← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

صَاحب التَّرْجَمَة ذَلِك فَبين الْحَال للمتشفع فامتع من الرَّجَاء فى ذَلِك حِينَئِذٍ فَلَمَّا توفى صَاحب التَّرْجَمَة قَامَ بِهَذَا الشان وَلَده اكمل الدّين وَحفظ النظام ثمَّ جرى عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْقدر فَمَاتَ شَهِيدا فى سنة عشْرين وَألف بعد قصَّة طَوِيلَة فَحِينَئِذٍ انْفَتح الْبَاب فى الامامة فَلم يزل التزايد الى أَن بلغُوا فى زَمَاننَا أَرْبَعَة عشر اماما انْتهى كَلَامه قلت وَقد بلغُوا الْآن نَحْو أَرْبَعِينَ وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الذى سعى فى احداث مَعْلُوم من بندر جده يكون فى مُقَابلَة خدمَة افتاء الْحَنَفِيَّة بِمَكَّة وَأجِيب الى ذَلِك وَجعلت لَهُ خلعة تحمل مَعَ الركب المصرى يلبسهَا فى يَوْم العرضة ثمَّ أحدث لَهُ فى مُقَابلَة ذَلِك أَيْضا صوفان من الديار الرومية وفى ضمنهما مائَة دِينَار وَاسْتمرّ ذَلِك لمفتى مَكَّة الى الْآن وَكَانَت وِلَادَته ضحى يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر شَوَّال سنة احدى وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة بِأَحْمَد آباد من بِلَاد الْهِنْد وكنى بأبى الْفَضَائِل وَهُوَ تَارِيخ وِلَادَته وَقدم مَكَّة مَعَ وَالِده وَبهَا نَشأ وَتوفى بهَا قبل غرُوب شمس يَوْم الاربعاء خَامِس عشر ذى الْحجَّة سنة أَربع عشرَة بعد الالف وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالعبادى الدمشقى الحنفى الاديب الْفَاضِل الذكى كَانَ لَهُ مُشَاركَة تَامَّة فى الْفُنُون وخبرة فى نقد الشّعْر وَله فى المعميات وحلها الْيَد الطُّولى قَرَأَ بِدِمَشْق على الشَّيْخ عمر القارى وَعبد الرَّحْمَن العمادى والشرف الدمشقى وَعبد اللَّطِيف الجالقى وَغَيرهم وَأخذ طَرِيق الرفاعية عَن الشَّيْخ مُحَمَّد العلمى القدسى وَحج فى بعض السنين وينقل لحجة سَبَب عَجِيب وَهُوَ انه كَانَ لَهُ بعض اخوان مِمَّن اخْتَلَط بهم وامتزج فتوجهوا قَاصِدين الْحَج فَسَار لوداعهم وَكَانَ الْفَصْل فصل الصَّيف وَعَلِيهِ الصُّوف وعَلى رَأسه الْعِمَامَة الْكَبِيرَة فَلَمَّا وصلوا الى بَاب الله أبرموا عَلَيْهِ ان يسير مَعَهم الى الْكسْوَة وَمَا برحوا يلحون عَلَيْهِ الحاحا بعد الحاح الى ان أَخَذُوهُ مَعَهم بنية الْمسير الى المزيريب وفى لَيْلَة الْمسير أبرموا عَلَيْهِ بِأَن يتَوَجَّه مَعَهم الى الْحَج فَلم يخالفهم وَتوجه مَعَهم وكل مِنْهُم أعطَاهُ مَا يحْتَاج اليه فحج حجَّة وَمَا زَالَ مُدَّة عمره يذكر مَا وَقع لَهُ فِيهَا من الاكرام والانبساط ثمَّ عَاد الى دمشق ولازم بعد مُدَّة من الْمولى عبد الْعَزِيز بن قره حلبى الْمُقدم ذكره وناب فى الْقَضَاء بمحكمة الميدان ثمَّ سَافر الى الرّوم فى سنة احدى وَخمسين وَألف وسلك طَرِيق الْقَضَاء فولى قَضَاء بيروت ثمَّ سَافر الى الرّوم مرّة ثَانِيَة وانتقل الى اقليم مصر فَصَارَ قاضى أبيار ثمَّ أَتَى الى دمشق وَصَارَ بهَا مُتَوَلِّيًا على أوقاف الْجَامِع الاموى مُدَّة

стр. 982

وعزل لاختلال وَقع فى الْوَقْف وَولى قسْمَة الْعَسْكَر ثمَّ سَافر الى الرّوم مرّة ثَالِثَة وَصَارَ قاضى بنى سويف وَتوجه اليها فَمَاتَ بهَا وَكَانَ فى أَوَائِل عمره مائلا لجَانب الصّلاح ثمَّ اخْتلف وَكَانَ مفرط السخاء احسن المعاشرة والمحاورة وَكَانَ بَينه وَبَين مُحَمَّد وأخيه أكمل الكريميين مَوَدَّة وصحبة وَجرى بَينهم مفاكهات ومطارحات كَثِيرَة فَمن ذَلِك مَا اتّفق لَهُم وَقد ضمهم مجْلِس فابتدر مُحَمَّد على طَرِيق المساجلة فَقَالَ (هواى عذرى وَلَا أعذر ... هَذَا على أهل النهى يُنكر) (يعذلنى اللؤام فى صبوتى ... جهلا وَمَجْنُون الْهوى يعْذر) (وجدى بِمن تخجل شمس الضُّحَى ... اذا تبدى وَجههَا الانور) (قد سل من أجفانها أَبيض ... وهز من أعطافها أسمر) وَقَالَ أَخُوهُ أكمل (يُرِيك أَن مَاس قِنَا قدها ... غصنا بنوار البها يُثمر) (ظَبْيَة أنس كم سبت جؤذرا ... وان سبا ريم الفلا الجؤذر) (تريش من أجفانها أسهما ... يرْمى بهَا حاجبها الموتر) (لم يقنى من حربها جوشن ... كلا وَلَا درع وَلَا مغفر) (ينهانى اللائم فى حبها ... هَل أنْتَهى وَالْحسن لى يَأْمر) وَقَالَ عبد الْكَرِيم صَاحب التَّرْجَمَة (غادة دلّ أختشى غدرها ... يَا من رأى الغادة لَا تغدر) (رحت عَلَيْهَا فى الجفا صَابِرًا ... لَكِن عَنْهَا قطّ لَا أَصْبِر) (ورد الحيا يقطف من خدها ... وماؤه من وَجههَا يقطر) وَقَالَ أكمل أَيْضا (دموع عينى فى الْهوى ترسل ... عَمَّا يعانيه الحشا تخبر) (نمام دمع الصب عاداته ... لكل مَا يطوى الحشا ينشر) وَكَانَت وِلَادَته فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى سنة سبعين وَألف وَبَنُو العبادى فِيمَا يَزْعمُونَ ينتسبون الى سعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج الصحابى الْجَلِيل فَعَلَيهِ يكون العبادى بِضَم الْعين والعامة تكسرها فَهُوَ غلط مَشْهُور عبد الْكَرِيم بن مَحْمُود بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالطارانى الميقاتى البعلى الاصل الدمشقى المولد وَالدَّار والوفاة الْكَاتِب الشَّاعِر المؤرخ الملقب كريم الدّين أحد كتاب محكمَة

стр. 983

القسام بِدِمَشْق كَانَ من أَفْرَاد الزَّمَان ومحاسن الايام انْتَهَت اليه الْمعرفَة بِأُمُور الْكِتَابَة والتوريق والانشاء والحساب مَعَ مُشَاركَة تَامَّة فى فنون الادب وَغَيرهَا وَله النّظم الْجيد جَالس جدى القاضى محب الدّين وَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا وعَلى غَيره كالحسن البورينى وتأدب بالشمس مُحَمَّد الصالحى الهلالى الشَّاعِر الْمَشْهُور وَكَانَ مليح الْعبارَة فى انشاء الوثائق جيد الفكرة لطيف المحاورة وَكتب الْكثير وَكَانَ كثير المحفوظات عَجِيب الايراد وَله تشيع وَكتب النَّاس عَنهُ كثيرا من نظمه ونثره وقرأت فى بعض مجاميعه بِخَطِّهِ قَالَ جرى لى يَوْمًا فى بعض الاندية أَنه ذكر أشج بنى مَرْوَان عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَمَا فعله وَهُوَ خَليفَة من أمره بالكف عَن لعن أَمِير الْمُؤمنِينَ على ابْن أَبى طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على المنابر مُدَّة تزيد على سبعين عَاما كَمَا هُوَ مَشْهُور وتلاوة قَوْله تَعَالَى ان الله يَأْمر بِالْعَدْلِ والاحسان الى آخر الْآيَة عقيب انْتِهَاء خطْبَة يَوْم الْجُمُعَة وَصَارَ هَذَا دأب الخطباء فى جَمِيع الامصار وانجر الْكَلَام من بعض من حضر الى مَا نظمه الشريف الرضى الموسوى فى هَذَا الْمَعْنى بقوله من أَبْيَات يُخَاطب بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز (يَا ابْن عبد الْعَزِيز لَو بَكت ... الْعين فَتى من أُميَّة لبكيتك) الى آخر الابيات فنظمت هَذِه الابيات وهى من أحسن الشّعْر وأجوده (أشج بنى مَرْوَان لله دره ... لقد كف عَن سبّ الامام الْمفضل) (خَليفَة خير النَّاس والاول الذى ... دَعَاهُ رَسُول الله فى كل معضل) (على أَمِير الْمُؤمنِينَ وصنوه ... وناصره فى يَوْم زحف ومحفل) (لقد خصّه فى فتح مَكَّة بالاخا ... وبالراية الْعُظْمَى وناهيك من على) (غَدَاة دَعَاهُ مر حب يَوْم خَيْبَر ... فجلله بِالسَّيْفِ وَالْحَرب تصطلى) (وفى يَوْم أحزاب أَتَى بفضيلة ... بقتل ابْن ود العامرى المضلل) (وفى الْحَرْب يَوْم النهروان لقد شفى ... غليلا وحرقوص يجول بمفصل) (فَأَلْقَاهُ مطروحا صَرِيعًا مجدلا ... كاصحابه النائين عَن نهج مُرْسل) (أَتَاهُم فلاقاهم رجَالًا خوارجا ... فأرداهم طرا بِغَيْر تمهل) (وَلم ينج من صماصمه غير سَبْعَة ... وَكلهمْ باؤا باثم معجل) (كأشقى مُرَاد نَالَ خزيا وذلة ... بقتل امام عَارِف متبتل) (عَلَيْهِ من الله الْمُهَيْمِن لعنة ... مدى الدَّهْر مَا هبت نسيمات شمأل)

стр. 984

(فَلم تبك شخصا من أُميَّة أعين ... بَكت مِنْهُم عين الاشج بمسيل) (عَظِيم بنى مَرْوَان خير خَليفَة ... وَخير ذويه من أكول وأحول) (لقد نزه الماضين عَن لعن سيد ... يكنى أَبَا السبطين فى كل منزل) (وَعوض ان الله يَأْمر فافتهم ... لما جَاءَ فى نَص الْكتاب الْمنزل) (فروى ضريحا ضمه صوب رَحْمَة ... وجازاه ربى بالثواب الْمُعَجل) (وانى لراج أَن أنال بحبه ... من الله فى الفردوس كل مُؤَمل) (فيا رب بوئنى بحقك جنَّة ... وَأحسن الهى فى الْقِيَامَة موئلى) قلت وَالْمرَاد من أشج بنى مَرْوَان عمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وَأمه أم عَاصِم بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب وَكَانَ ابْن الْخطاب رضى الله عَنهُ يَقُول ان من ولدى رجلا بِوَجْهِهِ أثر يمْلَأ الارض عدلا كَمَا ملئت جوراً وَلما نفحه حمَار بِرجلِهِ فَأصَاب جَبهته وَأثر بهَا قَالَ أَخُوهُ اصبع الله أكبر هَذَا أشج بنى أُميَّة يملك ويملأ الارض عدلا انْتهى وَلَا يرد عَلَيْهِ عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فانه وان كَانَ أشج أَيْضا وَهُوَ من أَوْلَاد عمر الا انه لم يل حكما وبشجته ضرب الْمثل لمستهجن يزِيد بِهِ صَاحبه حسنا فانه كَانَ من أجمل أهل زَمَانه وأصابته شجه فزادته حسنا قَالَه فى ربيع الابرار وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة أَخ اسْمه مُحَمَّد وَكَانَ أحد الْمَشْهُورين بجودة الْخط الى الْغَايَة وَكَانَ يكْتب أَنْوَاع الخطوط بأجمعها ويقلد أقسامها على اخْتِلَاف أجناسها وَرُبمَا قلد الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة وَكَانَ سَافر الى مصر فاتفق انه حصلت لَهُ كائنة أدَّت الى وُصُول خَبره الى حَاكم مصر بتقليده الطغرا فَاسْتَحْضرهُ وألح عَلَيْهِ بالاعتراف بذلك فاعترف فَقطعت يَمِينه وَكَانَ بعد ذَلِك أَيْضا يلف على يَده خرقَة ويمسك بهَا الْقَلَم وَيكْتب وَقد وقفت لاخيه عبد الْكَرِيم على أَبْيَات أرسلها اليه بعد حُصُول هَذِه الكائنة لَهُ وَذكر فى أَولهَا مَا هَذَا نَصه من مراسلات كَاتب الْحُرُوف الى اخيه شقيقه وَهُوَ بالديار المصرية مُشِيرا الى حادثته الَّتِى أبكت الْعُيُون وأورثت الْقُلُوب الشجون ومتشوقا اليه (سَلام كنشر الرَّوْض باكره الْقطر ... على ساكنى قلبى ومنزلهم مصر) (سَلام عَلَيْهِم من كئيب متيم ... توالى على خديه مدمعه الْغمر) (وان لَاحَ برق حن شوقا اليهم ... حنين أخى الاشجان قد خانه الصَّبْر) (وَبعد فانى يَا أخى لما جرى ... أَخُو عِبْرَة تنهر اذ فدح الامر)

стр. 985

(وَلم يَنْقَطِع ذكرى لايامنا الَّتِى ... تقضت بِأَرْض الشأم وهى بكم غر) (وَكَيف وَقد كُنَّا جَمِيعًا بألفة ... وحاسدنا من غمَّة شفه الْقَهْر) (واخواننا فى خفض عَيْش وكلنَا ... لفرط ائتلاف لَا يروعنا الذعر) (وَلَكِن قضى هَذَا الزَّمَان بصدعنا ... وتشتيتنا صبرا على مَا قضى الدَّهْر) (فَللَّه منا الْحَمد وَالشُّكْر دَائِما ... على المنن اللاتى يجل لَهَا الْحصْر) (وَلَا زلت ترقى ذرْوَة الْعِزّ مَا شدا ... حمام على غُصْن وَمَا اكتمل الْبَدْر) (وحن الى الاوطان كل مغرب ... مشوقا الى أهليه وانسكب الْقطر) وقرأت بِخَطِّهِ مِمَّا نظمته ارتجالا وَقد جلس الى جانبى مليح من ملاح الشأم فى مَكَان مُرْتَفع وَكَانَ الْقَمَر فى تِلْكَ اللَّيْلَة فى حَالَة الابدار وَهُوَ مطل علينا فَقَالَ لى انْظُر الْبَدْر أمامك فَقلت لَهُ الْبَدْر أمامى على أى حَالَة فَخَجِلَ فَقلت منشدا (وذى قوام رَشِيق ... دنا لبدر التَّمام) (فَقَالَ والثغر مِنْهُ ... حَال بِحسن ابتسام) (غَدا أمامك بدر ... فَقلت بدرى أمامى) وأشعاره وأخباره كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته فى ثامن شعْبَان سنة احدى وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقابر الشِّيعَة فى بَاب الصَّغِير والطارانى نِسْبَة الى طارية وهى قَرْيَة من قرى بعلبك قدم مِنْهَا وَالِده الى دمشق ورأيته فى بعض مجاميعه ينتسب بالطيرانى بِالْيَاءِ ولعلها نِسْبَة على خلاف قِيَاس وَالله أعلم عبد الْكَرِيم الواردارى مفتى الْحَنَفِيَّة بالشأم ومدرس السليمانية بهَا كَانَ من أهل الْعلم وَالدّين قدم الى دمشق صُحْبَة نائبها الْوَزير سِنَان باشا حِين وَليهَا بعد انْفِصَاله عَن الوزارة الْعُظْمَى فَرفع مرتبته حَتَّى صيره مفتيا فَأَقَامَ بِدِمَشْق سِنِين وَتزَوج بنت الشَّيْخ برهَان الدّين بن أدهم بن عبد الصَّمد وَكَانَ معلما لسنان باشا المومى اليه وَكَانَ كثير الصمت حسن السمت عَلَيْهِ مهابة الْعلم وسكينة الْفضل وَوَقع بَينه وَبَين الشَّمْس ابْن المنقار بِسَبَب مسئلة تحَالفا فِيهَا وَكَانَ ابْن المنقار يتبجح بِهَذِهِ الْقِصَّة وينشد (أَنا صَخْرَة الوادى اذا هى زوحمت ... واذا نطقت فاننى الجوزاء) فَكتب لَهُ عبد الْكَرِيم رِسَالَة لَطِيفَة قَالَ فِيهَا بلغنَا انكم حِينَئِذٍ تفخرون وتنشدون أَنا صَخْرَة الوادى وفى الحَدِيث الْمُؤمن هَين لين وَحج من دمشق ثمَّ عَاد اليها وَترك شعر رَأسه بعد حلق النّسك فَلم يحلقه ثمَّ صَار يضفره وَكَانَ مَقْبُولًا ثمَّ عزل عَن فَتْوَى

