Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
السَّيِّد عمر بن على بن عبد الله بن على بن عمر بن سَالم بن مُحَمَّد بن عمر بن على بن عمر بن أَحْمد بن الشَّيْخ الاستاذ الاعظم مُحَمَّد بن على باعلوى الحضرمى ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته أحد الزهاد الْمَشْهُورين كَانَ على جَانب عَظِيم من القناعة وَالصَّبْر وَالتَّسْلِيم وَالرِّضَا ولد بظفار سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وَنَشَأ فى حجر وَالِده وَكَانَ يجله ويخصه بأَشْيَاء من بَين أَوْلَاده وَصَحب ابْن عَمه السَّيِّد عقيل بن عمرَان باعمر علوى وَحضر دروسه وانتفع بِهِ ولازمه وَألبسهُ خرقَة التصوف وَهُوَ من أخص خَواص أَصْحَابه وَكَانَ السَّيِّد عمر يَقُول فى شَيْخه هَذَا اعتقادى فِيهِ انه قطب الْوَقْت انه وَارِث السِّرّ المحمدى وَذَلِكَ لامور شَاهدهَا فِيهِ وَلما توجه الى الْحَج اجْتمع بِجَمَاعَة من أكَابِر السَّادة من أَجلهم السَّيِّد عبد الله بن على صَاحب الوهط وَالسَّيِّد أَحْمد بن عمر العيدروس وَالسَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ أَحْمد بن ابراهيم عَلان وَغَيرهم وَكَانَ كثيرا الرُّؤْيَا للنبى
من ذَلِك أَنه رَآهُ بِالْمَدِينَةِ متوشحا بِثَوْب الْوَقار والانوار تغشاه فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله بلغنَا عَن الثِّقَات ان الشَّيْخ أَبَا الْغَيْث بن جميل الْيُمْنَى أَب من لَا أَب لَهُ يَوْم الْقيمَة هَل ذَلِك صَحِيح أم لَا فَقَالَ لَهُ النبى
نعم صَحِيح ثمَّ قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله وَنحن فَقَالَ وَأَنْتُم منا والينا أَو كَمَا قَالَ ثمَّ ان قصّ الرُّؤْيَا بعض عُلَمَاء الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ رُؤْيَاك صدق وَحقّ وَلَكِن ستفقد شَيْئا مَعَك وسيعوضك الله مَا هُوَ خير مِنْهُ وَأفضل سرا وَعَلَانِيَة وَكَانَ الامر كَمَا ذكر لى فعوضنى الله سُبْحَانَهُ مَا كنت أرجوه وأطلبه فحمدت الله تَعَالَى قَالَ وَلما قفلت من الْحَج والزيارة من طَرِيق الْيمن اجْتمعت بالسيد عبد الرَّحْمَن بن شيخ صَاحب تعز وَحصل لى مِنْهُ استمداد وألبسنى الْخِرْقَة ثمَّ أذن لى بِالسَّفرِ الى الوطن وَقَالَ لى عِنْد الْوَدَاع ستجتمع بالخضر فى طريقك قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا فى المرحلة الاخيرة الى الْحَج صلينَا الصُّبْح وَكُنَّا جمَاعَة الله فى الْقَافِلَة ثمَّ ركبت على الْجمل فحال ان استويت على ظَهره اذا بِرَجُل لم أعرفهُ غير ان لَهُ هَيْبَة ناولنى رغيفين حارين وَلم يره غيرى وَلم يكن بذلك الْموضع قَرْيَة وَلَا غَيرهَا ثمَّ غَابَ عَنى وَلم أره ثمَّ وجدت فى صدرى انشراحا وفرحا ومزيداً يمَان لاجتماعى بالخضر واتمام مَا وعد بِهِ السَّيِّد وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة لَهُ ذوق فى كتب الْقَوْم وَله كرامات كَثِيرَة مِنْهَا انه قَالَ مرّة لجَماعَة ان أَمِير الْبَلَد يقتل ويسحب بِرجلِهِ فَمَا مَضَت الا مُدَّة يسيرَة واذا بالامير الذى عناه قتل وَفعل بِهِ كَمَا ذكرْتُمْ سَافر الى الْهِنْد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَاجْتمعَ بالسيد أَبى بكر بن حُسَيْن
стр. 1192
بلفقيه وَألبسهُ الْخِرْقَة وَكَانَ ذَلِك بِبَلَدِهِ بيجافور فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة تِلْكَ السّنة ثمَّ مرض بهَا وَكَانَ لَهُ خَادِم يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن قشقاش قَالَ مُحَمَّد الْمَذْكُور كنت أرى من سيدى كرامات كَثِيرَة وَهُوَ يأمرنى بكتمها مِنْهَا انه قَالَ فى لَيْلَة وَفَاته اذا رَأَيْت شَيْئا فَلَا تفزع قَالَ مُحَمَّد فَلَمَّا كَانَ آخر تِلْكَ اللَّيْلَة رَأَيْت نورا سَطَعَ حَتَّى أَضَاء ذَلِك الْموضع الذى هُوَ فِيهِ فدخلنى من الهيبة والاقشعرار مَا شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ دَنَوْت مِنْهُ فاذا هُوَ ميت وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف فَجهز وَحضر جنَازَته جمع كثير من السَّادة وَغَيرهم وَدفن بمقبرة السَّادة بنى علوى هُنَاكَ
عمر بن عمر الزهرى الدفرى الحنفى القاهرى الامام الْعَالم الْعَلامَة كَانَ اماما جَلِيلًا عَارِفًا نبيلا لَهُ المهارة الْكُلية فى فقه أَبى حنيفَة وَزِيَادَة اطلَاع على النقول ومشاركة جَيِّدَة فى عُلُوم الْعَرَبيَّة أَخذ الْفِقْه عَن الشَّمْس المحبى وَعبد الله النحريرى وَعبد الله المسيرى الشهير بِابْن الذيب وَعبد الْقَادِر الطورى وَبَقِيَّة الْعُلُوم عَن الْبُرْهَان اللقانى وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وتصدر للاقراء بِجَامِع الازهر وانتفع بِهِ خلق لَا يُحصونَ وَكَانَ مَشْهُورا بِالْبركَةِ لمن يقْرَأ عَلَيْهِ صَالحا عفيفا حسن المذاكرة حلوا الصُّحْبَة وَمن غَرِيب مَا انفق لَهُ انه كف بَصَره نَحْو عشْرين سنة ثمَّ من الله عَلَيْهِ بِعُود بَصَره اليه من غير علاج الى أَن توفاه الله تَعَالَى وَمن مؤلفاته الدرة المنيفة فى فقه أَبى حنيفَة وَشَرحهَا شرحا نفيساً فى مُجَلد أقرأه مَرَّات عديدة بِجَامِع الازهر وَعم النَّفْع بِهِ وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة تسع وَسبعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ
عمر بن مُحَمَّد بن أَبى اللطف الملقب سراج الدّين بن الامام شمس الدّين اللطفى المقدسى الشافعى ثمَّ الحنفى رَئِيس عُلَمَاء الْقُدس فى عصره ومفتيها ومدرسها قَرَأَ على وَالِده وَغَيره ورحل الى مصر وَأخذ بهَا عَن الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن النجار الفتوحى وقرأت بِخَط الشَّيْخ عبد الْغفار المقدسى قَالَ أخبرنى انه لما قدم من الْقَاهِرَة قبل يَد وَالِده فَقَالَ لَهُ بأى هَدِيَّة قدمت الينا عَمَّن أخذت الحَدِيث فَقلت لَهُ عَن ابْن النجار فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ ان للاب أَن يَأْخُذ عَن الابْن وهى رِوَايَة الْآبَاء عَن الابناء فاستعفاه فألح وَقَرَأَ حِصَّة من صَحِيح البخارى فَأَجَازَهُ متأدبا وَهُوَ يطْلب مِنْهُ الْعَفو وسافر الى دمشق هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو بكر فقرآهما وَالشَّيْخ الامام شمس الدّين العجلونى الريمونى على الْبَدْر الغزى شرح جمع الْجَوَامِع للمحلى وَأخذُوا
стр. 1193
عَنهُ ثمَّ رَحل الاخوان الى الْقُدس وَأقَام عمر بهَا يدرس ويفتى وَعرض لَهُ فى آخر عمره صمم بِسَبَب كبر السن وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى بِبَيْت الْمُقَدّس فى سنة ثَلَاث بعد الالف
عمر بن مُحَمَّد بن أَبى بكر المصرى الشهير بالفارسكورى الْعَلامَة الاديب المفنن ذكره الخفاجى وَقَالَ فى حَقه فَاضل قلد جيد عصره من فضائله بحليها ونظم عقد محاسنه فى صدر ثديها جنى ثَمَرَات الْعُلُوم الرياضية مَعَ ان أنوارها لم تبرز من الاكمام واجتلى أبكارها وعونها وهى حور مقصورات فى الْخيام فَملك من ذَلِك الْفَنّ خمائله ورياضه وَكَثِيرًا مَا استنشقت عرف خَبره واجتلوت من الشقة الفارسكورية رحيق حبره فتكرر من كَمَاله مَا ثنى الاعجاب عطفه وحقق ان عمر علم فى الْمعرفَة ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله وَكتب بهَا الى ابْنة تقى الدّين مُحَمَّد الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى فى حرف الْمِيم وَهُوَ بالروم
(شكل اشتياقى مَاله من حد ... ونقطة الصَّبْر محاها وجدى)
(وامتد خطّ الدمع من محاجرى ... بِلَا تناه فَوق سطح الخد)
(وهيئة الْجِسْم اضمحلت مذ نأى ... وانحصرت حباتها بالعد)
(وضاق صدرى حرجا لما استدارت حركاتى حول قطب الصد ... )
(وأصبحت كرات حظى مركزا ... مسكا فى وسط جرم الْجهد)
(وَمن قسى الهجر كم من أسْهم ... نحوى مَا شقَّتْ جُيُوب وجدى)
(والزمن القطاع قد ألف مَا ... بَين محاجرى وَبَين السهد)
وَذكره عبد الْبر الفيومى فى المنتزه وَقَالَ فى وَصفه عَالم نشرت ألوية فَضله عَن الْآفَاق وفاضل ظَهرت براعة علمه فتحلى بهَا فضلاء الحذاق لَهُ الْيَد الطُّولى فى الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية والراحة الْبَيْضَاء فى تعاطى أَنْوَاع الْفُنُون الرياضية وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عَالم متضلع وأستاذ قَامَ بالافادة وَهُوَ متربع وَقد انْتفع بِهِ كثير من الْعلمَاء وتصدر من طلبته بِمصْر جم غفير من العظماء ثمَّ ذكر لَهُ قصيدة قَالَهَا فى مدح شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ومطلعها
(بشر الصابر لَا يخْشَى الجنف ... فسعود الردف حلت فى الشّرف)
وهى طَوِيلَة فَلَا حَاجَة بِنَا الى ايرادها وَوجدت فى بعض المسودات لبَعض الْفُضَلَاء ذكره وَوَصفه بالتفوق وجلالة الْقدر قَالَ وَكَانَ شافعى الْمَذْهَب وَله من التآليف مَا لم
стр. 1194
يسمح بِمثلِهِ الْفلك الدوار مِنْهَا كتاب ناشئة اللَّيْل ونظم الارتشاف ورسائل شَتَّى فى علم الْهَيْئَة ونظم الْقطر فى علم النَّحْو وَسَماهُ بالنبات وَجعل أبياته على عدد لَفظه وَله كتاب جَوَامِع الاعراب وهوا مَعَ الْآدَاب فى الْعَرَبيَّة أَيْضا نظم فِيهِ جمع الْجَوَامِع وَشَرحه همع الهوامع للسيوطى واستوعب فِيهِ استيعابا زَائِدا وَقَالَ فى آخِره
(فرغته فى مبتدا ذى الْحجَّة ... لتسعة الاشهر من ذى الحجه)
(نظمت فِيهَا الْخَمْسَة الآلاف مَعَ ... خمس مئين بالثوانى والتبع)
(وَخَمْسَة المئين باقى العده ... فى نَحْو شهر قبل هذى المده)
(فكملت فى عشرَة شهور ... مبدلة المعسور بالميسور)
(فى عَام نظمية فَقلت مجمله ... الْحَمد لله على التَّيْسِير لَهُ)
وَقَوله فى عَام نظميه يعْنى انه فرغ مِنْهُ فى سنة خمس وَألف وَقَوله الْحَمد لله على التَّيْسِير لَهُ تَارِيخ ثَان فليتبه لَهُ وَمن فائق شعره قَوْله من قصيدة كتبهَا لوَلَده وَهُوَ بالروم
(الدَّار بعْدك لَا تروق لناظرى ... وَالرّبع بعْدك لَا يشق لخاطرى)
(قد كَانَ لى من ساكنيه أحبة ... كجآذر بَين العقيق وحاجر)
(فَتَفَرَّقُوا كنظيم عقد جَوَاهِر ... عبثت بِهِ يَد انفصام الناثر)
مِنْهَا
(فهجرت مذ هجر الحبيب معاهدا ... ووجدتنى عَنْهُن أنفر نافر)
(فطفقن يذرفن الدُّمُوع سواجما ... لمهاجر فارقنه ومهاجر)
وَمِنْهَا
(وازور عَنْهُن الحبيب وَلم يعج ... فى يقظة أَو طيف نوم زائر)
(بل غادر الاجفان يرقبن السهى ... وجفا لذيذ الغمض مقلة ساهر)
(مَا هَكَذَا الْبر التقى أراغب ... فى أَن يُبدل بالشقى الْفَاجِر)
(أَو أَن يُقَال شرى الضَّلَالَة بِالْهدى ... دَوْمًا لربح وهى صَفْقَة خاسر)
(أَو أَن يُقَال قضى الشبيبة عنة ... وصبت كهولته لنفثة سَاحر)
وَمِنْهَا أَيْضا
(أَمن البصيرة والعمى يغشى الْهدى ... حَتَّى يرى الاعمى بِصُورَة باصر)
(لَكِن أحذرك الزَّمَان وَأَهله ... من كائد أَو مَاكِرًا وغادر)
(أَو مظهر بالختل سنّ تَبَسم ... واذا اختبرت فناب ذِئْب كاسر)
(والدهر مغن عَن نصيحة واعظ ... يرْوى الغرائب خابرا عَن خابر)
(وَالله ملهمك الصَّوَاب لترعوى ... وتؤب أوبة صَابِرًا وشاكرا)
стр. 1195
(ان كَانَ ذَاك فحبذا ولربما ... كَانَ النهى للنَّفس أنهى زاجر)
(أَو كَانَت الاخرى فرفقة يُوسُف ... وبكاء يَعْقُوب الكئيب الصابر)
(وَالصَّبْر داعى الضّر مَا من صابر ... لكريهة الايغاث بناصر)
(والقهر للناسوت ضَرْبَة لازب ... وَالْحكم لله العلى القاهر)
وَمن مستحسن شعره قَوْله
(اذا كَانَت الافلاك وهى مُحِيطَة ... علينا قسيا والسهام المصائب)
(وراميها البارى فَأَيْنَ فرارنا ... وَسَهْم رَمَاه الله لَا شكّ صائب)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت سَابِع عشر شَوَّال سنة ثَمَان عشرَة وَألف بدمياط وَحمل الى بَلْدَة فارسكور فَدفن بهَا
عمر بن مُحَمَّد بن أَبى بكر مطير كَانَ مشاهير الْعلمَاء المطيريين واجلاء الْمَشَايِخ اليمنيين المنهمكين على خدمَة كتب السّنة والملازمين لطاعة الله وَكَانَ ذَا خلق عَظِيم وَخلق وسيم وجود عميم وطبع سليم حسن المحاضرة حُلْو الالفاظ مرضى الشيم صَاحب همة أَخذ عَن وَالِده وَغَيره من عُلَمَاء عصره وأجيز بالافتاء والتدريس وَنشر معالم الْعلم وَألف وصنف وَاسْتمرّ على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الصِّفَات حَتَّى وفى بِبَيْت الْفَقِيه الزيدية وَكَانَت وَفَاته فجر يَوْم الاربعاء عشرى رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف
عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد وَقيل عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن عِيسَى الملقب زين الدّين القارى الشافعى الدمشقى رَئِيس أجلاء الشُّيُوخ بِالشَّام وكبير الْعلمَاء وَصدر الصُّدُور كَانَ اماما مفننا بارعا وحيدا مُحدثا فَقِيها أصوليا حسن الرواء متواضعا خلوقا جم الْفَائِدَة والادب طَوِيل الباع حسن الْخط والتقرير قَرَأَ الْعَرَبيَّة والمعانى وَالْبَيَان على الْعِمَاد الحنفى والاصول على أَبى الْفِدَاء اسماعيل النابلسى وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم النُّور النسفى وَأخذ الْحساب عَن الشَّيْخ مُحَمَّد التنورى الميدانى والهيئة عَن الشَّيْخ عبد الْملك البغدادى وتلقى الاجازة فى الحَدِيث من الْبَدْر الغزى والشهاب أَحْمد بن أَحْمد الطيبى وَكَانَ يعده أجل شُيُوخه وينقل عَنهُ كَرَامَة وَقعت لَهُ مَعَه قَالَ بَينا نَحن جُلُوس عِنْده فى خلوته الصَّغِيرَة يسَار الدَّاخِل من بَاب جيروان اذ أقبل رجل مُسلما على الشَّيْخ وَمَعَهُ هَدِيَّة لَهُ من هَدَايَا الرّوم وفيهَا امشاط فَأعْطى كل وَاحِد من الطّلبَة مشطا الا أَنا فَلم يعطنى فَقَالَ لَهُ بعض تلامذته مَالك يَا مولاى قد
стр. 1196
خصصت قوما ومنعت آخَرين فَصَعدَ النّظر الى نَاحيَة الشَّيْخ عمر وَكَانَ أجمل أهل زَمَانه فَرَأى لحيتة قد استوفت الْغَايَة وَكَانَ لَهُ ثَلَاث سنوات قد نبت الشّعْر بخديه فَأعْطَاهُ وساله عَن لحيته فَقَالَ لَهَا ثَلَاث سنوات قد طلعت وَكَانَ هَذِه الْمدَّة لَا يرفع رَأسه نَحوه وبرع فى فنون كَثِيرَة وانتفع بِهِ كثير من الْفُضَلَاء مِنْهُم أَحْمد بن شاهين واسمعيل النابلسى الصَّغِير وَعبد الْوَهَّاب الفرفورى وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة النَّقِيب وَغَيرهم ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الشامية الجوانية وَكَانَ لَهُ بقْعَة تدريس بالجامع الاموى وَكتب الْخط الْمَنْسُوب على الشَّيْخ مُحَمَّد الحرستانى نزيل دمشق ونال جاها وثروة بِسَبَب أوقاف انْتَقَلت اليه وانحصرت فِيهِ وَكَانَت دَاعِيَة لكلال طبعة فى الْجُمْلَة من الْجد والاشتغال الذى كَانَ فِيهِ ويحكي انه لما تشاغل بهَا كَانَ الْحسن البورينى يَقُول الْآن نلْت أمانى من الزَّمَان يُشِير الى أَنه طَالب التفوق عَلَيْهِ فى الشُّهْرَة وَكَانَ بَينهمَا مَا بَين الاقران من التنافر وفى نفس الامر لَو كَانَ بقى على جده لادرك مرتبَة غَايَة فى الشُّهْرَة على انه مَا قصر عَنْهَا وَكَانَ البورينى الْمَذْكُور يَقُول عَنهُ انه وجود بَين عدمين يُشِير الى أَن أَبَاهُ لم يكن من أهل الْعلم وَخرج ابْنه على على غير سمته فانه كَانَ من العسرك وَبِالْجُمْلَةِ ففضائل الشَّيْخ عمر أَكثر من أَن تعد وآثاره لَا تحصى وَلَا تحد وَكَانَ لَهُ مَعَ هَذِه الْكُلية شئ من النّظم فَمن ذَلِك مَا قرأته بِخَطِّهِ
(لَوْلَا ثَلَاث هن أقْصَى المُرَاد ... مَا اخْتَرْت ان أبقى بدار النفاد)
(تَهْذِيب نفسى بالعلوم الَّتِى ... بِهِ لقد نلْت جَمِيع المُرَاد)
(وَطَاعَة أَرْجُو باخلاصها ... نورا بِهِ تشرق أَرض الْفُؤَاد)
(كَذَاك عرفان الاله الذى ... لاجله كَانَ وجود الْعباد)
(فأسأل الرَّحْمَن بالمصطفى ... وَآله التَّوْفِيق فَهُوَ الْجواد)
وَمثله لبَعْضهِم ورايته بِخَطِّهِ فِيمَا أَظن
(لَوْلَا ثَلَاث خِصَال هن من أمْلى ... مَا كنت أَو ثران يَمْتَد بى أجلى)
(كسب الْعُلُوم الَّتِى من نور بهجتها ... يبين لى مسلكى فى القَوْل وَالْعَمَل)
(وجبر خاطر من قد ذل جَانِبه ... وَلم يجد مسعفا فى الْحَادِث الجلل)
(كَذَاك لله تسليمى ومرتجعى ... فَهَذِهِ جلّ مَا أرجوه من أمْلى)
(فيا اله الورى سهل مطالبها ... فَأَنت غوث لمن يَرْجُو النجَاة ولى)
وَمرض مرّة فَلم يعده ابْن شاهين فَلَمَّا نصل من مَرضه أرسل اليه رقْعَة يعتبه فِيهَا
стр. 1197
فَكتب اليه هَذِه الابيات وَكَانَ اتّفق مجئ الْعِيد
(يَا سيدا يفْدِيه عبد قد توجع سَيّده ... )
(اخْتَرْت أَمر عيادتى ... والعذر عَنهُ أشيده)
(مذ وَافق الافراق عيد مِنْك وافى جيده ... )
(قُلْنَا مقَالَة مخلص ... فى الود وَهُوَ يُؤَيّدهُ)
(نسعى اليه مهنئين نعوده ونعيده ... )
وَكَانَت وِلَادَته فى ثَالِث عشر ذى الْقعدَة سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى لَيْلَة الْخَمِيس ختام جُمَادَى الاولى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
عمر بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الصَّغِير بِصِيغَة التصغير الدمشقى شيخ الادب بِالشَّام بعد شَيْخه أَبى بكر بن مَنْصُور الْعُمْرَى الْمُقدم ذكره الشَّاعِر كَانَ شَاعِرًا مطبوعا حسن التخيل وَله مُشَاركَة فى الادب جَيِّدَة قرا فى مبادى أمره الْعَرَبيَّة وبرع حَتَّى صَار قيم الادب وَلما مَاتَ الْعُمْرَى صَار مَكَانَهُ شيخ الادب وَكَانَ يَقُول بعد أَبى بكر عمر وَلم يتَزَوَّج فى عمره وَكَانَ لَهُ خبْرَة بالطب وأشعاره كَثِيرَة سائرة وَمِمَّا يستجاد لَهُ قَوْله معميا باسم خَالِد
(مذ رق مَاء للجمال بوجنة ... كالورد فِي الأغصان كلله الندى)
(ة تمثلت أهدابنا فِيهِ فظنوه ... العذار وَلَا عذار بهَا بدا)
وَقد أَخذ الْمَعْنى من قَول الْبَعْض
(أعد نظر فَمَا فِي الخد نبت ... حماه الله من ريب الْمنون)
( ... وَلَكِن رق مَاء الْحسن حَتَّى ... أَرَاك خيال أهداب الجفون)
وَأنْشد لَهُ البديعى فى ذكرى حبيب قَوْله
(أفدى الذى دخل الْحمام متزرا ... بأسود وبليل الشّعْر ملتحفا)
(دقوا بطاساتهم لما رَأَوْهُ بدا ... توهما ان بدر التم قد كسفا)
وَهُوَ // معنى حسن // تصرف فِيهِ وَأَصله مَا اشْتهر فى بِلَاد الْعَجم ان الْقَمَر اذا خسف يضْربُونَ على الطاسات وباقى النّحاس حَتَّى يرْتَفع الصَّوْت زاعمين بذلك انه يكون سَببا لجلاء الخسوف وَظُهُور الضَّوْء هَكَذَا قَالَه بعض الادباء والذى يعول عَلَيْهِ فى أَصله ان هلاكو ملك التتار لما قبض على النصير الطوسى وَأمر بقتْله لاخباره بِبَعْض المغيبات فَقَالَ لَهُ النصير فى اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة فى الْوَقْت الفلانى يخسف الْقَمَر
стр. 1198
فَقَالَ هلاكو احْبِسُوهُ ان صدق أطلقناه وأحسنا اليه وان كذب قَتَلْنَاهُ فحبس الى اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة فَخسفَ الْقَمَر خسوفا بَالغا وَاتفقَ ان هلاكو غلب عَلَيْهِ السكر تِلْكَ اللَّيْلَة فَنَامَ وَلم يَجْسُر أحد على انباهه فَقيل للنصير ذَلِك فَقَالَ ان لم ير الْقَمَر بعينة والا فَأصْبح مقتولا لَا محَالة وفكر سَاعَة ثمَّ قَالَ للمغل دقوا على الطاسات والا يذهب قمركم الى يَوْم الْقِيَامَة فشرع كل وَاحِد يدق على طاسة فعظمت الغوغاء فانتبه هلاكو بِهَذِهِ الْحِيلَة وَرَأى الْقَمَر قد خسف فَصدقهُ وبقى ذَلِك الى يَوْمنَا هَذَا وعَلى هَذَا فَمن ظريف مَا يحْكى ان شخصا من ظرفاء الْعَجم كَانَ جَالِسا مَعَ بعض كبرائهم على بركَة مَاء صَاف تحكى خيال مَا قابلها فَقَامَ سَاق جميل الْوَجْه يسقى فَتَنَاول مِنْهُ الطاس ليشْرب فَأَمْسكهَا حينا نَاظرا لخيال الساقى فى المَاء مشتغلا بذلك عَن اعادتها اليه فَفطن كَبِير الْمجْلس لذَلِك فحرك المَاء بقضيب كَانَ فى يَده فَعِنْدَ تحريكه ذهب خيال تِلْكَ الصُّورَة فَأخذ ذَلِك الشَّخْص الظريف يضْرب على الطاس فَسَأَلَهُ من كَانَ مَعَه عَن ذَلِك فَأجَاب بقوله هَذِه عَادَة بِلَادنَا اذا خسف الْقَمَر فاستظرف الْكَبِير والحاضرون مِنْهُ ذَلِك وَقد كَانَ شغلهمْ مَا شغله كَذَلِك قلت وَمن هَذَا الْبَاب بل أدق مِنْهُ تخيلا وأرق مسلكاً مَا قرأته فِي ديوَان أبي بكر الْعمريّ قَالَ وَمِمَّا اتّفق لي أَنِّي كنت مرّة جَالِسا بِالْمَكَانِ الْمعد لبيع القهوة الْمُسَمّى بالقهوة الجديدة تَحت قلعة دمشق والى جانبى الشَّمْس مُحَمَّد بن عين الْملك واذا بِغُلَام بديع الْجمال بارع فى الْحسن والكمال جلس بِالْقربِ منا فأخذنا نتأمله ونتواصف محاسنه ولطف شمايله واذا بِرَجُل طَوِيل من النَّاس غليظ يكَاد يكون جدارا فَجَلَسَ بازائنا وَحَال بَيْننَا وَبَين رُؤْيَة الْغُلَام فَحصل لنا غم شَدِيد فَقَالَ ابْن عين الْملك الْغُلَام هُوَ الْقَمَر وَهَذَا الغليظ هُوَ الخسوف لانه حجب عَنَّا رُؤْيَته فَبينا نَحن فى تِلْكَ المصاحبة واذا بِالرجلِ نزع عمَامَته فاذا هُوَ أَقرع وَكَانَ رَأسه قِطْعَة من النّحاس فَقلت للشمسنى مُحَمَّد الْآن صَحَّ تشبيهك فَقَالَ اذا يجوز ان تنظم هَذَا الْمَعْنى فَأخذت الْقَلَم وكتبت ارتجالا
(حجب الْبَدْر أَقرع عَن عيونى ... فغدا الطّرف خاسئا مطروفا)
(قَالَ لى اللائمون كف فناديت دعونى وأقصروا التعنيفا ... )
(عَادَة الْبَدْر ينجلى لَيْلَة الْخَسْف بدق النّحاس دقا عنيفا ... )
(وتراءيت طاسة فَجعلت الصفع دقا فَكَانَ عذرا لطيفا ... )
وَمن شعره الى الصَّغِيرَة قَوْله معميا فى علوان
стр. 1199
(فديت حبيبا ازارنى بعد صده ... وَمن رِيقه واللحظ مَعَ كاس قرقف)
(سقانى ثَلَاثًا يَا خليلى وانها ... شِفَاء لذى سقم وراحة مدنف)
وَله باسم سُلَيْمَان
(رأى عاذلى منيتى زار فى ... ازار فحيد عَن نهجها)
(وَقد لَام فى مثل عشقى لَهَا ... وَمَا شَاهد الْخَال فى وَجههَا)
وَله باسم سَالم
(يَا غزالا أَطَالَ بالمطل سهدى ... أنْجز الْوَعْد عله مِنْك يجدى)
(قَالَ مهلا وليل جعدى وقدى ... بعد خطّ العذار انجاز وعدى)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى حُدُود سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس
عمر بن نصوح الرومى أحد كبراء الدولة العثمانية وَهُوَ ابْن الْوَزير الاعظم نصوح باشا الْمَار طرف من خَبره فى تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد والآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى فى حرف النُّون وَكَانَ عمر هَذَا من أَفْرَاد الدَّهْر فى المعارف وجودة الْخط النّسخ لم يكن فى عصره مثله وَجمع من خطوط الْمُتَقَدِّمين أَشْيَاء وافرة وَكَانَ ضنينا بِالْكِتَابَةِ لَا يسمح لَاحَدَّ مِنْهَا بشئ الا بعد جهد وَالنَّاس يتخالون فى خطه ويتفاخرون بِوُجُود شئ مِنْهُ عِنْدهم وَكَانَ قدم دمشق لجمع مَال الْعَوَارِض فى سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ الْوَزير مُحَمَّد باشا الْمَعْرُوف بِابْن الدفتر دَار نَائِب الشَّام فَكَانَ يجله ويعظمه وحدثنى بعض الاخوان انه طلب مِنْهُ كِتَابَة سُورَة الانعام فتباطأ فى كتَابَتهَا فاستدعاه يَوْمًا وَأَعْطَاهُ فَرْوَة من السمور وَخَمْسمِائة قِرْش وَعين رجلا من أخصائه يلازمه الى أَن يُتمهَا فأتمها فى شهر وجلدها وأرسلها الله اليه فَوَقَعت عِنْده الْموقع الْعَظِيم وَبعد رحيله من دمشق تقلبت بِهِ المناصب حَتَّى اسْتَقر نشانيا وسافر فى خدمَة الْوَزير أَحْمد باشا الْفَاضِل الى كريت فَمَاتَ بهَا وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَمَانِينَ وَألف والنشانى نِسْبَة الى النشان وَهُوَ الطرة الَّتِى ترسم فى أَعلَى الاوامر والبراآت السُّلْطَانِيَّة وَيُقَال لَهَا الطغرى أَيْضا وَالله تَعَالَى أعلم
عمر بن يحيى القاضى زين الدّين الشافعى الْمَعْرُوف بِابْن الدويك الدمشقى من أفاضل الزَّمن وأدبائه وَكَانَ عَارِفًا بفنون عديدة وَله فى الرياضيات خُصُوصا الْفلك والميقات مهارة تَامَّة وَكَانَ وقورا مهابا عَظِيم الْهَيْئَة ولى الْقَضَاء بمحكمة قناة العونى ثمَّ نقل الى محكمَة الْبَاب فى سنة ثَمَان وَخمسين وَألف وَكَانَ ينظم الشّعْر وَله شعر رائق مِنْهُ قَوْله من قصيدة رَاجع بهَا بعض الادباء ومطلعها
(جَازَت على تهز فى أردان ... هيفاء رمح قوامها أردانى)
стр. 1200
(تركية الا لحاظلا ان رنت ... نحوى بِطرف ناعس أصمانى)
(غرثى الوشاح ترنحت أعطافها ... من ذَا الذى عَن حبها ينهانى)
(فى خدها الوردى نَار أضرمن ... فعجبت للروضات فى النيرَان)
(لما انْثَنَتْ تختال فى حلل البها ... سجدت لقامتها غصون البان)
(جارت على ضعفى بعادل قدها ... عجبا فَهَل ضدان يَجْتَمِعَانِ)
(لَوْلَا جعيد الشّعْر مَعَ فرق لَهَا ... مَا كَانَ لى ليل وصبح ثَان)
(قسما بطلعتها ولفته جيدها ... وبثغرها وبقدها الريان)
(وبنون حاجبها رَوْضَة خدها ... وبلطفها وبحسنها الفتان)
(لم أنس لما ان أَتَت بملابس ... قد طرزت بمحاسن الاحسان)
(وافت وثوب اللَّيْل أسدل ستره ... حَتَّى غَدا كَالثَّوْبِ للعريان)
(فضممتها ورشفت برد الثغركى ... أطفى بذلك حرقة الاشجان)
(باتت تعاطينى كؤس حَدِيثهَا ... وتشنف الاسماع بالالحان)
(بتنا على رغم الحسود بغبطة ... وبفرحة ومسرة وأمان)
