Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ولى الْقَضَاء فى عدَّة بِلَاد الى أَن وصل الى قَضَاء الْموصل وفيهَا نظم أبياته الْمَشْهُورَة اللطيفة الْموقع يُشِير فِيهَا الى بَيْتَيْنِ للامير شرف الدولة أَبى الْفضل بن منقذ وأبياته هى قَوْله
(ومعذر حلوا للمى قبلته ... نظرا الى ذَاك الْجمال الاول)
(وَطلبت مِنْهُ وَصله فأجابنى ... ولى زمَان تعطفى وتدللى)
(نضبت مياه الْحسن من خدي وَقد ... ذهب الروى من غُصْن قدى الاعدل)
(قلت الحديقة لَيْسَ يحسن وصفهَا ... الا اذا حفت بنبت مبقل)
(دعك اتبع قَول ابْن منقذ طَائِعا ... وَاعْلَم بأنى صرت قاضى موصل)
وبيتا ابْن منقذهما قَوْله
(كتب العذار على صحيفَة خَدّه ... سطرا يحير نَاظر المتأمل)
(بالغت فى استخراجه فَوَجَدته ... لَا رأى الا رأى أهل الْموصل)
وأصل هَذَا مَا شاع عَن أهل الْموصل انهم لَا يهوون الا المعذر وَرُبمَا بَالغ بَعضهم فَقَالَ نَحن قوم اذا سمحنا فى طَرِيق الْمحبَّة بنوال لَا نسمح الا لمن ينْفق على عِيَاله وَهَذَا مَذْهَب جرى عَلَيْهِ الحلبيون أَيْضا وسؤالا الْعَلامَة الْعِمَاد الحنفى الدمشقى للاستاذ أَحْمد بن المنلا الحلبى فى قصيدة لَهُ عَن ترك الْميل الى المرد والميل الى المعذرين وَجَوَاب ابْن المنلا بِمَا لَا يشفى الغليل فى قصيدة أُخْرَى كِلَاهُمَا مثبتان فى رَيْحَانَة الشهَاب وَكَانَت وَفَاة الصادقى المترجم فى سنة احدى وَتِسْعين وَألف
عقيل بن عبد الله بن عقيل بن شيخ بن على بن عبد الله وطب ابْن مُحَمَّد منقذ ابْن عبد الله بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ عبد الله باعلوى الحضرمى الامام الْعَالم الْعلم ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بِالْعلمِ والادب وتفقه بالسيد الْجَلِيل مُحَمَّد بن الْفَقِيه على بن عبد الرَّحْمَن وَصَحب الامام الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عَمه السَّيِّد مُحَمَّد بن عقيل ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ ثمَّ رَحل الى الْمَسْجِد الْحَرَام وَحج ثمَّ رَحل الى الديار الْهِنْدِيَّة وَحصل لَهُ بهَا جاه عَظِيم وَكَانَ لَهُ اعتناء تَامّ بِجمع الْكتب النفيسة فَجمع مِنْهَا حِصَّة عَظِيمَة ثمَّ عَاد الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بهما عَن جمَاعَة ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه تريم وَألقى بهَا عَصَاهُ الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين بعد الالف وَدفن بمقبرة السَّادة الشهيرة بزنبل
عقيل بن عمر اشْتهر بعمران بن عبد الله بن على بن عمر بن سَالم بن مُحَمَّد بن عمر
стр. 1087
ابْن على بن أَحْمد بن الاستاذ الاعظم الْفَقِيه الْمُقدم أَبى الْمَوَاهِب أحد الْعباد الْمَشْهُورين ولد بقرية المرباط من قرى ظفار الحبوطي وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب العارفين والمشايخ فَأول سَمَاعه وَهُوَ ابْن عشر سِنِين من السَّيِّد الْجَلِيل شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الهادى ابْن شهَاب الدّين بظفار أَخذ عَنهُ وَعَن غَيره وَكَانَ لَهُ فى ابْتِدَائه سياحات واجتهادات فَكَانَ يَنْعَزِل عِنْد قبر جده الاعلى مُحَمَّد بن على بمرباط الْمدَّة المديدة وَكَذَا عِنْد قبر الْعَارِف بِاللَّه صَاحب حاسك وَرُبمَا تعبد فى بعض الْجبَال قريب الْبِلَاد ثمَّ رَحل الى الديار الحضرمية فلقى جمَاعَة من السَّادة العلوية وَأخذ بتريم عَن تَاج العارفين الشَّيْخ زين العابدين العيدروس وأخيه الشَّيْخ شيخ وَابْن أَخِيه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد الهادى ابْن عبد الرَّحْمَن ولازمه مُلَازمَة تَامَّة وَأخذ عَنهُ عدَّة عُلُوم وَلبس الْخِرْقَة من هَؤُلَاءِ وتفقه على القاضى السَّيِّد أَحْمد بن حُسَيْن بلفقيه وَأخذ التصوف والحقائق عَن السَّيِّد الْجَلِيل أَبى بكر الْجُنَيْد وَعَن السرى بن عمر بن عبد الله باهرون بروغة وَصَحب السَّيِّد بن الْحُسَيْن وَالْحسن ابنى أَبى بكر بن سَالم بعينات وَغَيرهمَا من أَوْلَاده وَأخذ عَن الشَّيْخ حسن باشعيب بالواسطة ثمَّ رَحل الى الْيمن للسَّيِّد الْعَارِف عبد الله بن على ابْن حسن ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ فى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَحضر دروس السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى الْفِقْهِيَّة وَغَيرهَا وَأخذ عَن الشَّيْخ الْكَبِير أَحْمد بن عَلان وَالسَّيِّد الْجَلِيل على باهرون والعارف بِاللَّه سغيدبا بقى وَغَيرهم ثمَّ رَحل لطيبة وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة ثمَّ عَاد إِلَى شَيْخه الْعَارِف عبد الله بن على الوهط ولازمه مُلَازمَة تَامَّة وَأخذ عَنهُ علوما جمه وَألبسهُ الْخِرْقَة وَلما ألبسهُ قَالَ فِيهِ
(لبست تِلْكَ الْخِرْقَة الانيقة ... وحزت اسرارا لَهَا دقيقة)
(فهمت مَا قد لَاحَ أَو تلالا ... من نور تِلْكَ البرقة المشيقه)
(وَأَنت مخطوب لسر معنى ... أهل الطَّرِيق صرت والحقيقه)
ثمَّ عَاد الى مَدِينَة تريم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة ثمَّ عَاد لوطنه ظفار وَألقى بهَا عَصا السّفر وَنصب نَفسه لنفع الانام وَأخذ عَنهُ جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد الصَّالح الولى ابْن عَمه عمر بن على وَولده السَّيِّد على بن عمر بن على الشهير باقليم ظفار وَمِنْهُم اولاده السَّادة أَحْمد وطه وزين العابدين وقاضى ظفار الشَّيْخ عمر بن عبد الرَّحِيم بارجا الشهير بالخطيب وَالشَّيْخ الْكَبِير مُحَمَّد بلعفيف وَأَخُوهُ الشَّيْخ أَبُو بكر صَاحب طابقة وَالشَّيْخ أَحْمد
стр. 1088
حاسكى ابْن الشَّيْخ سعد وَغَيرهم قَالَ الشَّيْخ الشلى وَاجْتمعت بِهِ فى ظفار سنة احدى وَخمسين وَألف وقرأت عَلَيْهِ كتاب التَّنْوِير لِابْنِ عَطاء الله الاسكندرى وَبَعض احياء عُلُوم الدّين وقرأت عَلَيْهِ تأليفه الْمُسَمّى فتح الْكَرِيم الغافر فى شرح حلية الْمُسَافِر وَسمعت بِقِرَاءَة غيرى كتبا كَثِيرَة وألبسنى الْخِرْقَة وأجازنى فى جَمِيع مروياته وَأذن لى فى الالباس وَله مؤلفات مفيدة مِنْهَا العقيدة وهى منظومة وَشَرحهَا الشَّيْخ أَحْمد ابْن مُحَمَّد المدنى الشهير بالقشاشى شرحا عَظِيما وَشَرحهَا أَيْضا تِلْمِيذه الْعَارِف بِاللَّه على بن عمر با عمر بأبسط من شرح القشاشى وَله شرح على قصيدة الْعَارِف بِاللَّه سعيد ابْن عمر بلحاق الَّتِى مطْلعهَا لما بَدَت لى حلية الْمُسَافِر سَمَّاهُ فتح الْكَرِيم الغافر لم يسْبقهُ غَيره الى نسج مثله ورتبه على تَرْتِيب السلوك الى ملك الْمُلُوك مَعَ زِيَادَة أَمْثِلَة فى معنى السّفر الحسى والمعنوى وَله نظم بديع الاسلوب وَأَكْثَره على طَريقَة الصُّوفِيَّة وَكَانَ يحب السماع وَكَانَ لَهُ جاه وَاسع وأخلاق شريفة وَكَانَ ملْجأ للوافدين يكرم الضيفان ويكسو الْعُرْيَان وَكَانَ ملازم الاسْتقَامَة وَظَهَرت مِنْهُ كرامات وَكَانَ يَقُول شفعت فى أهل وقتى من قَاف الى قَاف اشارة الى أَنه أعْطى الْولَايَة الْكُبْرَى وَلم يزل فى ظفار الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاربعاء لليلتين بَقِيَتَا من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وشيعه خلائق لَا يُحصونَ وَدفن بقرية المرباط وقبره بهَا مَعْرُوف باستجابة الدُّعَاء عِنْده ورثاه السَّيِّد على بن عمر بقصيدة أَولهَا
(سَلام على من حل فى لب خاطرى ... وان غَابَ عَن عينى شُهُود النواظر)
(محب ومحبوب وداع الى الْهوى ... وفتاق سر السِّرّ من قرب قَادر)
ثمَّ قَالَ فى اثنائها
(لَئِن قَالَ مَعْرُوف وَبشر وحاتم ... وَسَهل مقامات جُنَيْد البواهر)
(وغزال تصنيف ومحضار سطوة ... وجيلان بَغْدَاد سما عِنْد عَاقِر)
(وبسطام أَحْوَال وشبلى وشاذلى ... أَبُو الْغَيْث جذبات حظى بالبشائر)
(فَفِيهِ انطوت أَحْوَالهم وتجمعت ... فَصَارَ اماما جلّ عَن كل ماهر)
وهى طَوِيلَة ورثاه غَيره
السَّيِّد علوى بن اسماعيل البحرانى الاديب الشَّاعِر ذكره السَّيِّد على ابْن مَعْصُوم وَقَالَ فى وَصفه شَاعِر هجر ومنطيقها الذى وَاصل الْمنطق الْفَصْل وَمَا هجر يفسح للْبَيَان مجالا ويوضح مِنْهُ غرارا وأحجالا ويطلع فى آفاقه بدورا وشموسا
стр. 1089
ويروض من صعابه جموحا وشموسا ويشتار من جناه علا ويهز من قناه أسلا ومعظم شعره فائق مستجاد فَمِنْهُ قَوْله فى النسيب وأجاد
(بنفسى أفدى وَقل الفدا ... غزالا بوادى النقا أغيدا)
(مليحا اذا نض عَن وَجهه ... نقاب الحيا خلت بدر ابدا)
(غزال وَلَكِن اذا مَا نصبت شراكا لأصطاده استأسدا ... )
(سقيم اللواحظ مكحولها ... وَلم يعرف الْميل والاثمدا)
(رَشِيق القوام اذا هزه ... رَأَيْت الغصون لَهُ سجدا)
(لَهُ رِيقه طعمها سكر ... يجلى الصدا ويروى الصدا)
(ولحظ كعضب وَلكنه ... يشق الْقُلُوب وَمَا جردا)
(تفرد بالْحسنِ دون الملا ... فسبحان مولى لَهُ أفرادا)
(نأى بعد فَهُوَ لغيرى ولى ... قريب المزار بعيد الملا)
(رعى الله ليلاتنا الماضيات ... وعيش ألفنا بِهِ أرغدا)
(وصب على ترب تِلْكَ الربوع متعنجرا مبرقا مرعدا ... )
(الى حَيْثُ أخنت صروف الزَّمَان ... وَشَمل الْوِصَال بهَا بددا)
(وأضحت قفارا وَلَيْسَ بِهن من ذَلِك الْجمع الا الصدا ... )
(اذا قلت أَيْن حبيبى غَدا ... يُجيب بأين حبيبى غَدا)
وَكَانَت وَفَاته فى سنة تسع وَسبعين وَألف بِالْبَحْرَيْنِ وَدفن بِمَسْجِد أَبى عنبرة
علوى بن حُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الله العيدروس النَّاقِد الْمُحَقق البارع النجيب كَانَ فَرد وقته فى اقتناء المفاخر وَالْعلم الجم ولد بتريم فى سنة ألف وَحفظ الْقُرْآن وَأَدَّاهُ بالتجويد واشتغل حَتَّى بلغ مَا لم يبلغهُ الْمَشَايِخ الْكِبَار مَعَ تقدس نفس وَمَكَارِم أَخْلَاق وَأخذ الْفِقْه عَن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن علوى بافقيه ولازمه مُلَازمَة تَامَّة وَكَانَ جلّ انتفاعه عَلَيْهِ وَأخذ عَن الشَّيْخ أَحْمد بن عمر عبديد عدَّة عُلُوم ثمَّ حج وَدخل الْمَدِينَة وَعَاد الى مَكَّة وتديرها واشتغل على السَّيِّد عمر ابْن عبد الرَّحِيم ولازمه فى دروسه وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن عمر الحبشى وصاهره بابنته وَكَانَ ملازما للشريعة والطريقة كثير التحرى فى الدّين وانتفع بِهِ جمع وَكَانَ كَلَامه مُشْتَمِلًا على الْعبارَات الفصيحة والنكت البديعة وَكَانَ مُجْتَهدا فى الْعِبَادَة وَنشر الْعلم يصدع بِالْحَقِّ ويسطو على الفسقة وَكَانَ متورعا من
стр. 1090
صُحْبَة الْمُلُوك متجردا عَن الدُّنْيَا قانعا مِنْهَا بالكفاف لَا يشْتَغل بشئ من أُمُور الدُّنْيَا وَكَانَ النَّاس يعتقدونه ويأتون اليه بالنذور وَلَا يَأْخُذ الا عَن تثبت وَمَا دخل عَلَيْهِ أنفقهُ على من عِنْده من الْفُقَرَاء ملازما لاخيه الشَّيْخ أَبى بكر مُتبعا لامره وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى توفى وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المكرمة فى سنة خمس وَخمسين وَألف وَدفن فى مَقْبرَة المعلاه رَحمَه الله تَعَالَى
علوى بن عبد الله بن أَحْمد بن حُسَيْن بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس امام الاولياء الاخيار وقدوة العارفين الْكِبَار قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بتريم وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ اشْتغل فصحب السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى علوى بن مُحَمَّد با فرج وَالسَّيِّد الْعَالم الْعَارِف عبد الله بن سَالم وَبدر الدّين الشَّيْخ زين بن حُسَيْن أَخذ عَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عدَّة عُلُوم من عُلُوم الشَّرِيعَة والحقيقة وألبسوه خرقَة التصوف وَصَحب وَالِده واجتهد فى الْعِبَادَات ولازم السّنَن النَّبَوِيَّة وَجمع بَين الْعلم وَالْعَمَل وَجمع الله تَعَالَى لَهُ بَين تَمام الْفضل وَكَمَال الْعقل وحببه الى جَمِيع الانام وَكَانَ يحب الْعُزْلَة والانقطاع وَله مكاشفات شَتَّى وَخرج عَن تريم الى مَحَله الْمَعْرُوف بوادى بتى وخلا بِنَفسِهِ وقصده النَّاس فى مَحَله وتصدر للِانْتِفَاع فَسَار ذكره وانتفع بِهِ خلائق لَا يُحصونَ وَتخرج بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُم الشَّيْخ الْعَالم الْعَامِل أَحْمد بن عمر بن فلاح وَولده الشَّيْخ عمر وَسَالم ابْن زين بَافضل وَعبد الله بَافضل وَأَخُوهُ وحسين قَالَ الشلى وَقد حضرت عِنْده مرَارًا بمجلسه وانتفعت بِصُحْبَتِهِ واستفدت من درسه وَكَانَ حسن الْعبارَة عَالما متضلعا فى علم التصوف والْحَدِيث وَالْفِقْه صادعا بِالْحَقِّ كثيرا الشفاعات يجْهر بِالْحَقِّ على السُّلْطَان فَمن دونه وَلَا يعبأ بالجهال وَله فى ذَلِك وقائع كَثِيرَة وَلم يزل فى ذَلِك الوادى حَتَّى توفى فى سنة خمس وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل من جنان بشار
السَّيِّد علوى بن على بن عقيل بن أَحْمد بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن السقاف نزيل مَكَّة الاستاذ الْكَبِير الولى صَاحب الكرامات الخارقه والانفاس الصادقه قَالَ الشلى ولد بتريم فى سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ أميالا يقْرَأ وَلَا يكْتب وارتحل الى الْيمن والحرمين وَكَانَ يتَرَدَّد اليهما وَيتَعَاطَى أول أمره أَسبَاب التِّجَارَة وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين وانتفع بصحبتهم وَرَأى لَيْلَة الْقدر ودعا بدعوات مِنْهَا أَن يُبَارك الله فى رزقه وعمره ودعا بِدُعَاء الْقُنُوت اللَّهُمَّ اهدنى فِيمَن هديت الى آخِره وَكَانَ أَكثر أَعماله قلبية ثمَّ أَقَامَ بِمَكَّة واستوطنها وَترك التِّجَارَة وَتزَوج بهَا
