← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وجود ابْن الحنبلى فَأرْسل اليه رِسَالَة يعْتَذر فِيهَا عَن ذَلِك وَكَانَ الشَّمْس مُحَمَّد بن المنقار مِمَّن أَخذ عَن ابْن الحنبلى وَكَانَ يفاخر بالاخذ عَنهُ فاذا تَذَاكر هُوَ وَالْجد فى الاخذ عَن عُلَمَاء حلب بقول لَهُ أَنْت لم تقْرَأ على ابْن الحنبلى فَيَقُول لَهُ هُوَ قرظ على مؤلف لى وَأخذ بحمص عَن الشهَاب أَحْمد الاطاسى ثمَّ دخل الرّوم وَاخْتَلَطَ مَعَ كبرائها ومدحهم بالقصائد الفائقة ووجهت اليه الْمدرسَة القصاعية بِالشَّام فورد اليها وَأخذ بهَا عَن شيخ الاسلام الْبَدْر الغزى الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَغَيرهمَا وَكتب اليه مسائلا (أَلا يَا امام الْفضل يَا من ببدره ... يضئ لنا وَجه الزَّمَان ويقمر) (وان أشكلت فى الْوَاقِعَات مسَائِل ... جلاها بايضاح مَعَانِيه تنور) (بِصِيغَة تَعْلِيق الطَّلَاق وَنَحْوه ... كعتق بِشَرْط عبدكم يتفكر) (على ان الانشا يَا امام الْعُلُوم لَا ... يسوغ لنا التَّعْلِيق فِيهِ وَيظْهر) (فَهَل يَقع التَّطْلِيق فى الْحَال سيدى ... وتعليقه يَا أوحد الدَّهْر يهدر) (فمنوا بابداء الْجَواب تكرما ... وَمن بِمَا فِيهِ يُقَال ويزبر) (وأنعم على هَذَا الْمُحب لذاتكم ... بِمَا يرفع الاشكال فِيهِ وحرروا) (فَلَا زلت فى عز منيع ورفعة ... وَلَا بَرحت أنوار بدرك تزهر) فاتفق أَن جَاءَهُ السُّؤَال وَقد عرض لَهُ سوء مزاج فَأجَاب وَلَده الْعَلامَة الشهَاب أَحْمد عَن السُّؤَال وأبياته هى (أَلا يَا محب الدّين من شاع فَضله ... وَعنهُ بِكُل المكرمات يخبر) (لَئِن كَانَ نور الْبَدْر عَم ضياؤه ... فطورا لَدَى السارى الشهَاب ينور) (وَمن فرعها الاشجار تجنى ثمارها ... وَتَحْقِيق مجناها عَن الاصل يُؤثر) (فانشاء تَعْلِيق يجوز وُقُوعه ... وَتَعْلِيق انشاء بِهِ المتسع يصدر) (فبعتك ان شَاءَ الْمقَال مصحح ... وان شِئْت بيعا بِعْتُك اللَّفْظ يهدر) (ووكلت زيدا فى طَلَاق سعادان ... تشأ جَازَ ذَا التَّعْلِيق فِيمَا يحرر) (وقولك ان شَاءَت سعاد طَلاقهَا ... فزيد وكيلى فِيهِ كاللغو يذكر) (وقائله الغزى أَحْمد يرتجى ... من الله فى أخراه يعْفُو وَيغْفر) ثمَّ تدير دمشق وصاهر الْعَلامَة أَبَا الفدا اسمعيل النابلسى الْكَبِير على بنتين مَاتَت احداهما قبل أَن يبتنى بهَا والاخرى دخل بهَا وَولدت لَهُ جدى محب الله الْمُقدم ذكره وَلما قدم قاضى الْقُضَاة بِالشَّام شيخ الاسلام مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الياس الشهير بجوى زَاده

стр. 1297

كَانَ مَعَه فَلَمَّا أعْطى قَضَاء مصر من الشَّام صَحبه مَعَه وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاة الْمَذْكُور أَمر بالتفتيش على كَنِيسَة فى الْقُدس وَعين مَعَه الصَّدْر أَحْمد بن عبد الله الْمَعْرُوف بفورى مفتى الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق وَكَانَ اتَّصل بمسامع الدولة أَن النَّصَارَى جددوا شَيْئا فى الْكَنِيسَة فَخَرجُوا من دمشق فى يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشر شعْبَان سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة فوجدوا وَالنَّصَارَى قد أَحْدَثُوا أوضاعا مُنكرَة ووجدوا الى جَانب الْكَنِيسَة مَسْجِدا قَدِيما هدم الْكفَّار جدرانه وحولوا وَضعه الْقَدِيم وجددوا بُنْيَانه فَأمر قاضى الْقُضَاة بهدم مَا جددوه فهدمه الْمُسلمُونَ وأعلنوا بِالتَّكْبِيرِ وأقيمت صَلَاة الْجَمَاعَة فى عصر ذَلِك الْيَوْم فى الْمَسْجِد الْمَذْكُور وَصلى قاضى الْقُضَاة الْمشَار اليه اماماا بِالنَّاسِ ثمَّ زاروا بعض الْمشَاهد ورحل القاضى وفى خدمته صَاحب التَّرْجَمَة الى الْقَاهِرَة وَرجع فورى الى دمشق فوصلوا الْقَاهِرَة فى نَهَار الاربعاء سادس عشرى شهر رَمَضَان وَاجْتمعَ صَاحب التَّرْجَمَة بالاستاذ سيدى مُحَمَّد البكرى وَوَقع بَينهمَا محاورات ومراسلات أورد صَاحب التَّرْجَمَة كثيرا مِنْهَا فى رحلته مِنْهَا أَنه حضر الاستاذ للسلام على قاضى الْقُضَاة وَكَانَ أول اجتماعه بِهِ قَالَ فتقدمت وَقبلت يَده وَقلت لَهُ يَا مَوْلَانَا هَذَا السَّلَام المجازى يُرِيد أَن سلامى عَلَيْكُم هُنَا مجازى للملاقاة وَأما السَّلَام الحقيقى فَهُوَ أَن أحضر الى خدمتكم فَلَمَّا ذهبت الى بَيته رآنى مُقبلا فَلَمَّا صافحته قَالَ لى هَذَا السَّلَام الحقيقى فلمح الى قَول أَبى الْعَلَاء وَمن بالعراق قَالَ وَأهْديت اليه هَدِيَّة من قلب الفستق واللوز والصنوبر وكتبت اليه (لما تملك قلبى حبكم فغدا ... مُجَردا فِيهِ قلبا رق واستعرا) (حررته فغدا طَوْعًا لخدمتكم ... محررا خَادِمًا وافاك معتذرا) (فعاملوه بجبر حَيْثُ جَاءَكُم ... مُجَردا بمزيد الْحبّ منكسرا) يقبل الْيَد الشَّرِيفَة ويلثم الرَّاحَة اللطيفة وَينْهى انه أهْدى مَا يُنَاسب اهداؤه لارباب الْقُلُوب ويلائم ارساله لاصحاب الغيوب فَقدم العَبْد رجلا وَأخر أُخْرَى فى أَن يهدى الى جنابكم الشريف مِنْهُ قدرا علما مِنْهُ بِأَنَّهُ شئ حقير لَا يوازى مقامكم الخطير وَقد توارى بالحجاب حَيْثُ وافاكم وَهُوَ حسير وَمَا مثل من يهدى مثله الى ذَلِك الجناب الا كالبحر يمطره السَّحَاب ثمَّ انه تهجم باهداء هَذَا الْقدر الْيَسِير فان وَقع فى حيّز الْقبُول انجبر الْقلب الكسير وَلَا يعزب عَن علم مَوْلَانَا بلغه الله أملا النَّمْل يعْذر فى الْقدر الذى حملا قَالَ ثمَّ اجْتمعت بعد ذَلِك

стр. 1298

بجنابه فَقَالَ لى مَا يَقُول الانسان فى هَدِيَّة كلهَا قلب وأنشدنى بديها (بحم أقسم أَنى امْرُؤ ... صديق حميم بقلبى محب) وَأخذ بِالْقَاهِرَةِ عَن الْمسند الْحَافِظ النَّجْم الغيطى صَاحب الْمِعْرَاج وَالشَّيْخ الامام أَبى النَّصْر الطبلاوى والامام الْعَلامَة على بن غَانِم المقدسى والحافظ الْكَبِير الْجمال يُوسُف بن القاضى زَكَرِيَّا وَغَيرهم وَصَحب القاضى بدر الدّين القرافى المالكى وَالشَّمْس مُحَمَّد الفارضى وَله مَعَهُمَا مفاوضات أدبية أَو ردهَا فى رحلته وَكَانَ بَينه وَبَين السرى ابْن الصَّائِغ رَأس الاطباء بِمصْر مَوَدَّة أكيدة وَوَقع بَينهمَا محاورات مِنْهَا أَنه كَانَ حصل لصَاحب التَّرْجَمَة دمل احْتَاجَ الى العلاج فَكتب الى السرى أَيهَا الرئيس البارع والبدر الذى فى أفق البلاغة طالع ذُو الْحِكْمَة الَّتِى أعيابها جالينوس والحذاقة الَّتِى حَار فِيهَا أبقراط ويطليموس أَشْكُو اليك دملا أَبْطَأَ فجره وآلم ضره وأضمره عَامله لَا على شريطة التَّفْسِير وَحصل مِنْهُ ألم كثير فتفضلوا بِمَا يبرز مَا استكن فِيهِ على عجل وَبِمَا ركب علاجا التَّنَازُع مَا فِيهِ من الْعَمَل بِحَيْثُ يصير هَذَا الْمُضمر مَبْنِيا على الْفَتْح لتنطق الالسنة بِالدُّعَاءِ وتعرب عَن أَفعَال الْمَدْح فَأرْسل اليه شَيْئا يلائم ذَلِك وَكتب جَوَابه هَل لَك أَيهَا الممتزج بِالروحِ امتزاج المَاء بِالرَّاحِ المهدى الى النواظر التَّنَزُّه والى النُّفُوس الارتياح الداعى برسالته المعجزة الالفاط الى جنَّة ناضرة المبرز بدلالته وُجُوه الْمعَانى الناضرة الى عُيُون الْبَيَان الناظرة لَا زَالَت أزمة الرغبات منقادة منا اليك ونواصى البلاغات معقودة أعنتها بيديك والفصاحة لَا تمد سرا دقاتها وَلَا تقصر مقصوراتها الا عَلَيْك (ودمت الى كل الْقُلُوب محببا ... وفى كل عين شاهدتك حبيبها) فى بِنَاء ذَلِك الدمل العاصى عَن الِانْدِمَال على الْفَتْح وَنصب ثَنَاء الْعَامِل من الادوية على الْمَدْح وَالدُّخُول على جمع مادته بِصُورَة التكسير وتصريفها بالتحويل الى وضعيات التَّغْيِير وارخاء الشد كَيْلا يكف الدَّوَاء وَلَا يلغى عَامله وتقوية الْمَعْمُول بالتجلد على التَّأْثِير الذى ارْتَفع فَاعله فبذلك ان شَاءَ الله تَعَالَى تفتر ثغوره وينبسط على جلد الْجلد غوره وَالله يديم معاهد الْفضل بك آهله والفضلاء من مناهلك ناهله والنبلاء فى ظلال ظلك قَائِله لتَكون السنتهم بأحامد المحامد فِيك قَائِله آمين وَأقَام صَاحب التَّرْجَمَة بِمصْر مُدَّة وَولى بهَا قَضَاء فره ثمَّ رَحل الى الرّوم

стр. 1299

وَولى قَضَاء حمص وحصن الاكراد ومعرة النُّعْمَان ومعرة نسرين وكلس وعزاز ثمَّ اسْتَقر بِدِمَشْق فى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتَوَلَّى النِّيَابَة الْكُبْرَى سِنِين عديدة وَقَضَاء الْعَسْكَر بهَا وَقَضَاء الركب الشامى ودرس بعد القصاعية بالناصرية البرانية والشامية البرانية والسلطانية السليمية وَأفْتى مُدَّة طَوِيلَة بالامر السلطانى واشتهرت فَتَاوِيهِ بالآفاق وَكَانَ عَلامَة نِهَايَة محققا مدققا غواصا على الْمسَائِل طَوِيل الباع الْمَنْقُول قوى الساعد فى الْمَعْقُول وَكَانَ مستحضراً لمسائل الْفِقْه حَافِظًا لعبارات الْمُتُون مواظبا على التدريس والافتاء ويدرس فى تَفْسِير القاضى مَعَ مطالعة الْكَشَّاف والحواشى وانتفع بِهِ أفاضل الطّلبَة الْمشَار اليهم مِنْهُم التَّاج الْقطَّان والشموس الْخمس مُحَمَّد الميدانى وَمُحَمّد الجوخى وَمُحَمّد الايجى وَمُحَمّد الحمامى وَمُحَمّد الحادى والبدر حسن الموصلى وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى والنجم مُحَمَّد الغزى وَأَخُوهُ أَبُو الطّيب والتقى الزهيرى والشهاب أَحْمد بن قولا قسز وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَالشَّيْخ أَبُو بكر المغربى مفتى الْمَالِكِيَّة وَالشَّيْخ أَيُّوب الخلوتى وَأخذ عَنهُ بالاجازة الشَّمْس مُحَمَّد والبرهان ابراهيم ابْنا أَحْمد المنلا الحلبى وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة وَكَانَت لَهُ شهرة طنانة وَذكره جمَاعَة من المؤرخين والادباء وأثنوا عَلَيْهِ كثيرا مِنْهُم البورينى والعرضى والغزى والخفاجى والبديعى قَالَ البديعى فى وَصفه عَلامَة ورد دمشق فأخجل وردهَا بمنثوره ومنظومه وفهامة ضاهى أنهارها بغزارة علومه جعلته مفتيها وَهَمَّام حفلها وامام فَرضهَا ونفلها وَمَا زَالَ فلك الْفَتْوَى مشرقا بمعلوماته الى أَن غاض بَحر فَضله وأفل كَوْكَب حَيَاته وَمن أَجود شعره قَوْله (حكت قامتى لَا مَا وقامة منيتى ... حكت ألفا للوصل قلت مسائلا) (اذا اجْتمعت لامى مَعَ الالف الَّتِى ... حكتك قواما مَا يصير فَقَالَ لَا) وَأهْدى لبَعْضهِم سكرا وَكتب مَعَه (هَذَا الذى أهداه عبد جنابكم ... من صَار مَعْرُوفا بكم بَين الورى) (هُوَ شكرا احسان حلا تكريره ... مستعذبا حَتَّى تصحف سكرا) وَكتب لبَعض الموالى طَالبا مِنْهُ كتاب الصِّحَاح عَارِية (مولاى ان وافيت بابك طَالبا ... مِنْك الصِّحَاح فَلَيْسَ ذَاك بمنكر) (الْبَحْر أَنْت وَهل يلام فَتى سعى ... للبحر كى يلقى صِحَاح الجوهرى) وَكتب لبَعض أصدقائه

стр. 1300

(سَلام على من لم أزل تَحت ظله ... وَتَحْت أياديه الحسان وبره) (سَلام محب مخلص لَك فى الولا ... يعطر أنفاس النسيم بشكره) وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن بيتى أَبى اسحاق الغزى (وخزالا سنة والخضوع النَّاقِص ... أَمر ان عِنْد ذوى النهى مران) (والرأى أَن نَخْتَار فِيمَا دونه المر ان وخز أسنة المران ... ) وَكَانَ فى مجْلِس أحد الموالى فَتكلم بعض الْحَاضِرين على مَا يتَعَلَّق بالبيتين من جِهَة الْمَعْنى وَبَيَان الاعراب فَكتب عَلَيْهِمَا رِسَالَة ملخصها ان الوخز الطعْن بِالرُّمْحِ وَغَيره لَا يكون نَافِذا والاسنة جمع سِنَان وَهُوَ نصل الرمْح والمران آخر الْبَيْت الاخير قَالَ صَاحب الْقَامُوس هُوَ كرمان الرماح اللدنة انْتهى أَقُول لَا يخفى على الْفَاضِل النبيه انه أصَاب لما قصد الْقلب عِنْد هَذَا التَّشْبِيه وَلَا يخفى أَن تعدد وصف الْخَبَر هُنَا على حد قَوْلهم حُلْو حامض أى مز وَالْمعْنَى أَنَّهَا حَالَة متوسطة بَين الصلابة واللين وَبَقِيَّة أَلْفَاظ الْبَيْت ظَاهِرَة لَا تحْتَاج الى تَبْيِين ثمَّ اضافة وخز الى الاسنة معنوية بِمَعْنى اللَّام أى وخز للاسنة وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره أَمْرَانِ واعراب الْبَيْتَيْنِ ظَاهر لَا يحْتَاج الى بَيَان وَلَا يخفى مَا فى الْبَيْت الاول من الصِّنَاعَة البديعة وَهُوَ شبه الِاشْتِقَاق نَحْو فأقم وَجهك للدّين الْقيم وَالْجمع وَذَلِكَ أَن تجمع بَين مُتَعَدد فى حكم وفى ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿المَال والبنون زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَقَوله الرأى أَن نَخْتَار الى آخِره الظَّاهِر ان مَا فى قَوْله فِيمَا دونه مَوْصُولَة وتحتمل الموصوفة وصلتها مُتَعَلق الظّرْف وعائدها الضَّمِير البارز والمران فَاعل الظّرْف لاعتماده على الْمَوْصُول أَو الْمَوْصُوف وَالتَّقْدِير والرأى أَن نَخْتَار فِيمَا اسْتَقر دونه المران أى عِنْده أَو امامه وخز أسنة المران يعْنى اذا اجْتمع الامران المران وخز الاسنة والخضوع لناقص فالرأى أَن نَخْتَار وخز الاسنة على الخضوع يعْنى أَن الدون فى جَانب الخضوع مُتَحَقق بِأَن يكون لَهُ مَرَاتِب مُتَفَاوِتَة بَعْضهَا دون بعض وَأما وخز الاسنة فَلَا يتَحَقَّق فِيهِ هَذَا الْمَعْنى فَنَقُول يُمكن أَن يغلب الخضوع أَو يَجْعَل لوخز الاسنة مَرَاتِب مُتَفَاوِتَة لَهُ أَيْضا تَقْديرا لَا تَحْقِيقا وَلَا يخفى مَا فى الْبَيْت من الجناس التَّام هَذَا وَلَا مَانع من أَن تجْعَل دون من قبيل قَوْلهم هَذَا دونه أى أقرب مِنْهُ كَمَا هُوَ أحد مَعَانِيهَا ويغلب الخضوع على وخز الاسنة من حَيْثُ الْمَعْنى أَو يقدر الدون فى جَانب وخز الاسنة وَحِينَئِذٍ يظْهر لَهُ وَجه دَقِيق وبالقبول حقيق وَله تَحْرِير على الْمثل الْمَشْهُور وَهُوَ من حفظ حجَّة على

