَاءِ النصوف والعربية وَدخل اقليم السواحل وَاجْتمعَ بعلمائها وَأخذ عَنْهُم وَأخذ عَنهُ بَعضهم ورحل الى الديار الْهِنْدِيَّة وَقصد أَحْمد آباد وَأخذ عَن شيخ الاسلام شيخ بن عبد الله العيدروس وَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض مؤلفاته وَألبسهُ الْخِرْقَة الشَّرِيفَة ولازمه مُدَّة مديدة ثمَّ أمره بالرحلة الى السَّيِّد الْكَبِير عمر بن عبد الله العيدروس ببندر عدن فَرَحل اليه وَقَرَأَ عَلَيْهِ عدَّة فنون وَحكمه وَألبسهُ الْخِرْقَة ولازمه حَتَّى صَار علما من الاعلام وصادف بِالْيمن قبولا عَظِيما وَكَانَ لَهُ مجاهدات ورياضات وَظهر لَهُ ابليس فى صُورَة عبد أسود كاشفا رُكْبَتَيْهِ على عَادَة بادية تِلْكَ الْجِهَة وَقَالَ لَهُ مَا عبد أحد مثل عبادتك فطرده ثمَّ توطن قَرْيَة الوهط وقصده النَّاس وانتهت اليه تربية المريدين وَاجْتمعَ عِنْده خلق من المنقطعين وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الاولياء والصلحاء مِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه شيخ بن عبد الله بن شيخ العيدروس صَاحب دولة أباد وَالسَّيِّد الولى مُحَمَّد بن علوى نزيل الْحَرَمَيْنِ والامام الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن بن عقيل نزيل المخا وَالسَّيِّد الْكَبِير أَبُو الْغَيْث بن أَحْمد صَاحب لحج وَالسَّيِّد الْعَظِيم عبد الله المساوى صَاحب أَب وَالسَّيِّد

стр. 1034

عقيل بن عمرَان صَاحب ظفار وَغَيرهم وَكَانَ ينْفق نَفَقَة الْمُلُوك وَرُبمَا أعْطى المَال الجزيل لفقير وَاحِد وَكَانَ لَهُ قبُول تَامّ عِنْد الوزراء والامراء وشفاعته لَا ترد مهما كَانَت وَله انشاء بليغ ونظم مستحسن جمعه فى ديوَان مَشْهُور بَين النَّاس وَله كرامات وخوارق مِنْهَا انه لما دخل السواحل طلبُوا مِنْهُ العشور والمكس فَامْتنعَ من اعطائه لكَونه حَرَامًا فَقَالَ الوالى لابد من أَخذ ذَلِك فَتَنَاول السَّيِّد الْحمل وَكَانَ لَا يحملهُ الا أَرْبَعَة رجال بِيَدِهِ وَرَفعه بِيَدِهِ كَأَنَّهُ كرة وَرمى بِهِ فَتنحّى عَنهُ فخاف الوالى وَطلب الْعَفو مِنْهُ وَاعْتذر اليه وَمِنْهَا انه دَعَا لجَماعَة من الْفُقَرَاء بالغنى فأغناهم الله وَطلب بَعضهم مِنْهُ الدُّعَاء بِأَن ييسر الله لَهُ الْحَج فَدَعَا لَهُ فحج وَكَانَ بكره اظهار الكرامات وَيَأْمُر أَصْحَابه المخصوصين بِعَدَمِ اظهارها وَيَقُول عَلَيْكُم بالاستقامة فانها أعظم كَرَامَة وَيَقُول صَاح مُتَعَيّن الاولياء بِأخذ الْعَهْد عَلَيْهِم أَن يستردوا مَا عِنْدهم بعد الاربعين وَألف وَلم يزل على حَالَته الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ والف فى قَرْيَة الوهط وقبره بهَا ظَاهر مَقْصُود بالزيارة وَقَضَاء الْحَاجَات وَمن استجار بِهِ نجا من جَمِيع المخاوف وَعمل مُحَمَّد باشا حَاكم الْيمن على قَبره قبَّة عَظِيمَة والوهط قَرْيَة قريبَة من لحج عدن باقليم الْيمن وهى غير الوهط الْمَشْهُورَة باقليم الْحجاز قريبَة من الطَّائِف وهى الْمَذْكُورَة فى كتب اللُّغَة قَالَ صَاحب مُعْجم الْبلدَانِ الوهط بِفَتْح أَوله وَسُكُون ثَانِيَة وطاء مُهْملَة الْمَكَان المطمئن المستوى ينْبت العضاه والسمر والطلح وَبِه سمى الوهط وَهُوَ مَال كَانَ لعَمْرو بن الْعَاصِ بِالطَّائِف وَهُوَ كرم كَانَ على ألف الف خَشَبَة شِرَاء كل خَشَبَة بدرهم انْتهى وَلما رَآهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك قَالَ هَذَا أكْرم مَال وَأحسنه لَوْلَا هَذِه الْحرَّة فى وَسطه فَقَالُوا هَذِه زبيبة جمع فى وَسطه وَهُوَ الْآن قَرْيَة وبساتين السَّيِّد عبد بن على بلفقيه بن عبد الله العيدروس صَاحب الشبيكة بِمَكَّة المشرفة قَالَ الشلى فى وَصفه كَانَ من عباد الله الصَّالِحين أهل الْولَايَة وَله كرامات خارقة مِنْهَا أَن بعض أَصْحَابه الْفُقَرَاء جَاءَ لَيْلَة عيد الْفطر وَهُوَ ذُو بَنَات وثيابهن عِنْد الصّباغ لم يقدر على أجرته وشكا حَاله اليه فَقَالَ اذْهَبْ الى المسفلة لنا هُنَاكَ نذر خُذْهُ فَخرج فاذا هُوَ بِرَجُل بدوى يسْأَل عَن بَيت السَّيِّد فَقَالَ لَهُ أَنا خادمه فَقَالَ هَذِه نَاقَة نذر لَهُ فَأَخذهَا وباعها وَأعْطى الصّباغ أجرته وَعِيد بالباقى وَمِنْهَا أَن رجلا من أَصْحَاب السَّيِّد هَاشم الحبشى أَمر بقتْله مَعَ آخَرين الشريف ادريس وَهُوَ

стр. 1035

بِالطَّائِف فَمَا مروا بِهِ سوق المعلاة رَآهُ أَخُوهُ مكتوفا فجَاء الى السَّيِّد هَاشم وَبكى وَقَالَ لَهُ ذَهَبُوا بأخى للْقَتْل فَقَالَ لَيْسَ هَذَا من وظيفتى فَذهب بِهِ السَّيِّد هَاشم الى صَاحب التَّرْجَمَة فَدَعَا الله تَعَالَى وَقَالَ يسلم من الْقَتْل ان شَاءَ الله تَعَالَى فَلَمَّا أَصْبحُوا خَرجُوا بهم من الْحَبْس الى مَحل الْقَتْل فتعب أَخُو الرجل وأتى للسَّيِّد وَهُوَ يبكى فَقَالَ لَهُ لَا بَأْس على أَخِيك فَبَيْنَمَا هم اذ جَاءَ رَسُول من عِنْد الشريف ادريس بفك الرجل الْمَذْكُور وَسَببه ان الشريف كَانَ يصلى الْمغرب فَدخل عَلَيْهِ صَاحب التَّرْجَمَة وَمَعَهُ الرجل فَقَالَ لَهُ فك هَذَا الرجل فَلَمَّا فرغ من الصَّلَاة قَالَ للحاجب اطلب السَّيِّد عبد الله فَقَالَ الْحَاجِب مَا دخل على أحد فَأرْسل الى أهل الْفَرِيق ان السَّيِّد عبد الله ضيفنا أَرْسلُوهُ لنا فسألوا عَنهُ فى الْفَرِيق فَلم يُوجد فَأرْسل فى الْحَال قَاصِدا يفك الرجل فَأتى وَقد قتل أَصْحَابه فَلم هموا بقتْله اذا هم بالرسول فأطلقوه وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمسين وَألف وَدفن بقبة أَبِيه وجده بالشبيكة عبد الله بن عمر بن عبد الله بن أَحْمد باجمال الحضرمى ذكره الشلى وَقَالَ فى وَصفه ذُو المقامات الفاخرة والاحوال الظَّاهِرَة أَخذ الْعلم عَن الشيح الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن بن سراج وَغَيره وجد فى الطّلب واجتهد فى الْعِبَادَات واستغرق بهَا حَتَّى فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ بالمقامات الْعلية ثمَّ تصدى للارشاد وشاع ذكره فقصده النَّاس وَكَانَ شفوقا على النَّاس حسن التودد اليهم وَكَانَت كتب الرَّقَائِق والسلوك وصفات رجال الطَّرِيق كَأَهل الرسَالَة نصب عَيْنَيْهِ وَاتفقَ أهل بَلَده على انه أكملهم علما وَعَملا وزهدا وكرما وورعا وتواضعا ومروءة وصبرا وحلما وَله كرامات خارقة وَكَانَ لَا يرد سَائِلًا كَائِنا مَا كَانَ وَيتَصَدَّق بغالب أَمْوَاله الْبر وَكَانَت صدقاته كَثِيرَة وَحصل كتبا كَثِيرَة ووقفها وَله مؤلفات نافعة فى مهمات الدّين وَاخْتصرَ الزواجر لِابْنِ حجر وَكَانَ اذا جَاءَهُ صَاحب الدُّنْيَا اسْتَحى من حَاله ويزهد فى الدُّنْيَا واذا جَاءَهُ الْفَقِير استقوى قلبه وزادت رغبته فى الْآخِرَة وَلم يتَزَوَّج لاستغراقه فى مقَام الاحسان وَكَانَت لَهُ أَحْوَال عَجِيبَة فَتَارَة يبرز للنَّاس ويدرس فى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَكتب الرَّقَائِق وَتارَة يحتجب عَن النَّاس أشهرا وأياما وَلما قربت وَفَاته وَردت عَلَيْهِ حَالَة عَظِيمَة واعتراه من الهيبة والانوار مَا يدهش الْعُقُول فَأرْسل اليه بعض المريدين الصَّادِقين الاولياء وَهُوَ فى ذَلِك الْحَال ليحمل عَنهُ بعض مَا نزل بِهِ من الاحوال فَقَالَ للرسول قل لَهُ لَو وَقعت عَلَيْك ذرة