стр. 1091
وَولد لَهُ أَوْلَاد نجباء وَأَقْبل عَلَيْهِ النَّاس بالاعتقاد وَاخْتلفت اليه أكَابِر مَكَّة وأعيانها لالتماس بركته ودعائه وَكَانَ يكره تردد النَّاس اليه ويهضم نَفسه على الدَّوَام لَا يصف نَفسه بِحَال وَلَا مقَام لَهُ آدَاب نبوية وَمَكَارِم حاتمية مَقْبُول الشَّفَاعَة عِنْد الْمُلُوك فَمن دونهم وَكَانَ شرِيف مَكَّة يحترمه غَايَة الاحترام وانتفع النَّاس بِصُحْبَتِهِ الا ان صحبته كَانَت صعبة غَالب النَّاس لَا يقدر عَلَيْهَا وَله كرامات كَثِيرَة مِنْهَا أَن كَانَ كثير العطب لمن تعرض لَهُ بالاذى فَكل من أَذَاهُ أَو أنكر عَلَيْهِ لابد أَن يحصل لَهُ نكد اما مرض أَو موت أَو سَرقَة مَال أَو موت من يُحِبهُ أَو خُرُوج من وَطن أَو نَحْو ذَلِك وَقد جمع كراماته فقراؤه فى جُزْء لطيف وَهَذِه نبذة مِنْهَا ملخصة من هَذَا الْجُزْء مِنْهَا أَن شرِيف مَكَّة وَكَانَ اذ ذَاك الشريف محسن بن حُسَيْن كَانَ وزيره أَخذ بعض حبوب الجراية الَّتِى ترد لحكة من مصر فَأرْسل اليه السَّيِّد علوى يشفع فى رده لاهله فَلم يقبل شَفَاعَته فَأرْسل اليه ثَانِيًا يَقُول لَهُ ان أخذت حبوب الْفُقَرَاء تسكن هَذِه السّنة آخر سنة لَك ولسيدك فَلم يلْتَفت اليه فَكَانَ الامر كَمَا قَالَ فَمَا حَال عَلَيْهِمَا الْحول حَتَّى استلبوا دولتهم وعذب ذَلِك الْوَزير بِعَذَاب عَظِيم وَمِنْهَا ان الْوَجِيه عبد الرَّحْمَن بن عَتيق الحضرمى وَكَانَ وزيرا بِمَكَّة تعرض لبَعض آل باعلوى بالاذى فَجَاءُوا الى السَّيِّد علوى وَأَخْبرُوهُ بذلك وطلبوا مِنْهُ أَن يَدْعُو عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم كفيتم شَره فَلَمَّا أَمْسَى اللَّيْل انْهَدَمت دَار ابْن عَتيق عَلَيْهِ وَكَانَ جَدِيدا وَخَافَ على نَفسه الْهَلَاك ثمَّ عَاهَدَ الله تَعَالَى فى سره أَن لَا يتَعَرَّض لَاحَدَّ مِنْهُم أبدا وَمِنْهَا أَن بعض المتعجرفين أَسَاءَ الادب بِحَضْرَة السَّيِّد علوى فزجره بعض أَقَاربه فَلم ينزجر وَقَالَ ان كَانَ السَّيِّد كَذَا فَليدع الله على بِالْمَوْتِ فَدَعَا السَّيِّد علوى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ فَمَاتَ فى ذَلِك الْيَوْم وَمِنْهَا أَنه جَاءَهُ جوخ فَطلب صَاحب المكس مكس ذَلِك الجوخ فَقَالَ السَّيِّد مَا على مكس وَلَا أعْطى شَيْئا فى ذَلِك فَأرْسل المكاس يَقُول لَئِن لم تعط طَوْعًا والا أرسلنَا لَك عشرَة عبيد يَأْخُذُونَ مِنْك ذَلِك كرها فَقَالَ السَّيِّد للرسول قل لَهُ ان أَصبَحت على وَجه الارض فَأرْسل مائَة وصيف فَمَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَة وَمِنْهَا أَنه أَتَاهُ عبيد فَطلب مكاس بندر جدة رسم تِلْكَ العبيد فَامْتنعَ السَّيِّد من الاعطاء وَقَالَ مَا على رسم فلازمه فى ذَلِك فَأعْطَاهُ ثَلَاثَة أحرف وَقَالَ هَذِه ثَلَاثَة بِثَلَاث سِنِين مَا يأتيكم موسم الْهِنْد فَوَقع الامر كَمَا قَالَ وَمِنْهَا ان زبدية صَارَت ملآنة قهوة فى الروشن فَجَاءَت يَده عَلَيْهَا على غَفلَة فطاحت الى الزقاق فَأمر عَبده أَن يأتى بهَا فَخرج وفى ظَنّه ان الزبدية صَارَت رضاضا لكَونهَا طاحت
стр. 1092
من علو وهى ملانة فَوَجَدَهَا سَالِمَة والقهوة فِيهَا فهت عِنْد ذَلِك وَمِنْهَا ان أَوْلَاده أَرَادوا أَن يحلقوا رُؤْسهمْ فشرعوا فى الْحلق وَقد جَاءَ وَقت ذهابهم الى الْكتاب فخافوا من الْفَقِيه أَن يَضْرِبهُمْ لتأخرهم فَقَالَ لَهُم نَحن نمسك الشَّمْس لكم حَتَّى تحلقوا رؤسكم وَقَالَ اللَّهُمَّ بجاه نبيك مُحَمَّد
أَن توقف الشَّمْس حَتَّى يحلق الاولاد رُؤْسهمْ فوقفت الشَّمْس حَتَّى حَلقُوا رُؤْسهمْ كلهم وَشَاهد ذَلِك من حضر وَمِنْهَا أَن بعض الْفُقَرَاء أَتَى اليه وَقَالَ لَهُ لَيْسَ عِنْده نَفَقَة هَذَا الْيَوْم وَكَانَ عِنْده عُمَّال يفرشون طينا فَقَالَ لَهُ السَّيِّد اعْمَلْ مَعَهم لَعَلَّك تَجِد مَا تنفقه فَعمل مَعَهم فاذا بِدِينَار ذَهَبا وَمِنْهَا أَن بعض الْفُقَرَاء ألح عَلَيْهِ فى الطّلب وَكَانَت لَهُ بقرة عِنْدهم فَأمرهَا أَن تنطحه فتبعته وَهُوَ شارد مِنْهَا حَتَّى أحَال النَّاس بَينه وَبَينهَا وَمِنْهَا أَن بعض آل باعلوى طلب أَن يَدْعُو الله تَعَالَى أَن يُوسع عَلَيْهِ فى الدُّنْيَا فَدَعَا لَهُ بذلك وَقَالَ لَهُ اذْهَبْ واعمل أكياسا للدراهم فَفعل فَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وهى راغمة حَتَّى امْتَلَأت تِلْكَ الاكياس وَمِنْهَا أَنه أَتَى من سفر فَلَمَّا وصل بندر القنفدة طلب مِنْهُ بعض الْمُسَافِرين أَن يتَقَدَّم الى أَهله ليخبرهم بوصوله وَطلب مِنْهُ سبْحَة عَلامَة فَأبى فَأخذ السبحة على حِين غَفلَة من السَّيِّد وسافر بهَا فتعرضت لَهُ حَيَّة عَظِيمَة على طَرِيقه فمنعته السّفر الى مَكَّة حَتَّى رَجَعَ الى السَّيِّد وَاعْتذر اليه ومناقبه كَثِيرَة وَكَانَ زاهدا فى الدُّنْيَا ورياستها وَمن زهده فِيهَا أَنه طلب ورثته من حَضرمَوْت وَقسم بَينهم جَمِيع مَا عِنْده من المَال على حسب ارثهم وتجرد عَن الدُّنْيَا وتكفل بخدمته وَنَفَقَته تِلْمِيذه ابْن ابْن ابْن أَخِيه أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن على بن عقيل لكَونه كَانَ يُحِبهُ جدا وَلم تطل حَيَاته بعد ذَلِك وَكَانَ سَبَب مَوته أَنه سئم من الْحَيَاة وَطلب من الله تَعَالَى أَن يقبضهُ اليه فَظهر فى بدنه بثرة وَلم تزل تزداد كل يَوْم وَاشْتَدَّ بِهِ الالم وَعرض على كثير من الاطباء وَالَّذين يعانون الْجِرَاحَات فَلم يُوجد عِنْدهم طب وَلم يعرفوا لَهَا دَوَاء وَاسْتمرّ مَرضه نَحْو اثنى عشر يَوْمًا وَمَات فى يَوْم الاربعاء وَقت الضُّحَى لخمس مضين من الْمحرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وحزن النَّاس لفقده وَاجْتمعَ الْخَلَائق للصَّلَاة عَلَيْهِ فى الْمَسْجِد الْحَرَام وَحضر الصَّلَاة عَلَيْهِ شرِيف مَكَّة الشريف زيد بن محسن وَدفن بالمعلاة فى حوطة آل باعلوى وقبره بهَا مَعْرُوف يزار رَحمَه الله تَعَالَى
علوى بن عمر بن عقيل بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله بن الشَّيْخ مُحَمَّد جمل اللَّيْل الامام الْجَامِع بَين الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول قَالَ الشلى فى تَرْجَمته ولد بقرية روعة وَحفظ الْقُرْآن
стр. 1093
بالتجويد ثمَّ اشْتغل بِالْعلمِ وتفقه فى الدّين على جمَاعَة واعتنى بِسَائِر الْعُلُوم وَجمع بَين الْحَقِيقَة والشريعة ثمَّ دخل الْهِنْد فقابله بعض وزراء السُّلْطَان الْمُسَمّى ملك ريحَان بالاكرام واقام عِنْده بُرْهَة يدرس ويفيد ثمَّ عَاد الى وَطنه وَمَشى على طَريقَة آبَائِهِ من النَّفْع والقرى فَظهر شَأْنه وَدخل الْهِنْد مرّة ثَانِيَة ونال عِنْد الْملك ريحَان مرتبَة علية قَالَ وبلغنى انه حج وانه أَخذ عَن جمَاعَة من العارفين بالحرمين وَلم تكن لَهُ كَثْرَة قِرَاءَة وانما كَانَ مجداً فى الطّلب لَهُ جلد على مطالعة الْكتب وَرُبمَا سهر أَكثر اللَّيْل فى ذَلِك وَله خطّ حسن كتب بِخَطِّهِ عدَّة كتب اكثرها فى الْعَرَبيَّة والادب وَله رسائل مُشْتَمِلَة على عِبَارَات فصيحة ونكت بديعة وَكَانَ عذب اللِّسَان حُلْو الْمنطق جوادا سخيا كثير الْوَرع تَامّ الْمُرُوءَة كَامِل الفتوة حَافِظًا لسيرة السّلف وَلم يزل فى التَّحْصِيل حَتَّى توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَخمسين وَألف ﵀
السَّيِّد علوى بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوى بن أَبى بكر الجفرى بن مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الاستاذ الاعظم الْفَقِيه الْمُقدم وَيعرف كسلفه بالجفرى أحد الْعباد الْمَشْهُورين ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة قسم وَنَشَأ بهَا ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة وبورك لَهُ فِيهَا وجاب الْبِلَاد وَسَار الى الْجبَال وَأقَام بالمستفاض أَرض المهرة مُدَّة وعظمه سلطانها ورحل الى السواحل وبجله مُلُوكهَا وارتحل الى الْهِنْد واليمن ومصر وَغَيرهَا وَكَانَ كثير الاسفار الى الْحَج وزيارة النبى
وَصَحب جمَاعَة من اكابر الصُّوفِيَّة وانتفع بصحبتهم وَكَانَ غَايَة فى الْجُود وَالْكَرم وصلَة الرَّحِم وَحب الْفُقَرَاء والاحسان اليهم ومحبة الْعلم وَالْعُلَمَاء والصلحاء والاولياء وَكَانَ دينا صَدُوقًا وقورا مَشْهُورا بالعفاف وكرم النَّفس كثير الْوَرع وَكَانَ على قدم كَامِل من الصّلاح وَالْعِبَادَة وَكَثْرَة الصَّدَقَة والصلة ثمَّ أَقَامَ يتريم وَترك السّفر وتخلى لِلْعِبَادَةِ وَكَانَ من عَادَته حِين يستهل شهر رَمَضَان لَا يخرج من بَيته حَتَّى يَنْسَلِخ الا لصَلَاة الْجُمُعَة أَو صَلَاة صَلَاة التَّرَاوِيح وَكَانَ وجيها عِنْد النَّاس مَقْبُول الشَّفَاعَة وَالْقَوْل مسموع الْكَلِمَة صبورا على السعى فى قَضَاء حوائج الْمُسلمين وَكَانَ عَاقِلا محتشما ذَا رأى صَوَاب وَكَانَ بَينه وَبَين سيدى مُحَمَّد بن عمر البيتى صُحْبَة ومودة عَظِيمَة قَالَ الشلى وَكَانَ الْوَالِد يعْنى وَالِده أَبَا بكر يَقُول لم أر مثلهَا بَين اثْنَيْنِ قطّ وَلزِمَ صُحْبَة الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف بن مُحَمَّد العيدروس فى آخر عمره مُلَازمَة تَامَّة
стр. 1094
وَكَانَ يمشى على نهجهويتبع طَريقَة ويقتدى بصنيعه وَكَانَ كثير الاعتناء بِهِ وَكَانَ بيتهما من الصُّحْبَة والالفة مَا هُوَ مَشْهُور فَلَا حَاجَة الى الاطالة فِيهِ وَكَانَ من طَرِيقَته ان تَفْرِيق الصَّدَقَة على جماعته أحب اليه من أَن يُعْطِيهَا رجلا وَاحِدًا وَهَذِه مسئلة ذكرهَا الشَّافِعِيَّة وَاخْتلفُوا فى انه لَو سد جوعة مِسْكين عشرَة أَيَّام هَل أجره كَأَجر من سد جوعه عشرَة مَسَاكِين فالذى قَالَه ابْن عبد السَّلَام وَتَبعهُ كَثِيرُونَ لَا يكون كأجره فقد يكون فى الْجمع ولى وَقد حث الله تَعَالَى على الاحسان للصالحين وَهَذَا لَا يتَحَقَّق فى وَاحِد ولانه يُرْجَى من دُعَاء الْجمع مَا لَا يُرْجَى من دُعَاء الْوَاحِد وَمن ثمَّ أوجب الشافعى رَحمَه الله تَعَالَى دفع الزَّكَاة الى جَمِيع الاصناف انْتهى وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة صافى الْفُؤَاد حسن الِاعْتِقَاد لَا يعرف الغل وَالْخداع وعاش فى النِّعْمَة معززا مكرما وَحج آخر عمره وَكَانَ الْوُقُوف يَوْم الْجُمُعَة وَعَاد الى وَطنه تريم فتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف
على بن ابراهيم بن أَحْمد بن على بن عمر الملقب نور الدّين بن برهَان الدّين الحلبى القاهرى الشافعى صَاحب السِّيرَة النَّبَوِيَّة الامام الْكَبِير أجل أَعْلَام الْمَشَايِخ وعلامة الزَّمَان كَانَ جبلا من جبال الْعلم وبحرا لَا سَاحل لَهُ وَاسع الْحلم عَلامَة جليل الْمِقْدَار جَامعا لاشتات العلى صارفا نقد عمره فى بَث الْعلم النافع ونشره وحظى فِيهِ حظوة لم يحظها أحد مثله فَكَانَ درسه مجمع الْفُضَلَاء ومحط رحال النبلاء وَكَانَ غَايَة فى التَّحْقِيق حاد الْفَهم قوى الفكرة متحريا فى الْفَتَاوَى جَامعا بَين الْعلم وَالْعَمَل صَاحب جد واجتهاد عَم نَفعه النَّاس فَكَانُوا يأتونه لاخذ الْعَمَل عَنهُ من الْبِلَاد مهابا عِنْد خَاصَّة النَّاس وعامتهم حسن الْخلق والخلق ذَا دعابة لَطِيفَة فى درسه مَعَ جلالته وَكَانَ الشُّيُوخ يثنون عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله من الْفضل التَّام ومزيد الْجَلالَة والاحترام وَكَانَ اذا مر على الشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَهُوَ فى درسه مَعَ جلالته يقوم لَهُ وَيقبل يَدَيْهِ وَيَأْخُذ سر موذته بِيَدِهِ ويضعها فى خزانَة الشَّيْخ على ويفرش لَهُ سجادته الَّتِى يجلس عَلَيْهَا فى التدريس ثمَّ يرجع الى درسه ووقف جَمِيع كتبه على الشَّيْخ الْمَذْكُور ولد بِمصْر فى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وروى عَن الشَّمْس الرملى ولازمه سِنِين عديدة وَعَن الاستاذ مُحَمَّد البكرى والنور الزيادى والشهاب ابْن قَاسم وابراهيم العلقمى وَصَالح البلقينى وأبى النَّصْر الطبلاوى وَعبد الله الشنشورى وَسعد الدّين المرحومى وَسَالم الشبشيرى وَعبد الْكَرِيم البولاقى وَمُحَمّد الخفاجى وأبى بكر
стр. 1095