стр. 1301

من لم يحفظ وَكَانَ سَبَب تحريره لَهُ أَنه اجْتمع هُوَ وَجَمَاعَة فى مجْلِس بعض الاعيان فدار الْكَلَام بَينهم فِيهِ من جِهَة الاعراب فَاخْتَارَ بَعضهم رفع الْحجَّة وَبَعْضهمْ نصبها فَكتب مَا ملخصة من اسْم مَوْصُول مَرْفُوع الْمحل على الِابْتِدَاء وَجُمْلَة حفظ صلَة لَا مَحل لَهَا من الاعراب والعائد الضَّمِير الْمُسْتَتر فى حفظ وَحجَّة خبر الْمُبْتَدَأ أعنى الْمَوْصُول وَهُوَ من وعَلى ظرف لغولان عَامله من الافعال الْخَاصَّة الَّتِى لَا يتَضَمَّن الظّرْف لَهُ لَا مَحل لَهُ من الاعراب وَهُوَ مُتَعَلق بِحجَّة وعَلى حرف جر مَعْنَاهُ الاستعلاء وَهُوَ هُنَا معنوى وَلم حرف نفى وَجزم ويحفظ فعل مضارع مجزوم بلم وَجُمْلَة لم يحفظ صلَة من الثَّانِيَة المجرورة الْمحل بعلى وعائدها الضَّمِير الْمُسْتَتر فى يحفظ وَجُمْلَة من حفظ حجَّة على من لم يحفظ استئنافية فان قلت هَل يَصح نصب الْحجَّة على أَنه مفعول حفظ وَجعل على فعلا مَاضِيا والموصول بعده مَفْعُوله مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض على الْحَذف والايصال وَالتَّقْدِير من حفظ حجَّة علا على من لم يحفظ ثمَّ حذفت على وباشر الْفِعْل الْمَنْصُوب فنصبه على حد قَول الطغرائى (وان علانى من دونى فَلَا عجب ... لى أُسْوَة بانحطاط الشَّمْس عَن زحل) قلت التَّقْدِير لَا يروج عِنْد الناقدين الا للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة هُنَا على أَن رسم الْخط لَا يساعده أَيْضا فانه لَو كَانَ فعلا مَاضِيا لكتب بالالف الْمَوْجُود بِصُورَة الْيَاء فان قلت يُمكن أَن يرجح نصب الْحجَّة بِأَنَّهُ يلْزم من عَدمه بَقَاء حفظ بِلَا مفعول على أَنه من الْأَفْعَال المتعدية قلت مثل هَذَا غير عَزِيز فِي كَلَامهم فانه قد تقرر فِي فن الْمعَانِي أَنه قد يكون الْغَرَض من الْفِعْل المتعدى اثباته لفَاعِله أَو نَفْيه عَنهُ مُطلقًا من غير اعْتِبَار تعلقه بِمن وَقع عَلَيْهِ فَينزل منزلَة اللَّازِم فان قلت فَمَا ذكرته مُرَجّح لرفع الْحجَّة وَحِينَئِذٍ فَكيف يَصح حملهَا على الْمَوْصُول الذى هُوَ عبارَة عَن الشَّخْص قلت هُوَ من بَاب الْمجَاز الْمُرْسل من قبيل اطلاق الْحَال وارادة الْمحل أَو اطلاق الْمُسَبّب وارادة السَّبَب وَأَمْثَاله أَكثر من أَن تحصى وَلِهَذَا الْكَلَام تَتِمَّة أَعرَضت عَنْهَا لعدم تعلقهَا بالغرض ومنشآته وآثاره كَثِيرَة وَأما لطائفة ونكاته فمما اشْتهر وبهر وَمَا أحقها بِأَن تدون ويسامر بهَا وَمن نادرها أَنه خرج هُوَ وَجَمَاعَة من الْعلمَاء الى توديع بعض قُضَاة الشَّام كَانَ عزل عَنْهَا لنسبة الْجَهْل اليه وَأعْطى بعْدهَا قَضَاء حلب فَلَمَّا وَدعوهُ قَالَ ان كَانَ لكم فى الْحَلب بالتعريف حَاجَة فاذكروها لنا حَتَّى نرسلها لكم الى شام بدوم تَعْرِيف فَقَالَ لَهُ المترجم لَيْسَ لنا حَاجَة ثمَّة الا الا لف وَاللَّام الذاهبتان

стр. 1302

من شام فلتنعموا بارسالهما وَله غير ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته فى أواسط شهر رَمَضَان سنة تسع وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَتوفى سحر يَوْم الاحد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة سِتّ عشرَة بعد الالف وَصلى عَلَيْهِ ظهر الْيَوْم الْمَذْكُور بالجامع الاموى وَحضر للصَّلَاة عَلَيْهِ قاضى الْقُضَاة بِالشَّام الْمولى ابراهيم بن على الازنبقى وَحمل فى جنَازَته وتأسف على اخلاقه الْعلمَاء وَدفن بالمدفن قبالة الْجَانِب المحاذى لجامع جراح خَارج بَاب الشاغور وَكَانَ آخر درس أقرأه أَو وقف عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ أَنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها﴾ وأرخ عَام وَفَاته بعض الْفُضَلَاء بقوله آها آها مَاتَ الْمُفْتى ورثاه جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن العمادى نظم فى رثائه قصيدة بليغة مطْلعهَا (قَامَت قِيَامَة مفتينا وقاضينا ... لَا بل قِيَامَة دانينا وقاصينا) (مصاب علم أضاع الْقلب منصدعا ... ورزء مجد أطار الْعقل مفتونا) (قدفت من عضد الْعليا وقلص من ... ظلالها بعد مَا مدت لنا حينا) (بادرت فِيهِ الى الانكار مذ طرقت ... سمعى أَحَادِيثه شكا وتخمينا) (حَتَّى اذا صدع الشَّك الْيَقِين بِهِ ... وَصَحَّ مَا كَانَ عِنْد الصب مظنونا) (وَصَارَ لَا طعن لى فِيهِ أحاوله ... رجعت من نصله فى الْقلب مطعونا) (أَوْهَى عماد القوى زلزال صدمته ... وصادفت من خلو الْقلب تمكينا) (تبت يدات ذَا الردى أودى لنا بندى ... كف تكف العدا عَنَّا وتكفينا) (فليت كل محب دولة وغبى ... فدا محب فنون الْعلم وَالدُّنْيَا) (أمات حساده من قل موتته ... وَهَكَذَا دَائِما تلفى العرانينا) (فَحل لبكر الْمعَانى الْعين مفترع ... قد عنت بعد مهما تلقى عنينا) (يَا طَالبا للندى والعز خب أملا ... من بعده قد لَزِمت الْعَدَم والهونا) (مضى الْجواد الذى كَانَت مكارمه ... تريشنا اذ صروف الدَّهْر تبرينا) (صرنا معاشر أهل الشَّام سائبة ... مُبَاحَة غَابَ راعينا وحامينا) (أما الْعُلُوم وأهلوها فقد درست ... مَاتَ الذى كَانَ يحيها ويحيينا) (من للبلاغة ان عنت لطائفها ... من للفتاوى اذا مَا احتجن تَبينا) (حماسة مِنْهُ شابتها لطافته ... وَمَا زج الْعِزّ مِنْهُ الْحلم واللينا) (أهكذا يستر الْبَدْر الْمُنِير ترى ... وصبح الْبَحْر تَحت الترب مَدْفُونا)

стр. 1303

(ظنوه صور من مجد وَنور هدى ... فمذ أُعِيد بِأَرْض حققوا الطينا) (لم أنس وقفتنا تِلْقَاء روضته ... واذ نحيى بهَا من لَا يحيينا) مِنْهَا (يَا سيدا كنت مَسْرُورا بِهِ زَمنا ... تركتنى بعد طول الْعُمر مَحْزُونا) (ألزمت قلبى تحريكا عَلَيْك أسى ... وَعَن جَمِيع أمانى الدَّهْر تسكينا) (قد كَانَ لى مِنْك ركن شامخ وَأب ... فقد فقدت عمادى مِنْك ذَا الحينا) (فَقل لنا من لنا ان نَاب نائبة ... نأوى اليه ونشكوها فيشكينا) (أعزز علينا بِأَن الصَّدْر مِنْك خلا ... فى مجْلِس كنت فِيهِ مِنْك تدنينا) (بفقدك الْعلم ثمَّ الْمجد قد نكست ... أَعْلَامه وَغدا بالذل مَقْرُونا) (ان خص شخصك بطن الارض مستترا ... فَذكر فضلك عَم البيد والبينا) (كَانَ ذاتك لم تملأ فضائلها ... دمشق من كل مَعْرُوف أفانينا) (فَضَائِل ان يكن أودى الْمنون بهَا ... فان أجرك فِيهَا لَيْسَ ممنونا) (سقاك مَوْلَاك من صوب الرِّضَا ديماً ... منهلة المزن ملقاة العرى جونا) (ودمت تسكن فى الفردوس مرتبعا ... رحبا تعاين فِيهِ الخرد العينا) (ترى الانيس بِهِ الْمولى وَرَحمته ... والصالحات وعلما مِنْك مخزونا) (تقرا فترقى بِهِ أَعلَى الْجنان كَمَا ... فرويه وَعدا لاهل الْعلم مَضْمُونا) (فى نعْمَة من جوَار الله فقت بهَا ... على سلاطين فى الدُّنْيَا أساطينا) (ودام مِمَّن بَيْتك السامى نرى خلفا ... أولادك الكمل الغر الميامينا) (لَا زَالَ مِنْهُم رَئِيس فى دمشق لنا ... مَكَان وَالِده عَنهُ يسلينا) (وَلَا يزالون فى لطف يعم وفى ... حب من الله طول الدَّهْر باقينا) (مَا جددت سنَن الاسلاف بعدهمْ ... أخلافهم حذوهم فى الْخَيْر يحذونا) (وَالله تَحت ظلال الْعَرْش يجمعنا ... مَعَ المحبين فَوق الْعَفو آمينا) مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن عفيف بن الهادى بن أَبى حجربه بِتَقْدِيم الْجِيم مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُتَأَخِّرَة ابْن أَبى الْقَاسِم بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشريعى بِضَم الشين وَفتح الرَّاء ابْن أَبى بكر بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى بكر بن على الاهدل كَانَ على قدم عَظِيم من الْعِبَادَة والزهادة عاكفا فى مَقْصُورَة من مقاصير الْجَامِع الظافرى بزبيد لَا يخرج مِنْهُ الا لحَاجَة وَكَانَ عَالما وعاملا ورعا زاهداً مَقْصُود للْقِرَاءَة عَلَيْهِ فى الْفِقْه غَالِبا لحقه السَّيِّد مُحَمَّد بن الطَّاهِر الْبَحْر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَقَرَأَ عَلَيْهِ بعض

стр. 1304

الْمِنْهَاج وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ السَّيِّد أَبُو بكر بن أَبى الْقَاسِم الاهدل وَكَانَت وَفَاته فى شهر ربيع الاول سنة ثَلَاث وَعشْرين وَترك وَألف جملَة كتب وَقفهَا هُوَ وَكتب ذَلِك على أَكْثَرهَا بِخَطِّهِ مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن على بن عقيل بن أَحْمد بن أَبى بكر بن الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف الحضرمى المصوفى ذكره الشلى وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَصَحب جمَاعَة من أكَابِر العارفين مِنْهُم الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَولده السَّيِّد زين العابدين وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن عقيل ثمَّ تدير الْبَلدة الْمُسَمَّاة بالقارة وهى قريبَة من بَلْدَة تريم وَصَحب الامام الْعَارِف بِاللَّه أَحْمد بن عبد الله الحبشى ولازمه وَأخذ عَنهُ التصوف وَقَرَأَ عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة وصاهره بابنته وَحج وَأخذ بالحرمين عَن جمَاعَة وَصَحب كثيرين مِنْهُم عَم أَبِيه السَّيِّد علوى بن على بن عقيل وَكَانَ يُحِبهُ ويثنى عَلَيْهِ ودعا لَهُ بدعوات ظَهرت عَلَيْهِ آثارها ثمَّ رَجَعَ الى القارة وَأقَام بهَا ملْجأ للوافدين وَكَانَ مبذول النِّعْمَة حسن الاخلاق لين العريكة سليم الصَّدْر ومتواضعا حَافظ لِلِسَانِهِ ثمَّ طلبه وَلَده السَّيِّد أَبُو بكر لما حصل لَهُ مرض شَدِيد الى مَكَّة فَرَحل اليها وجاور بهَا وَصَحب بهَا الامام الْعَارِف مُحَمَّد بن علوى وَحصل بَينهمَا اتِّحَاد وصحبة شَدِيدَة وَصَحب الشَّيْخ الْجَلِيل السَّيِّد عبد الرَّحْمَن المغربى وَكَانَ يُحِبهُ ويثنى عَلَيْهِ ثمَّ رَحل الى الْمَدِينَة وَأخذ بهَا عَن غير وَاحِد مِنْهُم الشَّيْخ أَحْمد بن مُحَمَّد القشاشى وَرجع الى مَكَّة بنية الرُّجُوع الى وَطنه وحاوله أَصْحَابه بِأَن يُقيم بِمَكَّة لكبر سنه وَالْتزم لَهُ وَلَده بِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجهُ فَلم يقبل فَلَمَّا صمم على الارتحال أدْركهُ الْمَوْت فتوفى بِمَكَّة لخمس خلون من الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بالمعلاة رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَبى بكر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالزهيرى الدمشقى الشافعى الْفَاضِل النَّبِيل الاصيل مَاتَ أَبوهُ التقى وَهُوَ طِفْل فَنَشَأَ فى تربية عَمه القاضى نجم الدّين واعتنى بِهِ فألزمه بالاشتغال فاشتغل على الشّرف الدمشقى وَالشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَأخذ عَن النَّجْم الغزى وَلزِمَ دروسه زَمَانا طَويلا وَصَارَ خَطِيبًا بِجَامِع الْمُعَلق ومعيد الدُّرُوس الْمدرسَة الشامية البرانية وَألف وصنف وَمن تآليفه شرح لامية ابْن الوردى وطالعته فرأيته يشْتَمل على أَشْيَاء نفيسة وَشرح ديوَان ابْن الفارض وَأَظنهُ لم يكلمهُ وَقد نظم الْكثير وَقد رَأَيْت لَهُ شعر الا باس بِهِ فَمِنْهُ هَذِه القصيدة نظمها

стр. 1305

فى النَّصِيحَة وهى طَوِيلَة ذكرت بَعْضهَا هُنَا ومستهلها (أَلا خل الاصاغر والاكابر ... خليلى ذَا الزَّمَان وَلَا تكابر) (وجانب جانبا عَن كل صدر ... رحيب الصَّدْر لَو خرت المفاخر) (وَلَا تركن لذى جاه وجيه ... وَمن بِالْمَالِ فى الدُّنْيَا يفاخر) (وَلَا يغررك صدق من صديق ... وَلَا تظهر لَهُ مِنْك السرائر) (وَلَا تركن الى من تأمننه ... وَلَو طابت بِهِ مِنْك المخابر) (فكم قلب تقلب بعد صدق ... فعادى وَهُوَ أدرى بالمضارر) (وَكم من صَاحب وأضحى صخيبا ... وَكم خل يوافى وَهُوَ ماكر) (اذا كشفت حَقِيقَته عيَانًا ... ترَاهُ فى حَقِيقَته مغادر) (فاخوان الزَّمَان بِكُل حَال ... جواسيس الْعُيُوب لكل باصر) مِنْهَا (وَلَا تجزم بِأَمْر من أُمُور ... اذا لم تحسب العقبى وشاور) (وشاور عَاقِلا شهما نصُوحًا ... سليم الْفِكر برا غير فَاجر) (فَلَيْسَ يخيب شخص مستشير ... وربى للنبى بِذَاكَ آمُر) (فَمن يحْفر قليبا كَانَ فِيهِ ... قَرِيبا وَاقعا فِيمَا يُغَادر) (وسامح من أَسَاءَ اليك واحسن ... وَكن للذنب عفوا مِنْك سَاتِر) (وان والاك من مَوْلَاك عسر ... فان الْيُسْر بعد الْعسر صادر) (وَلَا تضجر وَلَو فقر تناهى ... وَلَا تَشْكُو وَكن لله شَاكر) (فكم حر بضنك الْعَيْش رَاض ... وَكم عبد يمتع بالحرائر) (وَكم شهم تجرع كل وَقت ... كؤسا لَا تسوغ لَهَا المرائر) (وَكم نذل تقدم فى البرايا ... وَمَال الى الميامن والمياسر) (وحر الْوَجْه لَا تبذله يَوْمًا ... لمن يزريك لَو بذل الْجَوَاهِر) (وحاذر أَن تعيش بذل نفس ... وهون فى العوالم للاصاغر) (فموت الشَّخْص خير من حَيَاة ... لَهُ فِيهَا المذلة وَهُوَ صاغر) (وان وافاك ذمّ من بغيض ... فبالا حسان قابله وغاير) وَمِنْهَا (وَلَا تجْلِس مَعَ الْجُهَّال يَوْمًا ... وَلَا مَعَ غير جنسك فى المحاضر) (وَلَا تحلل محلا لَيْسَ فِيهِ ... لاهل الْفضل حمد أَو مآثر) (وجانب بَلْدَة لَا حق فِيهَا ... ومصرا لَا تُقَام بِهِ الشعائر)