стр. 986

الشأم ورحل الى قسطنيطينية وَكَانَ سِنَان باشا بنى دَار الحَدِيث عِنْد تربته الْمَعْرُوفَة بقسطنطينية فَشرط تدريسها لصَاحب التَّرْجَمَة فَصَارَ يدرس بهَا وَأقَام سنوات الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته بهَا فى صفر سنة ثَلَاث بعد الالف كَذَا قرأته بِخَط الشَّمْس الداودى المقدسى نزيل دمشق عبد اللَّطِيف بن أَحْمد بن أَبى الوفا المفلحى الانصارى الحنبلى الدمشقى تقدم أَبوهُ أَحْمد وَكَانَ عبد اللَّطِيف هَذَا فَقِيها مشتغلا مَشْهُور السمعة جريئا فى فصل الامور رَحل الى مصر فى سنة خمس عشرَة بعد الالف وَأخذ بهَا الحَدِيث عَن النُّور الزيادى وتفقه بالشيخ يحيى بن مُوسَى الحجاوى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف البهوتى وأجازاه بالفتوى والتدريس وَذكر لَهُ الحجاوى فى اجازته أَنه أفتى بالجامع الازهر مرَارًا وَأفَاد واستفاد ثمَّ رَجَعَ فى سنة سبع عشرَة وَولى قَضَاء الْحَنَابِلَة بالمحكمة الْكُبْرَى أَولا ثمَّ صَار قاضى قُضَاة الْحَنَابِلَة بمحكمة الْبَاب وَكَانَت وَفَاته فى سادس عشر شعْبَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف عبد اللَّطِيف بن بهاء الدّين بن عبد الباقى البعلى الحنفى الْمَعْرُوف بالبهائى القاضى الاجل الافضل كَانَ بارعا فى كثير من الْفُنُون فَارِسًا فى الْبَحْث نظارا مفرط الذكاء قوى الحافظة كثير الِاشْتِغَال حسن العقيدة قَرَأَ بِبَلَدِهِ بعلبك على جده لامه الْعَلامَة مُحَمَّد البهائى ثمَّ قدم الى دمشق وعمره سِتّ وَعِشْرُونَ سنة وَلزِمَ بهَا الشّرف الدمشقى والامام يُوسُف الفتحى وَأخذ عَنْهُمَا وبرع ثمَّ سَافر الى لروم وسلك طَرِيق الْقَضَاء الى أَن ولى أكبر المناصب بِبِلَاد الرّوم ثمَّ انحاز الى الْمُفْتى الْعَلامَة يحيى بن عمر المنقارى فقربه وَأَدْنَاهُ وَنَقله من طَرِيق الْقَضَاء الى طَرِيق الموالى فَأعْطَاهُ قَضَاء ترابلس الشأم ثمَّ بلغراد ثمَّ فلبه ونما حَظه واشتهر فَضله وَألف تآليف حَسَنَة تدل على قُوَّة بَاعه فى الْعُلُوم مِنْهَا شَرحه على فصوص ابْن عربى ونظم متن الْمنَار فى الاصول فى تِسْعمائَة وَثَلَاثَة أَبْيَات وَسَماهُ قُرَّة عين الطَّالِب وَهُوَ عدد أبياته ثمَّ شَرحه شرحا لطيفا وعنونه باسم الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل وَله شرح على ديوَان أَبى فراس أبدع فِيهِ كل الابداع ونظمه ونثره كثيران مستوفيان شَرَائِط الْحسن والمتانة فَمن ذَلِك قَوْله فى الْمَدْح (اليك دون الورى انْتهى الْكَرم ... وَمن أياديك تكسب النعم) (لن يبلغ الْمَدْح فِيك غَايَته ... بل دون معناك تنفد الْكَلم)

стр. 987

(أَنْت الذى ترتجى مكارمه ... وَكم أنَاس وجودهم عدم) (أَنْت الذى الدَّهْر دون همته ... وَفَوق هام السهى لَهُ قدم) (طود وقار بالحلم مُشْتَمل ... بَحر نوال بالجود ملتطم) (يخجل صوب الْغَمَام نائله ... بل دون هتان كَفه الديم) (أعتابه مأمن لداخلها ... من كل هول كَأَنَّهَا حرم) وَقَالَ يمدح شيخ الاسلام المنقارى بقوله (معَاذ الوفا أَن يصبح العَبْد خَالِيا ... عَن الشُّكْر للْمولى الذى قد وفاليا) (وأنعم حَتَّى لم يدع لى مطلبا ... وأنكى بِمَا أسدى الى الاعاديا) (وكل الذى أملته من نواله ... حظيت بِهِ بل فَوق مَا كنت راجيا) (وَفرغ عَن قلبى سوى حبه الذى ... تمكن فى قلبى وأنعم بَالِيًا) (فغاية سؤلى فى الزَّمَان رضاؤه ... وأقصى المنى ان كَانَ عَنى رَاضِيا) (ولى نفس حر قد أَبَت غير حبه ... وحاشا لمثلى أَن يرى عَنهُ ساليا) (وقلب اذا مَا الْبَرْق أومض موهنا ... قدحت بِهِ زندا من الشوق واريا) (تحكم فِيهِ حَبَّة واشتياقه ... لَهُ الحكم فليقض الذى كَانَ قَاضِيا) (فَللَّه عَيْش مر لى بظلاله ... أجربه ذيل المآرب ضافيا) (أروح بافضال وأغدو بأنعم ... ويمنحنى ورد الْمحبَّة صافيا) (وفزت بِعلم مِنْهُ عز اكتسابه ... وأصبحت من حلى الْفَضَائِل حاليا) (اذا مَا دجى بحث وأظلم مُشكل ... أَضَاء بِنور الْفِكر مِنْهُ الدياجيا) (يجول على نجب الذكاء بفكرة ... أَبَت فى الذى تبديه الا التناهيا) (يفوق على الْبَحْر الخضم بِعِلْمِهِ ... ويرجح فى الْحلم الْجبَال الرواسيا) (يسابق أجناد الرِّيَاح الى الندى ... وينضح جدوى راحتيه الغواديا) (نظمت لَهُ عقد المديح منضدا ... جعلت مَكَان الدّرّ فِيهِ القوافيا) وَكتب اليه يمدحه أَيْضا (بأى لِسَان يحصر العَبْد مدح من ... دمى من أياديه ولحمى وأعظمى) (وَمن عِشْت دهرا تَحت اكناف ظله ... أروح بافضال وأغدو بانعم) (وفزت بِعلم مِنْهُ عز اكتسابه ... وَذَاكَ لعمرى حسرة المتعلم) (ينزهنى فى ظاهرى وسرائرى ... بارشاده عَن كل ريب ومأثم)

стр. 988

(ويمنحنى مَحْض النَّصِيحَة جاهدا ... يعلمنى طرق الْعلَا والتكرم) (ولولاه من عبد اللَّطِيف وَمن لَهُ ... وَمن يخْدم الاشراف يشرف وَيكرم) (وحسبى من شكرى اعترافى بفضله ... وتصديق قلبى والجوارح والفم) وَمن شعره قَوْله (لَا تويسين عدوا ... من الوداد وداجى) (تسرى اليه بلَيْل ... من المكيدة داجى) عقد فِيهِ حِكْمَة وهى لَا تويسن عَدوك من ودادك تسرى اليه بلَيْل من المكيدة وَهُوَ لَا يدرى وَمن لطائفه قَوْله (ان الشجَاعَة والندى ... سيان فى الْخلق الْجَمِيل) (ثِقَة الْكَرِيم بربه ... ثِقَة الْمُجَاهِد فى السَّبِيل) وَله غير ذَلِك مِمَّا يطول وَلَا تنتهى محاسنه وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف بِقَلْبِه وَهُوَ قَاض بهَا عبد اللَّطِيف بن حسن الجالقى الْمَعْرُوف بالقزديرى الدمشقى الحنفى الْعَالم الْكَبِير الْمُفِيد المتورع الزَّاهِد البارع كَانَ من كبار عُلَمَاء زَمَانه لم يزل مكبا على الافادة والتدريس زاهدا فى الدُّنْيَا رَاغِبًا فى الْآخِرَة مُنْقَطِعًا عَن النَّاس غنى النَّفس فَقِيرا صَابِرًا أَخذ عَن جدى القاضى محب الدّين وَعَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن هِلَال وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن على العلمى المقدسى نزيل دمشق وتفقه بهم ولازمهم كثيرا حَتَّى تمهر وتجرد لنفع النَّاس فَلَزِمَهُ الجم الْغَفِير من الْفُضَلَاء وقرأوا عَلَيْهِ وغالب الافاضل الَّذين نبلوا قريب عَهده تلامذته وَكَانَ صَاحب نفس مبارك فَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ أحد الا انْتفع بِهِ وَكَانَ شَدِيد الْحِرْص على تَأْدِيب جمَاعَة درسه لَا يبرح يخلقهم بالاخلاق الْحَسَنَة ودرس بِالْمَدْرَسَةِ العادلية الْكُبْرَى وسكنها الى أَن مَاتَ وَله من التآليف منظومة فى عبادات الْفِقْه يتداولها الطّلبَة وهى مَشْهُورَة بِالْبركَةِ واليمن وَله شعر كثير الا أَنه من شعر الْعلمَاء وأجود مَا رَأَيْت لَهُ قَوْله من قصيدة (شغفنها ذَات حسن مَعَ سيادتها ... وَلم ترق لرق صَار يرقيها) (لَا عيب فِيهَا سوى بخل على دنف ... بالوصل يَوْمًا وَمَا رقت حواشيها) (وَلست كُفؤًا لَهَا شعرًا وَلَا أدبا ... وَلَيْسَ صفر وَلَا بيض فأهديها) (وَذَاكَ من زمن قد راب ذامحن ... من غير مَا منحة للنَّفس تجديها)

стр. 989

وَلَقَد رَأَيْت جمَاعَة من الآخذين عَنهُ وكل وَاحِد مِنْهُم يتغالى فى مدحه مغالاة زَائِدَة وَقَالُوا فية مَعَ فضيلته غَفلَة وَصُورَة بله فى الظَّاهِر من حَاله حَتَّى قَالُوا انه كَانَ يَوْمًا فى مجْلِس أحد قُضَاة دمشق فَدخل العاضل الاديب عبد اللَّطِيف بن يحيى المنقارى الآتى ذكره قَرِيبا ان شَاءَ الله تَعَالَى وَجلسَ فى الْجَانِب الْمُقَابل لَهُ فَقَالَ لَهما القاضى فى اثناء المخاطبة الْحَمد لله حصل لنا اللطف من كلا الْجَانِبَيْنِ فَأَنْشد الجالقى (وفى الْحَيَوَان يشْتَرك اضطرارا ... ارسطا لَيْسَ وَالْكَلب الْعَقُور) فَقَالَ المنقارى الشق الاول لنا والثانى لكم فَخَجِلَ وَأخذ يعْتَذر عَن هفوته وَله من هَذَا الْقَبِيل أَشْيَاء اخر وَمَعَ ذَلِك فَالْقَوْل فِيهِ انه بركَة من بَرَكَات الزَّمَان وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى يَوْم الثُّلَاثَاء ثانى عشر الْمحرم سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف بعلة الاسهال وَأوصى عِنْد الاحتضار أَن يُقَال عِنْد الصَّلَاة عَلَيْهِ الصَّلَاة على العَبْد الْفَقِير الحقير خَادِم الْعلم الشريف عبد اللَّطِيف ونفذت وَصيته وَدفن بمقبرة الفراديس رَحمَه الله تَعَالَى عبد اللَّطِيف بن عبد الْمُنعم بن زين الدّين بن يُونُس بن مُحَمَّد العجلونى الاصل الدمشقى المولد الْمَعْرُوف بِابْن الجابى الْفَقِيه القاضى الشافعى كَانَ أَبوهُ تَاجِرًا فى المصوغات بصاغة دمشق وَنَشَأ هُوَ وَقَرَأَ ودأب وَأخذ عَن الْبَدْر الغزى والْعَلَاء ابْن عماد الدّين والشهاب الفلوجى والشهاب أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد الطيبى وتلقى عَنهُ القرا آتٍ والعربية وَالْفِقْه حَتَّى فضل وَكَانَ الطيبى فِيهِ علاقَة وسعى لَهُ فى وَظِيفَة الْوَعْظ يَوْم الثُّلَاثَاء بالجامع الاموى وَكَانَ فصيح اللِّسَان فى الْوَعْظ وَفرغ لَهُ عَن خطابة التوريزية وَغَضب عَلَيْهِ آخرا فسعى فى أَخذهَا عَنهُ وَولى عبد اللَّطِيف نِيَابَة الْقَضَاء بمحكمة الْكُبْرَى ثمَّ نقل الى الْبَاب بعد موت القاضى تقى الدّين الزهيرى وسافر الى الرّوم وَرجع وَمَعَهُ بَرَاءَة بتدريس الشامية البرانية عَن عَم أَبى القاضى عبد اللَّطِيف وَقَضَاء الشَّافِعِيَّة بِالْبَابِ بعد ان كَانَ وَجه للقاضى مَحْمُود الْعَدْوى الزوكارى فَسلمت اليه النِّيَابَة وَلم تسلم لَهُ الْمدرسَة ثمَّ وجهت اليه الْمدرسَة بعد مُدَّة من جَانب ابْن عزمى وَلم تبْق مَعَه الا قَلِيلا حَتَّى جَاءَت عَنهُ لِلْحسنِ البورينى وبقى ابْن الجابى نَائِبا الى أَن مَاتَ وَكَانَ سيئ السِّيرَة متهاونا فى أُمُور الشَّرْع وَكَانَ يَأْكُل البرش وَكَانَ ثقيلا جدا حَتَّى لقب بشباط وَفِيه يَقُول النَّجْم الغزى (مَا زَالَ اشباط بكيفية ... مختلة فى حَال اخباط)

стр. 990

(يهذى على النَّاس كَمَا يشتهى ... وَالنَّاس كانون باشباط) وكانون فى الْبَيْت بِفَتْح النُّون جمع كَانَ قَالَ فى الصِّحَاح رجل كَانَ وَقوم كانون وَهُوَ من كنيت عَن الشئ اذا أخْبرت عَنهُ وَلم تصرح باسمه وَمِمَّا قيل فى التَّعْرِيض بِهِ بَيْتا الشاهينى وهما (حركات حاكمنا وَقد بلغت ... فى الْبرد أقْصَى غَايَة الامد) (حركات غيم شباط حِين بدا ... ملآن من ثلج وَمن برد) وَكَانَ ينظم الشّعْر وَلَقَد رَأَيْت لَهُ أشعارا كَثِيرَة فى مَجْمُوع كَبِير بِخَطِّهِ وَلم أستحسن لَهُ الا هَذِه الْقطعَة من قصيدة مدح بهَا ابْن عزمى وَالْحق انها من سَائِغ الْمَقُول ومطلعها (مَا كَانَ يخْطر قطّ فى أوهامى ... ان الاسود مصايد الآرام) (قف حَيْثُ فوقت اللحاظ سهامها ... وَانْظُر لمرمى هُنَاكَ ورامى) (وسل الامان فكم خلى فارغ ... أَمْسَى قَتِيل محبَّة وغرام) (لله مَا بِالْقَلْبِ والاحشاء من ... حرق وَمَا بالجسم من أسقام) (ومدامع تهمى فيحرق لدغها ... خدى وَمن يقوى للدغ هوَام) (وبمهجتى الْبَدْر الذى وجناته ... وعذاره كالورد والنمام) (الْقَاتِل الآلاف من عشاقه ... عمدا بِلَا جرح وَلَا آثام) (ان لم يكن بمثقل ومحدد ... فبسحر الحاظ وسحر كَلَام) (باللحظ مِنْهُ غنيت عَن زهر وَعَن ... خمر فَمِنْهُ نرجسى ومدامى) (فى خَدّه لَام تجر الى الْهوى ... فالقلب مجرور تِلْكَ اللَّام) (ظبى من الاتراك مرعاه الحشا ... والمورد الدمع الغزير الهامى) (عرف المُرَاد من الدُّمُوع فَلم يزل ... يرنو لعاشقه بِطرف ظامى) وقرأت بِخَطِّهِ هَذِه الابيات خَاطب بهَا بعض من تصدر من غير أهل التصدر (أَرَاك تلوم النَّاس بِالنَّقْصِ مِنْهُم ... وَأَنت لعمرى أنقص النَّاس فى الذّكر) (فان أَنْت فى جمع حضرت وَبينهمْ ... افاضل لم تنطق بشئ سوى الْحصْر) (فَأَنت كنون الْجمع حَال اضافة ... وان شِئْت بل مثل القلامة من ظفر) ونقلت من خطه اعجوبة ذكرانه رَآهَا بِجَزِيرَة ساقز وَهُوَ رَاجع من الرّوم بحرا وهى شجر يحمل بطيخا أصفر يعْنى الخربز والقاوون أشبه مَا يكون بشجر التوت وعَلى هامشه وأعجب مِنْهُ مَا رَأَيْت فى جَزِيرَة مرمرة وهى جَزِيرَة بَين مَدِينَة

