Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
يخاطبه كَيفَ رَأَيْت جدف المجاديف هلى هُوَ سهل وَهل تُرِيدُ الْخَلَاص فاستغاث بِهِ فمسك بيد الْحَافِظ وحركه فَتنبه وَنظر الى حَالَته فَرَأى نَفسه فى مقَامه الاول والمجلس لم يتَغَيَّر وَكَانَ غيبته كَانَت لَحْظَة فهوى هلى يَد الشَّيْخ يقبلهَا وَأمر باطلاق ذَلِك الرجل وَاتفقَ لَهُ بعْدهَا مَعَ الْحَافِظ الْمَذْكُور انه صُحْبَة للتنزه فى الْمَكَان الْمَعْرُوف بالسبيكة فَطلب مِنْهُ أَن يرِيه شَيْئا من الاعمال الغريبة فى السيميا فَطلب الشَّيْخ مِنْهُ خَاتمه الذى فى يَده فَلَمَّا أعطَاهُ اياه أَلْقَاهُ فى النّيل فَبعد حِصَّة من النَّهَار جئ الى الْمجْلس ببطيخ فَأَشَارَ الى الْحَافِظ بِأَن الْهَوَاء حَار جدا فَلَا بَأْس بِأَن تقطعوا البطيخة أَنْتُم ليحصل لكم رُطُوبَة فامتثل أمره فَلَمَّا فلقها خرج الْخَاتم فى وَسطهَا قَالَ وَحكى انه نَشأ لَهُ ولد وَكَانَ يمِيل اليه ميلًا زَائِدا فَعلمه الْعُلُوم الغريبة بأسرها ثمَّ انه تغلغل فى الْهوى وَالْفِسْق والفجور وَتعرض لبَعض حرم الْمُسلمين فَأفْتى الشَّيْخ بقتْله آخرا وَذهب الى الْحَافِظ وَأمره بقتْله فسجل عَلَيْهِ وَقتل وَمن فَوَائده الْمَنْظُومَة نظم من حفظ الْقُرْآن فى زَمَنه
(وحافظ الْقُرْآن بالغيوب ... زيد أَبُو زيد أَبُو أَيُّوب)
(عُثْمَان مِنْهُم وَتَمِيم الدارى ... عبَادَة معَاذ الانصارى)
ونظمهم أَيْضا وهم ثَمَانِيَة
(وجامع الْقُرْآن فى عصر النبى ... زيد وثابت معَاذ وأبى)
(عُثْمَان مِنْهُم وَتَمِيم الدارى ... عبَادَة بن الصَّامِت الانصارى)
وَله نظم من أفتى فى عصره
على مَا فى شرح الْمَشَارِق للاربلى
(فَازَ جمع فى الصحب بالافتاء ... فمعاذ مَعَ أَربع الْخُلَفَاء)
(وأبى ونجل مَسْعُود زيد ... وَابْن عَوْف كَذَا أَبُو الدَّرْدَاء)
(ثمَّ سلمَان مَعَ حُذَيْفَة عمار مَعَ الاشعرى رب الثَّنَاء ... )
وَذكره المناوى فى طَبَقَات الاولياء وَعدد الْعُلُوم الَّتِى ينْسب اليه مَعْرفَتهَا واتقانها ثمَّ قَالَ وَصَارَ فى آخر أمره حفيظا على المراقبة يَقُول اللَّيْل فى عبَادَة رب الْعَالمين وينام النَّهَار بعد التوقيع على أسئلة الْمُسلمين ويبر الْفُقَرَاء ويتحيل على كتمان أمره يفرق الذَّهَب ويحافظ على ستره وَكَانَ يجْتَمع بالفقراء ويحبهم وَيُحِبُّونَهُ ويعرفهم ويعرفونه ويكرمه الْحَاضِر والبادى وَكم لَهُ على أهل مصر من الايادى يعظم الصُّوفِيَّة وَيحسن فيهم الِاعْتِقَاد وَيَقُول طَرِيق الصُّوفِيَّة اذا صحت طَرِيق
стр. 1157
الرشاد وَرَأى الْمُصْطَفى
مرَارًا عديدة وَأخْبر شَيْخه الشَّيْخ كريم الدّين الخلوتى انه شهد الْوحدَة فى الْكَثْرَة وَالْكَثْرَة فى الوجدة وانه وصل الى مقَام اسْتحق أَن يَأْخُذ الْعَهْد ويربى وَأَجَازَهُ بذلك وَلم يزل على هَذَا حَتَّى حل بحماه الْحمام قَالَ النَّجْم الغزى وقرأت بِخَطِّهِ أَن مولده فى أَوَائِل ذى الْقعدَة الْحَرَام عَام عشْرين وَتِسْعمِائَة ثمَّ رَأَيْت بِخَط الشَّيْخ عبد الْغفار العجمى القدسى أَن وِلَادَته كَانَت فى سادس ذى الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فَهُوَ بَيَان للاوائل وَتوفى لَيْلَة السبت ثامن عشرى جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع بعد الالف وَصلى عَلَيْهِ بِجَامِع الازهر فى محفل حافل وَدفن بَين القصرين من يَوْم السبت بتربة المجاورين قبلى مدفن السراج الهندى وَكَانَ قبل وَفَاته بِخَمْسَة وَأَرْبَعين يَوْمًا توفى شيخ الشَّافِعِيَّة فى وقته الامام الْكَبِير الشَّمْس الرملى فَقَالَ بعض الادباء بِالْقَاهِرَةِ فى تَارِيخ وفاتهما
(لما قضى الرملى شيخ الورى ... من كَانَ يملى مَذْهَب الشافعى)
(ثمَّ تلاه المقدسى الذى ... حَاز عُلُوم الصحب والتابعى)
(فَقلت فى مَوْتهمَا أرخا ... مَاتَ أَبُو يُوسُف والرافعى)
قلت وسيأتى فى تَرْجَمَة الرملى الْمَذْكُور انه ذهب كثيرا الى أَنه المجدد على رَأس الْمِائَة وَأَن المجدد لَا يسْتَقلّ بِمذهب دون مَذْهَب بل وَلَا منصب دون منصب فَلَعَلَّ صَاحب التَّرْجَمَة يكون المجدد من الْحَنَفِيَّة والرملى من الشَّافِعِيَّة وَالله أعلم
على بن مُحَمَّد سُلْطَان الهروى الْمَعْرُوف بالقارى الحنفى نزيل مَكَّة وَأحد صُدُور الْعلم فَرد عصره الباهر السمت فى التَّحْقِيق وتنقيح الْعبارَات وشهرته كَافِيَة عَن الاطراء فى وَصفه ولد بهراة وَرجل الى مَكَّة وتديرها وَأخذ بهَا عَن الاستاذ أَبى الْحسن البكرى وَالسَّيِّد زَكَرِيَّا الحسينى والشهاب أَحْمد بن حجر الهيتمى وَالشَّيْخ أَحْمد المصرى تلميذ القاضى زَكَرِيَّا وَالشَّيْخ عبد الله السندى والعلامة قطب الدّين المكى وَغَيرهم واشتهر ذكره وطار صيته وَألف التآليف الْكَثِيرَة اللطيفة التأدية المحتوية على الْفَوَائِد الجليلة مِنْهَا شَرحه على الْمشكاة فى مجلدات وَهُوَ أكبرها وأجلها وَشرح الشِّفَاء وَشرح الشمايل وَشرح النخبة وَشرح الشاطبية وَشرح الجزرية ولخص من الْقَامُوس مواد وَسَماهُ الناموس وَله الاثمار الجنية فى اسماء الْحَنَفِيَّة وَشرح ثلاثيات البخارى ونزهة الخاطر الفاتر فى تَرْجَمَة الشَّيْخ عبد الْقَادِر لكنه امتحن بالاعتراض على الائمة لَا سِيمَا الشافعى وَأَصْحَابه رَحِمهم الله تَعَالَى وَاعْترض على
стр. 1158
الامام مَالك فى ارسال الْيَد فى الصَّلَاة وَألف فى ذَلِك رساله فَانْتدبَ لجوابه الشَّيْخ مُحَمَّد مكين وَألف رِسَالَة جَوَابا لَهُ فى جَمِيع مَا قَالَه ورد عَلَيْهِ اعتراضاته وأعجب من ذَلِك مَا نَقله عَنهُ السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الرَّسُول البرزنجى الحسينى فى كِتَابه سداد الدّين وسداد الدّين فى اثبات النجَاة فى الدَّرَجَات للْوَالِدين انه شرح الْفِقْه الاكبر الْمَنْسُوب الى الامام أَبى حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى وتعدى فِيهِ طوره فى الاساءة فى حق الْوَالِدين ثمَّ انه مَا كَفاهُ ذَلِك حَتَّى ألف فِيهِ رِسَالَة وَقَالَ فى شَرحه للشفاء متبجحا ومفتخرا بذلك انى ألفت فى كفرهما رِسَالَة فليته اذ لم يراع حق رَسُول الله
حَيْثُ آذاه بذلك كَانَ استحيا من ذكر ذَلِك فى شرح الشفا الْمَوْضُوع لبَيَان شرف الْمُصْطَفى
وَقد عَابَ النَّاس على صَاحب الشِّفَاء ذكره فِيهِ عدم مفروضية الصَّلَاة عَلَيْهِ
فى الصَّلَاة وَادّعى تفرد الشافعى بذلك بِأَن هَذِه المسئلة لَيْت من مَوْضُوع كِتَابه وَقد قيض الله تَعَالَى الامام عبد الْقَادِر الطبرى للرَّدّ على القارى فألف رِسَالَة أغْلظ فِيهَا فى الرَّد عَلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد صدر مِنْهُ امثال لما ذكر كَانَ غَنِيا عَن ان تصدر مِنْهُ ولولاها لاشتهرت مؤلفاته بِحَيْثُ مَلَأت الدُّنْيَا لِكَثْرَة فائدتها وَحسن انسجامها وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة فى شَوَّال سنة أَربع عشرَة وَألف وَدفن بالمعلاة وَلما بلغ خبر وَفَاته عُلَمَاء مصر صلوا عَلَيْهِ بِجَامِع الازهر صَلَاة الْغَيْبَة فى مجمع حافل يجمع أَرْبَعَة آلَاف نسمَة فَأكْثر
على بن مُحَمَّد الملقب عَلَاء الدّين بن نَاصِر الدّين الطرابلسى الاصل الدمشقى الحنفى شيخ الاقراء بِدِمَشْق وامام الْجَامِع الاموى كَانَ عَلامَة فى القراآت والفرائض والحساب وَالْفِقْه وَغَيرهَا وَله تآليف عديدة أشهرها شَرحه على فَرَائض ملتقى الابحر سَمَّاهُ سكب الانهر وَله مُقَدّمَة فى علم التجويد سَمَّاهَا الْمُقدمَة العلائية فى تجويد التِّلَاوَة القرآنية ونظم أسئلة تتَعَلَّق بِبَعْض المشكلات والالغاز فى القراآت الْعشْر وسماها الالغاز العلائية وعدة أبياتها مائَة وَسِتَّة وَعِشْرُونَ بَيْتا وَلم يجب عَنْهَا أحد الى الْآن وَقع لَهُ فى بعض تآليفه عِنْد ذكر تَارِيخ ختامه هَذَا التَّرْكِيب وَقد انْتهى فى التَّارِيخ الْمُوَافق للخمس الْخَامِس من السُّدس الرَّابِع من الثُّلُث الثَّالِث من الرّبع الثانى من الْعشْر الْعَاشِر من الْعشْر التَّاسِع من الْعشْر الْعَاشِر من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة وَقد سألنى فى حلّه بعض الاصدقاء فوفقت اليه بعناية الله تَعَالَى وَمرَاده انه انْتهى فى الْيَوْم الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة لسنة
стр. 1159
تسعين وَتِسْعمِائَة لَان الْمِائَة الْعَاشِرَة عَاشر أعشار الالف وتاسع اعشار الْمِائَة من الاحد والثمانين الى التسعين وعاشر الْعشْرَة وَهُوَ سنة تسعين وَالثلث الثَّالِث من الرّبع الثانى هُوَ الشَّهْر السَّادِس من السّنة وَهُوَ جُمَادَى الْآخِرَة ورابع أسداسه من سِتَّة عشر الى عشْرين وخامس السُّدس هُوَ الْعشْرُونَ انْتهى وَله آثَار كَثِيرَة تدل على نباهته ومولده بِدِمَشْق وَقَرَأَ الْقُرْآن على مَشَايِخ مِنْهُم وَالِده والشهاب الطَّيِّبِيّ الْكَبِير وَالشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الحنفى امام الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَالشَّيْخ شهَاب الدّين الايدونى الشافعى امام الْجَامِع الاموى والشهاب الفلوجى الامام الشافعى بالجامع أَيْضا وَجمع القراآت السَّبع ثمَّ الْعشْر على الْمَشَايِخ الْمَذْكُورين وتفقه على الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الْمَذْكُور وعَلى شيخ الاسلام النَّجْم البهنسى شَارِح الْمُلْتَقى خطيب دمشق فى وقته ومفتيها وَقَرَأَ الْفَرَائِض على الشَّيْخ مُحَمَّد النجدى الحنبلى الفرضى وعَلى الشهَاب العلموى الملقب بشكارة والحساب والجبر والمقابلة مَعَ الهندسة على الشَّيْخ عبد اللَّطِيف بن الكيال الْمُؤَقت بالجامع الاموى وَأخذ عَنهُ كثيرا من علم الْفلك وَأخذ قَوَاعِد هَذَا الْعلم حَتَّى مهر فِيهِ عَن الشَّيْخ أَبى بكر تقى الدّين الصهيونى وَأخذ الحَدِيث رِوَايَة ودراية عَن شيخ الاسلام الْبَدْر الغزى وعلوم الْعَرَبيَّة عَن الْعِمَاد الحنفى وَالشَّمْس بن المنقار وَعرض الفية ابْن مَالك على الْعَلامَة الْعَلَاء بن عماد الدّين وَولى تدريس الدولعية اليونسية والكوجانية والصباية وتدريس بقْعَة بالجامع الاموى وَكَانَ امام الْحَنَفِيَّة بِهِ وَله كرسى وعظ فى الاشهر الثَّلَاثَة وَغير ذَلِك من الْوَظَائِف الدِّينِيَّة قَالَ الْحسن البورينى أخبرنى من لَفظه أَن وِلَادَته كَانَت فى صَبِيحَة نَهَار الْجُمُعَة مستهل شَوَّال سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَتوفى بعد ان انْقَطع فى بَيته سنوات وأقعد عِنْد طُلُوع الشَّمْس من صبح يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير غربى سيدى بِلَال الحبشى فى قبر وَالِده
على بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف برضائى سبط شيخ الاسلام زَكَرِيَّا بن بيرام الْمُقدم ذكره القسطنطينى المولد قاضى الْقُضَاة بِمصْر الاديب الشَّاعِر الْمَشْهُور كَانَ أوحد قطر الرّوم وباقعة تِلْكَ الْبقْعَة لطيف نفث السحر خَفِيف روح النّظم والنثر وأشعاره بالتركية فى الذرْوَة الْعليا من الرقة والانسجام وَحسن التأدية وهى مَجْمُوعَة فى ديوَان مَشْهُور وَأما شعره العربى فَلم أَقف مِنْهُ الا على هَذَا الْمَقْطُوع فى التبغ
стр. 1160
وَهُوَ قَوْله
(غليوننا حِين هَمت كل نائبة ... بِهِ وسامرنا هم وأفكار)
(قد اهتدينا الى شرب الدُّخان بِهِ ... كَأَنَّهُ علم فى رَأسه نَار)
وَهُوَ تضمين حسن فان المصراع الاخير مضمن من قَول الخنساء فى أَخِيهَا صَخْر
(وان صخرا التأتم الهداة بِهِ ... كَأَنَّهُ علم فى رَأسه نَار)
وَكَانَ كثير الاعتناء بالادب وَاخْتصرَ خريدة الْقصر للعماد الْكَاتِب وَسَماهُ عود الشَّبَاب وَقَالَ فى الِاعْتِذَار عَن اختصاره وَلما وجدت بعض نَقده أزيف من زائج زَمَاننَا شرعت فى تَمْيِيز الْجِيَاد واكتفيت باقتطاف الْجِيَاد من ثمار أَغْصَانهَا بل قنعت بِالْعرْفِ الضائع من بانها وانى وان فاتنى بعض جواهره فالغائص يعْذر بِمَا فى يَدَيْهِ ويشكر الصِّبَا مُقبلا من الحبيب بِبَعْض عرف صدغيه فجَاء بِحَمْد الله تَعَالَى غادة تسحر الْقُلُوب بألفاظاها القسية وألحاظها البابلية تصيد الْقُلُوب بألحاظها الَّتِى زينها الْجمال بالفتور فَمن نظر فِيهِ يشتعل قلبه بالنَّار وتكتحل عينه بِالنورِ وانى غير آمل من أَبنَاء الزَّمَان تحسيبنهم وبقلادة حسن الْقبُول توشيحهم وتزيينهم فان من جرب النَّاس فى أَمرهم يعرف ان النَّاس مشتقون من دهرهم بل نؤمن من كرمهم الفسيح أَن لَا يوردوا وَجهه بالتصريح بِأَنَّهُ قَبِيح
(انا لفى زمن ترك الْقَبِيح بِهِ ... من أَكثر النَّاس احسان واجمال)
ثمَّ ختم الديباجة بِذكر خَاله شيخ الاسلام بحيى وَجعل الْمُخْتَصر معنونا باسمه وعقبه بِهَذِهِ الابيات وأظنها من نظمه
(يَا مصدر الآمال بدنا بَعْدَمَا ... سقنا اليك مَعَ الرجا أنقاضها)
(عش فى ذرى كافى الكفاة مصاحبا ... نعما بَيَاض الصُّبْح خَافَ بياضها)
(وَخذ الْجَوَاهِر من قلائد مقولى ... اذ كَانَ غَيْرِي مهديا أعراضها)
انْتهى قَالَ الشَّيْخ مَدين ولى قَضَاء مصر فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدخل بولاق فى يَوْم السبت السَّابِع من ذى الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَهُوَ رمدان ثمَّ دخل مَحل حكمه بعد غرُوب شمس لَيْلَة الْخَمِيس ثانى عشرى ذى الْحجَّة ثمَّ بعد مَا شفى من الرمد حصل عِنْده اسهال فاستمر الى ان مَاتَ بِهِ وَكَانَت وَفَاته فى الثَّامِن وَالْعِشْرين من صفر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف بمنزل أَخِيه الامير اسماعيل وَدفن بِالْقربِ من قبر القاضى بكار وَكَانَت مُدَّة اقامته بِمصْر دون ثَلَاثَة أشهر انْتهى قلت وَقد بلغنى انه لما بلغت وَفَاته خَاله
стр. 1161
الْمَذْكُور قَالَ آه وآه رضائى فصادف تَارِيخ وَفَاته
على بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن ابراهيم بن أَبى الْقَاسِم بن عمر بن أَحْمد بن ابراهيم بن مُحَمَّد بن عِيسَى مطيرا الحكمى الْيُمْنَى عَلامَة بنى مطير الْمَشْهُورين بِالْعلمِ وَالْخَيْر الصارفين نفائس أوقاتهم فى خدمَة الحَدِيث النبوى والملازمين الِاتِّبَاع للشَّرْع المصطفوى فَضلهمْ مَشْهُور لَا يحْتَاج الى بَيَان كَالشَّمْسِ لَا تحْتَاج الى دَلِيل وبرهان ولد سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بفنون الْعُلُوم وَأخذ عَن شُيُوخ كثيرين مِنْهُم الامين بن ابراهيم بن مطير وَأَبُو بكر بن ابراهيم مطير والفقيه عبد السَّلَام النزيلى وَغَيرهم وَألف المؤلفات الْكَثِيرَة النافعة الشهيرة مِنْهَا الاتحاف مُخْتَصر التُّحْفَة لِابْنِ حجر والديباج على الْمِنْهَاج وكشف النقاب بشرح ملحة الاعراب للحريرى وخلاصة الاحرى فى تَعْلِيق الطَّلَاق على الابرا وتكملة تَفْسِير جده ابراهيم بن أَبى الْقَاسِم مطير من أول الْكَهْف الى آخر الْقُرْآن الْمُسَمّى بالضنائن وَشرح قصيدة جده ابراهيم الْمَذْكُور فى التصوف سَمَّاهَا بِالْفَتْح الْمُبين فى شرح قصيدة الامام ضِيَاء الدّين وَغير ذَلِك وَله شعر كثير مِنْهُ قَوْله يمدح النبى
(متيم ان سرت ريح الشآم صبا ... ومستهام اذا مرت عَلَيْهِ صبا)
(وَذُو شجون وَمَا غنت مطوقة ... تبكى على الالف الا دمعه سكبا)
(يبكى ويدمع لَو فياضى مدمعه ... من جوده جاد يَوْمًا طوقها سلبا)
(وان تذكر أَيَّامًا لَهُ سلفت ... مَعَ الاحبة فى أوطانهم جذبا)
(روى الرّبيع مغانيهم ومربعهم ... وعمم الْغَيْث مِنْهَا السهل والحدبا)
(وأزهر الرَّوْض مِنْهَا وَالْحمام غَدَتْ ... مغردات عَلَيْهِ تمتطى العذبا)
(وَكلما رام يبغى نحوهم طرقا ... يعمى السَّبِيل عَلَيْهِ أَيْنَمَا ذَهَبا)
(سُبْحَانَ من نفذت فِينَا مشئته ... فَمَا يسهل لَهُ يسهل وَمَا صعبا)
(مَا زلت أَقرع أَبْوَاب الرجا وَرَجا ... نفسى تفوز بجود شَامِل وحبا)
(وعمنى الله بالاحسان مرحمة ... فضلا من الله لَا فرضا وَلَا سَببا)
(وان تغلقت الابواب عَن أمْلى ... قصدت من طَابَ فرعاه وطاب أَبَا)
(مُحَمَّد العاقب الماحى الذى انختمت ... بِهِ النُّبُوَّة بل أَعلَى الورى رتبا)
(فَهُوَ الذى ملا الاكوان أجمعها ... نورا وَفتح فِينَا الشَّخْص والحقبا)
(يَا من علا فَوق متن للبراق وَيَا ... خير الْخَلَائق قاصيهم وَمن قربا)
стр. 1162
(وَجئْت بِالسنةِ البيضا جعلت فدا ... لحافظيها وَمن فى درسها دأبا)
(وَلم تزل فرقة من تابعيك على ... نهج الْهدى لم يضرهم قَول من كذبا)
(فهم شموس وَلم تأفل مَنَافِعهَا ... وَلنْ يزَال بهَا نفع وَمَا غربا)
(وَكم معاجز لَا تحصى بعثت بهَا ... عَنْهَا نُجُوم العوالى ضمنت كتبا)
(يَا سيد الْخلق يَا مِفْتَاح يَوْم غَد ... تولى الشَّفَاعَة يَوْم الْحَشْر اذ صعبا)
(أَنْت الذى يَوْم بعث الْخلق شافعنا ... سبقا وأثبتهم اذ ألزموا رهبا)
(يَا سيدى يَا رَسُول الله يَا سندى ... اليك جِئْت لما قد خفته رهبا)
(سمى صنوك حاشا أَن تضيعه ... تكفى السماية عِنْد السَّادة النجبا)
(يَا خَاتم الرُّسُل يَا مُخْتَار من مُضر ... بِاللَّه رَبك قل مَا قلته وجبا)
(وان تقدّمت للعظمى بِيَوْم غَد ... لله رَبك مَقْبُولًا ومحتسبا)
(فَقل فروع مطير سيدى حسبوا ... على فَازَ الذى من حزبهم حسبا)
(وعمهم رَحْمَة يَا سيدى وندى ... يَا ملْجأ طَابَ للاجين والغربا)
(وَاشْفَعْ ليبقى بهم مَا مِنْكُم ورثوا ... الْعلم والنور لَا الْبَيْضَاء والذهبا)
(وَالْمُسْلِمين أنل كلا مطالبهم ... فى الْخَيْر مِنْهُم جَمِيعًا واكشف الكربا)
(ثمَّ الصَّلَاة مَعَ التَّسْلِيم دائمة ... على الْمُهَيْمِن مَا أم الْوُفُود قبا)
(والآل والصحب مَا غنت مطوقة ... على أَرَاك فأضحى الدمع منسكبا)
وَكَانَت وَفَاته فى حادى عشرى ذى الْقعدَة سنة احدى وَأَرْبَعين وَألف بعبس الحضن من المخلاف السليمانى بِالْيمن وَبَنُو مطير منسوبون لمطير تَصْغِير مطر بن على ابْن عُثْمَان الحكمى من حكماء الحرهن وَكَانَ مطير من أعيانهم وغالبهم فى الْمَكَان الْمَعْرُوف بالحضن من المخلاف السليمانى وهم بَيت علم وَصَلَاح مَشْهُورُونَ بِالْيمن واعتقدهم جَمِيع أَهله بل جَمِيع الْبِلَاد لسلوكهم على الْمنْهَج القويم ولابمن قَائِم مِنْهُم يكون رَأْسا للْعُلَمَاء ومرجعا عِنْد اخْتِلَاف الفهماء وَحكما للمشكلات للحكماء اذ لَا يتعصبون للمذاهب والاقوال وَلَا ينافسون فى المناصب وَلَا ينقبون على أهل الاجوال وَلَا يخرجهم عَن الْحق غضب وَلَا يدخلهم فى الْبَاطِل رضَا وَلَا يميلون الى الْحِرْص على الاموال عصمتهم الْكتاب وَالسّنة وعقيدتهم فى الله تَعَالَى حَسَنَة وَله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِم الْمِنَّة قَالَ السَّيِّد الشريف الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى حُسَيْن الاهدل انه اعْتقد فضل بنى مطير جَمِيع الْبِلَاد وَقَالَ الْفَقِيه الصَّالح الولى الْمَشْهُور مُحَمَّد بن الْحسن
стр. 1163
المحلوى وقبره طرف بَيت عَطاء من جِهَة الْيمن رَأَيْت رَسُول الله
فى الْمَنَام وسيدى أَحْمد بن ابراهيم بن مطير يلازمه ويلح عَلَيْهِ فَرَأَيْت قَلما من جِهَة النبى
يكْتب أَوْلَادنَا أَوْلَادكُم وَمَا يعنانا يعنا كم وَلَقَد كَانَ لكم فى رَسُول الله اسوة حَسَنَة وَقد اشْتهر اخْتِصَاص بنى مطير بمزيد محبَّة رَسُول الله
وانهم من موَالِيه وَذكروا ذَلِك فى أشعارهم وَغَيرهَا وانه يحصل لَهُم الْعلم من غير كَثْرَة طلب حَتَّى قَالَ الشريف الولى حبيب آل مطير أَبُو بكر ابْن أَبى الْقَاسِم بن اسمعيل الحسينى صَائِم الدَّهْر طِفْل بنى مطير بِئْر علم مطوية لَا يحْتَاج الى اخراج التُّرَاب الْوَاقِع فِيهَا ولامير الْمُؤمنِينَ على بن أَبى طَالب كرم الله تَعَالَى وَجهه اتِّصَال بالعلماء مِنْهُم فى الْمَنَام وآثار صَادِقَة ذكرهَا مِنْهُم الْعلمَاء الاعلام نفع الله تَعَالَى بهم وَأفَاد السَّيِّد حُسَيْن الاهدل فى تحفة الزَّمن أَن بنى مطير ينتسبون الى السَّيِّد الاهدل قَالَ وانما نبهت على ذَلِك لَان كثيرا من الاهدليين الَّذين لَا خبْرَة لَهُم يُنكرُونَ نسبهم الى الاهدل وَمِمَّا يدل على شرفهم قَول السَّيِّد الولى الشهير بدر الدّين حُسَيْن بن الصّديق بن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الاهدلى فى بعض قصائده
(فان غصنى من أَغْصَان دوحتكم ... فَالله فى رحمى فالرحم مَوْصُول)
وَقَالَ الْعَلامَة الْفَقِيه ضِيَاء الدّين بن ابراهيم بن أَبى الْقَاسِم مطير فى بعض قصائده
(الَّتِى توسل بهَا وبالاهدليين الْكِرَام فانهم ... لَهُم نسب فى ذرْوَة العزيرتمى)
وفى كَلَام عبد الرَّحِيم البرعى الْقطع بشرفهم مَشْهُور فى قصائده
على بن مُحَمَّد بن ابراهيم الجملولى الهنومى نِسْبَة الى هنوم بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون النُّون أحد جبال الاهنوم ثمَّ السيرافى قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال كَانَ عَالما كَبِيرا حَافِظًا لكل طَريقَة يجرى مَعَ النَّاس على طبقاتهم بِمَا تنجبر بِهِ قُلُوبهم من غير أَن يكون عَلَيْهِ وصمة وَذَلِكَ من عجائبه وَله تجربة فى الامور كلهَا كَامِلَة وآراء ثاقبة يجرى كَلَامه مجْرى الامثال وَهُوَ من بَيت شهير بِالْفَضْلِ أصلهم من الجملول بهنوم ثمَّ سكنوا الجهرة بسيراف وَله تلامذة كَثِيرُونَ كالقاضى أَحْمد بن سعد الدّين والقاضى جمال الدّين وَهُوَ كثير الرِّوَايَة عَنهُ وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاربعاء ثَالِث رَجَب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف بحصن كوكبان شبام كَانَ مُقيما هُنَالك للْقَضَاء والتدريس بامر الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم
السَّيِّد على بن مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد بن عمر بن علوى الشبيه ابْن عبد الله بن على
стр. 1164
ابْن عبد الله باعلوى الشهير بشييان أحد مَشَايِخ الطَّرِيق العارفين بِاللَّه تَعَالَى كَانَ كثيرا التِّلَاوَة لكتاب الله تَعَالَى كثير الْبكاء وَكَانَ مَشْهُورا بالزهد والورع صحب كثيرا من العارفين مِنْهُم السَّيِّد الْجَلِيل زين بن مُحَمَّد خرد ولازمه مُلَازمَة تَامَّة وَغَيره من أكَابِر العارفين فى زَمَانه وَكَانَ الْغَالِب عَلَيْهِ الخمول والتقشف فى الملبس والمأكل وَيُحب الانعزال عَن النَّاس لَا يجْتَمع بهم الا فى الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة معرضًا عَن اللَّهْو واللعب متقمصا بقميص الْجد وَالِاجْتِهَاد كثيرا الْقيام والتهجد بِاللَّيْلِ متواضعا جدا لَا يرى نَفسه الا أدنى النَّاس ويلتمس بركته من اجْتمع بِهِ مُعْتَقدًا عِنْد الانام وَصَحبه جمَاعَة كَثِيرُونَ مِنْهُم السَّيِّد مُحَمَّد بن أَبى بكر الشلى باعلوى صَاحب التَّارِيخ وَذكره فى تَارِيخه وَقَالَ استضأنا من ضِيَاء نبراسه وعادت علينا بَرَكَات أنفاسه وَمَا زَالَ يزْدَاد من فعل الْخيرَات والتقرب الى الله تَعَالَى بالقربات الى أَن مَاتَ فى سنة احدى وَسِتِّينَ وَألف بتريم وَدفن بمقبرة زنبل
على بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الامام الْحَافِظ مُحدث الْيمن وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن على بن مُحَمَّد بن عمر بن مُحَمَّد بن عمر بن على الرّبيع بن يُوسُف بن أَحْمد بن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن على بن عمر بن يحيى بن مَالك بن حرَام بن عَمْرو بن مَالك بن مطرق بن شريك بن عمر بن قيس بن شرَاحِيل بن همام بن مرّة بن ذهل ابْن شَيبَان بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَغِير بن على بن بكر بن وَائِل بن قاسط بن هبت بن أقْصَى بن دهمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان الشيبانى الزبيدى الشافعى رَأَيْت بِخَط صاحبنا الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله النّسَب هَكَذَا سَاقه وَقَالَ كَذَا نقلت نسبه من مؤلف لجده عبد الرَّحْمَن الذيبع عمله فِيهِ وَنقل عَن مؤرخ الْيمن أَبى الْحسن الخزرجى أَن سَبَب نسبتهم الى الديبع هُوَ ان وَالِد على يُوسُف بن أَحْمد بن عمر كَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد وهم على وَعبد الله وَأحمد خَرجُوا ذَات يَوْم يَلْعَبُونَ مَعَ الصّبيان كعادتهم ولوالدهم عبد نوبى يُقَال لَهُ جَوْهَر فَقَالَ لَهُ سَيّده الْمَذْكُور ادْع لى سيدك على فَقَالَ ديبع ديبع على سَبِيل الِاسْتِفْهَام فَقَالَ نعم فَخرج يُنَادِيه ديبع ديبع فَسَمعهُ الصّبيان فَنَادَوْهُ بِهِ فَلَزِمَهُ هَذَا اللقب وَلزِمَ ذُريَّته من بعده فَلَا يعْرفُونَ الا بِهِ وَمَعْنَاهُ الابيض بلغَة النّوبَة قَالَ السخاوى فى الضَّوْء اللامع الديبع بِمُهْملَة مَفْتُوحَة بعْدهَا تَحْتَانِيَّة ثمَّ مُوَحدَة مَفْتُوحَة وَآخره مُهْملَة وَهُوَ لقب لجده الاعلى على بن يُوسُف وَمَعْنَاهُ بلغَة النّوبَة الابيض كَانَ على الْمَذْكُور امام
стр. 1165
الْمُحدثين والقراء وامام أهل التدريس والاقراء وَاحْذَرْ بيد فى عصره اماما عَاملا عَالما فَاضلا كَامِلا أَخذ عَن شُيُوخ زبيد مِنْهُم الْفَقِيه مُحَمَّد بن الصّديق الْخَاص الزبيدى والفقيه الصَّالح الْعَلامَة عماد الدّين يحيى بن مُحَمَّد الحرازمى ولازم عصريه الْعَلامَة اسحق بن جعمان وَأَجَازَهُ كثير من شُيُوخه وَقدم مَكَّة مَرَّات وَأخذ عَمَّن بهَا من شُيُوخ عصره وجاور بِالْمَدِينَةِ كثيرا ولازم بهَا الاستاذ الْكَامِل أَحْمد ابْن مُحَمَّد القشاشى وَأخذ عَنهُ الطَّرِيق واختص بِهِ وَعنهُ أَخذ الاستاذ الْكَبِير ابراهيم بن حسن الكورانى قَرَأَ عَلَيْهِ طرفا من البخارى سنة سبع وَسِتِّينَ وَألف فى الرَّوْضَة الشَّرِيفَة وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن عبد الرَّسُول البرزنجى وَشَيخنَا الْعَلامَة الْحسن بن على العجيمى المكى وَغَيرهم وَكَانَت وِلَادَته بزبيد فى حُدُود سنة ألف وَتوفى بهَا فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَألف وَدفن بتربة جده عبد الرَّحْمَن الديبع الْمَذْكُور بِقرب تربة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى سيدى اسمعيل الجبرتى
على بن مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مطير الْعَالم الْعَلامَة الْحجَّة كَانَ اماما جَلِيلًا وعارفا نبيلا عمرت أوقاته بِالْعلمِ وقصده الغادى والرائح مَعَ الْحِرْص على سلوك طَرِيق أهل السّنة وَالْجَمَاعَة والمواظبة على الْخَيْر والاشتغال بِالْحَدِيثِ النبوى وعلوم الدّين والانهماك على بَث الْعلم وَالتَّقوى والورع وَعدم مُخَالطَة أحد من الْحُكَّام أَخذ الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا من الْعُلُوم النافعة عَن كثير مِنْهُم الْعَلامَة مُحَمَّد بن على مظير خَاله وَأَخُوهُ خَاتِمَة الْمُحَقِّقين أَحْمد بن على مطير وَأَجَازَهُ شُيُوخه بالافتاء والتدريس وَعنهُ أَخذ جمع مِنْهُم الشَّيْخ ذهل بن على حشيبر وَألف مؤلفات مِنْهَا مُخْتَصر التَّلْخِيص فى الْفِقْه لِابْنِ مطير وَلم يزل على بَث الْعلم ونشره وملازمة طَاعَة الله تَعَالَى حَتَّى مَاتَ وَكَانَت وَفَاته فى رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف بِمَدِينَة الزيدية وَدفن بِقرب تربة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ذهل بن ابراهيم الحشيبرى
على بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن محب الدّين بن أَيُّوب الشهير بالايوبى الشافعى المكى أحد أجلاء خطباء الْمَسْجِد الْحَرَام وسراة الْعلمَاء الْفُقَهَاء الْمُحدثين ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن والارشاد والالفية لِابْنِ مَالك وألفية الحَدِيث وَغَيرهَا ولازم الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الزمزمى فى دروسه وَالشَّيْخ على بن الْجمال وَالشَّيْخ عبد الله باقشير وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلان وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطائفى ثمَّ لَازم الشَّمْس مُحَمَّد البابلى أَيَّام مجاورته بِمَكَّة فى جَمِيع دروسه وَكَانَ معيد درسه وَأَجَازَهُ
стр. 1166
أَكثر مشايخه وتصدر للاقراء والتدريس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام قَالَ فى بعض رسائله ترعرعت فى رياض الْعُلُوم وتمتعت بِتِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى الذى يشفى الامراض والكلوم ولازمت الجلة وَأخذت عَن عدَّة من الْعلمَاء فَعَاد على من بركاتهم واسرارهم مَالا يُنكره الا كل جَاهِل وَلَا يجحده الا كل حسود متجاهل ومذ نشأت وهب صبا الصِّبَا لم يحصل لَهَا عَثْرَة وَلَا كبوة بل كنت اذا فرغت من التِّلَاوَة والطلب عدت الى الْبَيْت لتكرار بعض الْمُتُون وَتَحْصِيل الْكتب الَّتِى لَيست عندى وَذَلِكَ دأبى مُنْذُ نشأت واذا نودى الى الصَّلَاة حوقلت واذا دعيت للصَّلَاة لبيت وأجبت وَلم يزل ذَلِك دأبى الى آخر عمرى بِحَيْثُ صَار لى طَريقَة وَعَادَة راجيا ان شَاءَ الله تَعَالَى أَن تكون نِهَايَة للعناية والسعادة وَهَذَا أقل اثر من حُلُول نظر الْعلمَاء العاملين وحظوظ أثر الْفُضَلَاء الكاملين وكل مِنْهُم كَانَ يثنى فى فى غيبتى واذا بلغنى ذَلِك امْتَلَأت بالسرور والبشر وَطَابَتْ رغبتى وَكنت سليم الصَّدْر من الْغِشّ والغل وَمن التَّعَرُّض لاعراض الْمُسلمين سالما مجانبا لما فِيهِ أذاهم مناصحا لَهُم وموادا لَهُم ومسالما لَا اجْتمع بهم الا لحَاجَة مهمة أَو أَدَاء وَاجِب أَو للتأنس بصديق يكَاد من لطفه يَعْلُو على الْعين والحاجب وَأقسم بِاللَّه الذى هُوَ أبر ألية وَيَمِين وَقد خَابَ وخسر من يفترى عَلَيْهِ وَيَمِين ان خلقى قَدِيما حب الخمول والعزله وبغض الِاشْتِغَال بِمَا لَا يعْنى جده وهزله وانما الْقُدْرَة الالهية هى الَّتِى أَرَادَت الشُّهْرَة لى والظهور ومخاطبتى للنَّاس فِيمَا يقصم الظُّهُور وان كَانَت النُّفُوس الابية تروم طلب الْعليا والشيم الادبية تسمو أَن تَدْنُو الى سفاسف الدُّنْيَا لَكِن لما طلب الْحَسْنَاء قَبِيح الْخِصَال وخطب الْعليا غير أكفاء وَدخل بَيت قصيدها زحاف الطى وَالْقَبْض والاقواء أعرض عَن عرضهَا كل ذى نفس نفيسه ونكحها كل دنى ذى نفس خسيسه
(لقد هزلت حَتَّى بدا من هزالها ... كلاها وَحَتَّى سامها كل مُفلس)
وَذَلِكَ انى لما بلغت الاشد وَبَلغت أَرْبَعِينَ سنه وَكنت عَن طلب المناصب فى أحلى نومَة وسنه لم أشعر الا وَقد خطبت لتقليد الخطابه وألزمنى بِهِ من أخْشَى عواقبه وَلَا أقدر أَن أرد خطابه وَعلمت ان هَذَا من ارادة الْمولى وَلَا مَانع لما أَرَادَ وَلَا دَافع لما قَضَاهُ فى الازل وَلَا راد فَحِينَئِذٍ شهرت حسام الْعَزْم وأنشأت لكل نوبَة خطْبَة
стр. 1167
يستملحها ذُو الْفضل والانصاف ويستحسنها أولو الشيم الحميدة والاوصاف بِحَيْثُ انى كلما باشرت بِخطْبَة طلبَهَا منى بعض النَّاس وخطبها كثير من أهل مَكَّة ومصر وَالشَّام واليمن وَالْعراق والاكراد على اخْتِلَاف الاجناس فسارت بهَا الركْبَان شرقا وغربا وطارت الْغرْبَان بهَا عجما وعربا بِحَيْثُ فاقت خطب الَّذين قبلى من الخطباء وفاقت على انشاء الْمُتَقَدِّمين من الْفُضَلَاء والادباء ثمَّ صَار يطْلب منى مجَالِس الانكحة وعقودها بِحَيْثُ جمعت من ذَلِك ديوانا حافلا سحبت فِيهِ مطارف البلاغة وَكنت فى برد الفصاحة رافلا ثمَّ لما حصل جَدب فى بعض السنين أمرنى الشريف زيد أَن أباشر الدُّعَاء وَصَلَاة الاسْتِسْقَاء فصعب ذَلِك على بعض النَّاس وَظهر الصفار فى وَجهه كَانَ بِهِ عِلّة الاسْتِسْقَاء ثمَّ لما ورد الامر السلطانى بِالدُّعَاءِ على بَاب الْبَيْت الشريف أمرنى صَاحب الْعِزّ الشريف سعد وَشَيخ الْحرم عماد وقاضى مَكَّة بِمُبَاشَرَة الدُّعَاء فأنشأت لكل يَوْم دُعَاء غير الاول اظهارا لما أنعم الله بِهِ على من نعْمَة وخول انْتهى الْمَقْصُود من ذَلِك وَكتب رِسَالَة يمدح بهَا قاضى مَكَّة الْمولى أَحْمد البياضى سَمَّاهَا الْقُصُور المشيدة المشرفة فى مدح الْمقَام العالى الْمولى أَحْمد قاضى مَكَّة المشرفة وَله // (نظم حسن بليغ) // وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف
على بن المقبول الاهدل السَّيِّد الْجَلِيل الولى الشهير تمكن كل التَّمَكُّن من الْعُلُوم الربانية وَهُوَ الذى اختط قَرْيَة الدريهمى وَبنى جَامعهَا بالآجر والنورة وعمره بِالْجمعَةِ وَالْجَمَاعَة وأقامه أتم قيام ورزق الْقبُول عِنْد الْخَاص وَالْعَام وَله فى الطِّبّ الْيَد الطُّولى كَمَا لابيه وجده فتحا من الله صَحبه السَّيِّد مُحَمَّد بن الطَّاهِر الْبَحْر وَكَانَت وَفَاته فى سنة خمس وَخمسين وَألف
على بن يحيى الملقب نور الدّين الزيادى المصرى الشافعى الامام الْحجَّة العلى الشَّأْن رَئِيس الْعلمَاء بِمصْر ذكره العجمى فى مشيخته وَأثْنى عَلَيْهِ كثيرا وسرد مشايخه الَّذين تلقى عَنْهُم من أَجلهم الشهَاب أَحْمد بن حَمْزَة الرملى شَارِح الزّبد وَغَيره وَولده الشَّمْس والشهاب عميرَة البرلسى والشهاب أَحْمد بن حجر الهيتمى والنور على الطندتائى وَالشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى شهَاب الدّين البلقينى شيخ الْمحيا بِجَامِع الازهر بعد شَيْخه الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ نور الدّين الشنوانى والقطب الربانى أَبُو الْحسن البكرى وروى الموطا من طَرِيق يحيى بن يحيى عَن الشهَاب الرملى عَن الْحَافِظ أَبى الْخَيْر السخاوى عَن الْعِزّ أَبى مُحَمَّد الحنفى بِسَنَدِهِ وروى كتاب الْمَوَاهِب
стр. 1168
اللدنية عَن قطب الْوُجُود الاستاذ أَبى الْحسن البكرى عَن مُؤَلفه الامام الشهَاب أَحْمد القسطلانى وروى الْجَامِع الصَّغِير عَن السَّيِّد الشريف جمال الدّين الارميونى المالكى امام الْمدرسَة الكاملية عَن مُؤَلفه الامام الْحَافِظ السيوطى وَاجْتمعَ بشيخ الاسلام الْبَدْر الغزى وَهُوَ بِمصْر فى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَأخذ عَنهُ وَبَلغت شهرته الْآفَاق وتصدر للتدريس بالازهر وانتهت اليه فى عصره رياسة الْعلم بِحَيْثُ ان جَمِيع عُلَمَاء عصره مَا مِنْهُم الاوله عَلَيْهِ مشيخة وَكَانَ الْعلمَاء الاكابر تحضر درسه وهم فى غَايَة الادب وَكَانَت حلقته صُفُوفا مِنْهُم الافضل فالافضل والامثل فالامثل وَكَانَ يُقَال فلَان من الطَّبَقَة الاولى وَفُلَان من الثَّانِيَة وَفُلَان من الثَّالِثَة وَكَانَ لَهُ فى درسه محتسب يجلس كل أحد مِنْهُم فى مَكَانَهُ وَمِمَّنْ لَازمه مُدَّة مديدة الْعَلامَة سَالم الشبشيرى فَكَانَ مَحَله مِنْهُ مَحل الْوَلَد من الْوَالِد وَكَانَ بَينهمَا محبَّة أكيدة ومداعبات لَطِيفَة وَتوفى فى حَيَاة شَيْخه فجزع عَلَيْهِ جزعا شَدِيدا بِحَيْثُ انه لم يعْقد بعده درسا الا ويترنم بِذكرِهِ وَيُشِير الى جلالة قدره واذا توقف أهل الدَّرْس فى مسئلة تأوه تأوه الحزين وَهُوَ يَقُول كالهائم أتعبنا موت سَالم وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ الْبُرْهَان اللقانى والنوران الحلبى والاجهورى والشمسان الشوبرى والبابلى والشهاب القليوبى وَالشَّيْخ سُلْطَان والنور الشبراملسى وَعبد الْبر الاجهورى وخضر الشوبرى وعامر الشبراوى والشهاب الخفاجى وَهُوَ الْقَائِل فِيهِ ... لنُور الدّين فضل لَيْسَ يخفى ... تضئ بِهِ الليالى المدلهمه)
(يُرِيد الحاسدون ليطفئوه ... ويأبى الله الا أَن يتمه)
ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الطيبرسية وَكَانَ يقرئ الاصول بافريز الازهر شمالى قبْلَة الْحَنَفِيَّة فى الاشهر الثَّلَاثَة رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وَكَانَ مُنْقَطِعًا للاشتغال وَالْفَتْوَى وَكَانَ اذا أتم الدَّرْس يجلس بِبَاب دكان بِقرب بَاب الْجَامِع للْفَتْوَى وَكَانَ يصلى اماما بِصَحْنِ الْجَامِع الازهر اذا أذن الْمُؤَذّن دَائِما وَيتم الْفَرْض قبل أَن يفرغ الْمُؤَذّن من الاذان وَألف مؤلفات نافعة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الْمنْهَج اعتنى بهَا مَشَايِخ مصر وَغَيرهم من عُلَمَاء الشَّافِعِيَّة بِحَيْثُ انه لَا يقْرَأ مِنْهُم أحد شرح الْمنْهَج الا ويطالعها وَقد اشتهرت بركتها لمن طالعها وَله شرح على الْمُحَرر للرافعى يُوجد كثيرا بِبِلَاد الاكراد وَكَانَ يصدر عَنهُ كرامات مِنْهَا انه زار بعض أَقَاربه من النِّسَاء فَدخل عَلَيْهَا وهى تملأ من الْبِئْر مَاء فَلَمَّا رَأَتْهُ مُقبلا أسرعت اليه تقبل يَدَيْهِ فَسقط الدَّلْو فى الْبِئْر فانزعجت لذَلِك فَوقف على
стр. 1169
الْبِئْر وتناوله بِيَدِهِ من قَعْر الْبِئْر من غير انحناء وَلَا تكلّف وَأَعْطَاهَا اياه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس شهر ربيع الاول سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَدفن بِبَاب تربة المجاورين وَقد كَانَ البلقينى كتب لَهُ بِخَطِّهِ فى اجازته أَنا مَدِينَة الْعلم وعَلى بَابهَا وَكَانَ الامر كَذَلِك بعد مَوْتهمَا دفن البلقينى بالصدر والزيادى بِالْبَابِ والزيادى بِفَتْح الزاى وَتَشْديد الْيَاء نِسْبَة لمحلة زِيَاد بالبحيرة
على بن يحيى الخيوانى قَالَ ابْن أَبى الرِّجَال هُوَ من فُقَهَاء الزَّمَان وأعيان الاوان من بَيت رياسة من خيوان لَهُم منصب هُنَالك فَهُوَ من أَبنَاء الْوُجُوه المقدمين فى الْقَبَائِل وَلكنه منح الْحِكْمَة وَطلب الْعلم وَكَانَ أَيَّام السَّيِّد الْحسن بن الامام الْقَاسِم فى الْقصر بِصَنْعَاء هُنَالك فَقَرَأَ وَعرف فَضَائِل الْعلم وَأَهله وَكَانَ هما مَا ذكيا حفظه لَا يشق لَهُ غُبَار وَنور الله تَعَالَى قلبه بأنوار الْمحبَّة لآل مُحَمَّد
فَمَا عكف على غير علومهم ثمَّ دخل صعدة وَاسْتقر بهَا ودرس وَكَانَ فى الْفُرُوع نبيلا مُفِيدا وَله حَاشِيَة على الازهار وَلما فتحت صنعاء ايام الامام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم خرج اليها وحقق وَأعَاد شَيْئا من المسموعات على الْعَلامَة الْمُحَقق مُحَمَّد بن عز الدّين وَكَانَ أحد عُيُون حَضْرَة السَّيِّد فاستفاد وَزَاد علمه مَعَ انه كَانَ أَيَّام اقامته بصعدة من أعيانها وَكَانَ القاضى أَحْمد بن يحيى بن حَابِس يحضرهُ ويحضر الْعَلامَة على بن هادى الْقصار عِنْد جمعه للتكميل ويسألهم وَلَهُم ثَالِث كَانَ القاضى يستدينه ويسأله فَاتَ منى وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة مكفوف الْبَصَر وَلم يزل موفور النِّعْمَة صَالح الْحَال مُقبلا على الْعلم والادب حَتَّى اخْتَار الله تَعَالَى لَهُ جواره وَكَانَت وَفَاته بِصَنْعَاء فى افراد سنة سِتِّينَ وَألف فِيمَا أَحسب
على بن يُوسُف الْمَعْرُوف بسنان بن حُسَيْن بن الياس بن حسن الاماسى الاصل أحد موالى الرّوم وفضلائها البارعين كَانَ من كبار الافاضل أَخذ عَن وَالِده الْعَلامَة الْمُحَقق سِنَان الدّين صَاحب الْحَاشِيَة على تَفْسِير البيضاوى ثمَّ انحاز الى السَّيِّد مُحَمَّد الْمَعْرُوف بمعلول أَمِير وتلقى عَنهُ كثيرا من الْمسَائِل ولازم مِنْهُ ودرس بمدارس قسطنطينية الى أَن وصل الى احدى الثمان ثمَّ ولى قَضَاء حلب فى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ ولى بعْدهَا قَضَاء دمشق فى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ ثمَّ قَضَاء بروسه وانفصل عَنْهَا مُدَّة ثمَّ أُعِيد الى قَضَاء دمشق ثَانِيًا فى سنة احدى وَتِسْعين وَوَقع فى أَيَّام قَضَائِهِ قَضِيَّة ابْن خطاب مَعَ القابوجى وَقد تقدّمت فى حرف الْحَاء فى
стр. 1170
تَرْجَمَة حسن باشا وَكَانَ القاضى صَاحب التَّرْجَمَة متشددا على الفابوجى وصمم على قَتله فشنق وعد ذَلِك من صلابته فى دينه ثمَّ قَضَاء الشَّام ولى قَضَاء قسطنطينية وَقَضَاء العسكرين على التَّرْتِيب واشتهر صيته وذاع أمره فى الْفضل والرسوخ وَقد ذكره عبد الْكَرِيم المنشى فِيمَن ترْجم فَقَالَ فى حَقه سليل الْعَالم الطَّائِر صيت فَضله فى الاقطار وَمن غَدَتْ فى عقده أبكار الافكار الْمولى الْعَلامَة سِنَان لَا زَالَ مأنوس الجدث بملائكة الرضْوَان أحد صُدُور الْعَصْر السليمانى الذى جنى الْعَالم من روضه ثمار الامانى اشْتغل بِالْعلمِ واستضاء من أنوار وَالِده وفاز من نِصَاب الْفضل بطارفه وتالده
(ان السرى اذا سرى فبنفسه ... وَابْن السرى اذا سرى أسراهما)
ثمَّ أنْشد فى حَقه
(عَلَوْت اسْما ومقدارا وَمعنى ... فيالله من معنى جلى)
(كأنكم الثَّلَاثَة ضرب خيط ... على فى على فى على)
وَكَانَت وَفَاته بقسطنطينية فى سنة خمس بعد الالف وَدفن بجوار أَبِيه دَاخل سور قسطنطينية
على بن يُوسُف بن مُحَمَّد أَبُو الْحسن بن أَبى المحاسن الْقصرى الفاسى المالكى الامام الْعَلامَة الشهير فى أقطار الْمغرب الْجَامِع بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَخذ عَن وَالِده والسراج الحميدى والمنجور والعزومى وَعَن الْفَقِيه النوازلى أَبى رَاشد يَعْقُوب بن يحيى البدرى وَغَيرهم وَأدْركَ الشَّيْخ سيدى عبد الرَّحْمَن المجذوب وتبرك بِهِ ولقى كثيرا من السَّادة وَعنهُ أَخذ كَثِيرُونَ مِنْهُم وَلَده عَالم الْمغرب عبد الْقَادِر الفاسى الْمُقدم ذكره وَقد أفرد تَرْجَمته على حِدة حفيده عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ عبد الْقَادِر استوفى فِيهَا أَحْوَاله ومشايخه قَالَ وَلما حملت بِهِ أمه رأى بعض قرَابَته بفاس فى الْمَنَام أَن قِنْدِيلًا يضئ بصومعة العزوين فى غَايَة الِارْتفَاع على الْبِلَاد كلهَا وَالنَّاس ينظرُونَ الى طوله وظهوره وامتداد ضوئه ونوره وَكَأن قَائِلا يَقُول هَذَا قنديل سيدى على الفاسى وَكَانَ يَوْمئِذٍ نسَاء من قرَابَته حوامل فَلَمَّا ولدن سمين أَوْلَادهنَّ بعلى الفاسى قصدا ان يكون ذَلِك وَالله أعلم بِمَا يفعل والقنديل يعبر بِالْوَلَدِ فَظهر بعد ذَلِك صَاحب التَّرْجَمَة وَولد لَهُ الشَّيْخ عبد الْقَادِر الذى طبق أَرض الغرب علما قَالَ وَكَانَت وَفَاته عصر يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس عشر من جُمَادَى الاولى سنة