стр. 1306

(وَلَا تمكث بذل فى مقَام ... وَأَرْض الله وَاسِعَة المحاضر) (فَمن يرض المذلة دون عز ... وَلَو فى جنَّة الفردوس خاسر) (وَلَا تحقر لشيخ ذى وقار ... وَقدم للكبير وَأَنت صاغر) (وعرضك صنه عَن فعل مريب ... وَمَا فِيهِ اشْتِبَاه كن محاذر) (فَمن حول الْحمى قد حام يَوْمًا ... فيوشك وقعه فِيمَا يباصر) (وَلَا تصْحَب سوى شخص نصوح ... يكن فى أَمر أخراه مذاكر) وَمِنْهَا (وفكر فى ذنوبك واجتنبها ... وَلَا تيأس فان الله غَافِر) (ولازم للتقى وَالدّين دَوْمًا ... فتقوى الله ربح للمتاجر) (وَبِاللَّهِ استعذ من شَرّ نفس ... وَشَيْطَان يضلك وَهُوَ سَاحر) (وَكن مستنصرا بِاللَّه حَقًا ... فَمَا خَابَ الذى مَوْلَاهُ نَاصِر) (وَبِاللَّهِ اسْتَعِنْ فى كل أَمر ... وَسلم للْقَضَاء وللاوامر) وَله غير ذَلِك وَكَانَ فى آخر عمره أُصِيب بِولد نجيب حزن عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا وَضَاقَتْ اخلاقه بعد ذَلِك وتغيرت مُعَامَلَته مَعَ النَّاس وابتلى بِاسْتِعْمَال الافيون وَكَانَ مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ وَفِيه يَقُول بعض الظرفاء (سَأَلت عَن الشَّيْخ الزهيرى وفضله ... فَقيل شويخ الْكَذِب حدث عَن الْبَحْر) وَله أَخْبَار ووقائع طَوِيلَة الذيل أَعرَضت عَن ذكرهَا لشهرتها وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَبى بكر مطير أحد أجلاء عُلَمَاء الْيمن الَّذين لازموا تقوى الله وجمعوا بَين الْعلم وَالْعَمَل وتحروا فى تَحْقِيق مسَائِل الْعلم واشتهر ذكرهم شهرة القمرين وجمعوا بَين الشرفين أَخذ عَن وَالِده وَعَمه عبد الله بن ابراهيم وَغَيرهمَا من أهل ذَلِك الاقليم حَتَّى برع واشتهر وَألف وصنف وَله من الاشعار الصَّالِحَة مَا هُوَ مَشْهُور فَمن ذَلِك قَوْله يمدح الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ذهل بن ابراهيم حشيبر صَاحب الزيدية (مالى أَرَاك كثير الْهم والحزن ... ولهان من شدَّة الاهوال والمحن) (وَذَا هلا هائما وَالْقلب مِنْك غَدا ... خَال من الْعقل وَالتَّدْبِير فى الزَّمن) (كَانَت مضاجعهم بِاللَّيْلِ عَن جنب ... لَا يسأمون خطاب الله فى الدجن) (وسرت تقفو بعيد الدَّار عَن وَهن ... وَالْقَوْم قد أدلجوا وَالله بالرسن) (هم سادة النَّاس فى الاحوال أجمعها ... وهم غيات الدنى بِالْفَضْلِ فاستبن)

стр. 1307

(لَكِن اذا رمت نجما أَو بُلُوغ منى ... فانهض الى مَعْدن الاسرار والمنن) (هَذَا الولى الْكَبِير القطب من شهِدت ... لَهُ الاكابر بالتصريف فى الزَّمن) (وَصَارَ بالذهل الْمَشْهُور بلدته ... بهَا الرِّضَا والهنا للصابر الفطن) (بَحر المعارف مَشْهُور فمعدنها ... عين الرِّجَال وفحل الْقَوْم فى السّنَن) (من سَاءَ فى سوحه جَاءَت منيته ... اليه تفجؤه فى السِّرّ والعلن) (من حل روضته قد نَالَ بغيته ... بِكُل خير بِحسن الظَّن ذَاك غنى) (فاعكف بتربته والزم بعروته ... واستبق ذَا دَائِما مَا دمت فى المكن) (يوليك كل العطا من جود منحته ... وَأَنت فى مأمن من كل ذى احن) (بِاللَّه يازائرا قبرا لَهُ شرفا ... أخْلص فُؤَادك لَا تأتى على دخن) (فالفصل شيمته والنصر خادمه ... والغوث سيرته وَالله فى المحن) (مطالع السعد لَا تخفى شواهدها ... فالسعد ساعده كَالرِّيحِ للسفن) (وَكم ظهرن لَهُ فى كل معضلة ... آيَات حق على الاعداء بالعلن) (أبادهم جمعهم فى سَاعَة علنا ... بالطعن وَالضَّرْب لَا يرجعن عَن جبن) (ان الْعِنَايَة فى علم لَهُ سبقت ... من الاله على التَّقْدِير بالْحسنِ) (آل الحشيبر من عدنان انهم ... نُجُوم أهل الثرى للعارف الفطن) (بِاللَّه يَا نَسْله كونُوا على نهج ... من الشَّرِيعَة وَالتَّقوى مدى الزَّمن) (يَا سيدى الشَّيْخ يَا غوثى ومعتمدى ... عبيدكم قَاصد للفضل غير غنى) (فَقُمْ بِنَا مسرعا وانهض بحجتنا ... فالعلم قد ضَاعَ فى شام وفى يمن) (طَريقَة الْحق لَا تمشى لعزتها ... وَصَاحب الْجَهْل قد أضحى على فنن) (انا قصدناك فى أَمر أضربنا ... فى الدّين وَالْمَال والارواح واغبنى) (فانعش لغربتنا وَافْتَحْ بصائرنا ... واكبت لحاسدنا فى كل ذى وَطن) (واطمس عيُونا لَهُ تبقى على عَمه ... هَذَا جزا من بقى بِالْخَيرِ لم يبن) (انا لجير انكم وَالْجَار حرمته ... قديمَة ذكرت فى الذّكر وَالسّنَن) (أرعو الناذ مِمَّا كَانَت لنا قدما ... من أجل سالفنا فى سالف الزَّمن) (لَا تهملونا جَمِيعًا من اعانتكم ... عطفا علينا عبيد بالمطير كنى) (آل المطير لَهُم فى حقكم نجم ... أهيل علم سموا فى أرفع القنن) (بِالْعلمِ وَالدّين وَالتَّحْقِيق مَا برحوا ... فى خدمَة الشَّرْع والاديان وَالسّنَن)

стр. 1308

(وعندكم سيدى عقد لسالفنا ... على الامانة أدوه لكل بنى) (وَنحن أبناؤكم وَالْكل يطلبكم ... مَا عنْدكُمْ من عَظِيم الْفضل والمنن) (من كَانَ فى سوحكم من كل ذى نفس ... فحقه وَاجِب فاحموه من عطن) (وسامحوه على مَا كَانَ من خطا ... فبحركم وَاسع وَالْكل لَيْسَ غنى) (عَن مُنْتَهى جودكم فى كل حَادِثَة ... فَالله أولاكم من كل ذى حسن) (عَلَيْكُم من اله الْعَرْش رَحمته ... تغشى ضريحكم كالوابل الهتن) (ثمَّ الصَّلَاة على الْمُخْتَار من مُضر ... مُحَمَّد الْمُصْطَفى الْمَبْعُوث من عدن) (والآل والصحب والازواج كلهم ... وَالتَّابِعِينَ لَهُم ماش على السّنَن) وَكَانَت وَفَاته فى ثَالِث عشر شَوَّال سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف بِمَدِينَة الزيدية رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَبى بكر بن أَحْمد بن أَبى بكر بن عبد الله بن أَبى بكر بن علوى بن عبد الله ابْن على بن عبد الله بن علوى بن الاستاذ الاعظم الملقب جمال الدّين أَبُو علوى الشلى الحضرمى نزيل مَكَّة المشرفة صَاحب التاريخين اللَّذين أنقل عَنْهُمَا كثيرا تقدم أَبوهُ وَقد ذكرت تَتِمَّة نسبه فى تَرْجَمته فَارْجِع اليها ثمَّة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة من الْعلمَاء الاجلاء أَصْحَاب التصنيف وَقد ترْجم نَفسه فى تَارِيخه نفائس الدُّرَر فَقَالَ كَانَ مولدى منتصف شعْبَان سنة ثَلَاثِينَ وَألف وضبطها بعض الادباء بحروف جد برضاك وسمانى والدى مُحَمَّد ولقبنى جمَاعَة من الْمَشَايِخ جمال الدّين وَكَنَّانِي بعض العارفين بأبى علوى وَهُوَ أول أولادى وحفظت الْقُرْآن الْعَظِيم على الْمعلم الاديب عبد الله بن عمر با غَرِيب وختمته وَأَنا ابْن عشر سِنِين وحفظت العقيدة الغزالية والاربعين النووية والاجرومية والقطر والملحة والارشاد وَعرضت محفوظاتى على مشايخى ثمَّ من الله تَعَالَى بالاشتغال ووفقنى لسَمَاع الحَدِيث من المسندين وَقِرَاءَة مَا تيَسّر من كتبه الْمُعْتَبرَة مَعَ الْمُلَازمَة على تَحْصِيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والفنون الآلية والقوانين الْعَرَبيَّة لَا سِيمَا علم الْفِقْه والتصوف فَأخذت هَذِه الْعُلُوم عَن الْعلمَاء العارفين مِنْهُم سيدى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أخذت عَنهُ التَّفْسِير والْحَدِيث والتصوف والنحو وَمِنْهُم وَمِنْهُم الشَّيْخ فَخر الدّين أَبُو بكر بن شهَاب الدّين أخذت عَنهُ التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول والعربية بقراءتى وَسَمَاع قِرَاءَة غيرى عَلَيْهِ وَمِنْهُم شَيخنَا السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن علوى الْفَقِيه أخذت عَنهُ الْفِقْه

стр. 1309

الاصول والعربية وَجل انتفاعى بِهِ وَمِنْهُم شَيخنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بارضوان الشهير بعقلان أخذت عَنهُ الْفِقْه والتصوف وَمِنْهُم شَيخنَا القاضى السَّيِّد أَحْمد بن عمر عيديد أخذت عَنهُ الْفِقْه والنحو وَمِنْهُم شَيخنَا الشَّيْخ السَّيِّد عقيل بن عمرَان باعمر أخذت عَنهُ الْفِقْه والتصوف بِمَدِينَة ضمار وَمِنْهُم شَيخنَا عمر بن عبد الرَّحِيم بارجا الْمَشْهُور بالخطيب بظفار أَيْضا فَهَؤُلَاءِ أشهر مشايخى بِتِلْكَ الديار ثمَّ ارتحلت الى الديار الْهِنْدِيَّة وَأخذت عَن جمَاعَة ثمَّ ارتحلت مِنْهَا الى الْحَرَمَيْنِ وقضيت النُّسُكَيْنِ وتشرفت بزيارة النبى وألفيت بهما من الْمُحدثين جمَاعَة أجلاء فلزمتهم للأخذ عَنْهُم مِنْهُم الاستاذ الْكَبِير شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين البابلى أسمعنى الحَدِيث المسلسل بالاولية والمسلسل بِسُورَة الصَّفّ وَسمعت عَلَيْهِ البخارى مرَّتَيْنِ والمسلسل بقول وَأَنا أحبك وَحَدِيث المصافحة وَأخذت عَنهُ بقراءتى وبقراءة غيرى الحَدِيث رِوَايَة ودراية وَالْفِقْه أصولا وفروعا وَكَذَلِكَ التَّفْسِير والمعانى وَالْبَيَان والبديع والنحو وَالصرْف واللغة والمنطق وأصول الدّين ولازمته فى دروسه كلهَا وَكَانَ يدرس وَقت الضُّحَى وَبعد الْعَصْر وَبعد الْمغرب وَبعد الْعشَاء وأجازنى بِجَمِيعِ مروياته ولقننى الذّكر وَمِنْهُم الشَّيْخ خَاتِمَة الْحفاظ أَبُو مهدى عِيسَى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الثعالبى الجعفرى المغربى ولازمته مُدَّة اقامته بِمَكَّة فَأخذت عَنهُ جَمِيع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة الا الْفِقْه فأرويه عَنهُ بالاجازة وَسمعت مِنْهُ الحَدِيث المسلسل بالاولية وَسورَة الصَّفّ ومسند الصُّحْبَة وألبسنى الْخِرْقَة الشَّرِيفَة ولقننى الذّكر وأجازنى بِجَمِيعِ مروياته وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل المربى المكمل صفى الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد المدنى الشهير بالقشاشى قَرَأت عَلَيْهِ بعض الْجَامِع الصَّغِير وناولنيه بِيَدِهِ وأجازنى بِجَمِيعِ مؤلفاته ومروياته ولقننى الذّكر وألبسنى الْخِرْقَة وصافحنى وَمِنْهُم شيخ الاسلام عبد الْعَزِيز الزمزمى أخذت عَنهُ الْفِقْه وصافحنى وأجازنى بِجَمِيعِ مروياته ومؤلفاته وقرأت علم الْفَرَائِض والحساب على الْأَوَّلين من الثَّلَاثَة وقرأت علم الْمِيقَات والحساب بِسَنَد الْخِرْقَة والصحبة على شَيخنَا خَاتِمَة الْمُحَقِّقين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المغربى وأجازنى وأطعمنى الاسودين بِسَنَدِهِ الى سيد الْمُرْسلين وَمِنْهُم السيدان المشهوران فى الْحَرَمَيْنِ اماما المشرقين والمغربين الشَّيْخ مُحَمَّد بن علوى وَالسَّيِّد زين باحسن أخذت عَنْهُمَا علم التصوف وصحبتهما وألبسانى الْخِرْقَة الشَّرِيفَة وحكمانى وصافحانى ولقنانى الذّكر وَقد جمعت مروياتى عَن

стр. 1310

الْمَشَايِخ الاربعة الاولين فى مُعْجم صَغِير وأجازنى غير وَاحِد من مشايخى بالافتاء والتدريس وَلما توفى شَيخنَا على بن الْجمال أمرنى جمَاعَة من مشايخنى مِنْهُم الشَّيْخ الْجَلِيل عبد الله باقشير بِالْجُلُوسِ فى مَحَله بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فاعتذرت بامور مِنْهَا اشتغالى بِالطَّلَبِ على الْمَشَايِخ اغتناماً بملازمتهم قبل حُلُول وفاتهم وَذَلِكَ عندى أهم من التدريس فَلم يقبلُوا وألحوا على فى ذَلِك فَجَلَست فى الْمَسْجِد الْحَرَام عدَّة أَعْوَام ثمَّ انْقَطَعت عَنهُ لمَرض شَدِيد وَطلب منى جمَاعَة الْقِرَاءَة فى الدَّار وَكنت أستشفى بذلك واستمريت عَلَيْهِ ثمَّ طلبُوا الْعود الى الْمَسْجِد الْحَرَام فَلم ينشرح صدرى اليه وَطلب منى جمَاعَة ان اؤلف فى علم الْمِيقَات فألفت رِسَالَة فى علم الْمُجيب وانتفع بهَا الطّلبَة ثمَّ شرحتها شرحا وانتفع بهَا وَكتبه كَثِيرُونَ من أهل مصر واليمن والهند وألفت رسالتين مطولتين فى علم الْمِيقَات بِلَا آلَة ورسالة فى معرفَة ظلّ الزَّوَال كل يَوْم لعرض مَكَّة ورسالة فى معرفَة اتِّفَاق الْمطَالع واختلافها ورسالة فى المقنطرة ورسالة فى الاصطرلاب وألفت شرحا على مُخْتَصر الايضاح للشَّيْخ ابْن حجر جمعت فِيهِ مَا فى الْكتب المتداولة فجَاء فى جلدين كبيرين وَلما قَرَأنَا التسهيل على شَيخنَا الشَّيْخ عِيسَى المغربى جمعت من شروحه مسودات ثمَّ عَن لى ان أجعلها شرحا لجمع الْجَوَامِع النحوى للجبلال السيوطى فشرحته وَلكنه لم يتم الْآن وشرحت منطق السيوطى وَهُوَ الْآن مسودة وشرحت مُخْتَصر الرحبية الْمُسَمّى بالتحفة القدسية نظم الامام بن الْقَاسِم سميته بالمنحة المكية وجمعت ذيلا على نور السافر فى أَخْبَار الْقرن الْعَاشِر للشَّيْخ عبد الْقَادِر بن شيخ العيدروس فجَاء فى مُجَلد كَبِير وجمعت تَارِيخا فى أَخْبَار الْقرن الحادى عشر كتبت مِنْهُ مجلدا وَأخذ عَنى خلق كثير فى عدَّة عُلُوم وطلبوا الاجازة فأجرتهم وَلبس منى الْخِرْقَة كَثِيرُونَ ومدحنى جمَاعَة من أشياخى وَغَيرهم بقصائد ظريفة مَا استحسنت ذكرهَا واخترت الاستيطان فى حرم الله هَذَا مَا ترْجم بِهِ نَفسه وَلم أطلع لَهُ على أَزِيد من هَذَا الْقدر وَهُوَ مَشْهُور الصيت وَله عقب بِمَكَّة الْآن وَكَانَت وَفَاته فى آخر ذى الْحجَّة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَبى السرُور بن مُحَمَّد سُلْطَان البهوتى الحنبلى المصرى الْفَاضِل الاوحد كَانَ من أجلاء الْفُقَهَاء الْحَنَابِلَة بِمصْر لَهُ فى الْفِقْه والعلوم المتداولة الْيَد الطُّولى قَرَأَ على الامامين عبد الرَّحْمَن وَمَنْصُور البهوتيين الحنبليين وعَلى غَيرهمَا وشيوخه