الشنوانى وَمَنْصُور الخوانكى وَمُحَمّد الميمونى الشافعيين وَعَن الامام على بن غَانِم المقدسى الحنفى وَمُحَمّد النحريرى الحنفى وَسَالم السنهورى المالكى وَمُحَمّد بن الترجمان الحنفى وَمُحَمّد الزفزاف وَعبد الْمجِيد خَليفَة سيدى أَحْمد البدوى وانتفع بِهِ خلق لَا يُحصونَ كَثْرَة مِنْهُم النُّور الشبراملسى وَالشَّمْس مُحَمَّد الوسيمى وَالشَّمْس مُحَمَّد النحريرى وَغَيرهم ألف المؤلفات البديعة مِنْهَا السِّيرَة النَّبَوِيَّة الَّتِى سَمَّاهَا انسان الْعُيُون فى سيرى النبى الْمَأْمُون فى ثَلَاث مجلدات اختصرها من سيرة الشَّيْخ مُحَمَّد الشامى وَزَاد أَشْيَاء لَطِيفَة الْموقع وَقد اشتهرت اشتهارا كثيرا وتلقتها افاضل الْعَصْر بِالْقبُولِ حررها تحريرا مَا مَعَ الشَّيْخ سُلْطَان وَله حَاشِيَة على مَنْهَج القاضى زَكَرِيَّا وحاشية على شرح الْمِنْهَاج للجلال الْمحلى وحاشية على شرح الورقات للجلال الْمَذْكُور وحاشية على شرح الورقات لِابْنِ امام الكاملية وحاشية على شرح التصريف للسعد وَشرح على الاربعين النووية وَشرح على الشَّمَائِل النَّبَوِيَّة لم يتم سَمَّاهُ الوفا لشرح شمائل الْمُصْطَفى رد فِيهِ كثيرا على عصريه عبد الرؤف المناوى وَحسن التَّبْيِين لما وَقع فى مِعْرَاج الشَّيْخ نجم الدّين وَالْفَجْر الْمُنِير بمولد البشير النذير وَشرح لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَشرح على الْبردَة وَشرح على المنفرجة وزهر المزهر وَهُوَ مُخْتَصر المزهر للسيوطى فى اللُّغَة وَشرح على شرح الْقطر للفاكهى ومطالع البدور فى الْجمع بَين الْقطر والشذور والفوائد العلوية بشرح شرح الازهرية والتحفة السّنيَّة شرح الاجرومية وَغَايَة الاحسان بِوَصْف من لقِيه من أَبنَاء الزَّمَان وَحسن الْوُصُول الى لطائف حكم الْفُصُول والمحاسن السّنيَّة من الرسَالَة القشيرية وَالْجَامِع الازهر لما تفرق من ملح الشَّيْخ الاكبر والنفحة العلوية من الاجوبة الحلبية والنصيحة العلوية فى بَيَان حسن الطَّرِيقَة الاحمدية وَالْمُخْتَار من حسن الثنا فى الْعَفو عَمَّن جنا واللطائف من عوارف المعارف وتحرير الْمقَال فى بَيَان وحدة من نَحْو لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده من أى أَنْوَاع الْحَال والطراز المنقوش فى أَوْصَاف الحبوش وصبابة الصبابه مُخْتَصر ديوَان الصبابه وانقاذ المهج بمختصر الْفرج وَمتْن فى التصريف وحسنات الوجنات النواخر من الْوُجُوه والنظائر واعلام الناسك بِأَحْكَام الْمَنَاسِك وَقطعَة لَطِيفَة على الْجَامِع الصَّغِير وَشرح على شرح الْبَسْمَلَة للقاضى زَكَرِيَّا سَمَّاهُ خير الْكَلَام على الْبَسْمَلَة وَالْحَمْد لَهُ لشيخ الاسلام وَله
стр. 1096
قِطْعَة علقها على أَوَائِل تَفْسِير البيضاويوله رِسَالَة لَطِيفَة فى التصوف ودخان التبغ وَغير ذَلِك وَكَانَ أحد مَشَايِخ الْمدرسَة الصلاحية الَّتِى هى تَاج الْمدَارِس الكائنة بجوار الامام الشافعى وَأَعْطَاهُ الله الْقبُول التَّام فى تأليفه وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت آخر يَوْم من شعْبَان سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة المجاورين ﵀
على بن ابراهيم بن على المنعوت بعلاء الدّين أَبُو الْحسن الْمَعْرُوف بالقبردى الدمشقى الصالحى الشافعى الْعَالم الْمَشْهُور أوحد أهل عصره فى الْجمع بَين الْفُنُون والاخذ بدقها وجلها الى التَّحْقِيق الباهر الذى يعجب مِنْهُ الْعجب وَقُوَّة الحافظة وَحسن الاداء والتفهيم وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من عاصره معترف لَهُ بالتفوق ومقر لَهُ بالتقدم قَرَأَ العقليات على المنلا أَبى بكر والمنلا نظام الدّين السنديين وَأخذ الشرعيات عَن أجلاء كثيرين مِنْهُم الْبُرْهَان ابراهيم بن الاحدب الْمُقدم ذكره وَأعَاد درس الحَدِيث تَحت قبَّة النسْر وَشَيْخه الشَّمْس الميدانى وَكَانَ الميدانى مَعَ كَونه شَيْخه وَقد تلقى مِنْهُ فنونا عديدة يعرف حَقه واذا أبدى سؤالا تَلقاهُ بِالْقبُولِ ويقدمه على غَيره وَيشْهد لَهُ بِالْفَضْلِ التَّام وَلما حج أَقَامَهُ مقَامه فى بقْعَة التدريس الَّتِى كَانَت لَهُ فى الْجَامِع الاموى واشتهر بعد ذَلِك كل الاشتهار وَصَارَ يومأ اليه بالاتقان والاحاطة التَّامَّة واقام بالصالحية فى حجره من حجرات الْمدرسَة العمرية لَا يتَرَدَّد الى أحد وَهُوَ رَاض بخشونة الْعَيْش ورقة الْحَال وَلَزِمَه جمَاعَة للاخذ عَنهُ فانتفعوا بِهِ ونبلوا وأجلهم السَّيِّد مُحَمَّد بن كَمَال الدّين بن حَمْزَة نقيب الشَّام وَشَيخنَا عبد الحى بن أَحْمد بن الْعِمَاد العكرى وَكَانَت الطّلبَة تقصده حَيْثُ كَانَ حَتَّى انهم يُسَارِعُونَ إِلَيْهِ من الْمَدِينَة فى زمن الشتَاء وَلَا يمنعهُم الْمَطَر والثلج حرصا على فَوَائده وَمن فَوَائده المنقولة عَنهُ على مَا رَأَيْته بِخَط بعض الفضلا ان الشَّيْخ يصغر على شيخ وَلَا يجوز تصغيره على شويخ لَان أَصله الْيَاء وَله جموع سَبْعَة وَقد نظمها بَعضهم فَقَالَ
(اذا رمت جمع الشَّيْخ وَهُوَ مُجَرّد ... يصير مزيدا عِنْدَمَا ضمه الْجمع)
(شُيُوخ وأشياخ وشيخان شيخة ... مَشَايِخ مشيوخاء مشيخة سبع)
واعتراه مرض بركبتيه فَانْقَطع مُدَّة وَلما ولى الْمولى أَحْمد بن المنلا زين الدّين المنطقى قَضَاء الشأم وَجه اليه الْمدرسَة المرشدية بصالحية دمشق وَكَانَ يجله كثيرا وعَلى كل حَال فَهُوَ من عِظَام الْعلمَاء الْمُحَقِّقين وَكَانَت ولاته فى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
стр. 1097
وعمى قبل مَوته بِمِقْدَار سنتَيْن ثمَّ توفى فى ثَالِث عشرى ذى الْقعدَة سنة سِتِّينَ وَألف وَدفن بسفح قاسيون
السَّيِّد على بن ابراهيم بن على بن المهدى بن صَلَاح بن على بن أَحْمد بن الامام مُحَمَّد ابْن جَعْفَر القاسمى الْمَعْرُوف بالعالم الشرفى وَمُحَمّد بن جَعْفَر الْمَذْكُور فى نسبه هُوَ المقبور فى جبل حرَام من الشّرف مَشْهُور مزور عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة ابْن الْحُسَيْن بن فليته ابْن على بن الْحُسَيْن بن أَبى البركات بن الْحُسَيْن بن يحيى بن على بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن الْقَاسِم بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الْحسن بن الْحسن بن على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال فى تَارِيخه هُوَ أحد السَّادة المعروفين بِالْفَضْلِ الموسومين بِالْخَيرِ وَكَانَ السَّيِّد الْعَالم صَاحب التَّرْجَمَة وَالسَّيِّد العابد الآتى ذكره فرسى رهان فى الْفَضَائِل وذكرهما مَلأ الْآفَاق وَكَانَ السَّيِّد العابد قد رأى فى النّوم انه نزل بِالْمُسْلِمين خطب عينه فى الرُّؤْيَا لم يحضرنى مَا هُوَ فهرب النَّاس وَنَجَا هُوَ بِنَفسِهِ مَعَهم وَأما السَّيِّد الْعَالم فاشتغل باطلاع النَّاس من مَوَاضِع الهلكة الى النجوة فَعرض الرُّؤْيَا عَلَيْهِ فَقَالَ الامر كَذَلِك أَنْت مَشْغُول بِنَفْسِك وَأَنا بِالْمُسْلِمين وَصَاحب التَّرْجَمَة أحد شُيُوخ الامام الْقَاسِم مولده فى يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر صفر سنة ثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَنَشَأ بِبَلَدِهِ هِجْرَة الجاهلى من الشاهل ورباه عَمه السَّيِّد صَلَاح الدّين بن على بن المهدى وَكَانَ السَّيِّد صَلَاح هَذَا من أَعْيَان أعوان الامام شرف الدّين وَتَوَلَّى الْقَضَاء بجهات الشّرف والاوقاف للامام ثمَّ ارتحل السَّيِّد على بن ابراهيم الى صنعاء لطلب الْعلم وَأقَام مُدَّة حَتَّى فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ بِمَعْرِِفَة تَامَّة فى الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة ثمَّ رَجَعَ الى بَلَده وَقد كَادَت تضعف دولة الامام شرف الدّين فَحصل على كثير من عُلَمَاء صعدة مَا أوجب الْهِجْرَة من أوطانهم من تغلب أهل الْجور فوفد الى السَّيِّد على بن ابراهيم جمَاعَة من أَعْيَان أهل التَّقْوَى وَالْعلم من بعض أهل علاف وَبَعض بنى عقبَة فأفادوا السَّيِّد الْمَذْكُور علما الى علمه وَكَانَ موردا للطالبين وكعبة للمسترشدين وَتخرج على يَدَيْهِ جمَاعَة من أهل الْفضل وَالْعلم وَالْعَمَل مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الهادى بن الْحسن من هِجْرَة بنى أَسد وَمِنْهُم السَّيِّد رَأس الْعباد وَعين الزهاد وخاتمة أهل التَّقْوَى وَالْيَقِين شمس الدّين صَلَاح بن يُونُس صَاحب هِجْرَة أسلم ناشر من أَوْلَاد الامام المتَوَكل على الله المطهر بن الامام يحيى شرف الدّين وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن الحسبن بن على صَاحب هِجْرَة الخواقع من
стр. 1098
حَبل الشاهل تولى الْقَضَاء للامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَغَيرهم من الْفُقَهَاء من أهل هجر الشّرف وَغَيرهَا ودرس فى شرح ابْن مِفْتَاح على الازهار والتذكرة وَالْبَيَان مُدَّة مديدة وَلما مَاتَ السَّيِّد الاجل الْمُجَاهِد المطهر بن الامام شرف الدّين ظهر بِجِهَة الشّرف من أَنْوَاع الْمُنْكَرَات مَا لَا يقدر قدره وَذَلِكَ سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فوصل قبائل تِلْكَ الْجِهَات الى السيدين الْعَالم وَالْعَابِد الآتى ذكرهمَا يستغيثون بهما فى دفع مَا حصل من الظُّلم والجور فَلم يجد عذرا عِنْد الله تَعَالَى فى التّرْك وَمن أعظم الاسباب فى قيامهما مرجان متولى تِلْكَ الْجِهَة من أَعمال غوث الدّين بن المطهر ابْن شرف الدّين تظاهر بِفعل الْمُنْكَرَات وعسف وأفرط فى ظلمه فَاجْتمع من قبائل الشّرف الى السيدين قدر خَمْسمِائَة مقَاتل فقصد الى المحابشة بِمن اجْتمع اليهما الى مَوضِع يُقَال لَهُ جبل الغابش وطلع مقدماتهم الى حصن الْقَاهِرَة من المحابشة فَلَقِيَهُمْ مرجان بمحطة من الْجند فناوشوهم الْقِتَال فَقتل من الْقَبَائِل خَمْسَة رجال ثمَّ انهزم الْقَبَائِل وَلم يثبت مِنْهُم أحد وغدر أهل المحابشة بِمَا قد تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ من الْقيام بالامر بِالْمَعْرُوفِ ومعاونة السيدين ثمَّ قصد مرجان الْمَذْكُور قَبيلَة الا مُرُور فَقتل مِنْهُم عشْرين رجلا فَهَاجَرَ السَّيِّد على بن ابراهيم العابد إِلَى غفار للْقِرَاءَة والاقراء وَأما السَّيِّد عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْعَالم فَلم يزل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر ويدرس الْعُلُوم بهجرته ثمَّ هَاجر بأَهْله وَأَوْلَاده الى حجور الاسلام وَوصل الى السَّيِّد غوث الدّين بن المطهر الى قفل مدوم فَوضع لَهُ مَوْضُوعا فى الِاسْتِمْرَار على حَالَته من التدريس واحترام جَانِبه وَمن يلوذ بِهِ حَتَّى دَعَا الامام النَّاصِر لدين الله الْحسن بن على بن دَاوُد فَقَامَ بهَا فى تِلْكَ الْجِهَة الشرفية وَلما أسر الامام الْحسن أَخذ السَّيِّد على فى معاونة الامام الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد على الْقيام بالامامة وَجمع لَهُ من أَمْوَال فضلات الاوقاف والزكوات ونذورا كَثِيرَة وحشد لَهُ من بَلَده أهل السِّلَاح قدر سِتِّينَ رجلا وَكَانَ الامام الْقَاسِم الْمَذْكُور مِمَّن أَخذ عَنهُ الْعلم من صغره وَكَانَ كثير تِلَاوَة الْقُرْآن وَالْعِبَادَة وَله كرامات مَشْهُورَة فى حَيَاته وَبعد وَفَاته مَاتَ فى شهر ربيع الآخر سنة سِتّ بعد الالف واستجاب الله تَعَالَى دعاءه أَن لَا يميته الا بعد ظُهُور قَائِم من أهل الْبَيْت وقبر بِهِجْرَة الجاهلى وَعَلِيهِ مشْهد مزور وَخلف وَلدين السَّيِّد الْعَلامَة الاوحد بدر الدّين مُحَمَّد بن على وَكَانَ عَالما نبيلا مدرسا للفقه والفرائض وَهُوَ شيخ السَّيِّد الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فى الْفَرَائِض وَتَوَلَّى الفضاء للامام
стр. 1099
الْقَاسِم فى الْجِهَات الشرفية وأرسله الى عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن المطهر فى الصُّلْح الاول وَتمّ على يَدَيْهِ وَاسْتمرّ على حَاله من الِاشْتِغَال بِأُمُور الْمُسلمين وتدريس الْعلم الى ان اخْتَار الله تَعَالَى لَهُ مَا عِنْده من الِانْتِقَال الى دَار الْقَرار سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف تَقْرِيبًا وعقبه فى هِجْرَة الجاهلى من الشاهل وَقت رقم هَذِه سنة احدى وَثَمَانِينَ نَحْو ثَمَانِينَ رجلا مِنْهُم الْعلمَاء الْعَامِلُونَ كالسيد الْعَلامَة أَحْمد بن صَلَاح بن مُحَمَّد بن على بن ابراهيم أَخذ الْعلم عَن السَّيِّد مُحَمَّد بن عز الدّين الْمُفْتى بِمَدِينَة صنعاء ثمَّ رَجَعَ الى بَلَده الْهِجْرَة بعد أَن أَقَامَ بِصَنْعَاء سبع سِنِين فَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الطّلبَة علم الْفِقْه بتحقيق قَوَاعِده وَاسْتمرّ على ذَلِك الى وقتنا هَذَا وَتَوَلَّى الْقَضَاء بِجِهَة الشّرف الاسفل مَعَ مَكَارِم أَخْلَاق واكرام للوافدين وَالْولد الآخر من ولدى السَّيِّد على بن ابراهيم هُوَ السَّيِّد صارم الدّين ابراهيم بن على مَاتَ مُهَاجرا بِمَدِينَة حوت سنة اثنتى عشرَة وَألف وَله الْعقب الاطيب الاكثر خلف سِتَّة أَوْلَاد مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة شرف الدّين بن ابراهيم وَهُوَ اكبر أَوْلَاده وَكَانَ من أَعْيَان أهل الْبَيْت علما وَعَملا وسعة صدر وَتَوَلَّى الْقَضَاء للامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم بعد وَفَاة عَمه مُحَمَّد بن على وَاسْتمرّ عَلَيْهِ الى أَن مَاتَ سنة أَربع وَسبعين وَألف وعمره سِتّ وَثَمَانُونَ وَخلف أَرْبَعَة عشر ولدا وَمِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة الْمُحَقق فى الاصول وَالْفُرُوع شمس الدّين بن ابراهيم بن على الْعَالم كَانَ من الْعباد الجامعين بَين فَضِيلَة الْعلم وَالْجهَاد وَلم يتول شَيْئا من الاعمال الى أَن مَاتَ سنة أَربع وَخمسين وَألف وعمره خمس وَسِتُّونَ سنة وَللسَّيِّد ابراهيم أَرْبَعَة أَوْلَاد غير هذَيْن وهم السَّيِّد مُحَمَّد بن ابراهيم وَالسَّيِّد العابد أَحْمد بن ابراهيم وَالسَّيِّد صَلَاح بن ابراهيم وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بن ابراهيم وكل مِنْهُم خلف جمَاعَة من الاولاد ذكورهم فى تَارِيخ رَاقِم هَذِه الاحرف خَمْسَة وَسَبْعُونَ مَا بَين كهل وشاب وصغير وَلم يخل الله تَعَالَى أَوْلَادهم من التَّمَسُّك بِالْعلمِ وسلوك طَرِيق سلفهم الطاهرين هَكَذَا نَقله ولد ولد وَلَده السَّيِّد أَحْمد بن الْحُسَيْن بن ابراهيم بن على الْعَالم رَحِمهم الله تَعَالَى
على بن ابراهيم بن على بن ابراهيم بن المهدى بن أَحْمد بن يحيى بن الْقَاسِم بن يحيى ابْن عليان وَمن هُنَا تَتِمَّة النّسَب قد ذكرتها فى تَرْجَمَة السَّيِّد اسماعيل الحجاف السَّيِّد الْجَلِيل الصَّالح الولى رَأس الْفُضَلَاء وتاج الكبراء كَانَ سيدا مُبَارَكًا عادلا عَارِفًا لَهُ أَخْلَاق رضية وشمائل مرضية تولى الجعفرية وَمَا والاها من أَرض الْيمن نَحْو
стр. 1100
ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَهُوَ على حَالَة وَاحِدَة مُسْتَقِيمَة وَكَانَ من الاحسان الى السَّادة والفقراء بمَكَان لَا يُسَاوِيه فِيهِ غَيره وخلالته عِنْد الائمة اشهر من أَن تذكر وَلم يذكر عِنْد أحد من أهل الدّين وَالصَّلَاح الا اثنى عَلَيْهِ ودعا لَهُ وَكفى بذلك منقبة وَهُوَ وَالِد السبيد النجيب فَخر أهل الزَّمَان زيد بن على صَاحب المخا ذكرته فى كتابى النفخة وَذكره صَاحب التَّرْجَمَة السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن الطَّاهِر الْبَحْر فى تَارِيخه واثنى عَلَيْهِ قَالَ وَمَا رَأَيْت فِيمَن رَأَيْت من الْوُلَاة فى عصرنا اتَّقى وَلَا اكرم مِنْهُ وَكَانَت وَفَاته فى كسمه فى رَجَب سنة احدى وَسبعين وَألف عَن نَحْو ثَمَانِينَ عَاما وَدفن هُنَالك فى جَانب مَسْجده الذى أسسه
على بن ابراهيم الْخياط الرشيدى الشافعى الشَّيْخ الامام الْحجَّة الولى المفنن فى الْعُلُوم وَالْجَامِع لَهَا والمقدم فى المعارف كلهَا والمتكلم فى أَنْوَاعهَا والناقد فى جَمِيعهَا والحريص على أَدَائِهَا مَعَ ذهن ثاقب وآداب أَخْلَاق وَحسن معاشرة ولين جَانب وَكَثْرَة احْتِمَال وكرم نفس وَحسن عهد وثبات ود وملازمة طَاعَة وَكَثْرَة ذكر ولد فى الْعشْر الاول من هَذِه الْمِائَة برشيد وَبهَا نَشأ وَحفظ الْقُرْآن وجوده وَأخذ عَمَّن بهَا من عُلَمَاء عصره ثمَّ قدم مصر وَقَرَأَ بالروايات على مقرى مصر عبد الرَّحْمَن الْيُمْنَى وَأخذ الْفِقْه والعلوم الشَّرْعِيَّة والعقلية عَن شُيُوخ كثيرين مِنْهُم النُّور على الحلبى والبرهان اللقانى وَالشَّمْس الشوبرى وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى والنور الشبراملسى وَالشَّمْس البابلى وجد واجتهد الى أَن بلغ الْغَايَة القصوى وَرجع الى بَلَده وحمدت سيرته فِيهَا وَأَقْبل عَلَيْهِ جَمِيع أَهلهَا واعتقده عَامَّة ذَلِك الاقليم وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة وتصدر للتدريس وَأخذ عَنهُ خلق كَثِيرُونَ مِنْهُم الْعَلامَة أَحْمد بن عبد الرَّزَّاق الرشيدى وَأَقْبل على قِرَاءَة الْقُرْآن قبل مَوته بِسنة فَصَارَ لَا يَتْرُكهَا صباحا وَمَسَاء وكل وَقت حَتَّى ترك التدريس الى أَن توفى فى أَوَائِل رَجَب سنة أَربع وَتِسْعين وَألف برشيد وَبهَا دفن وَأخْبر وَلَده انه لما احْتضرَ قَرَأَ بعض الْحَاضِرين سُورَة يس والرعد فَلَمَّا بلغ الى قَوْله تَعَالَى سَلام عَلَيْكُم طبتم الْآيَة خرجت روحه وَكَانَ أخبرهُ بعض الاولياء انه يَمُوت فى رَجَب فَكَانَ كلما اتى رَجَب يقبل على الْعِبَادَة الى أَن توفى رَحمَه الله تَعَالَى
على بن أَبى بكر بن على نور الدّين بن أَبى بكر بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالجمال المصرى بن أَبى بكر بن على بن يُوسُف بن ابراهيم بن مُوسَى بن ضرغام
стр. 1101
ابْن طعان بن حميد الانصارى الخزرجى المكى الشافعى الامام الْحجَّة الْمُؤلف المُصَنّف كَانَ صَدرا عالى الْقدر وَاسع الْمَحْفُوظ محققا تشد اليه الرّحال للاخذ عَنهُ ذكره الشلي وسَاق نسبه كَمَا ذكرته ثمَّ قَالَ ولد بِمَكَّة سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَمَات أَبوهُ سنة سِتّ بعد الالف كَمَا تقدم فى تَرْجَمته فَنَشَأَ يَتِيما فقيض الله تَعَالَى لَهُ الشَّيْخ الولى أَبَا الْفرج المزين فاحتفل بتربيته واشتغل أَولا بالقراآت على الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن أَبى الْحسن بن نَاصِر الاشعرى فَقَرَأَ عَلَيْهِ الى أَن مَاتَ فى سنة احدى وَثَلَاثِينَ والف فاكمل الْقِرَاءَة على تِلْمِيذه الشَّيْخ أَحْمد الحكمى وَقَرَأَ على الشَّيْخ مُحَمَّد تقى الدّين الزبيرى وَسَنَد الزبيرى وَسَنَد الشَّيْخ أَبى الْحسن من طَرِيق أهل الْمَدِينَة وَاحِد فانهما قرآ جَمِيعًا على المقرى الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَبى الْحرم المدنى وَهُوَ عَن جمَاعَة اجلاء من اعلاهم سَنَد الشَّيْخ الامام الشَّمْس مُحَمَّد بن ابراهيم السمديسى المصرى الحنفى وَهُوَ عَن شيخ الْقُرَّاء أَحْمد بن رَاشد الاسيوطى وَهُوَ عَن امام الْقُرَّاء أَبى الْخَبِير مُحَمَّد بن مُحَمَّد الجزرى وَسَنَده مَذْكُور فى النشر وَغَيره وَلم يَأْخُذ الشَّيْخ مُحَمَّد تقى الا عَن شَيْخه الْمَذْكُور واما الشَّيْخ أَبُو الْحسن فَلهُ سَنَد آخر من طَرِيق أهل مَكَّة فَهُوَ عَن الامام عمر الشعرانى وَهُوَ عَن اجلاء معتبرين من أهل الْيمن مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله بن رعيل الحضرمى الضَّرِير وَالشَّيْخ على الريمى القرشى وَله اسانيد أخر وَأخذ صَاحب التَّرْجَمَة النَّحْو والاصول وَالْعرُوض عَن الشَّيْخ عبد الْملك العصامى وَالْكَلَام عَن الْبُرْهَان اللقانى وَأخذ عَن السَّيِّد عمر ابْن عبد الرَّحِيم البصرى الْفِقْه والاصول والعربية والْحَدِيث واصوله وَالتَّفْسِير والمعانى وَالْبَيَان وَأَجَازَهُ بِاللَّفْظِ فى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف وَأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد بن ابراهيم عَلان العقائد والْحَدِيث وَعَن الشهَاب الخفاجى الحَدِيث وَعَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الرَّحْمَن باوزير التصوف وتصدر للاقراء والتدريس فى الْمَسْجِد الْحَرَام وانتفع بِهِ جمَاعَة من الاعلام مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد طَاهِر عباسى وَالشَّيْخ أَحْمد باقشير قلت وَشَيخنَا الْحسن العجيمى وَشَيخنَا أَحْمد النخلى فسح الله تَعَالَى فى اجلهما قَالَ وقرأت عَلَيْهِ الْفِقْه والفرائض والحساب والاصلين والْحَدِيث واصوله وَكَانَ لَهُ قُوَّة اقدام على تَفْرِيق كِتَابَة المشكلات وَله مؤلفات عديدة مِنْهَا الْمَجْمُوع الوضاح على مَنَاسِك الايضاح وشرحان على ابيات ابْن المقرى كَبِير وصغير وَله كافى الْمُحْتَاج لفرائض الْمِنْهَاج وَفتح الْفَيَّاض بِعلم الْقَرَاض
стр. 1102
وقرة عين الرائض فى فنى الْحساب والفرائض وَله الْمُذَلل فى الْفَرَائِض والنفحة المكية بشرح التُّحْفَة القدسية لِابْنِ الهائم والنقول الْوَاضِحَة الصَّرِيحَة فى عدم كَون الْعمرَة قبل النَّفر صَحِيحَة ورسالة فى التَّقْلِيد وَشرح ابيات الْجلَال السيوطى الَّتِى أَولهَا يتبع الْفَرْع فى انتساب أَبَاهُ وَفتح الْوَهَّاب بشرح نزهة الاحباب والتحفة الحجازية فى الاعمال الحسابية وتحرير الْمقَال فِي قَول ابْن المجدى فِي الشَّرِيك أشكال والدر النضيد فِي مَأْخَذ القراآت من القصيد والمواهب السنيه فى علم الْجَبْر والمقابلة وَشرح الياسمينية فى الْجَبْر والمقابلة ورسالة فى احكام النُّون الساكنة والتنوين وصلَة المبتدى بشرح نظم در المهتدى وَهُوَ فى الْفَرَائِض على مَذْهَب أَبى حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وَله ابيات مسوغات الِابْتِدَاء وَشَرحهَا وَله مؤلف سَمَّاهُ الِانْتِصَار النفيس لجناب مُحَمَّد بن ادريس ردا على بعض الْحَنَفِيَّة فى زَمَانه زعم ان حَدِيث لَا تسبوا قُريْشًا فان عالمها يمْلَأ الارض علما منزل على ابْن عَبَّاس وَزعم ان مَا ورد فى فضل قُرَيْش مَخْصُوص بالقاطنين بِأم الْقرى وَله غير ذَلِك من تآليف واشعار وآثار وَانْفَرَدَ فى فقههم بمسائل لم يُوَافقهُ عَلَيْهَا أحد من فُقَهَاء الشَّافِعِيَّة مِنْهَا ان الْمصلى فى دَاخل الْمَسْجِد بقبة مثلا مَبْنِيَّة فِيهِ اذا صك عَلَيْهِ بَابهَا مَعَ علمه بانتقالات الامام وَلم يُمكنهُ الْوُصُول مِنْهَا اليه كمقام ابراهيم ﵇ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فان قدوته غير صَحِيحَة وَصلَاته بَاطِلَة وَمِنْهَا فى الْحَج ان من وصل الى جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّفر الاول نَاوِيا النَّفر ورماها فَهُوَ عِنْد وُصُوله اليها خَارج منى فَيجب عَلَيْهِ بعد رميها الرُّجُوع الى حد منى ثمَّ ينفر عقبه لَان الاول كَانَ قبل استكمال الرمى وان مَا عَلَيْهِ عمل النَّاس الْيَوْم من سيرهم من منى وافاضتهم عقب رمى جَمْرَة الْعقبَة سِيمَا النِّسَاء غير صَحِيح قَالَ كَمَا تَقْتَضِيه عباراتهم سِيمَا عبارَة التُّحْفَة هَذَا مَا ظهر فان ظهر نقل بِخِلَافِهِ فالمعول عَلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان بَقينَ من شهر ربيع الثانى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة المعلاة
على بن أَبى بكر بن المقبول صَاحب الْحَال الزيلعى العقيلى وَتقدم رفع نسبه فى تَرْجَمَة أَبِيه كَانَ من أكَابِر بنى الزيلعى ووجوههم وَمن خِيَار عباد الله الصَّالِحين المتمسكين بِالسنةِ وَكَانَ حسن الْخلق والخلق لطيف الطباع حسن الشَّمَائِل متواضعا خيرا كَرِيمًا ملازما لطاعة الله وَذكره الشلى وَقَالَ ولد باللحية فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أَبِيه وَعَن الْفَقِيه مَقْبُول بن أَحْمد المحجب
стр. 1103
وَاجْتمعَ بِكَثِير من الاولياء وَأخذ عَنْهُم وأجازوه واشتهر ذكره بِبَلَدِهِ ورحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ ثمَّ الى صَعِيد مصر وَمكث ثمَّة نَحْو ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ مسموع الْكَلِمَة عِنْد امرائها مَقْبُول الشَّفَاعَة مجللا مُعظما وَله كرامات كَثِيرَة مِنْهَا ان بعض الاصحاب كَانَ مُسَافِرًا فى سفينة المترجم من الْقصير الى الينبع فهاج الْبَحْر وتعب أهل السَّفِينَة كثيرا وأيقنوا بِالْهَلَاكِ فَقَالَ فى نَفسه سُبْحَانَ الله النَّاس يَقُولُونَ ان صَاحب هَذِه السَّفِينَة من أَوْلِيَاء الله وَلَا يُلَاحظ سفينته وتحكم ذَلِك فى خاطره فَأَخَذته سنة من النّوم فَرَآهُ وَهُوَ ماسك مقدمها بِيَدِهِ يَقُودهَا والتفت اليه وَقَالَ لَهُ يَا فلَان لَا تخف فَنحْن لَا نغفل عَن سواعينا قُم من النّوم وَلكم السَّلامَة فأفاق من نَومه فَوجدَ الامر هان والسفينة اسْتَقَرَّتْ وسلموا وبلغوا الينبع وَرَآهُ فِيهَا على صورته الَّتِى رَآهُ عَلَيْهَا فى النّوم وَمِنْهَا ان الامير مُحَمَّد أَمِير الصَّعِيد كَانَ يَعْتَقِدهُ كثيرا وَكَانَ لَهُ مركب فَقَالَ يَا شيخ على اشْتَرِ هَذَا الْمركب وَأعْطِ حَقه على حسب التَّيْسِير فَأخذ مِنْهُ بألفي قِرْش فَبعد مُدَّة حصل على الامير مَا حصل من قيام وَزِير مصر وعسكرها عَلَيْهِ حَتَّى جهزوا عَلَيْهِ عسكرا جراراً وقتلوه وضبطوا مخلفاته فوجدوا الْمبلغ مَكْتُوبًا فى الدفاتر على الشَّيْخ على فَجَاءَهُ رَسُول من وَزِير مصر يقبض جَمِيع المخلفات فَطلب من الشَّيْخ على الْمبلغ الْمَذْكُور فَذكر لَهُم انه أَخذه من الامير على التدريج وَلَا يقدر على دفع شئ فى هَذِه الْحَال من ثمنه أَو يأخذوه بِعَيْنِه فَأبى الرَّسُول ذَلِك فَاقْتضى نظر أَمِير الصَّعِيد الامير أَحْمد ان يُسَافر الى مصر وَيرد الامر الى الْوَزير فَذهب الى مصر وَمَعَهُ جمَاعَة مطلوبون أَيْضا فى دُيُون مَعَ رَسُول الْوَزير فأهانهم وأجلسهم مَجْلِسا غير مُنَاسِب فى السَّفِينَة المتوجهة بهم الى مصر وَصَارَ يمْنَع النَّاس عَن الِاجْتِمَاع بهم فنصحه الشَّيْخ وَقَالَ لَهُ مَالك حَاجَة بِنَا فَلم يفده فَخرج لَهُ فى دبره شئ مَنعه من الْجُلُوس وَالطَّعَام وَالشرَاب وَاشْتَدَّ بِهِ ذَلِك فَأرْسل اليه وَقَالَ لَهُ يَا سيدى تبت الى الله فَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من الْقُرْآن فعوفى لوقته وَصَارَ يتعاطى خدمته بِنَفسِهِ الى مصر فَلَمَّا وصلا الى مصر قَالَ لَهُ يَا سيدى انْزِلْ عندى فى بيتى وأقضى لَك جَمِيع امورك فَأبى وَنزل عِنْد بعض أَصْحَابه ثمَّة من أهل الْيمن ثمَّ ذهب الى الامير قيطاس واخبره بذلك وَكَانَ فى ذَلِك الْوَقْت رَئِيس مصر فَذهب بِهِ الى الْوَزير فبمجرد ان وَقع بصر الْوَزير عَلَيْهِ قَامَ لَهُ اجلالا وبقى بَين يَدَيْهِ كالطفل الصَّغِير وَهُوَ فى غَايَة التأدب فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ نحط عَنْكُم من الْمبلغ كَذَا والباقى مِنْهُ نحاسبكم بِهِ من اجرة
стр. 1104
حبوب الْحَرَمَيْنِ الَّتِى نضعها فى السَّفِينَة ونادى الْكتاب فى ذَلِك الْوَقْت فَحَسبُوا ذَلِك وَفضل لَهُ من الاجرة شئ كثير فدفعوه لَهُ فى الْحَال وزاده الْوَزير من عِنْده شَيْئا وكساه ثيابًا فاخرة وَبَالغ فى اكرامه وَقَالَ لَهُ الْحُبُوب نزلُوا مِنْهَا فى الساعية الَّتِى تريدوها والباقى يكون فى سفرة اخرى وَأمر أَمِير الصَّعِيد ان يدْفع لَهُ من الْحُبُوب شَيْئا كثيرا وَرجع الشَّيْخ الى الصَّعِيد منصورا مظفرا وَتشفع بِهِ بَقِيَّة المطلوبين بِمَا عَلَيْهِم من الدّين فَقبل شَفَاعَته وسامحهم الْوَزير بذلك وَكَانَ حَافِظًا للمراتب الشَّرْعِيَّة وَمن الْقَائِلين بالوحدة وَكَانَ ملآنا من معرفَة الله تَعَالَى وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى رَجَعَ الى الْحَرَمَيْنِ وَمكث مُدَّة ثمَّ توجه الى الْيمن فى سنة أَربع وَتِسْعين وَألف وَرجع من عَامه فتوفى بِمَكَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ حادى عشرى ذى الْقعدَة الشَّرِيفَة سنة خمس وَتِسْعين وَألف وَدفن بالشبيكة رَحمَه الله تَعَالَى
السَّيِّد على بن أَبى الْحسن الملقب نور الدّين الحسينى الشامى العاملى الامام الْهمام الْعَالم المنطيق الجم الْفَائِدَة الْمَشْهُور ذكره السَّيِّد على بن مَعْصُوم فى السلافة فَقَالَ فِي تَعْرِيفه طود الْعلم المنيف وعضد الدّين الحنيف وَمَالك ازمة التَّأْلِيف والتصنيف الباهر بالرواية والدراية والرافع لخميس المكارم أعظم رايه فضل يعثر فى مداه مقتفيه وَمحل يتَمَنَّى الْبَدْر لَو أشرق فِيهِ وكرم يخجل المزن الهاطل وشيم يتحلى بهَا جيد الزَّمَان العاطل وصيت حل من حسن السمعة بَين السحر والنحر