стр. 1036

لقتلتك وَتوفى من غير مرض وانخسف الْقَمَر لَيْلَة وَفَاته وَوَقعت الهيبة فى قُلُوب الْحَاضِرين فَسَكَتُوا وَلم ينطقوا بِكَلِمَة وَلم تأت امْرَأَة الى الْبَيْت الذى توفى فِيهِ وَحضر النَّاس من الْبِلَاد الَّتِى وصل اليها خبر وَفَاته وازدحم النَّاس على مَاء غسله وَكَانَت وِلَادَته فى يَوْم الْجُمُعَة لخمس خلون من شهر ربيع سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى صبح يَوْم الثلاثا ثَالِث عشر شَوَّال سنة ثَمَان عشرَة وَألف عبد الله بن عمر الشهير بخواجه زَاده قاضى الْعَسْكَر القسطنطينى المولد الصَّدْر الْكَبِير الالمعى الاديب الْفَاضِل كَانَ من الاذكياء الْمَشْهُورين لَهُ التفوق فى الادب والتبريز فى الشهامة وَكَانَ يحفظ كثيرا من أشعار الْعَرَب وأمثالهم ووقائعهم وبحاضر بهَا وسما حَظه فى طَلِيعَة عمره لتعين وَالِده بَين عُلَمَاء الدولة وقربه من السلطنة لكَونه كَانَ معلم السُّلْطَان عُثْمَان وملتفته ومرغوبه وَنَشَأ وَلَده هَذَا واشتغل على عُلَمَاء عصره حَتَّى سَاد واشتهر بِالْفَضْلِ والادب ولازم من الْمولى شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ثمَّ درس بالمدارس الْعلية وتوصل فى مُدَّة قَليلَة الى الْمدرسَة السليمانية وَصَارَ قَاضِيا بأدرنة بِلَا وَاسِطَة وَاتفقَ لَهُ انه اجْتمع بشيخ الاسلام الْمولى أسعد فأشعره بِأَنَّهُ استكثر ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ لَيست بِأول قَارُورَة كسرت فى الاسلام يُشِير بذلك الى مَا وَقع للْمولى الْمَذْكُور من صَيْرُورَته ابْتِدَاء قَاضِيا بأدرنه وَذَلِكَ لمكانة وَالِده عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد لكَونه كَانَ معلما لَهُ ثمَّ بعد ذَلِك صَار قاضى دَار السلطنة وعزل عَنْهَا فى مقتل السُّلْطَان عُثْمَان وطالت مُدَّة عَزله حَتَّى قاربت عشر سنوات ثمَّ صَار قاضى الْعَسْكَر بِأَنا طولى وَأَقْبل عَلَيْهِ السُّلْطَان مُرَاد فرقاه الى قَضَاء عَسْكَر روم ايلى وسافر فى خدمَة السُّلْطَان الْمشَار اليه الى روان ثمَّ طلب وَهُوَ فى الصدارة قَضَاء الْقَاهِرَة فَوجه اليه وَورد دمشق فى ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَتوجه الى الْقَاهِرَة فَابْتلى عِنْد دُخُوله اليها بالاسهال وَلم تطل مدَّته حَتَّى توفى فى السّنة الْمَذْكُورَة رَحمَه الله تَعَالَى عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله المصرى الشَّيْخ العابد الزَّاهِد الْمَعْرُوف بِابْن الصبان لَان وَالِده كَانَ يَبِيع الصابون فى بَاب زويلة من أَبْوَاب الْقَاهِرَة ذكره المناوى فى طَبَقَات الاولياء وَقَالَ فى تَرْجَمته نَشأ وَقَرَأَ الْقُرْآن عِنْد ابْن المناديلى بِبَاب الْخرق ثمَّ غلب عَلَيْهِ الْحَال وَهُوَ فى سنّ الِاحْتِلَام فَكَانَ يهيم ويصعق أَحْيَانًا ثمَّ حبب اليه لُزُوم مجْلِس الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الملقب كريم الدّين الخلوتى فَأخذ عَنهُ

стр. 1037

واختص بِهِ وأرشده كريم الدّين الى سُكْنى زَاوِيَة الشَّيْخ دمرداش فناب عَن بعض أَوْلَاد الشَّيْخ فى عدَّة وظائف وأقرأ بهَا الاطفال وَهُوَ فى خلال ذَلِك يلازم مجْلِس شَيْخه ويعرض عَلَيْهِ وقائعه ويقص عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ وَهُوَ يرقيه فى الْمَرَاتِب ويخليه وتكرر لَهُ ذَلِك فَاسْتَأْذن الشَّيْخ يَوْمًا أَن يتْرك أكل الْحَيَوَان وَمَا خرج مِنْهُ فَمَنعه ثمَّ أذن نمكث كَذَلِك مُدَّة فرق حجابه وقويت روحا نِيَّته وتمثلت لَهُ الارواح وخاطب وخوطب ثمَّ حصل لَهُ لمحة من التجلى البرقى فهام وَغَابَ عَن حواسه فَوكل بِهِ الشَّيْخ من لَازمه ليضبط حَاله وَصَارَ يَأْكُل كل يَوْم عدَّة من رُؤْس الْغنم ويشكو الْجُوع وَالنَّار ثمَّ انحل ذَلِك وَأَجَازَهُ الشَّيْخ بالتربية والارشاد وَلما مَاتَ الشَّيْخ شرع يلقن ويخلى فتشوش جمَاعَة الشَّيْخ وَقَالُوا ولد ابْنَته سيدى مُحَمَّدًا حق بارث المشيخة وَتوجه جمع مِنْهُم الى زَاوِيَة دمرداش فَضربُوا صَاحب التَّرْجَمَة وجماعته وأخرجوهم من الْخلْوَة فَشَكَاهُمْ الى شيخ الْحَنَفِيَّة على بن غَانِم المقدسى وَشَيخ الشَّافِعِيَّة الشَّمْس الرملى فأرسلا يَقُولَانِ ان لم يحصل الْكَفّ عَن هَذَا الرجل والا أخبرنَا الْحَاكِم بِمَا نعلمهُ من أَحْوَال الْفَرِيقَيْنِ فكفوا وَبنى الامر على السّكُون وَلم يزل أَمر الشَّيْخ عبد الله فى ازدياد حَتَّى اشْتهر بالمكاشفات وشوهد لَهُ كرامات شَتَّى من جُمْلَتهَا انه دخل بَيته لَيْلًا فى الظلمَة فأضاء هيكله وَصَارَ كالشمعة ثمَّ تحول من زَاوِيَة الشَّيْخ دمرداش وَسكن بمدرسة ابْن حجر بِخَط حارة بهاء الدّين فَأقبل النَّاس عَلَيْهِ أَكثر واشتهر ذكره وَبعد صيته وَلم يزل يسوح فى رياض الاذكار الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى بعد الالف وَهُوَ فى عشر التسعين وَدفن تجاه الْمدرسَة وَله عدَّة رسائل فى الطَّرِيق واستخلف أَخَاهُ الشَّيْخ مُحَمَّدًا رَحمَه الله تَعَالَى عبد الله بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ الحنفى امام مدرسة شادى بك خَارج دمشق بمحلة القنوات كَانَ فَاضلا وَله معرفَة بعدة فنون أجلهَا الْعَرَبيَّة وفروع الْفِقْه مَعَ مُشَاركَة فى أصُول الْفِقْه الى غير ذَلِك وَكَانَ حسن الاخلاق ضَاحِك السن عادم الكلفة سمح الْكَفّ مَعَ ضيق يَده قَرَأت بِخَط عبد الْكَرِيم بن مَحْمُود الطارانى فى مَجْمُوع ترْجم فِيهِ بعض من أدركهم من الْعلمَاء وَمِنْهُم صَاحب التَّرْجَمَة قَالَ فى تَرْجَمته ورد الى دمشق من مصر فى سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَاخْتَارَ الاقامة بهَا فتديرها ولازم عُلَمَاء دمشق مُدَّة وَاسْتمرّ بهَا زَمَانا الى أَن اشْتهر وَصَارَ خَطِيبًا بِجَامِع العداس بمحلة القنوات واماما بمدرسة شادى بك بالجامع الاموى أَيَّامًا مَا قَالَ

стр. 1038

وأخبرنى انه قَرَأَ الْعلم زَمَانا بِمصْر وَمن جملَة أشياخه الَّذِي أَخذ عَنْهُم وأجازوه بالاقراء الشَّيْخ الامام على بن غَانِم المقدسى وَشَيخ الادب مُحَمَّد الحنبلى الْمَعْرُوف بالفارضى صَاحب الْمَقْصُورَة فى مديح مفتى الرّوم عَلامَة الْوُجُود الْمولى أَبى السُّعُود وَكَانَ مُدَّة اقامته يظْهر كَمَال الشوق الى زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام والتثام ثرى الْقَبْر الشريف قَالَ الْحسن البورينى وسمعته يلهح بِهَذِهِ الْكَلِمَات (ارى نفسى باشواق رهينه ... لقبر قد ثوى وسط المدينه) (وللبيت الْحَرَام وَمَا حواه ... من الدُّرَر المعظمة الثمينة) فاتفق انه فى سنة أَربع بعد الالف ولى امامة الركب الشامى وَحج فَلَمَّا رَجَعَ مَعَ الْحَاج الى منزلَة الجديدة بَين الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَأَرَادَ الرحلة مِنْهَا قدمت لَهُ نَاقَة من جمال السلطنة فَلَمَّا أَرَادَ ركُوبهَا وقصته فَمَاتَ شَهِيدا عَن نَحْو ثَمَانِينَ سنة وَدفن ثمَّة رَحمَه الله تَعَالَى عبد الله بن مُحَمَّد بن محيى الدّين عبد الْقَادِر بن زين الدّين بن نَاصِر الدّين النحراوى الحنفى أوحد الْفُضَلَاء الْفُقَهَاء وَأجل أَصْحَاب التخاريج فى مَذْهَب النُّعْمَان الَّذين تكحلت بحبرهم عُيُون الْفَتْوَى فى عصره ارْتَفع الى ذرى الْفَضَائِل وسابق فى حلبة الْعُلُوم فحاز قصب الفواضل أَخذ عَن وَالِده فسرى فى ليل الْمجد فباكره الْفَلاح وَحط رَحْله فى شأو الْعلم فَمَا ترك من أَبِيه مغدى وَلَا مراح وَأفْتى ودرس وَنزل فى ساحة الْفضل وعرس وَأخذ عَنهُ الْخلق الْكثير وانتفع بِهِ الجم الْغَفِير وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى أحد الربيعين سنة سِتّ وَعشْرين وَألف عَن نَحْو خمسين سنة السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الحسينى المغربى الاصل ثمَّ القاهرى الشافعى الْمَعْرُوف بالطبلاوى ولنزوله بِمصْر عِنْد الشَّيْخ الْعَلامَة نَاصِر الدّين الطبلاوى الشافعى وَكَانَ أعظم شُيُوخه الشَّيْخ الْمَذْكُور أَخذ عَنهُ عدَّة عُلُوم مِنْهَا علم القراآت وساد فِيهَا سيادة عَظِيمَة بِحَيْثُ انه كتب فِيهَا حواشى عل شرح الشاطبية للجعبرى بِخَطِّهِ جردها تِلْمِيذه الشَّيْخ سُلَيْمَان اليسارى المقرى وَانْفَرَدَ بِعلم اللُّغَة فى زَمَنه على جَمِيع أقرانه بِحَيْثُ انه كتب نسخا مُتعَدِّدَة من الْقَامُوس وَاخْتصرَ لِسَان الْعَرَب وَسَماهُ رشف الضَّرْب من لِسَان الْعَرَب لم يكمل وَكَانَ عَارِفًا بارعا بِعلم الْعرُوض وَله شرح على تأنيس المروض فى علم الْعرُوض وَله شرح على عُقُود الجمان فى الْمعَانى