стр. 1171
ثَلَاثِينَ وَألف
على المنعوت بِنور الدّين بن العظمة المصرى المجذوب الْمُسْتَغْرق ذكره المناوى فى طبقاته وَقَالَ فى تَرْجَمته كَانَ أَبوهُ مقدم الجمالة بركب الْحَاج وَكَانَ فى دَائِرَة كَبِيرَة من المَال وَالرِّجَال وَالْجمال فَنَشَأَ وَلَده هَذَا على طَرِيقَته فَبَيْنَمَا هُوَ وَالشَّيْخ أَحْمد البهنسى فِي الجيزة فِي فلاة أَرض وَذَا بطَائفَة من الْفُقَرَاء السائرين الَّذين سخر لَهُم الْهَوَاء يَأْكُلُون تَمرا فدفعوا اليهما ثَلَاث تمرات فاكل الشَّيْخ أَحْمد ثِنْتَيْنِ فَثَبت وَأكل صَاحب التَّرْجَمَة وَاحِدَة فجذب وَنزع ثِيَابه وَصَارَ عُريَانا مُسْتَغْرقا متجردا عَن الثِّيَاب حَتَّى عَن سَاتِر عَوْرَته وَكَانَ بدنه أَحْمَر يلمع كالبلور وَلَيْسَ فى جسده وَلَا لحيته وَلَا رَأسه شَعْرَة وَاحِدَة وَكَانَ كَأَنَّهُ مدهون بِزَيْت من فرقه لقدمه شتاء وصيفا بِحَيْثُ اذا رَآهُ الجلف الغبى قطع بولايته وَكَانَ أهل الطَّرِيق يعْرفُونَ مقَامه حَتَّى ان بَعضهم لم يسْتَطع دُخُول مصر مُدَّة حَيَاته مهابة لَهُ وَكَانَ مَعَ استغراقه يَتْلُو الْقُرْآن وَيسلم على من شَاءَ وَله كرامات شَتَّى مِنْهَا مَا حَكَاهُ الشَّيْخ حشيش الحمصانى انه مر عَلَيْهِ فَجرى فى خاطره الانكار عَلَيْهِ لعدم ستره لعورته فَمَا تمّ الخاطر الا وَقد وجد نَفسه بَين اصبعين من أَصَابِعه يقلبه كَيفَ شَاءَ وَيَقُول لَهُ انْظُر الى قُلُوبهم لَا تنظر الى فروجهم وَذكر انه حج فَخرج عَلَيْهِ جمَاعَة فى ساقة الْحَج فضربوه وسلبوه ثِيَابه ومتاعه وَجلسَ وَهُوَ متحير فَمَا شعر الا وَقد اعتنقه ابْن العظمة من خَلفه وَهُوَ يلحسه وَيَقُول لَهُ قد كَانَ عَلَيْك بَقِيَّة فأخذناها وَكَانَت وَفَاته فى أَوَائِل هَذَا الْقرن وَدفن بزاوية عمرت لَهُ بِرَأْس سويقة السباعين بِخَط منَازِل آبَائِهِ وأجداده
على الغزى القاهرى الشافعى الملقب عَلَاء الدّين ذكره العرضى الْكَبِير فى تَارِيخه وَقَالَ فى حَقه الْعَالم الْمُحَقق ولد بغزة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ على شَيخنَا الشَّمْس بن المشرقى ثمَّ رَحل الى مصر فَقَرَأَ على اللقانى يعْنى النَّاصِر الْقَدِيم وَأكْثر من مُلَازمَة الشَّيْخ نور الدّين الطندتائى ثمَّ من بعده لَازم الْخَطِيب الشربينى شَارِح الْمِنْهَاج ولازم الاستاذ البكرى والشهاب الرملى وَولده الشَّمْس والشهاب بن قَاسم والنجم الغيطى وَآخَرين وَصَارَ من فضلاء المصريين قدم حلب تَاجِرًا فى سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَسَأَلَ شَيخنَا ابْن الحنبلى عَن مسئلة أَن الِاسْم غير الْمُسَمّى أَو عينه فَكتب شَيخنَا فى ذَلِك رسَالَته الْمُسَمَّاة فتح الْعين عَن الِاسْم غير أَو عين ثمَّ ان صَاحب العلائى اسْتشْكل عَلَيْهِ أَشْيَاء أبدع فِيهَا فَأجَاب عَنْهَا شَيخنَا
стр. 1172
وَسمعت الرسَالَة الْمَذْكُورَة على مؤلفها شَيخنَا بِقِرَاءَة الشهَاب أَحْمد بن المنلا ثمَّ ان الشَّيْخ عَلَاء الدّين قدم حلب مرّة أُخْرَى فى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ فاذا آثَار الشيخوخة ظَهرت عَلَيْهِ فَاجْتَمَعْنَا بِهِ فى الْجَامِع وفى منزله ومنزلنا فاذا هُوَ فَاضل عَجِيب ذُو ملكة حَسَنَة وقدرة على الْبَحْث وثبات للمصادمة ولسن لطيف حسن الروية تَامّ الصّلاح وَالتَّقوى جرى بَيْننَا وَبَينه مذاكرة فى أَنْوَاع من الْعُلُوم وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن الزَّمَان وأرانى فى خلال اجتماعنا بِهِ أَيْضا كراريس ألفها على تَفْسِير الجلالين أبدع فِيهَا وَكَانَت وَفَاته فى سنة احدى بعد الالف
على الطورى الْمصْرِيّ الحنفى الْعَالم الْمُقدم فى نتائج الْفضل كَانَ عَالما فَاضلا فَقِيها مطلعا على مسَائِل الْمَذْهَب ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن الشَّيْخ زين بن نجيم وَغَيره حَتَّى برع وتفنن وَألف مؤلفات ورسائل فى الْفِقْه كَثِيرَة وَكَانَ يُفْتى وفتاويه جَيِّدَة مَقْبُولَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ فى فقه الْحَنَفِيَّة الْجَامِع الْكَبِير لَهُ الشُّهْرَة التَّامَّة فى عصره والصيت الذائع وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة أَربع بعد الالف
على دده البوسنوى الْمَعْرُوف بشيخ التربة ولد ببلدة موستار من مضافات لِوَاء هرسك من بِلَاد بوسنه وَقَرَأَ الْعُلُوم ثمَّ سلك الطَّرِيقَة عِنْد الشَّيْخ مصلح الدّين بن نور الدّين الخلوتى واجتهد عِنْده الى أَن صَار من جملَة خلفائه ثمَّ لما فتح السُّلْطَان سُلَيْمَان قلعة سكتوار من بِلَاد انكروس وَمَات بهَا عِنْد الْفَتْح ودفنوا أمعاءه عِنْد القلعة الْمَذْكُورَة وَجعلُوا عَلَيْهِ قبَّة وقفُوا عَلَيْهَا ضيَاعًا صَار بهَا شَيخا وَسكن بهَا الى آخر عمره وَبعد صيته وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا توفى بقلعة صولنق فى سنة سبع بعد الالف
على الدفترى صَاحب الْكتب الْمَوْقُوفَة بِدِمَشْق ولى دفترية الشَّام مرَّتَيْنِ الاولى فى سنة سبع بعد الالف وَالثَّانيَِة فى سنة أَربع عشرَة وَحج فى السنتين المذكورتين وَكَانَ لَهُ مُشَاركَة جَيِّدَة فى الْفُنُون وَله أَخذ بظواهر كَلَام الشَّيْخ الاكبر قدس الله سره واعتقاد تَامّ فِيهِ واحتفال بكتبه ووقف كتبه واستودعها بَيت الخطابة بِالْقربِ من الْمَقْصُورَة بالجامع الاموى وَلم تزل هُنَاكَ الى أَن ادّعى النظارة عَلَيْهَا بعض مفتى الشَّام واحتوى عَلَيْهَا وفيهَا نفائس الْكتب وَكَانَ على الْمَذْكُور محبا للْعُلَمَاء مكثرا من مجالستهم ومعاشرتهم وَكَانَت وَفَاته فى يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس رَجَب سنة ثَمَان عشرَة بعد الالف
стр. 1173
على الْمَعْرُوف بالنجار الدمشقى الصالحى الشافعى القادرى الامام الْعَامِل العابد المعتقد كَانَ فى ابْتِدَاء أمره مُقيما بالصالحية وَكَانَ وَالِده نجارا ينْفق عَلَيْهِ وَهُوَ مشتغل بِطَلَب الْعلم من كَسبه أَخذ الْفَرَائِض عَن الشَّيْخ الامام مُحَمَّد بن ابراهيم التنورى الميدانى والمحدث الْكَبِير ابراهيم بن الاحدب ثمَّ رَحل الى الْقَاهِرَة ولازم النُّور الزيادى والشهاب البلقينى وَقَرَأَ الْجَامِع الصَّغِير على الشَّيْخ مُحَمَّد حجازى الشعراوى وَأقَام بِمصْر سبع سِنِين حَتَّى أجَازه شُيُوخه ثمَّ رَجَعَ الى دمشق فَاجْتمع اليه خلق كثير من الطلاب للْقِرَاءَة وانتفعوا بِهِ وَكَانَ مُقبلا على المجاذيب وَكَانُوا هم يأوون اليه وَيعرف مَا يَقُولُونَ بالاشارة وَرُبمَا تكلم فى الحضرة عَنْهُم بِكَلِمَات تظهر فى وَقتهَا وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَهُوَ مَحل الِاعْتِقَاد لانقطاعه الى الله تَعَالَى ومثابرته على النَّفْع والافادة وَكتب حَاشِيَة على شرح الْقطر للفاكهى لم تشتهر وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَخمسين وَألف
على العزيزى البولاقى الشافعى كَانَ اماما فَقِيها مُحدثا حَافِظًا متقنا ذكيا سريع الْحِفْظ بعيد النسْيَان مواظبا على النّظر والتحصيل كثير التِّلَاوَة سريعها متودداً متواضعاً كثير الِاشْتِغَال بِالْعلمِ محباً لأَهله خُصُوصا أهل الحَدِيث حسن الْخلق والمحاضرة مشار اليه فى الْعلم شَارك النُّور الشبراملسى فى كثير من شُيُوخه وَأخذ عَنهُ واستفاد مِنْهُ وَكَانَ يلازمه فى دروسه الاصلية والفرعية وفنون الْعَرَبيَّة وَله مؤلفات كَثِيرَة نَقله فِيهَا يزِيد على تصرفه مِنْهَا شرح على الْجَامِع الصَّغِير للسيوطى فى مجلدات وحاشية على شرح التَّحْرِير للقاضى زَكَرِيَّا وحاشية على شرح الْغَايَة لِابْنِ قَاسم فى نَحْو سبعين كراسة وَأُخْرَى على شرحها للخطيب وَكَانَت وَفَاته ببولاق فِي سنة سبعين وَألف وَبهَا دفن والعزيزى بفتحة ومعجمتين مكسورتين بَينهمَا يَاء تحتية نِسْبَة للعزيزة من الشرقية بِمصْر
على الْبَصِير الحنفى الحموى مفتى طرابلس الشَّام الْفَقِيه البارع اللسن كَانَ آيَة باهرة فى الْحِفْظ والاتقان ولد بحماة وَقَرَأَ بهَا ثمَّ رَحل الى طرابلس وعمره أَرْبَعُونَ سنة وتوطنها وَولى الافتاء بهَا مُدَّة حَيَاته وَله تآليف كَثِيرَة فى الْفِقْه وَغَيره مِنْهَا شرح الْمُلْتَقى سَمَّاهُ قلائد الانحر ونظم الْغرَر فى القى بَيت ونظم العوامل الجرجانية ونظم قَوَاعِد الاعراب وَله كتاب منظوم فى الْغَاز الْفِقْه سَمَّاهُ الْحور الْعين يشْتَمل على ألف سُؤال وأجوبتها ومفتتحة
стр. 1174
(قَول على الحنفى الْمِسْكِين ... من بعد بِسم الله ذى التَّمْكِين)
(حمدا لمن فقهنا فى الدّين ... فقها باجمال مَعَ التَّبْيِين)
(ثمَّ صَلَاة بِسَلام تليت ... على النبى الْمُصْطَفى الامين)
(ثمَّ على الْآل وصحبته وَمن ... يتبعهُم بشرعه الْمُبين)
(وَبعد انى قد نظمت بعض مَا ... وجدت فى مَذْهَبنَا المنين)
(من الْمسَائِل الَّتِى تعسر عَن ... كل فَقِيه جَامع رزين)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى ذى الْحجَّة سنة تسعين وَألف وَدفن بجبانة الغرباء ظَاهر طرابلس رَحمَه الله تَعَالَى
على الْمحلى الشافعى كَانَ اماما فَقِيها مفتياً ذَاكِرًا للْمَذْهَب عَالما بدقائقه عُمْدَة الْفَتْوَى فى اقليم الغزبية بِمصْر كثيرا الْفَوَائِد حسن المحاضرة لذيذ المفاكهة جيد المناظرة مكرما لجليسه مؤنسا لَهُ وَعِنْده كياسة وحشمة وانسانية ومروءة وَكَانَ عَزِيز النَّفس لطيف الذَّوْق يَقُول الْحق وينكر الْمُنكر ويخاطب الْحُكَّام بالغلظة وامتحن بِسَبَب ذَلِك امتحانا كثيرا وَكَانَ كثير الْمُلَازمَة لبيته لَا يخرج الا لضَرُورَة محبا للغرباء محسنا اليهم مُعْتَقد الاهل الْخَيْر وَكَانَ فى الْفُنُون الْعَقْلِيَّة بحرا زاخرا وشاعت فَتَاوِيهِ فى الْآفَاق مَعَ التوقى الشَّديد فى سَائِر أَحْوَاله ولد بالمحلة وَبهَا نَشأ وَقدم مصر وَأخذ بهَا عَن النُّور الزيادى وَسَالم الشبشيرى وعَلى الحلبى وَمن عاصرهم من عُلَمَاء جَامع الازهر وَقَرَأَ على النُّور الشبراملسى ولازمه كثيرا مَعَ كَونه شَاركهُ فى كثير من شُيُوخه وَأَجَازَهُ شُيُوخ كَثِيرُونَ وَأذن لجَماعَة بمروياته وَحج مَرَّات ورحل الى الْيمن وَاجْتمعَ فِيهِ بالامام المتَوَكل على الله اسماعيل بن الْقَاسِم وحظى عِنْده وعظمت مكانته وأجزل صلته ثمَّ رَجَعَ الى بَلَده وَصَحب الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى حسنا البدوى ولازمه وَله مَعَه وقائع كَثِيرَة وتصدر للتدريس وَأخذ عَنهُ جمع من الاكابر مِنْهُم الشهَاب البشبيشى وَكَانَ يتعاطى التِّجَارَة حَتَّى أثرى وَكثر مَاله وَجمع الله تَعَالَى لَهُ بَين سَعَادَة الدَّاريْنِ وانتهت اليه رياسة الشَّافِعِيَّة بِبَلَدِهِ وَتفرد بالمشيخة وَكَانَ عَارِفًا بالامور يَد يمن بِرَأْيهِ وَله حَظّ من الصَّلَاة وَالصِّيَام قَلِيل الوقيعة فى النَّاس حَافِظًا لِلِسَانِهِ مقتصدا فى ملبسه وعيشه وَمن الرِّوَايَة عَنهُ مَا أخبر بِهِ الشهَاب البشبيشى عَنهُ بِسَنَدِهِ الى لحافظ عبد الله مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَبى الدُّنْيَا حَدثنَا مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان الاسدى حَدثنَا أَبُو الاحوص عَن بنان عَن قيس بن أَبى حَازِم عَن أَبى
стр. 1175
هُرَيْرَة رضى الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله
لَان يحتطب أحدكُم على ظَهره فبقى بِهِ وَجهه خير من أَن يسْأَل رجلا أعطَاهُ أَو مَنعه قلت ويناسبه مَا رَأَيْته فى تَارِيخ النَّجْم الكواكبى فى تَرْجَمَة الفارضى المصرى أوحى الله تَعَالَى الى مُوسَى ﵊ لِأَن تدخل يدك فى فَم التنين خير من أَن تبسطها الى غنى قد نَشأ فى الْفقر وَمِمَّا اتّفق لصَاحب التَّرْجَمَة ان قَاضِيا شريفا فَاضلا تولى قَضَاء الْمحلة فَأرْسل اليه بعد قدومه اليها يطْلب مِنْهُ المناظرة ليتبين لَهُ حَاله لما بلغه مَا هُوَ عَلَيْهِ من كَمَال الْفضل فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ المناظرة مُنْتَهى مَقْصُود الْعلمَاء ودأبهم قَدِيما وحديثا فَقَالَ لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة لَا بَأْس بذلك لَوْلَا أَنَّك شرِيف لقَوْله
قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدموها وَقد قَالَ بعض شرَّاح الحَدِيث فى مَعْنَاهُ أى لَا تغالبوها والمناظرة مغالبة وَقد نهينَا عَنْهَا مَعكُمْ فَاسْتحْسن القاضى جَوَابه وَسُرْعَة استحضاره وَتركهَا وَزَاد فى اجلاله وَكَانَت وَفَاته بالمحلة الْكُبْرَى فى سنة تسعين وَألف
الملا على الكوراتى الشافعى امام مَسْجِد النبى جرجيس ﵇ بِمَدِينَة الْموصل أحد أكَابِر الْمُحَقِّقين لَهُ مؤلفات حَسَنَة مِنْهَا حَاشِيَة على شرح الشمسية للقطب وحاشية على شرح عقائد النسفى للتفتازانى وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَتِسْعين وَألف بالموصل وَدفن بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور
عماد الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد العمادى مفتى الْحَنَفِيَّة بِالشَّام وَابْن مفتيها كَانَ فَاضلا وقورا سليم الصَّدْر نحيف الْجِسْم متواضعا صامتا صَادِق الود وثيق الْعَهْد طَاهِر الْفَم والذيل عَمَّا يشينه قَرَأَ على وَالِده وعَلى الْحسن البورينى وَالشَّيْخ تَاج الدّين القرعونى وَالشَّمْس مُحَمَّد بن محب الدّين وَأخذ عَن الشهابين العيثاوى والوفائى ولازم من الْمولى مصطفى بن عزمى ودرس أَولا بالشبلية فراغا من وَالِده لَهُ وَلما مَاتَ أَبوهُ أَرَادَ أَن يصير مفتيا مَكَانَهُ فَمَا قدرت لَهُ ووجهت الى مُحَمَّد بن قياد السكوتى الآتى ذكره ان شَاءَ الله ثمَّ بعد وَفَاة السكوتى وجهت اليه وعظمت حرمته وَأَقْبَلت عَلَيْهِ كبراء وقته وعظمته حكام الشَّام وأعيانها ونفذت كَلمته عِنْد الْخَاص وَالْعَام وخدمته الافاضل وَكَانَ مَعَ هَذَا لَا يرى لنَفسِهِ وجودا وَكَانَ لَهُ فى الصّلاح وَالتَّقوى قدم راسخة وَذكر لى والدى المرحوم انه سمع بعض المجاذيب بِمصْر يَقُول ان صَاحب التَّرْجَمَة لَهُ رُتْبَة بَين الاولياء وَهُوَ لَا يعرف نَفسه وَأقَام ثمانى عشرَة سنة
стр. 1176
مفتيا وفتاويه بأيدى النَّاس متداولة مَقْبُولَة مسددة وَكَانَ يصدر عَنهُ كرامات وأحوال كَثِيرَة وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ صَدرا من صُدُور الشَّام وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع بعد الالف وَتوفى نَهَار الْخَمِيس خَامِس عشر رَجَب سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير عِنْد اسلافه
السَّيِّد عمار بن بَرَكَات بن جَعْفَر بن بَرَكَات بن أَبى نمى الْحسنى أحد اشراف مَكَّة الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ والادب وَحسن الشّعْر ذكره السَّيِّد ابْن مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه عمار أبنية الْمجد والمكارم وَرَافِع ألوية شرف آبَائِهِ الخضارم نسب فى السِّيَادَة كعمود الصُّبْح وَحسب تنزه بجده الْحسن عَن الْقبْح طلع فى أفق الْجَلالَة بَدْرًا وسما فى سَمَاء الابالة قدرا رَأَيْته فى حَضْرَة الْوَالِد بالديار الْهِنْدِيَّة وَقد تفيأ ظلال مكارمه الندية وَكَانَ قد دَخلهَا فى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف فَرَأَيْت فِيهِ الْفضل مصورا وجنيت بِهِ روض السِّرّ ورمنورا وَلَقَد كَانَ يجمعنى واياه مجْلِس والدى حسب الاقتراح وبيننا من المصافاة مَا بَين الراح وَالْمَاء القراح وَهُوَ كهل شبت بالظرف شمايله وهبت باللطف جنائبه وشمائله وَرُبمَا جمعتنَا حلبة أدهم وكميت أَو بَيت شعر لم تتحكم عَلَيْهِ لَو وَلَا لَيْت فننتقل من متن جواد الى شرح بَيت وَله شعر يفعل بالالباب فعل السحر أثبت مِنْهُ مَا هُوَ أحلى من جنى النَّحْل وأجدى من الْقطر فى الْبَلَد الْمحل فَمِنْهُ قَوْله مُخَاطبا الْوَالِد النظام أَحْمد بن مَعْصُوم
(زرت خلا صَبِيحَة فحبانى ... بسؤال أشفى وأرغم شانى)
(قَالَ لما نظرت نور محياه ونلت المنى وكل الامانى ... )
(كَيفَ أَصبَحت كَيفَ أمسيت مِمَّا ... ينْبت الْحبّ فى قُلُوب الغوانى)
(فتحرجت أَن أفوه بِمَا قد ... كَانَ منى طبعا مدى الازمان)
(يَا أَخا الْمجد والمكارم وَالْفضل وَمن لَا أرى لَهُ الْيَوْم ثانى ... )
(أدْرك أدْرك متيما فى هواكم ... قبل تسطو بِهِ يَد الْحدثَان)
(وابق واسلم ممتعا فى سرُور ... مَا تغنت ورق على غُصْن بَان)
فَرَاجعه بقوله
(لَيْت شعرى مَتى يكون التدانى ... لبلاد بهَا الحسان الغوانى)
(وَبهَا الْكَرم مثمر والاقاحى ... ضحِكت عَن ثغور زهر لحانى)
(والبساتين فائحات بعطر ... يخجل العنبر الذكى اليمانى)
стр. 1177
(وطيور بهَا تجاوبن صبحا ... وعشيا كنغمة العيدان)
(وبألحانها تذيب ذوى اللب وتحيى مَيتا من الهجران)
(وتمشى بهَا الظباء الحوالى ... مائسات كناعم الأغصان)
(كل خود تسطو بلحظ حسام ... وتثن كماقنا المران)
(وَجههَا الصُّبْح لَكِن الْفَرْع مِنْهَا ... ليل صب من لوعة الْحبّ فان)
(غادة كَالنُّجُومِ عقد حلاها ... مَا اللآلى وَمَا حلى العقيان)
(ان ياقوت خدها أرخص الْيَاقُوت سعرا وَعَابَ بالمرجان ... )
(كل يَوْم يقْضى بِقرب لَدَيْهَا ... فَهُوَ يَوْم النوروز والمهرجان)
مِنْهَا
(تِلْكَ من فاقت الظباء افتتانا ... فَلِذَا وصفهَا أَتَى بافتنان)
(مالمضنى أُصِيب من أسْهم اللحظ نجاة من طَارق الْحدثَان ... )
(أذكرتنى أَيَّام تِلْكَ وعزت ... أعينى بالبكاء والهملان)
(نفثات كالسحر يصدعن فى قلب معنى من الْمَلَامَة عان)
وَمِنْهَا
(كَلِمَات لَكِنَّهَا كالدرارى ... وسطور حوت بديع الْمعَانى)
(اذ أَتَت من أَخ شَقِيق المعالى ... فائق الاصل غرَّة فى الزَّمَان)
(ضافي الود صافى الْقلب قرم ... كعبة قد علا على كيوان)
(ذَاكِرًا لى فِيهَا تزايد شوق ... وولوعا بِهِ مدى الازمان)
(ففهمت الذى نحاه وَلَكِن ... لَيْت شعرى يدرى بِمَا قد دهانى)
(أَنا قيس فى الْحبّ بل هُوَ دونى ... لَا جميل حالى وَلَا كَابْن هانى)
(يَا أَخا الْعَزْم قد سلمت ووجدى ... طافح زَائِد بِغَيْر توان)
(فلحتفى أَبْصرت من قد رمانى ... وعناء تصيد الغزلان)
(ان تشا شرح حَال صب كئيب ... فَلَقَد قَالَه بديع الْمعَانى)
(مرضى من مَرِيضَة الاجفان ... )
الى آخر الْبَيْت للشَّيْخ محيى الدّين بن عربى وَللسَّيِّد عمار مذيلا بَيت أَبى زَمعَة جد أُميَّة بن أَبى الصَّلْت ومادحا ابْن مَعْصُوم الْمَذْكُور
(اشرب هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا ... فى رَأس غمدان دَار مِنْك محلالا)
(تسْعَى اليك بهَا هيفاء غانية ... مياسة الْقد كحلا الطّرف مكسالا)
(اذا تثنت كغصن البان من ترف ... وان تجلت كبدر زَان تمثالا)
стр. 1178
(كَأَنَّهَا وأدام الله بهجتها ... ظبى رنا فسبى تيها وادلالا)
(وَكَيف لَا وهى أمست فِيهِ ساحبة ... بِخِدْمَة السَّيِّد المفضال اذيالا)
(ذَاك الذى جلّ عَن تنويه تَسْمِيَة ... شمس علت هَل ترى للبدر أَمْثَالًا)
(الباسم الثغر والابطال عابسة ... والباذل المَال لم يتبعهُ أَنْكَالًا)
(عَار من الْعَار كاس من محامده ... لَا يعرف الْخلف فى الاقوال ان قَالَا)
(ان قَالَ أفحم ندب الْقَوْم مقوله ... أَو صال أخجل لَيْث الغاب ان صالا)
(علابه النّسَب الوضاح منزلَة ... عَن أَن يماثل اعظاما واجلالا)
(خُذْهَا ربيبة فكر طالما حجبت ... لَوْلَا علاك وود قطّ مَا حَالا)
(واسمح بِفَضْلِك عَن تَقْصِير منشئها ... وَحسن بشرك لم يبرح لَهَا فالا)
(ثمَّ الصَّلَاة على أزكى الورى نسبا ... وَآله الغر تَفْصِيلًا واجمالا)
قَالَ السَّيِّد على لقد رَأَيْت هَذَا المادح ساحبا أذيال الْعِزّ والجلال بِحَضْرَة ممدوحه هَذَا السَّيِّد المفضال وَقد أنزلهُ بِأَعَز مَكَان وأحله عِنْده مَحل ابْن ذى يزن من رَأس غمدان حَتَّى وعده بوعد شام من وميض بارقه السعد فَلم يلبث أَن استوفى ملْء مكاليه وهتفت بِهِ دواعى آجاله فوافت الْمِسْكِين منيته قبل تقضى أمْنِيته وَهَكَذَا حلق الدَّهْر العرام وَكم حسرات فى نفوس الْكِرَام وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف
عمر بن ابراهيم بن مُحَمَّد المنعوت بسراج الدّين الشهير بِابْن تجيم الحنفى المصرى الْفَقِيه الْمُحَقق الرشيق الْعبارَة الْكَامِل الِاطِّلَاع كَانَ متجرا فى الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة غواصا على الْمسَائِل الغريبة محققا الى الْغَايَة سيال اليراع نديه فى التَّحْرِير جَامعا لادوات التفرد فى حسن أسلوبه جم الْفَائِدَة وجيها عِنْد الْحُكَّام فى زَمَنه مُعظما عِنْد الْخَاص وَالْعَام أَخذ عَن أَخِيه الشَّيْخ زين صَاحب الْبَحْر وَألف كِتَابه الذى سَمَّاهُ بالنهر الْفَائِق شرح الْكَنْز ضاهى بِهِ كتاب أَخِيه الْبَحْر الرَّائِق لكنه أربى عَلَيْهِ فى حسن السبك للعبارات والتنقيح التَّام قَالَ فى أَوله بعد الْبَسْمَلَة أحمدك يَا من أظهر مَا شَاءَ لمن شَاءَ من كنوز هدايته وأطلع من أحب من دقائق الْحَقَائِق بفيض فَضله وعنايته وأصلى وَأسلم على نِهَايَة خُلَاصَة الاصفياء وذخيرة نخبة الْعلمَاء من الانبياء مُحَمَّد الْمُخْتَار من خِيَار الاخيار وعَلى آله وَصَحبه كرام الابرار مَا تكَرر اللَّيْل وَالنَّهَار وتراسلت قطرات الامطار فى الاقطار وتواصلت أبكار نفائس
стр. 1179
الافكار وَله فِيهِ مناقشات على شرح أَخِيه مِنْهَا قَوْله فى بَاب التَّيَمُّم بعد نقل كَلَام أَخِيه وَأَقُول هَذَا سَاقِط جدا وَله غَيره من الرسائل والتآليف وَكَانَت وَفَاته يَوْم الثُّلَاثَاء سادس شهر ربيع الاول سنة خمس بعد الالف بدرب الاتراك وَدفن عِنْد أَخِيه الشَّيْخ زين بجوار السيدة سكينَة تجاه مقلاة الحمص قيل مَاتَ مسموما من بعض النِّسَاء وَيدل على ذَلِك كَثْرَة تزَوجه وَعدم مَرضه
السَّيِّد عمر بن ابراهيم بن مُحَمَّد شجر القديمى الحسينى كَانَ سيدا كَبِير الْحَال عَظِيم الْمقَال لَهُ كرامات شهيرة وَكَانَ من الزّهْد فى الدُّنْيَا وَعدم النّظر اليها بِمَنْزِلَة علية وَكَانَ ينْفق جَمِيع مَا يَأْتِيهِ من الفتوحات وَالنُّذُور على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَله بجدة زَاوِيَة يجْتَمع فِيهَا النَّاس لذكر الله تَعَالَى وطاعته وكل من حضر مَعَهم يحصل لَهُ فتح اما دينى واما دنيوى وَكَانَ يجلس فى غَالب أوقاته بجدة على سَرِير لَهُ مَنْصُوب بِقرب بَاب صريف من الْجِهَة الشامية مِنْهَا وكل من لَهُ حَاجَة أَتَى اليه وتوسل بِهِ فى قَضَائهَا فتقضى باذن الله تَعَالَى وسريره الى الْآن مَنْصُوب بجدة فى مَكَانَهُ يتبرك النَّاس بمسه وَلَا يقدر أحد أَن يجلس عَلَيْهِ وَمن جلس عَلَيْهِ ضرب من يَوْمه وَقد جرب ذَلِك وَالنَّاس يتحاشون عَن الْجُلُوس عَلَيْهِ خوفًا من ذَلِك وَحكى السَّيِّد مُحَمَّد بن الطَّاهِر ابْن بَحر فى تَارِيخه الذى سَمَّاهُ تحفة الدهران صَاحب التَّرْجَمَة كَانَ على جَانب عَظِيم من الْخيرَات يحب الْفُقَرَاء ويؤوى الْمَسَاكِين وَيكرم الوافدين وَيطْعم الهريسة فى أَيَّام منى لَا كثر أهل الْمَوْسِم على طَريقَة عَمه السَّيِّد الولى الْمَشْهُور أَبى الْغَيْث بن مُحَمَّد الشّجر الْمُقدم ذكره قَالَ وَحكى لى والدى أَن صَاحب التَّرْجَمَة ربى يَتِيما وَله وَالِدَة وَهُوَ بهَا بر كَانَت تضربه وتأمره بالامور فيأتمر حَتَّى كبر وَبلغ الْحِنْث وَكَانَ يحاول شَيْئا من أُمُور الدُّنْيَا فَلَا ينَال مِنْهَا وَكَانَ يضْحك الْقَوْم مِنْهُ لفقره وتغفله فحج وزار والنبى
فحصلت لَهُ عناية ربانية بِوَاسِطَة جده
فرزق الْقبُول التَّام حَتَّى استوطن مَكَّة وَأَقْبل عَلَيْهِ أَهلهَا وأمراء الاروام فَمَا دونهم وَكَانَ يزور الْيمن فَيقبل عَلَيْهِ النَّاس اقبالا تَاما وَمَا تفوه بِهِ أَئِمَّة الله تَعَالَى وَجَمِيع مَا يدْخل عَلَيْهِ يُنْفِقهُ فى سَبِيل الْخَيْر وَمَا زَالَ على هَذِه الْحَال حَتَّى توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وغفرانه وَكَانَت وَفَاته فى سنة عشر بعد الالف بجدة وَبهَا دفن وَلَا عقب لَهُ
عمر بن ابراهيم بن على بن أَحْمد بن على السعدى الحموى الاصل الدمشقى المولد
стр. 1180
الْمَعْرُوف بِابْن كاسوحة الْمُقدم ذكر أَبِيه فى حرف الْهمزَة كَانَ وَالِده شَدِيدا الاعتناء بِهِ حَتَّى أشغله واجتهد على تَعْلِيمه وَدخل بِهِ الْقَاهِرَة غير مرّة وأحضره عِنْد الجلة من الْمَشَايِخ مِنْهُم الشَّمْس الرملى والنور بن غَانِم المقدسى وابراهيم العلقمى والشهاب الخانوتى والنور الزيادى والشهاب بن قَاسم والشهاب أَحْمد بن أَحْمد بن عبد الْحق وَالشَّيْخ صدر الدّين الحنفى والزين عبد الرَّحْمَن الْخَطِيب الشَّرّ بينى وَسمع مِنْهُم وأجاوزوه وَأخذ بِدِمَشْق عَن الشَّمْس الداودى ولازمه مُدَّة وَحضر مَعَ أَبِيه دروس الشهَاب العيثاوى ولازم الْبُرْهَان بن كسباى فى القراآت حَتَّى صَار أمثل جماعته ثمَّ تصدر للاقراء وَكَانَ حسن التِّلَاوَة متقنا مجودا خَالِيا من التَّكَلُّف والتعسف مَعَ انه لم يكن حسن الصَّوْت وَكَانَ قَلِيل الْحَظ من الدُّنْيَا ومعيشته أَكثر مَا كَانَت من كسب أَبِيه قَالَ النَّجْم الغزى قَرَأت بِخَطِّهِ ان مولده فى أَوَاخِر رَجَب سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى يَوْم الاحد عشرى جُمَادَى الاولى سنة سبع عشرَة وَألف بعلة الاسْتِسْقَاء وَدفن عِنْد أَبِيه بمقبرة بَاب الصَّغِير
السَّيِّد عمر بن أَحْمد بن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد منفز بن عبد الله بن مُحَمَّد ابْن الشَّيْخ عبد الله باعلوى يعرف كسلفه بآل منفز أحد فحول الرِّجَال قَالَ الشلى فى تَرْجَمته كَانَ من الْمشَار اليهم بالزهد وَالصَّلَاح وَالْعِبَادَة وَحسن الطَّرِيقَة صحب الاكابر من الاولياء وَالْعُلَمَاء وَتخرج بهم فى سلوك الطَّرِيقَة ولقى أستاذ حَضرمَوْت الامام أَحْمد بن علوى باحجذب ولازم الامام الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن عقيل صَاحب مد يحجّ وَكَانَ متمسكا بآداب الشَّرِيعَة مُحْتَرما عِنْد الْمُلُوك والاشراف وَكَانَ فى أقْصَى الْمُرُوءَة وَغَايَة التَّوَاضُع منقاد للخير جوادا سخيا يعظم أهل الدّين وَيكرم الْفُقَرَاء كثير الصَّدَقَة والاحسان اليهم عَظِيم الْبر مَعَ اقباله على طَريقَة أسلافه من الْعِبَادَة والتهجد وَقيام اللَّيْل كَانَ يقوم ربع اللَّيْل الاخير وَيخرج من مَسْجِد آل باعلوى وَيُقِيم كل من كَانَ نَائِما فِيهِ ذَلِك الْوَقْت وَرُبمَا ضرب من تكاسل عَن الْقيام وَكَانَ مستهينا بالدنيا وعروضها مجانبا كثير الدُّنْيَا محتقر الارباب الدولة وَمن يتَرَدَّد اليهم يُطلق لِسَانه على أهل الظُّلم والفسوق وَألقى الله هيبته ومحبته فِي الْقُلُوب وتزايد اعْتِقَاد النَّاس فِيهِ وَلما تولى السَّيِّد عبد الله بروم نظر أوقاف آل عبد الله باعلوى طلع صَاحب التَّرْجَمَة الى السُّلْطَان وَأَغْلظ عَلَيْهِ القَوْل وَكَانَ نظر اوقاف مَسْجِد آل باعلوى اليه وأوقف عَلَيْهِ أَمْوَالًا كَثِيرَة وَكَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَله كرامات
стр. 1181