стр. 1311

كَثِيرُونَ ودرس وَأفَاد وانتفع بِهِ خلق من أهل مصر وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشر رَجَب سنة مائَة بعد الالف رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَبى الصَّفَا بن مَحْمُود بن أَبى الصَّفَا الاسطوانى الدمشقى الحنفى أحد أفاضل الشَّام المعروفين ونبلائها الموصوفين وَهُوَ خالى وَله على حق تربية وَتَعْلِيم وَكَانَ آيَة من آيَات الله تَعَالَى فى الْكَمَال والمعرفة والتضلع من الادب وَحسن الْخط بأنواعه نَشأ على نزاهة وَطَاعَة وَلم يعْهَد لَهُ صبوة مُدَّة عمره واشتغل ودأب وَأخذ الْعلم عَن الشَّيْخ عبد اللَّطِيف الجالقى وَالشَّيْخ رَمَضَان العكارى وَالشَّيْخ مُحَمَّد المحاسنى ولازم من الامام الْهمام يُوسُف بن أَبى الْفَتْح امام السُّلْطَان لما كَانَ بَينه وَبَين وَالِده من الْمَوَدَّة وَكَانَ وَكيلا عَنهُ بِدِمَشْق ثمَّ ولى الْقِسْمَة البلدية فى زمن قاضى الْقُضَاة مُحَمَّد الْمَعْرُوف بعصمتى وصيرة كَاتب عرضه وَمهر فى صَنْعَة الانشاء العربى والتركى ودرس بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة الْكُبْرَى وَصَارَ كَاتبا فى وقف سِنَان باشا بعد أَبِيه واشتهر بالمعرفة حَتَّى كَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فى ذَلِك وَكَانَ سَاكِنا صامتا حُلْو الْعبارَة حسن الْعشْرَة وَكَانَ خطه متنوعا متناسبا فى التظرف وَرُبمَا لَا يُوجد فِيهِ كشط أبدا وَكَانَت بَينه وَبَين والدى مَوَدَّة أكيدة ومدحه بقصائد وفى بَعْضهَا يَقُول فى وَصفه (فى الْمفضل والافضال بَحر كَامِل ... وَعَلِيهِ من حلل الْوَقار سُكُون) (فاق ابْن مقلة فى الْكِتَابَة والنهى ... وَابْن العميد ودره الْمكنون) (أدب كزهر الرَّوْض باكره الحيا ... تصبو اليه أنفس وعيون) (مدحى لَهُ فرض على محتم ... عندى ومدحى غَيره مسنون) (فَلهُ يحركنى رسيس صبَابَة ... ولبعده عَنى الرقاد شطون) وَكَانَت وِلَادَته فى سنة أَربع وَعشْرين وَألف وَتوفى فجاءة فى سنة سبع وَسبعين وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس مُحَمَّد بن أَبى الْقسم بن مُحَمَّد السَّيِّد الْجَلِيل لَهُ مُشَاركَة فى الْعُلُوم والانساب وفى السعى بِالْخَيرِ بَين الْعَرَب والولاة وَلَهُم فِيهِ مُعْتَقد عَظِيم وبيتهم بَيت رياسة لَهُم الجاه المكين عِنْد الامراء وَالْعرب خُصُوصا أَوْلَاد الشريف بن جَابر فان لَهُم عَلَيْهِ الْيَد المستطيلة بِفضل الله تَعَالَى وعَلى الْفَخر وعَلى المهادلة وَشهر بَين مهادلة الدُّنْيَا أَن كل من قتل قَتِيلا وَركب على تربيتهم وتربه سيدنَا أَبى بكر بن على الاصم عفى عَنهُ وَلم يُؤْخَذ مِنْهُ دِيَة وَلَا قَود ومسكنهم المنيرة وهم قائمون بِالْجمعَةِ وَالْجَمَاعَة وامتحنوا فى أَيَّام فضل

стр. 1312

الله باشا بمغالطة نسبت اليهم وهى على الْعَرَب بنى صليل فاستشهد مِنْهُم جمَاعَة لسعادة سيقت وأظن أَن زَوَال دولة الاروام من الْيمن بسببهم لَان السَّيِّد عبد الله بن أَبى الْقَاسِم لما قتلوا وَلَده وأسروه وَجعل صرخة الى النبى وَسلم مَحْفُوظَة وَقَالَ فِيهَا فنظلمهم وبجورهم انْزِلْ بهم ذكره السَّيِّد مُحَمَّد بن الطَّاهِر بن الْبَحْر وَكَانَت وَفَاته بعد أَخِيه عبد الله فى سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف وَخَلفه وَلَده السَّيِّد الْجَلِيل الْعَلامَة الْمُحدث أَبُو الْقَاسِم وَقَامَ بزاويتهم بعد أَبِيه وَعَمه مُحَمَّد بن أَحْمد القدسى الخريشى الحنبلى تَرْجمهُ الشَّمْس الداودى وَقَالَ فى تَرْجَمته كَانَ وَالِده بِنَاء وَكَانَ يقْرَأ الْقُرْآن وَرُبمَا نَاب عَن وَلَده فى الامامة فى بعض الاحيان ورحل هُوَ الى الْقَاهِرَة واشتغل بالجامع الازهر وَغَيره وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة حَتَّى برع وتميز وتأهل للتدريس وَالْفَتْوَى وأجيز بذلك من شُيُوخه المصريين ثمَّ قدم الى الْقُدس وَأقَام بهَا ملازما على الدُّرُوس وَكَانَ عَالما عَاملا خَاشِعًا ناسكا متقللا من الدُّنْيَا قانعا باليسير طَوِيل التَّعَبُّد كثير التَّهَجُّد ملازما على تِلَاوَة الْقُرْآن وَتَعْلِيم الْعلم انْتفع بِهِ أهل الْقُدس انتفاعا ظَاهرا وَكثير من أهل نابلس وخصوصا فى الْعَرَبيَّة وَكَانَ لَا يجْتَمع بالامراء وَلَا بالقضاة مَعَ حرصهم على الِاجْتِمَاع بِهِ وَكَانَ امام الْحَنَابِلَة بالمجمع الذى تَحت الْمدرسَة القايتبائية ومفتيهم وَكَانَ يعظ النَّاس وَيذكرهُمْ وَحصل بَينه وَبَين صاحبنا الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن شَيخنَا الشَّمْس مُحَمَّد بن أَبى اللطف وَحْشَة أدَّت الى ترك ذَلِك قيل سَببهَا أَن الخريشى وقف على حكم العذبة والتلحى واستحباب ذَلِك فَأرْخى لَهُ عذبة ثمَّ تلحى وَكَانَ لَهُ طلبة ومحبون يعتقدونه فَأخذُوا بالاقتداء بِهِ فى ذَلِك وَكثر متعاطو ذَلِك حَتَّى من أَوْلَاد الْمَشَايِخ وَصَارَ بعض النَّاس يَضْحَكُونَ مِنْهُ وَمِنْهُم ويأمرونهم بترك ذَلِك وَهُوَ يحملهم على الْمُلَازمَة وَترك الِالْتِفَات الى قَول المنكرين فَأدى ذَلِك أَن أفتى الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور بِأَن التحلى بِدعَة وَيُعَزر متعاطيه فتسلط السُّفَهَاء على المتلحين يؤذونهم ويؤذون الشَّيْخ الْمَذْكُور الذى أَمرهم بذلك وَيَقُولُونَ هُوَ مُبْتَدع وَسعوا فى مَنعه من الْوَعْظ فَترك ذَلِك وَتحمل الاذى وصبر فَلم تمض الا مُدَّة قَليلَة حَتَّى مَاتَ الشَّيْخ اللطفى مسكوتا فَصَارَ النَّاس يَقُولُونَ هَذَا من بركَة الخريشى وانكاره على السّنة وَكَانَت وَفَاة الخريشى فى لَيْلَة الاحد ثَالِث عشر ربيع الثانى سنة احدى بعد الالف والخريشى بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة والشين الْمُعْجَمَة مُصَغرًا نِسْبَة الى قَرْيَة فى جبل نابلس رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1313

مُحَمَّد بن أَحْمد بن شهَاب الدّين الملقب شمس الدّين بن هِلَال الحمصى الاصل الدمشقى الْفَقِيه الحنفى الْمَشْهُور أَخذ الْفِقْه عَن القطب بن سُلْطَان وَالشَّمْس بن طولون وَالشَّيْخ عبد الصَّمد العكارى وَقَرَأَ المعقولات على الْعَلَاء بن عماد الدّين وَلزِمَ فِيهَا أَبَا الْفَتْح الشبسترى وَأخذ الادب عَن أَبى الْفَتْح المالكى وَقَرَأَ على الْمولى على ابْن أَمر الله الحتاتى قاضى الْقُضَاة بِالشَّام وبرع فى الْفِقْه وشارك فى غَيره وَولى امامة السليمانية وَكَانَ يكْتب رقاع الافتاء وَأكْثر مَا يكْتب لمفتية الْحَنَفِيَّة من الرّوم وَكَانَ هُوَ الْمُفْتى فى نفس الامر وَلم يكن بِدِمَشْق فى زَمَانه أعلم بالفقه وأقوال الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة مِنْهُ وَكَانَ لَهُ قدرَة تَامَّة على اسْتِخْرَاج النقول من محالها وَفِيه يَقُول شَيْخه أَبُو الْفَتْح المالكى (ان الْكِتَابَة للفتاوى لم تَجِد ... أحدا سواك يحل من اشكالها) (حَملتك مقلتها فيا انسانها ... أَنْت ابْن مقلتها وَابْن هلالها) قلت وَلَقَد ظرف فى هَذَا القَوْل وَابْن مقلة هُوَ أول من نقل الْخط الكوفى الى العربى وخطه يضْرب مثلا فى الْحسن لانه أحسن خطوط الدُّنْيَا وَفِيه يَقُول أَبُو مَنْصُور الثعالبى (خطّ ابْن مقلة من أرعاه مقلته ... ودت جوارحه لَو حولت مقلا) (فالبدر يصفر لاستحسانه حسدا ... والنور يحمر من نواره خجلا) وَقيل انه كتب كتاب هدنة بَين الْمُسلمين وَالروم فوضعوه فى كَنِيسَة قسطنطينية وَكَانُوا يبرزونه فى الاعياد ويجعلونه من جملَة تزايينهم فى أخص بيُوت الْعِبَادَات ويعجب النَّاس من حسنه وَمن خَبره أَنه تقلبت بِهِ أَحْوَال ومحن أدَّت الى قطع يَده وَمن نكد الدُّنْيَا أَن مثل تِلْكَ الْيَد النفيسه تقطع وَمن عجائبه أَنه كتب باليسرى بعد الْقطع وَأما ابْن هِلَال فهوا أَبُو على الْحسن بن هِلَال الْمَعْرُوف بِابْن البواب وَهُوَ الذى جَاءَ بعد ابْن مقلة وَزَاد فى تعريب الْخط ثمَّ جَاءَ ياقوت المستعصمى وَختم فن الْخط وأكمله وأدرج فى بَيت جَمِيع قوانينه فَقَالَ (أصُول وتركيب كراس وَنسبَة ... صعُود وتشمير نزُول وارمال) وفى الْقَامُوس ان أول من وضع الْخط العربى مرامر بن مرّة وَأسلم بن سِدْرَة ثمَّ تعلموه أهل الانبار فتعلمه حَرْب بن أُميَّة ابْن أُخْت أَبى سُفْيَان فتعلمه جمَاعَة من أهل مَكَّة فَلذَلِك لَك كثر من يكْتب من قُرَيْش انْتهى وَلابْن هِلَال صَاحب التَّرْجَمَة أشعار

стр. 1314

ومنشآت فَمن شعره يرثى شَيْخه الْعَلَاء (لقد فَارَقت نفسى وانبعاثى ... الى أَيَّام حزنى وانبعاثى) (لتكرارى نواحى فى النواحى ... وتجديد القوافى والمرائى) (على من كَانَ فى الدُّنْيَا ملاذى ... وملجأ غربتى وَيَد انبعاثى) وَكتب مقرظا على شرح الْعَلَاء الطرابلسى الذى وَضعه فى فَرَائض ملتقى الابحر نزهت طرفى فى رياض هَذَا الشَّرْح البديع وأجريت طرفى فى ميدان مَا أبداه من حسن الصَّنِيع فَأَلْفَيْته سَابِقًا فى حلبة التَّأْلِيف لما اشْتَمَل عَلَيْهِ من حسن الترصيع والترصيف أغْنى بِهِ من كَانَ طَالبا لعلم الْفَرَائِض وراض بعباراته الرائقة كل رَاغِب رائض بَين بفصاحته النِّسْبَة مَا بَين الرؤس والسهام وَعين ببلاغته مَا يسْتَحقّهُ الْوَارِث والملحق بِهِ من ذوى الْحُقُوق والاقسام فأخفى بساطع أنواره ضوء السراج وأبطل بلامع برهانه شهَاب الفنارى فَلم يبْق الى غَيره مفتقر وَلَا مُحْتَاج فَللَّه در هَذَا الْهمام على مَا أبرز من زهرات الاكمام فَلَقَد أَحْيَا الْموَات بسكب الانهر وَشرح الصُّدُور بشرح فَرَائض ملتقى الابحر وَلم يسْبقهُ أحد الى ذَلِك وَلَا يلْحقهُ من سلك تِلْكَ المسالك وَكَانَ تناظر هُوَ وَبَعض الْمُفْتِينَ بِدِمَشْق فى مسئلة فقهية وَظهر الْحق فى جَانِبه فألف رِسَالَة رد بهَا على الْمُفْتى وَبعث بهَا الى جدى القاضى محب الدّين فَكتب لَهُ عَلَيْهَا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (أصبت يَا ابْن هِلَال فى الردود على ... من صَار فى جَهله نَارا على علم) (جردت سَيْفا لجرح فى مقاتله ... مرصعا بيواقيت من الْكَلم) وَكَانَت وِلَادَته فى سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة وَتوفى فى الْمحرم سنة أَربع بعد الالف مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمْزَة الملقب شمس الدّين بن شهَاب الدّين الرملى المنوفى المصرى الانصارى الشهير بالشافعى الصَّغِير وَذهب جمَاعَة من الْعلمَاء الى أَنه مُجَدد الْقرن الْعَاشِر وَوَقع الِاتِّفَاق على المغالاة بمدحه وَهُوَ أستاذ الاستاذين وَأحد أساطين الْعلمَاء وأعلام نحاريرهم محيى السّنة وعمدة الْفُقَهَاء فى الْآفَاق وَفِيه يَقُول الشهَاب الخفاجى وَهُوَ أحد من أَخذ عَنهُ (فضائله عد الرّحال فَمن يطق ... ليحوى معشار الذى فِيهِ من فضل) (فَقل لغبى رام احصاء فَضله ... تربت استرح من جهد عدك للرمل) اشْتغل على أَبِيه فى الْفِقْه وَالتَّفْسِير والنحو وَالصرْف والمعانى وَالْبَيَان والتاريخ

стр. 1315

وَبِه اسْتغنى عَن التَّرَدُّد الى غَيره وَحكى عَن وَالِده انه قَالَ تركت مُحَمَّدًا بِحَمْد الله تَعَالَى لَا يحْتَاج الى أحد من عُلَمَاء عصره الا فى النَّادِر وَكَانَت بدايته بنهاية وَالِده وَحفظ الْقُرْآن والبهجة وَغَيرهمَا وَأخذ عَن شيخ الاسلام القاضى زَكَرِيَّا وَالشَّيْخ الامام برهَان الدّين بن أَبى شرِيف رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ رَأَيْت الشَّيْخ زَكَرِيَّا كالالف فى الانتصاب وَرَأَيْت برهَان الدّين وَهُوَ قَاعد الى هَيْئَة السُّجُود أقرب من الْهَرم فَقلت لوالدى مَا بَال الشَّيْخ زَكَرِيَّا مَعَ كَونه أسن من الشَّيْخ برهَان الدّين أصح جسما ومنتصب الْقَامَة فَقَالَ كَانَ الشَّيْخ برهَان الدّين يكثر الْجِمَاع حدا فأسرع اليه الْهَرم وَأما الشَّيْخ زَكَرِيَّا فَكَانَ معرضًا عَن ذَلِك جدا انْتهى وَذكر النَّجْم الغزى فى تَرْجَمته أَن لَهُ رِوَايَة عَن شيخ الاسلام أَحْمد بن النجار الْحَنْبَلِيّ وَشَيخ الاسلام يحيى الدَّمِيرِيّ الْمَالِكِي وَشَيخ الاسلام الطرابلسى الحنفى وَالشَّيْخ سعد الدّين الذهبى الشافعى وَكَانَ عَجِيب الْفَهم جمع الله تَعَالَى لَهُ بَين الْحِفْظ والفهم وَالْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ مَوْصُوفا بمحاسن الاوصاف وَذكره الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الشعرانى فى طبقاته الْوُسْطَى فَقَالَ صحبته من حِين كنت أحملهُ على كتفى الى وقتنا هَذَا فَمَا رَأَيْت عَلَيْهِ مَا يشينه فى دينه وَلَا كَانَ يلْعَب فى صغر مَعَ الاطفال بل نَشأ على الدّين وَالتَّقوى والصيانة وَحفظ الْجَوَارِح ونقاء الْعرض رباه وَالِده فَأحْسن تَرْبِيَته وَلما كنت أحملهُ وَأَنا أَقرَأ على وَالِده فى الْمدرسَة الناصرية كنت أرى عَلَيْهِ لوائح الصّلاح والتوفيق فحقق الله رجائى فِيهِ وَأقر عين المحبين بِهِ فانه الْآن مرجع أهل مصر فى تَحْرِير الْفَتَاوَى وَأَجْمعُوا على دينه وورعه وَحسن خلقه وكرم نَفسه وَلم يزل بِحَمْد الله فى زِيَادَة من ذَلِك انْتهى وَجلسَ بعد وَفَاة وَالِده للتدريس فأقرأ التَّفْسِير والْحَدِيث والاصول وَالْفُرُوع والنحو والمعانى وَالْبَيَان وبرع فى الْعُلُوم النقلية والعقلية وَحضر درسه أَكثر تلامذة وَالِده وَمِمَّنْ حَضَره الشَّيْخ نَاصِر الدّين الطبلاوى الذى كَانَ من مُفْرَدَات الْعَالم مَعَ أَنه فى مقَام أبنائه فليم على ذَلِك وَسُئِلَ عَن الداعى الى ملازمته فَقَالَ لَا داعى لَهَا الا أَنى أستفيد مِنْهُ مَا لم يكن لى بِهِ علم ولازمه تلميذ أَبِيه الشهَاب أَحْمد بن قَاسم وَلم يُفَارِقهُ أصلا وَسُئِلَ ابْن قَاسم مرّة أَن يعْقد مجْلِس الْفِقْه فَقَالَ مَعَ وجود الشَّيْخ شمس الدّين الرملى لَا يَلِيق وطار صيته فى الْآفَاق وَولى عدَّة مدارس وَولى منصب افتاء الشَّافِعِيَّة وَألف التآليف النافعة مِنْهَا شرح الْمِنْهَاج أَتَى فِيهِ بالعجب العجاب وَشرح الْبَهْجَة الوردية وَشرح الطَّرِيق