(فَسَار مسير الشَّمْس فى كل بَلْدَة ... وهب مهب الرّيح فى الْبر وَالْبَحْر)
حَتَّى كَانَ رائد الْمجد لم ينتجع سوى جنابه وبريد الْفضل لم يقعقع سوى حَلقَة بَابه وَكَانَ لَهُ فى مبدا أمره بِالشَّام مجَال لَا يكذبهُ بارق الْعِزّ اذا شام بَين اعزاز وتمكين وَمَكَان فى جَانب صَاحبهَا مكين ثمَّ انثنى عاطفا عنانه وثانية فقطن بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَهُوَ كعبتها الثَّانِيَة تستلم اركانه كَمَا تستلم اركان الْبَيْت الْعَتِيق وتستنسم اخلاقه كَمَا يستنسم الْمسك الفتيق وَلَقَد رَأَيْته بهَا وَقد أناف على التسعين وَالنَّاس تستعين بِهِ وَلَا يَسْتَعِين والنور يسطع من اسارير جَبهته والعز يرتع فى ميادين جلهته وَلم يزل بهَا الى ان دعى فَأجَاب وَكَأَنَّهُ الْغَمَام امرع الْبِلَاد فانجاب وَله شعر يدل على علو مَحَله وابلاغه هدى القَوْل الى مَحَله فَمِنْهُ قَوْله متغزلا
(يَا من مضوا بفؤادى عِنْدَمَا رحلوا ... من بعد مَا فى سويدا الْقلب قد نزلُوا)
(جاروا على مهجتى ظلما بِلَا سَبَب ... فليت شعرى الى من فى الْهوى عدلوا)
стр. 1105
(وأطلقوا عبرتى من بعد بعدهمْ ... وَالْعين اجفانها بالسهد قد كحلوا)
(يَا من تعذب من تسويفهم كبدى ... مَا آن يَوْمًا لقطع الْحَبل أَن تصلوا)
(جادوا على غَيرنَا بالوصل مُتَّصِلا ... وفى الزَّمَان علينا مرّة بخلوا)
(كَيفَ السَّبِيل الى من فى هَوَاهُ مضى ... عمرى وَمَا صدنى عَن ذكره شغل)
(واحيرتى ضَاعَ مَا أوليت من زمن ... اذ خَابَ فى وصل من أهواهم الامل)
(فى أى شرع دِمَاء العاشقين غَدَتْ ... هدرى وَلَيْسَ لَهُم ثار اذا قتلوا)
(يَا للرِّجَال من الْبيض الرشاق أما ... كفاهم مَا الذى بِالنَّاسِ قد فعلوا)
(من منصفى من غزال مَاله شغل ... عَنى وَلَا عاقنى عَن حبه عمل)
(نصبت أشراك صيدى فى مراتعه ... وَالصَّيْد فنى ولى فى طرقه حيل)
(فصاح بى صائح خفض عَلَيْك فقد ... صيد الغزال الذى تبغيه يَا رجل)
(فصرت كالوا لَهُ الساهى وفارقنى ... عقلى وَضَاقَتْ على الارض والسبل)
(وَقلت بِاللَّه قل لى أَيْن ساربه ... من صَاده علهم فى السّير مَا عمِلُوا)
(فَقَالَ لى كَيفَ تلقاهم وَقد رحلوا ... من وقتهم واستجدت سَيرهَا الابل)
وَقَوله من قصيدة طَوِيلَة فى الْمَدْح أَولهَا
(لَك الْفَخر بالعليا لَك السعد راتب ... لَك الْعِزّ والاقبال والنصر غَالب)
مِنْهَا
(سموت على قب السراحين صائلا ... فكلت بكفيك القنا والقواضب)
(وحزت رهان السَّبق فى حلبة العلى ... فَأَنت لَهَا دون الْبَريَّة صَاحب)
(وجلت بحومات الوغى جول باسل ... فَردَّتْ على اعقابهن الْكَتَائِب)
(فَلَا الدارعات المقتمات تكنها ... ملابسها لما تحق الْمضَارب)
(وَلَا كَثْرَة الاعداء تغنى جموعها ... اذا لمعت مِنْك النُّجُوم الثواقب)
(خض الحتف لَا تخش الردى واقهر العدى ... فَلَيْسَ سوى الاقدام فى الرأى صائب)
(وشمر ذيول الحزم عَن سَاق عزمها ... فَمَا ازدحمت الا عَلَيْك الْمَرَاتِب)
(اذا صدقت للناظرين دَلَائِل ... فدع عَنْك مَا تبدى الظنون الكواذب)
(ببيض المواضى يدْرك الْمَرْء شأوه ... وبالسمران ضَاقَتْ تهون المصاعب)
(لاسلافك الغر الْكِرَام قَوَاعِد ... على مثلهَا تبنى العلى والمناصب)
(زكوت وحزت الْمجد فرعا ومحتدا ... فآباؤك الصَّيْد الْكِرَام الا طائب)
(وَمن يزك أصلافى المعالى سمت بِهِ ... ذرى لمجد وانقادت اليه الرغائب)
стр. 1106
(بَنو عمكم لما اضاءت مَشَارِق ... بكم أشرقت مِنْهُم علينا مغارب)
(وَفِيكُمْ لنا بدر من الغرب طالع ... فَلَا غروان كَانَت لَدَيْهِ الْعَجَائِب)
(هُوَ الْفَخر مد الله فى الارض ظله ... وَلَا زَالَ تجلى من سناه الغياهب)
(الى حلب الشَّهْبَاء منى بِشَارَة ... تعطر حَتَّى تستطيب الجوانب)
(اذا مَا مضى من بعد عشر ثَلَاثَة ... من الدّور فِيهَا تستتم المآرب)
(لقد حدثت عَنْهَا أولو الْعلم مِثْلَمَا ... جرى وَانْقَضَت تِلْكَ السنوات الجوادب)
(بدا سعدها لما على بدابها ... وَيَا طالما قد أنحست وَهُوَ غارب)
(وَفَوْز على بالعلى فوز هابه ... فَكل الى كل مُضَاف مُنَاسِب)
(كأنى بِسيف الدولة الْآن واردا ... اليها يلاقى مَا جنته الثعالب)
(لقد جادها صوب الحيا بعد محلهَا ... وشرفها من أحكمته التجارب)
(كريم اذا مَا أمحل الْغَيْث أمْطرت ... أياديه جودا مِنْهُ تصفو المشارب)
(أديب اريب لَو تجسم لَفظه ... أَصَابَته عقدا للنحور الكواعب)
(فيا أَيهَا الْمَنْصُور بِشِرَاك رُتْبَة ... بهَا السعد حَقًا وَالسُّرُور مواظب)
(مدحتكم والمدح فِيكُم تِجَارَة ... بهَا تثمر النعمى وتغلوا المكاسب)
(الى بَاب عليا كم شددت رواحلى ... وَيَا طالما شدت اليها الركائب)
(بهَا الْفضل منشور بهَا الْجُود وافر ... بهَا فتح من سدت عَلَيْهِ الْمذَاهب)
(وماذا عَسى أَن يبلغ الْوَصْف فِيكُم ... الى غَايَة هَل ينقص الْبَحْر شَارِب)
(فَلَا زلتم فى اكمل السعد والهنا ... مدى الدَّهْر مَا مَالَتْ وَمَا سِتّ ذوائب)
وَله غير ذَلِك وفضله اشهر من ان يذكر وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المشرفة لثلاث عشرَة بَقينَ من ذى الْحجَّة الْحَرَام سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف وَابْنه السَّيِّد جمال الدّين تقدم فى حرف الْجِيم
على بن أَحْمد بن حصن الْمَشْهُور بحشيش الولى الْمَشْهُور المصرى ذكره المناوى فى الطَّبَقَات وَقَالَ أَصله من هلبا سُوَيْد من نَاحيَة الحاجر من أَعمال بلبيس نَشأ على طَرِيق المطاوعة وَأخذ بالريف وَغَيره عَن جمع من الْمَشَايِخ مِنْهُم وَالِده وَالشَّيْخ أَبُو بكر بن قعُود وَمُحَمّد بن الْحصين والكاشف غنيم والحماقى ومجاع ومرجات وَعَلِيم المدفون بالحشيبة وعَلى الْجمل والفتى وَعمر السلمونى والخضيرى والبحيرى وَغَيرهم ثمَّ دخل مصر فَصَارَ يَبِيع الحمص المجوهر يَدُور بِهِ فى الاسواق ثمَّ جلس
стр. 1107
يَبِيعهُ بِالْقربِ من سوق تَحت الرّبع وَله أَحْوَال باهرة وكرامات ظَاهِرَة لكنه مَسْتُور عَن أَكثر النَّاس لَا يعْرفُونَ الا انه رجل مبارك وَمن كراماته انه اذا زار أحدا من الاولياء ظَهرت لَهُ روحانيته فتخاطبه وَقع لَهُ ذَلِك مَعَ الشافعى وَغَيره وانه مَشى فى الْهَوَاء وعَلى المَاء وَذكر أَنه رأى جبل قَاف أَرضًا تتحرك بِنَفسِهَا وانها تسمى الرجراج لَيْسَ بهَا سَاكن وانه اطلع على بَحر الظُّلُمَات وَبِه بلد لَا يبصر أَهلهَا الا فى الظلمَة وانه رأى ارْمِ ذَات الْعِمَاد وَاجْتمعَ بأصحاب الْكَهْف قَالَ ولابد لسالك الطَّرِيق من رُؤْيَتهمْ وَرَأى روح الله عِيسَى ﵇ وَاجْتمعَ بالخضر ﵇ فَوَجَدَهُ يظْهر فى صور مُخْتَلفَة وبالقطب فَوَجَدَهُ يلبس كل يَوْم لباسا لَونه غير لون الآخر وَلم يذكر وَفَاته وَقد رَأَيْتهَا بِخَط الاخ مصطفى بن فتح الله حرس الله وجوده من الطوارق وانها كَانَت بِمصْر فى سنة احدى بعد الالف وَدفن بسويقة الصباغين
على بن أَحْمد الملقب عَلَاء الدّين الحموى الاصل الطرابلسى الحنفى الْمَعْرُوف بِابْن القبانى نزيل دمشق كَانَ فَقِيها نبيلا ورد الى دمشق فى صُحْبَة وَالِده وَسكن بمحلة قبر عَاتِكَة وَأَبوهُ هُوَ الْمَعْرُوف بالقبانى ثمَّ سكن الصالحية وَأخذ القراآت والعربية عَن شيخ الْقُرَّاء الشهَاب الطيبى والْحَدِيث عَن الْبَدْر الغزى والشرف يُونُس العيثاوى وتفقه بِالنَّجْمِ البهنسى خطيب دمشق وَكَانَ فَاضلا لطيف المحاورة ظريف النادرة وَله حسن صَوت وَقِرَاءَة جَيِّدَة وَولى امامة السليمية وخطابة جَامع يلبغا عَن الداودى وناب فى خطابة الْجَامِع الاموى عَن شَيْخه البهنسى قَدِيما وَعَن وَلَده الشَّيْخ يحيى حِين سَافر الى الرّوم وَكَانَ حسن الْخط لطيف التأدية وَله شعر متوسط لم أر فِيهِ مَا هُوَ من شَرط كتابى وَكَانَت وَفَاته بصالحية دمشق لَيْلَة الاربعاء ثامن عشر شهر ربيع الثانى سنة سبع بعد الالف وَقد تجَاوز السّبْعين وَحمل الى محلّة قبر عَاتِكَة فَدفن بمقبرة الدقاقين
الامير على بن أَحْمد بن جانبولاذ بن قَاسم الكردى القصيرى قد أَكثر أهل التَّارِيخ والمجاميع مِمَّن لَحِقُوا واقعته من ذكره وَذكر مَا فعله بِدِمَشْق وَمَا جرى لحكام الشَّام وَأَهْلهَا مَعَه من الوقائع وَقد اخْتَرْت من ذَلِك مَا أودعته فى هَذِه الاوراق من مبدأ أمره الى منتهاه وأماذ كرّ أَصله ومنزعه فجده جانبولاذ هَذَا كَانَ يعرف بِابْن عربوا وَكَانَ أَمِير لِوَاء الاكراد بحلب ولى حُكُومَة المعرة وكلس وعزاز وَكَانَ لَهُ صيت
стр. 1108
شَائِع وهمة علية ومبدا الامير على هَذَا انه كَانَ فى طَلِيعَة عمره ولى حُكُومَة العزيزى وَقد تقدم فى تَرْجَمَة عَمه حُسَيْن باشا انه لما قَتله الْوَزير ابْن جغال لتراخيه فى أَمر السّفر الذى كَانَ عين لَهُ خرج الامير على عَن طَاعَة السلطنة وَجمع جمعا عَظِيما من السكبانية حَتَّى صَار عِنْده مِنْهُم مَا يزِيد على عشرَة آلَاف وَمنع المَال الْمُرَتّب عَلَيْهِ وَقتل وَنهب فى تِلْكَ الاطراف ودبر على قتل نَائِب حلب حُسَيْن باشا وَكَانَ ولاه السُّلْطَان نياتها وصل الى اذنة وَكَانَ باذنة حَاكم يعرف بجمشيد فَكتب اليه ابْن جانبولاذ أَن يصنع لَهُ ضِيَافَة ويقتله فَفعل ونما خَبره الى الاقطار وَاسْتمرّ فى حلب يظْهر الشقاق الى أَن أرسل الامير يُوسُف بن سَيْفا صَاحب عكار الى بَاب السلطنة رِسَالَة يطْلب فِيهَا أَن يكون أَمِيرا على عَسَاكِر الشَّام وَالْتزم بازالة الامير على عَن حلب فَجَاءَهُ الامر على مَا الْتزم وَأرْسل الى عَسْكَر دمشق وأمراء ضواحيها يطلبهم الى مُجْتَمع العساكر وَهُوَ مَدِينَة حماه فتجمعوا هُنَاكَ من كل نَاحيَة وَجَاء ابْن جانبولاذ الى حماه وتلاقيا وتصادما فَمَا هُوَ الا ان كَانَ اجْتِمَاعهم بِمِقْدَار نحر جزور فانكسر ابْن سَيْفا وَأَتْبَاعه وَرجع بأَرْبعَة أَنْفَار وَاسْتولى ابْن جانبولاذ على مخيمه ومخيم عَسْكَر الشَّام ثمَّ انه راسل الامير فَخر الدّين بن معن أَمِير الشّرف وبلاد صيدا وَأظْهر لَهُ انه قَرِيبه مَعَ بعد النِّسْبَة فَحَضَرَ اليه واجتمعا عِنْد منبع العاصى وتشاورا على أَن يقصدا طرابلس الشَّام لاجل الانتقام من ابْن سَيْفا فَسَار ابْن سَيْفا فى الْبَحْر وأخلى لَهُم طرابلس وعكار وَأرْسل اولاده وَعِيَاله الى دمشق وأجلس مَمْلُوكه يُوسُف فى قلعة طرابلس فتحصن بهَا وَبعث ابْن جانبولاذ الامير درويش بن حبيب بن جانبولاذ الى طرابلس فضبطها وَاسْتولى على غَالب أَمْوَال من وجد هُنَاكَ واستخرج دفائن كَثِيرَة لاهلها وَلم يسْتَطع أَن يملك قلعتها وَسَار الامير على وَمَعَهُ ابْن معن الى نَاحيَة الْبِقَاع العزيزي من نواحى دمشق وَمَرا على بعلبك وخربا مَا أمكن تخريبه مِنْهَا وَاسْتقر فى الْبِقَاع وأظهرا انهما يُريدَان مقاتلة عَسْكَر الشَّام وَلم تزل العساكر الشامية ترد الى دمشق حَتَّى اسْتَقر فى وادى دمشق الغربى مَا يزِيد على عشرَة آلَاف وتزاحف العسكران حَتَّى اسْتَقر ابْن جانبولاذ وَابْن معن فى نواحى العراد وزحف الْعَسْكَر الدمشقى الى مقابلتهما وَكَانَ ابْن سَيْفا وصل الى دمشق وَأظْهر التمارض وَلم يرحل مَعَ الْعَسْكَر الشامى واستمرت الرُّسُل مترددة بَين الْفَرِيقَيْنِ ليصطلحا فَلم يقدر لَهُم الِاصْطِلَاح وتزاحف الجيشان فَتوهم ابْن
стр. 1109
جانبولاذ من صدمة الْعَسْكَر الشامى فشرع فى تفخيذ أكَابِر الْعَسْكَر عَن الِاتِّفَاق وأوقع بَينهم ثمَّ انه أرسل الى طَائِفَة من أكابرهم فَوَرَدُوا عَلَيْهِ فى مخيمه لَيْلًا وألبسهم الْخلْع وتوافقوا مَعَه على انهم ينكسرون عِنْد الْمُقَابلَة وَكَانَ فى جَانب ابْن جانبولاذ ابْن معن وَابْن الشهَاب أَمِير وادى التيم وَيُونُس بن الحرفوش فطابت نفسهم لملاقاة الشاميين وتقابل الْفَرِيقَانِ فى يَوْم السبت من أواسط جُمَادَى الاخرة سنة خمس عشرَة بعد الالف وَلم يَقع قتال فاصل بَين الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ فى صَبِيحَة نَهَار الاحد وقف الْعَسْكَر الشامى فى الْمُقَابلَة واقتتلا فَمَا مر مِقْدَار جلْسَة خطيب الا وَقد انفل الْعَسْكَر الشامى حَتَّى قَالَ ابْن جانبولاذ الْعَسْكَر الشامى مَا قاتلنا وانما قابلنا للسلام علينا فَلَمَّا ولى عَسْكَر دمشق زحف ابْن جانبولاذ حَتَّى نزل بقرية المزة وَكَانَ نُزُوله فى الْخيام وَأما ابْن معن فانه كَانَ ضَعِيف الْجَسَد فى هاتيك الايام وَكَانَ نُزُوله فى جَامع المزة وأصبحت أَبْوَاب الْبَلدة يَوْم الِاثْنَيْنِ مقفلة وَقد خرج مِنْهَا ابْن سَيْفا وجماعته لَيْلًا بعد ان اجْتمع بِهِ قاضى الْقُضَاة بِالشَّام الْمولى ابراهيم بن على الازنبقى وَحسن باشا الدفترى الْمُقدم ذكرهمَا وَلم يمكناه من الْخُرُوج حَتَّى دفع اليهما مائَة ألف قِرْش ليفتدوا بهَا الشَّام من ابْن جانبولاذ ثمَّ خرج وَمَعَهُ الامير مُوسَى ابْن الحرفوش وَلما بلغ الامير ابْن جانبولاذ خُرُوجه غضب وَقَالَ أهل دمشق لَو أَرَادوا السَّلامَة منى مَا مكنوا ابْن سَيْفا من الْخُرُوج وهم يعْرفُونَ اننى مَا وَردت بِلَادهمْ الا لاجله ونادى عِنْد ذَلِك بالسكبانية أَن يذهبوا مَعَ الدروز جمَاعَة ابْن معن لنهب دمشق فوردت السكبانية والدروز أَفْوَاجًا الى خَارج دمشق وشرعوا فى نهب المحلات الْخَارِجَة فَلَمَّا اشْتَدَّ الكرب وَالْحَرب على المحلات وتلاحم الْقِتَال خَافَ الْعُقَلَاء فى دمشق فَخرج جمَاعَة الى ابْن جانبولاذ وَقَالُوا لَهُ ان ابْن سَيْفا قد وضع لَك عِنْد قاضى الشَّام مائَة ألف قِرْش وتداركوا لَهُ خَمْسَة وَعشْرين ألف قِرْش أُخْرَى كَمَا وَقع عَلَيْهِ مَعَه الِاتِّفَاق من مَال بعض الايتام الَّتِى كَانَت على طَرِيق الامانة فى قلعة دمشق وَبعد ذَلِك أَدَّاهَا أَيْضا ابْن سَيْفا كالمائة ألف فَلَمَّا تكلم النَّاس فى الصُّلْح طلب ابْن جانبولاذ المَال الذى وَقع عَلَيْهِ الصُّلْح على يَد الدفترى وَقَالَ ان جاءنى المَال فى هَذَا الْوَقْت رحلت فحملوا لَهُ مائَة ألف قِرْش وَخَمْسَة وَعشْرين ونادى بالرحيل عَن المزة فى الْيَوْم الرَّابِع من نُزُوله وَاسْتمرّ النهب فى أَطْرَاف دمشق ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَة وَكَانُوا يَأْخُذُونَ الاموال والاولاد الذُّكُور وَلم يتَعَرَّضُوا للنِّسَاء