стр. 991

كليبولى وبغاز حصارى يخرج من قاع الْبَحْر عين زَيْت طيب ويعلو الى وَجه الْبَحْر لَا يَنْقَطِع مدى الدَّهْر أبدا رَأَيْتهَا بعينى مرَّتَيْنِ من غير شكّ فى طعمه ورائحته انْتهى وَكَانَت وَفَاته نَهَار السبت ثانى شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين وَألف عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد محب الدّين ابْن ابى بكر تقى الدّين عَم أَبى القاضى عبد اللَّطِيف ابْن القاضى محب الدّين أحد فضلاء الزَّمَان البارعين كَانَ فِيمَا أعلم من أَحْوَاله دراية وخبرا من أنبل أهل عصره معرفَة واتقانا وجمعية للفنون وَكتب الْكثير بِخَطِّهِ وَضبط وَرَأَيْت من متملكاته الَّتِى وقف اكثرها أخر أمره مَا يُقَارب مائَة وَخمسين كتابا وغالبها بِخَطِّهِ فَمَا وجدت كتابا مِنْهَا خَالِيا من تَصْحِيح وتحرير لَهُ وَألف تآليف تدل على تمكنه واحاطته مِنْهَا تَفْسِير على سُورَة الْفَتْح وَكتاب جمعه فى خَمْسَة عُلُوم التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والتصوف والادب وَفِيه أَشْيَاء جَيِّدَة الى الْغَايَة طالعته كثيرا وانتفعت بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَمن رأى كِتَابه هَذَا عرف مِقْدَاره من الْفضل واكثر قِرَاءَته على وَالِده وَلما قدم الشَّام مَعَ أَبِيه حضر عِنْد الْبَدْر الغزى وَأخذ عَنهُ وَله مَشَايِخ كَثِيرَة وسافر الى الرّوم وَأقَام بهَا مُدَّة ونال فى صر مَكَّة دِينَارا ذَهَبا كل يَوْم غير مَا ناله من الْقَمْح المجهز الى الْحَرَمَيْنِ من مصر وسافر فى أَوَاخِر الالف الى مَكَّة بنية الْمُجَاورَة وجاور سنة أَو سنتَيْن وَصَحب بِمَكَّة السُّلْطَان مَسْعُود بن الشريف حسن بن أَبى نمى وَصَارَ لَهُ حظوة عِنْدهم ومدحهم بعدة قصائد وَتزَوج ثمَّة ثمَّ اقْتضى رَأْيه انه تفرغ عَن الصر الْمَذْكُور وَعَاد الى دمشق ثمَّ سَافر مِنْهَا الى الرّوم وَولى قَضَاء حماة وَحصل مِنْهَا مَالا طائلا ثمَّ بعد عَزله مِنْهَا قدم دمشق وتديرها وَعمر دَاره الْمَعْرُوفَة بِهِ بسوق العنبرانيين عِنْد بَاب الْجَامِع الاموى وَكَانَ مَحل الْبَيْت خَانا يعرف بخان الخرفان وقف بعض الْمكَاتب فَاشْترى اقلاده من الشهَاب أَحْمد الوفائى متولى الْمكتب واحتكر أرضه بِأُجْرَة ثمَّ هَدمه وعمره بَيْتا واقتنى طاحونا وَبَيت قهوة خَارج بَاب السَّلامَة وبساتين فى بَيت لهيا ووقفها على قراء ومدرس ومرتزفة يُعْطون علوفات عينهَا لَهُم وَشرط أَن يكون الْمدرس الشَّيْخ أَحْمد الوفائى الْمَذْكُور وَولى نِيَابَة الْبَاب فِيمَا بَين مَرَّات وَقَضَاء الْقِسْمَة العسكرية وَكَانَ لَهُ عفة ونزاهة وَلما مَاتَ وَالِده وَجه اليه الْمولى ابراهيم بن على الازنيقى قاضى قُضَاة الشَّام الْمدرسَة الشامية البرانية عَنهُ وَكَانَ بِيَدِهِ قبل ذَلِك تدريس الظَّاهِرِيَّة فَجمع لَهُ بَينهمَا ثمَّ تفرغ عَن الظَّاهِرِيَّة وَبقيت الشامية فى يَده وَأَخذهَا عَنهُ القاضى

стр. 992

عبد اللَّطِيف بن الجابى الْمُقدم ذكره فَلم تسلم اليه ثمَّ بعد مُدَّة وجهت عَنهُ الى الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن أَحْمد الحتاتى المصرى الآتى ذكره واستفرغه عَنْهَا ابْن الجابى ثمَّ وجهت لِلْحسنِ البورينى وبقى صَاحب التَّرْجَمَة بِلَا مدرسة مُدَّة حَتَّى أُعِيدَت اليه واستمرت عَلَيْهِ الى أَن مَاتَ وَكَانَ مبتلى بعلة الكبد ولازم الحمية مُدَّة مديدة وَكَانَ أول مَا عرض لَهُ هَذَا الدَّاء أَشَارَ اليه بعض الْحُكَمَاء أَن يكف عَن شَيْئَيْنِ كل مِنْهُمَا يقتل صَاحب هَذَا الدَّاء وهما التُّخمَة وَالْجِمَاع فَكَانَ حذرا من ذَلِك حَتَّى كَانَ لَا يَأْكُل من الْخبز الا قَلِيلا جدا فاتفق لَهُ انه ذهب يَوْمًا الى بُسْتَان لَهُ واستدعى بعض أخدانه وَعمل لَهُم وَلِيمَة فِيهِ فَأكل من الْفَاكِهَة والنفائس أَكثر من عَادَته ثمَّ عَاد الى بَيته فَمَاتَ فى ليلته وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاربعاء لليلتين بَقِيَتَا من صفر سنة ثَلَاث وَعشْرين بعد الالف وَيُقَال انه جَامع فى تِلْكَ اللَّيْلَة فَمَاتَ فَجْأَة وَدفن فى بَيت صَغِير عمره بالخشابين خَارج بَاب الشاغور وَعمر عِنْده مكتبا لطيفا وَهُوَ على طَرِيق مَقْبرَة بَاب الصَّغِير قريب مِنْهَا وقرأت بِخَط وَالِده ان وِلَادَته كَانَت فى أَوَاخِر شعْبَان سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة عبد اللَّطِيف بن يحيى بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْمَعْرُوف بلطفى بن المنقار الدمشقى الحنفى أحد مشاهير الْفُضَلَاء النبلاء وَكَانَ مَعَ تمكنه فى الْفِقْه واحاطته التَّامَّة بفروعه أديبا اليه النِّهَايَة فى المحاضرات وَحسن البديهة وَالشعر المرقص أَخذ الْعَرَبيَّة عَن الْحسن البورينى وتفقه بِعَبْد الرَّحْمَن العمادى وَأحمد بن مُحَمَّد بن قولاقسز الْمُقدم ذكره وَعَلِيهِ تخرج فى كِتَابَة الاسئلة الْمُتَعَلّقَة بالفتوى وفَاق فى جَمِيع أدوات الِاتِّفَاق وَولى تدريس الماردانية وَكتب للعمادى الاسئلة واشتهر أمره وسافر الى حلب مَرَّات والى ديار بكر فى عنفوان عمره لعَارض عشق عرض لَهُ وَلم ير لَهُ خلاصا الا السّفر والتشاغل بطى المراحل وَكنت وقفت على قصيدة لِابْنِ شاهين الدمشقى أرسلها اليه الى حلب وَسبب ارسالها أَن أَحْمد بن زين الدّين المنطقى ولى قضاءها وَقدم اليها وصير أَخَاهُ مُحَمَّدًا نَائِبا بمحكمة الْبَاب ووزع بَقِيَّة الخدمات على أقربائه الاعاجم فَأرْسل اليه القصيدة الْمَذْكُورَة يَرْجُو مِنْهُ الْقدوم الى الشأم وصدرها بقوله (طلعت عَلَيْك طَلِيعَة الاعجام ... فانهض الينا قادما بِسَلام) وهى قصيدة عَجِيبَة نحا بهَا منحى قصيدة السرى الرفا الَّتِى أَولهَا (طلعت عَلَيْك طَلِيعَة الاعراب ... فاحفظ ثِيَابك يَا أَبَا الْخطاب)

стр. 993

وَقد ذهبت منى نُسْخَة القصيدة وتطلبتها فَلم أجد من ياتينى عَنْهَا بِخَبَر وَلَو وَجدتهَا أوردتها هُنَا لبداعة أسلوبها وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة مَعَ أدباء حلب اخْتِلَاط تَامّ ومراسلات كَثِيرَة وَذكره مِنْهُم السَّيِّد أَحْمد بن النَّقِيب فى مَجْمُوعَة فَقَالَ فى وَصفه من فضلاء الزَّمَان الَّذين يشار اليهم بالبنان وأفراده الَّذين قلدوا جيده بفرائدهم عقودا وأفاضوا على أعطافه من فوائدهم برودا وَله مذاكرة كلهَا جَارِيَة على نهج الِاسْتِحْسَان ومحاورة تحسد عَلَيْهَا الْعُيُون الآذان وأشعار قد سرقت نسمَة الاسحار من لطفها لطفا وَجرى طرف فصاحتها فى ميادين البلاغة فَلم يتْرك أَمَامه طرفا وَمن شعره قَوْله من قصيدة مستهلها (بَين خبايا ضلوعى اللهب ... وَمن جفونى استهلت السحب) (وفى فؤادى غليل منتزح ... يعاف أَن الديار تقترب) (يَا بأبى الْيَوْم شادن غنج ... يعبث بِالْقَلْبِ وَهُوَ يلتهب) (يسنح لَكِن بصفحتى رشأ ... وَالْقد ان ماد دونه القضب) (صفر وشاح يزينه هيف ... لَيْسَ كخود يزينه الْقلب) ... ان لَاحَ فى الحى بدر طلعته ... فالشمس فى الافق مِنْهُ تحتجب) (أشنب لم تحك برق مبسمه ... يَا برق الا وفاتك الشنب) (يطفو على الثغر فى مقبله ... حباب ظلم وحبذا الحبب) (كَأَنَّهُ لُؤْلُؤ تبدده ... أيدى عذارى أفْضى بهَا اللّعب) (مَا مر فى الحلى وَهُوَ مؤتلق ... الا ازدهى الحلى ثغره الشنب) (يعطو بجيد كقرطه قلق ... وَالْقلب مَا جال مِنْهُ يضطرب) (وسانحات نفثن فى عقدا لَا لباب سحرًا ودونه العطب ... ) (بِهِ اختلسن الْفُؤَاد من كثب ... واقتاد جسمى السقام والوصب) (تجرح مِنْهُنَّ مهجتى مقل ... يفعلن مَا لَيْسَ تفعل القضب) (ظعن وَالْقلب فى ركائبهم ... يخْفق والجسم للضنى نهب) (من فَوق خلبى وضعت صَاح يدى ... فَلم أَجِدهُ وصدها لَهب) هَذَا أدق من قَول المتنبى (ظلت بهَا تنطوى على كبد ... نضيجة فَوق خلبها يَدهَا) (لما تيقنت أَن روحتهم ... لَيْسَ لَهَا مَا حييت مُنْقَلب)

стр. 994

(ابليت صبرا لم يبله أحد ... واقتسمتني مآرب شعب) (مِنْهُنَّ ذَات دملج سلبت ... عقلى وعادت تَقول مَا السَّبَب) أَخذ هَذَا من قَول مهيار (قتلتنى وانثنت تسْأَل بى ... أَيهَا النَّاس لمن هَذَا الْقَتِيل) (يصبو جنونا ويدعى سفها ... انى لَهُ دون ذَا الورى طلب) (وَلَيْسَ عندى علم بصبوته ... وَلَا تعهدت انه وصب) (لَو كَانَ فِيمَا يَقُوله شغفا ... صدق عراه لعشقنا النصب) (فَقلت لَو شِئْت يَا مناى لما ... سَأَلت عَنى وَأَنت لى أرب) (ان نحولى وعبرتى مَعًا ... بعد أنينى لشاهد عجب) وَقَوله من قصيدة أرسلها من بِلَاد ديار بكر يتشوق بهَا الى دمشق وَيذكر منتزهاتها ومطلعها (سقى دَار سعدى من دمشق غمام ... وحيى بقاع الغوطتين سَلام) (وجاد هضاب الصالحية صيب ... لَهُ فى رياض النير بَين ركام) مِنْهَا (ذكرت الْحمى وَالدَّار ذكر طريدة ... تذاد كظمآن سَلام أوام) (فنحت على تِلْكَ الربوع تشوقا ... كَمَا ناح من فقد الْحَمِيم حمام) (أيا صاحبى نجواى يَوْم ترحلوا ... وحزن الفلا مَا بَيْننَا واكام) (نشدتكما بالود هَل جاد بَعدنَا ... دمشق كأجفانى القراح غمام) (وَهل عذبات البان فِيهَا موائس ... وزهر الربى هَل أبرزته كمام) (وَهل أعشب الرَّوْض الدمشقى غبنا ... وَهل فاح فى الوادى السعيد بشام) (وَهل ربوة الانس الَّتِى شاع ذكرهَا ... تجول بهَا الانهار وهى حمام) (وَهل شرف الاعلى مطل وقصره ... على المرجة الخضراء فِيهِ كرام) (وَهل ظلّ ذَاك الدوح ضاف وغصنه ... وريق وَبدر الحى فِيهِ يُقَام) (وَهل ظبيات فى ضمير سوانح ... وَعين المها هَل قادهن زِمَام) (وَهل أموى الْعلم وَالدّين جَامع ... شعائره وَالذكر ليه يُقَام) (وَهل قاسيون قلبه متفطر ... وَفِيه الرِّجَال الاربعون صِيَام) (أَلا لَيْت شعرى هَل أَعُود لجلق ... وَهل لى بوادى النير بَين مقَام) (وَهل أردن مَاء الجزيرة راتعا ... بمقصفها والحظ فِيهِ مدام)

стр. 995

(سَلام على تِلْكَ المغانى وَأَهْلهَا ... وان ريش لى من نأيهن سِهَام) (لقد جمعت فِيهَا محَاسِن أَصبَحت ... لدرج فنجار الشَّام وهى ختام) (بِلَاد بهَا الْحَصْبَاء در وتربها ... عبير أنفاس الشمَال مدام) (وغرتها أضحت بجبهة روضها ... تضئ فخلخال الغدير لزام) (تناءيت عَنْهَا فالفؤاد مشتت ... ووعر الفيافى بَيْننَا ورغام) (لقد كدت أقضى من بعادى تشوقا ... اليها وجسمى قد عراه سقام) ويستحاد لَهُ قَوْله (لهفى على زمن قَضيته جذلا ... مسربلا ببرود الْعِزّ وَالنعَم) (مضى كَانَ لم يكن ذَاك الزَّمَان أَتَى ... حَتَّى كأنى بِهِ فى غَفلَة الْحلم) (مَا أثمرت لى لياليه الَّتِى سلفت ... بلذة الْعَيْش الا زهرَة النَّدَم) وَقَوله (لله معترك يجول مهفهف ... فِيهِ وَلم يثن القوام عقار) (وبكفه قصب الدُّخان كَأَنَّهَا الصعدات لَكِن للنديم نثار ... ) (وَالْوَجْه عِنْد الشّرْب مِنْهُ كَأَنَّهُ ... حلى الْمِجَن وَقد أثير غُبَار) وَذكره الخفاجى فى كِتَابه الريحانه فَقَالَ وَلما ارتحلت عَن مصر فَارَقت أترابى ولداتى وَمَا بهَا من ذخائر مالى وكنز حياتى (وظئر بِلَاد أرضعتنى بِمَائِهَا ... وأنفاس نسمات ومهد ديار) مَرَرْت على دمشق الشَّام فَرَأَيْت من بهَا من الْكِرَام فَكَانَ مِمَّن نعمت بلقياه ووقفت على هضبات علاهُ هَذَا الاديب الحسيب وَالرَّوْض الاريض وَالربيع الخصيب فحبانى بانفاس من أنفاس الخزامة أندى وهبت مِنْهُ نفحات أنس كنفحات روض قبيل الصُّبْح يلتها الا ندا فعطر بفضائله المجامع وفكه بثمرات أدبه المسامع وَأهْدى الى فى مشرفة قصيدة حبانى بهَا وهى قَوْله (بأفق دمشق قد طلع الشهَاب ... ) ثمَّ أوردهَا بِتَمَامِهَا فَلَا حَاجَة بايرادها هُنَا فَالْحَاصِل أَن فضائله وآدابه مَشْهُورَة مسلمة وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع وَخمسين وَألف ﵀ عبد اللَّطِيف الْمَعْرُوف بأنسى أحد موالى الرّوم ودرة قلادة الادب وَوَاحِد الزَّمَان فى الْكَمَال والمعرفة أَصله من بَلْدَة كوتاهية وَبهَا ولد ثمَّ دخل دَار الْخلَافَة فى حَدَاثَة سنه فخدم قاضى الْقُضَاة مُحَمَّد بن يُوسُف الشهير بنهالى وَورد مَعَه الى دمشق لما ولى قضاءها فى سنة اثنتى عشرَة وَألف واعتنى بِهِ مخدومه هَذَا فَأَقْرَأهُ وأدبه حَتَّى مهر