(حَتَّى دنا الْفجْر الْمُنِير فراعنى ... شيب بِرَأْس اللَّيْل نحوى دَان)
(قَامَت وَقد ألوت النحوى جيدها ... خوف النَّوَى وَالْقلب فى خفقان)
(ودعتها والدمع يجرى عِنْدَمَا ... فى الخد حَتَّى قرحت أجفانى)
(سقيا لَهَا من لَيْلَة قضيتها ... فى طيب عَيْش وَالسُّرُور مدان)
وَكتب اليه شَيخنَا عبد الْغنى بن اسمعيل النابلسى مداعبا وَبَينهمَا قرَابَة من جِهَة وَالِدَة شَيخنَا فانها مِنْهُم
(قلت وَقد أطرب نظمى الورى ... لحاسدى المغموم خفض عَلَيْك)
(لابدع أَن يطرب صوب الذى ... اتَّصَلت نسبته بالدويك)
وَكَانَت وَفَاته فى أَوَائِل شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير
عمر الْمَعْرُوف بنفعى بن رومى عَالم الرّوم وشاعرها المتفوق وَكَانَ أحد أَعْيَان كتاب الدولة وَله شهرة طنانة وَهُوَ من بَلْدَة يُقَال لَهَا حسن قلعه سى بَينهَا وَبَين أرزن الرّوم خمس سَاعَات الى جِهَة القرص ولد بهَا ثمَّ قدم الى قسطنطينية وتعانى الْكِتَابَة والادب وَمهر فِيهَا وشعره غَايَة فى الملاحة سِيمَا مدائحه وَأما أهاجيه فَلم يصل أحد الى فحشها فِيمَا أعلم وَقد دونهَا ووسمها بسهام الْقَضَاء وَحكى انه لما تمّ
стр. 1201
جمعهَا وصل خَبَرهَا الى السُّلْطَان أَحْمد فطلبها وقرئت بِمحضر مِنْهُ فَمَاتَتْ قرَاءَتهَا الا وأرعدت السَّمَاء وأبرقت وَنزلت صَاعِقَة بِالْقربِ من مَكَان الْقِرَاءَة وَلِهَذَا شاع بَين النَّاس أَن قرَاءَتهَا تورث بلَاء مَا وَأدْركَ عهد السُّلْطَان مُرَاد وَكَانَ السُّلْطَان يُحِبهُ ويقربه وتعجبه مسامرته وَلما ولى الوزارة الْعُظْمَى بيرام باشا وَكَانَ طاعنا فى السن وَفِيه غَفلَة أمره السُّلْطَان بهجائه فَامْتنعَ من ذَلِك فألح عَلَيْهِ السُّلْطَان فَفعل قصيدة طَوِيلَة أفرط فِيهَا كل الافراط فبلغت الْوَزير فتألم وأكن لَهُ الْقَتْل ثمَّ دخل الْوَزير الى السُّلْطَان شاكيا مِنْهُ وَقَالَ لَهُ ان لم تقتل نفعى فقد اخْتَرْت أَن تقتلنى وأبرم على السُّلْطَان بذلك ففوض اليه أمره فَقتله هَكَذَا تلقيته من الافواه ثمَّ حكى بعض من لَهُ اطلَاع على أمره أَن الْوَزير لما بلغه هجوه اياه طلب نائلى الشَّاعِر الْمَشْهُور وَكَانَ مِمَّن تخرج على نفعى وَله بِهِ زِيَادَة اتِّصَال وَأمره بِأَن يهجو نفعى وَلَا زَالَ يبرم عَلَيْهِ حَتَّى هجاه بقصيدة وكتبها للوزير بِخَطِّهِ وَأَعْطَاهُ اياها فَطلب نفعى وَأَعْطَاهُ الورقة فَفطن للغرض وأخذته الحدة فَطرح الورقة قبالة الْوَزير بغيظ فحنق الْوَزير وَقَتله فى الْحَال وَكَانَ قَتله فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف قلت وقصة قَتله شَبيهَة بِقصَّة قتل ابْن الرومى وَقد حَكَاهَا كثير من المؤرخين وَذَلِكَ أَن الْفضل بن مَرْوَان وَزِير المعتصم العباسى دَعَا أُنَاسًا لوليمة صنعها وَلم يدع ابْن الرومى فافتكره فى آخر الْوَلِيمَة فَجهز خَلفه فَلَمَّا حضر أحضر طبق فِيهِ بيض مصبوغ سَبْعَة ألوان فَمد يَده ابْن الرومى وَأكل بَيْضَة حَمْرَاء وَتوجه فَصنعَ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما قَوْله
(وزيرنا أكْرم من حَاتِم ... أكلت فى دَعوته بيضه)
(قذ أدخلتها أمه فى استها ... وضمختها بِدَم الحيضه)
فَلَمَّا سمع المعتصم الْبَيْتَيْنِ ضحك ثمَّ نَادَى ابْن الرومى وَقَالَ لَهُ اهجنى فَقَالَ الله الله من ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ أهجو من مدحه الله وَرَسُوله فَقَالَ لَهُ المعتصم هَذَا على سَبِيل المداعبة لاجل خاطر الْوَزير لَا يغتاظ فَامْتنعَ من ذَلِك فالح عَلَيْهِ المعتصم فَقَالَ
(مُلُوك بنى الْعَبَّاس فى الارض سَبْعَة ... وَلم تأتنا عَن ثامن لَهُم كتب)
(كَذَلِك أهل الْكَهْف فى الْكَهْف سَبْعَة ... كرام اذا عدوا وثامنهم كلب)
فَضَحِك المعتصم وأسرها فى نَفسه وَقَالَ مَتى خرج من عندى أشهر عَنى الهجو فَلَمَّا حضر السماط أَخذ المعتصم سنبوسكة وشغلها بالسم وناولها لِابْنِ الرومى فَقَامَ وَأَخذهَا وَلم يشْعر بِمَا فِيهَا فَلَمَّا أكلهَا والسم فِيهَا قَامَ مستعجلا وَهُوَ ماسك قلبه
стр. 1202
فَقَالَ لَهُ المعتصم الى أَيْن فَقَالَ الى مَكَان بعثتنى اليه فَقَالَ والى أَيْن بَعَثْتُك قَالَ الى الْقَبْر فَقَالَ لَهُ المعتصم سلم أَبى هرون فَقَالَ مالى على جَهَنَّم طَرِيق قَالَ وَهل أَبى فى جَهَنَّم قَالَ نعم من تكون أَنْت وَلَده فَمَا يكون مَأْوَاه الا جَهَنَّم وأتى منزله وَمَات
الْملك عنبر شنبو سنجس خَان وَزِير الْهِنْد ومدبره ومرجع أَهله هُوَ فى الاصل حبشى من الامحره وَتسَمى قبيلته مايه وَيُقَال انه من عبيد القاضى حُسَيْن الْمَشْهُور بِمَكَّة ثمَّ اشْتَرَاهُ بعض التُّجَّار وجلبه الى الْهِنْد فَاشْتَرَاهُ الْوَزير سنجس خَان وَلما مَاتَ سنجس خَان تنقلت بِهِ الاحوال الى أَن صَار من عَسَاكِر عَادل شاه صَاحب بيجافور من اقليم الدكن وَكَانَ المَال الذى يعطاه لَا يَكْفِيهِ لِكَثْرَة سماحته وانفاقه فاستزاده من الْوَزير الاعظم فَلم يزده فَخرج الْملك عنبر من حِينه خَائفًا يترقب وَكَانَ السَّيِّد الْجَلِيل على حداد باعلوى قد وعده بِأَنَّهُ سيصير ملكا عَظِيما فَكَانَ لَهُ ظُهُور عَجِيب يحْتَاج الى تَارِيخ مُسْتَقل ولعذوبته ذكرته لكنى لخصته من ملخص مَا ذكره الشلى فى تَرْجَمته قَالَ وَحَاصِله انه خرج من عِنْد عَادل شاه سنة سِتّ بعد الالف وَهُوَ يَوْمئِذٍ مُفلس وَخرج مَعَه السَّيِّد على ثمَّ وصل بِهِ الْحَال الى أَنه لم يقدر على نَفَقَة يَوْمه ثمَّ أعلم السَّيِّد عليا بِمَا هُوَ فِيهِ من ضيق الْحَال فَدَعَا الله تَعَالَى فوجدوا ركازا جاهليا فاتسع أمره وَأكْثر من العساكر والاتباع وَلَا زَالَ أمره يعظم الى ان ملك بلادا كَثِيرَة وَكَانَ كلما ملك بَلَدا أَو قَرْيَة أحسن الى الرعايا وَأظْهر الْعدْل والاحسان وَنصب قَاضِيا للاحكام وحاكما للسياسة ثمَّ استدعاه السُّلْطَان حُسَيْن نظام شاه من سلاطين الدكن فانحاز اليه وَهُوَ من أعظم سلاطين الْهِنْد لَكِن مذْهبه فى الِاعْتِقَاد مَذْهَب الرَّفْض وَكَانَ مقرّ سلطنته دولة آباد وَكَانَ وزيره الاعظم كَافِرًا شجاعا فاتكا صَاحب جيوش وأموال مستوليا على المملكة وَكَانَ الْملك عنبر يعجز عَن مقاومته فَصَارَ يداريه ويترصد لَهُ فرْصَة حَتَّى قَتله على حِين غَفلَة وَولى مَكَانَهُ الوزارة الْعُظْمَى وَرَأى السُّلْطَان محبته وجده فأمده واتفقت لَهُ وقائع كَثِيرَة وَفتح قلاعا ونفذت كَلمته واتسعت مَمْلَكَته وأخرب الْكَنَائِس وَعمر شَعَائِر الاسلام ثمَّ مَاتَ السُّلْطَان حُسَيْن نظام شاه وَكَانَ وَلَده برهَان صَغِيرا فعقد الْملك عنبر لَهُ الْبيعَة وَلم يكن لَهُ من السلطنة الا الِاسْم وَجَمِيع الامور بيد الْملك عنبر كَمَا كَانَ الْخُلَفَاء العباسيون بِبَغْدَاد ثمَّ استبد الْملك عنبر بالامور وَاسْتمرّ فى الْقِتَال والجلاد وأزال الْمَظَالِم من تِلْكَ الْجِهَة وعمرها وأخمد الْفِتْنَة والبدعة وَعمر الْمَسَاجِد والمآثر وَكَانَ
стр. 1203
مؤيدا فى حروبه ومغازيه مُسَددًا فى رَأْيه مسعودا فى أَحْوَاله وَكَانَ كثير الاحسان الى السَّادة وَأهل الْعلم وقصدته النَّاس من جَمِيع الْبلدَانِ فغمرهم باحسانه خُصُوصا أهل تريم من السادات وَكَانَ يحسن لمشايخ الطَّرِيق والصوفية وَكَانَ عصره أحسن الاعصار وزمانه أَنْضَرُ الازمنة وَكَانَ يحمل كل سنة الى حَضرمَوْت من الاموال والكسوات للسادة والمشايخ والفقراء مَا يقوم بهم سنة وَكَانَ لَهُ ديوَان مُرَتّب باسم أَرْبَاب الرسوم والقصاد ووقف ربعَة قُرْآن بمنية تريم ووقف بِمَكَّة وَالْمَدينَة مصحفين وَاشْترى فى الْحَرَمَيْنِ دورا ووقفها على من يقْرَأ فيهمَا ويهدى ثَوَاب الْقِرَاءَة اليه وَمن آثاره الْحَسَنَة أَنه عقم نهر الكركى وَهُوَ نهر عَظِيم يمر تَحت الْبِلَاد وَلَا تنْتَفع بِهِ وَسبب ذَلِك ان بعض وزراء عَادل شاه وَهُوَ المنلا مُحَمَّد الخراسانى استبعد وُقُوع ذَلِك لسعته وَكَثْرَة مَائه وَظن انه يحْتَاج الى عمل كثير لَا يقدر عَلَيْهِ أحد من الْمَخْلُوقَات وَغرم مَالا كثير الْملك عنبران قدر على ذَلِك فشرع فِيهِ وساعد الْقدر فكمل الْعَمَل فى خَمْسَة أشهر وَجعل لَهُ قنوات تجرى الى الْبَسَاتِين والزراعات وَكثر بِهِ النَّفْع وَجمع من فى ذَلِك الْمَكَان من السَّادة والاعيان وأنعم عَلَيْهِم وأجزل الصَّدقَات وَكَانَت عِمَارَته فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف واخترع الْفُضَلَاء لذَلِك تواريخ عديدة بِكُل لِسَان وَمن ألطف مَا قيل فِيهِ خير جارى وَأكْثر من شِرَاء الحبوش وَكَانَت التُّجَّار تجلبهم اليه يتغالون فى أثمانهم الى أَن كثر واجدا يُقَال ان جملَة مَا اشْتَرَاهُ من الذُّكُور نَحْو ألفى حبشى وَكَانَ الجلب أول مَا يَشْتَرِيهِ يُسلمهُ الى من يُعلمهُ الْقُرْآن والخط ثمَّ الى من يُعلمهُ الفروسية واللعب بِالسَّيْفِ وَالْعود والسهام الى أَن يتفرس فى أَنْوَاع الْحَرْب والحيل وَالْخداع ثمَّ يترقى وصاروا يترقون فى الْمَرَاتِب ويتفاضلون فى المناصب كل بِمِقْدَار سَعْيه واستحقاقه ومرتبته وَكَانَ لَهُم اعتناء باقامة الْجَمَاعَة وَأُمُور الدّين وَكَانَ لكل أَمِير مِنْهُم فَقِيه يتَعَلَّم مِنْهُ الْفِقْه وَأُمُور الدّين وامام يصلى بِهِ ومؤذن وَجَمَاعَة يتدارسون الْقُرْآن وَجَمَاعَة يذكرُونَ الله تَعَالَى لَيْلَة الْجُمُعَة والاثنين وَكَانَ لكل أَمِير سماط مَمْلُوء بأنواع الاطعمة الفاخرة وَبِالْجُمْلَةِ فانهم وان كَانُوا عبيدا حبشة فَلم تكن الْعَرَب تفوقهم الا بِالنّسَبِ وقصده جمَاعَة من مشاهير شعراء عصره من الْبِلَاد الشاسعة ومدحوه بِأَحْسَن المدائح وَكَانَ السُّلْطَان ابراهيم عَادل شاه أظهر لَهُ الْعَدَاوَة والحسد وَبلغ غَايَة جهده فى اضمحلال هَذَا الرجل وبذل أَمْوَالًا كَثِيرَة لمن يقْتله أَو يسمه فَلم يقدر لَهُ ذَلِك وَمن عداوته لَهُ انه عزم
стр. 1204
جهان كير أعظم سلاطين الْهِنْد لمقاتلته وعهد اليه أَن يبْذل لَهُ فى كل مرحلة مائَة ألف هن والهن بِضَم الْهَاء نحودينار ذَهَبا فَأرْسل جهان كير بعساكر وخيل وأفيال ضَاقَ عَنْهَا الفضاء وَجرى على مُرَاد الله الْقدر وَأَقْبل عَادل شاه بعساكر من الْجَانِب الثانى وأيقن كل من عِنْد الْملك عنبر بِالْهَلَاكِ فَجمع من عِنْده من السَّادة الاشراف وَالْعرب وَطلب مِنْهُم أَن يجتمعوا للدُّعَاء كل يَوْم وبذل الخزائن للعساكر وَأَقْبل بعساكره على الْقِتَال ثابتين ثبات الْجبَال وَحمل بِمن مَعَه فَقتلُوا خلائق لَا يُحصونَ وأسروا من وزراء جهان كير وعادل شاه وَأَرْبَعين أَو يزِيدُونَ وَرجع الْملك عنبر ظافرا منصورا ثمَّ بعد ذَلِك جَرَادًا الْحمام سَيْفه عَلَيْهِ ومزق جِلْبَاب ملكه وَتوفى فى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَأكْثر النَّاس والضعفاء والفقراء والارامل والايتام من الْبكاء حول جنَازَته وَيُقَال انه لم يعْهَد عِنْد أهل الْهِنْد مثل ذَلِك الْيَوْم وَدفن بالروضة وهى مَوضِع بِالْقربِ من دولة آباد وَعمل على قَبره قبَّة عَظِيمَة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وتحترمه الْمُلُوك والسلاطين وَمن استجار بقبره لَا يقدر أحد أَن يَنَالهُ بمكروه ورثاه الشُّعَرَاء والفضلاء بِأَحْسَن المراثى وَعمل الادباء لعام وَفَاته تواريخ نظما ونثرا وَمن أحْسنهَا نثرا قَول بَعضهم الْجنَّة مثواه وَكَانَ مَوته بالسم وَبعد موت الْملك عنبر فوض السُّلْطَان برهَان نظام شَاة تَدْبِير مَمْلَكَته الى عبد الْعَزِيز فتح خَان أكبر أَوْلَاد الْملك عنبر وَجعله أَمِير الامراء وَكَانَ شجاعا مقداما كَبِيرا سخيا لكنه قَلِيل التَّدْبِير مبذر لَا يصغى لقَوْل مشير وارتكب الامر الفظيع فَكَانَ حجاج زَمَانه وَوَقع بِسَبَبِهِ فتن ثمَّ تضعضع الزَّمَان وَآل ذَلِك الى حصاد الْعلم وَالدّين الى ان رَمَاه الدَّهْر عَن قَوس وزارته ثمَّ خربَتْ تِلْكَ الديار وَذَهَبت بهجتها وخلقت ديباجتها قَالَ الشلى قلت وَقد تكَرر ذكر الدكن فى هَذِه التَّرْجَمَة وَقد يتشوف الى الْوُقُوف على مَعْرفَته من لاله معرفَة بحقيقته وتفاصيل أمره تحْتَاج الى تأليف كَبِير وَلَا يحْتَمل هَذَا الْمحل الا الْيَسِير فلنذكره بطرِيق الاجمال لضيق المجال ومجمل ذَلِك انه اقليم عَظِيم من أقاليم الْهِنْد الَّتِى هى أم الدُّنْيَا كثير الْحُصُون والقلاع حسن الْهَوَاء كثير الامطار والانهار والبساتين أعدل الاقطار وَفِيه حصون وقلاع فى غَايَة الاستحكام والاتقان وكل قصر شامخ لَهُ شرف فى السَّمَاء باذخ تحاكى الاهرام فى احكام الْبُنيان عالية الْبناء تسامى السَّمَاء وهى الرَّوْضَة المورقة والغيضة المونقة وقلاعها مشحونة بآلات الْحَرْب والمدافع الْكِبَار مَمْلُوءَة بالمكاحل الْكَثِيرَة حَصِينَة