стр. 1110
وَلما رَحل ابْن جانبولاذ ارْتَفع النهب عَن الْمَدِينَة وَفتحت أَبْوَاب الْمَدِينَة فى الْيَوْم الرَّابِع فازدحم النَّاس على الْخُرُوج أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا وَدخل اليها من نهبت أَسبَابه من المحلات الْخَارِجَة فَكَانُوا لَا يعْرفُونَ لتغير أسبابهم ووجوههم وابتدأت العساكر الهاربة تتراجع الى دمشق وَلم ينالوا بِمَا صدر مِنْهُم من الفضيحة وَلما فَارق ابْن جانبولاذ دمشق سَار على طَرِيق الْبِقَاع وَفَارق ابْن معن هُنَاكَ ورحل الى أَن وصل الى مُقَابلَة حصن الاكراد وَأقَام هُنَاكَ وَأرْسل الى ابْن سَيْفا يطْلب مِنْهُ الصُّلْح والمصاهرة فَأَجَابَهُ وَأَعْطَاهُ مَا يقرب من ثَلَاث كرات من القروش وزوجه ابْنَته وَتزَوج مِنْهُ أُخْته لِابْنِهِ الامير حُسَيْن ورحل ابْن جانبولاذ من هُنَاكَ إِلَى جَانب حلب وجاءته الرُّسُل من جَانب السلطنة تقج عَلَيْهِ مَا فعل بِالشَّام فَكَانَ تَارَة يُنكر فعلته وَتارَة يحِيل الامر على عَسْكَر الشَّام وَشرع يسد الطرقات وَيقتل من يعرف انه سَائِر الى طرف السلطنة لابلاغ مَا صدر مِنْهُ حَتَّى أَخَاف الْخلق وَنفذ حكمه من ادنه الى نواحى غَزَّة وَكَانَ ابْن سَيْفا ممتثلا لامره غير تَارِك مداراة السلطنة وَاتفقَ مَعَه على ان تكون حمص تَحت حكم ابْن سَيْفا وَكَانَت حماة وَمَا وَرَاءَهَا من الْجَانِب الشمالى الى ادنه فى تعلق ابْن جانبولاذ وانقطعت أَحْكَام السلطنة عَن الْبِلَاد الْمَذْكُورَة نَحْو سنتَيْن وَوَقعت الوحشة وانقطعت الطرقات الى أَن ولى الوزارة الْعُظْمَى مُرَاد باشا وَكَانَ سَافر فى ابْتِدَاء وزارته الى الرّوم وَأصْلح مَا بَين السُّلْطَان وَمَا بَين سلاطين المجر فَلَمَّا قدم عينه السُّلْطَان لدفع ابْن جانبولاذ وَبَقِيَّة الْخَوَارِج مثل العَبْد سعيد وَمُحَمّد الطَّوِيل الْخَارِج فى نواحى سيواس فَقدم الْوَزير الْمَذْكُور وَمَعَهُ من العساكر الرومية مَا يزِيد على ثلثمِائة ألف مَا بَين فَارس وراجل وَكَانَ كلما مر بِقوم السكبانية الخارجين يقتلهُمْ حَتَّى أَزَال السبكانية الخارجين وَلم يبْق سوى العَبْد سعيد والطويل مُحَمَّد فانهما حادا عَن طَرِيقه وَلم يسْتَطع لحاقهما وَوصل الى ادنه فخلصها من يَد جمشيد الخارجى وَلما انْفَصل عَن جسر المصيصة الى هَذَا الْجَانِب تَيَقّن ابْن جانبولاذ انه قاصده فَجمع جموعه المتفرقة فى الْبِلَاد حَتَّى اجْتمع عِنْده أَرْبَعُونَ ألفا وَخرج من حلب والوزير فى بِلَاد مرعش وَجزم بمقابلته وَكَانَ الْوَزير فى أثْنَاء ذَلِك يراسله بالكلمات الطّيبَة طَمَعا فى اصلاح أمره فَلم يَزْدَدْ الا عتوا وَلما تلاقى الْفَرِيقَانِ برز عَسْكَر ابْن جانبولاذ الى الْمُقَاتلَة يَوْمَيْنِ وَلم يظْهر لَاحَدَّ الفئتين غَلَبَة على الاخرى ففى الْيَوْم الثَّالِث التحم الْقِتَال حَتَّى
стр. 1111
كَاد أَن يكون عَسْكَر الْبُغَاة غَالِبا وَكَانَ من أَعَاجِيب الامر ان وزيرا يُقَال لَهُ حسن باشا الترياقى وَكَانَ من جملَة الْعَسْكَر السلطانى رتب عَسْكَر السُّلْطَان وَقَالَ قَاتلُوا الْبُغَاة الى وَقت الظّهْر فاذا حكم وَقت الظّهْر فافترقوا فرْقَتَيْن فرقة مِنْكُم تذْهب لجَانب الْيَمين وَأُخْرَى تذْهب لجِهَة الشمَال وَاجْعَلُوا عَرصَة الْقِتَال خَالِيَة للاعداء وحدهم وَقد أخْفى المدافع الْكَبِيرَة فى مُقَابلَة الْعَدو وملأها بالبارود فَلَمَّا افترق عَسْكَر السُّلْطَان ظن حزب ابْن جانبولاذ انهم كسروا فبالغوا فى اتِّبَاع عَسْكَر السُّلْطَان الى أَن كَادُوا يخالطونهم فَلَمَّا قربوا وخلت لَهُم عَرصَة الْقِتَال أطْلقُوا عَلَيْهِم المدافع ولحقوهم بِالسُّيُوفِ الى ان أزاحوهم عَن خيامهم وكسروهم كسرة شنيعة وَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وهرب ابْن جانبولاذ الى حلب وَلم يقربهَا الا لَيْلَة وَاحِدَة فَوضع أَهله وَعِيَاله وذخائره فى قلعتها وَخرج مِنْهَا الى أَن أَلْجَأَهُ الْهَرَب الى ملطيه وبقى الْوَزير يتبع أعوان ابْن جانبولاذ فأبادهم قتلا بِالسَّيْفِ وَجَاء الى حلب بالجنود فَرَأى قلعتها فى أيدى بعض أعوان الْبُغَاة فرام محاصرتها فتحقق من فِيهَا ان كل مَحْصُور مَأْخُوذ فطلبوا الامان من الْوَزير فأنزلهم بأمانه وَكَانُوا نَحْو ألف رجل وَكَانَ مَعَهم نسَاء ابْن جانبولاذ وَكَانَ أكَابِر الْجَمَاعَة أَرْبَعَة من رُؤْس السكبانية فَلَمَّا نزلُوا بَادرُوا الى تَقْبِيل ذيل الْوَزير فَأَشَارَ الى النِّسَاء بالكن فى مَكَان مَعْلُوم وَفرق الرِّجَال على أَرْبَاب المناصب وطلع الى القلعة وَرَأى مَا بهَا من أَمْوَال ابْن جانبولاذ وتحفه العزيزة فضبط ذَلِك كُله لبيت المَال ثمَّ شرع يتجسس فى حلب على الاشقياء واتباعهم فَقتل جملَة من الِاتِّبَاع وهجم الشتَاء فَفرق العساكر فى الاطراف وشتى هُوَ فى حلب وَأما ابْن جانبولاذ فانه خرج من ملطيه وَسَار الى الطَّوِيل العاصى فَلَا بِلَاد انا طولى وأرد أَن يتحد مَعَه فَأرْسل اليه الطَّوِيل يَقُول لَهُ أَنْت بالغت فى الْعِصْيَان وَأَنا وان كنت مُسَمّى باسم عَاص لكنى مَا وصلت فى الْعِصْيَان الى رتبتك فَرَحل عَنهُ بعد ثَلَاثَة أَيَّام وَسَار الى العاصى الْمَعْرُوف بقرًا سعيد وَمَعَهُ ابْن قلندر وَلما وصل الى جمعية هَؤُلَاءِ العصاة تلقوهُ وعظموه وحسنوا فعلته مَعَ العساكر السُّلْطَانِيَّة وَأَرَادُوا أَن يَجْعَلُوهُ عَلَيْهِم رَئِيسا فَشرط عَلَيْهِم شُرُوطًا فَمَا قبلوها فاطمأن تِلْكَ اللَّيْلَة الى أَن هجم اللَّيْل وَأخذ عَمه حيدر وَابْن عَمه مصطفى وَابْن عَمه مُحَمَّدًا وَخرج وَلم يزل سائرا حَتَّى دخل بروسة مَعَ اللَّيْل وَتوجه الى حاكمها وَأخْبرهُ بِنَفسِهِ فتحير مِنْهُ وَلما تحقق ذَلِك قَالَ لَهُ مَا سَبَب وقوعك فَقَالَ ضجرت من الْعِصْيَان وَهَا أَنا
стр. 1112
ذَاهِب الى الْملك فأرسلنى اليه فى الْبَحْر فَأرْسلهُ من طَرِيق الْبَحْر فَلَمَّا دخل دَار السلطنة أعلم بِهِ السُّلْطَان فَقَالَ أحضروه فَلَمَّا حضر اليه قَالَ لَهُ مَا سَبَب عصيانك فَقَالَ لَهُ مَا أَنا عَاص وانما اجْتمعت على فرق الاشقياء وَمَا خلصت مِنْهُم الابان ألقيتهم فى فَم جنودك وفررت اليك فرار المذنبين فان عَفَوْت فَأَنت لذَلِك أهل وان أخذت فحكمك الاقوى فَعَفَا عَنهُ وَأَعْطَاهُ حُكُومَة طمشوار فى دَاخل بِلَاد الرّوم وَنَجَا بذلك وَلم يزل على حكومتها الى أَن عرض لَهُ أَمر أوجب قِتَاله لرعايا تِلْكَ الديار وَلزِمَ انه انحصر فى بعض القلاع فى بِلَاد الرّوم فَعرض أمره الى بَاب السلطنة الاحمدية فبرز الامر بقتْله وَعدم اخراجه من تِلْكَ القلعة فَقتل وَأرْسل رَأسه الى بَاب السلطنة وَكَانَ ذَلِك فى حُدُود الْعشْرين وَألف وَالله أعلم
على باشا بن أَحْمد باشا الْمَعْرُوف بكوزلجه هُوَ وَمن بَلْدَة استانكوى وجده لامه قيا باشا فَهُوَ سيد صَحِيح النّسَب قَالَ ابْن نوعى فى تَرْجَمته كَانَ أَبوهُ أَمِير الامراء بتونس من بِلَاد الغرب فَلَمَّا خرج بِتِلْكَ الدائرة الخارجى الْمَعْرُوف بِيَحْيَى وَادّعى أَنه مهدى الزَّمَان حاربه أَحْمد باشا فَقتل أَحْمد باشا فى تِلْكَ الْوَقْعَة بعد حروب كَثِيرَة وَكَانَ ذَلِك فى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ سنّ على باشا اذ ذَاك تسع سِنِين فَبعد مُدَّة من قتل أَبِيه تسلط بعض عبيدهم على يحيى وَوجد فرْصَة فَقتله ثمَّ قدم على باشا الرّوم فولى حُكُومَة دمياط فضبطها خَمْسَة عشر سنة ثمَّ قدم الى طرف الدولة وَكَانَ السُّلْطَان أَحْمد عَازِمًا على التَّوَجُّه الى بروسه فَأَخذه فى سفينته الْمعينَة لَهُ وَذَلِكَ فى سنة أَربع عشرَة وَألف وفى تِلْكَ الاثناء أعْطى ولَايَة الْيمن فَلم يقبلهَا ثمَّ عرضت عَلَيْهِ حُكُومَة مانجوسة قبرس فَلم يقبلهَا أَيْضا ثمَّ أعْطى ولَايَة تونس فتصرف بهَا سنتَيْن وَعمر بهَا جَامعا ثمَّ أعْطى حُكُومَة موره وَبعد ثَلَاث سِنِين نقل الى حُكُومَة قبرس ثمَّ أعْطى تونس برتبة الوزارة ثمَّ صَار حَاكم الْبَحْر فى الْمحرم سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وانفق لَهُ فى سفرته الثَّالِثَة انه أَخذ سِتَّة غلايين من غلايين الْكفَّار وَجَاء بهَا الى دَار الْخلَافَة وأتى بغنائم كَثِيرَة لَا تعد وَلَا تحصى وَأهْدى الى السُّلْطَان هَدِيَّة لَا يُمكن وصفهَا فَكَانَت جائزته من السُّلْطَان مصطفى أَن ميزه على سَائِر الوزراء بزنجير ذهب يَضَعهُ لجواده اذا ركب ثمَّ صَار صدر الوزراء فى الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وَألف وَأثر آثارا حَسَنَة مِنْهَا جَامع فى جَزِيرَة ساقز وَآخر فى ينكى كوى قرب حِصَار روم ايلى من ضواحى قسطنطينية وسَاق المَاء لزاوية عمرها للشَّيْخ أَمِير بقصبة قَاسم باشا قبالة
стр. 1113
قسطنطينية وَكَانَت وَفَاته فى خَامِس عشر شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بيشكطاش فى تربة مَخْصُوصَة وَكَانَ عمره لما مَاتَ احدى وَأَرْبَعين سنة رَحمَه الله تَعَالَى
على بن أَحْمد أَبُو الْحسن الفاسى الشهير بالشامى نِسْبَة الى الشَّام لَان جده قدم من الشَّام الى فاس فشهر بنوه بِالنِّسْبَةِ الى الشَّام أديب لَهُ فى الادب مَذْهَب طرازه بِحسن البلاغة مَذْهَب وشعره ألطف من دلّ الحبيب وأسحر من مقلة الشادن الربيب يتَصَرَّف فِيهِ وَلَا يتَكَلَّف ويتقدم بِهِ وَلَا يتَخَلَّف وَهُوَ اذا تغزل أهْدى نفحات نجد واذا تشوق أورى لفحات شوق وَوجد على ان عَلَيْهِ من الجزالة ديباجة تفوق عبقرى الوشى وديباجه لَا يشينه من الْكَلَام حوشيه وَلَا يلم بِسَاحَة أنسه وحشية فَمن تفثات قلمه السحار ونسمات كَلمه الفائقة نسائم الاسحار قَوْله مُخَاطبا للشَّيْخ أَحْمد المقرى بمحروسة فاس عَام سبع وَعشْرين وَألف وَأَشَارَ فِيهَا الى كِتَابه أزهار الرياض
(دعوا شفة المشتاق من سقمها تشفى ... وترشف من آثَار ترب الْهدى رشفا)
(وتلثم تمثالا لنعل كَرِيمَة ... بهَا الدَّهْر يستسقى الْغَمَام ويستشفى)
(وَلَا تصرفوها عَن هَواهَا وسؤلها ... بعد لكم فالعدل يمْنَعهَا الصرفا)
(وَلَا تعتبوها فالعتاب يزيدها ... هياما ويسقيها مدام الْهوى صرفا)
(جفتها بكتم الدمع بخلا جفونها ... فَمن لامها فى للثم فَهُوَ لَهَا أجفى)
(لَئِن حجبت بالبعد عَنْهُم فَهَذِهِ ... مكارمهم لم تبْق سترا وَلَا سحفا)
(وان كَانَ ذَاك الْخيف ملفى وصالهم ... فها نفحة الافضال قربت الملفى)
(فحركت الاشواق منا لروضة ... أَبَاحَ لنا الاسعاد من زهرها قطفا)
(زَمَانا بِهِ موصولنا نَالَ عَائِدًا ... واكد نَحْو الْوَصْل من نحوهم عطفا)
(تولى كَمثل الطيف اذ زار فى الْكرَى ... والا كَمثل الْبَرْق اذ سارع الخطفا)
مِنْهَا
(كَانَا وَمَا كُنَّا نجوب منازلا ... يود بهَا المشتاق لَو وَافق الحتفا)
(وَلم تبصر الابصار مِنْهَا محاسنا ... وَلم تسمع الآدان من ذكرهَا هتفا)
(كَذَاك الليالى لم تحل عَن طباعها ... مَتى واصلت يَوْمًا تصل قطعهَا ألفا)
(فَلَا عَيْش لى أرجوه من بعد بعدهمْ ... وهيهات يَرْجُو الْعَيْش من فَارق الالفا)
مِنْهَا
(أيا من نأت عَنهُ ديار أحبة ... فَمن بعدهمْ مثلى على الهلك قد أشفى)
стр. 1114
(لَئِن فاتنا وصل بمنزل خيفهم ... فَمَا نفحة من عيشهم للحشا أشفى)
(وهاتيك أزهار الرياض تنفست ... بِأَنْفَاسِهِمْ فاستشفين بهَا تشفى)
(وَقل للالى هاموا اشتياقا ببانهم ... هلموا الْعرف البان نستنشق العرفا)
(فصفحة هَذَا الطرس أبدت نعَالهمْ ... وَصَارَت لَهَا ظرفا فيا حسنه ظرفا)
(تَعَالَوْا نغالى فى مديح علائها ... فَرب غلو لم يعب ربه عرفا)
(وَللَّه قوم فى هَواهَا تنافسوا ... وَقد غرفوا من بَحر أمداحها غرفا)
(وانا وان كُنَّا على الْكل لم نطق ... نحاول بعض الْبَعْض من بعض مَا يلفى)
(لَئِن قبلوا ألفا نزد نَحن بعدهمْ ... على الْألف مَا يسْتَغْرق الْعَدو والالفا)
(وان وصفوا واستغرقوا الْوَصْف حَسبنَا ... نجيل بروض الْحسن من وَصفهم طرفا)
(ونقبس من آثَارهم قدر وسعنا ... ونركض فى مضمار آثَارهم طرفا)
وَمن مديحها فى النبى
(أناديك يَا خير الْبَريَّة كلهَا ... نِدَاء عبيد يرتجى الْعَطف واللطفا)
(وانى محق فى هوى حبك الذى ... يفك جيوش الْهم ان أَقبلت زحفا)
(وَمَا أَنا فِيهِ بالذى قَالَ هازلا ... أليلتنا اذ أرْسلت واردا وجفا)
أَشَارَ بِهَذَا الْبَيْت الى قصيدة ابْن هانى الاندلسى الَّتِى أَولهَا
(أليلتنا اذ أرْسلت وَارِد وجفا ... )
وَكَانَت وَفَاته بفاس بعد الثَّلَاثِينَ وَألف
القاضى على بن أَحْمد بن ابراهيم بن أَبى الرِّجَال قَالَ القاضى الْعَلامَة أَحْمد بن صَالح بن أَبى الرِّجَال فى تَرْجَمته كَانَ فَقِيها عَالما بالفروع الْفِقْهِيَّة حقق فِيهَا وبرز وَيُقَال انه حفظ شرح الازهار غيبا وَكُنَّا نَسْمَعهُ عَلَيْهِ وَمِمَّا شاع فى ألسن الْفُقَهَاء انه لَوْلَا الْجِهَاد لَكَانَ القاضى على بن أَحْمد بِمَنْزِلَة الْفَقِيه على بن يحيى الوشلى صَاحب الزهرة وَلَقَد تعجب مِنْهُ كثير من الْمُحَقِّقين فى مسَائِل وتحصيلات أملاها فى الغصوب وَالرَّهْن وَمَعَ ذَلِك فقد أَقرَأ فى الْفُنُون الاخرى قَرَأَ مستصفى الامام الغزالى فى الاصول على السَّيِّد الْعَلامَة على بن صَلَاح العيالى وهما فى صف الْحَرْب كَانَ اذا سكن عَنْهُم الْعَدو وقرأوا واذا كرّ عَلَيْهِم الْعَدو وَأَقْبلُوا عَلَيْهِ وَلما أَمر الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم السَّيِّد على بن ابراهيم الحيدانى الماضى ذكره بِولَايَة بِلَاد حاشد وبكيل أَمر القاضى أَن يقْرَأ عَلَيْهِ الْبَحْر فَكَانَت من أعجب القراآت كَانُوا يلبثُونَ فى الْبَحْث من عقيب صَلَاة الْفجْر الى ظهيرة النَّهَار وَاتفقَ انه وَفد الى حَضْرَة