وافضالات وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الاربعاء لتسْع خلون من شَوَّال سنة عشْرين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل وقبره مَعْرُوف
السَّيِّد عمر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف يعرف كأبيه بالمساوى وَيعرف جده مُحَمَّد ببا مقلف ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته أحد الاعيان مُدبر الامور وَصَاحب الرأى الصائب ولد بتريم وَنَشَأ بهَا وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين واشتهر بالعفة وجودة الرأى ووفور الهيبة وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فى جودة الذكاء وانتفع بِهِ النَّاس فى الاصلاح بَينهم فى أُمُور لَا يتقنها غَيره مَعَ الصَّبْر على الامور الدِّينِيَّة كالاقامة بتجهيز الْمَيِّت ونزوله قبر واذا مر خطب دبره أحسن تَدْبِير وَكفى النَّاس أمره وَكَانَ حيسوبا سريع الْجَواب حسن الابتدار عَجِيب الحافظة جيد المحاضرة وَكَانَ صَدرا رَئِيسا مُعظما عِنْد الْخَاص وَالْعَام تقدمه جَمِيع الطوائف وَكَانَ أديبا فَاضلا ذكيا مداوماً على الْعِبَادَة وَالْجَمَاعَة والتهجد وزيارة الصَّالِحين وَغير ذَلِك من الصِّفَات الجميلة غير انه خدشها بتردد على السُّلْطَان فَلم يكن يعاب باشد من ركونه اليهم ثمَّ اخْتلفت الاحوال مَا بَين انخفاض وارتفاع ووشى بِهِ الى السُّلْطَان فاعتقله بالحصن فَأسلم الى من عاقبه وَعمل لَهُ قَمِيصًا من لِيف النّخل واحرق ذَلِك الليف ثمَّ صودر وَأخذ مِنْهُ جَمِيع مَا مَعَه من النَّقْدَيْنِ وَمَاله بايدى النَّاس وَمَا مَعَه من الامتعة والاوانى وَيُقَال ان مَجْمُوع مَا أَخذ مِنْهُ نَحْو عشرَة آلَاف وَكَانَ مَحْفُوظًا فِيمَا امتحن بِهِ مستسلما فِيمَا ابتلى بِهِ ثمَّ جد واجتهد فى الْعِبَادَة وَتوجه بِظَاهِرِهِ وباطنه الى الله تَعَالَى حَتَّى بلغ رُتْبَة الْكَمَال وعد من الفحول وَوصل الى الْمَرَاتِب الْعلية وَظَهَرت مِنْهُ كرامات وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَعظم أَسف النَّاس عَلَيْهِ وأثنوا عَلَيْهِ كثيرا وَكَانَت جنَازَته حافلة جدا وَلم يخلف بعده مثله فى خصاله
السُّلْطَان عمر بن بدر بن عبد الله بن جَعْفَر الكثيرى سُلْطَان حَضرمَوْت بالشحر ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته كَانَ حسن الشمايل وافر الْعقل كثير الْعدْل وَكَانَت سيرته مرضية وَله الْتِفَات تَامّ الى الرعايا حسن السياسة صَادِق الفراسة صَاحب أَخْلَاق حميدة قل ان ورد عَلَيْهِ أحد من الغرباء الا وَصدر يثنى عَلَيْهِ الثَّنَاء الْجَمِيل وَكَانَ شجاعا مقداماً ولعَبْد الصَّمد باكثير فِيهِ عدَّة مدائح وَكَانَت وَفَاته سنة احدى وَعشْرين وَألف وأرخ وَفَاته عبد الصَّمد الْمَذْكُور بقوله رضاك وَتَوَلَّى بعده
стр. 1182
ابْنه السُّلْطَان عبد الله وَكَانَ حسن الْخلق والخلق مهاب المنظر آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر ولى الْملك فاحسن الْقيام بِهِ وَأظْهر السطوة وقهر الْبَادِيَة وَغَيرهم فهابته النُّفُوس وَأمنت الْبِلَاد ثمَّ حصلت لَهُ جذبة ربانية فَلم يرض الا بالدرجة الْعليا وَخرج عَن أَهله وَمَاله وَقصد الْحرم الشريف واعرض عَن الْملك وَأقَام بِمَكَّة الى ان توفى فى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بالشبيكة
عمر بن حُسَيْن بن على بن مُحَمَّد فَقِيه بن عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ على امام الزَّمَان أحد الاساتذة الَّذين جعلهم الله تَعَالَى خلفاء على عباده وأمناء عَلَيْهِم من حَيْثُ التربية والتهيئة لفيوضات امداده قَالَ الشلى ولد بتريم وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم القاضى أَحْمد ابْن حُسَيْن بلفقيه والقاضى أَحْمد بن عمر عيديد والفقيه فضل بن عبد الرَّحْمَن بَافضل وَأخذ التَّفْسِير والْحَدِيث عَن الْعَلامَة أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب والتصوف والحقائق عَن تَاج العارفين الشَّيْخ زين العابدين وَالشَّيْخ علوى بن عبد الله العيدروس ثمَّ رَحل الى وادى دوعن وَأخذ عَن جمع مِنْهُم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الامام عبد الْقَادِر باعشن ورحل الى الْيمن وَدخل بندر عدن وَأخذ عَن كثيرين ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ أَحْمد بن ابراهيم بن عَلان وَالسَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد بن الهادى وَأَجَازَهُ أَكثر مشايخه وَألبسهُ الْخِرْقَة جمع وأذنوا لَهُ فى الالباس وَلما رَجَعَ الى مَدِينَة تريم قَصده الْعلمَاء ولازموه وَتخرج بِهِ جمَاعَة وَوصل على يَده غير وَاحِد من الافاضل مِنْهُم السَّيِّد الْجَلِيل على بن عمر وَالسَّيِّد عمر بن عبد الله فَقِيه وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد شاطرى قَالَ الشلى وصحبته مديدة وأفادنى فَوَائِد وَكَانَ لَهُ اعتناء تَامّ بكتب الشَّيْخ الشعرانى وَله رسائل الى أَصْحَابه تشْتَمل على عِبَارَات رشيقة وَكَانَ بَينه وَبَين شَيخنَا الشَّيْخ عبد الله بن أَحْمد العيدروس صُحْبَة أكيدة وَكَانَا فرسى رهان وَكَانَ كثيرا الصَّلَاة محافظا على سننها تقيا نقيا كريم الاخلاق يحب أهل الْعلم وَالدّين وَيكرهُ المتمشدقين وَكَانَ مرجعا فى الامور باذلا نصيحته لكل اُحْدُ وَكَانَت وَفَاته بتريم فى سنة خمس وَخمسين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل ﵀
السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى الحسينى الشافعى نزيل مَكَّة المشرفة الامام الْمُحَقق أستاذ الاستاذين كَانَ فَقِيها عَارِفًا مربياً كَبِير الْقدر عالى الصيت حسن السِّيرَة كَامِل الْوَقار ذكره الشلى وَأطَال فى وَصفه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أدْرك
стр. 1183
الامام الشَّمْس مُحَمَّد الرملى والشهاب أَحْمد بن قَاسم الْعِبَادَة وَأخذ عَنْهُمَا عدَّة عُلُوم وَقَرَأَ على الشَّيْخ بدر الدّين البرنبالى وَالشَّيْخ الشهَاب الهيثمى والمنلا عبد الله السندى وَالشَّيْخ على العصامى والقاضى على بن جَار الله وَالشَّيْخ عبد الرَّحِيم الحسائى وَالسَّيِّد الْجَلِيل مير بادشاه والمنلا نضر الله وَغَيرهم وفَاق فى الْفُنُون وأنجب تلامذة أفاضل وَألْحق الاواخر بالاوائل وَأخذ عَنهُ خلق كثير من أَجلهم الشَّيْخ عبد الله بن سعيد باقشير وَالشَّيْخ على بن الْجمال وزين العابدين وَأَخُوهُ على ابْنا الامام عبد الْقَادِر الطبرى وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطائفى وَالشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو الْجُود المزين وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ وتر بى بِهِ وَلَده مُحَمَّد وَالسَّيِّد الْجَلِيل عبد الرَّحْمَن كريشه السقاف وَالسَّيِّد الْفَقِيه مفتى الْحَنَفِيَّة السَّيِّد صَادِق بادشاه وَله كتابات حَسَنَة على هَامِش التُّحْفَة وعَلى شرح الالفية للسيوطى وَله فَتَاوَى مفيدة وَصَحب أكَابِر العارفين وَأخذ عَنْهُم عُلُوم التصوف والحقائق قَالَ وَرَأَيْت بِخَط شَيخنَا الشَّيْخ على بن الْجمال مانصه وَمن كراماته وهى أشهر من ان تذكر انه مَا كَانَ يسْبق لِسَانه الى كَلَام يقرره فى الدَّرْس الا وَهُوَ حق يتَعَيَّن الْمصير اليه وَمِنْهَا مَا وَقع للْفَقِير دَائِما انه اذا قرر كلَاما لم يفهمهُ فى مَجْلِسه فَلَا يبرز من دَاره الا وَقد فتح الله بِهِ وَمِنْهَا أَنه كثيرا مَا تشكل الْمسَائِل على كَاتبه الْفَقِير فبمجرد أَن يجلس بَين يَدَيْهِ يحصل الْفَتْح وَمِنْهَا أَن مَجْلِسه الشريف مَحْفُوظ من الْغَيْبَة وَمِنْهَا مَا أخبر بِهِ الثِّقَة تِلْمِيذه وَشَيخنَا الشَّيْخ أَحْمد الحكمى بعد وَفَاته بأسبوع انه رَآهُ فى الْمَنَام فَسَأَلَهُ يَا سيدى انكم انتقلتم فَقَالَ نعم واقرأ يَا فلَان مَا تيَسّر فَقَرَأَ من قَوْله تَعَالَى الَّذين ﴿آتَيْنَاهُم الْكتاب من قبله هم بِهِ يُؤمنُونَ﴾ فَلَمَّا وصل الى قَوْله ﴿أُولَئِكَ يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ﴾ فَقَالَ لَهُ قف أَنا مِنْهُم ثمَّ قَالَ لَهُ يَا فلَان ان الله تَعَالَى تجلى على بعض قُلُوب أوليائه بِلَا وَاسِطَة وعَلى بَعْضهَا بِوَاسِطَة وارجو ان تكون مِنْهُم فَقَالَ لَهُ سيدى الشَّيْخ أَحْمد الحكمى يَا سيدى فَكيف الْعِيَال والاولاد فَقَالَ اما أَنا فقد استرحت وهم لَهُم الله تَعَالَى فانتبه وَأما عمله فناهيك بِهِ انه قد وصل لرتة الِاجْتِهَاد وانخرط فى سلك أَهله الامجاد وَلكنه مَعَ ذَلِك كَانَ متعبدا بِمذهب الامام الشافعى فى الْفَتْوَى والتدريس وَنشر الْعلم الى ان نَقله الله تَعَالَى لدار كرامته وَذكره ابْن مَعْصُوم فى السلافة فَقَالَ فِيهِ نَاصِر الشَّرِيعَة والطريقة وهاصر أفنان رياضها الوريقه المخبت الاواه الناطقة بفضله الالسن والافواه السالك مسالك الْقَوْم ذُو الشيمة الغالية والسوم جمع بَين
стр. 1184
الْعلم وَالْعَمَل وَبلغ من الْفضل مُنْتَهى الامل فرفل فى حلل الزّهْد والتقى ورقى من الشّرف أرفع مرتقى الى بلاغة وبراعه أرعف بهما مخاطم اليراعه وفصاحة ولسن أرهف بهما مخاذم الْكَلَام وَسن وَأنْشد لَهُ غَيره من شعره قَوْله فى التَّرْغِيب بفتوحات ابْن عربى
(يَا رائما قرع أَبْوَاب الْمُهِمَّات ... وشائما فى امتطاء الْحور زهرات)
(ان كنت ترغب فى نحج الكرامات ... فَالْزَمْ فديتك أَبْوَاب الفتوحات)
وَله رِسَالَة فى معنى قَول ابْن الفارض فى تائيته
(وَمَا الودق الا من تحلب أدمعى ... وَمَا الْبَرْق الا من تلهب زفرتى)
تدل على تمكنه فى التصوف وَكَانَت وَفَاته مَعَ أَذَان ظهر يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن عشر وَقيل الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر ربيع الثانى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بالمعلاة وَحكى الْعَلامَة عبد الله بن مُحَمَّد العباسى المكى انه حضر وَفَاته قَالَ وَكَانَ آخر كَلَام تكلم بِهِ قَول السودى
(وَقضى يَعْقُوب حَاجته ... وانْتهى زيد الى الوطر)
ثمَّ خرجت روحه
عمر بن عبد الصَّمد بن مُحَمَّد الغلمى وَتقدم تَمام النّسَب المقدسى الشَّيْخ الْبركَة الصَّالح المرشد كَانَ من خِيَار خلق الله تَعَالَى حسن الاخلاق صافى السريرة بشوشا سخيا وافرا الْحُرْمَة مَقْبُول الْكَلِمَة مجللا عِنْد خَاصَّة النَّاس وعامتهم وَكَانَ لَهُ صلابة فى دينه مُنْقَطِعًا الى الله تَعَالَى منزويا عَن النَّاس الا فى شَفَاعَة مَقْبُولَة أَو أَمر مَنْدُوب اليه وَكَانَ فَاضلا عَارِفًا بِكَلَام الصُّوفِيَّة جَارِيا على مناهجهم السوية أدْرك جده الاستاذ الْكَبِير وتلقن مِنْهُ وَصَارَ شَيخا مَكَانَهُ وعظمته النَّاس وتبركت بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ فى عصرنا من بَرَكَات الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف
عمر بن عبد الْقَادِر المشرقى الغزى الْعَلامَة المفنن اشْتغل بِطَلَب الْعلم وجد زَمَانا بغزة وَأخذ عَن جمَاعَة من أَجلهم الشَّيْخ صَالح بن الشَّيْخ مُحَمَّد صَاحب التَّنْوِير أَخذ عَنهُ النَّحْو والمعانى وَالْبَيَان وَغَيرهَا غير الْفِقْه فانه كَانَ شافعى الْمَذْهَب أَخذ فقه الشافعى عَن الشَّيْخ حُسَيْن النخالى وَغَيره وَفضل وَصَارَ من أجلاء عُلَمَاء غَزَّة وَلما توفى الشَّيْخ صَالح ابْن صَاحب التَّنْوِير الْمُفْتى الحنفى بغزة بعد وَالِده صَار مفتيا بعده الشَّيْخ عمر بن عَلَاء الدّين الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى فَلَمَّا توفى الشَّيْخ عمر الْمَذْكُور فى سنة ثَمَان وَخمسين وَألف لم يُوجد بغزة من لَهُ شهرة بِفقه الْحَنَفِيَّة ليَكُون مفتيا فاتفق رأى
стр. 1185
حاكمها حُسَيْن باشا وأكابر الْبَلَد أَن يكون الشَّيْخ عمر المترجم مفتيا وانه ينْتَقل الى مَذْهَب الحنفى وألزموه بذلك لحاجتهم الى مفت حنفى فجَاء من غَزَّة الى الرملة هُوَ والرئيس مُحَمَّد بن الغصين وَمكث بهَا مُدَّة وَقَرَأَ على شيخ الحنفيه الشَّيْخ خير الدّين الرملى دروسا فى الْفِقْه من الْكَنْز وَغَيره وَأَجَازَهُ بالافتاء والتدريس وَمكث مفتيا حنفيا الى ان توفى وحمدت كِتَابَته على الْفَتَاوَى وَلم يعرف لَهُ هفوة لعلمه وتثبته فِيمَا يكْتب وَكَانَ من أهل الثروة مبجلا مُعظما وَله فصاحة كَامِلَة وَحسن انشاء حَتَّى انه كَانَ حَاكم غَزَّة اذا كَاتب أحد تكون مُكَاتبَته بِخَط المشرقى الْمَذْكُور وَبَينه وَبَين الْخَيْر الرملى وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن حَمْزَة نقيب الشَّام مكاتبات عديدة وَمن مخاطبات الْخَيْر لَهُ فصيح الدَّهْر وبليغ الْعَصْر الذى يتقهقر عِنْد مَنْطِقه كل منطيق واذا سئم بليغ من مجاراته أجَاب بِلَا أُطِيق لَا أُطِيق عمر الزَّمَان وزهر الاوان
(من طلعت على الورى ذكاؤه ... فَقيل هَا أنوار شمس المشرقى)
(قلت وفى رَاحَة كفى رقمه ... سُبْحَانَ من يهدى لهَذَا الْمنطق)
وهى قصيدة ثَلَاثَة عشر بَيْتا وَكتب اليه فى صدر كتاب
(الى ذى المعالى والمعارف من بِهِ ... تتيه على الامصار غَزَّة هَاشم)
(وأعنى بِذَاكَ المشرقى الى سما ... على من سواهُ بالسخا والمكارم)
وَكتب الى الْخَيْر يسْأَله عَن مسئلة الامى اذا تعلم مَا تصح بِهِ صلَاته فَكتب اليه
(سحر ترى مَا أرى أم نسمَة سحرًا ... أم كَوْكَب غلبت أنواره القمرا)
(أم رَوْضَة أينعت أَغْصَانهَا فغدت ... تُعْطى المنى كل من قدسا مها نظرا)
(بهَا الَّذِي تشتهيه النَّفس من نعم ... يمِيل ميلًا لمن يجنى بهَا ثمرا)
(أم اللآلى ترى نورا اذا لمحت ... كَذَا ترى اذ صفت ألوانها الدررا)
(أم تِلْكَ يَا عمر شمس المشرقى بَدَت ... فجددت عهد فاروق القضا عمرا)
(نعم بِلَا شُبْهَة هَذَا الاخير هُوَ الذى وعيشك للانظار قد ظهرا ... )