стр. 1039

وَالْبَيَان تأليف الْجلَال السيوطى وَله حَاشِيَة على حَاشِيَة الْعَلامَة الْبَدْر الدمامينى على مغنى اللبيب لِابْنِ هِشَام وَسُئِلَ عَن معنى بَيت النهروانى وَهُوَ (فِيك خلاف لخلاف الذى ... فِيهِ خلاف لخلاف الْجَمِيل) فَأجَاب بقوله من أَبْيَات (ان كَلَام النهروانى الذى ... ذكرتموه فِيهِ مدح جليل) (ترَاهُ من لفظ خلاف حوى ... أَرْبَعَة مِنْهَا خلاف الْجَمِيل) (يعْنى قبيحا قبله ثَالِث ... خِلَافه وَهُوَ جميل نبيل) (خِلَافه الثانى قَبِيح ففى ... خِلَافه الاول مدح جميل) وَرَأَيْت لَهُ تَرْجَمَة بِخَط صاحبنا الْفَاضِل اللبيب مصطفى بن فتح الله قَالَ فِيهَا فرع نما من أَفْخَر نسب جَامع فضيلتى الْعلم والحسب (أَلا ان مخزوما لَهَا الشّرف الذى ... غَدا وَهُوَ مَا بَين الْبَريَّة وَاضح) (لَهَا من رَسُول الله أقرب نِسْبَة ... فيا لَك عزا نَحوه الطّرف طامح) كَانَ من المشتغلين بِالْعلمِ فقها وأصولا وَمن أَعْيَان الادباء نثرا ونظما وَكَانَ خطه يضْرب بِهِ الْمثل فى الْحسن وَالصِّحَّة وَكتب بِخَطِّهِ من الْقَامُوس نسخا هى الْآن مرجع المصريين لتحرية فى تحريرها وَكَانَ كريم النَّفس حسن الْخلق والخلق من بَيت علم وَدين لَهُ شُيُوخ كَثِيرُونَ مِنْهُم الْعَلامَة أَبُو النَّصْر الطبلاوى وَالشَّمْس الرملى والشهاب أَحْمد بن قَاسم العبادى وَغَيرهم من أكَابِر الْمُحَقِّقين وَاسْتمرّ حسن السِّيرَة جميل الطريقه الى أَن نقل من مجَاز دَار الدُّنْيَا الى الْحَقِيقَة وشعره مَشْهُور ونثره منثور ولواء حَمده على كَاهِل الدَّهْر منشور وَله قصيدة مدح بهَا أستاذه الطبلاوى الْمَذْكُور وَالْتزم فى قوافيها تجنيس الْخَال وهى مَشْهُورَة ومطلعها يَا سلسلة الصدغ من لواك على الْخَال وَذكره الخفاجى وأخاه السَّيِّد مُحَمَّد وَأثْنى عَلَيْهِمَا كثيرا وَكَانَت وَفَاة السَّيِّد عبد الله فى صبح يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل ذى الْحجَّة سنة سبع وَعشْرين وَألف وَصلى عَلَيْهِ بالازهر وَدفن بِالْقربِ من الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سيدى عمر بن الْعَارِف وَقد ناهز السّبْعين وَكَانَ مولده بقرية يُقَال لَهَا أَبُو الريش بِالْقربِ من دمنهور الْوَحْش بالبحيرة عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حسن بروم ابْن مُحَمَّد بن علوى الشيبه ابْن عبد الله بن على بن الشَّيْخ عبد الله باعلوى الْمسند الاخبارى الْعلم الصوفى ولد بتريم وَحفظ

стр. 1040

الْقُرْآن وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَقَرَأَ القراآت وَأَخذهَا عَن جمع ثمَّ اشْتغل بعلوم الدّين فَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس ولازمه فى جَمِيع دروسه وتفقه على قاضى تريم وفقيهها القاضى عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وعَلى الشَّيْخ الامام مُحَمَّد بن اسماعيل بَافضل وَسمع من كثيرين وَصَحب جمَاعَة من الاكابر واشتغل بعلوم الصُّوفِيَّة ثمَّ ارتحل الى الْيمن والحجاز وجاور بالحرمين سِنِين وَأخذ بهما عَن جمَاعَة وَكَانَ كثير الاعتمار وَالصَّلَاة وَالطّواف وتلاوة الْقُرْآن قَلِيل الِاجْتِمَاع بِالنَّاسِ ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه تريم وَأخذ عَنهُ خلق كثير لَا سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَكَانَت تعتريه حِدة عِنْد المذاكرة وَكَانَ يحضر درس الشَّيْخ على زين العابدين وَيتَكَلَّم بِحَضْرَتِهِ فى الْمسَائِل المشكلة فينصت لما يَقُوله وَكَانَ زين العابدين يُحِبهُ ويثنى عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ وَالِده عبد الله بن شيخ يعظمه ويكرمه وَكَانَ قَلِيل الغلال كثير العائلة وَكَانَ لَا يخَاف لومة لائم فى أَمر الدّين وَلَا يقبل من أَرْبَاب الدولة هَدِيَّة وَكَانَ سعى فى تَوْلِيَة أَمر أوقاف آل عبد الله با علوى فولاه السُّلْطَان أمرهَا وَأنْفق على الْفُقَرَاء مِنْهُم وَمن غَيرهم وَاسْتمرّ على ذَلِك مُدَّة يسيرَة ثمَّ سعى كل وَاحِد فى رد مَا كَانَ تَحت يَده من الْوَقْف وَرجع على مَا كَانَ عَلَيْهِ أَولا وَجَرت فى ذَلِك أُمُور ثمَّ سعى لَهُ الشَّيْخ زين العابدين فى امامة الْمَسْجِد الْجَامِع ورتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَاسْتمرّ على حَاله حَتَّى مَاتَ فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَقد أناف على السّبْعين وَدفن بمقبرة زنبل عبد الله بن مُحَمَّد قاضى الْقُضَاة بالشأم الْمَعْرُوف بالطويل الْفَقِيه المتشرع الدّين الْخَيْر المتقى ولى قَضَاء حلب ثمَّ دمشق وَورد اليها فى سنة سِتّ وَسبعين وَألف واجتهد فى اجراء الاحكام والتصلب فى أَمر الشَّرْع وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ السّكُون وَهُوَ فى الْعِفَّة والاستقامة أعظم من رَأَيْنَاهُ وَسَمعنَا بِهِ وَكَانَ مثابرا على الْعِبَادَة كثير التَّرَدُّد الى الْمَسْجِد الْجَامِع مواظبا على فعل الْخَيْر وكل أَحْوَاله تدل على صَلَاح حَاله ثمَّ عزل عَن دمشق وَتوجه الى الرّوم فَلم تطل مدَّته حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة ثَمَان وَسبعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد أَحْمد قسم ابْن علوى بن عبد الله بن على بن الشَّيْخ عبد الله با علوى امام أهل زَمَانه فى الزّهْد والورع ولد بِمَدِينَة قسم ونشأبها وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب عُلَمَاء زَمَانه وَأخذ عَن جمع مِنْهُم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْمعلم وَجَمَاعَة من آل باقشير وَآل باشعيب ورحل الى تريم فَأخذ عَن الشَّيْخ أَبى بكر