стр. 1115
الامام الى شَهَادَة بعض الْعلمَاء الْكِبَار من أهل الشَّام فَأعْطَاهُ الامام مَا يسْتَحقّهُ من التَّعْظِيم لقُوَّة حرص الامام على انزال النَّاس مَنَازِلهمْ وبادر بارسال السَّيِّد الْعَلامَة صَلَاح بن عبد الْخَالِق الحجاف وَصَاحب التَّرْجَمَة الى ذَلِك الْعَالم ليعرفوا فضيلته فوجدوه لما يسْتَقرّ وخدمه فى أثْنَاء التَّنْظِيف للمحل فحيوه ثمَّ رحبوا بِهِ وتعرفا لَهُ قَالَ القاضى لذَلِك الرجل هَذَا السَّيِّد صَلَاح من كبار الْعلمَاء وَنسب الامام وَنَحْو هَذَا ثمَّ قَالَ السَّيِّد وَهَذَا القاضى على قاضى الامام أحد الْعلمَاء الاحلاء وَوصف بِمَا ينبغى فَأجَاب انكما لستما مِمَّن يعرف الادب وَلَا يسْتَحق هَذِه الصِّفَات كَيفَ تكون منزلتكما هَذِه الْمنزلَة وتفدان على وَأَنا مدهوش لم أستقر فى رحلى وَلَا تتمّ لى مجاراتكم بالانس فاستحيا اليه ثمَّ عزم القاضى الى ذيبين وَأخذُوا فى قِرَاءَة الْبَحْر هَذِه الْمَذْكُورَة وَفِيهِمْ الْبَقِيَّة من شيعَة الطَّاهِر يَوْمئِذٍ كالقاضى الْعَلامَة مُحَمَّد بن صَالح بن حَنش والقاضى الْحسن بن مُحَمَّد ابْن سَلَامه وَغَيرهم فوفد الى الْمَسْجِد الْجَامِع وهم يَخُوضُونَ بحار التَّحْقِيق ويأتى كل مِنْهُم بالاشكال ويحله الآخر وَذَلِكَ الْعَالم يتفكر فيهم فَلَمَّا أَتموا الْقِرَاءَة انزله السَّيِّد منزلا يَلِيق بِهِ فانه عَظِيم الشَّأْن وآنسه القاضى لسابق تِلْكَ الْمعرفَة فَقَالَ ذَلِك الْعَالم يَا قاضى أَنْتُم معاشر اليمانيين لَا تَنْزِلُونَ الْعلم مَنْزِلَته فَقَالَ لَهُ مَا استنكرت من طريقتنا قَالَ رَأَيْت الْيَوْم مجلسكم للْقِرَاءَة فَرَأَيْت مَا لم أره من الِاطِّلَاع على الْفِقْه وَالتَّحْقِيق بِحَيْثُ ان كل انسان من الْحَاضِرين لَو برز باقليم لعلا صيته وَقل نَظِيره وَمَعَ هَذَا فَأنْتم لَا تعتمون الا بعمائم سود وَلَا تلبسُونَ الْجيد من الثِّيَاب فَلم يُبدلهُ القاضى حَقِيقَة الْعذر فى ذَلِك وَكَانَ الْمُقْتَضى لمرور هَذَا الْعَالم ذيبين ان السودة كَانَت يَوْمئِذٍ فى ايدى الاتراك وَصَنْعَاء فَمر ذيبين مجتازا الى صنعاء وَكَانَ عِنْده من ضريبة الامام دَرَاهِم جعلهَا فى ذيبين سبائك وَكَانَت قِرَاءَة صَاحب التَّرْجَمَة على عبد الْقَادِر التهامى البيهى رَحل اليه الى عَاشر وَقَرَأَ على السكامدى الْكَبِير يذمار وَأحسن السكامدى رعايته وَحين أَرَادَ الِانْصِرَاف خرج وَلَده الْعَلامَة الشَّهِيد لتجهيز القاضى وَأَعْطَاهُ زاداً ثمَّ قَرَأَ على الْعَلامَة على بن قَاسم السخانى وَمن جملَة مَا قَرَأَهُ مقامات الحريرى وفى بالى انه قَرَأَ مِفْتَاح السكاكى عَن أَمر شَيْخه السخانى على بعض الآفاقيين وَلم يكن لَهُ فى الْعَرَبيَّة ذوق وَقد كَانَ اشْتغل بشرح الازهار بلغ فِيهِ الى التتميم حَتَّى مر عَلَيْهِ السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الشرفى الى السرات من بِلَاد الصَّيْد فَأعلمهُ بعنايته بشرح مَعَ كَمَال اهلية السَّيِّد فَأَضْرب عَن
стр. 1116
ذَلِك وَكَانَت لَهُ عدَّة كَبِيرَة من الْكتب من خزانَة السّلف وَكَانَت لَهُ همة فى الْجِهَاد وشجاعة مَعَ قُوَّة فى بدنه وَهُوَ أول من سارع الى الْجِهَاد قبل ابْن عَمه القاضى الشَّهِيد الهادى بن عبد الله فانه نَهَضَ فى سنة سِتّ وهى سنة الدعْوَة بحارف واعيان قبائل يلبل نَحْو ألف رجل وَدخل هزم وانصاف اليه الاعيان لَا على جِهَة الِاسْتِقْلَال مِنْهُم بل على جِهَة الْعَادة كالسيد الا غضب من حوث استدرجه القاضى حَتَّى ادخله هزم واما الْحَاج أَحْمد بن عوض فوصل مغيرا من نهم ووقف خَارج الْبِلَاد على رَأس الاكمة المشرفة على الْقرْيَة وَغير هَؤُلَاءِ من الرؤساء وَكَانَت الحروب الْمَشْهُورَة نَحْو أَرْبَعَة اشهر والقاضى أَبُو عذرها وَاتفقَ فى هَذِه النهضة قَضِيَّة تعد فى كرامات الامام الشَّهِيد أَحْمد بن الْحُسَيْن وَذَلِكَ ان القاضى وصل الى ناعط من بِلَاد حاشد وخطاط النَّاس ففقدوا رجلا يُسمى الهامى من أهل ظفار وَكَانَ لَهُ خَبِير يعرف بحوال فَبَحَثُوا عَنهُ فَلم يجدو لَهُ أثر فاتفق عِنْد مجئ النَّاس من الخطاط أَن بعض النَّاس سمع صَوتا فى شعب فَبَحَثُوا عَنهُ فَلم يَجدوا لَهُ أثرا فَأخْبر القاضى بقضيته وَهُوَ انه خرج من مَسْجِد ناعط فأحس بِحَال غير مُعْتَادَة فَلم يفقد نَفسه الا فى عَالم آخر وَفِيهِمْ رَئِيس كَبِير بَين يَدَيْهِ خلق قيام فاشتكى رجل من اولئك ان هَذَا التهامى رجمه فَأنْكر التهامى فَقَالَ لَهُ بلَى أَنْت رجمت خَشَبَة حطت فى القنة بِالْقَافِ وَالنُّون وَهُوَ جبل هُنَالك وعندك من عبيد المشهد فلَان بن فلَان قَالَ التهامى نعم هَذَا اتّفق لكنى غير عَارِف بمحلك فَقَالَ ذَلِك الرئيس يَا معاشر الْجِنّ نزهوا أَنفسكُم هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين لَا يرونكم ثمَّ الْتفت الى التهامى فَقَالَ من أَيْن أَنْت فَقَالَ مسكنى ذيبين والاصل من ظفار الا انى مُقيم بمشهد الامام قَالَ فلاى شئ وصلت الى ناعط قَالَ صُحْبَة القاضى على بن أَحْمد مغيرين على الامام فَقَالَ ذَلِك الرجل الْكَبِير قد التزمت بِمَا لزم هَذَا من الارش رِعَايَة لحق الامام الشَّهِيد أَحْمد بن الْحُسَيْن وأبلغ عَنى القاضى عليا السَّلَام الْكثير وَهَذِه قَضِيَّة مَشْهُورَة تناقلها الْفُقَهَاء وَسمعتهَا عَن غير وَاحِد من الْفُضَلَاء مِنْهُم من شهد الْمقَام وَالله أعلم وللقاضى فى مقامات الْجِهَاد مساع مَشْهُورَة تولى بِلَاد حاشد وبلبل وَتَوَلَّى بِلَاد خولان الطبال وافتتح حصن جبل اللوز وغنم مِنْهُ غنيمَة وَكَانَ الْعَلامَة السَّيِّد أَحْمد بن على الشامى شَرِيكه فى حِصَار الْحصن غير ان أَصْحَاب القاضى بَنو جُبَير وَأَصْحَاب السَّيِّد غَيرهم فَكَانَت الْيَد للقاضى وَكَانَ الامام الْقَاسِم بن مُحَمَّد يفضله فى الشجَاعَة على غَيره بل نقل السَّيِّد عبد الله بن عَامر بن على انه سمع
стр. 1117
الامام يحْكى ان القاضى اشجع من رَآهُ الامام وَحكى لَهُ قصَّة وَاجْتمعت بالقاضى فى منزل السَّيِّد عبد الله بن عَامر بالجراف من مخارف صنعاء فَسَأَلَهُ السَّيِّد عَن الْقَضِيَّة فأخبروه وَأَنا اسْمَع قَالَ تَوَجَّهت العساكر من جِهَة التّرْك على السَّيِّد الْمُجَاهِد مُحَمَّد بن عَامر الى مَحل بِجِهَة وَادعَة سَمَّاهُ فاتنى اسْمه فَأَغَارَ الامام وأغرنا مَعَه فَوَجَدنَا فى الطَّرِيق قضبة معمورة على رَأسهَا كالصفيف قد دَخلهَا نَحْو سَبْعَة نفر رُمَاة الذى فى ذهنى من الرِّوَايَة انهم سَبْعَة وَذكر سيدنَا المتَوَكل على الله اسماعيل ان القاضى ذكر انهما رجلَانِ فَقَط لكنهما قد قتلا نَحْو سَبْعَة نفر فَلَعَلَّ الذى فى ذهنى ذكر السَّبْعَة فمنعوا جَيش الامام من الْغَارة فتخوف الامام على السَّيِّد مُحَمَّد بن عَامر الاستئصال فَقَالَ من يحب الله وَرَسُوله
حمل على هَؤُلَاءِ فَسمع القاضى وأعلنها فى النَّاس لَعَلَّ رَاغِبًا يرغب فَلم ينْهض أحد فَوضع شملة سَوْدَاء على عمَامَته وَحمل متفردا وَلحق رجل من ظفار فَرَمَوْهُ من القصبة فسلمه الله تَعَالَى ثمَّ نفذ الى تَحت القصبة وَقَالَ لصَاحب ظفار أعطنى ظهرك اصْعَدْ عَلَيْهِ فارتقى على ظَهره وَوضع على عمَامَته تَحت الصفيف ونطحه حَتَّى انتثر الْبناء وَهُوَ من الْبناء الْمَعْرُوف بِجِهَة الْبَادِيَة فالقى الله الرعب فى قُلُوب اولئك فَانْهَزَمُوا مِنْهُ وثب الى دَاخل القصبة ثمَّ دَعَا بأصحاب الامام فَأَقْبَلُوا وظفروا بِبَعْض أُولَئِكَ وَقتل بَعضهم صبرا بَين يدى الامام الْقَاسِم وَاتفقَ لَهُ ان بعض المفسدين عاث فى الْحجَّاج وأذاهم وَنهب من نهب فتجرد لَهُ القاضى وارتبطه ارتباطا وفى آخر أمره تولى الْقَضَاء بِجِهَة وصاب بعد ان شهد الْمشَاهد الامامية جَمِيعهَا وَتوفى بالدن وقبر بالروضة هُنَالك فى شهر ربيع سنة احدى وَخمسين وَألف ورثاه المقرى الْفَاضِل صَلَاح بن مُحَمَّد السودى الصعدى بقصيدة مطْلعهَا
(هُوَ الدَّهْر مَا كافاه ملجا وَلَا كَهْف ... اذا لم تطق منعا وَقد وَقع الصّرْف)
(ألم بِهِ عِنْد الملمات واحتسب ... بِهِ لَامة من دونهَا الْبيض والزعف)
(أخى ألق اعباء الاسى لَا مجهلا ... وَخذ فى الاسى نهجا فمثلك لَا يهفو)
(فَمَا جزع يغنى فتيلا لجازع ... وَلَا عبرى تجدى وَلَو جادها الوكف)
(واما الْفَتى الماضى لوجه سَبيله ... فَمَا رزؤه فى الدّين الا البلا الصّرْف)
(لَئِن غَابَ نور الدّين وانهد طوده ... فَهَذَا الخسوف الْحق عمرك والخسف)
(وَمَا الْمَوْت الا للاكارم وَاصل ... وَلكنه عَن وصل غَيرهم يجفو)
стр. 1118
(فَللَّه مَا أحلى الثرى من صِفَاته ... صِفَات علا فَوق الثريا لَهَا وصف)
(فَتى قد نمته من عدى غطارف ... ضراغم غلابون شم الذرى أنف)
(مفاخرهم كَالشَّمْسِ نورا ورفعة ... وَفِيهِمْ بِحسن الذّكر أَنْعَمت الصُّحُف)
(فَتى ان دجا فى الْعلم وَالْمحل مُشكل ... فَمن عِنْده فى الْحَالَتَيْنِ لَهَا كشف)
(فينحل مَعْقُود ويرتاح منكد ... وينهل مطرود ومنهله يصفو)
مِنْهَا
(ويبكى لَهُ الملهوف للْعلم والندى ... يحِق لَهُ فِيهَا التأسف واللهف)
(وتبكيه بيض الْهِنْد والسند وَالثَّرَى ... ويرتاح مِنْهُ الطّرف ان سخن الطّرف)
(وَمَا الْمَوْت الاكل حى يذوقه ... وَآخر هَذَا الحى أَوله يعْفُو)
(لَئِن شيب الابكار عظم مصابه ... فَفِيهِ جَمِيع الْوَصْف بِالْحَقِّ ملتف)
(عَلَيْهِ سَلام الله مَا فَاه عَارِف ... بأوصافه الْحسنى وفاح لَهَا عرف)
على بن أَحْمد المدنى الحشيبرى الشافعى كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب والاحاديث النَّبَوِيَّة مَعَ التفاسير يملى من حفظه على الدرسة بِنَقْل صَحِيح غير متكلف وَكَانَ على جَانب عَظِيم من الْوَرع فى الْفَتْوَى وَغَيرهَا وفى التدريس أَخذ عَنهُ كثير مِنْهُم السَّيِّد الطَّاهِر بن الْبَحْر وَولده مُحَمَّد وَكَانَت وَفَاته فى سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَخمسين وَألف بِبَيْت الْفَقِيه الايمن وَدفن عِنْد اجداده وَللسَّيِّد مُحَمَّد بن الظَّاهِر فِيهِ مرثيات عديدة مِنْهَا قَوْله
(أخلاى ضَاعَ الدّين من بعد شَيخنَا ... امام الْهدى شمس المعالى ابْن أَحْمد)
(أَفَاضَ على الطلاب من فيض علمه ... وأوسعهم من بحره المتزيد)
(أَمَام صبور صَادِق متورع ... أحَاط بِعلم الشَّافِعِي مُحَمَّد)
(وحقق منهاج النواوى محققا ... وارشادنا الْمَشْهُور فى كل مشْهد)
وهى طَوِيلَة فَبِهَذَا الْقدر مِنْهَا كِفَايَة
على بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن بجع البعلى الاصل الدمشقى الشافعى الاديب البارع كَانَ حسن الْمعرفَة بفنون كَثِيرَة كثير الِاشْتِغَال والمثابرة حسن العقيدة جيد المحاضرة قَرَأَ بِدِمَشْق على جمَاعَة ورحل الى الرملة وَأخذ عَن شيخ الْحَنَفِيَّة الْخَيْر الرملى وَحج وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن الامام الْكَبِير الْحجَّة الصفى أَحْمد القشاشى وَعَن المنلا ابراهيم بن حسن الكورانى ثمَّ رَحل الى مصر فى سنة أَربع وَسبعين وَألف وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ عبد السَّلَام اللقانى وَغَيره كَانَ شَدِيد الاعتناء بِجمع الْفَوَائِد
стр. 1119
ووقفت لَهُ على مَجْمُوع بِخَطِّهِ فِيهِ كل ذخيرة من نفائس الادب ومحاسنه وَرَأَيْت فِيهِ من آثاره هَذَا الْجَواب عَن اللغز الْمَشْهُور وَهُوَ
(يَا أَيهَا الْمولى الذى ... علم الْعرُوض بِهِ امتزج)
(بَين لنا دَائِرَة ... فِيهَا بسيط وهزج)
قَالَ سألنى عَنهُ بعض الاخوان فأجبته بديها أَن المُرَاد بالدائرة الدولاب وَأَرَادَ بالبسيط فِيهَا المَاء وَأَرَادَ بالهزج صَوت الدولاب فَيكون الْمَعْنى بَين لنا دَائِرَة جمعت بَين الْبَسِيط والهزج لَا الْمَذْكُورين فى علم الْعرُوض وان ساعده قَوْله علم الْعرُوض بِهِ امتزج لما بَينهمَا من الْبعد اذ الْبَسِيط ثمانى الاجزاء والهزج سداسيها وهما لَا يَجْتَمِعَانِ قلت وَالْمَعْرُوف ان بعض الْعلمَاء سُئِلَ عَن هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ففكر سَاعَة ثمَّ أجَاب فَقَالَ لَهُ السَّائِل اجبت الْجَواب الْحق وَلَكِن درت فى الدولاب كثيرا وقرأت بِخَطِّهِ قَالَ كَانَ عندى مَجْمُوع عَارِية للعلامة الشَّيْخ حسن الصفدى العيلبونى طلبه فأرسلته اليه وكتبت مَعَه
(جَاءَت من الْمولى الاجل بطاقة ... ترجو مرا مَا لَيْسَ بالممنوع)
(فالقلب عنْدك رهن ود صَادِق ... والآن قد أرْسلت بالمجموع)
قَالَ فَكتب الى
(أرْسلت مجموعى وَقد امسكت مَا ... هُوَ قلبى الذ كَانَ بَين ضلوعى)
(فَبَكَيْت من شوقى اليه مدامعا ... حمرا وَلَيْسَت غير صرف نجيع)
(فجرت على هذى البطاقة احرفا ... مجموعها يومى بسلب جميعى)
فَكتبت اليه
(لَا تبك عَيْنك واتئد فلربما ... أودعته وَالله غير مضيع)
(وَارْحَمْ اسير هوى طليق مدامع ... لم يقْض فى شرع الْهوى بِرُجُوع)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَتوفى نَهَار السبت ثانى عشر الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
القاضى على بن اسماعيل صدر الدّين بن الْعَلامَة ابراهيم بن مُحَمَّد بن عربشاه الشهير بعصام الدّين الاسفراينى الشافعى المكى المشتهر بالعصامى ذكره الشهَاب فى كِتَابيه وَقَالَ فى وَصفه وَهَذَا الْحَفِيد عقد المناقب بِهِ نضيد لم يفتخر بآبائه وَلم يبتهج بنضارة أَصله وَلَا مائَة لما اعْتصمَ بِعُرْوَة الْفضل الوثقى وَصعد الى ربوة