(تالله يَا عمر الْعَصْر الجدير بِأَن ... نثنى عَلَيْك لقد فقت الذى غبرا)
(أَعْطَيْت خطا وحظا جَامعا بهما ... علما وحلما يردان الذى افتخرا)
(فصرت مرجع أهل الْفضل لَا بَرحت ... علومهم فى ازدياد تقتفى الاثرا)
(هَذَا وَقد جاءنى رق الْبَلَاغ فَمَا ... أبقى محلا لما جَاءَت بِهِ الشعرا)
(ففى الفصاحة شان لَا نَظِير لَهُ ... وفى البلاغة مَا ان مثله نظرا)
стр. 1186
(وَكم بِهِ معَان لَيْسَ يُدْرِكهَا ... الا ذوونا الالى شدوا لَهَا الازرا)
(وَلم أقلهَا لشئ أجتنيه وَمَا ... من عادتى فى مديحى اجتنى الكبرا)
(لَكِن علينا عهود الله قد أخذت ... لَا نغمط الْحق لَا سِيمَا اذا ذكرا)
(واننى والذى ينشى السَّحَاب كَمَا ... يَشَاء حبى لاهل الْعلم قد كبرا)
(فانهم هم مصابيح الْهدى فَمَتَى ... خلوا من النَّاس كَانُوا فى الظلام سرا)
(فَلَا خلا مِنْهُم عصر لانهم ... مثل النُّجُوم اذا غَابُوا بِهِ اعتكرا)
(أَقُول قولى هَذَا ثمَّ أعقبه ... جَوَاب مسئلة الامى مُخْتَصرا)
(اذا تعلم قُرْآنًا تصح بِهِ ... صلَاته خلف شخص قد درى وقرا)
(فِيهِ الْخلاف حكوا والاكثرون رَأَوْا ... فَسَادهَا اعْتِمَاد لَيْسَ فِيهِ مرا)
(لانه قَارِئ حكما بأوله ... حَقِيقَة بعده فاستوجب الغيرا)
(وَقد بنى كَامِلا وَالْحَال مَا ذكرا ... فِيهِ على نَاقص قد صَار مقتدرا)
(وَالْفرق فى الْقَارئ الاصلى أَن لَهُ ... مَحْض الْكَمَال على الْحَالين مؤتثرا)
(لَكِن أَبُو اللَّيْث مَوْلَانَا الْفَقِيه حكى ... فى عكس هَذَا اتِّفَاقًا بعد مسطرا)
(لانه قَارِئ فى الْحَالَتَيْنِ وَلَا ... فرق اذا مَا أعَاد النَّاظر النظرا)
(كَذَاك صَححهُ بعض وأيده ... لَكِن قواعدنا تقضى لمن كثرا)
(لَا سِيمَا ومتون الْفِقْه قاطبة ... قد أطلقت قَوْلهَا فى الاثنتى عشرا)
(وَتلك مَوْضُوعَة فِيمَا بدا أبدا ... تقضى وتفتى فَلَا تعدى اذا صَدرا)
وَكتب اليه أَيْضا
(الى عمر الْعُلُوم سَلام خل ... يَدُوم بَقَاؤُهُ أمد الدهور)
(فليت الِاجْتِمَاع أَقَامَ دهرا ... ليبقى الْقلب فى أَعلَى السرُور)
وَكَانَت وَفَاته بغزة نَهَار الاربعاء عَاشر شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف وَبَنُو المشرقى بَيت علم ومجد شهير بغزة من أهل بَيتهمْ الْعَلامَة الشَّيْخ مُحَمَّد المشرقى أَخذ عَنهُ الشَّيْخ مُحَمَّد صَاحب التَّنْوِير وترجمه النَّجْم الغزى فى الْكَوَاكِب السائرة وَذكر انه أَخذ عَن القاضى زَكَرِيَّا وانه توفى سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة
عمر بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن أَبى بكر باشيبان بن مُحَمَّد أَسد الله بن حسن بن على بن الاستاذ الْفَقِيه الشهير كسلفه بباشيبان الامام الْمَشْهُور الحضرمى الاصل الهندى المولد أَخذ عَن جمَاعَة بِبِلَاد الْهِنْد ثمَّ رَحل الى
стр. 1187
تريم وَأخذ بهَا عَن الشَّيْخَيْنِ الجليلين الشَّيْخ عبد الله بن شيخ وَولده زين العابدين وتفقه على القاضى عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَأخذ عُلُوم الدّين عَن الشَّيْخ أَبى بكر ابْن شهَاب وأخويه مُحَمَّد الْهَادِي وَأحمد شهَاب الدّين ثمَّ رَحل الى الْحَرَمَيْنِ وجاور بهما عدَّة سِنِين وَأخذ عَن جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ أَحْمد بن ابراهيم عَلان وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْخَطِيب وَغَيرهم وَلبس الْخِرْقَة من أَكثر مشايخه وَأَجَازَهُ أَكْثَرهم ثمَّ عَاد الى تريم وَتزَوج بهَا ودرس ثمَّ رَحل الى الديار الْهِنْدِيَّة وَقصد شيخ الاسلام السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الله العيدروس ببندر سورت ولازمه وَتخرج بِهِ فى طَرِيق الْقَوْم وَأخذ عَنهُ عدَّة عُلُوم وَقصد الْوَزير الْملك عنبر وَأقَام عِنْده يدرس فى الْفُنُون الْعَرَبيَّة الى أَن انْتقل الْملك عنبر فَرَحل الى السُّلْطَان عَادل شاه وَحصل لَهُ عِنْده قبُول تَامّ وَأقَام بِمَدِينَة بيجافور عِنْده عدَّة أَعْوَام وأنعم عَلَيْهِ بخراج جرام بِالْقربِ من مَدِينَة بلقام ثمَّ اختبار التوطن بِمَدِينَة بلقام وتصدر للنفع واقتنى كتبا وأموالا كَثِيرَة وَكَانَ من قَصده من الطّلبَة يقوم بِنَفَقَتِهِ وَكسوته وَأخذ عَنهُ الجم الْغَفِير وَظَهَرت بركته وَكَانَ حسن الاخلاق عَظِيم الشهامة لم يدنس مِقْدَاره بذم قطّ وَلم يزل بِمَدِينَة بلقام الى أَن توفى وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَألف وقبره بهَا مَعْرُوف
عمر بن عبد الْوَهَّاب بن ابراهيم بن مَحْمُود بن على بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن العرضى الحلبى الشافعى القادرى الْمُحدث الْفَقِيه الْكَبِير مفتى حلب وواعظ تِلْكَ الدائرة كَانَ أوحد وقته فى فنون الحَدِيث وَالْفِقْه والادب وشهرته تغنى عَن الاطراء فى وَصفه اشْتغل بِالطَّلَبِ على وَالِده ثمَّ لزم الشَّيْخ الامام مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد ابْن حسن البابى الحلبى الْمَعْرُوف بِابْن البيلونى وَكَانَ عمره اذ ذَاك أَربع عشرَة سنة فَقَرَأَ عَلَيْهِ الجزرية ومقدمة التصريف العزية وتجويد الْقُرْآن وَقطعَة من تيسير الدانى ثمَّ انحاز الى المنلا ابرهيم بن مُحَمَّد البيانى الكردى ثمَّ الحلبى الشافعى فَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من الْفُنُون ثمَّ وصل الى الْعَالم الْكَبِير مُحَمَّد رضى الدّين بن الحنبلى فَقَرَأَ عَلَيْهِ وانتفع بِهِ وَتخرج عَلَيْهِ وَأخذ عَن الْعَالم الْعَلامَة مُحَمَّد بن الْمُسلم التنوسى الحصينى نِسْبَة الى بنى الْحصين طَائِفَة من الانصار المالكى نزيل حلب لَازمه سِنِين وانتفع بِعِلْمِهِ وَسمع من لَفظه صَحِيح البخارى تَمامًا مَرَّات عديدة وجانبا كَبِيرا من صَحِيح مُسلم بِقِرَاءَة وَلَده مُحَمَّد الْمَقْتُول وَمن لَفظه حِصَّة كَبِيرَة من الشِّفَاء
стр. 1188
للقاضى عِيَاض وَقَرَأَ عَلَيْهِ فى المطول من بحث أَحْوَال متعلقات الْفِعْل الى آخر الْكتاب وَكَانَ قَرَأَ من أَوله الى هَذَا الْمحل على شَيْخه المنلا ابراهيم الكردى الْمَذْكُور آنِفا وَسمع عَلَيْهِ بِقِرَاءَة غَيره فى شرح الالفية للمرادى وفى معنى اللبيب وفى شرح ابْن النَّاظِم على ألفية أَبِيه وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح العراقى على ألفيته بِتَمَامِهِ وَحِصَّة يسيرَة من شرح الْعَضُد على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشرح عَلَيْهِ فى قِرَاءَة الاصفهانى شرح طوالع البيضاوى فى بحث الالهيات فَقَرَأَ عَلَيْهِ درسين ثمَّ حم ابْن الْمُسلم وَمَات وَرِوَايَة ابْن الْمُسلم البخارى عَن الْبُرْهَان العمادى الحلبى وَأَسَانِيده مَعْرُوفَة وَعَن الفخرى عُثْمَان بن مَنْصُور الطرابلسى وَهُوَ يرويهِ عَن أَبى الْعَبَّاس أَحْمد الشاوى الحنفى والزين الهرهامى عَن الْحَافِظ العراقى بأسانيده وَيَرْوِيه وَسَائِر كتب السّنَن عَن قاضى الْجَمَاعَة بتونس سيدى أَحْمد السليطى سَمَاعا من لَفظه لصحيح البخارى واجازة لباقى كتب السّنَن وَأَجَازَهُ الْبَدْر الغزى من دمشق بالمكاتبة ودرس وَأفَاد وَصرف أوقاته فى الافادة وَلم يكن فى عصره وَاحِد مثله مجدا فى الِاشْتِغَال وافادة الطّلبَة لَازم الزاوية الحبشية المنسوبة الى بنى العشائر مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة وَكَانَ أَكثر فضلاء زَمَانه تلامذته وأنبلهم الشَّمْس مُحَمَّد وَأَخُوهُ الْبُرْهَان ابراهيم ابْنا الشهَاب أَحْمد بن المنلا وَولده أَبُو الْوَفَاء العرضى وَنجم الدّين الخلفاوى وَغَيرهم من رُؤَسَاء الْعلم وَصَارَ مفتى الشَّافِعِيَّة بحلب وواعظها بجامعها يعظ النَّاس يَوْم الْجُمُعَة بعد الْعَصْر وَاسْتمرّ على ذَلِك مُدَّة حَيَاته وَألف تآليف كَثِيرَة مِنْهَا شرح شرح الجامى ابتدا فِيهِ من عِنْد قَوْله فالمفرد المنصرف الى المنصوبات وَلم تساعده الايام على اتمامه وَكَانَ شَدِيد الاعتناء بالجامى حَرِيصًا على مطالعته واقرائه وَفِيه يَقُول
(لله در امام طالما سطعت ... أنوار افضاله من علمه السامى)
(أَلْفَاظه أسكرت أسماعنا طَربا ... كَأَنَّهَا الْخمر تسقى من صفا الجامى)
واقتدى فى ذَلِك بشيخه ابْن الحنبلى فى قَوْله
(لكَافِيَة الاعراب شرح منقح ... ذَلُول الْمعَانى ذُو انتساب الى الجامى)
(مَعَانِيه تجلى حِين تثلى كَأَنَّهَا ... هى الْخمر يَبْدُو جرمها من صفا الجامى)
ولعَبْد الله الدنوشرى المصرى فِيهِ
(لله شرح بِهِ شرح الصُّدُور لنا ... كَأَنَّهُ الدَّار أَو أزهار اكمام)
стр. 1189
(قد أسكر السّمع اذ تتلى عجائبه ... وَالسكر لَا غرو مَعْرُوف من الجامى)
وَله شرح على رِسَالَة القشيرى وَشرح العقائد وَشرح الشفا فى حَدِيث الْمُصْطَفى أَرْبَعَة أسفار ضخمة كل سفر قدره أَرْبَعُونَ كراسا فى مسطرة أحد وَأَرْبَعين سطرا سَمَّاهُ فتح الْغفار بِمَا أكْرم الله بِهِ نبيه الْمُخْتَار صرف همته مُدَّة اثنتى عشرَة سنة فى تأليفه وأبرز فِيهِ علوماً جمة وشاع فى الْآفَاق واستكتبه عُلَمَاء الرّوم وَالْعرب وَكتب حَاشِيَة على تَفْسِير الْمولى أَبى السُّعُود فى سُورَة الاعراف وَأما رسائله فَلَا تحصر وأجوبته وفتاويه كَثِيرَة متواترة وَمن رسائله رِسَالَة سَمَّاهَا الدّرّ الثمين فى جَوَاز حبس المتهمين ورسالة مناهج أهل الوفا فِيمَا تضمنه من الْفَوَائِد اسْم الْمُصْطَفى رِسَالَة فى تَفْضِيل الصَّلَاة على البشير النذير ورسالة فى شرح قصيدة ابْن الفارض الدالية ورسالة أُخْرَى فى شرح التائية وَأُخْرَى فى شرح اليائية ورسالة على قَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك﴾ كَيفَ مد الظل وَغير ذَلِك من الرسائل وَمن تعليقاته جَوَابه عَن مقَالَة الاستاذ مُحَمَّد البكرى ان النبى
كَانَ يعلم جَمِيع علم الله تَعَالَى وَقد سُئِلَ عَنْهَا فى مجْلِس درس فَأجَاب بِأَن مقَالَة الشَّيْخ هَذِه صَحِيحَة وَلَا انكار عَلَيْهِ فِيهَا اذ يجوز أَن الله يَهبهُ علمه ويطلعه عَلَيْهِ وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يدْرك مُحَمَّد
مقَام الربوبية اذا الْعلم الْمَذْكُور ثَابت لله تَعَالَى بِذَاتِهِ وللمصطفى
بتعليم الله تَعَالَى اياه والى مثل ذَلِك أَشَارَ الابوصيرى بقوله
(فان من جودك الدُّنْيَا وضرتها ... وَمن علومك علم اللَّوْح والقلم)
وفى الحَدِيث قَالَ لى ربى لَيْلَة الاسراء فيمَ يخْتَصم الْمَلأ الْأَعْلَى يَا مُحَمَّد قلت لَا أدرى فَوضع يَده بَين كتفى فَوجدت بردهَا فى ثديى فَعلمت علم الاولين والآخرين ثمَّ قَالَ فيمَ يخْتَصم الملا الاعلى فَقلت فى الْوضُوء على المكاره الى آخر الحَدِيث وَأورد فى تَارِيخه فى تَرْجَمَة شَيْخه ابْن مُسلم نَاقِلا عَن تَارِيخ شَيْخه ابْن الحنبلى انه قَالَ اجْتمعت بِهِ أى بِابْن مُسلم مرّة عِنْد مولاى الرشيد بن سُلْطَان تونس اذ دخل حلب فَجرى ذكر بنى أُميَّة فأوردت ان من الْمُفَسّرين من ذهب الى ان الشَّجَرَة الملعونة فى الْقُرْآن هى بَنو أُميَّة فَتغير ذَلِك فَقلت سُبْحَانَ الله قيل مَا قيل والعهدة على قَائِله فَطلب صَاحب الْمجْلس من النَّقْل فأظهرته من تَارِيخ الْمُحب بن الْوَلِيد بن الشّحْنَة قَالَ وَأَقُول ان هَذِه الْمقَالة لم يقلها عَالم مُعْتَبر وانما هى من ترهات الشِّيعَة لغلوهم فى بغض بنى أُميَّة والا فبنو أُميَّة مِنْهُم الْجيد والردئ فاذا يفعل قَائِل ذَلِك فى عُثْمَان الْمَشْهُود لَهُ بِالْجنَّةِ وذى النورين
стр. 1190
جَامع الْقُرْآن وَمَا يصنع فى عَمْرو بن الْعَاصِ وَولده عبد الله الناسك أحد العبادلة الاربعة وفى مُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان وَغَيرهم من أكَابِر الصلحاء كعمر بن عبد الْعَزِيز وَمُعَاوِيَة الصَّغِير وَكَيف تكون بَنو أُميَّة شَجَرَة ملعونة وهم عنصر النبى
وَبَنُو عَمه وَابْن الشّحْنَة كَانَ رجلا غَايَته انه من فضلاء النَّاس وَلَيْسَ قَوْله بِحجَّة وَتَفْسِير الْقُرْآن لَا يحْتَج فِيهِ بِمثل ابْن الشحنه وَلَا بمقالته انْتهى وللعرض شعر قَلِيل أنْشد لَهُ بعض الادباء قَوْله وَهُوَ // (معنى حسن) //
(لم أكتحل فى صباح يَوْم ... أريق فِيهِ دم الْحُسَيْن)
(الالانى لفرط حزنى ... سودت فِيهِ بَيَاض عينى)
وَأَصله قَول بَعضهم
(وَقَائِل لم كحلت عينا ... يَوْم اسْتَبَّا حوادم الْحُسَيْن)
(فَقلت كفوا أَحَق شئ ... يلبس فِيهِ السوَاد عينى)
وَمثله لابى بكر الْعُمْرَى الدمشقى
(فى يَوْم عَاشُورَاء لم أكتحل ... وَلم أزين ناظرى بِالسَّوَادِ)
(لَكِن على من فِيهِ حينا قضى ... ألبست عينى ثِيَاب الْحداد)
وَكَانَت وِلَادَته بحلب بقاعة العشائرية الملاصقة لزاويتهم دَار الْقُرْآن شمالى جَامع حلب فى صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة منتصف جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمسين وَتِسْعمِائَة وَجَاء تَارِيخ مولده شيخ حلب وَمَات يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشر أَو سادس عشر شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَألف قَالَ الصّلاح الكورانى مؤرخا وَفَاته
(امام الْعُلُوم وزين الْعلَا ... سراج الْهدى عمر ذُو الوفا)
(تولى فأرخ سراج بهَا الْعُلُوم هدى فرقا فانطفى ... )
عمر بن عَلَاء الدّين بن عبيد بن حسن بن عمر الغزى الحنفى الْمَعْرُوف بِابْن عَلَاء الدّين أحد فضلاء الدَّهْر قَرَأَ بغزة على الشَّيْخ شرف الدّين بن حبيب الغزى وعَلى الشَّيْخ صَالح بن الشَّيْخ مُحَمَّد صَاحب التَّنْوِير الغزى ورحل الى الْقَاهِرَة فى سنة احدى وَعشْرين وَألف وَأخذ عَن علمائها وَمكث بهَا الاخذ الْمعلم سِتّ سنوات وَولى افتاء غَزَّة من حُدُود الْخمسين الى أَن توفى وَله رِسَالَة فى قَوْله تَعَالَى ان رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ ورسالة فى قَوْله ﴿وَفِي السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون﴾ ورسالة فى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ وَغير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته فى جُمَادَى الاولى سنة ثَمَان وَخمسين وَألف