стр. 1205
الْحصار وَأهل حرفه أحذق الفطناء وأفطن الحسذاق فَمَا من صَنْعَة الا وَمن مشربهم مطْلعهَا وَمَا من حِكْمَة الا وَعِنْدهم شرفها واليهم منزعها وَمَا من حِرْفَة تُوجد الا وَجدتهَا فيهم وَمَا من عمل يعرف الا اجتنى من مغانيهم وَمن أحسن بِلَاد الْهِنْد بَلْدَة بيجافور وفيهَا وقف على عَادل للسادة وَالْعرب أوقف عَلَيْهَا أراض تصرف غلقها للسادة وَالْعرب وفى هَذِه الْبَلدة وهى مَحل السلطنة مَكَان عَظِيم الشان مُحكم الْبُنيان تَحْتَهُ بركَة كَبِيرَة كَأَنَّمَا عناها الشَّاعِر بقوله
(وبركة للعيون تبدو ... فى غَايَة الْحسن والصفاء)
(كَأَنَّهَا اذ صفت وراقت ... فى الارض جُزْء من السَّمَاء)
خَفِيفَة المَاء العذب لَطِيفَة الْهَوَاء الرطب وبستان مَعْرُوف الاشجار مونق الثِّمَار وَهُوَ منتزه بديعى حسن بمحاسنه يذهب عَن الْقلب الْحزن
(عَلَيْهِ من بهاء الْبَدْر نور ... وَوصف الشَّمْس يكسوه الشعاعا)
وفى هَذَا الْمَكَان خزانَة من الْخشب وَعَلِيهِ ستور وداخل الخزانة قَبْضَة من ذهب فِيهَا من الْآثَار الشَّرِيفَة أعنى آثَار النَّبِي
شَعرَات من شعره وفى كل لَيْلَة جمعه وَلَيْلَة اثْنَيْنِ يَجْعَل للْعَرَب خبز وحلوى وَمن أعظم حصونه حصن دولة آباد الذى ضاهى ارْمِ ذَات الْعِمَاد وَهُوَ عَجِيب الْوَضع وَالْبناء بِحَيْثُ يزْعم النَّاظر اليه انه من وضع الْجِنّ لغرابه أمره وَمن عَادَة سلاطينها وملوكها ووزرائها انهم يعتنون بالليالى الفاضلة كليلة الْعِيدَيْنِ وَلَيْلَة عَاشُورَاء والمولد والمعراج وَالنّصف من شعْبَان وليالى رَمَضَان يحيونها بِالذكر وتلاوة الْقُرْآن وتنشد المدائح النَّبَوِيَّة السائر بهَا الركْبَان ويجتمع عِنْدهم فى تِلْكَ الليالى الْعلمَاء والصلحاء والقراء والكبراء والفقراء ويمدون لَهُم الاسمطة الْعَظِيمَة ويفرع على كواهلهم التشاريف الجسيمة وَقد سبقهمْ الى تَعْظِيم بعض هَذِه الليالى كثير من الْمُلُوك فقد ذكر المؤرخون ان الْملك المظفر صَاحب اربل كَانَ ينْفق لَيْلَة المولد النبوى ألف دِينَار وَقد قيل فى سماطه فى بعض المواليد فِيمَا حَكَاهُ سبط ابْن الجوزى فى مرْآة الزَّمَان خَمْسَة آلَاف راس غنم مشوى وَعشرَة آلَاف دجَاجَة وَمِائَة ألف زبدية حامضة وَثَلَاثُونَ ألف صحن حلوى ويخص أَعْيَان الْعلمَاء بِالْخلْعِ والكرامات وَيُطلق لَهُم عنان العطيات انْتهى ثمَّ حصل لهاتيك الديار تغير واضمحلال بِسَبَب انهم اتَّخذُوا رُؤَسَاء جهلاء وَالله أعلم
стр. 1206
عوض بن سَالم بن مُحَمَّد بن عبود بن مُحَمَّد مغفون بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن علوى ابْن أَحْمد ابْن الْفَقِيه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن علوى عَم الاستاذ الاعظم الحضرمى شيخ زَمَانه وعالمه وَكَانَ جَامعا بَين الْعلم وَالْعَمَل سالكا طَريقَة الْحق ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَسَار من صغره أحسن سيرة واشتغل بالتحصيل وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل عبد الله بن سَالم خيله والعارف بِاللَّه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الشهير بامام السقاف وَسَار سيرته وَأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى زين بن حُسَيْن بَافضل ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن السقاف ابْن مُحَمَّد العيدروس وَألبسهُ مشايخه الْخِرْقَة وَكَانَ لَا يصرف سَاعَة الا فى قربَة وَجمع نَفسه على أشتات الْفَضَائِل وَكَانَ من الْوَرع وَالدّين على سنَن قَوِيَّة وَكَانَ شَيْخه وَخَتنه الشيرخ زين بن حُسَيْن يتبجح بمكانه وَكَانَ عَارِفًا بِأَهْل زَمَانه حَافِظًا لِلِسَانِهِ يضْرب بِهِ الْمثل فى التَّقْوَى والديانة والورع وَكَانَ على غَايَة من الْعقل وَأخذ عَنهُ جمَاعَة التصوف وَالْفِقْه قَالَ الشلى وَكنت حضرت دروسه وَسمعت مِنْهُ أَحَادِيث وأخبارا ودعا لى بأدعية أَرْجُو أَن تكون مستجابة وَكَانَ يحب الْعُزْلَة عَن النَّاس وَكَانَت وَفَاته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل
عوض بن يُوسُف بن محيى الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الطباخ الدمشقى قاضى الْقُضَاة بِالْمَدِينَةِ المنورة كَانَ من فضلاء الزَّمَان جم الْفَائِدَة فصيح اللِّسَان وسيم الْهَيْئَة مَقْبُول الطلعة مشاركا فى عدَّة فنون وَكَانَ لَهُ بالطب المام تَامّ وَكَانَ فى ابْتِدَاء أمره قَرَأَ بِدِمَشْق على جمَاعَة مِنْهُم على بن النجار الْمَار ذكره وَصَارَ مُقَيّدا للصكوك فى محكمَة الْبَاب ثمَّ سَافر الى الرّوم ولازم على عَادَتهم ودرس وتنبل واشتهر بِمَعْرِِفَة الطِّبّ فَكَانُوا يراجعونه فى الداآت الصعبة فيعرفها ويعالجها وَمِمَّا اتّفق لَهُ أَنه ابتلى بالاستسقاء وعولج فَلم يفد علاجه وَكَانَ استحكم فاقترح هُوَ دَوَاء لنَفسِهِ بِقُوَّة الحدس فَكَانَ يسْتَعْمل فى كل يَوْم قدرا وافرا من الخربز وينام فى الشَّمْس وداوم على ذَلِك أَيَّامًا حَتَّى حم فبرئ ثمَّ ولى الْقَضَاء بِمَدِينَة فلبه وبغداد وَالْمَدينَة المنورة وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع عشرَة وَألف وَمَات أَبوهُ وَأمه حَامِل بِهِ فَقيل فى تَارِيخ وِلَادَته عوض عَن أَبِيه بدا وَتوفى بقسطنطينية
السَّيِّد عيدروس بن عبد الله بن أَحْمد بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ على الْيُمْنَى من أتقياء الْيمن وكرمائه ولد بقرية المكله من الديار اليمنية وَنَشَأ بهَا وَحفظ
стр. 1207
الْقُرْآن واشتغل بتحصيل الْفَضَائِل ودأب فِيهَا وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم علوى بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد ولازمه حَتَّى تخرج بِهِ وَلما مَاتَ علوى قَامَ صَاحب التَّرْجَمَة بمنصبهم الْقيام التَّام وقصده النَّاس وعولوا على كرمه وانتهت اليه مشيخة تِلْكَ الديار وَكَانَ لَهُ كرم أَخْلَاق محبا لمصاحبة أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح ملازما لاهل الطَّرِيقَة الحميدة واشتهر بالتصوف والمكاشفة وَكَانَ لَهُ أَحْوَال سامية وانتفع بِهِ كَثِيرُونَ وَكَانَت وَفَاته بالمكله فى سنة خمس وَألف
عِيسَى بن أَحْمد الزيلعى العقيلى كَانَ من المستغرقين فى حب الله تَعَالَى التاركين لما سواهُ المنهمكين على طاعاته والساعين فى رِضَاهُ وَكَانَ وَاسع الْحَال عَظِيم الْمقَال وَمِمَّنْ زهد فى الدُّنْيَا وفى شهواتها وَرغب فى الاخرة وجناتها وَعمل بِمَا علم فأورثه الله تَعَالَى علم مَا لم يعلم وَكَانَ علمه كَهَيئَةِ الْمكنون الذى لَا يعرفهُ الا من هم بِاللَّه عارفون وَكَانَ فى غيبوبته يسيح فى البرارى والقفار ويطلع الى الْجبَال وَلَا يقر لَهُ قَرَار وَنقل عَمَّن رَآهُ انه كَانَ يدْخل الى الغيضة وفيهَا الاسد وَيقرب مِنْهَا وَلَا تضره وَكَانَ يصدر عَنهُ مقالات عَظِيمَة يُشِير فِيهَا الى عُلُوم ربانية ومقامات صمدية وَمن زهده انه مَاتَ لَهُ أَخ وَكَانَ ذَا مَال كثير كَانَ من جملَة ورثته مَعَ اخوته فَأَعْطوهُ حَقه من الارث وَكَانَ عَظِيما ففرقه عَلَيْهِم وَلم يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا وَأما كراماته فشهيرة كَثِيرَة مِنْهَا انه كَانَ فى اللِّحْيَة عبد أسود مَعْرُوف كَبِير الْوَجْه والشفتين فَكَانَ يأتى اليه وَهُوَ جَالس بَين النَّاس وَيَقُول لَهُم كلَاما مَعْنَاهُ انه يتَوَلَّى عَلَيْكُم عبد يُشبههُ فى خلقه وتنفذ أُمُوره وَتَعْلُو كَلمته فَمَاتَ صَاحب التَّرْجَمَة وَقدم بعده النَّقِيب سعيد المجذ بى سنّ عبيد الْحسن بن الْقَاسِم مُتَوَلِّيًا اللِّحْيَة على مَا كَانَ يخبر بِهِ من مشابهته لَهُ فى خلقه وَكَانَت وَفَاته باللحية فى حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وَألف
عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن أَبُو مهدى السكتانى المالكى الْمَذْهَب مفتى مراكش وقاضيها وعالمها الامام الْعَلامَة النظار خَاتِمَة الْعلمَاء الْكِبَار مُحَقّق الْمغرب الاقصى فى عصره وأوحد عُلَمَاء دهره لَهُ شهرة كَبِيرَة تغنى عَن التَّطْوِيل بِبَيَان فضائله وعلومه حَتَّى قَالَ بَعضهم انه مُجَدد أَمر دين هَذِه الامة وَقد ستر الله تَعَالَى على ضعفاء العقيدة مقَامه العالى بِقُوَّة ظُهُوره بِالْقضَاءِ والافتاء وانتهاء الرياسة اليه وَكَانَت لَهُ كرامات مَشْهُورَة ومناقب كَثِيرَة مأثورة ولد بمراكش وَبهَا نَشأ وَأخذ بالمغرب عَن شُيُوخ عِظَام وقادة أجلاء فخام مِنْهُم الْعَلامَة وحيد الزَّمَان
стр. 1208
أَبُو الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بالمنجور وَغَيره وَعنهُ خلق كثير بالمغرب مَشْهُورُونَ مِنْهُم الْعَلامَة مُحَمَّد بن سعيد والامام الْهمام مُحَمَّد بن سُلَيْمَان نزيل مَكَّة وَغَيرهمَا وَلم يكن فى زَمَانه من يُقَارِبه فى جَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية بِبِلَاد الْمغرب الا الْعَلامَة أَحْمد ابْن عمرَان الفاسى وَكَانَ يقرئ التَّفْسِير فى فصل الشتَاء فيأتيه الْعلمَاء من جِهَات شَتَّى ويلازمون درسه وَكَانَ يملى من حفظه كَلَام الْمُفَسّرين مَعَ الْبَحْث مَعَهم وَالْجَوَاب عَمَّا يُورِدهُ الْفُضَلَاء بَين يَدَيْهِ فيأتى فى أثْنَاء تَقْرِيره بالعجب العجاب والامر الذى يحير الْعُقُول الالباب وَكَانَ يُقَال بعد انْقِضَاء طبقَة أشياخه عُلَمَاء الْمغرب ثَلَاثَة صَاحب التَّرْجَمَة وَأحمد بن عمرَان وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر بن على الفاسيان يعنون أهل الْمُشَاركَة فى الْعُلُوم وَالتَّحْقِيق والا فقد كَانَ من الْعلمَاء كثير مِمَّن طارت فتاويهم فى الاقطار وَسَار ذكرهم كل مسير وَله مؤلفات عَجِيبَة الاسلوب مِنْهَا حَاشِيَة على شرح أم الْبَرَاهِين للسنوسى وَغَيرهَا وَكَانَت وَفَاته بمراكش فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَقد ناف على الْمِائَة سنة ممتعا بحواسه لَوْلَا ضعف فى رجلَيْهِ على مَا أخبر بِهِ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْمَذْكُور
السَّيِّد عِيسَى بن لطف الله بن المطهر بن الامام يحيى شرف الدّين قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال فى تَارِيخه كَانَ هَذَا السَّيِّد أديبا لبيبا رَقِيق الْحَاشِيَة عذب الناشيه مفاكها ملاطفا حَافِظًا للآداب والامثال مجريا لَهَا فى مجاريها كَلِمَاته فى النَّاس مخارج الامثال بهَا يتَمَثَّل المتمثل وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ اللطافة وَحسن الملاطفة للنَّاس ويعم بذلك طبقاتهم مطلعا على التَّارِيخ لم يزل الْعَلامَة أَحْمد بن سعد الدّين يتعجب من اطِّلَاعه وَرِوَايَته وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور الذى سَمَّاهُ روح الرّوح صنفه فى الظَّاهِر للاروام وَأفَاد فِيهِ أَيَّام سلفه وَكَانَ عَارِفًا بعدة عُلُوم وَغلب عَلَيْهِ علم النُّجُوم فَصَارَ أظهر مَا ينْسب اليه والا فَعنده عُلُوم أُخْرَى وَله قصيدة كتبهَا الى الامام الْقَاسِم يتنصل عَمَّا ينْسبهُ النَّاس اليه وَكَانَ توجيهها من كوكبان الى شهارة فى شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وهى
(مَا شاقنى سجع الحمامه ... سحرًا وَلَا برق الغمامه)
(كلا وَلَا أذكى الجوى ... ذكر العذيب وَذكر رامه)
(ودموع عينى مَا جرت ... شوقا الى لقيا أَمَامه)
(هَيْهَات قلبى لَا يمِيل الى مليح هز قامه ... )
стр. 1209
(مَا شاقنى الا الذى ... نفسى عَلَيْهِ مستهامه)
(بر كريم ماجد ... حَاز الْجَلالَة والشهامة)
(وحوى الفخار جَمِيعه ... حَتَّى غَدا فى الدَّهْر شامه)
(لبس الْفَضَائِل حلَّة ... فبدت لَهَا مِنْهُ وسامه)
(فَرد تفرد فى الْعلَا ... ولديه للعليا علامه)
(أعنى أَمِير الْمُؤمنِينَ مغيث أَرْبَاب الظلامه ... )
(الْقَاسِم الْمَنْصُور من ... زَان الْخلَافَة والامامه)
(ركن النُّبُوَّة شاده ... وَالْبَيْت ترفعه الدعامه)
(عرج بمربعه الْكَرِيم ترى بِهِ وَجه الكرامه)
(وَترى جوادا دونه ... فى الْجُود طَلْحَة وَابْن مامه)
(أعداؤه شهِدت لَهُ ... بِالْفَضْلِ طرا والزعامه)
(وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الاعداء لَا أهل الرحامه ... )
(أَحْيَا الْجِهَاد فكم لَهُ ... يَوْم حكى يَوْم اليمامه)
(واسأل بِذَاكَ سيوفه ... كم أذهبت فى الجو هامه)