стр. 1041

الشلى وَعَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَالشَّيْخ الْجَلِيل الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الحبشى وَلَزِمَه وحذا حذوه فى الْعُزْلَة وَقِرَاءَة كتب الصُّوفِيَّة لَا سِيمَا كتب الشاذلية والكتب الغزالية وَغَيرهم ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بِمَكَّة عَن غير وَاحِد ثمَّ رَحل إِلَى الْمَدِينَة وتوطنها واشتهر بهَا شَأْنه وَكَانَ كثير المطالعة لكتب الاولين لَا سِيمَا كتاب الاحياء فانه كَانَ ملازما لقرَاءَته وروى انه الْتزم بِالنذرِ كل يَوْم قِرَاءَة بعضه الا لعذر من سَفَره ومرضه وَأخذ عَنهُ جمَاعَة كَثِيرُونَ مِنْهُم الْجمال الشلى المؤرخ وَكَانَ عَارِفًا بِكَلَام الْقَوْم واصطلاحاتهم واذا تكلم فى مسئلة أفادوا وأجاد متقللا من الدُّنْيَا قانعا مِنْهَا بالكفاف سائراً على طَريقَة سلفه وَمِمَّا يدل على زِيَادَة فَضله ورفعة قدره انه لما طاح بعض قناديل الْحُجْرَة الشَّرِيفَة على الْقَبْر الشريف فتحير أهل الْمَدِينَة فى ذَلِك وَأَرْسلُوا الى الْخَلِيفَة السُّلْطَان مُحَمَّد بن ابراهيم يخبرونه بذلك فَاسْتَشَارَ أَعْيَان أَصْحَابه فى ذَلِك فاتفقوا على أَن لَا يتعاطى اخراجه الا أفضل أهل الْمَدِينَة فَأرْسل اليهم يَأْمُرهُم بذلك فَأَجْمعُوا على أَن الْمُسْتَحق لهَذَا الْوَصْف صَاحب التَّرْجَمَة فأخبروه بِأَمْر السُّلْطَان فامتثل الامر ورفعوه فى لوح وأنزلوه على الْقَبْر الشريف فَرفع الْقنْدِيل ثمَّ أرْسلُوا بِهِ الى السُّلْطَان فَوَضعه فى خزانته وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من أكَابِر عصره وَكَانَت وِلَادَته فى سنة خمس عشرَة وَألف وَتوفى بِالْمَدِينَةِ نَهَار الاربعاء أول شعْبَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بِالبَقِيعِ وقبره مَعْرُوف يزار عبد الله بن مُحَمَّد بن قَاسم الْمَعْرُوف بقاسم زَاده الحلبى الاصل القسطنطينى المولد المنشأ والوفاة قاضى الْقُضَاة الْفَاضِل اللوذعى الحذق الباهر الطَّرِيقَة نَشأ وَقَرَأَ على وَالِده الْعَلامَة الشهير مُحَمَّد بن قَاسم المترجم فى الريحانة الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى وبرع وتفوق ثمَّ درس بمدارس الرّوم وَولى قَضَاء الْقُدس ثمَّ قَضَاء ازمير ثمَّ قَضَاء الشأم فى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ والف وَكَانَ أحد أَعَاجِيب الزَّمَان فى فصل الاحكام واستحضار الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة فَلَا يشذ عَن فكره مِنْهَا الا الْقَلِيل وَكَانَ مَعَ كَونه متكيفا مُسْتَغْرقا فى الكيف حَاضر الذِّهْن جدا واذا عرض عَلَيْهِ أطول حجَّة أوصك انساق فكره الى منَاط الحكم بِسُرْعَة وَأصَاب فِيهَا المحزو بِالْجُمْلَةِ فَلم ير مثله فى هَذَا الْبَاب ثمَّ عزل عَن قَضَاء الشأم وَورد الرّوم وأقرأ دروسا خَاصَّة فى أَنْوَاع الْفُنُون وَلم تطل مدَّته بعد ذَلِك حَتَّى توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى الثَّامِن وَالْعِشْرين من

стр. 1042

شهر رَمَضَان سنة احدى وَتِسْعين وَألف عبد الله بن مُحَمَّد طَاهِر بن مُحَمَّد صفا التاشكندى الاصل المكى الشهير بعباسى لكَونه ولد فى الطَّائِف الْمَعْرُوف عِنْد بعض النَّاس بوادى الْعَبَّاس أحد صُدُور الشَّافِعِيَّة بالديار المكية وَمِمَّنْ برع فى فنون الْعَرَبيَّة كَانَ ذَا همة عالية واخلاق لَطِيفَة قطع ريعان عمره وشيخوخته بالاشتغال بِالْعلمِ والانهماك عَلَيْهِ وَكَانَ ذكى الْفَهم حسن الْعبارَة لطيف المحاضرة ويغلب عَلَيْهِ حِدة المزاج مَعَ سَلامَة الصَّدْر ولد بِمَكَّة فى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف تَقْرِيبًا وَأخذ عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَهُوَ آخر تلامذته موتا وَصَحب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سَالم بن أَحْمد شَيْخَانِ وَأخذ عَنهُ الطَّرِيق وتلقن مِنْهُ الذّكر وَلبس الْخِرْقَة وَأَجَازَهُ بمروياته ولازم خدمته سِنِين كَثِيرَة وَمَات وَهُوَ عَنهُ رَاض وَكَانَ يَقُول كل مَا أَنا فِيهِ من الْخَيْر وَالْبركَة فَهُوَ من سيدى سَالم وَلذَلِك كَانَ كثير الادب مَعَ أَوْلَاده ملازما لَهُم فى سَائِر أَحْوَاله وَأخذ الْفِقْه وَغَيره عَن الْعَلامَة على بن الْجمال وَعبد الله بن سعيد باقشير وَمُحَمّد بن عبد الْمُنعم الطائفى وَلما قدم الشَّمْس مُحَمَّد البابلى الى مَكَّة لَازمه كثيرا وَأخذ عَنهُ واختص بِهِ وَكَانَ يطالع لَهُ دروسه وَأخذ عَن الْعَلامَة عِيسَى المغربى وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان وَحكى انه لما حج النَّجْم الغزى مُحدث الشأم ذهب مَعَ شَيْخه البابلى وَأخذ عَنهُ وَأَجَازَهُ بمروياته وَصَحب السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن الادريسى وَتوجه صحبتة الى الْيمن وَدخل زبيد والمخا وموزع وغالب تهَامَة وَأخذ عَمَّن بهَا من أكَابِر الْعلمَاء وَأَجَازَهُ عَامَّة شُيُوخه وتصدر للتدريس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بِأَمْر من شُيُوخه وَأخذ عَنهُ فضلاء فخام مِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن أَبى بكر شَيْخَانِ وَأَخُوهُ سَالم وَابْن عَمهمَا السَّيِّد مُحَمَّد بن عمر وَعمر وَعبد الله بن سَالم البصرى والامام على بن فضل الطبرى وَأحمد ابْن أَبى الْقسم الخلى وَمُحَمّد بن أَحْمد الاسدى وَحضر دروسه الاخ الْفَاضِل مصطفى ابْن فتح الله وَأَجَازَهُ بمروياته وَكَانَت وَفَاته فى ثانى عشر شَوَّال سنة خمس وَتِسْعين وَألف بِمَكَّة وَدفن بحوطة السَّادة آل شَيْخَانِ قدس الله تَعَالَى أسرارهم بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد حجازى بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد أَبى الْفَيْض الشهير بِابْن قضيب البان الحلبى الحنفى الْفَاضِل الاديب الشَّاعِر المنشى البليغ كَانَ وَاحِد الزَّمن وغرة جبهة الدَّهْر وَله فى الْفضل شهرة طنانة وَحَدِيث لَا يمل وَكَانَ مَعَ علو

стр. 1043

قدره وسمو شَأْنه لين قشرة الْعشْرَة ممتع المؤانسة حُلْو المذاكرة جَامعا آدَاب المنادمه عَارِفًا بِشُرُوط المعاقره وَكَانَ أحد المبرزين بِحسن الْخط مَعَ أَخذه من البلاغة بأوفر الْحَظ وَله تآليف سَائِغَة مِنْهَا نظمه للاشباه الْفِقْهِيَّة وَكتاب حل العقال وذيل على كتاب الريحانة وَلم يكمله وشعره وانشاؤه فى الالسنة الثَّلَاثَة حُلْو مطبوع وَكَانَ دأب فى طَلِيعَة عمره وَحصل وَأخذ عَن جملَة من الْعلمَاء مِنْهُم الْعَلامَة مُحَمَّد بن حسن الكواكبى مفتى حلب والمنلا مُحَمَّد امين اللارى قدم عَلَيْهِم حلب وَالسَّيِّد مُحَمَّد التَّقْوَى الْحَكِيم وَالشَّيْخ مصطفى الزيبارى وتفوق وتصدر للتدريس فى الْمدرسَة الحلاوية وَولى نقابة الاشراف وَأعْطى رُتْبَة قَضَاء ديار بكر ثمَّ استدعاه الْوَزير الْفَاضِل لما بلغه فَضله فانحاز اليه وَاشْتَدَّ اخْتِصَاصه بِهِ وَحل مِنْهُ مَحل الْوَاسِطَة من العقد فسير فِيهِ قصائد فائقة أنشدنى مِنْهَا جلها فَلم يعلق فى خاطرى مِنْهَا أَلا قَوْله من قصيدة حَسَنَة التَّرْكِيب وَذَلِكَ مَحل التَّخَلُّص مِنْهَا (ولرب يَوْم قد تلفعت الضُّحَى ... مِنْهُ بثوبى قسطل وغمام) (حسرت فناع النَّقْع عَنهُ عصبَة ... غبر الْوُجُوه مضيئة الاحلام) (متجردين الى النزال كَأَنَّمَا ... يتجردون لواجب الا حرَام) (لَا يأنسون بِغَيْر أَطْرَاف القنا ... كالاسد تألف مربض الآجام) (يسرى بهم نجمان فى ليل الوغى ... رأى الْوَزير وَرَايَة الاسلام) ثمَّ ترقى عِنْده فى الْمنزلَة حَتَّى استدعاه اليه وصيره نديم مَجْلِسه الْخَاص فحسده حواشى الْوَزير وَدخل اليه أحدهم فى زى نَاصح يَقُول لَهُ ان حَال الدولة فى تقلباتها لَيْسَ بالخفى وَقد امكنت الفرصة فاذا طلبت قَضَاء نلْت مَا طلبته على الْفَوْر فانساغ لهَذَا القَوْل وَوَقعت مِنْهُ هفوة الطّلب والالحاح فانحرف الْوَزير عَلَيْهِ وَظن أَنه سئم من مَجْلِسه فَوجه اليه قَضَاء ديار بكر اسْتِقْلَالا فَتوجه اليه وَكَانَ من خبرته وتجربته للامور سيء التَّدْبِير فانزوى عَن الِاجْتِمَاع بِأحد وفوض أَمر الْقَضَاء لرجل من أَتْبَاعه فَتَجَاوز الْحَد فى أَخذ مَال النَّاس والرشوة وَلم يُمكنهُم عرض ذَلِك على السَّيِّد صَاحب التَّرْجَمَة فشكوا أَمرهم الى جَانب السلطنة فعزلوه وانخفض قدره وَأقَام مُدَّة طامعا فى أَن يحصل على غَرَض من اغراضه فَمَا قدر لَهُ وَاسْتمرّ بالروم نَحْو خَمْسَة اعوام منزويا وَاجْتمعت بِهِ فى أَيَّام انزوائه بقسطنيطينية ومدحته بقصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا

стр. 1044

(بدا فَأَرَاك الْغُصْن والشادن الخشفا ... بديع جمال جَاوز النَّعْت والوصفا) (أغن يكَاد الظبى يَحْكِي التفاته ... وتختلس الصَّهْبَاء من جِسْمه لطفا) (اذا طرفت مِنْهُ الْعُيُون بلمحة ... فأيسر شئ مِنْهُ مَا ينهب الطرفا) (تروح بِهِ الالباب نهب هجيره ... وَمَا عفرت خدا وَلَا انتشقت عرفا) (سقى عَهده بالسفح حلَّة هاطل ... من المزن لم يطو الزَّمَان لَهَا سجفا) (أَوَان توافينا نشاوى من الصِّبَا ... وَلم يبْق منا الوجد الاهوى يخفى) (تحجبنا الظلماء حَتَّى كأننا ... رعينا لَهَا من كل مكرمَة صنفا) (وَبَات يحيينى بممزوجة الطلا ... فانى قد آلَيْت لاذقتها صرفا) (الى أَن تولى اللَّيْل قَائِد جَيْشه ... وَرَاح سُهَيْل الافق يقدمهُ طرفا) (وقفنا وأدمينا المحاجر بُرْهَة ... فسالت نفوس فى مهارقنا ذرفا) (وَسَار مسير الْبَدْر يطوى منازلا ... على انه لَا محق فِيهِ وَلَا خسفا) (فأودعني مِنْهُ تعلة وامق ... وزفرة وجد لم تكد أبدا تطفا) (أسر بتجديد الْهوى ذكره عَهده ... وان كنت لَا أقوى لاعبائه ضعفا) (عدمت فؤاد الم تبت فِيهِ لوعة ... من الْعِشْق تذكيه لواعجها لهفا) (أَبيت ولى قلب يقلب فى الجوى ... فللشوق مَا أبدى وللوجد مَا أخْفى) (ويذكرنى عهد التصابى مغرد ... من الشجو يَتْلُو فى أغاريده صحفا) (كِلَانَا غَرِيب يشتكى فقد الفه ... فيبكى وَحقّ الالف أَن يبكى الالفا) (تعللنا الآمال وهى كواذب ... وَمن دونهَا وعد نرى دونهَا خلفا) (فليت الْهوى فِينَا رخاء صَنِيعه ... وَلم يبْق رحما من لدينا وَلَا عطفا) (فنفرغ عَن كل الآمانى لمدح من ... بِهِ صَحَّ جسم الْفضل من بعد مَا أشفى) (هُوَ ابْن الحجازى الرفيع جنابه ... أعز الورى جاها وَأَعْلَاهُمْ كهفا) (فَتى طابت الدُّنْيَا بِحسن خصاله ... وَلم يبْق فِيهَا الدَّهْر خطبا وَلَا صرفا) (تثقفت الآراء مِنْهُ بأروع ... يخيف الضوارى حَيْثُ مَا اقتحمت حرفا) (ويفتر عَن لألاء بشركانه ... مقبل شاد لَا تمل بِهِ الرشفا) (فَمَا رَوْضَة قد فاح نشر عبيرها ... بأطيب يَوْمًا من خلائقه عرفا) (تحلت بِهِ الاعناق عقد مواهب ... اذا مَا هطلن استحين المزنة الوطفا) (فَمَا تنطق الافواه الا بمدحه ... وَلَا ترفع الآمال الا لَهُ كفا)

стр. 1045

(فديتك يَا من لَو صرفت لمدحه ... جَمِيع وجودى رحت أَحْسبهُ قذفا) (وأحقر فِيهِ الْمَدْح حَتَّى لَو انه ... تجَاوز ضعف الضعْف بل مثله ضعفا) (فيأيها الْمولى الذى عَم جوده ... وَمن عِشْت دهر الم أُفَارِق لَهُ عطفا) (لرحماك أَشْكُو من زمانى حوادثا ... أبادت بقايا الصَّبْر من جلدى عنفا) (فَمَا كنت الا الشَّمْس فى فلك العلى ... تعدى عَلَيْهَا الْبَين فانمحقت كسفا) (حنانك فالحظنى بنظرة مُشفق ... تنبه منى الْحَظ من بعد مَا أغفى) (ودونكها وَرْقَاء فى روض محتد ... تقلد أذن الدَّهْر من درها شنفا) (تود نُجُوم الافق لَو كن منطقا ... لَهَا وكلا البدرين يشطرها وحفا) (نثرت عَلَيْهَا من مديحك لؤلؤا ... فأهوت أيادى الْمجد ترصفه رصفا) (تمتّع بهَا واستر بعفوك هفوها ... فَمن دونهَا الحساد ترمقها طرفا) (وَدم فى عرين الْعِزّ صدر ليوثه ... وكل البرايا مِنْك قد نكبت خلفا) (مدى الدَّهْر مَا جَادَتْ قريحة شَاعِر ... بِبَيْت فحاز الْفَخر دُنْيَاهُ واستكفى) فَمَا أنشدتها بَين يَدَيْهِ نشط لَهَا وتبجح بهَا وَتحفظ أغلبها وأجزل صلتى عَلَيْهَا وَمن عهدها لَزِمته لُزُوما لَا انفكاك مَعَه وَوَقع لى مَعَه محاورات عَجِيبَة من جُمْلَتهَا انى دخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فى وَقت الصبوح فرأيته نَائِما فَكتبت هَذِه الابيات بديهة ووضعتها على وسادته وهى (أَيهَا الراقد طَابَ الْعَيْش ... فاستحكم فَلَا حك) (قُم نبا كرها شمولا ... تبْعَث الْيَوْم انشراحك) (واصطبح كأس الحميا ... أسعد الله صباحك) فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ دعانى اليه وَجَلَسْنَا نتفاوض المطارحة والمساجلة ثمَّ استغرق بِنَا الْوَقْت ثَلَاثَة أَيَّام فَكَانَ يَقُول لى كل بَيت بِيَوْم وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فَوَجَدته منقبضا والفكرة قد استوعبه وَكَانَ اذ ذَاك فى غَايَة الانحطاط فَأَنْشَدته (وَلَو كَانَ عقل النَّفس فى الْمَرْء كَامِلا ... لما أضمرت فِيمَا يلم بهَا هما) فأنشدنى على الْفَوْر (وَمَا ذَنْب الضراغم حَيْثُ كَانَت ... وصير زَادهَا فِيمَا يذم) وَوَقع حريق فى دَاره فَاحْتَرَقَ لَهُ شئ من الملبوس والكتب فَكتبت اليه مسليا (فدى لَك مَا على الدُّنْيَا جَمِيعًا ... فعش فى صِحَة وابل الربوعا)

стр. 1046

(لَئِن جزع الانام لفقد شئ ... فلست لفقدك الدُّنْيَا جزوعا) (تعلمنا الاناءة مِنْك حَتَّى ... توطنا بهَا الشّرف الرفيعا) (أَفَاضَ الله جودك فى البرايا ... وَأنْبت من أياديك الربيعا) (وصورك الْمُهَيْمِن من كَمَال ... لتعلم صنع خالقك البديعا) (فمرواحكم بِمَا تخْتَار فِينَا ... تَجِد كلا كَمَا تهوى مُطيعًا) (فَلَو كلفت يَوْم الامس عودا ... لخاض اللَّيْل وَاخْتَارَ الرجوعا) (وَلَو ناديت سَهْما فى هَوَاء ... لعاد الْقَهْقَرَى وأتى سَرِيعا) (يضم الْبرد مِنْك أَخا فخار ... يبيت اللَّيْل لَا يدرى الهجوعا) (وانى من بجودك قد ترقى ... وَحل من العلى حصنا منيعا) (خلقت على الْوَفَاء لكم مُقيما ... وأوفى النَّاس من حفظ الصنيعا) وَمِمَّا طارحنى بِهِ فى جملَة مطارحاته انه لما كَانَ مر بِدِمَشْق قَاصِدا الْحَج شغف بِأحد أَبنَاء سراتها وَكَانَ من الاشراف قَالَ ثمَّ فارقته وتباكينا عِنْد التوديع فَكتبت اليه من الطَّرِيق مضمنا بَيت البحترى فَقلت (يَا آل بَيت الْمُصْطَفى هَل رَحْمَة ... لفؤاد مشبوب الجوانح ثَائِر) (ضلت نواظره الرقاد وَمَا اهتدت ... ببياض دمع من سَواد ضمائر) (دمع تعلق بالشؤون فساقه ... زفرات برح من جوى متخامر) (لَو تنْظرُون الى الشتيت وسربه ... يقفو سروب زواخر زوافر) (لعذرتموه وَمَاله من عاذل ... وعذلتموه وَمَاله من عاذر) (واها لايام تقضت خلسة ... فى ظلّ دوح بالسيادة ناضر) (دوح عَلَيْهِ من النبى مُحَمَّد ... وضح الصَّباح ونفح روض باكر) (لم أنسه يَوْم الْوَدَاع وطرفه ... يرنوا لى شعث النجيب الضامر) (وفعاله تبدى نفاسة عرفه ... فى فضل وَجه بالسماحة زَاهِر) (حَتَّى اذا جدت بِنَا ذلل النَّوَى ... وَالْعين تسفح بالنجيع المائر) (سرنا وعاود كالمقيم وَرُبمَا ... كَانَ الْمُقِيم علاقَة للسائر) وَمَا زَالَ مُدَّة اقامته يعْمل حِيلَة ويصطنع خدعة ليحصل على أرب فَمَا نَهَضَ بِهِ حَظّ وَاسْتمرّ الى أَن سَافر السُّلْطَان مُحَمَّد الى جِهَة أدرنه فى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف وَتَبعهُ الْوَزير فلحقهم وَاسْتمرّ مَعَهم مُدَّة خمس وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ قدم الى استانبول وأشاع