стр. 1316

الْوَاضِح للشَّيْخ أَحْمد الزَّاهِد سَمَّاهُ عُمْدَة الرابح وَشرح الْعباب لكنه لم يتم وَشرح الزّبد وَهُوَ غير شرح وَالِده وَشرح الايضاح منسك النووى وَشرح الْمَنَاسِك الدلجية وَشرح منظومة ابْن الْعِمَاد فى الْعدَد وَشرح الْعُقُود فى النَّحْو وَشرح رِسَالَة وَالِده فى شُرُوط الْمَأْمُوم والامام سَمَّاهُ غَايَة المرام وَشرح مُخْتَصر الشَّيْخ عبد الله بَافضل الصَّغِير وَشرح الاجرومية وَله حَاشِيَة على شرح التَّحْرِير لشيخ الاسلام وحاشية على الْعباب وَغير ذَلِك واشتهرت كتبه فى جَمِيع الاقطار وَأخذ عَنهُ أَكثر الشَّافِعِيَّة من أهل مصر وَرَجَعُوا اليه وَأجل تلاميذه النُّور الزيادى وَالشَّيْخ سَالم الشبشيرى وَغَيرهمَا وَمن الشاميين الشَّمْس مُحَمَّد الميدانى وَالشَّيْخ نعْمَان الحبراصى وَالشَّيْخ عمر بن الكاسوحة وَأخذ عَنهُ أَبُو الطّيب الغزى قَالَ الشلى وَالظَّاهِر انه مُجَدد الْقرن الْعَاشِر لانه لم يشْتَهر الِانْتِفَاع بِأحد مِمَّن انْقَضى الْقرن وَهُوَ مَوْجُود مثل اشتهاره واحتياج النَّاس لكتبه لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالعلوم الشَّرْعِيَّة قَالَ النبى ان الله يبْعَث لهَذِهِ الامة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا أَمر دينهَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَغَيره وَاخْتلف فى رَأس الْمِائَة هَل يعْتَبر من المولد النبوى أَو الْبعْثَة أَو الْهِجْرَة أَو الْوَفَاة وَلَو قيل بأقربية الثانى لم يبعد لَكِن صَنِيع السبكى وَغَيره مُصَرح بِأَن المُرَاد الثَّالِث وَقد ذكر الْحَافِظ السيوطى المجددين فى أرجوزة سَمَّاهَا تحفة المهتدين بأخبار المجددين وهى (الْحَمد لله الْعَظِيم المنه ... المانح الْفضل لاهل السنه) (ثمَّ الصَّلَاة وَالسَّلَام نلتمس ... على نَبِي دينه لَا يندرس) (لقد أَتَى فى خبر مشتهر ... رَوَاهُ كل حَافظ مُعْتَبر) (بِأَنَّهُ فى رَأس كل مائَة ... يبْعَث رَبنَا الهذى الامة) (منا عَلَيْهَا عَالما يجدد ... دين الْهدى لانه مُجَدد) (فَكَانَ عِنْد الْمِائَة الاولى عمر ... خَليفَة الْعدْل باجماع وقر) (والشافعى كَانَ عِنْد الثَّانِيَة ... لمَاله من الْعُلُوم الساريه) (وَابْن سريح ثَالِث الائمة ... والاشعرى عده من أمه) (والباقلانى رَابِع أَو سهل أَو ... الاسفراينى خلف قد حكوا) (وَالْخَامِس الحبر هُوَ الغزالى ... وعده مَا فِيهِ من جِدَال) (وَالسَّادِس الْفَخر الامام الرازى ... والرافعى مثل يوازى)

стр. 1317

(وَالسَّابِع الراقى الى المراقى ... ابْن دَقِيق الْعِيد بِاتِّفَاق) (وَالثَّامِن الحبر هُوَ البلقينى ... أَو حَافظ الانام زين الدّين) (وعد سبط الميلق الصوفيه ... لَو وجدت مائته وَفِيه) (وَالشّرط فى ذَلِك أَن تمضى المائه ... وَهُوَ على حَيَاته بَين الفئه) (يشار بِالْعلمِ الى مقَامه ... وينصر السّنة فى كَلَامه) (وَأَن يكون جَامعا لكل فن ... وَأَن يعم علمه أهل الزَّمن) (وَأَن يكون فى حَدِيث قد روى ... من آل بَيت الْمُصْطَفى وَهُوَ قوى) (وَكَونه فَردا هُوَ الْمَشْهُور ... قد نطق الحَدِيث وَالْجُمْهُور) (وَهَذِه تاسعة المئين قد ... أَتَت وَلَا يخلف مَا الهادى وعد) (وَقد رَجَوْت أننى المجدد ... فِيهَا ففضل الله لَيْسَ يجْحَد) (وَآخر المئين فِيهَا ياتى ... عِيسَى نبى الله ذُو الْآيَات) (يجدد الدّين لهذى الامه ... وفى الصَّلَاة بَعْضنَا قد أمه) (مقررا لشرعنا وَيحكم ... بحكمنا وفى السَّمَاء يعلم) (وَبعده لم يبْقى من مُجَدد ... وَيرْفَع الْقُرْآن مثل مَا بدى) (وتكثر الاشرار والاضاعه ... من رَفعه الى قيام الساعه) (وَأحمد الله على مَا علما ... وَمَا جلا من الخفا وأنعما) (مُصَليا على نَبِي الرحمه ... والآل مَعَ أَصْحَابه المكرمه) انْتَهَت الارجوزة قَالَ الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير قد ادّعى كل قوم فى امامهم أَنه المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث وَالظَّاهِر أَنه يعم حَملَة الْعلم من كل طَائِفَة وكل صنف من أَصْنَاف الْعلمَاء من مفسرين ومحدثين وفقهاء ونحاة ولغويين انْتهى وَقَالَ فى جَامع الاصول تكلمُوا فى تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث وكل أَشَارَ الى الْقَائِم الذى هُوَ من مذْهبه وَحمل الحَدِيث عَلَيْهِ والاولى الْعُمُوم فان من تقع على الْوَاحِد وَالْجمع وَلَا يخْتَص أَيْضا بالفقهاء فان انتقاع الامة يكون أَيْضا بِأولى الامر وَأَصْحَاب الحَدِيث والقراء والوعاظ لَكِن الْمَبْعُوث ينبغى كَونه مشارا اليه فى كل من هَذِه الْفُنُون ففى رَأس الاولى من أولى الامر عمر بن عبد الْعَزِيز وَمن الْفُقَهَاء مُحَمَّد الباقر وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالم بن عبد الله وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَغَيرهم من طبقتهم وَمن الْقُرَّاء ابْن كثير وَمن الْمُحدثين الزهرى وفى رَأس الثَّانِيَة من أولى الامر الْمَأْمُون وَمن

стр. 1318

الْفُقَهَاء الشافعى واللؤلؤى من أَصْحَاب أَبى حنيفَة وَأَشْهَب من أَصْحَاب مَالك وَمن الامامية على بن مُوسَى الرِّضَا وَمن الْقُرَّاء الحضرمى وَمن الْمُحدثين ابْن معِين وَمن الزهاد الكرخى وفى الثَّالِثَة من أولى الامر المقتدر وَمن الْفُقَهَاء ابْن سريح الشافعى والطحاوى الحنفى والخلال الحنبلى وَمن الْمُتَكَلِّمين الاشعرى وَمن الْمُحدثين النسائى وفى الرَّابِعَة من أولى الامر الْقَادِر بِاللَّه وَمن الْفُقَهَاء الاسفراينى الشافعى والخوارزمى الحنفى وَعبد الْوَهَّاب المالكى وَالْحُسَيْن الحنبلى وَمن الْمُتَكَلِّمين الباقلانى وَابْن فورك وَمن الْمُحدثين الْحَاكِم وَمن الزهاد الثورى وَهَكَذَا يُقَال فى بَقِيَّة الْقُرُون وَقَالَ فى الْفَتْح نبه بعض الائمة على أَنه لَا يلْزم أَن يكون فى رَأس كل قرن وَاحِد فَقَط بل الامر فِيهِ كَمَا ذكره النووى فى حَدِيث لَا تزَال طَائِفَة من أمتى ظَاهِرين على الْحق من أَنه يجوز أَن تكون الطَّائِفَة جمَاعَة مُتعَدِّدَة من أَنْوَاع الْمُؤمنِينَ مَا بَين شُجَاع وبصير بِالْحَرْبِ وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالامر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر وزاهد وعابد وَلَا يلْزم اجْتِمَاعهم بِبَلَد وَاحِد بل يجوز اجْتِمَاعهم فى قطر وَاحِد وتفرقهم فى الاقطار وَيجوز اجْتِمَاعهم بِبَلَد وَأَن يَكُونُوا فى بعض دون بعض وَيجوز اخلاء الارض كلهَا من بَعضهم أَولا فأولا الى أَن لَا يبْقى الا فرقة وَاحِد بِبَلَد وَاحِد فاذا انقرضوا أَتَى أَمر الله وَقَالَ الْحَافِظ زين الدّين العراقى فى أول تَخْرِيج أَحَادِيث الاحياء فى تَرْجَمَة الغزالى بعد أَن ذكر نَحْو مَا مر وانما قلت من تعْيين من ذكرت على رَأس كل مائَة بِالظَّنِّ وَالظَّن يُخطئ ويصيب وَالله أعلم بِمن أرد نبيه وَلَكِن لما جزم أَحْمد بن حَنْبَل فى الْمِائَتَيْنِ الاوليين بعمر بن عبد الْعَزِيز والشافعى تجاسر من بعده بِابْن سُرَيج والصعلوكى وَسبب الظَّن فى ذَلِك شهرة من ذكر بِالِانْتِفَاعِ بِأَصْحَابِهِ ومصنفاته وَالْعُلَمَاء وَرَثَة الانبياء وَكَذَلِكَ من ذكر أَنه مظنون فى الْمِائَة الثَّامِنَة فَعلمه الى الله تَعَالَى وَالله تَعَالَى يبْقى الْعلمَاء ويديم النَّفْع بهم الى أزمان متطاولة وَلَكِن لم تزل الصَّحَابَة يظنون قرب الامر حَتَّى قَالَ بَعضهم فى الرجل الذى يخرج الى الدَّجَّال ويقتله فَكُنَّا نرى أَنه عمر بن الْخطاب حَتَّى مضى لسبيله وَلَا انكار فى اقتراب السَّاعَة فقد قَالَ الله تَعَالَى فقد جَاءَ أشراطها انْتهى قَالَ الْعَلامَة عبد الله بن عمر بامخرمة وَيقرب عندى أَن المجدد للمائة الْعَاشِرَة القاضى زَكَرِيَّا الشُّهْرَة الِانْتِفَاع بِهِ وتصانيفه واحتياج غَالب النَّاس اليها لَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالفقه وتحرير الْمَذْهَب بِخِلَاف كتب السيوطى فانها

стр. 1319

وان كَانَت كَثِيرَة فَلَيْسَتْ بِهَذِهِ المثابة على أَن كثيرا مِنْهَا مُجَرّد جمع بِلَا تَحْرِير وأكثرها فى الحَدِيث من غير تميز الطّيب من غَيره بل كَأَنَّهُ حَاطِب ليل وساحب ذيل وَالله تَعَالَى يرحم الْجَمِيع وَيُعِيد علينا من بركاتهم قَالَ وَلَا ندرى من يكون على رَأس الْعَاشِرَة فان الْجَهْل عَم وأفق الْعلم أظلم بل قد انمى رسمه وَلم يبْق الا اسْمه وَصَارَ الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مشتهرا وَعَاد الدّين غَرِيبا وَصَارَ الْحَال عريبا انْتهى قَالَ المناوى فى شرح الْجَامِع الصَّغِير وَهنا تَنْبِيه ينبغى التفطن لَهُ وَهُوَ أَن كل من تكلم على حَدِيث ان الله يبْعَث انما يقرره بِنَاء على الْمَبْعُوث على رَأس الْقرن يكون مَوته على رَأسه وَأَنت خَبِير بِأَن الْمُتَبَادر من الحَدِيث انما هُوَ الْبَعْث وَهُوَ الارسال يكون على رَأس الْقرن أى أَوله وَمعنى ارسال الْعَالم تأهله للتصدى لنفع الانام وانتصابه لنشر الاحكام وَمَوته على رَأس الْقرن أَخذ لَا بعث فتدير بالانصاف ثمَّ رَأَيْت الطيبى قَالَ المُرَاد بِالْبَعْثِ من انْقَضتْ الْمِائَة وَهُوَ حى عَالم يشار اليه والكرمانى قَالَ قد قَالَ قبيل كل مائَة أَيْضا من يصحح وَيقوم بِأَمْر الدّين وانما المُرَاد من انْقَضتْ الْمدَّة وَهُوَ حى عَالم مشار اليه وَلما كَانَ رُبمَا يتَوَهَّم متوهم من تَخْصِيص الْبَعْث بِرَأْس الْقرن أَن الْمقَام بِالْحجَّةِ لَا يُوجد الا عِنْده أرْدف ذَلِك بِمَا يبين أَنه قد يكون فى أثْنَاء الْمِائَة من هُوَ كَذَلِك بل قد يكون أفضل من الْمَبْعُوث على الرَّأْس وان تَخْصِيص الرَّأْس انما هُوَ لكَونه مظنه انخرام علمائه غَالِبا وَظُهُور الْبدع ونجوم الدجالين قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد وَهنا دقيقة نبه عَلَيْهَا تَاج الَّذين السبكى على رِوَايَة رجل من أهل بيتى وهى أَن عمر بن عبد الْعَزِيز والشافعى قرشيان تصدق عَلَيْهِمَا الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك يتَعَيَّن عندى أَن يكون المجدد بعد الشافعى شافعى الْمَذْهَب فانه هُوَ الذى من أهل بَيت النبيى قَالَ بَعضهم وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِكَوْنِهِ من أهل الْبَيْت بِالنّسَبِ المعنوى كَمَا ورد فى الْخَبَر سلمَان منا أهل الْبَيْت وَزعم الْجمال مُحَمَّد بن عبد السَّلَام النزيلى أَن المجدد فى الْعَاشِر الشَّيْخ على بن مطير وَقَالَ السَّيِّد عبد الْقَادِر بن شيخ وَالظَّاهِر أَنه عبد الْملك ابْن دعسين وَيحْتَمل أَنه الشَّيْخ مُحَمَّد الهنى قلت ايْنَ هَؤُلَاءِ من الرملى صَاحب التَّرْجَمَة وشهرته كَافِيَة فى هَذَا الْبَاب وَكَانَت وِلَادَته سلخ جُمَادَى الاولى سنة تسع عشر وَتِسْعمِائَة بِمصْر وَتُوفِّي نَهَار الْأَحَد ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة أَربع بعد الالف والرملى نِسْبَة الى رَملَة قَرْيَة صَغِيرَة قَرِيبا من الْبَحْر بِالْقربِ من منية

стр. 1320

الْعَطَّار تجاه مَسْجِد الْخضر ﵇ بالمنوفية قَالَه الشعرانى مُحَمَّد بن أَحْمد بن حُسَيْن بن الشَّيْخ عبد الله العيدروس الولى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الحضرمى قَالَ الشلى فى تَرْجَمته كَانَ مَشْهُورا بِالْولَايَةِ التَّامَّة وَفِيه نفع عَظِيم وارشاد وَله بِمَدِينَة تريم وَأخذ عَن وَالِده امام الطَّرِيقَة وَصَحب تَاج الدّين وَشَيخ العارفين مُحَمَّد بن علوى باجحذب وجد فى الِاجْتِهَاد حَتَّى فاق أقرانه وَسَار ذكره فى الْآفَاق وقصده النَّاس من كل مَكَان وَصَحبه خلق كثير ولبسوا مِنْهُ خرقَة التصوف وَكَانَ كَبِير الْقدر وَاسع الصَّدْر وَله كرامات مَشْهُورَة وَحج هُوَ وَأَخُوهُ الشَّيْخ عبد الله ورجعا الى وطنهما تريم وَلم يزل صَاحب التَّرْجَمَة على حَالَته المرضية حَتَّى توفى الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَت وَفَاته فى سنة سِتّ بعد الالف وَدفن بمقبرة زنبل بِقرب مشْهد جده الشَّيْخ عبد الله العيدروس وقبره ظَاهر يزار رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن المنلا شمس الدّين بن شهَاب الدّين شَارِح المغنى الْمُتَقَدّم ذكره الحصكفى الاصل الحلبى الشافعى ذكره العرضى الْكَبِير فى تَارِيخه وَقَالَ فى تَرْجَمته ولد فى سنة سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ نَشأ فى حجر أَبِيه وَقَرَأَ عَلَيْهِ شرح الشذور لِابْنِ هِشَام قَالَ وَدخلت يَوْمًا الى زِيَارَة أَبِيه وَكَانَ صاحبنا فرأيته يقرئه فى بحث المبنى وَهُوَ يتعتع فى فهم الْكَلَام وتفهيمه لوَلَده لاكثار من المطالعة وَالنَّظَر فأغنيته عَن تَقْرِير ذَلِك الدَّرْس ووضحت للْوَلَد المبحث وركز حبنا فى قلب الْوَلَد فَأتى الينا باذن أَبِيه وَطلب منى الاقراء فأقرأته شرح الكافية للجامى من أَوله الى آخِره فَلم يخْتم الْكتاب الا وَقد صَار ذَا ملكة ثمَّ مَشى مَعنا فى مغنى اللبيب ثمَّ فى المطول وَشرح آدَاب الْبَحْث للمسعودى وفى الاصفهانى وَمتْن الجغمينى فى الْهَيْئَة وَشرح ابْن المُصَنّف على ألفية ابيه ابْن مَالك وفى ارشاد ابْن المقرى وَشرح الْمنْهَج للقاضى زَكَرِيَّا وَسمع من لفظى صحيحى البخارى وَمُسلم ورفيقه فى مُعظم ذَلِك أَخُوهُ الْبُرْهَان ثمَّ ان مُحَمَّدًا تصدر للتأليف فَكتب تاريخنا لحلب تعرض فِيهِ لمن حكم فِيهَا من حِين فتحهَا الصَّحَابَة الى زمن ابراهيم باشا الملقب بالحاج ابراهيم أَجَاد فِيهِ وأنبأ عَن اطلَاع عَظِيم وَكتب حِصَّة على صَحِيح مُسلم ورسالة حَسَنَة فى اسلام أبوى رَسُول الله // (ونظم الشّعْر الْحسن) // وامتدحنى بقصائد جمة مَعَ كَثْرَة عبَادَة وتلاوة لِلْقُرْآنِ وَصَلَاة حَسَنَة يُصليهَا عِنْد دُخُول الْوَقْت مَعَ الْجَمَاعَة وَيكثر فِيهَا من تِلَاوَة الْقُرْآن وكرم وافر واحسان للمحبين واجزال الضيافات ومحبة النَّاس