стр. 1120
الْمجد وترقى وَقَالَ أَنا عصامى لَا عظامى وان كنت لذمام مآثرى حامى فالف وصنف وَنَوع قرى الاسماع وأتحف وَأفَاد الطلاب وَحل باسنان قلمه عقد المشكلات الصعاب قَالَ وَذكر مرّة قَول الرئيس ابْن سينا فى بعض كتبه حَدِيث ان الْحِكْمَة لتنزل من السَّمَاء فَلَا تدخل قلبا فِيهِ هم الْغَد فَقلت لَهُ انه لم يسْندهُ وَهُوَ بِكَلَام النُّبُوَّة اشبه وَقد نظمته فى قولى
(من ترك الدُّنْيَا يسد أَهلهَا ... ويقتطف زهرتها بِالْيَدِ)
(لَا تسكن التَّقْوَى وَلَا حِكْمَة ... تنزل قلبا فِيهِ هم الْغَد)
وللامام الشافعى قريب مِنْهُ
(كم ضَاحِك والمنايا فَوق هامته ... لَو كَانَ يعلم غيبا مَاتَ من كمد)
(من كَانَ لم يُؤْت علما فى بَقَاء غَد ... مَاذَا تفكره فى رزق بعد غَد)
وَذكر الامام على بن عبد الْقَادِر الطبرى فى تَارِيخه ان ميرزا مخدوم أَقَامَ صَاحب التَّرْجَمَة قَاضِيا شافعيا ليتعاطى الاحكام على مَذْهَب الشافعى بِمَكَّة وَاسْتمرّ من ذَلِك الْحِين اقامة أَرْبَعَة قُضَاة الى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف ثمَّ ترك ذَلِك وَصَارَ القاضى وَاحِدًا حنفيا من الرّوم وينبغى اقامة الْقُضَاة على الْمذَاهب خُصُوصا مَذْهَب الشافعى فان غَالب أهل الْقطر الحجازى شافعيون والائمة جَمِيعًا على هدى وَذكر أَيْضا انه أول من سعى فى جعل مَعْلُوم لمفتى الشَّافِعِيَّة فانه توجه الى الديار الرومية وَجعل لَهُ خمسين عثمانيا من جدة فى مُقَابل افتاء الشَّافِعِيَّة وَمن مؤلفاته حَاشِيَة على شرح الاستعارات لجده العصام أَتَى فِيهَا بالعجب العجاب من فَوَائِد الْبَيَان وتلقاها الْفُضَلَاء بِالْقبُولِ وَلم يزل بجوار بَيت الله حَتَّى توفى الى ﵀ وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع بعد الالف بِمَكَّة وَدفن بالمعلاة
السَّيِّد على بن الامام المتَوَكل على الله اسماعيل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن على السَّيِّد الامام العلى الْمقَام قَرَأَ واشتغل وَحج سنة سبعين وَألف وَمَعَهُ جملَة من الاعيان ولازم حَضْرَة وَالِده الَّتِى كَانَت محط الرّحال وَأخذ عَن جمع من الشُّيُوخ وَرغب فى الادب فَبلغ الْغَايَة القصوى فِيهِ وَلما تفرس فِيهِ وَالِده النجابة قَلّدهُ اعمال بِلَاد ضوران وَمَا حولهَا من الْبِلَاد وَكَانَ وَالِده اذ ذَاك مُقيما يحصن شهارة وَلم يزل مُقيما على عمله حَتَّى توفى ابْن عَمه السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم وَكَانَت الْيمن منوطة بنظرة فاستخلفه وَالِده على اعماله وقلده ولَايَة ذَلِك الاقليم وَاسْتقر فِيهِ الى
стр. 1121
ان توفى وَالِده وَتَوَلَّى الامامة من بعده الامام أَحْمد المهتدى بن الْحسن فأقره على مَا كَانَ فى حَيَاة وَالِده عَلَيْهِ وفوض جَمِيع الاعمال اليمنية اليه وَكَانَ غَالب اقامته بتعز وخيله وَلم يزل محط رحال الادباء والفضلاء وَله من // الشّعْر مَا حسن لَفظه وَمَعْنَاهُ // وَدلّ بفحواه على مغزاه فَمِنْهُ قَوْله
(صب يكَاد يذوب من حر الجوى ... لَوْلَا انهمال جفونه بالادمع)
(واذا تنفست الصِّبَا ذكر الصِّبَا ... ولياليا مرت بوادى الاجرع)
(آه على ذَاك الزَّمَان وطيبه ... حَيْثُ الغضا سكى وَمن أَهْوى معى)
(ولياليا مرت فيالله مَا ... أحلى وأملحها فَهَل من مرجع)
الى ان خَتمهَا ببيتى الذهبى على جِهَة التَّضْمِين
(أحمامة الوادى بشرقى الغضا ... ان كنت مسْعدَة الكئيب فرجعى)
(انا تقاسمنا الغضا فغصونه ... فى راحتيك وجمره فى أضلعى)
وَمِنْه قَوْله يمدح أَخَاهُ الْحسن
(اكذا المشتاق يؤرقه ... تغريد الْوَرق ويقلقه)
(واذا مَا لَاحَ على اضم ... برق أشجاه تألقه)
(يخفى الاشواق فيظهرها ... دمع فى الخد يرقرقه)
(آها يَا برق أما خبر ... عَن أهل الْغَوْر تحَققه)
(فيزيل جوى لَا سير هوى ... مضنى قد طَال تشوقه)
(ريم الهيجاء وربربها ... خمرى الثغر مُعْتقه)
(ممشوق الْقد لَهُ كفل ... يتشكى الضعْف ممنطقه)
(مغرى بالعذل لعاشقه ... وبدرع الصَّبْر يمزقه)
(يَا ريم السفح علام ترى ... ترْضى الواشى وَتصدقه)
(رفقا بالصب فان لَهُ ... قلبا بهواك تعلقه)
(فَعَسَى بالوصل تجود وَلَو ... فى اللَّيْل خيالك يطرقه)
(أَو مَا ترثى لشج قد زَاد ... بطول اللَّيْل تحرقه)
(وَأرَاهُ الصد سيخرجه ... من أسر الْحبّ ويطلقه)
(فَلهُ نفس تأبى كرما ... يَأْتِيهِ النَّقْص ويلحقه)
(ولذاك سلت نتذركها ... لأخ بالمجد تخلقه)
стр. 1122
(شرف الاسلام وبهجته ... وختام الْجُود ومغدقه)
(وعماد الْملك ومفخره ... وسنام الدّين ومفرقه)
(من دون علاهُ لرائمه ... برج الجوزاء ومشرقه)
(حلم كالطود لنائله ... جود كالبحر تدفقه)
(اسْمَع مولاى نظام أَخ ... قد زَاد بمدحك رونقه)
(ود قد صَار يكلفه ... لمقال الشّعْر وينطقه)
(فاحفظ ودى لَا تصغ لما ... يملى الواشى وينمقه)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى سنة خمسين وَألف وَتوفى يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَتِسْعين وَألف بتعز وَبهَا دفن
القاضى على بن جَار الله بن مُحَمَّد بن أَبى الْيمن بن أَبى بكر بن على بن أَبى البركات مُحَمَّد بن أَبى السُّعُود مُحَمَّد بن حُسَيْن بن على بن أَحْمد بن عَطِيَّة بن ظهيرة بن مَرْزُوق بن مُحَمَّد بن عليان بن هَاشم بن حرَام بن على بن رَاجِح بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن حَارِث بن ادريس بن سَالم بن جَعْفَر بن هَاشم بن الْوَلِيد بن جُنْدُب بن عبد الله بن الْحَارِث بن عبد الله بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم القرشى المخزومى الظهيرى الحنفى مفتى مَكَّة الشهير بِابْن ظهيرة ونسبهم هَذَا مصحح مُسلم لَا غُبَار عَلَيْهِ وبيتهم بَيت علم وَفضل بالحجاز قَالَ السخاوى فى الضَّوْء اللامع وَأول من تحنف من بنى ظهيرة أَبُو الْيمن وَصَاحب التَّرْجَمَة هُوَ الْمُفْتى والخطيب بِالْحرم المكى فى عصره وَله الشُّهْرَة الطنانة وَالْفَخْر الاتم وَقد ذكره الخفاجى فى كِتَابيه وَقَالَ فى حَقه خطيب مصقع وبليغ لَفظه موشى موشع اذا انحدر فى أَوديَة الْكَلَام مَاء بلاغته وسال فى بطاحها سلسال فَصَاحَته شهد النَّاس بفضله من فَاجر وَمن بر وَكَاد أَن يخضر أَعْوَاد كل مِنْبَر
(فتهتز أَعْوَاد المنابر باسمه ... فَهَل ذكرت أَيَّامهَا وهى أَغْصَان)
وَله آثَار يتحلى بعذو بتهافم اللسن وعقود سجع نظمتها يَد فَضله فى لبات الزَّمن رَأَيْته وَقد طعن فى السن وَلَيْسَ لَهُ الا الْعَصَا فَتى ورقى شرف التسعين وهى آخر سلم الفنا وَقَالَ الشلى فى تَرْجَمته اعتنى بِالْعلمِ فاشتغل بِهِ على جمَاعَة من الْكِبَار وحظى مِنْهُ بأوفر نصيب وانتفع بِهِ جمَاعَة من الْكِبَار مِنْهُم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدى وَأَخُوهُ قاضى الْقُضَاة شهَاب الدّين أَحْمد والامام عبد الْقَادِر الطبرى
стр. 1123
وَغَيرهم وَله تصانيف مفيدة ومآثر حميدة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح التَّوْضِيح وحاشية على شرح ايساغوجى للقاضى زَكَرِيَّا وَتَذْكِرَة مفيدة وَله فَتَاوَى مَشْهُورَة لَكِنَّهَا غير مَجْمُوعَة وَله ديوَان شعر وَمن نظمه قَوْله
(قلت لشهر الصَّوْم لما وفى ... مودعا منى وداع الصّديق)
(سلم على الْمَوْسِم بِاللَّه لى ... وَقل لَهُ أقبل فَهَذَا الطَّرِيق)
وكف بَصَره فى آخر عمره وَتوفى سنة عشر بعد الالف وَقد جَاوز التسعين
على بن جَار الله بن أَبى بكر بن مُحَمَّد وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة أَبِيه جَار الله وَيعرف بَيتهمْ بالقدس ببنى اللطف وعَلى هَذَا نَشأ على سمت وَالِده ومذهبه وَكَانَ حنفيا كَمَا تقدم وَمهر فى فنون عديدة وَكَانَ فَاضلا الى الْغَايَة محققا قوى الحافظة أديباً سَمحا جوادا ممدحاً فَردا فِي وقته سَافر الى الرّوم مرَارًا وَولى افتاء الْحَنَفِيَّة بالقدس وخطابة الْمَسْجِد الاقصى وَكَانَ كثير المجون متهتكا فى التعشق والصبابة وَله شعر يدل على رقة طبعه فَمِنْهُ قَوْله من قصيدة
(من دياجى الْبعد هَل للقرب ومض ... أم بمضمار التهانى ثمَّ ركض)
(لَا أمنى النَّفس مَا لى والمنى ... عاقنى من أدهم الايام ركض)
(كَانَ تسآلى مخلا بالعطا ... يَوْم لَا نأى دنا بالعيش غض)
(يَوْم كَانَ الشّرْب سمعا وانا ... بلبل ثمَّ سما وَالْكل أَرض)
(صَاح عاطينى وَلَا تسْأَل لما ... جفن كاسى وجفونى لَا تغض)
(ان تقل جرح زمانى كاتم ... مِنْهُم فى الْقلب جرح لَا يمض)
(علق الْقلب بلحظ ان رنا ... قَاتل أَو كف ظن الْكَفّ غمض)
(من مجيرى من هوى من ليثه ... فى عرين الْقلب فرات وربض)
(كنت لَا أعرف تمزيق الْكرَى ... فأرانى كَيفَ عضب الجفن ينضو)
(وَرَأى طغيان قلبى فرنا ... ليريه شهب الطاغى تقض)
(فتأسيت بلمع برقة ... مذ بدا لى مِنْهُ بسط ثمَّ قبض)
(قَالَ لى والصحو مَا خامره ... واستملى قده طول وَعرض)
(هَل تخمرت بِنور طرتى ... أم جفون الشّعْر داناهن غمض)
(قلت شيبى من سعير مهجتى ... أبرزته زفرات الْقلب ومض)
(أَو سِنَان طَاعن قلب الصَّفَا ... أَو شهَاب أَو لختم الْعَيْش فض)
стр. 1124
(ودموعى مَاء قلبى ناره ... أخرجتها من قُرُوح الجفن بض)
(قَالَ لى والغصن يثنيه الْهوى ... قد أَتَى من سَائِر الاجفان عرض)
(فَارْجِع الدمع لتطفى ناره ... حَيْثُ لى فى منزل الاشواق عرض)
(حلية العاشق قرب وقلى ... أى وجد لفؤاد لَا يرض)
وَقَوله فى ذمّ الزَّمَان
(خليلى هَذَا لدهر دَانَتْ عجائبه ... فطمن فؤادا ابْن نشبن مخالبه)
(وَلَا تعتبنه ان تَأَخّر ذوى حجا ... فَذا الدَّهْر لم يحرز سباقا معاتبه)
(سكرت بِهَذَا الدَّهْر لَا من عقاره ... وَلَكِن لما أبدته عندى عجائبه)
(فَمَا محرم الانسان الا علومه ... وَمَا ذائقوه السم الا أَقَاربه)
قَوْله وَمَا ذائقوه الى آخِره فِيهِ ايماء الى قَول ابْن العميد
(آخ الرِّجَال من الاباعد والاقارب لَا تقَارب ... )
(ان الاقارب كالعقارب بل أضرّ من العقارب ... )
وفى الْمثل ظلم الاقارب أَشد مضضا من وَقع السَّيْف وَقيل انما أخْشَى سيل تلعتى والتلعة سيل الوادى من النجد الى بطن الوادى وَمعنى الْمثل انما أَخَاف شَرّ أقاربى وَمن شعر ابْن جَار الله قَوْله
(اشرب الكاسات صرفا ... واغتنم رشف الثغور)
(واعتقد فى الله خيرا ... ان ربى لغَفُور)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته بغزة هَاشم فى سنة سبعين وَألف قَتله حاكمها الامير حُسَيْن ابْن حسن الْمُقدم ذكره قيل عُدْوانًا وَقيل ورد فِيهِ أَمر شرِيف بقتْله وَذَلِكَ لامور مُنكرَة كَانَت صدرت مِنْهُ يرجع اكثرها الى حب الدُّنْيَا والرياسة
على بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن مُحَمَّد بن عِيسَى وَتقدم تَمام النّسَب فى تَرْجَمَة السَّيِّد الْحسن الملقب ضِيَاء الدّين النعمى الشريف الْحسنى الْيُمْنَى أحد فضلاء الْيمن وأجلائه واكابر سراته وَكَانَ عَالما فَاضلا شَاعِرًا اولى الْقَضَاء بِجِهَة صَبيا وفَاق اقرانه بالتحقيق وَألف المؤلفات العديدة والرسائل الشهيرة ورزق الحظوة التَّامَّة فى الْبَنِينَ حَتَّى أعقب اثنى عشر ولدا ذكرا كلهم عُلَمَاء أدباء شعراء وَكَانَ يَهْتَز للادب وَالْعلم ويحفظ الاخبار والْآثَار ويطلع على الْقَصَص الْمُتَقَدّمَة والمتأخرة وَكَانَ يأتى على اكثر الْكَشَّاف غيبا وانتفع بِهِ أهل
стр. 1125
الاقليم ومسكنه جِهَة سلفه الدهناء من أَعمال وادى بيشر والمحلة وَاتخذ بَيْتا بعتود وَكَانَ عَلَيْهِ مدَار المخلاف وَكَانَ وَاسع الصَّدْر مهيبا جَلِيلًا أحنفى الْحلم حيدرى الْبَأْس وَالْعلم ولى الْقَضَاء عَن أَمر امام زَمَانه الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم ثمَّ أَخِيه المتَوَكل على الله اسماعيل الى أَن مَاتَ وَذَلِكَ بِمَدِينَة صَبيا وأعمالها // وَله نظم ونثر جيدان // فَمن نظمه قَوْله فى مدح شرح الازهار
(درسة الشَّرْح نزهة للنفوس ... وَبهَا مرهم لداء وبوس)
(وهى أشهى لالفها من سلاف ... قد أديرت على ندامى الكؤس)
(وَلها صُورَة بمنظر قلبى ... هى أبهى من صُورَة الطاوس)
(فاستمروا فى درسها فالمعالى ... تتهادى فى حالكات الدُّرُوس)
(والمعانى مهورهن مغان ... واردات عَن صفوة القدوس)
(وجليس مذاكر فى رشاد ... خير خل وَصَاحب جليس)
(فاذا لم يكن فصحبة سفر ... هى عِنْد اللبيب خير أنيس)
(وَاسْتَمَدُّوا فضلا من الله يأتى ... فِيهِ نور يفوق ضوء الشموس)
(وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ كَيْمَا تفوزوا ... بخلال عَظِيمَة الناموس)
(فلام عَلَيْكُم مُسْتَمر ... مَا همى عَارض الْغَمَام الرجيس)
وَقَوله أَيْضا يُخَاطب الْعَلامَة السَّيِّد شرف الدّين الْحسن بن عقيل
(قل للاديب سليل كل خَلِيل ... خدن العفاف مقرّ كل جميل)
(نجل الميامين السراة وَمن لَهُم ... أَصْنَاف مجد فى الانام اثيل)
(يمم هديت مدارج السّلف الالى ... نشأوا على التَّفْرِيع والتأصيل)
(واسلك سبيلهم فانك فرع من ... سَاس الورى بدلائل التَّنْزِيل)
(طه عَلَيْهِ الله صلى مَا سرى ... برق وَمَا أجْرى معِين النّيل)
وَله من رِسَالَة كتبهَا الى الْفَقِيه أَبى الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَبى هم فى مسئلة حصل بَينهمَا فِيهَا نزاع وَقد كَانَ الاولى رفع النَّفس عَن مجاراتك فى جهلك والالتفات الى فرطات عقلك وكف الْيَد عَن جوابك وَقطع المدعن اعتابك غير انى اعْلَم انك لم تعدنى بالاعراض متكرما وَلَا بالازورار عَنْك مستحكماً بل تقدر مَعَ ذَلِك انك قد أصبت مُعظم الصَّوَاب من هَذَا الْبَحْث وانك قد أخذت بمقالك الاقبح الارفث وَأَيْضًا فان من مُحكم كَلَام الْجَلِيل وَلمن انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِم من سَبِيل وَمن
следующие страницы →