стр. 996

وتفوق وصيره ملازما مِنْهُ وَكَانَ من أَوَائِل أمره ظريف النادرة وَكَانَ رُبمَا قصد مخدومه بنكاته فيستحسنها وَيزِيد فى الاقبال عَلَيْهِ وَمِمَّا يستحسن من مضامينه مَعَه أَن مخدومة تبجح يَوْمًا بِأَنَّهُ لم يل مُدَّة عمره مدرسة وَلَا منصبا مرَّتَيْنِ فَقَالَ أَحْمد الله على انه لم يَقع لى حَرَكَة مثلية وَكَانَ السُّلْطَان قبل ذَلِك نَفَاهُ مرَّتَيْنِ الى جَزِيرَة قبرس لامر جرى لَهُ فَقَالَ لَهُ انسى فى الْجَواب استثنوا تِلْكَ الْحَرَكَة المثلية الى قبرس ثمَّ بعد موت مخدومه تلاعبت بِهِ الاسفار والاحوال الى أَن اسْتَقر بِمصْر وَولى قَضَاء الركب المصرى ومحاسبة أوقاف مصر وَذَلِكَ فى سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف ثمَّ عَاد الى الرّوم وَولى بهَا مدرسة ثمَّ صَار قَاضِيا بطرابلس الشأم فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَوَقع بَينه وَبَين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى اذ ذَاك مراسلات فَمن ذَلِك مَا كتبه اليه العمادى (مولاى أنسى الذى طابت طرابلس ... بِهِ وَأصْبح فِيهَا الْوَحْش فى أنس) (وَمن غَدا فَضله فى الْعَصْر مشتهرا ... كَالشَّمْسِ فى شفق وَالصُّبْح فى غلس) (أَنْت الذى فَخر الْعَصْر العصور بِهِ ... وَقصرت كل مصر عَن طرابلس) (أوصيكم بالحكيم الشَّيْخ مخلصكم ... مُحَمَّد بن غَدا يعزى الاندلس) (حَملته بَث شوقى كرتين لكم ... لَعَلَّه بثه أَو كَانَ قبل نسى) (قد كَانَ لى حر أشواق فضاعفه ... قرب الديار كشب النَّار بالقبس) (لَكِن رجونا لِقَاء مِنْك يطفئه ... يَا رب فَاجْعَلْ رجائى غير منعكس) فَرَاجعه بقوله (هَذَا كتابك أم ذى نفحة الْقُدس ... يَا طيب الله ذاكى عرف ذَا النَّفس) (فقد حلا كلما كررته بفمى ... كَأَنَّهُ أشنب قد جاد باللعس) (كانما كل سطر مفعم أدبا ... غُصْن توقره الاثمار لم يمس) (كأنهن المهارى وقرها دُرَر ... وفى سوى الْقلب والاسماع لم تطس) (نظم بديع جناس الِالْتِفَات حلا ... مِنْهُ فبالله هَذَا ظَبْيَة الانس) (مخايل السحر تبدو من دقائقه ... كاللحظ أجفانه مَالَتْ إِلَى التعس) (لنا بِهِ كل وَقت عَن سواهُ غنى ... فى طلعة الشَّمْس مَا يغنى عَن القبس) (تكسو المسامع أشنافا مضاعفة ... وتكتسى صنع صنعاء واندلس) (فَبَيْنَمَا نَحن نجنى من أزاهرها ... اذ أشرقت وهى مثل الزهر فى الْغَلَس)

стр. 997

(وبينما هى تجلى فى طرابلس ... والشأم طلت على مصر ونابلس) (أذكرتنى مِنْهُ مَا لم أنيه أبدا ... وَلم يزل مؤنسى فى مجْلِس الانس) (يَا من تنزه عَن احصا فضائله ... هَل فى حِسَابك انسى للعهود نسى) (واننى لحفيظ للوداد وَلَو ... أعياك رسم وداد غير مندرس) (لَا زلت عُمْدَة أهل الْفَصْل فى صعد ... الى العلى يَا عمادى غير منتكس) (مَا لى سوى نسمات الشّعْر أبعثها ... تَحِيَّة لدمشق من طرابلس) فَكتب اليه العمادى وَغير الْوَزْن والقافية (عقدت لنفسى عهد ودك يَا أنسى ... وقلبى حفيظ قطّ للْعهد مَا أنسى) (وحسبك اذ أضحى ثناؤك ديدنى ... فيورد فى وردى ويسرد فى درسى) (رفعت عمادى فى بيُوت بنيتها ... من الْمجد وَالْفضل البليغ على أس) (لقد سحبت سحبان للعى مفحما ... وَجَرت جرير اللفهاهة مَعَ قس) (أَتَت تتهادى فى الطروس كَأَنَّهَا الْعَرُوس اذا مَا تجلى لَيْلَة الْعرس) (وَلما تجلى فى دجى النَّفس بدرها ... تَلَوت عَلَيْهَا عوذة آيَة الكرسى) (اذا مَسهَا كف الحسود لحسنها ... تخبطه الشَّيْطَان غيظا من الْمس) (وتعقل عقل الساحرين بسحرها ... فَأحْسن بهَا فتانة الْجِنّ وَالْإِنْس) (جَنِينا ثمار الْفضل من روض غرسها ... وناهيك روضا يانعا طيب الْغَرْس) (فيأيها الْمولى الذى شاع فَضله ... لاسماعنا حَتَّى شهدناه بالحس) (قصيدتك الفصحى كستنا بفصلها ... ملابس فَخر لبسهَا أنفس اللّبْس) (وشاع لَهَا مَا بَين جلة جلق ... سنا بهجة قد لقبت ضرَّة الشَّمْس) (فَمَا كل من صاغ الْمعَانى صائغا ... وَكم بَين دِينَار نضار الى فلس) (فدم لتنال الشَّام فوزا بكم كَمَا ... طرابلس فازت ومصر مَعَ الْقُدس) (وَلَا زلت فى ثوب السَّعَادَة رافلا ... وتصبح فى عز وفى نعْمَة تمسى) (خدين الْعلَا مَا الشَّمْس حَمْرَاء أشرقت ... وَمَا غربت فى الافق صفراء كالورس) ثمَّ ولى قَضَاء بَلْدَة كوتاهية ومرعش مَرَّات وَأعْطى قَضَاء الجيزة بِمصْر على وَجه التَّأْبِيد فَرَحل الى مصر وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ ولى قَضَاء طرابلس ثَانِيًا وعزل عَنْهَا ثمَّ صَار قَاضِيا بِمَكَّة المكرمة ثمَّ بَغْدَاد ثمَّ طرابلس ثَالِث مرّة وَلما أنشأ الْوَزير مُحَمَّد باشا كوبريلى وَقفه كَاف الى انشاء وقفية فصنعها على أسلوب عَجِيب من الانشاء التركى البديع

стр. 998

وصدرها بديباجة من انشائه العربى فَقَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ مَا أصح حجتك وَمَا أوضح محجتك تبَارك اسْمك يَا مَالك الْملك والملكوت وَتَعَالَى جدك يَا ذَا الْجلَال والجبروت لَك الْحَمد على آلَائِكَ المسلسل غيثها ونعمائك المحتبس على سَبِيل الاطلاق غوثها حمدا تدوم موحباته وَتقوم على قَائِمَة الابد مثوباته تتباهى بِهِ الاخيار لم لَا وَأَنت بِهِ الْمَحْمُود وَلَا يتناهى من بركاته الادرار كَيفَ وَهُوَ بدار الخلود وَلَك الشُّكْر على هدايتك لشراء جَوَاهِر الاجور الْبَاقِيَة بالاعراض السيالة الفانيه وَبيع زواهر الامور الدُّنْيَوِيَّة الدنيه بأزاهر الرياض الاخروية الرضية السنيه شكرا يَلِيق بِمَا أوليت من توالى رواتب نعمك وَيُذِيق الواقفين نفائس أنفاسهم على اسْتِعْمَال ذكرك لَذَّة الْقبُول بكرمك أَنْت مبدئ النشأة الاولى فضلا بِلَا اسْتِحْقَاق تَبَارَكت عَن الْوُجُوب عَلَيْك ومعيد النشأة الاخرى لانجاز وعد الْجَزَاء فَسُبْحَانَك لَا شئ الا مِنْك واليك لَا اله غَيْرك وَلَا مرجو الا خيرك صل وَسلم على مَدِينَة الْعلم نبيك الامى وخزينة الْحلم رَسُولك العربى سيدنَا وسندنا مُحَمَّد معلم النَّاس الْخَيْر ومتمم النعم عَلَيْهِم فقريب القربات اليهم ليجلبوا النَّفْع ويدفعوا الضير وعَلى آله أكارم الْخلق فى مَكَارِم الاخلاق وَصَحبه الصارفين فى ارتزاق الْمُحْسِنِينَ بانفاس الْهِدَايَة نفائس الارزاق مَا دَعَا الى تشمير سَاق البرداعى الدواعى وسعى لتعشير خطى الْخَيْر ساعى المساعى فَلَمَّا رَآهَا الْوَزير أعجبه حسن رونقها فَأقبل عَلَيْهِ وصيره قَاضِيا بازمير فضبطها مُدَّة سنتَيْن وَحصل مِنْهَا مَالا كثيرا فَكَانَت سَبَب انتظام حَاله وَعَن مدَّتهَا عَنى فى قَوْله وَقد سُئِلَ عَن عمره فَقَالَ سنتَانِ يومى الى قَوْلهم عمر الْفَتى زمَان الرَّاحَة وَمن هَذَا الْبَاب قَول مُحَمَّد الحتاتى الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى (عمر الْفَتى قَالُوا زمَان الرِّضَا ... بصفوة الاحباب فى الْيُسْر) (صدقت مَا قَالُوهُ كى يقبلُوا ... فينظروا شَيخا بِلَا عمر) وَمِنْه قَول الشاهينى من قصيدة (عددت أويقاتى ولاحظت طيها ... فأجودها مَا مر فى الْحلم من دهرى) (اذا رحت أحصيها اأعلم يسرها ... عدمت حياتى والمصير الى عسر) (مَتى مَا اعْتبرت الْعُمر مَا كَانَ صافيا ... تَجِد رجلا قد عَاشَ عمرا بِلَا عمر) وَكِلَاهُمَا أَخذ من قَول الامير اسامة بن منقذ (قَالُوا نَهَاهُ الاربعون عَن الصِّبَا ... وأخو المشيب بحوز ثمَّة يهتدى)

стр. 999

(كم حَار فى ليل الشَّبَاب فدله ... صبح المشيب على الطَّرِيق الاقصد) (واذا عددت سنى ثمَّ نقصتها ... زمن الهموم فَتلك سَاعَة مولدى) ويروى عَن بعض المجان انه قَالَ صرفت من عمرى كَذَا فى بَلْدَة كَذَا وَكَذَا فى كَذَا وَكَذَا فى بعلبك فَمَا كَانَ فى غَيرهَا عددته من عمرى وَلَا خسران وَمَا كَانَ فِيهَا فعلى الطَّلَاق لَا أعده من عمرى فانه مَحْض خسارة وَصَاحب التَّرْجَمَة كَمَا رَأَيْت مِمَّن أُوتى حسن الانشاء العربى وَقد وقفت لَهُ على رِسَالَة كتب بهَا الى الْمولى عبد الله بن عمر معلم السُّلْطَان عُثْمَان وَالِده وَهُوَ قاضى الْعَسْكَر يتشكى فِيهَا من معاناة بعض الخطوب وَهَذِه الرسَالَة انا شغف بهَا جدا وَكَثِيرًا مَا يختلج فى صدرى أَن أشرحها شرحا أبين فِيهِ مَا تَضَمَّنت من الامثال والنوادر وَقد عَن لى الْآن ان أذكرها وأوضح بعض مغلقاتها وَهَذِه هى طالما شمت بروقك مستمطر اللامانى فَكَانَت خلبا وتعرضت لعوارضك مُسْتَبْشِرًا بالتهانى فانحسرت قلبا وَلم يصب ربى مآربى من هاطل سحائب زخارفك وابل وَلَا طل وَلَا حصلت سوائم مطالبى من غُدْرَان طرائفك على نهل وَلَا عل ورصفت صروفك لى سافا على ساف فأسفت حَتَّى مَا أشتكى السواف السواف ذهَاب المَال واذا أَتَت على أم اللهيم لَا رئمت لخلق بوضيم أَتَت عَلَيْهِ أم اللهيم أى اهلكته الداهية وَيُقَال الْمنية والبوجلد الحوار المحشو تبنأ وَأَصله ان النَّاقة اذا أَلْقَت سقطها فحيف انْقِطَاع لَبنهَا أخذُوا جلد حوارها فيحشى تبنا ويلطخ بشئ من سلاها فتر أمه وَترد عَلَيْهِ يُقَال نَاقَة رؤم اذا رئمت بوها أَو وَلَدهَا فان رئمته لم تدر عَلَيْهِ فَتلك الْعلُوق يضْرب الْمثل لمن ألف الضيم ورضى بالخسف طلبا لرضى غَيره بل لما دلكت بوح فَلَا ترى وَرَأَيْت الْكَوَاكِب مظْهرا قلت الظمأ الفادح خير من الرى الفاضح ظمأ قامح الى آخِره قَالَ الْخَلِيل القامح والمقامح من الابل مَا اشْتَدَّ عطشه حَتَّى فتر لذَلِك فتورا شَدِيدا فوصف بِهِ الظمأ وَهُوَ فى الْمَعْنى لصَاحبه يضْرب فى وجوب صون الْعرض وان احتملت فِيهِ المشاق وتجنب القريحة وان قرن بهَا الْعَيْش الْبَارِد وَيُقَال القامح الذى يرد الْحَوْض وَلَا يشرب يضْرب فى القناعة وكتمان الْفَاقَة ويروى ظمأ فادح خير من رى فاضح الفادح المثقل يُقَال فدحه الدّين أى أثقله فَمَا وهى لصروفك سقائى وَلَا هريق لحدثانك بالفلاة مائى أصل الْمثل خل سَبِيل من وهى سقاؤه وَمن هريق بالفلاة مَاؤُهُ أى اذاكره الْخَلِيل

стр. 1000

صحبتك وَلم يستقم لَك فَازَ هدفيه كزهده فِيك وهراقة المَاء مثل لخلو الْقلب عَن الْمَوَدَّة يضْرب لمن كره صحبتك وزهد فِيك وَلم أقل لشدائدك الوصام مَا وَرَاءَك يَا عِصَام مَا وَرَاءَك يَا عِصَام مثل يورى بِكَسْر الْكَاف وَخرج على مَا قَالَ الْمفضل أول من قَالَ ذَلِك الْحَارِث بن عَمْرو ملك كِنْدَة وَذَلِكَ أَنه لما بلغه جمال ابْنة عَوْف بن محلم وكمالها وَقُوَّة عقلهَا دَعَا امْرَأَة من كِنْدَة يُقَال لَهَا عِصَام ذَات عقل ولسان وأدب وَقَالَ لَهَا اذهبى حَتَّى تعلمى لى علم ابْنة عَوْف فمضت حَتَّى انْتَهَت الى أمهَا وهى أُمَامَة بنت الْحَارِث فأعلمتها مَا قدمت لَهُ فَأرْسلت الى ابْنَتهَا وَقَالَت أى بنية هَذِه خالتك أتتك لتنظر اليك فَلَا تسترى عَنْهَا شَيْئا ان أَرَادَت النّظر الى وَجه وَلَا خلق وناطقها ان استنطقتك فَدخلت اليها فَنَظَرت الى مَا لم تَرَ مثله قطّ فَخرجت من عِنْدهَا وهى تَقول ترك الخداع من كشف القناع فأرسلتها مثلا ثمَّ انْطَلَقت الى الْحَارِث فَلَمَّا رَآهَا مقبلة قَالَ مَا وَرَاءَك يَا عِصَام قَالَت صرح الْمَحْض عَن الزّبد ثمَّ ذكرت محاسنها وحملت اليه فَعظم موقعها مِنْهُ وَولدت لَهُ الْمُلُوك السَّبْعَة الَّذين ملكوا بعده الْيمن وروى أَبُو عبيد مَا وَرَاءَك على التَّذْكِير وَقَالَ يُقَال ان الْمُتَكَلّم بِهِ النَّابِغَة الذيبانى قَالَه لعصام ابْن شهير حَاجِب النُّعْمَان وَكَانَ النُّعْمَان مَرِيضا فَسَأَلَهُ النَّابِغَة عَن حَال النُّعْمَان فَقَالَ لَهُ مَا وَرَاءَك وَمَعْنَاهُ مَا خلفت من أَمر العليل أوما أمامك من حَاله ووراء من الاضداد قَالَ الميدانى قلت يجوز أَن يكون أصل الْمثل مَا ذكر ثمَّ اتّفق الاسمان فخوطب كل بِمَا اسْتحق من التَّذْكِير والتأنيث هَذَا وان صرت الحوالت وأربت بالكلاب الثعالب فانى لم يصلد قدحى وَلم أَجْهَل وسم قدحى بل لَزِمت لكل حَال مقَاما وَنَفس عِصَام سودت عصاما وان يَك قد بدر من صروفك مَا بدر فَمَا سلمت الجلة فالنيب هدر الجلة جمع جليل يعْنى الْعِظَام من الابل والنيب جمع نَاب وهى النَّاقة المسنة يعْنى اذا سلم مَا ينْتَفع بِهِ هان مَا لَا ينْتَفع بِهِ لقد زهدت فى الضنائن وَقبل الرماء تملأ الكنائن قبل الرماء تملأ الكنائن أى تُؤْخَذ الاهبة قبل وُقُوع الامر (وانى لاخفى باطنى وَهُوَ موجع ... فَينْظر منى ظاهرى وَهُوَ ضَاحِك) (وأسئل عَن حالى وبى كل فاقة ... فأوهم أَنى للعراقين مَالك) يَا طالما زممت نفسى عَن شربة بالوشل وكل شئ أَخطَأ الانف جلل وانى وان كسرت على الارعلظ وأزمعت على أَن ترمينى من نَار صروفك بشواظ وقشرت لى الْعَصَا وَركبت على أصوص صوصا قشرت لَهُ الْعَصَا يضْرب فى خلوص الود