стр. 1321

والتواضع والتمسك بِالسنةِ مَعَ الْفَضِيلَة التَّامَّة وبغض الزَّنَادِقَة وَذكره الشهَاب مَعَ أَخِيه الْبُرْهَان وَكَذَا البديعى ووصفاهما بأوصاف حَسَنَة وَأورد الشهَاب من شعر مُحَمَّد قَوْله فى التَّرْجَمَة من الفارسية هَذَا الرباعى (فى اللَّيْل وفى النَّهَار حرا كبدى ... مقتول ضنى بجائر لَيْسَ يدى) (تنثر عينى جَوَاهِر الدمع على ... لقيَاهُ تظن أَنَّهَا طوع يدى) وَقَالَ ولصاحبنا القاسمى مثله (لقياك سرُور قلبى المحزون ... فالوحشة من نواك لَا تعدونى) (يَا وَيْح دموعى خشيت شقوتها ... منى فَأَتَت بدرها ترشينى) (وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن الرومى (وهبت لَهُ عينى الهجوعا ... فأثابها مِنْهُ الدموعا) (وَمن البلية أننى ... علقت مَمْنُوعًا منوعا) وللارجانى (لَوْلَا طروق خيال مِنْك منتظر ... يلم بى رَاقِدًا مَا ساءنى سهرى) (كَانَ جفنى اكراما لزورته ... أَمْسَى على قَدَمَيْهِ ناثر الدُّرَر) وَأنْشد لَهُ البديعى قَوْله (مَا أقل الاصحاب ان حسم أَمر ... فى عَظِيم وَمَا أقل المساعد) (وبلاء لابد للمرء مِنْهُ ... أَن يرى رَاغِبًا بآخر زاهد) وَقَوله (سيلحق من سره موتنا ... بِنَا مثل من سرنا مَوته) فِيهِ زِيَادَة على قَول الآخر (فَقل للشامتين بِنَا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كَمَا لَقينَا) وَله (قلت لما تنكرت أَمر شيبى ... وأبت دون شَرحه فى التراضى) (كَانَ لي فى الزَّمَان بعض حِسَاب ... أخرجته على كيد الممنق) وَله (سامرته فى لَيْلَة وصباحها ... يتكايدان أيدى النَّوَى للبياض) (فالليل يظْهر لى بقلب أسود ... وَالصُّبْح ينظرنى بِطرف أَزْرَق) وَله (أَلا لَيْت شعرى هلى زارنى ... حبيبى وَلَيْسَ رقيبى قريب) (وَهل علم الدَّهْر أَنى امْرُؤ ... كثير لَدَى قَلِيل الحبيب) قَالَ العرضى وأصابته حمى الرّبع فطالت بِهِ فوصف لَهُ بعض مبغضيه أَن يكتوى

стр. 1322

فى ظَهره فكواه رجل زنديق من قَرْيَة كفر حَابِس وَلَا يخفى أَن أَهلهَا مختلفوا العقائد فى سلسلة ظَهره وصادفه مجئ الشتَاء فَحصل لَهُ الكزاز مرض ردئ فَمَاتَ بِهِ فى سنة عشر وَألف رَحمَه الله تَعَالَى وَدفن فى تربة جده الخواجا اسكندر فى محلّة الجبيلة بحلب مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْعجل بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن ابراهيم ابْن الامام القطب الْغَوْث الْفَرد الْجَامِع الْفَقِيه أَبى اللقيف أَحْمد بن مُوسَى بن على ابْن عمر العجيل بن مُحَمَّد بن حَامِد بن زُرَيْق بن وليد بن زَكَرِيَّا بن مُحَمَّد بن حامدين مغرب بن عِيسَى بن مُحَمَّد الفارسى ابْن زيدين دوال بن شبوه بن ثَوْبَان بن عِيسَى بن شحاده بن غَالب بن عبد الله بن عك بن عدنان أَبُو الغوائر صَاحب بَيت الْفَقِيه الْيُمْنَى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى صَاحب الاحوال الباهرة والكرامات الخارقه الظاهره والانفاس الطاهره الذى تَوَاتر حَدِيث فَضله وجلالته وَأجْمع النَّاس على ولَايَته وعمت بركاته الْحَاضِر والباد فى كل وَاد وناد وَكَانَ نفع الله بِهِ امام أهل الْعرْفَان الْمشَار اليه بالبنان وقطب دَائِرَة الْيمن الفخيم ومركز مُحِيط ذَلِك الاقليم متخلقا بالاخلاق النبويه متصفا بِالصِّفَاتِ الربانية امام المرشدين فى عصره وأستاذ الاستاذين فى دهره جُنَيْد الطَّرِيقَة فى زَمَانه غزالى الرفيعة لامكانه ابْن عربى الْحَقِيقَة بشانه وَمن أَرْبَاب الاحوال السّنيَّة بل المقامات العليه بهر بجميل جماله أطواد الْعُقُول وأثلج بِبرد لطفه المناكب والصدور ونال مِنْهُ تلامذته الْوُصُول وَكَانَ لَهُ بِبَيْت الْفَقِيه الظُّهُور الْكَبِير العجيب والجاه الطَّوِيل العريض الْغَرِيب قلد أَعْنَاق الرِّجَال بِالْيمن المنن ودانت لَهُ النُّفُوس وان خَالف السِّرّ العلن وامتد فى المقامات والاحوال بَاعه وعمرت بالاقبال رباعه وقصده النَّاس الغادى والرائح وخدمته القرائح بالمدائح وَكَانَ رضى الله عَنهُ حَرِيصًا على سلوك الطَّرِيق من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة مواظبا على الْخَيْر لَا يصرف أوقاته فى غير طاعه حَافِظًا لازمانه وأوقاته مُقبلا على طاعات ربه وعباداته حسن السمت والسيره نير الْقلب والسريره مَعَ كرامات أشهر من الشَّمْس فى رَابِعَة النَّهَار وخوارق اشتهرت فى سَائِر الاقطار وَرَأَيْت بِخَطِّهِ نفع الله بِهِ مَا نَصه أخبرنى الشَّيْخ الصَّالح نجم الدّين بن أَحْمد الفيومى المصرى أَنه رأى فى خيال سنته يَوْم عيد الْفطر سنة سبع وَألف كَانَ البنى فى مَحل

стр. 1323

قَبره الْكَرِيم بارز والنور يخرج من سَائِر أَجْزَائِهِ وَيخرج من صَدره الْكَرِيم نور لَهُ جرم وَحلق السبابَة والابهام وَقَالَ مِقْدَار هَذَا قَالَ وَرَأَيْت ذَلِك ممتداً من مَحَله حَتَّى اتَّصل بسيدى مُحَمَّد الْعجل وَهُوَ اذ ذَاك فى حَال قِرَاءَة المولد وَالذكر بمسجده وَصَارَ النُّور يدْخل فى صَدره مستمرا على ذَلِك وَرَأَيْت جمعا من الاولياء ينالهم نور من ذَلِك لكنه صَغِير الجرم وَمثله الرائى بالخيط فى مُقْتَضى الْحس قَالَ واستيقظت وَالْحَال على مَا هى عَلَيْهِ من اتِّصَال نور النبى بصدر سيدى الْفَقِيه مُحَمَّد ودخوله فِيهِ وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم انْتهى وَيُقَال ان صَاحب التَّرْجَمَة اسْتمرّ نَحْو سنتَيْن مَرِيضا فَكَانَ فى النَّهَار يذهب الى الهيجاء ويأتى بِاللَّيْلِ الى تربة جده سيدى الْفَقِيه أَحْمد بن مُوسَى حَتَّى ظهر لَهُ فى لَيْلَة وَأَعْطَاهُ اصبعه فمصها وَأمره بِالرُّجُوعِ الى الْبَلَد للتربية والارشاد وَيُقَال أَيْضا انه أَتَاهُ آتٍ فى مَنَامه وَقَالَ لَهُ لَازم مطالعة كتب الشَّيْخ الاكبر ابْن عربى وَنحن ندافع عَنْك بِالسَّيْفِ والترس أَخذ الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا من الْعُلُوم الدِّينِيَّة عَن مُحدث الْيمن وحافظه عبد الرَّحْمَن الديبع صَاحب التَّيْسِير وَأَجَازَهُ اجازة عَامَّة بمروياته وَأخذ الطَّرِيق عَن السَّيِّد الولى الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبى الْقَاسِم بن على صَاحب الضُّحَى وَغَيرهمَا من شُيُوخ عصره وَعنهُ وَلَده الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَحْمد أَبُو الْوَفَاء الْعجل وَكَانَ ينظم الشّعْر وَمن شعره قَوْله فى القات (لاندية الخلان صَاحب تجمل ... بوجدان قات زانها وتهلل) (فيا حسنه ان رق يَوْمًا الْمحْضر ... وحف بألطاف لَهَا الْفضل يجمل) (فيا سادة قَامُوا على قدم الصَّفَا ... اذ القات واخاكم فَقومُوا وهللوا) (وَقُولُوا بِلَفْظ الْجمع وَالْفرق خلفوا ... لَان سوى البارى خيال مُبْطل) (وَحكم ارتباط عادمى غير مُنكر ... واحكامه فى الشَّرْع حَقًا تبطل) (وَلكنه سُبْحَانَهُ جلّ قدره ... لَهُ مَعَ جَمِيع الكائنات تفضل) (بهَا خصهم فضلا وَمنا عَطِيَّة ... وَلَيْسَ لَهُم بِالْكَسْبِ فِيهَا مُحَصل) (فَلَا تنكرن يَا صَاح قَول مفضل ... أَتَى عَن معانى الْقرب يحْكى وينقل) (فَسلم لتسلم فالسلام مُسلم ... لمن كَانَ أَسبَاب النجَاة يحصل) (ولازم على التَّسْلِيم فى كل حَالَة ... تنَلْ كل مَا ترجو وَمَا أَنْت تَأمل) (ودع كل خب فى الْمقَال مخرق ... يروع أهل الْحق ثمَّ يضلل)

стр. 1324

(فكم عَالم بِاللَّه يَأْكُل قاتنا ... وَمَا هُوَ عَن طرق الْهِدَايَة يعدل) (فيا نعم قوت الصَّالِحين وقاتهم ... ينشط معوانا لَهُم لَا يكسل) (فأجمع أهل الله من أهل قطرنا ... وَمِمَّنْ لَهُم نور الْهِدَايَة يكمل) (يَقُولُونَ مَا فى القات ضرّ وَلَا أَذَى ... ولامس جن للمساوى يخيل) (واما رَأَيْت القات وقتا بِحَضْرَة ... اليها يَقِينا للكرامة يحمل) (فقابله يَا ذَا الود بالرحب والهنا ... وَقبل رغام الارض اذ هُوَ يُوصل) (وَمَا ذَاك الا أَن فِيهِ لنا الى ... معَان عليات الْمقَام توصل) (فأهلا بِهِ ألفا وسهلا ومرحبا ... لاجل الذى فِيهِ من السِّرّ يُوكل) (وبادر الى ذكر الاله قبيله ... وذكرك باسم الله للخير يُوصل) (فآكله هاد منيف ومهتد ... محب ومحبوب الى الرشد موصل) (فحاشا وكلا أَن يكون رَفِيقه ... وَقد رافق الاخيار غيا يحصل) (فمدح كرام الحى أعظم شَاهد ... على جمع أسرار حواها وَأَعْدل) (وراها أنَاس بالكشوفات قالهم ... رجال عَلَيْهِم فى الامور الْمعول) (فَمن بَعْضهَا جذب حُضُور لذاكر ... وَفِيهِمْ أموران خلا لَيْسَ تحصل) (وَلَكِن أخى لَا ينْتج القات ان خلا ... عَن النِّيَّة الْعُظْمَى فانك تهمل) (وَيَكْفِيك قَول الْمُصْطَفى فى امتداحها ... عَظِيم حَدِيث فى الرسائل أول) (فأحرص على القات الشريف بحبه ... وقارنه بِالنِّيَّاتِ ان أَنْت تَأْكُل) (تشاهد أمورا من غَرِيب معارف ... من الحضرة العلياء تَأْتِيك ترمل) (بحلة لفظ من نقوش فمنم) لَهُ ترجمان الْقلب يرْوى مفصل) وَلم تزل نفحات نسماته عاطرة الارج وزجاجات وارداته ظَاهِرَة الرهج الى أَن أحب الله لقاءه فَأجَاب داعيه ودرج وبروحه اللطيفة اليه عرج وَكَانَت وَفَاته ظهر يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشر شهر ربيع الثانى سنة احدى عشرَة بعد الالف وَدفن بِبَيْت الْفَقِيه ابْن عجيل وَبنى عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة بناها الْوَزير حسن باشا حَاكم الْيمن وَكَانَ ختم بنائها نَهَار الْخَمِيس رَابِع عشر شهر شَوَّال سنة اثنتى عشرَة وَألف وقبره درياق مجرب الْقَضَاء الْحَوَائِج رَحمَه الله تَعَالَى السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد المنعوت محب الدّين الحصنى الدمشقى الشافعى السَّيِّد الْعَالم الْعلم الْجواد المربى كَانَ غَايَة فى الْوَرع والتقشف والتصلب فى أَمر الدّين دينا

стр. 1325

خيرا ناجحا ملازما للاعتكاف بِمَسْجِد الحصنية بمحلة المزاز من الشاغور البرانى بِدِمَشْق وَكَانَ محافظا على عمَارَة مطبخ آبَائِهِ بخان الكشك الْمُقَابل لخان ذى النُّون خَارج دمشق باصلاح الْحَلْوَى وَالطَّعَام والتفرقة على الْحجَّاج ذَهَابًا وايابا وَكَانَ سخيا لَا يمسك شَيْئا وَله حفدة ومريدون كلهم عائلة عَلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته نَهَار السبت حادى عشر شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة بعد الالف وَقيل فى تَارِيخه (ان الشريف مُحَمَّد القطب الذى ... يدعى محب الدّين للاخرى انْتقل) (ان تسألونى أَيْن حل فأرخوا ... فى وسط جنَّات النَّعيم قد نزل) وَبَنُو الحصنى بِالشَّام أشهر من كل مَشْهُور وهم بَيت بَارك الله فيهم من قواد مُهِمّ الى خوافيهم وجدهم التقى شيخ شافعية الشَّام فى عصره وأوحد زهاد زَمَنه الْمَشْهُور بسمو قدره تميز بهم الْفَاضِل من الْمَفْضُول فالتعرض لشرح أَحْوَالهم ضرب من الفضول مُحَمَّد بن أَحْمد بن على القاضى شمس الدّين الْمَعْرُوف بِابْن المغربى المالكى الدمشقى مفتى الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق وقاضى الْبَاب أحد الاذكياء الْفُضَلَاء حفظ الْقُرْآن فى ابْتِدَاء أمره وَصَارَ مُؤذنًا بالجامع الاموى وَكَانَ حسن الصَّوْت وَأخذ الْفِقْه عَن القاضى عَلَاء الدّين بن الْمرجل البعلى وسافر الى مصر وَأخذ عَن علمائها كالبنوفرى وَغَيره وَحج وجار وَأخذ عَن مَشَايِخ مَكَّة وَقَرَأَ بِدِمَشْق على مَشَايِخ الاسلام أَبى الْفِدَاء اسمعيل النابلسى والعماد الحنفى وَالْجد القاضى الْمُحب وَالشَّمْس ابْن المنقار وناب بمحكمة قناة العونى ثمَّ بِالْبَابِ بعد سفر شَيْخه القاضى عَلَاء الدّين الى الْحَج وَكَانَ يدرس بالجامع الاموى ويفتى واستقرت لَهُ الْفَتْوَى مُنْفَردا بهَا بعد شَيْخه وَكَانَت سيرته فى الْقَضَاء حَسَنَة وَكَانَ لطيف المعاشرة وَصَارَ اماما بالجامع الاموى وَكَانَ يتعاقب على الْقَضَاء هُوَ والقاضى كَمَال الدّين بن خطاب وَاسْتقر الامر آخرا لِابْنِ خطاب وَكَانَ اذا عزل يحصل لَهُ قهر عَظِيم وَلما طَال عَزله آخر الامر مرض وَطَالَ مَرضه وَلما دخل ابْن جانبولاذ دمشق وَمَعَهُ السكبانية والدروز دخلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فى بَيته بحارة قصر حجاج خَارج بَاب الْجَابِيَة وانتهبوه وأهانوه فَزَاد قهره وَاسْتمرّ متضعفا يشكو حَتَّى توفى يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر ربيع الاول سنة سِتّ عشرَة وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير مُحَمَّد بن أَحْمد أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بوحيى زَاده الرومى شَارِح مغنى اللبيب أَصله من