стр. 1191
السَّيِّد عمر بن على بن عبد الله بن على بن عمر بن سَالم بن مُحَمَّد بن عمر بن على بن عمر بن أَحْمد بن الشَّيْخ الاستاذ الاعظم مُحَمَّد بن على باعلوى الحضرمى ذكره الشلى وَقَالَ فى تَرْجَمته أحد الزهاد الْمَشْهُورين كَانَ على جَانب عَظِيم من القناعة وَالصَّبْر وَالتَّسْلِيم وَالرِّضَا ولد بظفار سنة اثْنَتَيْنِ بعد الالف وَنَشَأ فى حجر وَالِده وَكَانَ يجله ويخصه بأَشْيَاء من بَين أَوْلَاده وَصَحب ابْن عَمه السَّيِّد عقيل بن عمرَان باعمر علوى وَحضر دروسه وانتفع بِهِ ولازمه وَألبسهُ خرقَة التصوف وَهُوَ من أخص خَواص أَصْحَابه وَكَانَ السَّيِّد عمر يَقُول فى شَيْخه هَذَا اعتقادى فِيهِ انه قطب الْوَقْت انه وَارِث السِّرّ المحمدى وَذَلِكَ لامور شَاهدهَا فِيهِ وَلما توجه الى الْحَج اجْتمع بِجَمَاعَة من أكَابِر السَّادة من أَجلهم السَّيِّد عبد الله بن على صَاحب الوهط وَالسَّيِّد أَحْمد بن عمر العيدروس وَالسَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم البصرى وَالشَّيْخ أَحْمد بن ابراهيم عَلان وَغَيرهم وَكَانَ كثيرا الرُّؤْيَا للنبى
من ذَلِك أَنه رَآهُ بِالْمَدِينَةِ متوشحا بِثَوْب الْوَقار والانوار تغشاه فَقَالَ لَهُ يَا رَسُول الله بلغنَا عَن الثِّقَات ان الشَّيْخ أَبَا الْغَيْث بن جميل الْيُمْنَى أَب من لَا أَب لَهُ يَوْم الْقيمَة هَل ذَلِك صَحِيح أم لَا فَقَالَ لَهُ النبى
نعم صَحِيح ثمَّ قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله وَنحن فَقَالَ وَأَنْتُم منا والينا أَو كَمَا قَالَ ثمَّ ان قصّ الرُّؤْيَا بعض عُلَمَاء الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ رُؤْيَاك صدق وَحقّ وَلَكِن ستفقد شَيْئا مَعَك وسيعوضك الله مَا هُوَ خير مِنْهُ وَأفضل سرا وَعَلَانِيَة وَكَانَ الامر كَمَا ذكر لى فعوضنى الله سُبْحَانَهُ مَا كنت أرجوه وأطلبه فحمدت الله تَعَالَى قَالَ وَلما قفلت من الْحَج والزيارة من طَرِيق الْيمن اجْتمعت بالسيد عبد الرَّحْمَن بن شيخ صَاحب تعز وَحصل لى مِنْهُ استمداد وألبسنى الْخِرْقَة ثمَّ أذن لى بِالسَّفرِ الى الوطن وَقَالَ لى عِنْد الْوَدَاع ستجتمع بالخضر فى طريقك قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا فى المرحلة الاخيرة الى الْحَج صلينَا الصُّبْح وَكُنَّا جمَاعَة الله فى الْقَافِلَة ثمَّ ركبت على الْجمل فحال ان استويت على ظَهره اذا بِرَجُل لم أعرفهُ غير ان لَهُ هَيْبَة ناولنى رغيفين حارين وَلم يره غيرى وَلم يكن بذلك الْموضع قَرْيَة وَلَا غَيرهَا ثمَّ غَابَ عَنى وَلم أره ثمَّ وجدت فى صدرى انشراحا وفرحا ومزيداً يمَان لاجتماعى بالخضر واتمام مَا وعد بِهِ السَّيِّد وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة لَهُ ذوق فى كتب الْقَوْم وَله كرامات كَثِيرَة مِنْهَا انه قَالَ مرّة لجَماعَة ان أَمِير الْبَلَد يقتل ويسحب بِرجلِهِ فَمَا مَضَت الا مُدَّة يسيرَة واذا بالامير الذى عناه قتل وَفعل بِهِ كَمَا ذكرْتُمْ سَافر الى الْهِنْد سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَاجْتمعَ بالسيد أَبى بكر بن حُسَيْن
стр. 1192
بلفقيه وَألبسهُ الْخِرْقَة وَكَانَ ذَلِك بِبَلَدِهِ بيجافور فَأَقَامَ بهَا بَقِيَّة تِلْكَ السّنة ثمَّ مرض بهَا وَكَانَ لَهُ خَادِم يُقَال لَهُ مُحَمَّد بن قشقاش قَالَ مُحَمَّد الْمَذْكُور كنت أرى من سيدى كرامات كَثِيرَة وَهُوَ يأمرنى بكتمها مِنْهَا انه قَالَ فى لَيْلَة وَفَاته اذا رَأَيْت شَيْئا فَلَا تفزع قَالَ مُحَمَّد فَلَمَّا كَانَ آخر تِلْكَ اللَّيْلَة رَأَيْت نورا سَطَعَ حَتَّى أَضَاء ذَلِك الْموضع الذى هُوَ فِيهِ فدخلنى من الهيبة والاقشعرار مَا شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ دَنَوْت مِنْهُ فاذا هُوَ ميت وَكَانَت وَفَاته فى شعْبَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف فَجهز وَحضر جنَازَته جمع كثير من السَّادة وَغَيرهم وَدفن بمقبرة السَّادة بنى علوى هُنَاكَ
عمر بن عمر الزهرى الدفرى الحنفى القاهرى الامام الْعَالم الْعَلامَة كَانَ اماما جَلِيلًا عَارِفًا نبيلا لَهُ المهارة الْكُلية فى فقه أَبى حنيفَة وَزِيَادَة اطلَاع على النقول ومشاركة جَيِّدَة فى عُلُوم الْعَرَبيَّة أَخذ الْفِقْه عَن الشَّمْس المحبى وَعبد الله النحريرى وَعبد الله المسيرى الشهير بِابْن الذيب وَعبد الْقَادِر الطورى وَبَقِيَّة الْعُلُوم عَن الْبُرْهَان اللقانى وَأَجَازَهُ جلّ شُيُوخه وتصدر للاقراء بِجَامِع الازهر وانتفع بِهِ خلق لَا يُحصونَ وَكَانَ مَشْهُورا بِالْبركَةِ لمن يقْرَأ عَلَيْهِ صَالحا عفيفا حسن المذاكرة حلوا الصُّحْبَة وَمن غَرِيب مَا انفق لَهُ انه كف بَصَره نَحْو عشْرين سنة ثمَّ من الله عَلَيْهِ بِعُود بَصَره اليه من غير علاج الى أَن توفاه الله تَعَالَى وَمن مؤلفاته الدرة المنيفة فى فقه أَبى حنيفَة وَشَرحهَا شرحا نفيساً فى مُجَلد أقرأه مَرَّات عديدة بِجَامِع الازهر وَعم النَّفْع بِهِ وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة تسع وَسبعين وَألف وَدفن بتربة المجاورين وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ
عمر بن مُحَمَّد بن أَبى اللطف الملقب سراج الدّين بن الامام شمس الدّين اللطفى المقدسى الشافعى ثمَّ الحنفى رَئِيس عُلَمَاء الْقُدس فى عصره ومفتيها ومدرسها قَرَأَ على وَالِده وَغَيره ورحل الى مصر وَأخذ بهَا عَن الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن النجار الفتوحى وقرأت بِخَط الشَّيْخ عبد الْغفار المقدسى قَالَ أخبرنى انه لما قدم من الْقَاهِرَة قبل يَد وَالِده فَقَالَ لَهُ بأى هَدِيَّة قدمت الينا عَمَّن أخذت الحَدِيث فَقلت لَهُ عَن ابْن النجار فَحَمدَ الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ ان للاب أَن يَأْخُذ عَن الابْن وهى رِوَايَة الْآبَاء عَن الابناء فاستعفاه فألح وَقَرَأَ حِصَّة من صَحِيح البخارى فَأَجَازَهُ متأدبا وَهُوَ يطْلب مِنْهُ الْعَفو وسافر الى دمشق هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو بكر فقرآهما وَالشَّيْخ الامام شمس الدّين العجلونى الريمونى على الْبَدْر الغزى شرح جمع الْجَوَامِع للمحلى وَأخذُوا
стр. 1193
عَنهُ ثمَّ رَحل الاخوان الى الْقُدس وَأقَام عمر بهَا يدرس ويفتى وَعرض لَهُ فى آخر عمره صمم بِسَبَب كبر السن وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى بِبَيْت الْمُقَدّس فى سنة ثَلَاث بعد الالف
عمر بن مُحَمَّد بن أَبى بكر المصرى الشهير بالفارسكورى الْعَلامَة الاديب المفنن ذكره الخفاجى وَقَالَ فى حَقه فَاضل قلد جيد عصره من فضائله بحليها ونظم عقد محاسنه فى صدر ثديها جنى ثَمَرَات الْعُلُوم الرياضية مَعَ ان أنوارها لم تبرز من الاكمام واجتلى أبكارها وعونها وهى حور مقصورات فى الْخيام فَملك من ذَلِك الْفَنّ خمائله ورياضه وَكَثِيرًا مَا استنشقت عرف خَبره واجتلوت من الشقة الفارسكورية رحيق حبره فتكرر من كَمَاله مَا ثنى الاعجاب عطفه وحقق ان عمر علم فى الْمعرفَة ثمَّ أنْشد لَهُ قَوْله وَكتب بهَا الى ابْنة تقى الدّين مُحَمَّد الآتى ذكره ان شَاءَ الله تَعَالَى فى حرف الْمِيم وَهُوَ بالروم
(شكل اشتياقى مَاله من حد ... ونقطة الصَّبْر محاها وجدى)
(وامتد خطّ الدمع من محاجرى ... بِلَا تناه فَوق سطح الخد)
(وهيئة الْجِسْم اضمحلت مذ نأى ... وانحصرت حباتها بالعد)
(وضاق صدرى حرجا لما استدارت حركاتى حول قطب الصد ... )
(وأصبحت كرات حظى مركزا ... مسكا فى وسط جرم الْجهد)
(وَمن قسى الهجر كم من أسْهم ... نحوى مَا شقَّتْ جُيُوب وجدى)
(والزمن القطاع قد ألف مَا ... بَين محاجرى وَبَين السهد)
وَذكره عبد الْبر الفيومى فى المنتزه وَقَالَ فى وَصفه عَالم نشرت ألوية فَضله عَن الْآفَاق وفاضل ظَهرت براعة علمه فتحلى بهَا فضلاء الحذاق لَهُ الْيَد الطُّولى فى الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية والراحة الْبَيْضَاء فى تعاطى أَنْوَاع الْفُنُون الرياضية وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عَالم متضلع وأستاذ قَامَ بالافادة وَهُوَ متربع وَقد انْتفع بِهِ كثير من الْعلمَاء وتصدر من طلبته بِمصْر جم غفير من العظماء ثمَّ ذكر لَهُ قصيدة قَالَهَا فى مدح شيخ الاسلام يحيى بن زَكَرِيَّا ومطلعها
(بشر الصابر لَا يخْشَى الجنف ... فسعود الردف حلت فى الشّرف)
وهى طَوِيلَة فَلَا حَاجَة بِنَا الى ايرادها وَوجدت فى بعض المسودات لبَعض الْفُضَلَاء ذكره وَوَصفه بالتفوق وجلالة الْقدر قَالَ وَكَانَ شافعى الْمَذْهَب وَله من التآليف مَا لم
стр. 1194
يسمح بِمثلِهِ الْفلك الدوار مِنْهَا كتاب ناشئة اللَّيْل ونظم الارتشاف ورسائل شَتَّى فى علم الْهَيْئَة ونظم الْقطر فى علم النَّحْو وَسَماهُ بالنبات وَجعل أبياته على عدد لَفظه وَله كتاب جَوَامِع الاعراب وهوا مَعَ الْآدَاب فى الْعَرَبيَّة أَيْضا نظم فِيهِ جمع الْجَوَامِع وَشَرحه همع الهوامع للسيوطى واستوعب فِيهِ استيعابا زَائِدا وَقَالَ فى آخِره
(فرغته فى مبتدا ذى الْحجَّة ... لتسعة الاشهر من ذى الحجه)
(نظمت فِيهَا الْخَمْسَة الآلاف مَعَ ... خمس مئين بالثوانى والتبع)
(وَخَمْسَة المئين باقى العده ... فى نَحْو شهر قبل هذى المده)
(فكملت فى عشرَة شهور ... مبدلة المعسور بالميسور)
(فى عَام نظمية فَقلت مجمله ... الْحَمد لله على التَّيْسِير لَهُ)
وَقَوله فى عَام نظميه يعْنى انه فرغ مِنْهُ فى سنة خمس وَألف وَقَوله الْحَمد لله على التَّيْسِير لَهُ تَارِيخ ثَان فليتبه لَهُ وَمن فائق شعره قَوْله من قصيدة كتبهَا لوَلَده وَهُوَ بالروم
(الدَّار بعْدك لَا تروق لناظرى ... وَالرّبع بعْدك لَا يشق لخاطرى)
(قد كَانَ لى من ساكنيه أحبة ... كجآذر بَين العقيق وحاجر)
(فَتَفَرَّقُوا كنظيم عقد جَوَاهِر ... عبثت بِهِ يَد انفصام الناثر)
مِنْهَا
(فهجرت مذ هجر الحبيب معاهدا ... ووجدتنى عَنْهُن أنفر نافر)
(فطفقن يذرفن الدُّمُوع سواجما ... لمهاجر فارقنه ومهاجر)
وَمِنْهَا
(وازور عَنْهُن الحبيب وَلم يعج ... فى يقظة أَو طيف نوم زائر)
(بل غادر الاجفان يرقبن السهى ... وجفا لذيذ الغمض مقلة ساهر)
(مَا هَكَذَا الْبر التقى أراغب ... فى أَن يُبدل بالشقى الْفَاجِر)
(أَو أَن يُقَال شرى الضَّلَالَة بِالْهدى ... دَوْمًا لربح وهى صَفْقَة خاسر)
(أَو أَن يُقَال قضى الشبيبة عنة ... وصبت كهولته لنفثة سَاحر)
وَمِنْهَا أَيْضا
(أَمن البصيرة والعمى يغشى الْهدى ... حَتَّى يرى الاعمى بِصُورَة باصر)
(لَكِن أحذرك الزَّمَان وَأَهله ... من كائد أَو مَاكِرًا وغادر)
(أَو مظهر بالختل سنّ تَبَسم ... واذا اختبرت فناب ذِئْب كاسر)
(والدهر مغن عَن نصيحة واعظ ... يرْوى الغرائب خابرا عَن خابر)
(وَالله ملهمك الصَّوَاب لترعوى ... وتؤب أوبة صَابِرًا وشاكرا)
стр. 1195
(ان كَانَ ذَاك فحبذا ولربما ... كَانَ النهى للنَّفس أنهى زاجر)
(أَو كَانَت الاخرى فرفقة يُوسُف ... وبكاء يَعْقُوب الكئيب الصابر)
(وَالصَّبْر داعى الضّر مَا من صابر ... لكريهة الايغاث بناصر)
(والقهر للناسوت ضَرْبَة لازب ... وَالْحكم لله العلى القاهر)
وَمن مستحسن شعره قَوْله
(اذا كَانَت الافلاك وهى مُحِيطَة ... علينا قسيا والسهام المصائب)
(وراميها البارى فَأَيْنَ فرارنا ... وَسَهْم رَمَاه الله لَا شكّ صائب)
وَله غير ذَلِك وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت سَابِع عشر شَوَّال سنة ثَمَان عشرَة وَألف بدمياط وَحمل الى بَلْدَة فارسكور فَدفن بهَا
عمر بن مُحَمَّد بن أَبى بكر مطير كَانَ مشاهير الْعلمَاء المطيريين واجلاء الْمَشَايِخ اليمنيين المنهمكين على خدمَة كتب السّنة والملازمين لطاعة الله وَكَانَ ذَا خلق عَظِيم وَخلق وسيم وجود عميم وطبع سليم حسن المحاضرة حُلْو الالفاظ مرضى الشيم صَاحب همة أَخذ عَن وَالِده وَغَيره من عُلَمَاء عصره وأجيز بالافتاء والتدريس وَنشر معالم الْعلم وَألف وصنف وَاسْتمرّ على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الصِّفَات حَتَّى وفى بِبَيْت الْفَقِيه الزيدية وَكَانَت وَفَاته فجر يَوْم الاربعاء عشرى رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف
عمر بن مُحَمَّد بن أَحْمد وَقيل عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن عِيسَى الملقب زين الدّين القارى الشافعى الدمشقى رَئِيس أجلاء الشُّيُوخ بِالشَّام وكبير الْعلمَاء وَصدر الصُّدُور كَانَ اماما مفننا بارعا وحيدا مُحدثا فَقِيها أصوليا حسن الرواء متواضعا خلوقا جم الْفَائِدَة والادب طَوِيل الباع حسن الْخط والتقرير قَرَأَ الْعَرَبيَّة والمعانى وَالْبَيَان على الْعِمَاد الحنفى والاصول على أَبى الْفِدَاء اسماعيل النابلسى وتفقه على جمَاعَة مِنْهُم النُّور النسفى وَأخذ الْحساب عَن الشَّيْخ مُحَمَّد التنورى الميدانى والهيئة عَن الشَّيْخ عبد الْملك البغدادى وتلقى الاجازة فى الحَدِيث من الْبَدْر الغزى والشهاب أَحْمد بن أَحْمد الطيبى وَكَانَ يعده أجل شُيُوخه وينقل عَنهُ كَرَامَة وَقعت لَهُ مَعَه قَالَ بَينا نَحن جُلُوس عِنْده فى خلوته الصَّغِيرَة يسَار الدَّاخِل من بَاب جيروان اذ أقبل رجل مُسلما على الشَّيْخ وَمَعَهُ هَدِيَّة لَهُ من هَدَايَا الرّوم وفيهَا امشاط فَأعْطى كل وَاحِد من الطّلبَة مشطا الا أَنا فَلم يعطنى فَقَالَ لَهُ بعض تلامذته مَالك يَا مولاى قد
следующие страницы →