(فطن يكنن بسلمه ... بَدْرًا فى الهيجا أسَامَه)
(مولاى يَا قمر الْهدى الْمَذْكُور فى وَقت الاقامه ... )
(يَا من أرى حبى لَهُ ... أَسْنَى الذَّخَائِر فى القيامه)
(وجهت نَحْوك سيدى ... عقدا أجزت بِهِ نظامه)
(عقدا من النّظم الذى ... سلبت خرائدة قدامه)
(يهدى اليك تحيتى ... ويزيل عَن سرى لثامه)
(أَيْضا ويوضح حجتى ... وَالْحق مسلكه امامه)
(لَا تأخذنى سيدى ... بمقالة حازت ذمامه)
(وَبقول واش قد خشى ... لضعيف فكرته اثامه)
(قد قَالَ انى قَائِل ... بنجوم سعد أَو شآمه)
(ونفيت صَنْعَة رَبنَا ... ووثقت عمدا بالنجامه)
(لَا والذى جعل النُّجُوم بليلها تجلو ظلامه ... )
(مَا قلت الا انها ... للنَّاس والانوا علامه)
стр. 1210
(وَلمن أَتَى مُسْتَغْفِرًا ... لله رجو فى السلامه)
(مولاى واسأل لائمى ... فَلَقَد تهور فى الملامه)
(مَا صير الْقَمَر التَّمام محقرا يحْكى القلامه ... )
(وَلم الخسوف يُصِيبهُ ... فى الضعْف ان وافى تَمَامه)
(وَالشَّمْس والافلاك توضح لى بهيئتها كَلَامه ... )
(فبها عرفت بِأَنَّهَا ... خلق الذى يحيى رمامه)
(وَعَلَيْك صلى خالقى ... وحبا ربوعك بالكرامه)
(واسلم وَدم فى نعْمَة ... يَا خير من رفع العمامه)
وَمن شعره قَوْله لما مر بِبَعْض آثَار جده المطهر
(قلت لما رَأَيْت مرتبع الْملك بسوح المطهر الْملك تجلى ... )
(أبدا تسترد مَا تهب الدُّنْيَا فيا لَيْت جودها كَانَ بخلا ... )
وَذكره السَّيِّد الْعَلامَة أَحْمد بن حميد الدّين فى كِتَابه ترويح المشوق فَقَالَ الْعَلامَة المطلع فى سَمَاء بلاغته الشموس المرصدة بالثوانى والدقائق الْجَامِع لحقائق الْحَقَائِق ودقائق الدقائق الْمُتَصَرف فى الْقُلُوب بهزله وجده النَّازِلَة لطائف محاضرته فى بروج سعده روح الرّوح على الحقيقه وزينة الْمجَالِس الذى أَحْيَا الادب وَأقَام سوقه الصَّدْر فى صُدُور الكبرا البازى المنقض على محَاسِن الْكَلَام فان تكلم مُتَكَلم فى حَضرته قيل لَهُ اطرق كرى وَأورد من شعره قَوْله
(ظبى على ظبى سَطَا ... مِنْهُ الْمَعْنى خلطا)
(يَا هاجرى كن واصلى ... فواصل نجل العطا)
(نعيت بالصد وَلَا ... أَقُول نعى الخلطا)
(لما رأتك مقلتى ... قلت هِلَال هبطا)
(أردْت مِنْهُ وَصله ... ورمت أمرا فرطا)
(ورام صبرى عاذلى ... فَقلت رمت الشططا)
(قلبى عَلَيْهِ ذائب ... وَمِنْه مَا قد قنطا)
(اذا سلوت عشقه ... فسلوتى عين الخطا)
(أَقْسَمت مَا أتركه ... وَلَو بشيب وخطا)
(ولوالى الْمَوْت دَعَا ... حثثت فى السّير الخطا)
стр. 1211
(وربنا سُبْحَانَهُ ... يغْفر فى الْحبّ الخطا)
وَذكر القاضى حُسَيْن بن النَّاصِر المهلا فِيمَا كتبه الى صاحبنا الْفَاضِل الْكَامِل مصطفى بن فتح الله ان وَالِده وجده بَينهمَا وَبَين المترجم مكاتبات ورسائل بديعة نظما ونثرا قَالَ وَكَانَ نِهَايَة فى علم الْفلك وَله فِيهِ غرائب ونوادر وَرَأَيْت لوالدى أبياتا أجَاب بهَا عَلَيْهِ وَقد سَأَلَهُ عَن بيض السّمك وهى
(لعمرك مَا روم سمن الدَّجَاج ... بأعظم من روم بيض السّمك)
(وَمن رام من بحره مثل ذَا ... يضم الى الْفلك علم الْفلك)
(فيا من بنى مجده جده ... وَمن لسماء الْعلَا قد سمك)
(أَلا ترقب النسْر وَقت الطُّلُوع ... وَأَنت عليم وَذَا الْفَنّ لَك)
أَشَارَ الى أَن بيض السّمك يظْهر فى وَقت طُلُوع النسْر النَّجْم الْمَعْرُوف انْتهى وَلم أَقف على وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة لكنه قد علم انه من أهل هَذِه الْمِائَة من قَول ابْن حميد الدّين انه كتب القصيدة الْمُقدمَة الى الامام فى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين الف
عِيسَى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن بن حسن الْمَعْرُوف بِابْن سعد الدّين الجباوى الصوفى السعدى الدمشقى كَانَ من الاجواد الاسخياء وَلم يكن لابيه ابْن غَيره وَكَانَ عَزِيزًا عِنْده لَا يُخَالِفهُ فِيمَا يُريدهُ وَكَانَ يجْتَمع اليه أَصْحَابه فَيقدم لَهُم وَالِده مَا يكفيهم من نفائس الاطعمة وأنواع الاكرام بَالغا مَا بلغ واذا خرج للتنزه مَعَهم بعث اليهم مَا يكفيهم واذا رضى عِيسَى عَن أحد رضى أَبوهُ واذا سخط سخط ولننقم وَنَشَأ لاخى الشَّيْخ مُحَمَّد الشَّيْخ ابراهيم وَلَده كَمَال الدّين وَكَانَ على أَبِيه أعز من عِيسَى على أَبِيه وَكَانَا يتناظران ويتغايران وَيذكر كل مِنْهُمَا لابيه مَا يُوجب غيظه على ابْن أَخِيه ثمَّ سرى ذَلِك الى التغايظ بَين الاخوين فَوَقع بَينهمَا بعدان كَانَا أحسن أَخَوَيْنِ توافقا وتحاببا وتناصرا فتنافرا ثمَّ تقاطعا حَتَّى اسْتَقل الشَّيْخ مُحَمَّد بِأَمْر مشيخته وعزل أَخَاهُ الشَّيْخ ابراهيم من حلقته وعظمت حُرْمَة وَلَده عِيسَى وَسمعت كَلمته وَكَثُرت عشيرته وجماعته ثمَّ مَاتَت أم عِيسَى وَكَانَت من بَيت ابْن رَجَب من المزه فَتزَوج وَالِده بنت الجقوير الاربدى وَكَانَ لَهَا سَعَة من المَال فعنيت بالشيخ مُحَمَّد وعنى بهَا فَحصل عِنْد الشَّيْخ عِيسَى غيرَة وغيظ بِسَبَب ذَلِك وَكَانَ يناكد أَبَاهُ ويعازله فِيمَا يرَاهُ وَأَبوهُ مُقيم على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْمصرف عَلَيْهِ وعَلى جماعته وَهُوَ يتزايد حردا ثمَّ خرج حَاجا حردا على أَبِيه فَلم يدع لَهُ أَبوهُ حَاجَة من أَمر السّفر الا قَضَاهَا فجاور ذَلِك
стр. 1212
الْعَام وَهُوَ سنة احدى عشرَة بعد الالف بِمَكَّة ثمَّ جهز لَهُ أَبوهُ جمالا وتختروان وَزَادا وَبعث ذَلِك مَعَ أَخِيه الشَّيْخ سعد الدّين بِحَيْثُ انه كَانَ قد ختم بَاب التخت وَلم يركب فِيهِ أحد بل كَانَ يحملهُ بعيران فَارغًا حَتَّى رَجَعَ فِيهِ الشَّيْخ عِيسَى ثمَّ لم يمْكث عِنْد أَبِيه بُرْهَة حَتَّى سَافر الى مصر مغاضبا لابيه فتوفى بهَا وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الثَّانِيَة سنة تسع عشرَة وَألف عَن نَيف وَأَرْبَعين سنة
عِيسَى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَامر جَار الله أَبُو مَكْتُوم المغربى الجعفرى الثعالبى الهاشمى نزيل الْمَدِينَة المنورة ثمَّ مَكَّة المشرفة امام الْحَرَمَيْنِ وعالم المغربين والمشرقين الامام الْعَالم الْعَامِل الْوَرع الزَّاهِد المفنن فى كل الْعُلُوم الْكثير الاحاطة وَالتَّحْقِيق ولد بِمَدِينَة زواوة من أَرض الْمغرب وَبهَا نَشأ وَحفظ متونا فى الْعَرَبيَّة وَالْفِقْه والمنطق والاصلين وَغَيرهَا وَعرض محفوظاته على شُيُوخ بَلَده مِنْهُم الشَّيْخ عيد الصَّادِق وَعنهُ أَخذ الْفِقْه ثمَّ رَحل الى الجزائر وَأخذ بهَا عَن الْمُفْتى الْكَبِير الشهير الشَّيْخ سعيد قدورة وَحضر دروسه وروى عَنهُ الحَدِيث المسلسل بالأولية والضيافة على الاسودين المَاء وَالتَّمْر وتلقين الذّكر وَلبس الْخِرْقَة والمصافحة والمشابكة ولازم دروس الامام الشهير والصدر الْكَبِير أَبى الاضلاع على بن عبد الْوَاحِد الانصارى السجلماسى مُدَّة تزيد على عشر سِنِين فشارك ببركته فى فنون عديدة وَأخذ عَنهُ صَحِيح البخارى الى نَحْو الرّبع مِنْهُ على وَجه من الدِّرَايَة بديع الْتزم الْكَلَام فِيهِ على أستاذه يتعريف رِجَاله من ذكر سيرهم ومناقبهم ومواليدهم ووفياتهم وَمَا فى الاسناد من اللطائف من كَونه مكيا أَو مدنيا وَفِيه رِوَايَة الاكابر عَن الاصاغر والصحابى عَن الصحابى وَنَحْو ذَلِك وعَلى مَتنه بفسيره غَرِيب وَبَيَان مَحل الِاسْتِدْلَال مِنْهُ ومطابقته للتَّرْجَمَة وَمَا يحْتَاج اليه من اعراب وتصريف وَمَا فِيهِ من الْقَوَاعِد الاصولية وَمَا يبْنى عَلَيْهَا من الْفُرُوع والالماع بِمَا فِيهِ من الاشارات الصُّوفِيَّة وَغير ذَلِك مِمَّا يبهر الْعُقُول وَسمع عَلَيْهِ جَمِيع الصَّحِيح غير مرّة على طَرِيق مُخْتَصر بَين الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة وَسمع عَلَيْهِ طرفا من الشِّفَاء تفقها فِيهِ بمراجعته شروحه التلمسانى والدلجى والشمنى وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ فى عُلُوم الحَدِيث الفية العراقى تفقها فِيهَا وَفِي شرحها للْمُصَنف وَشَيخ الاسلام وفى الْفِقْه جَمِيع مُخْتَصر خَلِيل تفقها فِيهِ بمطالعة شروحه بهْرَام والتتائى والمواق وَابْن غازى والحطاب وَغَيرهم والرسالة الى نَحْو النّصْف مِنْهَا تفقها فِيهَا كَذَلِك بمراجعة شروحها الجز ولى وأبى
стр. 1213
الْحسن وَغَيرهمَا ونبذة من تحفة الْحُكَّام فى نكت الْعُقُود والاحكام لِابْنِ عَاصِم وفى أصُول الْفِقْه جَمِيع جمع الْجَوَامِع للسبكى مرَّتَيْنِ قِرَاءَة بحث وطرفا من أصُول ابْن الْحَاجِب مَعَ نبذة من شَرحه للعقبانى وَشَرحه للقاضى عضد الدّين وحاشية الْمُحَقق التفتازنى عَلَيْهِ وفى أصُول الدّين أم الْبَرَاهِين بشرحها للسنوسى من قَوْله وَيجمع معانى هَذِه العقائد لَا اله إِلَّا الله الى آخِره وَجَمِيع الْمُقدمَات بشرحها لَهُ وطرفا من الْكُبْرَى لَهُ وطرفا من اخْتِصَار الطوالع للبيضاوى وفى النَّحْو الالفية لِابْنِ مَالك سَمَاعا من لَفظه من أَولهَا الى تَرْجَمَة الْكَلَام وَمَا يتألف مِنْهُ مَعَ الالماع بلطائف نكت واللامية من أَولهَا الى بَاب أبنية الْفِعْل الْمُجَرّد وتصاريفه وفى فن البلاغة جَمِيع تَلْخِيص الْمِفْتَاح بشرحه الْمُخْتَصر وفى الْمنطق جَمِيع الْجمل للخونجى مرَّتَيْنِ بمراجعة شروحه التلمسانى وَابْن مَرْزُوق الْحَفِيد وَابْن الْخَطِيب القسطينى وَجَمِيع مُخْتَصر السنوسى وَمن ايساغوجى من الْقيَاس الخ وَمن الْبردَة من أَولهَا الى قَوْله نَبينَا الْآمِر الناهى وَكَانَ يأتى فِيهَا بالعجائب والغرائب وَرُبمَا يمر عَلَيْهِ الايام فى الْبَيْت الْوَاحِد مِنْهَا بمراجعة شرحها لِابْنِ مَرْزُوق الْحَفِيد وَغَيره وفى التصوف المباحث الاصلية نظم ابْن الْبناء فى آدَاب السلوك وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى فى فنون شَتَّى كالرسم والضبط والبديع وَالْعرُوض والقوافى وَالتَّفْسِير وَأَجَازَهُ مَرَّات بل أنابه عَنهُ فى مُبَاشرَة وَظِيفَة تدريس لَهُ وزوجه ابْنَته واختص بِهِ وَلم بفارقه حَتَّى مَاتَ وَمَاتَتْ زَوجته فَرَحل عَن الجزائر وَتَبعهُ للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فى الْمنطق شَيخنَا الْعَلامَة الْمُحَقق المدقق يحيى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن أَبى البركات الشهير بالشاوى وَقَالَ انه سَار مَعَه نَحْو ثَمَان مراحل حَتَّى أكمل قِرَاءَته عَلَيْهِ وَدخل تونس وَأخذ عَمَّن بهَا من أجلائها كالشيخ زين العابدين وَغَيره وَلما دخل الى قسطينة أَخذ بهَا عَن الشَّيْخ المعمر عبد الْكَرِيم اللكونى وَلم يزل على ذَلِك كلما اجْتمع بِأحد من الْعلمَاء اسْتَفَادَ مِنْهُ وأفاده حَتَّى وصل الى مَكَّة المشرفة وَحج فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ألف وجاور بهَا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسكن بخلوة فى رِبَاط الداودية وَأخذ عَنهُ اذ ذَاك الشَّيْخ على باحاج وقرأعليه الصَّحِيحَيْنِ والموطأ ثمَّ رَحل الى مصر وَأخذ بهَا عَن أكَابِر علمائها كالنور على الا جهورى والقاضى الشهَاب أَحْمد الخفاجة وَالشَّمْس مُحَمَّد الشوبرى وأخيه الشهَاب والبرهان المأمونى وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى والنور الشبراملسى وَغَيرهم مِمَّن يطول ذكر أسمائهم وأجازوه بمروياتهم وأثنوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله بل
стр. 1214
اتّفق لَهُ مَعَ شيخ الشَّافِعِيَّة مُحَمَّد الشوبرى وأخيه شيخ الْحَنَفِيَّة أَحْمد انه اجْتمع بهما فى وَلِيمَة عِنْد بعض الكبراء فَقدم اليهما استدعاء بِخَطِّهِ فَلَمَّا رَآهُ الْكَبِير مِنْهُمَا وَهُوَ الشَّمْس مُحَمَّد قَالَ معتذرا عَن كِتَابَة الاجازة قد جَاءَ فى الحَدِيث ان الله كتب الاحسان عملى كل شئ الخ وانى لَا أحسن كِتَابَة اجازة تناسب هَذَا الاستدعاء الْحسن فَطلب من أَخِيه الْكِتَابَة عَلَيْهِ فَقَالَ أَنا على مَذْهَب الاخ وَكتب لَهُ الْبُرْهَان المأمونى فى اجازته انه مَا رأى مُنْذُ زمَان من يماثله بل من يُقَارِبه ورحل الى منية ابْن الخصيب وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخ على المصرى وَهُوَ الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْوَرع الزَّاهِد الْمَشْهُور الْولَايَة الْعَظِيم الْقدر الْجَامِع بَين الشَّرِيعَة والحقيقة صَاحب التصانيف مِنْهَا تحفة الاكياس فى حسن الظَّن بِالنَّاسِ ورسالة الانوار ومشارق الانوار فى بَيَان فضل الْوَرع من السّنة وَكَلَام الاخيار وَغير ذَلِك ثمَّ رَحل الى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَأخذ بهَا عَن أجلائها كالقاضى تَاج الدّين المالكى والامام زين العابدين الطبرى وَالشَّيْخ عبد الْعَزِيز الزمزمى وَالشَّيْخ على بن الْجمال المكيين وأجازوه بمروياتهم ولازم بهَا خَاتِمَة الْمُحدثين الشَّمْس البابلى وَخرج لَهُ فهرستا بمقروآته واشتغل بالتدريس فى الْمَسْجِد الْحَرَام فى فنون كَثِيرَة وَكَانَ يزور النبى