стр. 1326

بَلْدَة ازنيق وجده على بيك مَذْكُور فى تذكرة الشُّعَرَاء وَقد أكمل صَاحب التَّرْجَمَة طَرِيق الصُّوفِيَّة على بعض الْمَشَايِخ وَجلسَ على سحاده الذّكر والوعظ الى أَن مَاتَ الشَّيْخ وَسنة فى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ مدرس دَار الحَدِيث المنسوبة لوالدة السُّلْطَان بِمَدِينَة اسكدار فوجهت اليه مَعَ وعظ الْجَامِع الْمَنْسُوب اليها وَكَانَ بَحر فياضاً فى الْعُلُوم خُصُوصا الْعَرَبيَّة متفننا فى غَيرهَا وَمن آثاره الجليلة شرح مغنى اللبيب فى مجلدين وَهُوَ شرح حافل مُفِيد يدل على سَعَة اطِّلَاعه وَله على التَّفْسِير تعليقات وَكَانَ وِلَادَته فى سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى سنة ثَمَان عشرَة بعد الالف وَكَانَ عمره لما مَاتَ تسعا وَسبعين سنة كَذَا قَالَه ابْن نوعى مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن اسمعيل بن مُحَمَّد المنعوت شمس الدّين بن الاكرم الْحَنَفِيّ وَيعرف بقطا الْبر كَمَا أَن أَبَاهُ كَانَ يعرف بقطا الْبَحْر أحد فضلاء دمشق وأصلائها وَكَانَ فَاضلا مخشوشنا متقشفا قَرَأَ فى أول أمره ثمَّ وصل الى خدمَة الْبَدْر الغزى فَقَرَأَ عَلَيْهِ فى الاحياء وَلما مَاتَ أَبوهُ فى سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة سَافر الى الرّوم وَولى تدريس الْمدرسَة المقدمية وَرجع من الرّوم فى شكل عَجِيب على أسلوب موالى الرّوم من الاثواب الطَّوِيلَة بالاكمام الواسعة ولقب نَفسه بشيخ الاسلام وَكَانَ يجمع الْفُقَرَاء على الذّكر عِنْده بِالْمَدْرَسَةِ ويتردد اليه بعض المنشدين وَرُبمَا يكسوهم وَيطْعم الْفُقَرَاء وَكَانَ يتظاهر بانكار بعض المناكر وَكَانَ يمر على تخت الْقمَار بمحلة تَحت القلعة فيأمر بتكسيره وَضرب المقامرين وَكَانَ قَلِيل الْحَظ من الدُّنْيَا مَعَ السخاء الزَّائِد وَكَانَت وَفَاته بداء الْبَطن فى وَقت الْغَدَاء من يَوْم الثلاثا ثَالِث عشر ذى الْحجَّة سنة عشرَة بعد الالف عَن خمس وَخمسين سنة وَدفن عِنْد أَبِيه بمقبرة الفراديس وَبَنُو الاكرم بِدِمَشْق طَائِفَة كَبِيرَة مِنْهُم مُحَمَّد وَهُوَ جد مُحَمَّد هَذَا وَالِد وَالِده كَانَ فى آخر دولة الجراكسة أَمِيرا من أمرائهم فَلَمَّا ذهبت دولة الجراكسة وَجَاءَت دولة آل عُثْمَان أعطَاهُ السُّلْطَان سليم الفاتح زعامة دولة الجراكسة وَجَاءَت دولة آل عُثْمَان أعطَاهُ السُّلْطَان سليم المفاتح زعامة بِأَرْبَعِينَ ألف عثمانى فاستمر مبَاشر الزعامة الى أَن عينوه خَادِمًا للسلطنة فى جمع أَمْوَال الْعَرَب فَكتب الى الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ علوان الحموى كتابا ولوح فِيهِ الى مَا هُوَ مبتلى بِهِ من خدمَة السلطنة وَأَشَارَ الى استفهامه عَن هَذِه الاحوال هَل تخلص صَاحبهَا عِنْد الله تَعَالَى فَكتب اليه الشَّيْخ علوان كتاب يَقُول فِيهِ وَلَا بَأْس بِخِدْمَة السُّلْطَان اذا كَانَت على طَرِيق الاسْتقَامَة وَأَيْضًا فان الرأى أَن تكون

стр. 1327

حَيْثُ أنزلك حَتَّى يكون الله عَنهُ نقلك وَأَيْضًا فان الله لَو لم يرد لَك هَذَا الامر الذى أَنْت فِيهِ مَا سهله لَك وسَاق من ذَلِك فَصَارَ وَكتب بعده فى حَاشِيَة الْمَكْتُوب وَمَعَ ذَلِك أَقُول (سجنو الطّيب لغاتهم ... يَا ليتهم كَانُوا صموت) (موت النُّفُوس حَيَاتهَا ... من رام أَن يحيا يَمُوت) فَلَمَّا وقف على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ علم الاشارة فَنزع ثِيَابه كلهَا وَعتق مماليكه وَدخل فى عدل ثخين وَجلسَ فى محلّة العنابة فى مَسْجِد الْعين ثَلَاثَة أَيَّام لَا يكلم أحدا وَلَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَترك الزعامة والدولة وَاسْتمرّ فى بَيته بمحلة العنابة جَالِسا متفردا عَن النَّاس لابسا ثِيَاب الصُّوفِيَّة الى أَن مَاتَ فانتقل وَلَده أَحْمد الى محلّة القيمرية وَسكن فى بيُوت ابْن الحارة ثمَّ أثبت الْمدرسَة المقدمية وانه من ذُرِّيَّة واقفها وَأظْهر على مَا ادَّعَاهُ عدَّة تمسكات وانتقل اليها وسكنها ثمَّ سكنها بعده ابْنه صَاحب التَّرْجَمَة كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَاسْتمرّ بِيَدِهِ تدريسها وتوليتها وَهَذِه الْمدرسَة منسوبة الى من هم منتسبون اليه وَهُوَ أَمِير الامراء شمس الدّين الْمُقدم الذى كَانَ من كبار الامراء فى زمن الْملك الْعَادِل نور الدّين الشَّهِيد ثمَّ صَار من كبار الامراء الصلاحية وَحج فَوَقع بَينه وَبَين أَمِير الْحَاج العراقى طاشتكين فَضرب ابْن الْمُقدم بِسَهْم وَقع فى عينه فَمَاتَ من غده ذكره ذَلِك ابْن خلكان فى تَارِيخه وَغَيره من المؤرخين مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن ادريس المنعوت بشمس الدّين الحلبى ثمَّ الدمشقى الْمَعْرُوف بِابْن قولا قسز وَقد تقدم ابْنه أَحْمد وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا فَاضلا بارعا فَقِيها لَهُ اطلَاع على مسَائِل فقه الامام الاعظم أَبى حنيفَة قَرَأَ بحلب على عالمها الامام النَّجْم بن الحنبلى الاصول وَالْفِقْه والْحَدِيث وَأخذ عَن منلا أَحْمد القزوينى الْمعَانى وَالْبَيَان وَالتَّفْسِير ثمَّ رَحل الى دمشق وَأخذ بهَا الْفِقْه عَن خطيب الشَّام وفقيهها النَّجْم والبهنسى والْحَدِيث عَن شيخ الاسلام الْبَدْر الغزى وَقَرَأَ البخارى عَن النُّور النسفى وَأخذ الْفَرَائِض عَن الشَّيْخ عبد الْوَهَّاب الحنفى والقراآت عَن الطيبى والمنطق عَن منلا ابراهيم الكردى القزوينى الحلبى وَبِه تفقه وَلَده أَحْمد وَكَانَ يحب الْعُزْلَة والانجماع عَن النَّاس وَلم يكن لَهُ وَظِيفَة وَلَا مدرسة وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ من خِيَار الافاضل وَكَانَت وِلَادَته فى خَامِس عشرى شهر ربيع الاول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة وَتوفى نَهَار الاحد رَابِع عشرى شهر ربيع الاول سنة احدى وَعشْرين وَألف وَدفن بمقبرة بَاب الصَّغِير رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1328

مُحَمَّد بن أَحْمد الدجانى القدسى الشَّيْخ المعمر الْبركَة الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مفتى الشَّافِعِيَّة بالقدس الشريف رَحل الى مصر واشتغل بهَا وبرع ثمَّ رَجَعَ الى وَطنه وَشرح ألفية ابْن مَالك والرحيبة وَأفْتى على مَذْهَب الشافعى وَصَامَ الدَّهْر أَزِيد من خمسين عَاما وَكَانَ منزويا عَن النَّاس قَلِيل الِاجْتِمَاع بهم غير متصنع فى هَيئته وَلَا مباهيا بملبسة قَلِيل الْكَلَام مجذوبا وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم وَكَانَت وَفَاته صَبِيحَة نَهَار الاربعاء سَابِع عشرى ذى الْحجَّة سنة سِتّ وَعشْرين وَألف بدير صهيون وَصلى عَلَيْهِ بِالْمَسْجِدِ الاقصى بعد الْعَصْر وَدفن فى فسقية أَبِيه وَحضر جنَازَته الْخَاص والعالم وتبرك النَّاس بِحمْل جنَازَته وَقد تجَاوز الثَّمَانِينَ رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد المرداوى الحنبلى نزيل مصر وَشَيخ الْحَنَابِلَة فى عصره بهَا أَخذ على التقى الفتوحى وَعَن عبد الله الشنشورى الفرضى وَعنهُ أَخذ مرعى القدسى وَمَنْصُور البهوتيان وَعُثْمَان الفتوحى الحنبليون وَالشَّمْس مُحَمَّد الشوبرى وَأَخُوهُ الشهَاب أَحْمد وَالشَّيْخ سُلْطَان المزاحى وَكثير وَكَانَت وَفَاته بِمصْر فى سنة سِتّ وَعشْرين وَألف وَدفن بتربة المجاورين بِالْقربِ من السراج الْهِنْدِيّ رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد بن مصطفى بن خَلِيل الْمولى كَمَال الدّين بن عِصَام الدّين المشتهر بطاشكبرى زَاده قاضى العساكر فَرد الدَّهْر الْمجمع على فَضله وبراعته وَكَانَ فى الْعلم طوداشا مخالم ير نَظِيره فِي طَلَاقه الْعبارَة والتضلع من الْعَرَبيَّة قَالَ النَّجْم الغزى فى تَرْجَمته لم أر روميا أفْصح مِنْهُ بِاللِّسَانِ العربى وَكتب اليه شيخ الاسلام أسعد بن سعد الدّين يمدحه بقوله (الْعِزّ من الْمجد هما نَحْوك مَالا ... يَا مفخرنا كاسمك لَا زلت كمالا) (ان كَانَ على حبك لى معذرة ... كم من ألف مالى الى اللَّام كمالا) أَخذه عَن وَالِده الْعَالم الْمَشْهُور صَاحب الشقائق النعمانية فى عُلَمَاء الدولة العثمانية وَعَن شيخ الاسلام أَبى السُّعُود العمادى ودرس بمدارس قسطنطينية ثمَّ صَار قَاضِيا بحلب وَنقل مِنْهَا الى دمشق فَدَخلَهَا فى أَوَائِل الْمحرم سنة خمس بعد الالف وَأَقْبل على أَهلهَا وعاملهم بالاكرام التَّام حَتَّى سحر عقول علمائها برعايته واقباله ثمَّ طلب مِنْهُم محضرا فى الثَّنَاء عَلَيْهِ بعد شهر فَكَتَبُوا لَهُ محضراً أثنوا عَلَيْهِ بِمَا شاهدوه مِنْهُ ثمَّ لم تتمّ كِتَابَة الْمحْضر حَتَّى انْقَلب عَن أخلاقه وتظاهر بطمع لم ير نَظِيره وَأكْثر

стр. 1329

من الرِّشْوَة وَاتفقَ انه جَاءَ فى زَمَنه أَمر الْعَوَارِض بثلثمائة عثمانى فنفذه وَكَانَ قبل ذَلِك لم تكلّف النَّاس فى الْعَوَارِض مِقْدَار ذَلِك فَحَضَرَ الى الْجَامِع يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشرى شهر رَمَضَان من سنة خمس صَبِيحَة الى الشَّيْخ الْعَارِف أَحْمد بن سُلَيْمَان الصوفى فَلَمَّا فرغت الصبيحة دَعَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وأخاه الشَّيْخ ابراهيم وأراهما الامر فَذكر لَهُ الشَّيْخ مُحَمَّد فقر النَّاس وعجزهم عَنْهَا فَلم يقبل فَضَجَّ النَّاس واجتمعوا عَلَيْهِ وَأخذُوا فى شَتمه واظهار الشكاية مِنْهُ وَمن طلمه وتتابع النَّاس من أرجاء الْجَامِع وَأَكْثرُوا من سبه وأطلقوا الالسنة فِيهِ وفى الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وأخيه ونسبوهما الى التَّقْصِير فى ذَلِك ثمَّ خرج القاضى هَارِبا من بَاب العنبرانيين وَتَبعهُ أَكثر النَّاس بَعضهم يَرْجُمهُ بِلِسَانِهِ وَبَعْضهمْ بِيَدِهِ حَتَّى ان بَعضهم ضربه ببيضة فَانْكَسَرت على ثَوْبه فالتجأ الى بعض الدّور حَتَّى رَجَعَ النَّاس عَنهُ وَأما الشَّيْخ مُحَمَّد بن سعد الدّين وَأَخُوهُ فانهما خرجا من بَاب جيرون وتبعهما جمَاعَة يصيحون فردهم النُّقَبَاء والفقراء عَنْهُمَا وَقَالُوا لَهُم الحقوا القاضى ثمَّ لما أصبح القاضى أَمر بِكِتَابَة عرض ومحضر فى تَخْفيف الْعَوَارِض وَجَمعهَا دِينَارا وَاحِدًا وَأظْهر ارادة الْعدْل وَفِيه عمل أَبُو المعالى درويش مُحَمَّد الطالوى قصيدته السائرة يُشِير فِيهَا الى حادثته هَذِه ومطلعها (ان الْكَمَال على زِيَادَة نَقصه ... مولى يجود بِنَفسِهِ للمجتدى) (فاذا أَتَاكُم فَاسق فَتَبَيَّنُوا ... من حَاله وَالله يجزى المعتدى) (يقعى جُلُوسًا وسط مجْلِس حكمه ... كَيْمَا يسكن حكة فى المقعد) (واذا مَشى أدلى بواسير استه ... من خَلفه تحكى أفاعى مربد) (مثل الرشاء طَوِيلَة أذنابها ... مَا بَين ذى ذَنْب أحد وَأورد) (تنساب فَوق نقى يُبَاح صريمه ... سيان فِيهِ رائح أَو مغتد) (مكمدة ألوانها مسودة ... حمر الرؤس لَهَا لِسَان مبرد) (قد أثخنت فِيهِ الْجراح وجرحت ... مِنْهُ الفقاح فسبرها بالمرود) (تلتف فى شعر تدَاخل بعصه ... فى بعضه جَعدًا وَغير مجعد) (فَكَانَ عر فجة هُنَاكَ تفرعت ... وأصولها ساخت بِأَرْض قردد) (نسقى بِمَاء آسن فَكَأَنَّهَا ... مطروقة عين ببرقة ثهمد) (وعَلى الْمحيا اذ يحيى مسحة ... من سَام أبرص خَافَ لسع الاسود)

стр. 1330

(فاصفر بل قَالُوا دَنَانِير الرشا ... من أكلهَا صبغته لون العسجد) (من أجل ذَا حكوه وَهُوَ نبهرج ... بمحك أَحْجَار كوقع مهند) (بَينا تدار عَلَيْهِ كاسا الرشا ... وَقد انتشى مِنْهَا براحات الدَّد) (فى مجْلِس حاشاه من قَول العدا ... مَا فِيهِ غير مجسم أَو ملحد) (فاجاه عزل فاغتدى عَن جلق ... عجلَان ذَا زَاد وَغير مزود) (من بَعْدَمَا عرضت أُمُور أوجبت ... مَا أوجبت وسل الْعَوَارِض تشهد) (اذ رَاح يمشى الخيز لى من عجبه ... للجامع الاموى مَشى الخرد) (وَالنَّاس مستنون يتبع بَعضهم ... بَعْضًا وَقد قعد الْحمام بِمَرْصَد) (مَا بَين منتعل وحاف خَلفه ... يعد ويمرو كالسهام محدد) (حَتَّى رمى فى دَار قوم نَفسه ... وَأقَام فِيهَا خَائِف الضُّحَى الْغَد) (للباب مستبقا وَقد قَمِيصه ... يَا صَاح من دبر فج بالمقصد) (وهلاك رب الْعَرْش من ظلم الورى ... ان لما يفاج الْيَوْم فاجا فى غَد) (هَا قد كشفت لكم حَقِيقَة حَاله ... يَا قوم فَاسْتَمعُوا مقَالَة مرشد) (مذ ذاق طعم الْعَزْل رَاح بحسرة ... رطب العجان وكفه كالجلد) (كالاقحوانة بعد فعلى ناجر ... جَفتْ أعاليها واسفلها ند) (لَا زَالَ حادى النَّجْم يهوى خَلفه ... وسقاه نوء الرَّجْم مَوْصُول الْيَد) (مَا فرخت يَوْمًا عوارض خانة ... وأهين قَاض خَان شرع مُحَمَّد) ثمَّ ورد عَزله فى أواسط ذى الْقعدَة وَأعْطى قَضَاء حلب فَسَار اليها ثمَّ ترقى بعْدهَا فى المناصب حَتَّى ولى قَضَاء العسكرين وَكَانَ كثير الْآثَار وَله نظم ونثر فَمن نظمه مَا كتبه لشيخ الاسلام مُحَمَّد بن سعد الدّين من أَبْيَات (عاصف الحادثات أفنانى ... صَرْصَر الدَّهْر بُد أفنانى) (كمدى آدنى وأعيانى ... ارحوا سادتى أعيانى) قَالَ البورينى فى تَرْجَمته وَكَانَ وَهُوَ قاضى بِدِمَشْق وَجه الى بقْعَة تدريس عَن الشَّمْس ابْن المنقار وَلما عزل عَن دمشق وَتوجه الى حلب بلغنى انه أعْطى يحيى بن الشَّمْس الْمَذْكُور عرضا فى الْبقْعَة الْمَذْكُورَة فَكتب اليه كتابا عتب عَلَيْهِ فِيهِ بِسَبَب ذَلِك وَكَانَ مَا بلغنى بَاطِلا كذبا فَكتب الى من انشائه وَذكر رِسَالَة طولة استحسنت مِنْهَا هَذَا الْمحل فَذَكرته هُنَا وَهُوَ وَالْعجب مِنْكُم انكم صَدقْتُمْ مثل هَذَا الْخَبَر