стр. 1047

انه أعْطى قَضَاء الْقُدس والتفتيش على الاشراف بِبِلَاد الْعَرَب وَأقَام أَيَّامًا قَليلَة ثمَّ سَافر وَالْتزم التفتيش من حِين دُخُوله الى بَلَده حلب الى أَن دخل الْقَاهِرَة من طَرِيق السَّاحِل وَأَرَادَ أَن يفعل ذَلِك فى الْقَاهِرَة فَلم يمكنوه وَرُبمَا أَرَادوا ايقاع مَكْرُوه بِهِ فَخرج حَاجا ثمَّ بعد ان حج رَجَعَ من طَرِيق الشَّام وَتوجه الى حلب وَأقَام بهَا فى رفْعَة وصولة وَالنَّاس يعظمونه ويحترمون ساحته واشتغل مُدَّة بالاقراء فأقرأ التَّلْوِيح وانكف عَن أُمُور مَحْذُورَة كَانَ يرتكبها وَكنت اذ ذَاك قدمت الشَّام فبلغنى حسن مُعَامَلَته للنَّاس وانقياده للزمن فَكتبت اليه قصيدة أَولهَا (أرى النّدب من صافى الزَّمَان المحاربا ... وأغبى الورى من بَات للدهر عاتبا) (أتعتب من لَا يعقل العتب والوفا ... وَلَا همه شئ فيخشى العواقبا) (وان ضن لم يسمح بمثقال ذرة ... وَلم يبْق موهوبا وَلم يبْق واهبا) (وَلَا جنَّة تغنيك ان كَانَ مَانِعا ... وَلَا منزل يؤويك ان كَانَ طَالبا) (أحاول شكواه فَألْقى نوائبا ... تهون عندى مِنْهُ تِلْكَ النوائبا) (ولين يسْبق الاقدار من كَانَ سَابِقًا ... وَلَا يغلب الايام من كَانَ غَالِبا) (وَمن صحب الدُّنْيَا وَلَو عمر سَاعَة ... رأى من صروف الدَّهْر فِيهَا عجائبا) (وقفر كَيَوْم الْحَشْر أَو شقة النَّوَى ... يضل القطا أعملت فِيهِ النجائبا) (وليل كقلب السامرى قطعته ... الى أَن حكى بِالْفَجْرِ أسود شائبا) (وَمَا كنت أرْضى بالنوى غير أننى ... جدير بَان لَا ارتضى الذل صاحبا) (فنظمت من در الْمعَانى قلائدا ... جعلت قوافيها النُّجُوم الثواقبا) (ويممت أقْصَى الارض فى طلب العلى ... وَلم أصطحب الا القنا والقواضبا) (فلاقيت فى الاسفار كل غَرِيبَة ... وَمن يغترب يلق الامور الغرائبا) (وخلفت من يَرْجُو من الاهل أَو بتى ... كَمَا انْتظر الْقَوْم العطاش السحائبا) (وَكم قَائِل لاقرب الله دَاره ... وَمن يتَمَنَّى لَو بلغت المطالبا) (فعدت على رغم الْفَرِيقَيْنِ سالما ... وَلم أقض من حق الْفَضَائِل وَاجِبا) (وحسبى وجود ابْن الحجازى نائلا ... بِهِ لم أزل ألْقى المنا والمآربا) (فَتى قد جهلت الْعسر مُنْذُ عَلمته ... ولانت لى الايام عطفا وجانبا) (وَأصْبح يلقانى الْعَدو مسالما ... وَقد كَانَ يلقانى الصّديق مُحَاربًا) (تخيم فَوق الفرقدين مقَامه ... وَمد على أفق السَّمَاء مضاربا)

стр. 1048

(بعزم يرد الْخطب والخطب مقبل ... وَرَأى وتدبير يرد الكتائبا) (وحزم يُمَيّز الْحق من غير رِيبَة ... وَحكم يديب الشامخات الرواسبا) (فراسته تغنيك عَن ألف شَاهد ... تريه من الاشياء مَا كَانَ غَائِبا) (لقد نسخت أنواره كل ظلمَة ... كَمَا نسخت شمس النَّهَار الغياهبا) (وقور كَانَ الطير فَوق جليسه ... ترى الدَّهْر مِنْهُ خَائِف الدَّهْر رَاهِبًا) (أَخَاف سِبَاع الطير من سَوط رَأْيه ... فَكَادَتْ لفرط الْخَوْف تلقى المخالبا) (وَلَو أدْرك الْمَجْنُون أَيَّام حكمه ... لَا عرض عَن ليلى وَأصْبح تَائِبًا) (جواد بِمَا يحويه فى كل حَالَة ... اذا مل قوم لم يمل المواهبا) (نقى عَن الْفِعْل الْقَبِيح منزه ... كلا حافظين يكتبان الرغائبا) (خَبِير بتحقيق الْعُلُوم مدقق ... اذا جال فى بحث أَرَاك العجائبا) (وان نثرت يمناه فى الطرس لؤلؤا ... كتبنَا على تِلْكَ اللآلى مطالبا) (فَتى لَا يحب الْهزْل والهزل بَاطِل ... وَمَا خلق الله السَّمَوَات لاعبا) (يبيت بحب المكرمات متيما ... اذا عشق النَّاس الحسان الكواعبا) (اذا رمت أَن تحصى فضائله وَلم ... تدع قَلما فى الارض لم تقض وَاجِبا) (فانى رَأَيْته الْمَدْح دون مقَامه ... فَلَا أيتم الرَّحْمَن مِنْهُ المراتبا) وذيلتها برسالة وهى أقسم بِمن جلت عَظمته وعلت كَلمته وسخر الْقُلُوب للمودة المؤبدة وَجعل الارواح جُنُودا مجندة اننى أشوق الى لثم يَد مولاى من الرَّوْض الى الْغَمَام وَمن السارى الى ببلج الْقَمَر فى الظلام وَقد كَانَت حالتى هَذِه وَأَنا جَاره فَكيف الْآن وَقد بَعدت عَنى دَاره وَلَيْسَت غيبته عَنى الا غيبَة الرّوح عَن الْجَسَد الباقى الْمَطْرُوح وَلَا العيشة بعد فِرَاقه الجانى الا كَمَا قَالَ البديع الهمدانى عيشة الْحُوت فى الْبر والثلج فى الْحر وَلَيْسَ الشوق اليه بشوق وانما هُوَ الْعظم الكسير والنزع العسير والسم يسرى ويسير وَالنَّار تشوى وَتَطير وَلَا الصَّبْر عَنهُ بصبر وانما هُوَ الصاب والمصاب والكبد فى يَد القصاب وَالنَّفس رهينة الاوصاب والحين الحائن وَأَيْنَ يصاب وَقد كتبت الى مولاى هَذِه القصيدة وانا لَا أحسبها من الاحسان بعيده وَهَذَا الْكتاب وَقد أنفقت عَلَيْهِ مُدَّة من الْعُمر وصرفت على تحريره حينا من الدَّهْر وحررته وَأَنا مشغوف بذكرك مَشْغُول بحَمْدك وشكرك وعينى تود لَو كَانَت مَكَانَهُ وأمكنت من قطع الْمسَافَة

стр. 1049

امكانه كل ذَلِك لتذكرى عَهْدك ومقامى عنْدك فى أَوْقَات ألذ من شفَاه الغيد وأشهى من قبل الخدود ذَات التوريد حَيْثُمَا الْعَيْش آخذ فى طلقه وَاسْتوْفى من الامانى حَقه وَأَنت تقرط سمعى بفرائدك وتملأ صدفة أدنى بلآلى فوائدك من أدب أغزر مَادَّة من الديم وَأنْشط للقلب من بَوَادِر النعم وَلَقَد يعز على أَن ألفى بَعيدا عَنْك مَتْرُوك الذّكر مِنْك وَلَكِن هُوَ الدَّهْر وعلاجه الصَّبْر (فصبرا على الازمان فى كل حَالَة ... فكم فى ضمير الْغَيْب سر محجب) وَرُبمَا تَخَالَجَ فى صدرى لرعونة أوجبهَا طلب ازدياد قدرى أَن يشرفنى بمكاتبه ويؤهلنى الى مخاطبه جَريا على معروفه الْمَعْرُوف وَطَمَعًا فى اغتنام كرمه الْمَوْصُوف حَتَّى أباهى بِكَلِمَة الزَّمَان وأجعلها حرز الامانى والامان وَأَظنهُ يفعل ذَلِك متفضلا لابرح لكل احسان مؤملا فَكتب الى فى الْجَواب (نَحن عفنا الشَّهْبَاء شوقا اليكم ... هَل لديكم بِالشَّام شوقا الينا) (قد عجزتم عَن أَن ترونا لديكم ... وعجزنا عَن أَن نَرَاكُمْ لدينا) (حفظ الله عهد من حفظ الْعَهْد ... ووفى بِهِ كَمَا وَفينَا) اللَّهُمَّ جَامع المحبين بعد الْبَين ومعين القوى على ألم النَّوَى وَمَا جعل الله لرجل من قلبين أَسأَلك بِمَا أودعته فى سرائر المخلصين من أسرار المحبه وَأنْبت فى رياض صُدُورهمْ من الْمَوَدَّة الَّتِى هى كحبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائَة حبه فارع فرع الشَّجَرَة المحبية وَأَصلهَا وأفض عَلَيْهَا فواضلك الَّتِى كَانُوا أَحَق بهَا وَأَهْلهَا واحفظ اللَّهُمَّ هاتيك الذَّات الزكية الَّتِى رؤيتها أجل الامانى وَنور تِلْكَ الصِّفَات الَّتِى اذا تليت تلقتها الاسماع كَمَا تتلقى آيَات المثانى هَذَا وَمَا الصب الى الحبيب وَالْمَرِيض الى الطَّبِيب بأشوق منى الى تلقى خَبره واستماع مَا يفتخر بِهِ الركْبَان من حسن أَثَره وَمَا غرضى من عرض الاشواق الَّتِى ضَاقَتْ عَنْهَا صُدُور الاوراق الا تَأْكِيدًا لما يُحِيط بِهِ علمه الْمُحْتَرَم وتشنيف لمسامع اليراع بِذكر صِفَاته الَّتِى تطرب فيترنم بألطف نغم وَلَقَد كنت أتوقع زيارته لما قدم من الْبَلدة النجرا فَثنى عنان الاعراض وأجرى جواد الانبرا (وَمَا هَكَذَا كُنَّا لقد كَانَ بَيْننَا ... مُعَاملَة عَن غير هَذَا الجفا تنبى) هَذَا وَضمير الاخ أنور من أَن يستضئ بمصباح الِاعْتِذَار وَأعلم بِصدق الْمحبَّة فى حالتى الْقرب والبعد والاعلان والاسرار وَلَيْسَ يندمل الْجرْح منا الا بمرهم