فى أثْنَاء كل سنة ويتردد على الاستاذ الصفى أَحْمد القشاشى وَيَأْخُذ عَنهُ وَكَانَ يَقُول مَا رَأَيْت مثل سيدى الشَّيْخ أَحْمد يكْتب مَا أَرَادَ من غير احْتِيَاج الى تفكر قَالَ وَكَانَ شَيخنَا على بن عبد الْوَاحِد يَقُول مَا دَامَ الْقَلَم فى يدى ومدته فِيهِ كتبت بِهِ فاذا جف احتجت الى التَّأَمُّل والاستحضار وَأما سيدى الشَّيْخ أَحْمد فَلَا يقف وارده عِنْد جفاف قلمه وَمكث بِمَكَّة سِنِين عزبا ثمَّ ابتنى لَهُ دَارا وَاشْترى جَارِيَة رُومِية واستولدها وَحصل كتبا كَثِيرَة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم حَتَّى ان الْعَارِف بِاللَّه السَّيِّد مُحَمَّد بن علوى كَانَ يَقُول فى شَأْنه انه زَرُّوق زَمَانه وَكَانَ السَّيِّد عمر با حسن باعلوى يَقُول من أَرَادَ أَن ينظر الى شخص لَا يشك فى ولَايَته فَلْينْظر اليه وَكفى بذلك فخرا لَهُ وَمن شهد لَهُ خُزَيْمَة فَحسب وَقد شوهدت لَهُ كرامات وَكَانَت سَائِر أوقاته معمورة بأنواع الْعِبَادَة وانتفع بِهِ جمَاعَة من الْعلمَاء الْكِبَار مِنْهُم الاستاذ الْكَبِير ابراهيم بن حسن الكورانى وَشَيخنَا الْحسن بن على العجيمى وَشَيخنَا أَحْمد بن مُحَمَّد النخلى فسح الله تَعَالَى فى أجلهما وَالسَّيِّد مُحَمَّد الشلى باعلوى وَالسَّيِّد أَحْمد بن أَبى بكر شَيْخَانِ وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن شَيخنَا عمر شَيْخَانِ وَالشَّيْخ عبد الله الطَّاهِر العباسى وَغَيرهم وَله
стр. 1215
مؤلفات مِنْهَا مقاليد الاسانيد ذكر فِيهِ شُيُوخه المالكيين وَأَسْمَاء رُوَاة الامام أَبى حنيفَة وفهرست البابلى وَكَانَت وَفَاته يَوْم الاربعاء لست بَقينَ من رَجَب سنة ثَمَانِينَ بعد الالف وَدفن بالحجون عِنْد قبر الاستاذ الْمَشْهُور الشَّيْخ مُحَمَّد بن عراق
عِيسَى بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن كنان الحنبلى الصالحى الدمشقى الخلوتى خَليفَة شَيخنَا وأستاذنا السَّيِّد مُحَمَّد بن مَحْمُود العباسى روح الله تَعَالَى روحه كَانَ من صلحاء الزَّمَان وفضلائه ورعا عابداً زاهدا فى الدُّنْيَا قانعا بِمَا قدر لَهُ سَاكِنا عَلَيْهِ سِيمَا الصّلاح ولد بصالحية دمشق وَبهَا نَشأ وَلما بلغ سبع سِنِين من عمره حفظ الْقُرْآن ثمَّ لما بلغ الْعشْر سَافر مَعَ وَالِده إِلَى مصر وَعَاد إِلَى دمشق ثمَّ سَافر اليها ثَانِيًا وَحده وَطلب الْعلم على مَشَايِخ أجلاء مِنْهُم الشَّيْخ مرعى البهوتى الغزى والنور الشبراملسى وَالشَّيْخ مُحَمَّد الخلوتى وَالشَّمْس البابلى والشهاب أَحْمد الشوبرى وَالشَّيْخ سُلْطَان وَغَيرهم وَكَانَ مغرما بزيارة الاولياء وَالصَّالِحِينَ سِيمَا الامام الشافعى وَكَانَ اذا جلس يقْرَأ عِنْده بَين الْقُرَّاء يتعجبون مِنْهُ لحسن تأديته وفصاحته مَعَ كَمَال لطفه وَجَمِيل سيرته وَحكى أَنه تردد مرّة فى آيَة وَهُوَ يقْرَأ عِنْده وَسكت فَفتح عَلَيْهِ الامام الشافعى من دَاخل الْقَبْر ثمَّ رَجَعَ الى دمشق فى سنة خمس وَخمسين وَألف وَاجْتمعَ بالشيخ الولى الشَّيْخ مَنْصُور الْمحلى الصابونى وقطن عِنْده بِجَامِع الصابونية يقْرَأ الْقُرْآن استظهارا وَكَانَ الشَّيْخ مَنْصُور يُحِبهُ محبَّة كُلية وَكَانَ فى بعض الاوقات يطرقه الْحَال والشوق فَيخرج هائما على وَجهه يذور فى البرارى والقفار يدْخل بيروت وصيدا ويزور جبل لبنان وَمَعَهُ ركوة وعكازة ومرقعة وَيَأْكُل من الْحَشِيش وَيشْرب من عُيُون الارض رُبمَا كَلمه بعض الوحوش ثمَّ يعود الى زَاوِيَة الشَّيْخ مَنْصُور وَحج مرَارًا على التَّجْرِيد مَاشِيا امام الْحَاج لَا يعول على مركوب وَلَا خيمة وَلَا يطْلب من أحد شَيْئا ان حصل لَهُ شئ أكل والا طوى وَكَانَ كثيرا مَا يرى النبى
وَقَالَ لَهُ مرّة مرْحَبًا مرْحَبًا بفلان باسمه وَلم يزل على هَذَا الْحَال بعد موت الشَّيْخ مَنْصُور حَتَّى وصل الى شَيخنَا الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى السَّيِّد مُحَمَّد العباسى فَأخذ عَلَيْهِ الطَّرِيق وَلم يزل عِنْده فى أَعلَى مكانة حَتَّى برع فى طَرِيق الْقَوْم وَأَشَارَ اليه بالخلافة بعده فوليها وَكَانَت تظهر لَهُ كرامات وأحوال مِنْهَا انه أخبر بِمَوْت انسان قيل مَوته بأيام فَكَانَ كَمَا قَالَ وَكَانَ لَهُ نزاهة وعفة وَاتفقَ ان رجلا أعطَاهُ مائَة قِرْش هبة وَأشْهد على ذَلِك ثمَّ بعد أَيَّام شحت نَفسه بهَا فطلبها مِنْهُ ففى الْحَال
стр. 1216
أعطَاهُ اياها من غير توقف وَأرْسل اليه الْوَزير حُسَيْن باشا يَطْلُبهُ للاجتماع بِهِ فَلم يجب فَأرْسل اليه بِثَلَاثِينَ قرشا فَأَعْطَاهَا للذى أرسلها مَعَه وَبِالْجُمْلَةِ فانه كَانَ بركَة الْوُجُود وَكَانَت وِلَادَته فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَمَات لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لَا ربع لَيَال بَقينَ من شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف بالصالحية وَكَانَ أوصى أَن يدْفن لصيق شَيْخه العباسى بمقبرة الفراديس وهيأ لَهُ قبراً ثمَّة قبل مَوته بِمدَّة يسيرَة فَدفن بِهِ وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا وأسف النَّاس عَلَيْهِ كثيرا رَحمَه الله تَعَالَى
عِيسَى بن مُسلم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن خَلِيل الصمادى الشافعى القادرى تقدم ذكر أَخِيه ابراهيم وَكَانَ الشَّيْخ فى شبيبته مَشْغُولًا باللذات وَكَانَ مُسْرِفًا فى الْمصرف ثمَّ تقلبت بِهِ الايام حَتَّى مَاتَ جسده وَأَبوهُ فولى المشيخة الصمادية بعد أَبِيه وَلما وَليهَا ترك مَا كَانَ عَلَيْهِ وأقلع عَنهُ وَقَامَ بالمشيخة أحسن قيام وَكَانَ حكام الشَّام يكرمونه حَتَّى انتدبه أَحْمد باشا الْحَافِظ للذهاب الى السردار مُرَاد باشا الى ديار بكر فى التَّخْفِيف فى النُّزُول فَذهب اليه وَقضى الامر وَسَار قبل ذَلِك الى مُرَاد باشا وَهُوَ فى حلب فى الانتقام من الامير على بن جانبولاذ مَعَ من سَار اليه من عُلَمَاء دمشق وأعيانها ثمَّ تقدم ونبل بعد موت الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين على سَائِر الصُّوفِيَّة حَتَّى انتهبته الْمنية قَالَ النَّجْم وجد بِخَط جده أَبى مُسلم أَن وِلَادَته كَانَت فى الثَّامِن وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى لَيْلَة الِاثْنَيْنِ سادس ذى الْحجَّة سنة احدى وَعشْرين وَألف وَدفن الى جَانب أَبِيه براويتهم الْمَعْرُوفَة دَاخل بَاب الشاغور رَحمَه الله تَعَالَى
حرف الْغَيْن الْمُعْجَمَة
غازى باشا ابْن شاهسوار الجركسى الاصل أحد وزراء الدولة العثمانية كَانَ من مشاهير فضلاء الوزراء مطلعا على كثير من الْمسَائِل والنكات عَارِفًا باللغات الْعَرَبيَّة والفارسية والتركية حَافِظًا لكثير من أشعارها كَانَ وَالِده من الامراء واقتفى هُوَ اثره فى طَلِيعَة عمره ثمَّ صَار أَمِير الامراء بِمَدِينَة قونية وَلما ولى الْوَزير البشير الوزارة الْعُظْمَى توجه من حلب قَاصِدا بِلَاد الرّوم وَمر على قونية فاستبدعاه وَوجه اليه نَبَات الشَّام فَقدم اليها فى نَهَار الْخَمِيس خَامِس جُمَادَى الاولى سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَكَانَ شَابًّا خَفِيف اللِّحْيَة جميل المنظر وَكَانَ مَعَ حَدَاثَة سنه ورقة طبعه معرضًا
стр. 1217
عَمَّا يَقْتَضِيهِ الشَّبَاب من غلوائه مُقبلا على محبَّة الْعلمَاء لَا يعرف لَهُ صبوة وَرُبمَا انه مَا نظر الى وَجه أَمْرَد وَحكى عَنهُ انه طلع يَوْمًا للتنزه فى الوادى التحتانى فَالتقى مَعَ جمَاعَة من أَرْبَاب الصَّنَائِع خَرجُوا للسير فأرسلوا لَهُ قهوة مَعَ شَاب مِنْهُم خالى العذار فَلم يَتَنَاوَلهَا مِنْهُ وَأمر بعض أَتْبَاعه من الكهول بمناولتها ثمَّ صرف عَن دمشق فى ثَالِث ذى الْقعدَة سنة خمس وَسِتِّينَ وجاءته رُتْبَة الوزارة وَهُوَ مُقيم بهَا ثمَّ رَحل الى الرّوم وَولى بعد مُدَّة مُحَافظَة مصر وَورد دمشق وَهُوَ مُتَوَجّه اليها وَذَلِكَ نَهَار الاربعاء عشرى ذى الْقعدَة سنة سبع وَسِتِّينَ وَاسْتمرّ بهَا حَاكما ثَلَاث سِنِين وَسيرَته فِيهَا الى الْآن مَذْكُورَة مشكورة ثمَّ عزل عَنْهَا وَأسْندَ اليه بعض أُمُور هُوَ برِئ مِنْهَا فحبس أَيَّامًا ثمَّ قتل وَدفن بالقرافة تجاه شباك الامام الشافعى رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ قَتله فى سنة احدى وَسبعين وَألف وَمن لطائفه انه كتب اليه الاستاذ مُحَمَّد بن زين العابدين البكرى وَهُوَ فى السجْن رِسَالَة فى شَأْن مَال أَخذه مِنْهُ تَعَديا فى زمن تَوليته من جُمْلَتهَا ان كَانَ الذى أَخذ منا من المَال عَاد عَلَيْكُم فَأنْتم فِي حل مِنْهُ وان كَانَ عَاد الى الْغَيْر فَلَا بَأْس بالاعلام بِهِ لنسترجعه فَكتب اليه الْجَواب بَيْتا وَلم يزدْ عَلَيْهِ وَهُوَ
(شربنا وأهرقنا على الارض فضلَة ... وللارض من كأس الْكِرَام نصيب)
وَحكى انه لما قتل وجد فى جيبه كاغد مَكْتُوب عَلَيْهِ هَذِه الابيات وَكَانَ فى السجْن كثيرا مَا ينشدها وهى
(تجنوا لى ذنوبا مَا جنتها ... يداى وَلَا أمرن وَلَا نهيت)
(وَلَا وَالله مَا أضمرت غدرا ... كَمَا قد أظهروه وَلَا نَوَيْت)
(وَيَوْم الْحَشْر موقفنا وتبدو ... صحيفَة مَا جنوه وَمَا جنيت)
(وَيحكم بَيْننَا الْمولى بِعدْل ... فويل للخصوم اذا ادعيت)
قلت وَقد تداولت النَّاس هَذِه الابيات كثيرا وخمسوها وأغلبهم يظنّ انها من نظمه وَلَيْسَ كَذَلِك فانها للامير اسامة بن منقذ ذكرهَا فى تَرْجَمته ابْن خلكان وَلها أَبْيَات أخر فى أَولهَا مثبتة فى ديوانه وَكَانَ كتبهَا لابيه جَوَابا عَن أَبْيَات كتبهَا أَبوهُ اليه وهى
(وَمَا أَشْكُو تلون أهل ودى ... وَلَو أَجدت شكيتهم شَكَوْت)
(مللت عتابهم ويئست مِنْهُم ... فَمَا أرجوهمو فِيمَن رَجَوْت)
(اذا أدمت قوارصهم فؤادى ... كظمت على أذاهم وانطويت)
(ورحت عليهمو طلق الْمحيا ... كانى مَا سَمِعت وَلَا رَأَيْت)
стр. 1218
تجنوا الى آخر الابيات
غرس الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن غرس الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن غرس بن مُحَمَّد بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الْوَهَّاب ابْن عبد الفتاح بن عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الرَّحْمَن بن ابى سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الابجر خدرة بن عَوْف بن الْحَرْث بن الْخَزْرَج ابْن حَارِثَة بن ثَعْلَبَة بن عَامر بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الازد الخليلى ثمَّ المدنى الانصارى الشافعى الْمُحدث الْفَقِيه الاديب الْمَشْهُور صَاحب كتاب كشف الالتباس فِيمَا خفى على كثير من النَّاس أَلفه فى الاحاديث الْمَوْضُوعَة وَهُوَ كتاب جم الْفَائِدَة رَأَيْته ونقلت مِنْهُ أَشْيَاء من جُمْلَتهَا انه كَانَ
يَأْمر الاغنياء باتخاذ الْغنم وَيَأْمُر الْفُقَرَاء باتخاذ الدَّجَاج فَقَالَ // (لَا أصل لَهُ) // وَقد سبقه الى هَذَا الْوَضع جمَاعَة مِنْهُم الزركشى والسيوطى وَألف فِيهِ النَّجْم الغزى الدمشقى كِتَابه اتقان مَا يحسن فى الاحاديث الْجَارِيَة على الالسن لَكِن تأليف صَاحب التَّرْجَمَة أسهل مأخذا من الْجَمِيع وَله من التآليف أَيْضا نظم الْكَنْز ونظم مَرَاتِب الوحود للامام عبد الْقَادِر الجيلى فى رجز فى غَايَة الرقة والانسجام وَقد تولى شَرحه الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى عبد الله البوسنوى الرومى شَارِح الفصوص الْمَار ذكره لما كَانَ بَينهمَا من الْمَوَدَّة أَخذ بالقدس عَن الشَّيْخ مُحَمَّد الدجانى وَالشَّيْخ يحبى بن قاضى الصَّلْت امام الْمَسْجِد الاقصى وقارىء الْحَدث بِهِ ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة فى سنة سبع بعد الالف وَحضر بهَا دروس أَبى النجاسالم السنهورى فى البخارى والشفاء وَأخذ عَن الاستاذ زين العابدين البكرى والحافظ مُحَمَّد حجازى الْوَاعِظ وَرَأى فى مَنَامه وَهُوَ بِمصْر كَانَ النبى