стр. 1331

وادعيتم فِيهِ التَّوَاتُر كَأَنَّهُ حَدِيث أَو أثر وَمَا تقرر عنْدكُمْ مَا شاهدتم من محبتنا الراسخة الْبُنيان وَقد قيل فى الامثال لَيْسَ الْخَبَر كالعيان وَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا تلتفتوا الى مثل هَذِه الخرافات (وشاهدى فى ادِّعَاء الْحبّ خاطركم ... وَهُوَ المزكى فقولى لَا تردوه) (كفى بقلبى مَا يلقى ببعدكم ... لَا تحرقُوهُ بِنَار الهجر خلوه) وَكتب أَيْضا فى غُضُون رسَالَته (وَمَا أَنا حفظ الوفا متصنعا ... وَلَا أَنا للزور الْقَبِيح منمق) (وَأَنت فتدرى مَا اقتضته جبلتى ... فَمَا أدعى الا وَأَنت مُصدق) (وَلَكِن دهرا قد بلينا بأَهْله ... أَبَا حوابه ثوب النِّفَاق ونفقوا) فو الذى يعلم سرى وعلن فى جَمِيع حالى لم يصدر عَنى ذَلِك الامر وَلَا خطر ببالى وَهل يَلِيق بى ان أدنس الْعرض بِمثل ذَلِك الْعرض وأحشر فى زمرة الْكَاذِبين بَين يَوْم الْعرض (وودى أَنْت تعلمه يَقِينا ... صَحِيحا لَا يكدر بالجفاء) (فَلَا تسمع لما نقل الاعادى ... وَمَا قد نمقوه من افتراء) وَله غير ذَلِك مِمَّا يعذب وَبِالْجُمْلَةِ فقد وصفناه من الْكَمَال بِمَا فِيهِ مقنع وَلم يكن فِيهِ مِمَّا يشينه الا الطمع وَكَانَت وَفَاته فى سنة ثَلَاثِينَ وَألف وَقَالَ الْفَاضِل الاديب ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن العمادى الدمشقى فى تَارِيخ وَفَاته (أَلا انما الدُّنْيَا غرور نعيمها ... ينغصه أكدارها وزوالها) (قضى الله للْمولى الْكَمَال بِأَن قضى ... فأرخ ديار الرّوم مَاتَ كمالها) مُحَمَّد بن أَحْمد المنوفى المصرى الشافعى نزيل مَكَّة أحد الْفُضَلَاء الاعيان كَانَ فَاضلا أديبا صَاحب ثروة وَكَانَ لَهُ ايثار وبسطة يَد وَلم يزل يعانى التِّجَارَة ثمَّ لحقه ضيق يَد فسافر الى الرّوم وَصَحب مَعَه مِفْتَاح الْكَعْبَة الشَّرِيفَة قَاصِدا اعطاءه للسُّلْطَان مُرَاد وَورد دمشق وَعقد حَلقَة تدريس فى جَامعهَا الاموى بعد صَلَاة صبح الحنفى من أول رَجَب وأقرأ صَحِيح مُسلم فَاجْتمع عَلَيْهِ خلق كثير حَتَّى رفع كرسى الْوَعْظ أَيَّامًا قَليلَة وضجت الْعَالم من احداث مَا لم يكن وَمِمَّا اتّفق لَهُ انه سُئِلَ هَل كَانَ النبى يعلم السحر ويعرفه على التَّعْمِيم فَأجَاب عَنهُ انه كَانَ يعلم كل شئ مِنْهُ وَمن غَيره من غير شكّ فَنقل جَوَابه الى النَّجْم الغزى فَغَضب غَايَة الْغَضَب وَكذبه وَقَالَ انه افتراها وَأخذ النَّجْم يُقيم عَلَيْهِ الْحُدُود فى درسه كل لَيْلَة وَيَقُول انه ان أصر

стр. 1332

على ذَلِك كفر وتطلب من أقرانه عمل رِسَالَة على وفْق مُرَاده فامتنعوا من ذَلِك وَقَالُوا انه أَخطَأ حَيْثُ قَالَهَا للعوام وَمِنْهُم من أحجم وَلم يتَكَلَّم وَقَالَ قد وَقع فِيهَا خلاف وَمَا رجحوا مِنْهَا قولا لَا ينْقل وَطَالَ التنقيب على هَذِه المسئلة حَتَّى ألف الشَّيْخ أَيُّوب الخلوتى الْمُقدم ذكره فى ذَلِك رِسَالَة سَمَّاهَا السك الموفى على رَقَبَة المنوفى وهى رِسَالَة جَامِعَة لكل منثور ومنظوم فَكف بعد المنوفى عَن الدَّرْس وَأقَام الى عيد الْفطر ثمَّ رَحل الى نَاحيَة الرّوم وَالسُّلْطَان مُرَاد فى نواحى حلب قَاصد الْمسير الى روان فصحب الْعَسْكَر الى بَغْدَاد وأنجحت سفرته ونال أمانيه ثمَّ بعد فتح روان رَجَعَ الى دمشق فَابْتلى بِمَرَض الامعاء وقاسى آلاما شديده وَكَانَ سَبَب مَوته هَذَا خُلَاصَة مَا نقلته من ثَبت الشَّيْخ مُحَمَّد بن على المكتبى الدمشقى وَرَأَيْت للمترجم تَرْجَمَة فى السلافة وَصَاحب السلافة سبطه قَالَ فى تَرْجَمته هُوَ جدى لامى وَمن مَلَأت بِهِ من عريق النّسَب كمى امام الائمة الشَّافِعِيَّة وَرب الفطنة الالمعية ملك الْعُلُوم زماما وَتقدم فى مقَام الْفضل اماما فصلت الافاضل خَلفه وظلت الْفَضَائِل حلفه لَا يشق لَهُ غُبَار فى مضمار سباق وَلَا يباريه مبار فى اصطباح واغتباق وَلَا سوى الْفضل والادب صبوح وغبوق وَهُوَ السَّابِق فيهمَا وَمن عداهُ مَسْبُوق وَكَانَ قد شدّ لرحلة الرّوم ركابه وابله (يُرِيد بسطة كف يَسْتَعِين بهَا ... على قَضَاء حُقُوق للعلى قبله) فأسفرت سفرته عَن وُجُوه آماله وَأهب عَلَيْهِ الاقبال نسائم قبُوله وشماله فَتَلقاهُ ملكهَا بِأَهْل ومرحب وأنزله من ألطافه واسعافه أفسح منزل وأرحب ونفحه بنفحات عنايته المسكية حَتَّى قَلّدهُ أَكثر المناصب المكية فَلَمَّا عَاد الى وَطنه بِقَضَاء أمله ووطره نصبت لَهُ الْمنون أشراكها فى طَرِيقه وأغصته اذ ساغت لَهُ أمانيه بريقه ثمَّ قَالَ وَلَا يحضرنى الْآن من شعره غير مَا رَأَيْته مَنْسُوبا اليه بِخَط سيدى الْوَالِد وَهُوَ (عتبت على دهرى بأفعاله الَّتِى ... أضاق بهَا صدرى وأضنى بهَا جسمى) (فَقَالَ ألم تعلم بِأَن حوادثى ... اذا أشكلت ردَّتْ لمن كَانَ ذَا علم) قَالَ وَهَذَانِ بيتان لَا يشيد مثلهمَا الا من شاد ربوع الادب وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب وهما أنموذج براعته وبلاغته واقتداره على سبك ابريز الْكَلَام وصياغته وَقد صدرتهما وعجزتهما فَقلت

стр. 1333

(عتبت على دهرى بأفعاله الَّتِى ... برانى بهَا بَرى السِّهَام من الْهم) (ليصرف عَنى فادحات نوائبى ... أضاق بهَا صدرى وأضنى بهَا جسمى) (فَقَالَ ألم تعلم بِأَن حوادثى ... وأخطارها اللاتى تلم بذى فهم) (يضيق بهَا ذُو الْجَهْل ذرعا وانما ... اذا أشكلت ردَّتْ لمن كَانَ ذَا علم) وَكَانَت وَفَاته فى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف رَحمَه الله تَعَالَى مُحَمَّد بن أَحْمد حَكِيم الْملك بِضَم الْمِيم وَسُكُون اللَّام الفارسى أصلا ومحتدا والمكى منشأ ومولدا أديب الْحجاز وشاعره وبليغه ذكره السَّيِّد مَعْصُوم فَقَالَ فى وَصفه فَاضل تأزر بِالْفَضْلِ وارتدى وسلك سَبِيل المكرمات واهتدى سَام فى فنون الْعلم وَصرح وأوضح متون الادب وَشرح وَهُوَ من بَيت رياسة وجلاله وَقوم لم يرثوا الْمجد عَن كلاله وَكَانَ لسلفه عِنْد مُلُوك الْهِنْد التيموريه مَحل تتضوع الْمَرَاتِب ريه وتستسقى المناصب ريه وَلما وَفد جده على السَّادة الاشراف الْمُلُوك من بنى حسن قابلوه مُقَابلَة الجفن للوسن فاكرموا نزله وقلدوا بأيادى منتهم بزله وَولد صَاحب التَّرْجَمَة بِمَكَّة فَنَشَأَ فى حجر الْفضل وَالْمجد وانتشق عرف خزامى تهَامَة وشميم عرار نجد فَجمع بَين تليد الْمجد وطارفه ورفل فى فضفاض الادب فى أبهى مطارفه وَلم يزل مُتبعا تِلْكَ الدَّار مَحْمُود الايراد والاصدار مَعَ تمسكه من سلطانها الشريف محسن بالعروة الوثقى الَّتِى لَا تنفصم وحلوله لَدَيْهِ بالمكانة الَّتِى مَا حلهَا ابْن أَبى دؤاد عِنْد المعتصم حَتَّى حصل عَلَيْهِ من الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب مَا حصل لما انحل عقد ولَايَة الشريف محسن مِنْهَا وانفصل فَكَانَ مِمَّن نهب الشريف دَاره وَمَاله وَقطع من الامان أمانيه وآماله فالتجأ مستأمنا الى بعض الاشراف فَأَمنهُ على نَفسه بعد مُشَاهدَة الْوُقُوف على الْهَلَاك والاشراف ثمَّ سَار مختفيا الى الْيمن وَاسْتمرّ حَتَّى قتل الشريف أَحْمد فَلم ير من شرِيف مَكَّة الشريف مَسْعُود مَا كَانَ يؤمله قبل فَتوجه الى الْهِنْد فى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف فَألْقى بهَا عَصَاهُ الى أَن بلغ من الْعُمر أقصاه ثمَّ ذكر لَهُ قصيدته الدالية الَّتِى عَارض بهَا قصيدة أَحْمد الرشدى الْمُقدم ذكرهَا ومطلع قصيدته (صوادح البان وَهنا شجوها بادى ... فَمن معِين فَتى فى فت أكباد) (صب اذا غنت الورقاء أرقه ... تذكيرها نغمات الشادن الشادى) (فَبَاتَ يرعف من جفنيه تحسبه ... يرجرج المدمع الوكاف بالجادى)

стр. 1334

(جافى الْمضَاجِع الف السهد ساوره ... سم الاساود أَو أَنْيَاب آساد) (لَهُ اذا اللَّيْل واراه نشيج شج ... وجذوة فى حشاه ذَات ايقاد) (سماره حِين يضنيه توحشه ... فيستريب الى تأسيس عواد) (وجدوهم وأشجان وبرح جوى ... ولوعة تتلظى والاسى سادى) (أضناه تَفْرِيق شَمل ظلّ مجتمعا ... وضن بِالْعودِ دهر خطبه عادى) (فالعمر مَا بَين ضن ينقضى وضنى ... والدهر مَا بَين ايعاد وابعاد) (لَا وصل سلمى وَذَات الْخَال يرقبه ... وَلَا يؤمل من سعدى لَا سعاد) (أضنى فؤادى واستوهى قوى جلدى ... اقوا ملاعب بَين الهضب والوادى) (عفت محاسنها الايام فاندرست ... واستبدلت وَحْشَة من أُنْسُهَا البادى) (وعطلتها الرزايا وهى حَالية ... بساكنيها ورواد ووراد) (وعاث صرف الليالى فى معالمها ... فَمَا يُجيب الصدا فِيهَا سوى الصادى) (دوارج المورمارت فى معاهدها ... فغادرتها عَفا الساحات والنادى) (وناعب الْمَوْت نَادَى بالشتات بهَا ... فأهلها بَين أغوار وأنجاد) (وصوحت بالبلى أطلالها وخلت ... رحابها الفسيح من هيد وَمن هاد) (أضحت قفارا تجر الرامسات بهَا ... ريحًا جنوب وَشَمل رِيحهَا الجادى) (كَأَنَّهَا لم تكن يَوْمًا لبيض مهى ... مرا تعاقد خلت فِيهِنَّ من هاد) (وَلم تحل مغانيها بغانية ... تغنى اذا ماردى من بدرها رادى) (وَلَا عطا نبتها ريح وَلَا طلعت ... بهَا بَدو ردجى فى برج مصطاد) (وَلَا تثنت بهَا لمياء ساحبة ... ذيل النَّعيم دلالا بَين انداد) (فارقتها وكأنى لم أظل بهَا ... فى ظلّ عَيْش يجلى عذر حساد) (أجنى قطوف فكاهات محاضرة ... طورا وطورا أناغى ربة الهادى) (هيفاء يزرى اذا ماست تمايلها ... بأملد من غصون البان مياد) (بِجَانِب الْجيد يهوى القرط مرتعدا ... مهواه جد سحيق فَوق أكتاد) (شفاهها بَين حق الدّرّ قد خزنت ... ذخيرة الْفَحْل ممزوجا بهَا الجادى) (اذا نضت عَن محياها النقاب صبا ... مستهترا كل سجاد وَعباد) (وان تجلت فَفِيمَا قد جلته دجى ... لنابه فى الدآدى أَيّمَا هادى) (وميض برق ثناياها اذا ابتسمت ... يُعَارض الدمع من مهجورها حادى)

стр. 1335

(وناظران لَهَا يرْتَد طرفهما ... مهما رنت عَن قَتِيل مَا لَهُ وادى) (وصبح غرتها فى ليل طرتها ... يوماى من وَصلهَا أَو هجرها العادى) (تِلْكَ الربوع الَّتِى كَانَت ملاعبها ... أخنى عَلَيْهَا الذى أخنى على عَاد) (الى ملاعب غزلان الصريم بهَا ... يحن قلب الْمَعْنى مَا شدا شاد) (بعد الدَّهْر رمانى بالفراق بهَا ... وَلَا سقى كنفيه الرَّائِح الغادى) (عمرى لَئِن عظمت تِلْكَ القوادح من ... خطوبه وتعدت حد تعدادى) (لقد نسيت وأنستنى يواثقه ... تِلْكَ الَّتِى دهدهت أصلاد أطواد) (مصَارِع لبنى الزهرا وَأحمد قد ... أذكرن فخا وَمن أردى بِهِ الهادى) (لفقدهم وعَلى المطلول من دمهم ... تبكى السَّمَاء بمزن رائح غادى) (وشق جيب الْغَمَام الْبَرْق من حزن ... عَلَيْهِم لَا على أَبنَاء عباد) (كَانُوا كعقد بجيد الدَّهْر قد قرظت ... من ذَاك وَاسِطَة أودى بتبدادى) (وَهُوَ المليك الذى للْملك كَانَ حمى ... مذماس من برده فى خزأ براد) (كَانَت لجيران بَيت الله دولته ... مهاد أَمن بسرح الحيف ذواد) (وَكَانَ طود الدست الْملك مُحْتَبِيًا ... ولاقتناص المعالى أى نهاد) (ثوى بصنعا فيا الله مَا اشْتَمَلت ... عَلَيْهِ من مجده فى ضيق ألحادى) (فقد حويت بِهِ صنعاء من شرف ... كَمَا حوت صعدة بالسيد الهادى) (فحبذا أَنْت يَا صنعاء من بلد ... وَلَا تغشى زيادا وكف رعاد) (مصابه كَانَ رزأ لَا يوازنه ... رزء ومفتاح ارزاء واسآد) (وَكَانَ رَأْسا على الاشراف مُنْذُ هوى ... تتابعوا اثره عَن شبه ميعاد) (لهف الْمُضَاف اذا مَا أزمة أويت ... من قطب نائبة للمتن هداد) (لهف الْمُضَاف اذا مَا أقلحت سنة ... يضن فى محلهَا الطائى بالزاد) (لهف الْمُضَاف اذ كرّ الْجِيَاد لَدَى ... حر الجلاد أثار النَّقْع بالوادى) (لهف الْمُضَاف اذا مَا يستباح حمى ... لفقد حام بورد الْكر عواد) (لهف الْمُضَاف اذا جلى بِهِ نزلت ... وَلم يجد كاشفا مِنْهَا بمرصاد) (لهف الْمُضَاف اذا حمل المغارم فى ... نيل العلى أثقل الاعناق كالطاد) (لهف الْمُضَاف اذا نَادَى الصَّرِيخ وَلم ... يجد لَهُ مصرخا كالليث للصادى) (لهف الْمُضَاف اذا الدَّهْر العصوف سَطَا ... بضيم جَار لنزل الْعِزّ مقداد)
следующие страницы →