стр. 1050

لِقَائِه وَلَا يشفى غليله الا بَرى رُوَائِهِ فالرجاء أَن يتلافى مَا فرط بل أفرط من الاعراض ويسمح بِمَا نتوقعه مِنْهُ بِلَا اغماض (هى الْغَايَة القصوى فان فَاتَ نيلها ... فَكل من الدُّنْيَا على حرَام) وَمن شعره الذى اشْتهر قصيدته الَّتِى أرسلها الى الامير المنجكى وهى قصيدة طَوِيلَة اختصرت مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَار وَهُوَ زبدتها وأولها (سقى جلقا صوب السَّحَاب المزرد ... وباكر من أفنائها كل معهد) (وقلد أجياد الربى فى عراصها ... يَد الْغَيْث عقدى لُؤْلُؤ وَزَبَرْجَد) (وَلَا زَالَ خفاق النعامى منبها ... عُيُون الخزامى بالحفيف المحسد) (وغنت بهَا الاطيار من كل نَغمَة ... تهجن ألحان النديم ومعبد) (لقد هَتَفت مِنْهَا بوجدى سواجع ... تلفع أظلال الغصون وترتدى) (تنوح وتشجينا فتزداد عيمة ... ستعلم ان متْنا صدى أَيّنَا الصدى) (أَشْيَم بروقا بالشآم مثيرة ... عقابيل شوق بالفؤاد المشرد) (وأستاف نشرا كلما هَب ضائعا ... يحدث أنفاس الحبيب المبعد) (فيهتز من رياه قلبى وينثنى ... وَلَوْلَا اهتزاز الْغُصْن لم يتأود) (فوا حرقتى ان لم أبلغ نعيمها ... ووافرقتى ان بت والبين مقعدى) (وَيَوْم بلألاء الكؤس مفضض ... كسته يَد الصَّهْبَاء حلَّة عسجد) (قضيت بِهِ حق الْهوى غير اننى ... مَتى أدن مِنْهُ الْيَوْم ينأى وَيبعد) (رعى الله أَيَّام الْوِصَال فانها ... ألذ من التهويم فى جفن أرمد) (نقضت وضن الدَّهْر مِنْهَا بنهلة ... تبل غليل الشائق المتزود) مِنْهَا (عَسى تقذف الْبَيْدَاء نضوى برحلة ... تنفس عَن أسر المشوق الْمُقَيد) (الى بقْعَة زينت بباقعة الحجى ... سليل المعالى المنجكى مُحَمَّد) (عريق بِلَاد الشَّام درة تاجها ... غياث بنى الْآدَاب مأوى المطرد) مِنْهَا (أخامنجك يَا أكمل النَّاس فطنة ... وأشرفهم بَيْتا بِغَيْر تردد) (صبغت العلى بالمكرمات فَلم تحل ... وينكر فى الاعراض غير التجدد) (أمولاى يَا بدر المعالى وشمسها ... وَيَا رحْلَة الآمال من غير موعد) (لقد ذلقت فى وصف مجدك ألسن ... وعجت بِهِ الركْبَان فى كل مشْهد) (وأهدت لنا من بَحر طبعك لؤلؤا ... على الطرس حَتَّى كَاد يلقط بِالْيَدِ)

стр. 1051

مِنْهَا (فأسلفتك الا عِظَام والود موفيا ... حُقُوق معاليك الَّتِى لم تعدد) (وقدمت من فكرى اليك ألوكة ... حبتك بمغبوط من الْمَدْح سرمد) (تخبر عَمَّا فى الْقُلُوب من الجوى ... ويأتيك بالاخبار من لم تزَود) (فَأوجب لَهَا حَقًا وأنعم بِمِثْلِهَا ... وعفنى بنظم من عقودك يحمد) (أروى بهَا من لاعج الشوق والنوى ... غليل فؤاد بالصبابة مكمد) (وَآخِرهَا فَأَنت لجفن الدَّهْر سيف وناظر ... ولولاك لم يبصر وَلم يتقلد) ثمَّ أعقبها بِقِطْعَة نثر وهى حَامِل لِوَاء النّظم والنثر وحامى بيضته عَن الصدع وَالْكَسْر مَحل اسْتِوَاء شموس الْكَرم العاصر بمجده عنقود الثريا تَحت الْقدَم وَاسِطَة قلادة الْفَضَائِل وَعقد نظامها وَبَيت قصيدة الْآدَاب ورونق كَلَامهَا جناب الامير ابْن الامير والعطر بَين العبير لَا بَرحت ظلال معاليه ممتدة على مفارق الايام وظل حساده أقلص من جفون العاشق عَن طيب الْمَنَام هَذَا وَلَو أُوتى الداعى لَهُ زكن اياس واستضاء من محاضرة أَبى الْفرج بنبراس وَملك براعة ابْن العميد وأحرز خطب ابْن نباتة وبداهة عبد الحميد وَأعْطى بلاغة الصاحب ونوادر أَبى القندين ونال مقامات البديع ومفاوضات الخالديين وَحَازَ محاورات الاحنف وفصاحة سحبان وحوى منشآت القاضى الْفَاضِل ومدائح حسان ورام أَن يزخرف كلا مَا يُنَاسب مُقْتَضى الْمقَام وَالْحَال لفل حد الْقَلَم وضاق ذرع المجال وان أحجم بقيت فى النَّفس حاجه وعصف على الْقلب ريح حسرة فهاجه فَلذَلِك أقدم على الثَّانِيَة سجيا وَأبْدى لتِلْك الحضرة الْعَالِيَة هَديا فان أكْرم الامير مثواها فنظم من فرائد عوائده فحلاها وَأجَاب بِمَا يرْوى غليل الْفُؤَاد ويخصب مُرَاد المُرَاد فَذَلِك من مساعى فطرته المنجكية ودواعى شيمته البرمكية فوصلته القصيدة والرسالة وَهُوَ متوعك المزاج فَرَاجعه بِهَذِهِ الابيات (أمولاى من دون الانام وسيدى ... بمدحك قد بلغتنى كل سودد) (بعثت بِأَبْيَات كَانَ عقودها ... منضدة من لُؤْلُؤ وَزَبَرْجَد) (أمتع طرفى فى طروس كَأَنَّهَا ... مبادى عذار فَوق خد مورد) (سطور اذا مَا رمت قتل حواسدى ... أجرد مِنْهَا كل عضب مهند) (تكلفنى رد الْجَواب واننى ... أَبيت بفكر فى الزَّمَان مشرد) (وَلَيْسَ يجيد الشّعْر منطق عَاجز ... ضئيل على فرش السهاد موسد)

стр. 1052

(يمر بِهِ الْعُمر الطَّوِيل مضيعا ... على الكره مِنْهُ بَين واش وحسد) (فعذرا أَخا العلياء قلت عزائمى ... وَقد كنت كالسيف الصَّقِيل الْمُجَرّد) (فانك أهل العغو والصفه وَالرِّضَا ... وانك من نسل النَّبِي مُحَمَّد) (أعز بنى الدُّنْيَا وأشرف من سما ... الى الرُّتْبَة الْعليا بِغَيْر تردد) (صَغِير اذا عدت سنى زَمَانه ... كَبِير بِهِ أشياخنا الغر تقتدى) (تملك رق الْحَمد وَالشُّكْر والثنا ... بكف على فعل الْجَمِيل معود) (فَلَا زَالَ عينا للزمان وَأَهله ... يجرر ذيل الْفَخر فى كل مشْهد) وبلغنى فى أخريات أمره انه تَغَيَّرت أطواره وانقلب الى طبعه الاول وتجرأ على النَّاس بالاذية وَسُوء الْمُعَامَلَة وَمَا زَالَ حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ أهل بَلَده وقتلوه وَكَانَ قَتله نَهَار الاربعاء سَابِع عشرى جُمَادَى الاولى سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف ويروى خبر قَتله على أنحاء شَتَّى والذيعتمدتع أَنه كَانَ سعر الْقَمْح بحلب قد نَهَضَ وَلم يزل يترقى حَتَّى بيع الاردب بِخَمْسَة وَعشْرين قرشا وشاع الْخَبَر أَن السَّيِّد عبد الله ارتشى هُوَ وقاضى حلب من المحتكرين بِأَلف قِرْش ليبيعوه بِهَذَا الثّمن فَبلغ ذَلِك حَاكم الْعرف فَنَادَى بِأَن يُبَاع الاردب بِخَمْسَة عشر قرشا وتقيد بِنَفسِهِ فى اخراج المحتكر من الْحبّ واعتنى بذلك اعتناء بليغا فَأسر لَهُ ابْن الحجازى المكيدة وَاتفقَ فى ذَلِك الغضون ان بعض أَعْيَان حلب دَعَا المتسلم وَبَعض أَعْيَان الْبَلدة وَمِنْهُم ابْن الحجازى فَلَمَّا تفَرقُوا صحب ابْن الحجازى المتسلم وَدعَاهُ الى دَاره فَيُقَال انه فى أثْنَاء الْمجْلس أَتَاهُ بمشروب مَسْمُوم فَلَمَّا تنَاوله أحس بالسم وتمت عَلَيْهِ المكيدة فَخرج وَاسْتمرّ ثَمَانِيَة أَيَّام يعالج نَفسه فَلم يفد ثمَّ انه مَاتَ فى الْيَوْم الثَّامِن وأخرجوا جنَازَته وَخرج ابْن الحجازى فى جملَة من خرج الى الْجِنَازَة وَكَانَ النَّاس قد كرهوه وسئموا من أَحْوَاله وهم يترقبون لقَتله فرْصَة فَلَمَّا دفنُوا المتسلم ركب فرسه وَأَرَادَ الِانْصِرَاف فنادت امْرَأَة هَذَا قَاتل المتسلم فتبعها رجل من الْعَوام واتصل ذَلِك بِالرِّجَالِ وَالصبيان وَالنِّسَاء فَضَربهُ رجل بِحجر فَأصَاب رَأسه وعثرت بِهِ الْفرس فانسكب على وَجهه فهجم النَّاس عَلَيْهِ وقتلوه وَلم يبقوا عضوا صَحِيحا وَذهب دَمه هدرا وَمضى هُوَ وَأَوْلَاده واتباعه فى أقل الازمنة عبد الله بن مَحْمُود العباسى الْمَعْرُوف بمحمود زَاده قاضى الْقُضَاة الْفَاضِل التقى الْمَشْهُور كَانَ مهابا وقورا لَهُ فصاحة منطق وَصَوت حسن وَهُوَ فى الْعِفَّة الْغَايَة الَّتِى