стр. 1001

أى أظهرت لَهُ مَا كَانَ فى نفسى وَيُقَال أقشر لَهُ الْعَصَا أى كاشفه وَأظْهر لَهُ الْعَدَاوَة والثانى هُوَ المُرَاد هُنَا وَركبت على أصوص صوصا الاصوص النَّاقة الْحَائِل السمينة والصوص اللَّئِيم كراكب على جناحى نعامه وانى لأجمل أَخْلَاقًا من ذى الْعِمَامَة ركب على جناحى نعامه يضْرب لمن جد فى أمرا مَا الانهزام واما غير ذَلِك وأجمل من ذى الْعِمَامَة مثل من أَمْثَال أهل مَكَّة وَذُو الْعِمَامَة سعيد بن الْعَاصِ ابْن أُميَّة وَكَانَ فى الْجَاهِلِيَّة اذا لبس عِمَامَة لَا يلبس قرشى عِمَامَة على لَوْنهَا واذا خرج لم تبْق امْرَأَة الا خرجت لتنظر اليه من جماله وَزعم بعض أَصْحَاب الْمعَانى أَن هَذَا اللقب انما لزم سعيد بن الْعَاصِ كِنَايَة عَن السِّيَادَة قَالَ وَذَلِكَ لَان الْعَرَب تَقول فلَان معمم يُرِيدُونَ أَن كل جِنَايَة يجنيها الجانى بِتِلْكَ الْقَبِيلَة أَو الْعَشِيرَة فهى معصوبة بِرَأْسِهِ فالى مثل هَذَا الْمَعْنى ذَهَبُوا فى تسميتهم سعيدا ذَا الْعِصَابَة وَذَا الْعِمَامَة (تزيدنى شدَّة الايام طيب ثَنَا ... كاننى الْمسك بَين الفهر وَالْحجر) بيد أَنى أعتبك فى أُخْرَى وألومك على الاحرى حَيْثُ أقصيتنى من معَاذ المعتفين وعياذ المقتدين والمقتفين قَائِد كتائب سباق المعالى فى مضمار الْمجد والممدوح بِذكر محامده المحمودة فى كل غور ونجد مَالك نواصى مصَالح الْجُمْهُور ماضى حسام الامر فى مستقبلات الامور جرثومة الْفَضَائِل والمحامد أرومة قطيبة الافاضل والاماجد أفلاطون الاوان ارسطاليس الزَّمَان مربى السلطنة السّنيَّة العثمانية معلم الحضرة الْعلية السُّلْطَانِيَّة من يَقُول لِسَان الْحَال فى شانه وعلو قدر مخدومه وسلطانه (من مخبر الاقوام أَنى بعدهمْ ... لاقيت رسطاليس والاسكندرا) (وَرَأَيْت كل الفاضلين كَأَنَّمَا ... رد الاله نُفُوسهم والاعصرا) (نسقوا النانسق الْحساب مقدما ... وأتى فذالك اذ أتيت مُؤَخرا) وَكَيف لَا وَهُوَ الذى يتزين بِمثلِهِ ألقابه ويتشرف بالانتساب اليه أنسابه (من شاد سيرته المرضى منهجها ... بِالْعَدْلِ وَالْحق مَا قد شاده عمر) (وَهُوَ الْمُسَمّى بِهِ لَا زَالَ يتبعهُ ... فى فعله مَا أَضَاء الشَّمْس وَالْقَمَر) لعمرى لقد حوى كل فضل ومكرمه واذا تولى عقد شئ أحكمه مَرْكَز دَائِرَة السماحة والحماسة قطب رحى السياسة والرياسه (تودعيون النَّاس عِنْد ثنائه ... لَو انقلبت أحداقها بالمسامع)

стр. 1002

فانى لما تَوَجَّهت تِلْقَاء مَدين وجوده وجدت على مَاء كرمه وجوده أمة من النَّاس يسقون ويستقون وبعلى هممه وعميم نعمه الى مدارج معارج المعالى يرقون ويرتقون (فَمَا ألبس الله امْر أبين خلقه ... من الْمجد الا بعض مَا هُوَ لابسه) وَلما صَار أَيهَا الدَّهْر الغدار أثر الصرار دون الذئار أَصله أثر الصرار يأتى دون الذئار الصرار خيط يشد فَوق الْخلف والتودية لِئَلَّا يرضع الفصيل والذئار بعرر طب يلطخ بِهِ أطباء النَّاقة لِئَلَّا يرتضع الفصيل أَيْضا فاذا جعل الذئار على الْخلف ثمَّ شدّ عَلَيْهِ الصرار فَرُبمَا قطع الْخلف يضْرب هَذَا فى مَوضِع قَوْلهم بلغ الحزام الطبيين يعْنى تجَاوز الامر حَده وَقلت اذ نبذتنى بالعرا أسوأة عروس ترى فَمَا ساءتك لحوادثك شرواى وَلَا شغلت شعابى جدواى (تنكرت لى دهرى وَلم تدر أننى ... أعزو وأهوال الزَّمَان تهون) (فَبت ترينى الْخطب كَيفَ اعتداؤه ... وَبت أريك الصَّبْر كَيفَ يكون) وان يَك عدا قارصك فحذر وأخلف مدك فجزر القارص اللَّبن يحذى اللِّسَان والحازر الحامض جدا عدا القارص فحذر مثل يضْرب فى الامر يَتَفَاقَم ويروى بِنصب القارص أى عدا القارص أى حد القارص وَمن رفع جعل الْمَفْعُول محذوفا أى جَاوز القارص حَده فحزر فانا الذى لَا تعصب سلماته وأخبرت عَن مجهولاته مرآته لم أبع الكبة بالهبه وشتى تؤوب الحلبه شَتَّى تؤوب الحلبه كَانُوا يوردون ابلهم وهم مجتمعون فاذا صدر واتفرقوا واشتغل كل وَاحِد بحلب نَاقَته ثمَّ يؤوب الاول فالاول وشتى فى مَوضِع الْحَال أى تؤوب الحلبة مُتَفَرّقين يضْرب فى اخْتِلَاف النَّاس وتفرقهم فى الاخلاق (لله در النائبات فانها ... صدأ اللئام وصيقل الاحرار) وَلَئِن أظهر هلالى ثراؤك وهاجت زبراؤك وانكشف بلمعك اللامع واتسع الْخرق على الراقع وَقَالَ لِسَان حالك لَوْلَا الوئام لهلك الانام لَوْلَا الوئام هلك الانام الوئام الْمُوَافقَة يُقَال واءمته مواءمة ووئاما وهى أَن تفعل كَمَا يفعل أى لَوْلَا مُوَافقَة النَّاس بَعضهم بَعْضًا فى الصُّحْبَة والمعاشرة لكَانَتْ الهلكة هَذَا قَول أَبى عبيد وَغَيره من الْعلمَاء وَأما أَبُو عُبَيْدَة فانه يرْوى لَوْلَا الوئام لهلك اللئام وَقَالَ الوئام المباهاة قَالَ ان اللئام لَيْسُوا يأْتونَ الْجَمِيل من الامور على انها أَخْلَاقهم وانما يفعلونها

стр. 1003

مباهاة وتشبها بَاهل الْكَرم وَلَوْلَا ذَلِك هَلَكُوا ويروى لَوْلَا اللئام لهلك الانام من قَوْلهم لأمت بَينهمَا أصلحت من اللأم وَهُوَ الاصلاح ويروى اللوام بِمَعْنى الملاومة من اللوم صبرا على مجامر الْكِرَام قَالَ قوم رواد يسَار الكواعب مولاته عَن نَفسهَا فنهته فَلم ينْتَه فواعدته فخذل فَذكر ذَلِك لصَاحب لَهُ فَقَالَ وَيلك يَا يسَار كل من لحم الْجوَار واشرب من لبن العشار واياك وَبَنَات الاحرار فَأبى الا هَواهَا فَأَتَاهَا فَقَالَت لَهُ انى مبخرتك ببخور فان صبرت عَلَيْهِ طاوعتك ثمَّ أَتَتْهُ بمجمرة فَلَمَّا جَعلتهَا تَحْتَهُ قبضت على مذاكيره فقطعتها فَقَالَت صبرا على مجامر الْكِرَام يضْرب فى احْتِمَال الشدائد عِنْد صُحْبَة الكبراء هَيْهَات أَيكُون الوعر سهلا وَالْخمر تكنى بالطلا هى الْخمر تكنى بالطلا يضْرب للامر ظَاهره حسن وباطنه على خلاف ذَلِك اذلام المعيدى وَنَفر وَاعْتبر بأوله السّفر وحجت السحائب السُّوق وشب عمر وَعَن الطوق فالبث قَلِيلا تلْحق الحلائب انه مَعَ الخواطئ سهم صائب يضْرب للذى يخطى مرَارًا ويصيب مرّة والخواطئ الَّتِى تخطئ القرطاس وهى من خطئت أى أَخْطَأت قَالَ أَبُو الْهَيْثَم هى لُغَة ردية قَالَ وَمثل الْعَامَّة فى هَذَا رب رمية من غير رام قَالَ أَبُو عبيد يضْرب قَوْله مَعَ الخواطى للبخيل يعْطى أَحْيَانًا مَعَ بخله (وَلست بمفراح اذا الدَّهْر سرنى ... وَلَا جازع من صرفه المتقلب) انى قد شمرت ذيلا وادرعت لَيْلًا وقدمت كتابى وتوجهت بِوَجْه خطابى الى حَضْرَة مولى الموالى وقرة عين الموالى سيد صَنَادِيد الرّوم وَسَنَد السَّادة القروم أنهى الى سدته السنيه وعتبته الْعلية أَن شوقى الى تمريغ خد الْمُلَازمَة فى تُرَاب بَابه المشيد وَبسط ذراعى الْعُبُودِيَّة بوصيدة السعيد شوق الْغَرِيب الى الوطن والنازح الى السكن والمهجور الى العناق والمخمور الى الكاس الدهاق والصديان الى المَاء القراح والحيران الى تبلج الصَّباح وَلَوْلَا خشيَة الاملال بعد رِعَايَة عدم الاخلال لأرخيت عنان أدهم الْقَلَم فى ميادين الشكوى ونشرت دَفِين الالم الذى عَلَيْهِ أطوى لكنى زحمت جماحه وَكسرت جنَاحه رفقا أَن يألم مولاى واشفاقا أَن يلتاح قلبه من جراى وأمرته أَن يرد فنَاء سيدى مَسْرُورا فَرحا وان يسحب ذيله بساحاته مرحا ويسفر طلاقة وسرورا بشرا ويفتر بمبسم خريدة عذرا مُقبلا للارض بَين يَدَيْهِ قَاضِيا بعض مَا يجب من الثَّنَاء عمليه اذ لَيْسَ

стр. 1004

بممكن أَدَاء الثَّنَاء بِوَجْهِهِ وَلَا الْبلُوغ الى غَايَته وكنهه (هَيْهَات أَن تصل العناكب بالذى ... نسجت أناملها ذرى الافلاك) ذَلِك أعز من بيض الانوق وَأبْعد من العيوق والابلق العقوق وَلَكِن كفى الْمَتْن الْمُفَسّر وَمَا يَوْم حليمة بسر ثمَّ أَمرته أَن يُنَادى فى شرِيف حَضرته بَين قطيبته وأسرته (يَا من يعز على الاعزة جَاره ... ويذل من سطواته الْجَبَّار) (لله قَلْبك لَا يخَاف من الردى ... وَتخَاف أَن يدنو اليك الْعَار) أشكوك اذ قلب لى دهرى ظهر الْمِجَن وَأَرْدَفَ على الخطوب والمحن وتركى فى أقفر من ابرق الْفِرَاق وَأهْلك من ترهات البسابس والجراق يُقَال أقفر من بَريَّة الْفِرَاق وَمن بَريَّة خساق وَأهْلك من ترهات البسابس قَالَ ابو عُبَيْدَة انه مثل من أَمْثَال بنى تَمِيم وَذَلِكَ ان لغتهم أَن يَقُولُوا هَلَكت الشئ بِمَعْنى أهلكته وَقَالَ الاصمعى ان الترهات الطّرق الصغار المتشعبة من الطَّرِيق الاعظم والبسابس جمع بسبس وَهُوَ الصَّحرَاء الواسعة الَّتِى لَا شئ فِيهَا فَيُقَال لَهَا بسبس وَسبب بِمَعْنى وَاحِد هَذَا أصل الْكَلِمَة ثمَّ يُقَال لمن جَاءَ بِكَلَام محَال أَخذ فى ترهات البسابس وَجَاء بالترهات وَمعنى الْمثل انه أَخذ فى غير الْقَصْد وسلك فى الطَّرِيق الذى لَا ينْتَفع بِهِ كَقَوْلِهِم ركب فلَان بنيات الطَّرِيق وَأخذ يتعلل بالاباطيل وَقَوله والجراق لم أره فى الامثال ولظاهر انه أَرَادَ الجراق بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد وَهُوَ السَّيْل الذى يذهب بِكُل شئ وَكَانَ لى أخلف من خفى حنين وأشح من ذَات النحيين وسلكنى فى طَرِيق يحن فِيهِ الْعود ومهمه يظمأ فِيهِ الذود وأعطانى اللفا عَن الوفا وجر عَنى حَيْثُ لَا يضع الراقى انفا رضى من الوفا باللفا الْوَفَاء التوفية يُقَال وفيته حَقه تَوْفِيَة ووفاء واللفا الشئ الحقير يُقَال لفه حَقه اذ ابخسه فاللفا وَالْوَفَاء مصدران يقومان مقَام التوفيه واللفية يضْرب لمن رضى بالتافه الذى لَا قدر لَهُ دون التَّام الوافر وجدد لى فى كل آن متربه وأرانى فى كل وَاد أثرا من ثَعْلَبه بِكُل وَاد أثر من ثَعْلَبه هَذَا من قَول ثعلبى رأى من قومه مَا يسوءه فانتقل الى غَيرهم فَرَأى أَيْضا مِنْهُم مثل ذَلِك يضْرب لمن يرى مَالا يُرِيد أَيْن توجه وَمثله بِكُل وَاد بَنو سعد فنفرت الذود عَن الاعطان والتقت حلقتا لبطان وَلَا يدعى للجلى الا أَخُوهَا وللعظيمة الا أَبوهَا وَقد حسداني فكرى الى ساحتك الْكَرِيمَة حدوا وأعلقت بدلوى دلواً وَقلت لنفسى أصبح ليلك ووفى كيلك لقد بلغت العلى