أعطَاهُ رغيفا فَقص الرُّؤْيَا على سيدى ابى الاسعاد يُوسُف الوفائى فَأَشَارَ اليه بالذهاب الى الرّوم فَذهب اليها اذ ذَاك وَاجْتمعَ بالوزير الاعظم بِوَاسِطَة كتاب سيدى أَبى الاسعاد وَكَانَ تقدم لَهُ ولَايَة بِمصْر وَأَظنهُ بيرام باشا فَوجه لَهُ خطابة الْمَدِينَة وَعين لَهُ مَا يَكْفِيهِ فَهَاجَرَ الى الْمَدِينَة وسكنها وَتزَوج بهَا وَصَارَ بهَا منهلا للواردين لَا سِيمَا أهالى الْقُدس والخليل وأحبه أهل الْمَدِينَة وَعظم شَأْنه فِيمَا بَينهم وَوَقع لَهُم أَمر خطير فى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف احتاجوا الى عرضه للسلطنة فَأَرْسلُوهُ الى السُّلْطَان وَمَعَهُ الشَّيْخ الْفَاضِل مُحَمَّد ميرزا السروجى الدمشقى نزيل الْمَدِينَة فوصلا الى دمشق صُحْبَة الركب الشامى وَكَانَ
стр. 1219
السُّلْطَان اذ ذَاك قد رَجَعَ من فتح بَغْدَاد وَوصل الى حلب فَخَرَجَا من دمشق ووصلا اليه وتمت الامور الَّتِى أرسلا لاجلها وَاجْتمعَ صَاحب التَّرْجَمَة بوزير السُّلْطَان الْمَذْكُور مصطفى باشا وَكتب اليه قصيدة يحثه فِيهَا على ازالة العبيد الخصيان من الْمَسْجِد النبوى وَالْقَصِيدَة هَذِه
(يَا مصطفى بالمصطفى العدنان ... وبآى قُرْآن عَظِيم الشان)
(لَا تجعلن على الْمَدِينَة أسودا ... شَيخا على حرم النبى العدنان)
(وَكَذَلِكَ الحبشان أَيْضا منهمو ... فهمو همو لَا خير فى الحبشان)
(بل جَاءَ فى خبر رَوَاهُ بَعضهم ... هَا لَفظه لَا خير فى الحبشان)
(قوم لَهُم طمع شَدِيد زَائِد ... لَا يشبعون من الحطام الفانى)
(لَوْلَا المخافة مِنْهُم لاتاكم ... شاكون من هم وَمن أحزان)
(واذا أردتم أَنكُمْ تتيقنوا ... أَحْوَالهم من غير مَا بهتان)
(فلتسألوا حنفى أفندى عَنْهُم ... يُخْبِركُمْ عَن خلسة الْغرْبَان)
(مَا كل مَا يدرى يُقَال وَأَنْتُم ... أدرى بطيش السَّادة الخصيان)
(يستنزلون لاخذ مَا قد جَاءَ من ... صدقَات خير للْفَقِير العانى)
(فَيُصِيب أهل الْفضل من صَدقَاتكُمْ ... مَا سَاءَ هم من أسْهم الحرمان)
(فَانْظُر لنا شَيخا تقيا صَالحا ... مستنزها عَن ذَا الحطام الفانى)
(ان لم يجز الاخصيا اسودا ... فاخصوا لنا شَيخا من البيضان)
(يَا وَيحكم ان لم تراعوا حَقنا ... يَوْم الْحساب بِحَضْرَة الديَّان)
(يَوْمًا تَكُونُوا مثلنَا مَا ان لكم ... فى النَّاس من أَمر وَمن سُلْطَان)
(هدى نصيحة غرسكم فى رَوْضَة الهادى الى الاسلام والايمان ... )
(يَدْعُو لسلطان الورى ولمصطفى ... سيف الاله وعاضد السُّلْطَان)
وَلما عَاد صَاحب التَّرْجَمَة أنزلهُ الْفَاضِل أَحْمد بن شاهين عِنْده وَأَقْبَلت عَلَيْهِ عُلَمَاء دمشق وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من أَهلهَا مِنْهُم الشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى وَذكره فى ثبته وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه نظم لنا الشمايل فى لَيْلَة وَاحِدَة فِيمَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء وَكتب عَنهُ أناشيد وأمالى لنَفسِهِ وَلغيره فَمن ذَلِك قَوْله
(انى لَا عجب مِمَّا ... صَار الزَّمَان اليه)
(اذا مَا بَكَيْت لدهر ... الا بَكَيْت عَلَيْهِ)
стр. 1220
وَقَوله
(اذا رَأَيْت وليا ... مغرى بحرص وبخل)
(فَلَيْسَ ذَاك وليا ... للرب بل عبد جهل)
وَقَوله فى العقد
(لقد قَالَ النبى مقَال صدق ... يرَاهُ بالبصيرة كل رائى)
(أَتَى مَعْنَاهُ منظوما بِشَطْر ... وَشطر مِنْهُ بالنظم السوَاء)
(وبعدى مَا تركت هُنَاكَ فتْنَة ... أضرّ على الرِّجَال من النِّسَاء)
وَكتب على كتاب من شعره
(هَذَا كتاب حَقه يشترى ... بِالذَّهَب المحبوب بَين الورى)
(تقدم الْعَالم اخباره ... ان أخر الْجَاهِل خلف الورى)
وَكتب الى بعض تلامذته من أهالى الْقُدس وَهُوَ الشَّيْخ يُوسُف العسيلى
(يَا من اليه تشوقى وتشوفى ... قلبى يحدثنى بأنك متلفى)
(هَل قد عرفت باننى لَك مصطفى ... روحى فدَاك عرفت ام لم تعرف)
(وَلَقَد أَقُول للائمى فى حبكم ... أيلام من يهوى الْجمال اليوسفى)
(ان جئتنى مصرا فقد أسعفتنى ... يَا خيبة الْمَسْعَى اذا لم تسعف)
(مَا حبنى بِالصّدقِ شخص غَيْركُمْ ... حَقًا وَكَيف يحب من لم يعرف)
(أَوْفوا لما واعدتمونى سرعَة ... كرما فانى ذَلِك الْخلّ الوفى)
(لَو قد وهبت مبشرى بقدومكم ... روحى وَحقّ جمالكم لم أنصف)
(وَلَقَد كلفت بحب أصلكم لذا ... كلفى بكم خلق بِغَيْر تكلّف)
وَله قصائد فى مدح الشريف زيد بن محسن شرِيف مَكَّة نظمها على حُرُوف المعجم من الالف الى الْيَاء كل قصيدة عشرَة أَبْيَات وقفت عَلَيْهَا وانتقيت مِنْهَا قصيدتين فَالْأولى مِنْهُمَا مطْلعهَا
(خليلى ان الْحبّ بالصب عابث ... فَكيف التسلى وَهُوَ فى الْقلب لابث)
(رَأَيْت ظباء قد تراءين فى الضُّحَى ... لعينى عني بالعيوب عوابث)
(وَلَو كَانَ رمحا وَاحِدًا لاتقيته ... وَلكنه رمح وثان وثالث)
(فَمن منقذى من وقذهن فاننى ... وقيذ فَهَل لى من وقيذيما غث)
(تطلبت غطريفاً عطوفا يجيرنى ... يكون لَهُ فى الْملك قدما توارث)
(فنوديت هَذَا وصف زيد بن محسن ... قمين بِهِ فَهُوَ الشجاع الشنابث)
(فطرت سُرُورًا وامتطيت طمرة ... تبارى هبوب الرّيح وَالرِّيح عابث)
стр. 1221
فَجئْت الى الْمولى الشريف أَبى الضَّعِيف لبّى ضَعِيفا وَهُوَ فى الْملك ماكث
(غَدَوْت عَلَيْهِ فاغتدوت بروحة ... ورحت وروح الْقُدس فى الروع نافث)
وَالثَّانيَِة أَولهَا
(وادى الاباطح بالعبير تأرجا ... أم عطر عزة فى الصَّباح توهجا)
(أم أشرقت شمس الْجَلالَة ضحية ... أم وَجه عزة بالجمال تبلجا)
(أم زيد الْمولى الشريف أَتَى الى الْحرم الشريف فَمن سناه أبلجا ... )
(لَا تعجبوا مِمَّا رَأَيْتُمْ انما ... نور النُّبُوَّة فى الْبُنُوَّة أبهجا)
(أَو مَا علمْتُم أَن نور مُحَمَّد ... فى نسل فَاطِمَة بدا متبلجا)
(فهم شموس للهدى وهم بحور للندى وهم بدور للدجا ... )
(وهم اذا كشف الغطاء رَأَيْتهمْ ... للْمُؤْمِنين بغبر مين زبرجا)
(مَاذَا يَقُول المادحون وربهم ... أثنى عَلَيْهِم فى الْكتاب المرتجى)
(أبقاهم الْمولى وَأبقى زيدهم ... فى ملكة كَيْمَا يؤم ويرتجى)
(مُتَمَتِّعا بمقامه ومقامه ... وذمامه اذبابه مَا أرتجا)
وَمن شعره قَوْله فى القهوة
(دع الصَّهْبَاء واشرب صرف قشر ... مشعشعة تَدور بكف بدر)
(وان شِئْت الشفا بَادر سَرِيعا ... الى حَان لَهَا قد حَان بدرى)
(فَمَا الْيَاقُوت فى لون نضير ... وَمَا لون النضار ولون تبر)
(دع الْفَارُوق ان رمت التداوى ... وخذها فهى للاسقام تبرى)
(كَانَ حبابها المنظوم عقد ... من الْيَاقُوت يجلى فَوق نحر)
(سأسعى نَحْو مروتها ألبى ... ليصفو بالصفا صدرى ونحرى)
(نَدِمت ندامة الكسعى عَلَيْهَا ... لما قد فَاتَ من أَيَّام عمرى)
(سأدمن شربهَا مَا دمت حَيا ... وَلَا أصغي إِلَى زيد وَعَمْرو)
(وأجلو عين أغيارى وهمى ... بصافيها سحيرا قبل فجر)
(فرأيى الْآن يَا من رام نصحى ... اذا شاهدتها فى الحان فَاجر)
(وَلم لَا وهى مشروب العوالى ... من السادات فى بَحر وبر)
(هى الراح المريح لكل روح ... وَلم تمزج وَلم تُوجد بعصر)
(وكل مُخَالف فِيهَا فانى ... أسفه قَوْله من أهل عصرى)
стр. 1222
(فَقل ان قَالَ سَاقيهَا المفدى ... جبا يَا مرْحَبًا واشكر بشكرى)
(وخذها من يَدَيْهِ فى حُضُور ... مَعَ الساقى الْمليح بِغَيْر سكر)
(فَلَا غول وَلَا تأثيم فِيهَا ... وَلَيْسَت مرّة بل طعم تمر)
(وان غالى الْمُحب وَقَالَ شهد ... أُجِيب نعم اذا مَا كَانَ تمرى)
(وَلَوْلَا مد حَتَّى للبن قبلا ... لعدت لَهُ بهجو ثمَّ هجر)
(لبئس طباعه وَسَوَاد قلب ... لَهُ فَهُوَ الحرى بِكُل هجر)
ونقلت من تذكرة القاضى أَحْمد بن عِيسَى المرشدى قَالَ ورد علينا فى أثْنَاء عَام خمس وَأَرْبَعين وَألف الشَّيْخ الاوحد الاكمل غرس الدّين الازهرى المقدسى الْخَطِيب والامام بالروضة المشرفة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلم يؤانسه أهل مَكَّة فَقَالَ معرضًا
(عُلَمَاء مَكَّة جاوزوا الافلاكا ... عزا وَحقّ لَهُم لعمرى ذَا كَا)
(لَوْلَا الرياسة فى رُؤْس نُفُوسهم ... كَانُوا وحقك كلهم أملاكا)
وَقَالَ أَيْضا
(جيران مَكَّة جيران الاله لذا ... لَا يعبأون بِمن قد غَابَ أَو حضرا)
(لَوْلَا الطبيعة عاقدتهم لَكَانَ لَهُم ... اسراء روح بسر السِّرّ قد ظفرا)
فَقَالَ بعض السَّادة الاشراف الْمُتَّصِل محتدهم الزاكى بالمغيرة بن عبد منَاف فَخر الشَّجَرَة الَّتِى أَصْلهَا ثَابت وفرعها فى السما أكْرم بِهِ نسبا ومنتمى على طَرِيق الْجَواب عَن المكيين
(لله دَرك من أديب بارع ... بذكائه مَا يعجزا الادراكا)
(أَحْسَنت اذ أتحفتنا ببدائع ... بهرت وان جَادَتْ فدون نداكا)
(فجها بذا الْبَيْت الْحَرَام مذيعة ... بأريج مدح من بديع ثناكا)
(وهم الحجاحج وَالَّذين سموا بِمن ... خرم السما واستخدام الاملاكا)
(لَا غروان جازوا الاثير بفضلهم ... وعلوا بِحَق جواره الافلاكا)
وَعَن الثانيين
(يَا مفلقا لم يزل فى كل غامضة ... يبدى بهَا فلقا بِالْحَقِّ قد ظهرا)
(وبحر علم تحلى من فرائده ... جيد البلاغة عقدا يفضح الدررا)
(أثنيت حَقًا وَعين الْفضل شاهدة ... وَأَنت انسانها الرائى بِغَيْر مرا)
(لَكِن اليك اعتذار مِنْهُم فذوو الافضال يعْذر من قد جَاءَ معتذرا ... )
(لم يتركوك لاهمال ومنقصة ... لَكِن حجبتهم فالذنب مِنْك يرى)
وأجابه أَيْضا القاضى الْفَاضِل تَاج الدّين المالكى
стр. 1223
(جيران مَكَّة غرس الدّين أينع فى ... قُلُوبهم باسقا يهدى الْهدى ثمرا)
(سقوه من أنهر الاخلاص صافيها ... فاخضل يطلع من أكمامها زهرا)
(وَمن يكن روض غرس الدّين مهجته ... أسرى وفاز بسر السرحين سرا)
(بِهِ قد اتحدوا اذ كَانَ بَينهم ... تواصل معنوى من أَلَسْت جرى)
(فَحَيْثُ دارت كؤس الِاتِّحَاد على الارواح مَا اعْتبر والاشباح والصورا ... )
فَأجَاب الشَّيْخ غرس الدّين معتذرا
(يَا شهم مَكَّة يَا تَاج الرؤس بهَا ... يَا شهم مَكَّة قد بَكت من عذرا)
(يَا حبر علم يُفِيد الطالبين بهَا ... يَا بَحر فهم بِهِ نستخرج الدررا)
(يَا رب حذق غَدا رب الْبَيَان لَهُ ... عبدا وَألقى عَصا التَّسْلِيم مفتقرا)
(يَا ألمعيا أَضَاءَت من لوامعه ... مَشَارِق الذِّهْن بالذوق الذى بهرا)
(يَا لوذعيا بلاعى يمازجه ... أعيا وأضخم كلا قَالَ أَو شعرًا)
(يَا رب ظرف ولطف كسرا خطأ ... أَغْصَان غرسى على بعد وَمَا شعرًا)
(هَل ترفين الذى أخلقت من حللى ... أَو تقبلن الذى يَأْتِيك معتذرا)
فَأَجَابَهُ القاضى بقوله
(كللت اكليل تاجى بالثنا دررا ... لما بعثت بِعقد الْمَدْح معتذرا)
(مضمخا طيب شكر عرف نفحته ... كروض غرسك حيته الصِّبَا سحرًا)
(غرس روى حِين روى الْفضل منبته ... للسمع نواره عَن طيبه خَبرا)
(غرس من المبدأ الْفَيَّاض قد سقيت ... أعراقه فسما يهدى الْهدى ثمرا)
(انى عقدت وَقد عرضت مُعْتَرضًا ... لعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا)
(هَذَا الى مَا هُوَ الاحرى بناوبه ... اذا اقتفينا طَرِيق الْقَوْم والاثرا)
(فخرقة الْفقر ان لم يوف لَابسهَا ... بشرطها نَبَذته كاسيا بعرا)
(عودا لبدء فمم الِاعْتِذَار وَلم ... تقر اذ قلت بَكت الذى عذرا)
(وَقلت فى حق من جازى وَعرض لم ... يشْعر وأغصان غرسى مخطئا كسرا)
(قد حصحص الْحق فَاعْلَم أَنما كسرت ... أَغْصَان غرس الذى أخطا وَمَا شعرًا)
(أقرر بذنبك ثمَّ اطلب تجاوزهم ... عَنهُ فجحدك ذَنْب غير مَا غبرا)
(قضى بِمَا جرت الاقلام مِنْك بِمَا ... جرى بِهِ الْقَلَم المحتوم حِين جرى)
(يكبوا الْجواد وَمن يعثر يقل كرما ... فنسأل الله غفرانا لمن عثرا)
стр. 1224
ونقلت أَيْضا من التَّذْكِرَة الْمَذْكُورَة قَالَ القاضى أَحْمد كَانَ الشَّيْخ غرس الدّين كتب الى مَوْلَانَا القاضى تَاج الدّين أبياتا ذكرنى فِيهَا مُجَرّد داعن الناصب والجازم بِأَن قَالَ
(وَأحمد المرشدى فى ذَاك قد حضرا ... )
ثمَّ اعتذر منى فَكتبت اليه سِتَّة أَبْيَات وَأَرَدْت أكملها فأكمل عَلَيْهَا مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود سِتَّة أُخْرَى وبعثتها اليه وهى
(غرسنا لغرس الدّين فى قلبنا الودا ... فَأطلع من أكمام أفواهنا الوردا)
(فعطر لما أَن جنته يَد الوفا ... وَضاع فأذكى عرفه العنبر الوردا)
(سقيناه من عذب التصافى زلاله ... وَمَا كدرت منا لَهُ جفوة ودا)
(رعى الله من يرْعَى أَخَاهُ اذا هفا ... ويوسعه عَن أَن يُقَابله حمدا)
(وَذَلِكَ غرس الدّين لَا زَالَ باسقا ... بروضة من يسقى غرائسه المبدا)
(وبذكر عهدا أحكمت فى قُلُوبنَا ... أَو اخيه ايدى الود أكْرم بِهِ عهدا)
(امام سما فَوق السماك بأخمص ... وجاوزه حَتَّى سما الابْن والحدا)
(وناظم أشتات الْعُلُوم بنثره ... فينظمه فى جيد أهل الحجا عقدا)
...