стр. 1053

لَا تدْرك وَكَانَ كَرِيمًا مفرط السخاء الا أَنه مفتون بعقله لَازم من شيخ الاسلام زَكَرِيَّا ابْن بيرام ثمَّ درس وَولى قَضَاء حلب ثمَّ نقل الى قَضَاء الْقُدس ثمَّ الى قَضَاء الشأم وَذَلِكَ فى غرَّة رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وَألف وشكرت فِيهَا سيرته وجدد من مَاله بهَا تعمير ثَلَاث قباب لزوجتى النبى المدفونتين بمقبرة بَاب الصَّغِير وهما أم سَلمَة ومَيْمُونَة على قَول قلت وَذَلِكَ قَول شَاذ مُخَالف لما أطبق عَلَيْهِ المؤرخون من أَن زَوْجَاته لم يمت أحد مِنْهُنَّ خَارج أَرض الْحجاز وَأما مَيْمُونَة فقد ذكر الْحَافِظ الباجى انها مَاتَت بسرف وَهُوَ مَاء مَعْرُوف على أَمْيَال من مَكَّة ودفنت ثمَّة بالِاتِّفَاقِ وَكَانَ بنى بهَا هُنَاكَ أَيْضا بعد عمْرَة الْقَضَاء وَبنى على قبر أَبى بن كَعْب رضى الله عَنهُ خَارج بَاب شرقى قبتين ويليهما مَسْجِد وَصرف على ذَلِك من خَالص مَاله ألف دِينَار وَكَانَ يحسن الى المحتاجين من الْفُقَرَاء والايتام والارامل وَالْمَسَاكِين وَالْحَاصِل انه الْتزم أَن يصرف جَمِيع مَا حصله فى أَيَّام قَضَائِهِ بِدِمَشْق على جِهَات الْخَيْر وَفعل وَخرج مِنْهَا مديونا وَكَانَ وَقع بَينه وَبَين محافظ الشأم سُلَيْمَان باشا كَمَا تقدم فى تَرْجَمته منافرة كُلية أدَّت الى أَنه عرض فِيهِ الى الابواب السُّلْطَانِيَّة فعزل عَن دمشق ورحل عَنْهَا فَبينا هُوَ فى أثْنَاء الطَّرِيق جَاءَهُ أَمر قَضَاء مصر فَعَاد الى دمشق وَتوجه اليها وباشر قضاءها ثمَّ عزل وأعيد اليها ثَانِيًا وَكتب اليه الاديب مُحَمَّد بن يُوسُف الكريمى الدمشقى قصيدة يهنيه بهَا وَذكر فِيهَا تَارِيخ تَوليته ومطلعها (تَبَسم للزمان الْيَوْم ثغر ... وأشرق للمعالى فِيهِ بدر) (وأخصبت الامانى بعد جَدب ... فَوَافى فِي ربى الآمال زهر) (وطاب لمغرم الْحبّ التصابى ... ولذ سوى عَن المعشوق صَبر) (وأضحى أوقر العذال صبا ... خليعا عذله واللوم عذر) (وَقد عدم العواذل كل صب ... عدمتهم فَذكرهمْ مُضر) (فَلَا أجد الغرام بِلَا وشَاة ... كَأَنَّهُمْ لِليْل الْوَصْل فجر) (علقت بناعس الالحاظ ريم ... صَحِيح هَوَاهُ فى جفنيه كسر) (رمى خلدى بِسَهْم اللحظ حَتَّى ... أَتَى نحوى بِطرف فِيهِ سحر) (فيالله من ظبى نفور ... على حكم الْهوى لَا يسْتَقرّ) (ورحت وللغرام على حكم ... وفى أذنى عَن التصنيف وقر) (كَذَا من قَادَهُ وَله وَوجد ... وأضحى للغرام عَلَيْهِ أَمر)

стр. 1054

(غرام قد تحمله فؤادى ... يضيق لَهُ لَو ان الْكَوْن صدر) (غزال من هَوَاهُ حشاى جمر ... وَكفى من نوال لقاه صفر) (لنا من ثغره المعسول شهد ... وَمن ألحاظه رَاح وخمر) (وَلَيْسَ لمغرم يهواه الا ... صدود دَائِم وجفا وهجر) (اذا ذكر اسْمه أهتز وجدا ... ويعر وَالْقلب من ذكرَاهُ ذعر) (كَمَا يَهْتَز من ذعر ظلوم ... مَتى يُتْلَى لعبد الله ذكر) (امام عَادل حكم همام ... لَهُ فى ذرْوَة الْعليا مقرّ) (يضاهى وَجهه للجود بشر ... وفى كفيه للاحسان بَحر) (وصارم عدله الْمَشْهُور أضحى ... لَهُ بَين الانام سَطَا وَنصر) (لقد حَاز المعالى حَيْثُ لاحت ... نُجُوم من سنا علياه زهر) (فبشرى أهل مصر لقد أَتَاهَا ... بِفضل الله بعد الْعسر يسر) (ووافى نيلها اذ قد تسامت ... بِعَبْد الله بعد الْكسر جبر) (ونيلك ان وفى فى الْعَام يَوْمًا ... فعبد الله بَحر مُسْتَمر) (لَهُ فى المكرمات بحار جود ... فَلَا يلفى لبحر نداه بر) (فمذ حلت ركائبه بِمصْر ... وَزَالَ بعدله ظلم وقهر) (تَبَسم ثغرها جذلا وبشرا ... وَبَان لسعدها وَجه أغر) (ونادى هَاتِف بالبشر أرخ ... لقد زهيت بِعَبْد الله مصر) قَالَ مَدين القوصونى دخل الى مصر مُتَوَلِّيًا قضاءها فى يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين من ذى الْحجَّة سنة احدى وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ فَاضلا متواضعا متعففا أديبا وَمن نظمه وَمن خطه نقلت (دُرَر أَضَاءَت فى لجين صَحَائِف ... كَالْكَوْكَبِ الدرى فى أضوائه) (فكانها منشورة بطروسها ... نجم تضئ سماؤه بسنائه) (وكأنما هى فى يدى غواصها ... نور الْيَد البيضا وَحسن ثنائه) (لله غواص أَتَى بفرائد ... يسْتَوْجب الا علا على نظرائه) وَمن نظمه أَيْضا قَوْله (لبحرندا كم قد وَردت على ظما ... وَمن ورد الْبَحْر اسْتَقل السواقيا) (عَسى قَطْرَة من بَحر فيض نوالكم ... أكون بهَا رَيَّان مذ كنت صاديا)

стр. 1055

وَتوفى بهَا لَيْلَة السبت سَابِع عشر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف بمنزل نقيب الاشراف المطل على بركَة الْفِيل بِالْقربِ من بَاب جَامع قوصون وَدفن بِالْقربِ من القاضى بكار عَن ثَمَان وَخمسين سنة كَذَا قَالَ أخبرنَا بذلك وَهُوَ مَرِيض رَحمَه الله تَعَالَى عبد الله بن المهدى بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن مَسْعُود الحوالى قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال فى تَرْجَمته سِيبَوَيْهٍ زَمَانه وخليل الْعُلُوم فى أَوَانه امام الادب الْفَاضِل الْمُحَقق الْحَافِظ المدقق كَانَ علما فى الْعُلُوم أديبا لبيبا مطلعا على أَفْرَاد اللُّغَة وَعلم تراكيبها حَافِظًا لايام الْعَرَب فى الْجَاهِلِيَّة والاسلام واشتهر باللغة وَكَانَ برز فِيهَا واستدرك على الْمُحَقِّقين من أَهلهَا كصاحب الصِّحَاح والقاموس وأضرابهما وَكَانَ بعض مَشَايِخنَا يُسَمِّيه بالبحر وَرَأَيْت استدراكات مِنْهُ على أَئِمَّة اللُّغَة فَقلت كم ترك الاول للْآخر وَكَانَ من لين العريكة وسهولة النَّاحِيَة وعذوبة الْحَاشِيَة بِمحل يكَاد تسيل لَدَيْهِ طباعه سيلانا ويتواجد للالهيات ويهتز للادبيات وَلم تطمح نَفسه مَعَ أَهْلِيَّته الى شئ من الْمَرَاتِب ولقيته بوطنه الظهرين بِحجَّة فَرَأَيْت فَوق مَا سَمِعت وَعلمت أَن الله تَعَالَى لم يعطل الزَّمَان وَكَانَ لَهُ شعر فى الذرْوَة الْعليا وَله القصيدة الطنانة الَّتِى طارت فى الْآفَاق يمدح بهَا الامام الْمُؤَيد بِاللَّه واخوته الثَّلَاثَة الحسنيين وَأحمد أَيَّام الْجِهَاد وأجاد مَا شَاءَ وَكَانَ يَقُول انها لَيست من جيد شعرى وهى طَوِيلَة مطْلعهَا (عَن سعاد وحاجر حدثانى ... ودعانى عَن الملام دعانى) (واذكرا بُرْهَة من الدَّهْر مرت ... كنت أدعى بهَا صريع الغوانى) (انا لَا أكتفى بنأى زنام ... والربوع الرحاب من نعْمَان) (فلسقتنى بكاسها من مدام ... هيم الْقلب لَوْنهَا الارجوانى) (عتقت فى الدنان من عهد كسْرَى ... فهى تنمى الى أنوشروان) (بهرت فى الصِّفَات صفراء حَمْرَاء سرُور الْقلب والابدان ... ) (وَصفا وَقتهَا فَلم يلع الْهم بساحاتها مَعَ الاحزان ... ) (يَا عذولى وَلست للعذل أصغى ... غير قلبى يهيم بالسلوان) (وَلَو انى رزقت حظا لما صرت أعانى من الْهوى مَا أعانى ... ) (وَلما ثرت حَاجَة فى فؤادى ... صنتها عَن فُلَانَة وَفُلَان) (وسأقضى لبانتى عَن قريب ... بنجيب شمردل غير وان)
следующие страницы →