стр. 1005

وأصبت قرن الكلا وَركبت على أتمك من سَنَام وألقيت مرامى مرامك بذى رمرام الرمرام حشيش الرّبيع وَالشَّاة ترم الْحَشِيش بمرمتها فيأيها الْمولى الذى عز جَاره وَلَا تصطلى ناره اليك قد أفضيت بشقورى وأخبرتك بعجرى وبجورى الشقور بِفَتْح الشين وَضمّهَا فعلى الاول هُوَ فى مَذْهَب النَّعْت والشقور الامور المهمة الْوَاحِدَة شقرة وَيُقَال أَيْضا شقور وفقور وَاحِد الفقور فقر وَقَالَ ثَعْلَب يُقَال لامور النَّاس شقور وفقور وهماهم النَّفس وحوائجها يضْرب لمن يفضى اليه بِمَا يكتم عَن غَيره من السِّرّ فانك ابْن بجدة المكارم وعذيقها المرجب ومرمى نجدة الاكارم وبازها الاشهب (يَا من ألوذ بِهِ فِيمَا أؤمله ... وَمن أعوذ بِهِ فِيمَا أحاذره) (لَا يجْبر النَّاس عظما أَنْت كاسره ... وَلَا يهيضون عظما أَنْت جابره) (وَمن توهمت أَن الْبَحْر رَاحَته ... جوداً وَأَن عطاياه جواهره) اللَّهُمَّ جدا لَا كدا سمعا لَا بلغا فانى لم ازل فى خلال هَذِه الضراعه لابسا جميل حلل القناعه مرتديا بِبُرْدَةٍ الصَّبْر الْجَمِيل سالكا فى سلوك آدابى سَوَاء السَّبِيل (مدامى مدادى والكؤس محابرى ... وندماى أقلامى وفاكهتى شعرى) (ومستمعى وَرْقَاء ضنت بحسنها ... فأسدلت الاستار من ورق خضر) الى ان آنست من جَانب طورك نَار الْقرى وَعلمت أَن الصَّيْد فى جَوف الفرا فخلعت عِنْد ذَلِك نعلى عزيمتى وحققت فى المأمول مِنْك صريمتى وأرعيت سمعى لمنادى جودك من جَانب طور وجودك مَتى يُقَال لى أفرخ روعك واخضل فرعك وبرأ جرحك وَزَالَ برحك (قصدى والراجون قصدى اليهم ... كثير وَلَكِن لَيْسَ كالذنب الانف) (وَلَا الْفضة الْبَيْضَاء والتبر وَاحِدًا ... نفوعان للمكدى وَبَينهمَا صرف) حاشا سيدى أَن يخلف مخيلة عَبده أَو يصده بِعُذْر عَن مأموله وقصده فَأَكُون لَا مائى أبقيت وَلَا درنى انقيت فان الاسعاف شرف والمعذرة طرف (حاشا سجيتك الْكَرِيمَة أَن تحد ... عَن مَنْهَج الاسعاف والاسعاد) ودونك مَا سردته من أَمْثَال الْعَرَب السائرة الساريه وأوردته عِنْد اجالتى فى تيارها جوارى فكرى الجاريه فَخذهَا وَلَو بقرطى ماريه وان كنت فى ارْتِكَاب هَذِه

стр. 1006

الخطه وطى هَذِه الشقة المشطه كمستبضع الثَّمر الى هجر والفصاحة لاهل الْوَبر لكنى أردْت ازالة وهم المتوهم من كل منجد ومتهم أَن مكابدة هَذِه الشدائد الَّتِى لَا يُنَادى لَهَا ولائد لم تمنعنى من الِاجْتِهَاد والطلب للعلوم النافعة والادب فان الْمَوْت الفادح خير من الْمَعْنى الفاضح وأخصر عطب عدم الادب والا فَأَنا وكل يعلم أَن الفصيح لَدَى سيدى أبكم وَمَعَ ذَلِك فجل الْقَصْد وَغَايَة المبذول من الْجهد التَّوَصُّل بالانتساب الى رفيع أعتابك والانتماء الى منيع جنابك الى البراعة فى سَائِر الْعُلُوم من كل مَنْطُوق وَمَفْهُوم وحراسات الاوقات بادراك متوسط الاقوات وَقد نثرت فى وصف محامك الحميدة درها وَمن ينْكح الْحَسْنَاء يُعْط مهرهَا هَذَا جناى وخياره فِيهِ وكل جَان يَده الى فِيهِ والمرجو والمسؤل التلقى بِالْقبُولِ والاسعاف بنيل المأمول فان مَوْلَانَا أكْرم النَّاس شنشنه واولى من ستر سَيِّئَة وَنشر حسنه لَا أصابتك عين الْكَمَال وَلَا سلب الدَّهْر بفقدك ثوب الْجمال وَلَا بَرحت كعبة للجود وعصرة للمنجود ونوراً يلوح فى أَبنَاء الْوُجُود مَا حدى بالضمر الْقود الى شَفِيع الْيَوْم الْمَشْهُود شعر (فيأيها الْمَنْصُور بالجد سَعْيه ... ويأيها الْمَنْصُور بالسعى جده) (لَئِن نلْت مَا أملت مِنْك لربما ... شربت بِمَاء يعجز الطير ورده) (فَكُن فى اصطناعى محسنا كمجرب ... يبن لَك تقريب الْجِيَاد وشده) (اذا كنت فى شكّ من السَّيْف قابله ... فاماتنفيه واما تعده) (وَمَا الصارم الْهِنْدِيّ الا كَغَيْرِهِ ... اذا لم يُفَارِقهُ النجاد وغمده) (وانك للمشكور فى كل حَالَة ... وَلَو لم تكن الا البشاشة رفده) (وكل نوال كَانَ أَو هُوَ كَائِن ... فلحظة طرف فاح عندى نده) (وَمَا رغبتى فى عجد أستفيده ... ولكنما فى مفخر أستجده) (يجود بِهِ من يفضح الْجُود جوده ... وَيَحْمَدهُ من يفضح الْحَمد حَمده) (فانك مَا مر النحوس بكوكب ... وقابلته الا ووجهك سعده) هَذَا مَا رَآهُ قريح القريحة الكابى جوادها وأوراه قدح قدح لافكار الخابى زنادها (فقد يكبو الْجواد لغيرداء ... وَقد يخبوا الزِّنَاد وَفِيه نَار) وَلما عرضته على ذَلِك الجناب الرفيع الرحيب رحاب الْجد وأحللته تِلْكَ الابواب الموقفة على الاعتاب بالجد لحظه من الرضى بعيون ترى النُّجُوم ظهرا وقابله بِقبُول

стр. 1007

يخلق لقلائد الْمَدْح من المكارم صَدرا وان كنت فى ذَلِك كمهدى نور نور البراعة لذكاء روض الذكا وجالب برودوشى الصَّنَائِع بَين يدى صنائع بلاغته صنعا فكالنجم يهتدى بِهِ وان غطت على نوره الشَّمْس وكالسحاب يستمطر الْيَوْم وان أمدته الْبحار أمس وَعلمت أَن حَصْبَاء ثرى الجدبها أثرى من درارى السَّمَاء سنا وأسنى من دُرَر الْبحار بهَا وَكَاد سقى الله ثراه ورقى الى أَعلَى العليين ذرى مثواه ان ينتاشنى بيد الاسعاف من بَين أَنْيَاب أَسد النوائب وَيكْتب على صَحَائِف الزَّمَان بنصرى كتب كتائب المصائب ثمَّ لم ألبث الا وَقد انفجر فجر لَيْلَة الْوَصْل عَن ينابيع النَّوَى وحالت غيوم سوء الْحَظ بَين طرف المنى وشمس الضُّحَى فظل سَائِر تِلْكَ الآمال فى هجير الاغفال لَا يجد ظلا وَروض هاتيك المواعيد لَا يرى من الانجاز وابلا وَلَا طلا وَصَارَ نسيا منسيا كَأَنَّهُ لم يكن شيا (ويممته بحرا وَقد حَال دونه ... عواصف سوء الْحَظ لَا بخل الْبَحْر) فَبينا أَنا فى لَيْلَة طَال جنح سهادها وعبثت أيدى أَطْفَال الافكار بكاس رقادها أقلب فى أسفاط الْخُمُور أسفار الاداب النكاسده وألحظ سَائل سلسال المعارف بعيون الافهام الجامدة اذ عثر ذيل نظرى بخدر خود فكرى فَرَأَيْت هَذِه الاوراق مخبوءة فى زَوَايَا خمولها مرتقبة فى ليل آمالها طُلُوع صبح بُلُوغ مأمولها فمت اذ ذَاك وتهللت فَرحا وَقلت الوحا الوحا فقد جَاءَ الابان وآن الاوان وَأَقْبل سعد الاوان وَقَامَت سوق الْعرْفَان وطلعت الشَّمْس ان غَابَ بدر وخلفت الْبحار ان أخلف قطر فَمَا دولة سيدى خَامِس العبادلة سلمه الله تَعَالَى الا موسم الاحرار وَربح متاجر مدائح الاخبار فَالْوَلَد سر أَبِيه وَفرع ذَلِك الاصل النبيه (بِأَبِيهِ اقْتدى عدى فى الْكَرم ... وَمن يشابه أبه فَمَا ظلم) وَعلمت انه أحرز رقى بالولا لما ورث عَن أَبِيه الْعلَا وانه بذلك أَحْرَى وجواد جوده أجْرى وانى وان عرضتها على جناب حَضرته وتعرضت بهَا لنفحات أريحيته قد أَعْطَيْت الْقوس باريها ووافيت حومة السَّبق بمجليها وان مواطر تِلْكَ لرعود تنْبت الْآن زهر الظفر وأزهار سرورها يجنى غبها من الانجاز الثَّمر (خلائق دلتنا على طيب أَصْلهَا ... وَمن طيب أصل الْمَرْء طيب فعاله) كشجرة طيبَة أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السَّمَاء تُؤْتى اكلها كل حِين باذن رَبهَا فها أَنا قد مثلتها بَين يَدَيْهِ لتقبيل ذيوله واكف دعائها مبسوطة تِلْقَاء مَدين سَمَاء

стр. 1008

قبُوله فَالله يبقيه مَا لمع بارق وانجز وعد صَادِق وَهَذَا آخرهَا والانصاف انها من امتن الانشاء وأجوده وَله اخرى لَا تقصر عَنْهَا أوردتها فى كتابى النفحة واشعاره ومنشآته بِالْعَرَبِيَّةِ والتركية كَثِيرَة وَكلهَا جَيِّدَة مرغوبة وَكَانَ لما سَافر الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل الى سعر ايوار جعله قَاضِيا ينظر الاحكام فى العساكر فَتوجه مَعَه وَأعْطى قَضَاء سيروز على وَجه التَّأْبِيد ثمَّ بعد فتح ايوار وَجه اليه قَضَاء الشَّام فَدَخلَهَا نَهَار الثُّلَاثَاء ثانى عشر جُمَادَى الاولى سنة خمس وَسبعين وَألف وَقيل فى تَارِيخ تَوليته أَزَال الله وحشتنا بأنسى وَكَانَ قدومه عِنْد أهل الادب موسما عَظِيما وتباشر الْفُضَلَاء بذلك وسروا وَشرع الشُّعَرَاء يردون عَلَيْهِ بالمدائح الْعَظِيمَة وَمِمَّنْ مدحه الامير المنجكى بقصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِى مطْلعهَا (غَرِيب وانى فى الْعَشِيرَة من أهلى ... أرى الخصب مَمْنُوع الجوانب من مَحل) ثمَّ فى ثَالِث يَوْم من وُصُوله مرض وَاسْتمرّ مَرِيضا سِتَّة أَيَّام ثمَّ توفى عصر نَهَار الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَصلى عَلَيْهِ ثانى يَوْم من وَفَاته فى الْجَامِع الاموى فى مشْهد حافل وَدفن فى الحديقة قبالة جَامع السنانية وَكثر الاسف عَلَيْهِ عبد الله بن أَبى بكر صَائِم الدَّهْر الْيُمْنَى السَّيِّد الولى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى كَانَ على قدم كَامِل من الْعِبَادَة وَالصِّيَام وَالْقِيَام وسلامة الصَّدْر ولين الْجَانِب توفى فى شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَدفن بتربة أَبِيه بالمرتفع من أَعمال بَيت الْفَقِيه ابْن حشيبر وَكَانَت وَفَاة أَبِيه سنة ألف ووفاة أَخِيه الولى الشهير أَبى الْقَاسِم بن أَبى بكر سنة سبع عشرَة وَألف وَكَانَ ذَا صِيَام وَقيام وَعلم وَعمل وأخلاق رضية وتصرفات فى الْولَايَة ظَاهِرَة بِالْجُمْلَةِ فشهرتهم كلهم تغنى عَن التَّصْرِيح بحالهم عبد الله بن أَبى الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن أَحْمد بن أَبى الْقَاسِم بن يحيى ابْن ابراهيم بن مُحَمَّد بن عمر بن على بن أَبى بكر بن على الاهدل كَانَ سيدا كَامِل الْمعرفَة بالعلوم من الْفِقْه والْحَدِيث وَالتَّفْسِير والنحو والمنطق وَله الحكم العجيبة فتحا من الله تَعَالَى والقدم الراسخ فى الْعِبَادَة ذكره السَّيِّد أَبُو بكر بن أَبى الْقَاسِم فى نفحة المندل فَقَالَ فَقِيه أديب فطن لَبِيب حسن المحاضرة جيد المذاكرة وَله همة علية فى تَحْصِيل فنون الْعلم وخطه فى نِهَايَة الْحسن وَكَذَا تجليده الْكتب وَيحسن غير ذَلِك من الصناعات كالصياغة لجودة فهمه وحدة ذكائه وَله نقد صائب فى الشّعْر بِحَيْثُ يعرف جيده من رديه وشعره جيد وَكَانَ مَسْكَنه المنيرة وَكَانَت

стр. 1009

وَفَاته فى عشر الاربعين وَألف عبد الله بن أَحْمد بن حُسَيْن بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس ذكره الشلى وَقَالَ فى وَصفه صَاحب الكرامات الظَّاهِرَة والكشف الجلى لَهُ قدس اللاهوت وعالم الملكوت صحب جمَاعَة من أَعْيَان الصُّوفِيَّة مِنْهُم وَالِده أَحْمد وَالشَّيْخ أَحْمد بن علوى باجحدب والفقيه على بن أَحْمد السياح ابْن عبد الله الصافى بافرج وَغَيرهم وسافر الى مَكَّة المشرفة مصاحبا لاخيه مُحَمَّد فحجا حجَّة الاسلام وَسبب سفرهما محنة لحقتهما وَكَانَت سَببا لِلْحَجِّ وسئلوا الاقامة بِالْيمن فَلم يجيبوا وَلما عَاد الى تريم ظَهرت عَنهُ عجائب وغرائب وانتفع بِهِ النَّاس وَصَحبه خلق كثير وَكَانَ من أخص النَّاس بِصُحْبَتِهِ أَحْمد بن أَخِيه مُحَمَّد وَكَانَت ترد عَلَيْهِ أَحْوَال عَظِيمَة تخرجه عَن شعوره فَيَصِيح بِأَعْلَى صَوته وَرُبمَا حصل لَهُ شطح وَيَأْمُر بِالسَّمَاعِ بِضَرْب الدفوف ويدور بِأَهْل السماع فى الازقة بِاللَّيْلِ الى الْفجْر وَكَانَ ذَا كَاف بِالنسَاء فَتزَوج عدَّة زَوْجَات وَتوسع فى افخاذهن وخلط فى جنوسهن فَانْتهى فى ذَلِك الى أمد لم يبلغهُ أحد من نظرائه وَولد لَهُ أَوْلَاد كَثِيرُونَ وَأما الذى صَحَّ عَنهُ من الكرامات وَصِحَّة الفراسات واستجابة الدَّعْوَات فَأمر مَشْهُور متداول بَين النَّاس وَله مكاشفات كفلق الصُّبْح من جُمْلَتهَا انه مَا جَاءَهُ طَالب الا رَجَعَ بمطلوبه وَمَا ضَاعَ لَاحَدَّ شئ وأتى اليه الا طفر بِهِ وَمَا اضمر أحد شَيْئا الا أخبرهُ بضميره وَمَا اسْتَغَاثَ بِهِ أحد من أهل الْمشرق وَالْمغْرب الا أغاثه الله ببركاته وَبشر غير وَاحِد بِالْجنَّةِ فَكف بصرهم وَتَابَ جمَاعَة من الْفُسَّاق بدعائه لَهُم وَله فى ذَلِك حكايات يطول شرحها بل مَا من أحد من أهل الْعَصْر من أهل تِلْكَ الْجِهَة الا ويحفظ لَهُ عدَّة حكايات وترجمه تِلْمِيذه الشَّيْخ شيخ ابْن عبد الله العيدروس فى السلسلة قَالَ وَكَانَ فَرد أهل زَمَانه مِمَّن وهبه الله الِاطِّلَاع على أسرار الاولياء وَله لقدم الراسخ فى منازلات العارفين وَكَانَ ذاهيبة وسطوة قل أَن يرقد من اللَّيْل الا الْقَلِيل وَكَانَ يحب السماع وَرُبمَا أَخذ الدُّف وضربه بِيَدِهِ وَله قبُول عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَكَانَت وَفَاته نَهَار الاربعاء لثمان خلون من الْمحرم سنة خمس وَعشْرين وَألف عبد الله بن أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس الامام الْكَبِير أحد كبراء الْعلمَاء باقليم حَضرمَوْت وَكَانَ شَاعِرًا ناثرا ظريفا لَهُ لطف طبع قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم فى سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وتربى فى حجر