(وَكَاشف ليل الْجَهْل من صبح علمه ... بشمس فتكسوه أشعتها بردا)
(أتيت بِفضل فاستحقيت شَاهدا ... لاحمد فاستوليت عَنى بن مجدا)
(وأظهرت بالافضال مَا كنت مضمرا ... فَكنت بِهِ أَحْرَى وَكنت بِهِ أجدى)
(وَلَا عجب سبق الْجِيَاد لانها ... معودة بِالسَّبقِ ان كلفت شدا)
فأجابهما بقوله
(أَقُول وَقد غلبت خير كَمَا جدا ... وَقَاعِدَة التغليب مَعْرُوفَة جدا)
(حمدت الهى أَن غرست لنا الودا ... أيا أَحْمد السامى سماك السما حمدا)
(فأينع غرسى بَعْدَمَا كَانَ ذاويا ... وأطلع عَن أكمامه الزهر والوردا)
(وان دَامَت السقيا لَهُ من وصالكم ... سيثمر فى روض الرَّسُول لكم ودا)
(هَنِيئًا لغرس صَار أَحْمد ساقيا ... لَهُ من عُيُون الود كأس الصَّفَا وردا)
(فظل يُرَاعى عَهده فى مغيبه ... ويبنى لَهُ فى بَيت مدحته عقدا)
(وَذكره عهدا أَو اخيه أحكمت ... يَد الود فى أَرْوَاحنَا العقد والشدا)
(وعذرا لانى قادم وتراهم ... يَقُولُونَ فى الامثال وَالْحق لَا يعدى)
(لكل غَرِيب قادم دهشة اللقا ... بهَا يدأ الحذاق عَن رَبهَا الحدا)
(وهبنا تجاوزنا الْحُدُود ألستم ... تقيلون من أخطا وَمن قد جنى عمدا)
стр. 1225
(اذا لم تَكُونُوا هَكَذَا فتخلقوا ... بأخلاق مولى يملك الغى والرشدا)
(لعمرى لَو كنت البليغ خطابة ... وأخطبت من قس الايادى من عدا)
(ورمت بِأَن أحصى فَضَائِل أَحْمد ... لما استوعبت نفسى فضائله عدا)
(هُوَ ابْن الرَّسُول الْمُصْطَفى وذوى الصَّفَا ... بنى حسن الْحسنى الَّذين سموا مجدا)
(مُلُوك مُلُوك الارض رق ولائهم ... وحبهم أنجى وبغضهم أردى)
(لَهُم حُرْمَة يعنوا لَهَا كل مُسلم ... بهَا أخذا الْمولى علينا لَهُم عهدا)
(فَللَّه آدَاب بِغَيْر تطبع ... وَلَكِن من سر الرَّسُول بهَا مدا)
(وأد بنى ربى لَهُ مِنْهُ قسْمَة ... بِفَرْض وبالعصيب من ارثه مدا)
(وَللَّه شعر جَاوز الشّعْر رقة ... وَجَاوَزَ للشعرى العبور بِمَا أبدى)
(وَلَا عجب من ذَاك عندى وربه ... بعزته قد جَاوز الاين والحدا)
(وناظم عقد المكرمات بكفه ... وينثره جودا فيحيى بِهِ فقدا)
(وَكَاشف ليل الكرب عَن عرش عزمه ... بعزم كَانَ الْكَوْن من أيده مدا)
(وَقد كَانَ مِنْك الْفضل قدما مقدما ... بسابقة تستوجب السعى والعودا)
(فأظهرت بالابيات مَا كَانَ مدغما ... ويممت بالاخفاء بَيْتا حوى عودا)
(فشمت بِهِ تاجا على الرَّأْس مشرقا ... فعانقته حبا وهمت بِهِ وجدا)
(وداخلنى مِنْهُ حَيَاء ودهشة ... لما كَانَ من وهم فأورثنا حقدا)
(وقابلته بالرحب والبشر فرحة ... وَلم نر مِنْهُ حِين حَان اللقا صدا)
(وَلَا عجب سبق الْجِيَاد فانها ... معودة بِالسَّبقِ مَا كلفت شدا)
(وَلست بحمصى كَمَا قَالَ باهت ... وَلَكِن خليلى تميمى استهدى)
(وجدى من الْآبَاء فِيمَا روى أَبُو ... سعيد هُوَ الخدرى وَأكْرم بِهِ جدا)
(وَذَاكَ من الانصار أنصار جدكم ... رَسُول بِهِ نلنا علا الْجد والجدا)
(عَلَيْهِ صَلَاة الله ثمَّ سَلَامه ... وَآل وَصَحب والمحب لَهُم جدا)
(أجدك هَذَا الْقدح فِيمَن يحبكم ... ويحمدكم مدحا ويمدحكم حمدا)
(وَمَا أصلتت كَفاك يَا مُطلقًا على الاعادى سَيْفا باترا مَاضِيا حدا ... )
(فحسبى علم الله وَالله عدتى ... وَذمَّة خير الرُّسُل تكفى من استعدى)
وَقد ذكره الفيومى فى المنتزه والدى رَحمَه الله تَعَالَى فى تَارِيخه بِالْجُمْلَةِ ففضائله وآثاره كَثِيرَة معجبة وَكَانَت وَفَاته فى سنة سبع وَخمسين والف وَدفن الى جَانب
стр. 1226
الخيارى والى جانبهما الشَّيْخ مَنْصُور السطوحى الْمحلى نزيل دمشق
غياث السَّيِّد الشريف الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو الْغَيْث الشجرى الْيُمْنَى نزيل مَكَّة كَانَ من خير خلق الله وَله فى الْكَشْف وَالْولَايَة قدم راسخة وَلِلنَّاسِ فِيهِ اعتقادا زَائِد ذكره النَّجْم الغزى فى الذيل وَقَالَ فى تَرْجَمته رَأَيْته بِمَكَّة وَوجدت مِنْهُ كشفا عَظِيما وَكَانَ يحب الطّيب وَيحيى بِهِ زوار فَكَانَ يتَصَرَّف فى سلاطين مَكَّة وَيَأْخُذ مِنْهُم مَا شَاءَ ثمَّ يصل بِمَا أَخذه الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَكَانَ تَارَة يلبس لِبَاس الْمُلُوك وَتارَة يَنْزعهُ ويبيعه ويطعمه للْفُقَرَاء ويلبس لِبَاس الْفُقَرَاء وَكَانَت تِجَارَة الْيمن وَغَيرهم يستغيثون بِهِ فى شَدَائِد الْبَحْر ومضايق الْبر فيجدون بركَة الاستغاثة بِهِ وينذرون لَهُ أَشْيَاء يرسلون بهَا اليه اذا تمّ غرضهم وَكَانَ يعْمل الموالد بِالْحرم أَيَّام الْمَوْسِم وَغَيرهَا على طَريقَة اليمنيين ويلحن الحانهم بِنَفسِهِ وَكَانَ لَهُ رياضة واجتهاد فى الْعِبَادَة وَكَانَت آثَار الصّلاح فِيهِ ظَاهِرَة وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى الْمحرم سنة أَربع عشرَة بعد الالف وَدفن بِالشعبِ الا علا من بَاب المعلاة بِالْقربِ من ضريح أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة الْكُبْرَى رضى الله تَعَالَى عَنْهَا
حرف الْفَاء
فَايِد المصرى الولى الصَّالح العابد تقدم طرف من خَيره فى تَرْجَمَة الامام خير الدّين الرملى وَكَانَت اقامته بِبَاب جَامع الازهر وَكَانَت كبار الْعلمَاء تعتقده وتحترمه واذا جَاءَهُ أحد مِنْهُم يقف بَين يَدَيْهِ فان أَشَارَ اليه بِالْجُلُوسِ جلس والا وقف الى أَن يَقُول لَهُ انْصَرف أَو ينْصَرف هُوَ من ذَاته وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَت الوزراء بِمصْر يأْتونَ لتقبيل يَده والتبرك بِهِ فَلَا يلْتَفت اليهم وَحكى الْخَيْر الرملى انه كَانَ يَوْمًا جَالِسا عِنْده فَجَاءَهُ الْوَزير قَالَ فَأَرَدْت الْقيام فمنعنى وَقَالَ اجْلِسْ فَجَلَست عِنْده الى أَن ذهب الْوَزير وَكَانَ مواخيا للنور الزيادى وَكَانَ كل مِنْهُمَا يعْتَقد الآخر وَكَانَت وَفَاة الشَّيْخ فَايِد فى حُدُود سنة سِتّ عشرَة بعد الالف
فتح الله بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن الحلبى الْعُمْرَى الانصارى الْمَعْرُوف بالبيلونى الشافعى الْفَقِيه الاديب الْمَشْهُور كَانَ أوحد أهل عصره فى فنون الادب وعلو الْمنزلَة وشهرته تغنى عَن الاكثار فى تَعْرِيفه أخد عَن وَالِده الْبَدْر مَحْمُود الآتى ذكره وسافر عَن حلب الى الرّوم صُحْبَة الْوَزير نصوح وَكَانَ صَار معلما لَهُ فَحصل على
стр. 1227
جاه عريض ثمَّ انحط عِنْده فولى افتاء الشَّافِعِيَّة بالقدس وَهُوَ من المكثرين فى الرحلة دخل بلادا كَثِيرَة مِنْهَا مَكَّة وَالْمَدينَة والقدس ودمشق وطرابلس وبلاد الرّوم وَألف تآليف فائقة مِنْهَا حَاشِيَة على تَفْسِير البيضاوى وَالْفَتْح المسوى شرح عقيدة الشَّيْخ علوان الحموى وَله الْكتاب الذى سَمَّاهُ خُلَاصَة مَا يعول عَلَيْهِ الساعون فى أدوية دفع الوبا والطاعون وَهُوَ مَشْهُور وَله مجاميع اشْتَمَلت على تعاليق غَرِيبَة وَأخذ عَنهُ خلق كثير وَله شعر كثير مِنْهُ مَا قرأته فى الْجَوَاهِر الثمينة للسَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بكبريت المدنى قَالَ أنشدنى اجازة لنَفسِهِ بحلب الشَّيْخ فتح الله البيلونى قَوْله
(السبت والاثنين والاربعا ... تجنب المرضى بهَا أَن تزار)
(بِطيبَة يعرف هَذَا فَلَا ... تغفل فان الْعرف عالى الْمنَار)
قلت هَذَا عرف مَشْهُور لَكِن ورد فى السّنة مَا يرد السبت مِنْهُ فقد روى أَن النبى
كَانَ يفقد أهل قبا يَوْم الْجُمُعَة فَيسْأَل عَن الْمَفْقُود فَيُقَال لَهُ انه مَرِيض فَيذْهب يَوْم السبت لزيارته وَمن كَلَام صَاحب التَّرْجَمَة فى صدر تأليف لَهُ وَلما كَانَت الْهَدَايَا تزرع الْحبّ وتضاعفه وتعضد الشُّكْر وتساعفه أَحْبَبْت أَن أهْدى اليه هَدِيَّة فائقة تكون فى سوق فضائله نافقه فَلم أجد الا الْعلم الذى شغفه حبا وَالْحكم الَّتِى لم يزل بهَا صبا والادب الذى اتَّخذهُ كسبا وَرَأَيْت فاذا التصانيف فى كل فن لَا تحصى والامالى من سطور الْعلمَاء وطروس الحكما أوسع دَائِرَة من أَن تستقصى الا أَن التأنق فى التحبير من قبيل ابراز الْحَقَائِق فى الصُّور وَمن هُنَا قيل لكل جَدِيد لَذَّة وَلَا خلاف فى ذَلِك عِنْد أهل النّظر وَذكر السَّيِّد مُحَمَّد كبريت الْمَذْكُور آنِفا فى كِتَابه نصر من الله وَفتح قريب انه أخبرهُ انه قَالَ لَهُ عَمه أَبُو الثَّنَاء مُحَمَّد بن مَحْمُود البيلونى لَا تباحث من هُوَ أَعلَى مِنْك مرتبَة لانه رُبمَا انجر الْكَلَام الى مسئلة مَعْلُومَة عنْدك لم يطلع عَلَيْهَا الشَّيْخ فيحمر وَجهه ثمَّ لَا تكَاد تفلح ان رَأَيْت فى نَفسك شَيْئا لذَلِك وَلَا من هُوَ مثلك فانه لَا يسلم لَك كَمَا انك لَا تسلم لَهُ فَيفْسد عَلَيْك عقلك وتفسد عَلَيْهِ عقله والمعاصر لَا يناصر وَعَلَيْك بِمن هُوَ دُونك فانه يَسْتَفِيد مِنْك بِغَيْر انكار وتستفيد أَنْت بافادته فقد روى عَن أَبى حنيفَة من أحب أَن يظْهر الخطا فى وَجه مباحثه فقد أَخطَأ هُوَ لرضاه بالخطا وانما يعرف حَال أهل الْعلم من جال فى ميدانهم بِنور الانصاف كَانَ السَّيِّد تلميذا لسعد يَسْتَفِيد مِنْهُ كل يَوْم
стр. 1228
أَربع مسَائِل ويفيده ثَمَانِيَة مسَائِل وَكَانَ عمره عشْرين سنة وَعمر شَيْخه ثَمَانِينَ فَقيل لَهُ فى ذَلِك فَقَالَ أما الاربع فأضمها الى الثَّمَانِية فَتكون اثنى عشر وَأما الثَّمَانِية الَّتِى أفيدها فَعدم افادتها لَا يزِيد فِيمَا لَدَى وَمَا أحسن قَول من قَالَ
(أفدا الْعلم وَلَا تبخل بِهِ ... والى علمك علما فاستزد)
(من يفده يجزه الله بِهِ ... وسيغنى الله عَمَّن لم يفد)
وَقَالَ ابْن المعتز
(لَا تمنعن الْعلم طَالبه ... فسواك أَيْضا عِنْده خبر)
(كم من رياض لَا أنيس بهَا ... هجرت لَان طريقها وعر)
وَقد وقفت على أَرْبَعَة كراريس جمعهَا ابْن أَخِيه مُحَمَّد بن فضل الله من نتفه الَّتِى لم تصل الى حد القصيدة وغالبها فى النصائح وَالْحكم والاستغاثة فَمن ذَلِك قَوْله
(يَقُولُونَ دَار الْخصم تظفر بوده ... فَذَلِك درياق من الغل فى الْقلب)
(فَمَا ازْدَادَ مذ داريته غير جفوة ... لَان قديم الدَّاء مستصعب الطِّبّ)
وَقَوله
(بِبَاب الله لذفى كل قصد ... وغض الطّرف عَن نفع الصحاب)
(فماء الارض لَا يرْوى ثراها ... اذا لم ترو من مَاء السَّحَاب)
وَقَوله وينسبان لفتح الله بن النّحاس وَالصَّوَاب انهما لفتح الله هَذَا
(يَقُولُونَ وَافق أَو فَنَافَقَ مرافقا ... على مثل ذَا فى الْعَصْر كل لقد درج)
(فَقلت وَأمر ثَالِث وَهُوَ قَول أَو ... فَفَارَقَ وَهَذَا الامر أدفَع للْحَرج)
وَقَالَ مضمنا
(لَا تجزعن لحادث ... وبصدق عزمك فانفذ)
(فالصبر أمنع جنَّة ... وَالله أعظم منقذ)
(فالجأ لعز جنابه ... وَمن الهموم تعوذ)
(واصرف تصاريف الامور الى ورائك وانبذ ... )
(ان الْمُقدر كَائِن ... وَلَك الامان من الذى)
وَمِمَّا قَالَه عَاقد الما روى عَن ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا
(وَقَالَ ابْن عَبَّاس ثَلَاث جَزَاء من ... حبانى بهَا لَا يُسْتَطَاع فيحصر)
(سَماع لتحدثى وقصدى لحَاجَة ... وتوسيعه لى مَجْلِسا حِين أحضر)
وَلَقَد أَجَاد فى قَوْله
(الْمَرْء مَا دَامَ فى عز وفى جدة ... فَكل خل لَهُ بِالصّدقِ متصف)
(لَا عرف الله عبدا صدق صَاحبه ... فانه بانكشاف الْحَال ينْكَشف)
стр. 1229
وَقَوله
(هَذَا مِثَال جرى فافطن لباطنه ... فعارف الْوَقْت من للْوَقْت قد عرفا)
(اذا ابْتليت بسُلْطَان يرى حسنا ... عبَادَة الْعجل قدم نَحوه العلفا)
وَقَوله
(توق من الْعَدَاوَة للادانى ... فَكيف بِمن اذا مَا شَاءَ كادك)
(تبيت لرفعة تبغى وُجُوهًا ... وَلَا تدرى بِمَاذَا قد أرادك)
وأصابه رمد وَهُوَ بِالْقَاهِرَةِ فَكتب لبَعض أحبابه
(أَيهَا الشهم قد ملكت فؤادى ... بوداد مَا شيب قطّ بمينك)
(ان عينى شكت لبعدك عَنْهَا ... لَا أَرَاك الا لَهُ سوأ بِعَيْنِك)
وَمن مجونه المستملح
(لَا أرتضى المرد وَلَا أبتغى ... الا لقا الحسنا لسر بطن)
(فَقل لمن نَافق فى حبها ... ان من الايمان حب الوطن)
وَمِمَّا يستجاد لَهُ قَوْله فى الْعُيُون ويعبر عَنْهَا بالنظارة الَّتِى تستعملها النَّاس لتقوية الْبَصَر
(رب صديق عَابَ نظارة ... يقوى بهَا النَّاظر من ضعفه)
(وَعَن قَلِيل صَار فى أسرها ... يحملهَا رغما على أَنفه)
وَقَالَ متوسلا قبل دُخُول مَكَّة فى ذى الْحجَّة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف
(أبقنا مِنْك بالعصيان جهلا ... وَأَنت دَعوتنَا حلما وَمنا)
(فقابل بِالرِّضَا يَا رب واغفر ... بمحض الْفضل مَا قد كَانَ منا)
وَهَذَا مَا وَقع اختيارى عَلَيْهِ من أشعاره وفيهَا كِفَايَة وَكَانَت وِلَادَته فى شهر رَمَضَان سنة سبع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف بحلب وَدفن بزاوية آبَائِهِ والبيلونى بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ مثناة تحيته وَلَام وواو وَنون نِسْبَة للبيلون وَهُوَ نوع من الطين يسْتَعْمل فى الْحمام وَأهل مصر تسميه طفْلا قَالَ الخفاجى وَكِلَاهُمَا لُغَة عامية لَا أعرف أَصْلهَا كَذَا ذكر وفى الصِّحَاح الطِّفْل بِالْفَتْح الناعم يُقَال جَارِيَة طفلة أى ناعمة انْتهى وَلَعَلَّه سمى بِهِ هَذَا النَّوْع من الطين لنعومته لانه كالصابون تغسل بِهِ الابدان سِيمَا فى الْحمام
فتح الله الْمَعْرُوف بِابْن النّحاس الحلبى الشَّاعِر الْمَشْهُور فَرد وقته فى رقة النّظم والنثر وانسجام الالفاظ لم يكن أحد يوازيه فى أسلوبه أَو يوازنه فى مقاصده وَكثير من أدباء الْعَصْر يناضل فى المفاضلة بَينه وَبَين الامير منجك ويدعى أرجحيته مُطلقًا وعندى ان أرجحيته انما هى من جِهَة حسن تراكيبه وحلاوة تعبيراته وَأما
стр. 1230
ارجحية الامير فَمن جِهَة مَعَانِيه المبتكرة أَو المفرغة فى قالب الاجادة وَنحن لم نطلع لفتح الله على معنى يشبه قَول الامير من الرباعيات
(مَا مر تذكر الْكرَى فى بالى ... الا دَفعته رَاحَة البلبال)
(أشفقت من الجفون لمسا يُؤْذى ... أَقْدَام خيالك الْعَزِيز الغالى)
وَلَا قَوْله
(لَو لم يكن راعها فكر تصورها ... من واله وثنتها مقلة الامل)
(مَا قابلت نصف بدر بِابْن ليلته ... وَأَلْقَتْ الزهر فَوق الشَّمْس من خجل)
فهذان مِمَّا لَا قدرَة لمثل الْفَتْح على طرق بابهما وَبِالْجُمْلَةِ فهما شَاعِر الزَّمَان ولعمرى ان زَمَانا جاد بهما السنحى جدا وَكَانَ فتح الله فى حداثته من أحسن النَّاس منْظرًا وأبهاهم صباحة ورشاقة وَكَانَ أَبنَاء الغرام يَوْمئِذٍ يفدونه وَهُوَ يعرض عَنْهُم ويجافيهم حَتَّى تبدلت محاسنه فعطف عَلَيْهِم يستمد ودادهم وَكَانَت النُّفُوس قد أنفت مِنْهُ فرمته فى زَاوِيَة الهجران وفى ذَلِك يَقُول وَقد رأى اعراضا من صديق لَهُ كَانَ يألفه
(انى أَنا الْفَتْح سَمِعْتُمْ بِهِ ... مَا همه حَرْب وَلَا صلح)
(من عدلى ذَنبا قلانى بِهِ ... فانما ذنبى لَهُ النصح)
(قُولُوا لَهُ يغلق أبوابه ... فانما حاربه الْفَتْح)
ثمَّ اندرج فى مقولة الكيف وتزيا بزى الزهاد وَاتخذ من الشّعْر صدارة حدادا على وَفَاة حسنه ووفاة جماله وَمَا زَالَ يرثى أَيَّام حسنه وينعى مَا يتعاطاه من الكيف وَله فى ذَلِك محَاسِن ونوادر مِنْهَا قَوْله فى قصيدته الَّتِى أَولهَا
(من يدْخل الافيون بَيت لهاته ... فليلق بَين يَدَيْهِ نقد حَيَاته)
(لَو يابثين رَأَيْت صبك قبل مَا الافيون أنحله وَحل بِذَاتِهِ)
(فى مثل عمر الْبَدْر يرتع فى رياض الزهر مثل الظبى فى لفتاته ... )
(من فَوق خُذ الدَّهْر يسحب ذيله ... مناه أَنى شَاءَ وَهُوَ مواته)
(وتراه ان عَبث النسيم بقده ... ينْقد سرُور الرَّوْض فى حركاته)
(واذا مَشى تيها على عشاقه ... تتفطر الْآجَال من خطراته)
(يرنو فيفعل مَا يَشَاء كَأَنَّمَا ... ملك الْمنية صَار من لحظاته)
(لرأيت شخص الْحسن فى مرآته ... وَدفعت بدر التم عَن عتبانه)
وَقَالَ من قصيدة أُخْرَى
(يَا هَذِه ان أَنْت لم تدر الْهوى ... لَا تجحديه فللهوى استحكام)
следующие страницы →