стр. 1010

الْولَايَة وَحفظ الْقُرْآن والارشاد والملحة وَطلب من صباه واعتنى اعتناء لم يشاكاه فِيهِ مثله وَأخذ أَولا عَن وَالِده وَلبس مِنْهُ الْخِرْقَة ولازمه الى أَن مَاتَ وتفقه على الْفَقِيه فضل بن عبد الله بن فضل بن سَالم والقاضى أَحْمد بن خبل وَأخذ عَن شيخ الزَّمَان أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن علم الحَدِيث وَالتَّفْسِير والعربية والمعانى وَالْبَيَان وَأَلْقَتْ اليه أقرانه مقاليد التَّسْلِيم وَأخذ علم الطَّرِيقَة والتصوف عَن الجلة مِنْهُم الشَّيْخ زين العابدين وَكَانَ يُحِبهُ ويثنى عَلَيْهِ وزوجه بابنته وَمن مشايخه شهَاب الدّين القاضى أَحْمد بن حُسَيْن وَشَيخ السَّادة الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف وارتحل لزيارة الْحَد الاعلى أَحْمد بن عِيسَى وَأخذ عَن السَّيِّد الْكَبِير أَحْمد بن مُحَمَّد الحبشى ومشايخه كثير وانتفع بِهِ خلق قَالَ الشلى وصحبته زَمَانا طَويلا واستفدت مِنْهُ وَكَانَ بَينه وَبَين الْوَالِد مَوَدَّة شَدِيدَة وَكَانَ هُوَ وَشَيخنَا عمر بن حُسَيْن رَفِيقَيْنِ فى الطّلب وَكَانَا فرسى رهان الا أَن صَاحب التَّرْجَمَة يفوق فى الْحِفْظ والاتقان وَكَانَ يخرج بِأَصْحَابِهِ النجباء الى مَحَله الشهير بالشبير بِضَم الشين مُصَغرًا ويجرى فِيمَا بَينهم مفاكهات وَكَانَ مِمَّن جمع لَهُ الْحِفْظ والفهم وَكَانَ حسن الشّعْر والنثر اماما فى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة عَالما بِالْعَرَبِيَّةِ وفنون الادب وَكَانَ من أعرف النَّاس بِعلم الانساب والحساب والفرائض حَافِظًا للسير والامثال يستشهد بهَا فى محاضراته وَكَانَ يتبع أَحْوَال كل اقليم وَيسْأل عَن مَرَاتِبهمْ وأحوالهم كثير الفحص عَن فضائلهم وَله اعتناء بمطالعة الْكتب وابراز خفياتها وَهُوَ مَعَ ذَلِك سالك طَرِيق الْقَوْم متمسك بِالسَّبَبِ الاقوى من الزّهْد وَالْعِبَادَة وشاع ذكره وقصدته النَّاس وَاتفقَ أهل عصره على انه لم يغْضب على مَخْلُوق وَلم يتَكَلَّم على اُحْدُ بِمَا يكره وانه مَا سُئِلَ شَيْئا فَقَالَ لَا وَبِالْجُمْلَةِ فقد شهد لَهُ أهل زَمَانه بِأَنَّهُ لم ير مثله وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف وعمره احدى وَخَمْسُونَ سنه الشريف عبد الله بن الْحسن بن أَبى نمى صَاحب مَكَّة كَانَ سيداً جَلِيلًا عَظِيما صَالحا ولى مَكَّة بعد ابْن أَخِيه الشريف مَسْعُود وَهُوَ اكبر آل أَبى نمى بالِاتِّفَاقِ من الاشراف وأمراء السُّلْطَان وَكَانَ قد تخلف عَن الْجِنَازَة لذَلِك بعد ان امْتنع من الْقبُول فألزموه بذلك حَقنا لدماء الْعَالم وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى رضى وَحصل بولايته الامن والامان وَكَانَ الِاجْتِمَاع لذَلِك فى السَّبِيل الْمَنْسُوب لمُحَمد بن مزهر كَاتب السِّرّ الْكَائِن فى جِهَة الصَّفَا الْمَعْرُوف علوه فى زَمَاننَا بسكن الشَّيْخ على الايوبى وَاسْتمرّ

стр. 1011

الى أَن حج بِالنَّاسِ سنة أَرْبَعِينَ وَألف ثمَّ فى الْمحرم سنة احدى وَأَرْبَعين خلع نَفسه من الْولَايَة وَولى وَلَده مُحَمَّد وأشرك مَعَه زيد بن محسن كَمَا أسلفنا وَتوجه الى عبَادَة ربه الى أَن توفى لَيْلَة الْجُمُعَة عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَكَانَت مُدَّة ولَايَته تِسْعَة اشهر وَثَلَاثَة أَيَّام عبد الله بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن على بن أَحْمد بن عبد الله بن مُحَمَّد الشهير بمولى عيديد يعرف كسلفه ببافقيه صَاحب مَدِينَة كنور أحد عُلَمَاء الاسلام الْكِبَار ذكره الشلى وَقَالَ ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن على الْفَقِيه الْمعلم مُحَمَّد با عائشه وَحفظ الجزرية وَقرأَهَا عَلَيْهِ وَحفظ بعد الارشاد والملحة والقطر وعرضها على مشايخه وتفقه بوالده حُسَيْن وأخد عدَّة عُلُوم عَن الشَّيْخ أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين مِنْهَا الحَدِيث والعربية واكثر الْعُلُوم الادبية وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن علوى بافقيه وَمن مشايخه عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس والقاضى أَحْمد بن حُسَيْن والقاضى أَحْمد بن عمر عيديد وَالشَّيْخ أَحْمد بن عمر البيتى والشلى الْكَبِير وَأخذ التصوف عَن أَكثر مشايخه الْمَذْكُورين وَلبس الحرقة من غير وَاحِد وجد فى الطّلب واعتنى بعلوم الادب حَتَّى شهر أمره وَبعد صيته ثمَّ دخل الْهِنْد وَاجْتمعَ فى رحلته هَذِه بِكَثِير من أَرْبَاب الْفضل وَالْحَال ثمَّ قصد مَدِينَة كنور وَأخذ بهَا عَن السَّيِّد الْكَبِير ابْن مُحَمَّد بن عمر بافقيه وَغَيره وَحصل لَهُ قبُول تَامّ عِنْد صَاحبهَا الْوَزير عبد لوهاب وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة اذ ذَاك شَابًّا فَرغب فى صهارته وزوجه بابنته وَأَعْطَاهُ دست الوزارة فنصب نَفسه للتدريس والاقراء ونفع الْعَالمين فشاع ذكره شرقا وغربا وَكَانَ لَا يُقَاوم فى المناظرة وَألف تآليف عديدة مِنْهَا شرح الاجرومية وَشرح الملحة ومختصرها وَشرح مُخْتَصره وَله رسائل بديعة وَكَانَ فى صناعَة النّظم والنثر حَاز قصب السباق وَله قصائد غَرِيبَة قَالَ الشلى وَرَأَيْت لَهُ رسائل وَأَنا صَغِير أَتَى فِيهَا بِمَا لم يسْبق الى مثله كَانَ أرسلها الى سيدى الْوَالِد وَلم يتَّفق لى الى الْآن الْوُقُوف على شئ من مؤلفاته وَلَا قصائده وَلم يقدر لى الله الِاجْتِمَاع بِهِ فى رحلتى الى الْهِنْد وَكَانَ من علو همته لَا يسمع بشئ الا أحب أَن يقف على أَصله ومادته ويتطلب أربابه من سَائِر الْآفَاق حَتَّى أحكم على الرمل والهيئة والاسماء والاوفاق واجتهد فى علم الكيميا غَايَة الِاجْتِهَاد وَيُقَال انه ناله وَكَانَ مَعَ ذَلِك كُله ذَا قدم راسخة فى الصّلاح وَالتَّقوى وَالدّين مُقبلا على الطَّاعَة وَله خلق

стр. 1012

حسن وعذوبة كَلَام ولين جَانب لَا يزَال مَسْرُورا وَكَانَ آيَة فى الْكَرم كثير الاحسان وَكَانَ ينْفق نَفَقَة السُّلْطَان ويسكن الْعَظِيم من الدّور ويركب الْخَيل الْجِيَاد وَهُوَ قَائِم بنفع الْعباد عاكف على طلبة الْعلم وَلم تطل لياليه حَتَّى مَاتَ وَهُوَ فى الوزارة عبد الله بن الْحُسَيْن اليزدى صَاحب التحقيقات عَلامَة زَمَانه بِغَيْر دفاع وخاتمة محققى الْعَجم من غير نزاع لم يدانه أحد فى عصره مِنْهُم فى جلالة الْقدر وعلو الْمنزلَة وَكَثْرَة الْوَرع وَكَانَ منهمكا على المطالعة والاشتغال بِالْعلمِ ومنحه لمستحقيه وَكَانَ مبارك التدريس مَا اشْتغل عَلَيْهِ أحد الا انْتفع بِهِ وَكَانَ عَظِيم الْهَيْئَة نير الصُّورَة شَدِيد الْخَوْف والخشية ذَا سكينَة وانصاف فى الْبَحْث وَأخذ عَنهُ خلق لَا يُحصونَ مِنْهُم بهاء الدّين مُحَمَّد بن الْحُسَيْن العاملى والميزرا ابراهيم الهمدانى وَولده حسن على وَله مؤلفات مفيدة سهلة الْعبارَة مَعَ الوجازة مِنْهَا شرح الْقَوَاعِد فى الْفِقْه وَشرح العجالة وحاشية على الشَّرْح الْمُخْتَصر على التَّلْخِيص للسعد وحاشية على حَاشِيَة الْعَلامَة الخطائى على الشَّرْح الْمَذْكُور وَشرح على تَهْذِيب الْمنطق للسعد وَكلهَا مرغوبة ممتعة قد رزقه الله تَعَالَى فِيهَا الْقبُول وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس عشرَة بعد الالف بِمَدِينَة أَصْبَهَان عبد الله بن زين بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن زين بن مُحَمَّد مولى عيديد الْفَقِيه الاجل الامام النظار قَالَ الشلى ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ طلب الْعلم وَحفظ الجزرية والعقيدة الغزالية والاربعين النواوية والملحة والقطر والارشاد وَعرض محفوظاته على الْعلمَاء الاجلاء وتفقه على القاضى أَحْمد بن حُسَيْن ولازمه الى أَن تخرج بِهِ وبرع وَجمع من الْفَوَائِد شَيْئا كثيرا وَأخذ عدَّة عُلُوم مِنْهَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير والعربية عَن الشَّيْخ أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن وَأخذ عَن أَخِيه مُحَمَّد الهادى التصوف والْحَدِيث وَمن مشايخه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد العيدروس وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن ابْن علوى بافقيه وَغَيرهم وَكَانَ فى الْحِفْظ مُنْقَطع القرين لَا تغيب عَن حفظه شاردة وَكَانَ أجمع أقرانه للفقه وأبرعهم فِيهِ وَأذن لَهُ غير وَاحِد من مشايخه بالافتاء والتدريس فدرس وَأفْتى وانتفع بِهِ جمَاعَة قَالَ الشلى وَحَضَرت دروسه وقرأت عَلَيْهِ بعض الارشاد وَحَضَرت بِقِرَاءَة غيرى فتح الْجواد وَكَانَ آيَة فى الْفُرُوع والاصول محققا وَمَا شهِدت الطّلبَة أسْرع من نَقله وَكَانَ علمه أوسع من عقله وَلما حفظ الارشاد جَمِيعه حصل لَهُ خلل فى سَمعه واشتهر عِنْد الْعَوام أَن من حفظ

стр. 1013

الارشاد كُله ابتلى بعلة وَلذَا كَانَ كثير مِمَّن حفظه يتْرك بعضه وَمن حسن المناظرة قَالَ وَوَقع بَينه وَبَين شَيخنَا القاضى عبد الله بن أَبى بكر الْخَطِيب مناظرات فى مسَائِل مشكلات وَرُبمَا تناظرا أَكثر اللَّيْل وَكَانَ صَاحب حد فِي الدّين وَكَانَ ذَا هدى ورشاد وَصَلَاح معرضًا عَن الرين حسن الصيت نير الْوَجْه والسريرة بَصِير الْقلب وَالْبَصَر متقللا من الدُّنْيَا وارتحل من بَلْدَة تريم وَدخل الْهِنْد وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل عمر بن عبد الله باشيبان عُلُوم الصُّوفِيَّة والادب وَأخذ السَّيِّد عمر عَنهُ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَطلب مِنْهُ السَّيِّد عمر أَن يُقيم عِنْده وَالْتزم لَهُ بِمَا يَحْتَاجهُ فَقَالَ حَتَّى اجْتمع بِمن فى الْهِنْد من الْمُحَقِّقين فقصد مَدِينَة بيجافور وَاجْتمعَ فِيهَا بالشيخ أَبى بكر بن حُسَيْن بافقيه أخى شَيْخه القاضى بافقيه وَأخذ عَن هذَيْن عُلُوم التصوف والحقيقة وَجلسَ يدرس أَيَّامًا ثمَّ مَاتَ بِمَدِينَة بيجافور وَدفن عِنْد قُبُور بنى عَمه من السَّادة رضوَان الله عَلَيْهِم عبد الله بن سَالم بن مُحَمَّد بن سهل بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوى بن مُحَمَّد مولى الدويله اشْتهر جده عبد الرَّحْمَن بِصَاحِب خيله الشَّيْخ الصوفى الْكَبِير أحد أَرْكَان حضر موت ذكره الشلى وَقَالَ فى حَقه ولد بتريم وَأخذ عَن الائمة الْكِبَار وَصَحب الْعلمَاء العارفين وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عقيل وطب وَالشَّيْخ عبد الله بن شيخ والقاضى عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَالسَّيِّد سَالم بن أَبى بكر الْكَاف وَغَيرهم ولازم الاخير مُلَازمَة تَامَّة وبرع فى التصوف والحقائق وَلبس الْخِرْقَة من جمَاعَة من مشايخه واعتنى بِعلم الحَدِيث وسلك منهاج الصَّالِحين من السّلف من الزّهْد وَالتَّقوى والتقشف مَعَ الْوَرع الزَّائِد ورحل الى الْيمن وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وجاور بِمَكَّة سِنِين وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من العارفين مِنْهُم الشَّيْخ الْكَبِير ابراهيم الْبَنَّا تلميذ الْعَارِف بِاللَّه عبد الله بن مُحَمَّد بافقيه وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالسَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ سعيد بابفى وَغَيرهم ثمَّ عَاد الى تريم وَلما قدمهَا قَالَ الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس قدم تريم صَاحبهَا وَأقَام بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توجه إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأقَام بهما سبع سِنِين وَصَحب جمَاعَة من العارفين وَأخذ عَن غير وَاحِد من المستوطنين والواردين مِنْهُم الشَّيْخ الْكَبِير الْعلم الشهير تَاج العارفين سيدى مُحَمَّد بن مُحَمَّد البكرى وَحضر درس الشَّيْخ الامام الشَّمْس مُحَمَّد الرملى وَلما دخل على تَاج العارفين قَرَأَ لَهُ قَوْله تَعَالَى (أَفَمَن وعدناه

стр. 1014

وَعدا حسنا فَهُوَ لاقيه﴾ وَهَذِه عَادَته رضى الله عَنهُ يقْرَأ لمن دخل عَلَيْهِ من العارفين آيَة مُنَاسبَة لحاله ومقامه وتجرد صَاحب التَّرْجَمَة للْقِيَام بوظائف الْعِبَادَة والامعان فى الرياضات وَلما رَجَعَ الى تريم نصب نَفسه للارشاد وَحصل بِهِ نفع عَام وَتخرج بِهِ خلق كثير مِنْهُم وَلَده سَالم وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن امام السقاف وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الله الْغُصْن وَكَانَ هُوَ وَالسَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد بن مُحَمَّد الحبشى رَفِيقَيْنِ فى الطّلب من الصغر لَا يفترقان وَمن أَوْصَاف صَاحب التَّرْجَمَة انه كَانَ حابسا نَفسه عَن أَرْبَاب الدُّنْيَا لَا يقبل مِنْهُم هَدِيَّة بل كَانَ غَنِيا بِمَا رزقه الله تَعَالَى وَكَانَ قوته كفافا وَلما قَالَ لَهُ بعض أهل الدُّنْيَا أُرِيد أشترى لَك نخلا ينْتَفع بِهِ أولادك وَلَا يكونُونَ كلا بعْدك فَقَالَ قد تكفل برزق الاولاد خَالق الْعباد وَله كرامات يظهرها عِنْد الْحَاجة مِنْهَا أَن بعض بَنَات الدُّنْيَا عبرت بعض بَنَاته بالفقر فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ لَهَا سيفتح الله عَلَيْكُم بِمَا يغنيكم وَيحْتَاج غَيْركُمْ اليكم فَكَانَ الامر كَمَا قَالَ فتح الله على بَنَاته حَتَّى احْتَاجَت تِلْكَ الْبِنْت الَّتِى عيرتهن الى أَن تستعير مِنْهُنَّ الحلى فى مهماتها وَلم يزل على طَرِيقَته المحمودة حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن أَبى بكر باقشير المكى استاذ الاستاذين وكبير عُلَمَاء قطر الْحجاز فى عصره وَكَانَ أديبا باهرا وشاعرا ماهراً ذكره السَّيِّد على فى السلافة فَقَالَ فى وَصفه خَاتِمَة أَئِمَّة الْعَرَبيَّة وقائد صعابها الابية وَمن لَهُ فِيهَا المزية الْعُظْمَى وَالْمحل الرفيع الاسمى مَعَ تعلق بِسَائِر الْفُنُون وَتحقّق صدق بِهِ الظنون ورتبة فى الادب معروفه وهمة الى تأثيل الْفضل مصر وفه رَأَيْته غير مرّة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فى حَلقَة درسه وَهُوَ يجنى الاسماع من روض فَضله ثمار غرسه وَقد أصغت الاسماع اليه وجثت الطّلبَة على الركب بَين يَدَيْهِ وَذكره الشلى فى تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين وَبَالغ فى وَصفه جدا ثمَّ قَالَ ولد بِمَكَّة فى سنة ثَلَاث بعد الالف وَحفظ الْقُرْآن والشاطبية وجوده وَأحكم علم التجويد وَالْقُرْآن وجد فى الِاشْتِغَال حَتَّى وصل الى مرتبَة لم ينلها أحد غَيره من أهل عصره وَكَانَ على اخْتِصَاصه بِحل الْفُنُون أدبيا اليه النِّهَايَة متميزا فى المعارف والآداب أَخذ عَن أَئِمَّة عديدة من أهل مَكَّة مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى والامام عبد الْقَادِر الطبرى وَعبد الْملك العصامى وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَأحمد

стр. 1015

الحكمى وَمن الواردين عَن الْبُرْهَان اللقانى وَكَانَ قوى الذكاء والفهم طلق اللِّسَان خاشع الْقلب صادعا بِالْحَقِّ ندى الْقَلَم وَجلسَ للتدريس فَلَزِمته الطّلبَة وأنجب تلاميذ أفاضل وَاتفقَ لَهُ انه أَقرَأ التُّحْفَة لِابْنِ حجر درسا عَاما بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام الى أَن خَتمهَا ثمَّ أعَاد قرَاءَتهَا الى أَن وصل فِيهَا الى بَاب الاجارة فتوفى فَفِيهِ اشارة الى ثُبُوت الاجر لَهُ ان شَاءَ الله تَعَالَى فكمل وَلَده الْعَلامَة سعيد على قِرَاءَة وَالِده حَتَّى وصل الى بَاب الْجعَالَة ثمَّ توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَثَبت لَهُ الْجعل من الله تَعَالَى اذ لم يكن لَهما مَعْلُوم على تدريسهما وَهَذَا من لطيف الِاتِّفَاق ذكر ذَلِك بعض تلامذتهما وَكَانَ من عجائب الدَّهْر كتب الْكثير وحشى الحواشى وعلق التَّعَالِيق النفيسة والفتاوى العجيبة وَكَانَ كثير الْمَحْفُوظ لطيف الاخلاق منور الشيبة كثير الْوَقار قَلِيل الْكَلَام طارحا للتكلف جميل الْعشْرَة كثير التودد للنَّاس قوى الهمة فى الِاشْتِغَال مَعَ الطّلب بأدب وَحفظ لِسَان وَحسن تصرف فى الْكَلَام واحسان واعتراف واخلاص طوية لَا يقْصد الا وَجه الله تَعَالَى وانتفع بِهِ خلق كثير من أهل مَكَّة واليمن والشأم وَالْعراق وصنف التصانيف المقبولة مِنْهَا مُخْتَصر الْفَتْح شرح الارشاد وَالْتزم فِيهِ ذكر خلاف التُّحْفَة وَالنِّهَايَة والمغنى لكنه لم يتم وَاخْتصرَ نظم عقيدة اللقانى وَشرح نظمه وَاخْتصرَ تصريف الزنجاني نظماً وَشَرحه شرحاً مُفِيدا ونظم الحكم وَشَرحه ونظم آدَاب الاكل وَشَرحه وَمن شعره قَوْله (جاذبتها طرق الحَدِيث مفاكها ... فَأَبت سوى التهديد والتعنيف) (ورجوت مِنْهَا الْوَصْل لمحة نَاظر ... لأفوز بالتكريم والتشريف) (فكانها التَّنْوِين رام اضافة ... للصرف أَو لازالة التَّعْرِيف) وَقَوله (يَا رب مَا أمرضت من مُسلم ... فنجه من ثقل الْعَائِد) (فانه أعظم مِمَّا بِهِ ... وَلم يفدر مر من الجامد) وَقَوله (مناصب الْعِزّ بأيدى الرعاع ... من ذكرهَا ينقصم الظّهْر) (يَا زَمنا نكس اعلامه ... ملاذ من تمتحن الصَّبْر) وحذا حذوه صنوه مُحَمَّد بن سعيد فَقَالَ (مناصب الْعِزّ لمن لَا يرى ... الا فَتى جلبابه الصَّبْر) (فان عَن الكونين بَاقٍ بِهِ ... تغبطه الْعِزَّة والفقر) (يعْمل شكرا وَكثير الورى ... يَبْعَثهُ للْعَمَل الشُّكْر)

стр. 1016

وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من شهر ربيع الاول سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَتوفى قَرِيبا مِنْهُ أَخُوهُ ووالده ودفنوا كلهم بالمعلاة رَحِمهم الله تَعَالَى السَّيِّد عبد الله بن سيف الله السَّيِّد الشريف الْمَعْرُوف بِابْن سعدى القسطنطينى أحدالموالى الاجلاء الاديب المنشى الشَّاعِر المتخلص على دأب شعراء الرّوم بفائزى كَانَ فَاضلا أديبا جسيما وسيما حسن النّظم والنثر فى الالسنة الثَّلَاثَة عَارِفًا بِنَقْد الشّعْر وأساليبه وَله الشُّهْرَة التَّامَّة بالمعرفة والتفنن لقى كثيرا من الْفُضَلَاء وَأخذ عَنْهُم ولازم من شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا وَورد دمشق فى خدمَة أَبِيه لما صَار قَاضِيا بالقدس ثمَّ بعد عوده الى الرّوم درس بمدارس دَار الْخلَافَة الى أَن وصل الى مدرسة موصلة السليمانية فَجرى بَينه وَبَين عمر بن سعدى القرمانى الْمدرس امتحان فى مجْلِس الْمُفْتى الاعظم وَكَانَ القرمانى الْمَذْكُور قَلِيل البضاعة جدا لَكِن ساعده الْقدر بِسَبَب انفعال السَّيِّد عبد الله من اقترانه بِهِ فتلاشى فى الْبَحْث وَظهر القرمانى عَلَيْهِ فَقدم عَلَيْهِ الى الْمدرسَة السليمانية وَكَانَ كثيرا مَا يتَمَثَّل بعد هَذِه الْوَاقِعَة بالبيتين الْمَشْهُورين وهما (ان أصلى وذكائى ... من مرادى حرمانى) (ليتنى كنت من التر ... ك جهولا قرمانى) ثمَّ بعد مُدَّة وصل الى السليمانية وَدَار الحَدِيث وَولى مِنْهَا قَضَاء سلانيك فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وتعصب عَلَيْهِ طَائِفَة من أَهلهَا فاشتكوا مِنْهُ الى السُّلْطَان ونقموا عَلَيْهِ أَشْيَاء فعزل فى مُدَّة جزئية وَخرج خطّ شرِيف فِيهِ بِأَن لَا يلى الْقَضَاء بعْدهَا فبقى مُدَّة وَقد ضربت الْعُزْلَة عَلَيْهِ حجابها وَانْقطع عَن النَّاس وضاق حَاله من تكدر عيشه وتشتت حواسه حَتَّى ولى شيخ الاسلام يحيى المنقارى منصب الفيتا فأنقذه من ذَلِك الْحَال وشفع لَهُ عِنْد السُّلْطَان بتوليته قَضَاء بروسه ثمَّ نَقله فى مُدَّة جزئية الى ازمير فقوى رياشه وَحسن معاشه ثمَّ بعد مُدَّة ولاه قَضَاء مَكَّة المشرفة فورد دمشق فى منتصف شعْبَان فى سنة ثَمَان وَسبعين وَألف ورأيته بهَا فَرَأَيْت أديبا كَامِل الاوصاف قوى البداهة والحافظة الا أَن طبعه خَارج عَن الطباع لما فِيهِ من شدَّة الْحَرَارَة فقد شاهدته فى بحبوحة الشتَاء واستحكام برد الشأم يجلس كاشفا رَأسه وكأنما بخار الْحَرَارَة الصاعد من رَأسه دُخان مدخنة حمام وَلَا يسْتَقرّ لَحْظَة الا ويتطلب ثلجا فيأكله بنهمة وَكَانَ بَينه وَبَين والدى المرحوم مَوَدَّة سالفة

стр. 1017

وصحبة قديمَة فتقيد برعاية جَانِبه وَسمعت والدى يَقُول وَقد سُئِلَ عَنهُ كَأَنَّمَا البلاغة تُؤْخَذ عَن لَفظه والآداب ترنو عَن لحظه وَكَانَ جرى بَينهمَا مطارحات ومراسلات كَثِيرَة من جُمْلَتهَا قصيدة كَانَ والدى كتب اليه بهَا ومطلعها (يَا سَاكِنا بشغافى ... وَعَن عيونى خافى) (طولت مُدَّة بينى ... وَبَعضهَا كَانَ كافى) (كدرت بالبعد عيشى ... من بَعْدَمَا كَانَ صافى) (لهفى لطيب لَيَال ... مرت لنا بالتصافى) (حَيْثُ الشَّبَاب قشيب ... والدهر فِيهِ موافى) (وسالف من زمَان ... تدار فِيهِ سلافى) (من كف ريم كغصن ... يمِيل بالاعطاف) (يزهو بوردى خد ... يزرى بورد القطاف) (زمَان لَهو تولى ... بروضة ميناف) (تسقى من السحب وَبلا ... بِعَارِض وكاف) (يَا دهر رفقا بصب ... حَتَّى مَتى ذَا التجافى) (وعدتنى بالامانى ... فَكُن بوعدك وافى) (واسمح بِرُؤْيَة مولى ... سليل عبد منَاف) (ذَاك الْهمام المفدى ... وَسيد الاشراف) (كم حل مُشكل بحث ... بِلَفْظِهِ الْكَشَّاف) (مولاى يَا بَحر فضل ... طام من الْجُود طافى) (وفائزا بقواف ... قد أعجزت ابْن قَاف) (يَا مُفْرد الرّوم حَقًا ... وجامع الالطاف) (أَنْت الْغنى بمدحى ... عَن كَثْرَة الاوصاف) (فَلَا تظن بأنى ... لسابق الود جافى) (لَو كنت أعلم صبرى ... لَكِن أمرى خافى) (لَكَانَ سعيى اليكم ... وفى حماكم طوافى) (فربع غَيْرك عندى ... مولاى كالاعراف) (ان رمت تَفْصِيل حالى ... من الزَّمَان المجافى)

стр. 1018

(ملان تمنيت شَيْئا ... الا أَتَى بِالْخِلَافِ) (من جوره ضَاقَ صدرى ... فسحت فى الارياف) (صَحِبت بالرغم منى ... قوما من الاجلاف) (حَتَّى حللت بِمصْر ... من بعد قطع الفيافى) (فَلم أجد لى فِيهَا ... غير الثَّلَاث الاثافى) (فَلَا صديق صَدُوق ... وَلَا حبيب يوافى) (هَذَا زمَان عَجِيب ... مَا فِيهِ خل مصافى) (وَالْفضل قد صَار ذَنبا ... وللرواج منافى) (عَسى الاله قَرِيبا ... يمن بالاسعاف) (بجاه خير البرايا ... والآل أهل العفاف) (واعذر بِفَضْلِك فضلى ... ضَاقَتْ على القوافى) (وَدم بسعدك ترقى ... لمنهل لَك صافى) (مَا غرد الْورْد شجوا ... على غصون الْخلاف) (مفكرا عهد صب ... نأى عَن الاحلاف) فَرَاجعه عَنْهَا بِهَذِهِ القصيدة ومطلعها (يَا خير خل مصافى ... لَا زَالَ وردك صافى) (أَيْن الزَّمَان الذى قد ... كِتَابه فى التصافى) (مَا بَيْننَا غير ود ... مَا بَيْننَا من خلاف) (طورا نرى من رياض الْعُلُوم فى الاقتطاف ... ) (وَتارَة من بحار القريض فى الاغتراف ... ) (كُنَّا كَمثل الثريا ... بِصُحْبَة وائتلاف) (فصيرتنا بَنَات النعش الليالى الجوافى ... ) (بَيْتا نروض بروض ... يَوْمًا مَعَ الاحلاف) (وطيره فى وفَاق ... ولحنه فى خلاف) (اذ صَاح مِنْهَا غداف ... تعسا لذاك الغداف) (فَبَان كل عَن الالف وهى ذَات الاف ... ) (قد انصرفنا بِصَرْف الزَّمَان أى انصراف ... )

стр. 1019

(كل امْرِئ صَار فى جَانب من الأكناف ... ) (ألْقى الزَّمَان المعادى الا حباب فى الاطراف ... ) (أرجوا لما فَاتَ من ذ لَك التلاف التلافى ... ) (عساى نَحْو دمشق ... عَمَّا قَلِيل أوافى) (عَسى لَيَال تقضت ... يعدن بالاسعاف) (آه عَلَيْهَا فآه ... قد أسرعت فى التجافى) (مَضَت سَرِيعا وَوَلَّتْ ... كَمثل دهم خفاف) (مرت كخاطف برق ... وطرن كالخطاف) (تبعتها لَو أعانت ... قوادمى والخوافى) (قد كن شام زمانى ... كالشأم فى الارياف) (دمشق أعنى ودامت ... مخضرة الاكناف) (قد خصها الله بَين الْبِلَاد بالالطاف ... ) (شوقى لَهَا كل يَوْم ... يزْدَاد بالاضعاف) (أصبو الى برداها ... بلوعة والتهاف) (وَلَو قدرت اليها ... أسرعت رجلَانِ حافى) (نسيمها وَهُوَ ذُو عِلّة لدائى شافى ... ) (انهارها لجيوش الهموم كالاسياف ... ) (يزِيد دمعى اذاما ... ذكرت تِلْكَ الصوافى) (بهَا حدائق فاقت ... فى أحسن الاوصاف) (تِلْكَ الحدائق تحكى ... صِفَات خلى المصافى) (أَخُو وَفَاء يُرَاعى ... اخوانه ويصافى) (كل لَهُ مُثبت الْفضل مَاله من نافى ... ) (مليك نظم ونثر ... ملاك أَمر القوافى) (الْحل وَالْعقد فى كَفه بِغَيْر خلاف ... ) (بجلق ذَات فضل ... الله ذى الالطاف) (يَا من لَهُ كَابْن برد ... برد من الْفضل ضافى) (يَا ظافرا بقواف ... أعيت عويف القوافى)

стр. 1020

(أتحفتنا بقريض ... أحسن بذا الاتحاف) (أقرضت قرضا وأسلفت أحسن الاسلاف ... ) (فائية مَا رَأينَا ... مثلا لَهَا فى القوافى) (مَا من سناد خليلى ... بهَا وَمن اصراف) (زففت بكرا عروبا ... الى خير زفاف) (بختمها بلغتنى ... مصونة فى السجاف) (صَدَاقهَا صدق ودى ... حفظته فى شغافى) (أحببتها مُنْذُ دهر ... وأولعت بخلافى) (علقتها ذَات ظلم ... عديمة الانصاف) (عشقتها فغدت فى ... هجرى وفى احصافى) (قد أدنفتنى زَمَانا ... وَمَا لدائى شافى) (والآن رقت فوافت ... أعزز بطب موافى) (عَادَتْ فَعَادَت لتبرى ... مريضها وتعافى) (قد عاملت بعد حيف ... بِالْفَضْلِ والالطاف) (زارتنى من غير وعد ... بعد اجتياب الفيافى) (قد كنت أرقبها قَائِلا عَسى أَن توافى ... ) (ياصاح يامن حكى طبعه الزلَال الصافى) (عتبت ودك فى ترك الْكتب والعتب شافى ... ) (لَا تعذلنى فَهَذَا ... حوب الزَّمَان المجافى) (وان يكن ذَاك ذنبى ... فاصفح وَمثلك عافى) (مَا أجمل الصفح عَن ذَنْب مجرم ذى اعْتِرَاف ... ) (وَالله ربى الذى لَا ... تخفى عَلَيْهِ الخوافى) (حبيسك فى كل حِين ... يكون فى استحصاف) (راس كقاف وان كَانَ ... بَيْننَا بعد قَاف) (لَا زلت ترفل عزا ... وثوب قدرك ضافى) (قابلت جَيِّدَة قد ... أهديت بالسفساف) (فاعذروثن بِأُخْرَى ... يَا وَاحِد الآلاف)
следующие страницы →